Indexed OCR Text

Pages 481-500

في المعارف / الباب الخامس والستون في معرفة الجنة ومنازلها ودرجاتها وما يتعلق بهذا الباب ٤٨١
تلك اللبنتين فكنت أنا عين تينك اللبنتين وكمل الحائط ولم يبق في الكعبة شيء ينقص وأنا
واقف أنظر وأعلم أني واقف وأعلم أني عين تينك اللبنتين لا أشك في ذلك وأنهما عين ذاتي،
واستيقظت فشكرت الله تعالى وقلت متأوّلاً أني في الأتباع في صنفي كرسول الله وَ لّ في
الأنبياء عليهم السلام، وعسى أن أكون ممّن ختم الله الولاية بي ﴿وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَهِ بِعَزِيٍ﴾
[سورة إبراهيم: الآية ٢٠] وذكرت حديث النبيّ وَّر في ضربه المثل بالحائط وأنه كان تلك اللبنة
فقصصت رؤياي على بعض علماء هذا الشأن بمكة من أهل توزر فأخبرني في تأويلها بما وقع
لي وما سميت له الرائي من هو، فالله أسأل أن يتمّها عليّ بكرمه، فإن الاختصاص الإلهيّ لا
يقبل التحجير ولا الموازنة ولا العمل وإن ذلك من فضل الله ﴿يَخْلَصُّ بِرَحْمَتِهِ، مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ
ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [سورة آل عمران: الآية ٧٤].
واعلم أن جنة الأعمال مائة درجة لا غير، كما أن النار مائة درك، غير أن كل درجة
تنقسم إلى منازل، فلنذكر من منازلها ما يكون لهذه الأمّة المحمدية وما تفضل به على سائر
الأمم فإنها ﴿خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [سورة آل عمران: الآية ١١٠] بشهادة الحق في القرآن
وتعريفه، وهذه المائة درجة في كل جنة من الثمان الجنات وصورتها جنة في جنة وأعلاها جنة
عدن وهي قصبة الجنة فيها الكثيب الذي يكون اجتماع الناس فيه لرؤية الحق تعالى، وهي
أعلى جنة في الجنات هي في الجنات بمنزلة دار الملك يدور عليها ثمانية أسوار بين كل
سورين جنة، فالتي تلي جنة عدن إنما هي جنة الفردوس وهي أوسط الجنات التي دون جنة
عدن وأفضلها، ثم جنة الخلد، ثم جنة النعيم، ثم جنة المأوى، ثم دار السلام، ثم دار
المقامة، وأمّا الوسيلة فهي أعلى درجة في جنة عدن وهي لرسول الله وَلو حصلت له بدعاء
أمّته فعل ذلك الحق سبحانه حكمة أخفاها فإنا بسببه نلنا السعادة من الله وبه كنّا ﴿خَيْرَ أُمَّةٍ
أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ وبه ختم الله بنا الأمم كما ختم به النبيين وهو نَّه بشّر كما أمر أن يقول، ولنا
وجه خاص إلى الله عزّ وجلّ نناجيه منه ويناجينا، وهكذا كل مخلوق له وجه خاص إلى ربّه،
فأمرنا عن أمر الله أن ندعو له بالوسيلة حتى ينزل فيها وينالها بدعاء أمّته، فافهم هذا الفضل
العظيم، وهذا من باب الغيرة الإلهية إن فهمت، فلقد كرّم الله هذا النبيّ وهذه الأمّة فتحوي
درجات الجنة من الدرج فيها على خمسة آلاف درج ومائة درج وخمسة أدراج لا غير، وقد
تزيد على هذا العدد بلا شك، ولكن ذكرنا منها ما اتفق عليه أهل الكشف ممّا يجري مجرى
الأنواع من الأجناس، والذي اختصّت به هذه الأمّة المحمدية على سائر الأمم من هذه
الأدراج اثنا عشر درجاً لا غير لا يشاركها فيها أحد من الأمم، كما فضل وَ ل غيره من الرسل
في الآخرة بالوسيلة وفتح باب الشفاعة، وفي الدنيا بست لم يعطها نبيّ قبله كما ورد في
الحديث الصحيح من حديث مسلم بن الحجاج فذكر منها عموم رسالته وتحليل الغنائم
والنصر بالرعب وجعلت له الأرض كلها مسجداً وجعلت تربتها له طهوراً وأعطي مفاتيح
خزائن الأرض .
ثم اعلم أن أهل الجنة أربعة أصناف: الرسل وهم الأنبياء، والأولياء وهم أتباع الرسل
الفتوحات المكية ج١ - م٣١

٤٨٢
في المعارف / الباب الخامس والستون في معرفة الجنة ومنازلها ودرجاتها وما يتعلق بهذا الباب
على بصيرة وبيّنة من ربّهم، والمؤمنون وهم المصدّقون بهم عليهم السلام، والعلماء بتوحيد
الله أنه لا إله إلاَّ هو من حيث الأدلة العقلية، قال الله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَآَ إِلَهَ إِلَّا هُوَ
وَالْمَلَبِكَةُ وَأُوْلُواْ أَلْعِلْمِ﴾ [سورة آل عمران: الآية ١٨] وهؤلاء هم الذين أريده بالعلماء وفيهم يقول الله
تعالى: ﴿يَرْفَعَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ دَرَحَتٍ﴾ [سورة المجادلة: الآية ١١] والطريق
الموصلة إلى العلم بالله طريقان لا ثالث لهما، ومن وحّد الله من غير هذين الطريقين فهو مقلد
في توحيده .
الطريق الواحدة: طريق الكشف: وهو علم ضروريّ يحصل عند الكشف يجده الإنسان
في نفسه لا يقبل معه شبهة ولا يقدر على دفعه، ولا يعرف لذلك دليلاً يستند إليه سوى ما
يجده في نفسه، إلاّ أن بعضهم قال: يعطى الدليل والمدلول في كشفه فإنه ما لا يعرف إلاَّ
بالدليل فلا بدّ أن يكشف له عن الدليل، وكان يقول بهذه المقالة صاحبنا أبو عبد الله بن
الكتانيّ بمدينة فاس سمعت ذلك منه وأخبر عن حاله وصدق وأخطأ في أن الأمر لا يكون إلاَّ
كذلك، فإن غيره يجد ذلك في نفسه ذوقاً من غير أن يكشف له عن الدليل. وأما أن يحصل له
عن تجلُ إلهيّ يحصل له وهم الرسل والأنبياء وبعض الأولياء.
والطريق الثاني: طريق الفكر والاستدلال بالبرهان العقليّ: وهذا الطريق دون الطريق
الأوّل، فإن صاحب النظر في الدليل قد تدخل عليه الشبه القادحة في دليله فيتكلف الكشف
عنها والبحث عن وجه الحق في الأمر المطلوب. وما ثم طريق ثالث. فهؤلاء هم أولو العلم
الذين شهدوا بتوحيد الله .
ولفحول هذه الطبقة من العلماء بتوحيد الله دلالة ونظر زيادة علم على التوحيد بتوحيد
في الذات بأدلة قطعية لا يعطاها كل أهل الكشف بل بعضهم قد يعطاها، وهؤلاء الأربع
الطوائف يتميزون في جنات عدن عند رؤية الحق في الكثيب الأبيض وهم فيه على أربعة
مقامات: طائفة منهم أصحاب منابر وهي الطبقة العليا الرسل والأنبياء. والطائفة الثانية: هم
الأولياء ورثة الأنبياء قولاً وعملاً وحالاً وهم على بيّنة من ربهم وهم أصحاب الأسرة
والعرش. والطبقة الثالثة: العلماء بالله من طريق النظر البرهانيّ العقليّ وهم أصحاب
الكراسي. والطبقة الرابعة: وهم المؤمنون المقلدون في توحيدهم ولهم المراتب وهم في
الحشر مقدّمون على أصحاب النظر العقليّ وهم في الكثيب عند النظر يتقدمون على
المقلدين، فإذا أراد الله أن يتجلى لعباده في الزور العام نادى منادي الحق في الجنات كلها: يا
أهل الجنان حيّ على المنة العظمى والمكانة الزلفى والمنظر الأعلى، هلموا إلى زيارة ربكم
في جنة عدن، فيبادرون إلى جنة عدن فيدخلونها، وكل طائفة قد عرفت مرتبتها ومنزلتها
فيجلسون ثم يؤمر بالموائد فتنصب بين أيديهم موائد اختصاص ما رأوا مثلها ولا تخيّلوه في
حياتهم ولا في جناتهم جنات الأعمال، وكذلك الطعام ما ذاقوا مثله في منازلهم، وكذلك ما
تناولوه من الشراب، فإذا فرغوا من ذلك خلعت عليهم من الخلع ما لم يلبسوا مثلها فيما
تقدم، ومصداق ذلك قوله ◌َ ل﴿ في الجنة: ((فِيهَا مَا لاَ عَيْنٌ رَأَتْ وَلاَ أُذُنْ سَمِعَتْ وَلاَ خَطَرَ عَلَى

٤٨٣
في المعارف / الباب الخامس والستون في معرفة الجنة ومنازلها ودرجاتها وما يتعلق بهذا الباب
قَلْبٍ بَشَرٍ)) فإذا فرغوا من ذلك قاموا إلى كثيب من المسك الأبيض فأخذوا منازلهم فيه على
قدر علمهم بالله لا على قدر عملهم، فإنّ العمل مخصوص بنعيم الجنان لا بمشاهدة
الرحمن، فبينا هم على ذلك إذا بنور قد بهرهم فيخرّون سجدّاً فيسري ذلك النور في أبصارهم
ظاهراً وفي بصائرهم باطناً وفي أجزاء أبدانهم كلها، وفي لطائف نفوسهم، فيرجع كل شخص
منهم عيناً كله وسمعاً كله، فيرى بذاته كلها لا تقيده الجهات، ويسمع بذاته كلها فهذا يعطيهم
ذلك النور، فبه يطيقون المشاهدة والرؤية وهي أتم من المشاهدة، فيأتيهم رسول من الله يقول
لهم: تأهبوا لرؤية ربكم جلّ جلاله فها هو يتجلى لكم، فيتأهبون فيتجلى الحق جلّ جلاله
وبينه وبين خلقه ثلاثة حجب: حجاب العزّة، وحجاب الكبرياء، وحجاب العظمة، فلا
يستطيعون نظراً إلى تلك الحجب، فيقول الله جلّ جلاله لأعظم الحجبة عنده: ارفعوا الحجب
بيني وبين عبادي حتی یروني فترفع الحجب فیتجلی لهم الحق جلّ جلاله خلف حجاب واحد
في اسمه الجميل اللطيف إلى أبصارهم وكلهم بصر واحد فينفهق عليهم نور يسري في ذواتهم
فيكونون به سمعاً كلهم وقد أبهتهم جمال الرب وأشرقت ذواتهم بنور ذلك الجمال الأقدس.
قال رسول الله وَيول من حديث النقاش في مواقف القيامة وهذا تمامه: فيقول الله جلّ
جلاله: سلام عليكم عبادي ومرحباً بكم حياكم الله، سلام عليكم من الرحمن الرحيم، الحيّ
القيوم، طبتم فادخلوها خالدين، طابت لكم الجنة، فطيبوا أنفسهم بالنعيم المقيم، والثواب
من الكريم، والخلود الدائم، أنتم المؤمنون الآمنون، وأنا الله المؤمن المهيمن، شققت لكم
اسماً من أسمائي ﴿لَ خَوْفُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ [سورة الأعراف: الآية ٤٩] أنتم أوليائي
وجيراني وأصفيائي وخاصتي وأهل محبتي وفي داري، سلام عليكم يا معشر عبادي
المسلمين، أنتم المسلمون وأنا السلام، وداري دار السلام، سأريكم وجهي كما سمعتم
كلامي، فإذا تجليت لكم وكشفت عن وجهي الحجب فاحمدوني وادخلوا إلى داري غير
محجوبين عني بسلام آمنين، فردّوا عليّ واجلسوا حولي حتى تنظروا لي وتروني من قريب،
فأتحفكم بتحفي، وأجيزكم بجوائزي، وأخصكم بنوري، وأغشيكم بجمالي، وأهب لكم من
ملكي، وأفاكهكم بضحكي، وأغلفكم بيدي، وأشمكم روحي، أنا ربكم الذي كنتم تعبدوني
ولم تروني وتحبوني وتخافوني، وعزّتي وجلالي وعلوّي وكبريائي وبهائي وسناي إني عنكم
راض وأحبكم وأحب ما تحبون، ولكم عندي ما تشتهي أنفسكم وتلذّ أعينكم، ولكم عندي ما
تدعون وما شئتم وكل ما شئتم أشاء، فاسألوني ولا تحتشموا ولا تستحيوا ولا تستوحشوا،
وإني أنا الله الجواد الغنيّ المليّ الوفيّ الصادق، وهذه داري قد أسكنتكموها، وجنتي قد
أبحتكموها، ونفسي قد أريتكموها، وهذه يدي ذات الندى والطل مبسوطة ممتدّة عليكم لا
أقبضها عنكم وأنا أنظر إليكم لا أصرف بصري عنكم، فاسألوني ما شئتم واشتهيتم فقد آنستكم
بنفسي وأنا لكم جليس وأنيس، فلا حاجة ولا فاقة بعد هذا ولا بؤس ولا مسكنة ولا ضعف
ولا هرم ولا سخط ولا حرج ولا تحويل أبداً سرمداً، نعيمكم نعيم الأبد، وأنتم الآمنون
المقيمون الماكثون المكرمون المنعمون، وأنتم السادة الأشراف الذين أطعتموني واجتنبتم

٤٨٤
في المعارف / الباب الخامس والستون في معرفة الجنة ومنازلها ودرجاتها وما يتعلق بهذا الباب
محارمي، فارفعوا إليّ حوائجكم أقضها لكم وكرامة ونعمة، قال: فيقولون: ربنا ما كان هذا
أملنا ولا أمنيتنا، ولكن حاجتنا إليك النظر إلى وجهك الكريم أبداً أبداً، ورضى نفسك عنّا،
فيقول لهم العليّ الأعلى مالك الملك السخي الكريم تبارك وتعالى: فهذا وجهي بارز لكم أبداً
سرمداً فانظروا إليه وأبشروا فإن نفسي عنكم راضية، فتمتعوا وقوموا إلى أزواجكم فعانقوا
وانكحوا وإلى ولائدكم ففاكهوا، وإلى غرفكم فادخلوا، وإلى بساتينكم فتنزهوا، وإلى دوابكم
فاركبوا، وإلى فرشكم فاتكثوا، وإلى جواريكم وسراريكم في الجنان فاستأنسوا، وإلى
هداياكم من ربكم فأقبلوا، وإلى كسوتكم فالبسوا، وإلى مجالسكم فتحدثوا، ثم قيلوا قائلة لا
نوم فيها ولا غائلة في ظل ظليل وأمن مقيل ومجاورة الجليل، ثم روحوا إلى نهر الكوثر
والكافور والماء المطهر والتسنيم والسلسبيل والزنجبيل فاغتسلوا وتنعموا ﴿طُوبَ لَهُمْ وَحُسْنُ
مَثَابٍ﴾ [سورة الرعد: الآية ٢٩] ثم روحوا فاتكثوا على الرفارف الخضر، والعبقريّ الحسان،
والفرش المرفوعة في الظل الممدود والماء المسكوب والفاكهة الكثيرة ﴿لَّ مَقْطُوْعَةٍ وَلَا مَمْنُعَةٍ﴾
[سورة الواقعة: الآية ٣٣] ثم تلا رسول الله وَّ: ﴿إِنَّ أَضْحَبَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِى شُغُلٍ فَكِهُونَ هُمْ وَأَزْوَجُهُمْ
فِى ◌ِلَالٍ عَلَى الْأَرَّبِكِ مُتَّكِّقُونَ لَهُمْ فِيهَا فَكِهَةٌ وَلَمُم ◌َا يَدَعُونَ سَلَمٌ قَوْلًا مِّن رٍَّ زَحِيمٍ﴾ [سورة يس: ٥٥
- ٥٨] ثم تلا هذه الآية: ﴿أَصْحَبُ الْجَنَّةِ يَوْمَيِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [سورة الفرقان: الآية
٢٤]. إلى هنا انتهى حديث أبي بكر النقاش الذي أسندناه في باب القيامة قبل هذا في حديث
المواقف .
ثم إن الحق تعالى بعد هذا الخطاب يرفع الحجاب ويتجلى لعباده فيخرّون سجداً فيقول
لهم: ارفعوا رؤوسكم فليس هذا موطن سجود، يا عبادي ما دعوتكم إلاَّ لتنعموا بمشاهدتي
فيمسكهم في ذلك ما شاء الله فيقول لهم: هل بقي لكم شيء بعد هذا؟ فيقولون: يا ربنا وأيّ
شيء بقي وقد نجيتنا من النار، وأدخلتنا دار رضوانك، وأنزلتنا بجوارك، وخلعت علينا
ملابس كرمك، وأريتنا وجهك؟ فيقول الحق جلّ جلاله: بقي لكم، فيقولون: يا ربنا وما ذاك
الذي بقي؟ فيقول: دوام رضاي عنكم فلا أسخط عليكم أبداً، فما أحلاها من كلمة، وما
ألذها من بشرى، فبدأ سبحانه بالكلام خلقنا فقال: ﴿ كُنْ﴾ [سورة النحل: الآية ٤٠] فأوّل شيء
كان لنا منه السماع فختم بما به بدأ فقال هذه المقالة فختم بالسماع وهو هذه البشرى،
وتتفاضل الناس في رؤيته سبحانه ويتفاوتون فيها تفاوتاً عظيماً على قدر علمهم، فمنهم
ومنهم، ثم يقول سبحانه لملائكته: ردّوهم إلى قصورهم، فلا يهتدون لأمرين: لما طرأ
عليهم من سكر الرؤية ولما زادهم من الخير في طريقهم فلم يعرفوها، فلولا أن الملائكة تدل
بهم ما عرفوا منازلهم، فإذا وصلوا إلى منازلهم تلقاهم أهلهم من الحور والولدان فيرون جميع
ملكهم قد كسي بهاء وجمالاً ونوراً من وجوههم أفاضوه إفاضة ذاتية على ملكهم فيقولون
لهم: لقد زدتم نوراً وبهاء وجمالاً ما تركناكم عليه، فيقول لهم أهلهم: وكذا كم أنتم قد زدتم
من البهاء والجمال ما لم يكن فيكم عند مفارقتكم إيانا فينعم بعضهم ببعض.
واعلم أنّ الراحة والرحمة مطلقة في الجنة كلها، وإن كانت الرحمة ليست بأمر وجوديّ

٤٨٥
في المعارف / الباب الخامس والستون في معرفة الجنة ومنازلها ودرجاتها وما يتعلق بهذا الباب
وإنما هي عبارة عن الأمر الذي يلتذّ ويتنعم به المرحوم وذلك هو الأمر الوجودي، فكل من
في الجنة متنعم وكل ما فيها نعيم، فحركتهم ما فيها نصب، وأعمالهم ما فيها لغوب إلا راحة
، النوم ما عندهم لأنهم ما ينامون فما عندهم من نعيم النوم شيء، ونعيم النوم هو الذي يتنعم
به أهل النار خاصة، فراحة النوم محلها جهنم، ومن رحمة الله بأهل النار في أيام عذابهم
خمود النار عنهم ثم تسعر بعد ذلك عليهم فيخف عنهم بذلك من آلام العذاب على قدر ما
خبت النار، قال تعالى: ﴿كُلَّمَا خَتْ زِدْنَهُمْ سَعِيرًا﴾ [سورة الإسراء: الآية ٩٧] وهذا يدلك أن
النار محسوسة بلا شك، فإن النار ما تتصف بهذا الوصف إلاَّ من كون قيامها بالأجسام، لأن
حقيقة النار لا تقبل هذا الوصف من حيث ذاتها ولا الزيادة ولا النقص، وإنما هو الجسم
المحرق بالنار هو الذي يسجر بالنارية. وإن حملنا هذه الآية على الوجه الآخر قلنا: قوله
تعالى: ﴿كُلَّمَا خَبَتْ﴾ [سورة الإسراء: الآية ٩٧] يعني النار المسلطة على أجسامهم ﴿زِدْنَهُمْ﴾
يعني المعذبين ﴿سَعِيرًا﴾ فإنه لم يقل زدناها، ومعنى ذلك أنّ العذاب ينقلب إلى بواطنهم وهو
أشد العذاب الحسيّ يشغلهم عن العذاب المعنويّ، فإذا خبت النار في ظواهرهم ووجدوا
الراحة من حيث حسّهم سلّط الله عليهم في بواطنهم التفكّر فيما كانوا فرّطوا فيه من الأمور
التي لو عملوا بها لنالوا السعادة، وتسلّط عليهم الوهم بسلطانه فيتوهمون عذاباً أشد ممّا كانوا
فيه، فيكون عذابهم بذلك التوهم في نفوسهم أشدّ من حلول العذاب المقرون بتسلّط النار
المحسوسة على أجسامهم، وتلك النار التي أعطاها الوهم هي النار التي تطلع على الأفئدة
وهي التي قلنا فيها: [البسيط]
النارُ ناران نارّ كلُّها لَهَبْ
ونارُ معنًى على الأرواح تَطّلعُ
لكنْ لها ألمّ في القلب ينْطَبِعُ
وهي التي ما لها سفْعٌ ولا لهبّ
وكذلك أهل الجنة يعطيهم الله من الأماني والنعيم المتوهّم فوق ما هم عليه، فما هو إلاَّ
أن الشخص منهم يتوهم ذلك أو يتمناه، فيكون فيه بحسب ما يتوهمه إن تمناه معنى كان
معنى، أو توهمه حسّاً كان محسوساً، أيّ ذلك كان وذلك النعيم من جنات الاختصاص
ونعيمها وهو جزاء لمن كان يتوهم هنا ويتمنى أن لو قدر وتمكن أن يكون ممّن لا يعصي الله
طرفة عين، وأن يكون من أهل طاعته، وأن يلحق بالصالحين من عباده، ولكن قصرت به
العناية في الدنيا، فيعطى هذا التمني في الجنة فيكون له ما تمناه وتوهمه وأراحه الله في الدنيا
من تلك الأعمال الشاقة ولحق في الآخرة بأصحاب تلك الأعمال في الدرجات العلى، وقد
ثبت عن رسول الله وَ# في الرجل الذي لا قوّة له ولا مال له فيرى ربّ المال الموفق يتصدق
ويعطي في فك الرقاب ويوسّع على الناس ويصل الرحم ويبني المساجد ويعمل أعمالاً لا
يمكن أن يصل إليها إلاَّ ربّ المال. ويرى أيضاً من هو أجلد منه على العبادات التي ليس في
قوّة جسمه أن يقوم بها ويتمنى أنه لو كان له مثل صاحبه من المال والقوّة لعمل مثل عمله،
قال ◌َله: ((فَهُمَا فِي الأَجْرِ سَوَاءٌ)) ومعنى ذلك أنه يعطى في الجنة مثل ذلك التمنّي من النعيم
الذي أنتجته تلك الأعمال فيكون له ما تمنّى وهو أقوى في اللذة والتنعم ممّا لو وجده في

٤٨٦ في المعارف/ الباب السادس والستون في معرفة سرّ الشريعة ظاهراً وباطناً وأتيّ اسم إلهي أوجدها
الجنة قبل هذا التمني، فلما انفعل عن تمنیه کان النعيم به أعلى، فمن جنات الاختصاص ما
يخلق الله له من همته وتمنيه، فهو اختصاص عن عمل معقول متوهم وتمنّ لم يكن له وجود
ثمرة في الدنيا وهو الذي عنينا بالاختصاص في قولنا: [السريع]
ما بين أعمالٍ وبين اختصَاصْ
مراتبُ الجنة مقسومةٌ
نُجُبِ من أعمالكم لا مَنَاصْ
فيا أولي الألباب سبقاً على
من أَثّرِ الأعمال غيرَ الخلاصْ
إنَّ بلى لم تُغْطِ أطفالَنا
فهو اختصاصٌ ما لديه انتقاص
لأنه لم يَكُ شرعاً لهم
فأردنا بالاختصاص الثاني ما لا يكون عن تمنّ ولا توهم، وأردنا بالاختصاص الأول ما
يكون عن تمنّ وتوهّم الذي هو جزاء عن تمنّ وتوهّم في الدنيا. وأمّا الأمانيّ المذمومة فهي
التي لا يكون لها ثمرة ولكن صاحبها يتنعم بها في الحال كما قيل: [الطويل]
أمانيّ إن تحصَلْ تكُنْ أحسنَ المنى
وإلاَّ فقد عشنا بها زمناً رَغْدَا
ولكن تكون حسرة في المآل. وفيها قال الله تعالى: ﴿وَغَرَّتَّكُمُ الْأَمَانِىُّ حَتَّى جَآءَ أَمْرُ اللَّهِ﴾
[سورة الحديد: الآية ١٤] وفيها يقال: ﴿أَصْحَبُ الْجَنَّةِ يَوْمَيِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [سورة
الفرقان: الآية ٢٤] لأنه لا مفاضلة بين الخير والشر، فما كان خير أصحاب الجنة أفضل وأحسن
إلاَّ من كونه واقعاً وجودياً محسوساً فهو أفضل من الخير الذي كان الكافر يتوهمه في الدنيا
ويظنّ أنه يصل إليه بكفره لجهله، فلهذا قال فيه: ﴿خَيْرٌ وَأَحْسَنُ﴾ [سورة الإسراء: الآية ٣٥] فأتى
بنية المفاضلة وهي أفعل من كذا، فافهم هذا المعنى، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل .
الباب السادس والستون
في معرفة سرّ الشريعة ظاهراً وباطناً وأيّ اسم إلهيّ أوجدها
[نظم: الكامل]
طلب الجليلُ من الجليل جلالاً
فأبى الجليلُ يشاهد الإجلالا
عبد الإلهَ يصاحبُ الإدلالا
لما رأى عزَّ الإله وَجُودَهُ
متجبراً متكبِّراً مختالا
وقد اطمأنَّ بنفسه متعزّزاً
فأذلَّه سلطانُها إذلالا
أنهى إليه شريعةً معصومةً
يا من تبارك جَدُّهُ وتَعَالى
نادى العبيدُ بفاقةٍ وبذلةٍ
قال الله عزّ وجلّ: ﴿قُل لَّوْ كَانَ فِ اَلْأَرْضِ مَلَئِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَبِنِينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ
السَّمَآءِ مَلَكًا رَسُولًا﴾ [سورة الإسراء: الآية ٩٥] وقال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾
[سورة الإسراء: الآية ١٥] فاعلم أن الأسماء الإلهية لسان حال تعطيها الحقائق، فاجعل بالك لما
تسمع ولا تتوهم الكثرة ولا الاجتماع الوجوديّ. وإنما أورد في هذا الباب ترتيب حقائق
معقولة كثيرة من جهة النسب لا من جهة وجود عينيّ، فإن ذات الحق، واحدة من حيث ما هي
ذات .

في المعارف / الباب السادس والستون في معرفة سرّ الشريعة ظاهراً وباطناً وأيّ اسم إلهيّ أوجدها ٤٨٧
ثم إنه لما علمنا من وجودنا وافتقارنا وإمكاننا أنه لا بدّ لنا من مرجح نستند إليه وأنّ
ذلك المستند لا بدّ أن يطلب وجودنا منه نسباً مختلفة، كنى الشارع عنها بالأسماء الحسنى،
فسمّي بها من كونه متكلماً في مرتبة وجوبية وجوده الإلهيّ الذي لا يصحّ أن يشارك فيه فإنه إله
واحد لا إله غيره، فأقول بعد هذا التقرير في ابتداء هذا الأمر والتأثير والترجيح في العالم
الممكن: أن الأسماء اجتمعت بحضرة المسمّى ونظرت في حقائقها ومعانيها، فطلبت ظهور
أحكامها حتى تتميز أعيانها بآثارها فإن الخالق الذي هو المقدّر، والعالم والمدبّر، والمفصّل
والباري، والمصوّر، والرزاق، والمحيي، والمميت، والوارث، والشكور، وجميع الأسماء
الإلهية نظروا في ذواتهم ولم يروا مخلوقاً ولا مدبراً ولا مفصلاً ولا مصوّراً ولا مرزوقاً
فقالوا: كيف العمل حتى تظهر هذه الأعيان التي تظهر أحكامنا فيها فيظهر سلطاننا؟ فلجأت
الأسماء الإلهية التي تطلبها بعض حقائق العالم بعد ظهور عينه إلى الاسم الباري فقالوا له :
عسى توجد هذه الأعيان لتظهر أحكامنا ويثبت سلطاننا، إذ الحضرة التي نحن فيها لا تقبل
تأثيرنا، فقال الباري: ذلك راجع إلى الاسم القادر فإني تحت حيطته، وكان أصل هذا أن
الممكنات في حال عدمها سألت الأسماء الإلهية سؤال حال ذلّة وافتقار وقالت لها: إن العدم
قد أعمانا عن إدراك بعضنا بعضاً وعن معرفة ما يجب لكم من الحق علينا، فلو أنكم أظهرتم
أعياننا وكسوتمونا حلة الوجود أنعمتم علينا بذلك وقمنا بما ينبغي لكم من الإجلال والتعظيم،
وأنتم أيضاً كانت السلطنة تصحّ لكم في ظهورنا بالفعل، واليوم أنتم علينا سلاطين بالقوّة
والصلاحية، فهذا الذي نطلبه منكم هو في حقكم أكثر منه في حقنا.
فقالت الأسماء: إنّ هذا الذي ذكرته الممكنات صحيح فتحرّكوا في طلب ذلك، فلما
لجؤوا إلى الاسم القادر قال القادر: أنا تحت حيطة المريد فلا أوجد عيناً منكم إلاَّ
باختصاصه، ولا يمكنني الممكن من نفسه إلاَّ أن يأتيه أمر الآمر من ربه، فإذا أمره بالتكوين
وقال له: كن مكّنني من نفسه وتعلّقت بإيجاده فكوّنته من حينه، فالجؤوا إلى الاسم المريد
عسى أنه يرجح ويخصّص جانب الوجود على جانب العدم، فحينئذ نجتمع أنا والآمر
والمتكلم ونوجدكم، فلجؤوا إلى الاسم المريد فقالوا له: إن الاسم القادر سألناه في إيجاد
أعياننا فأوقف أمر ذلك عليك فما ترسم؟ فقال المريد: صدق القادر ولكن ما عندي خبر ما
حكم الاسم العالم فيكم هل سبق علمه بإيجادكم فنخصّص أو لم يسبق فإنا تحت حيطة
الاسم العالم فسيروا إليه، واذكروا له قضيتكم، فساروا إلى الاسم العالم وذكروا ما قاله الاسم
المريد فقال العالم: صدق المريد وقد سبق علمي بإيجادكم ولكن الأدب أولى فإن لنا حضرة
مهيمنة علينا وهي الاسم الله فلا بدّ من حضورنا عنده فإنها حضرة الجمع، فاجتمعت الأسماء
كلها في حضرة الله فقال: ما بالكم فذكروا له الخبر فقال: أنا اسم جامع لحقائقكم وإني دليل
على مسمّى وهو ذات مقدّسة له نعوت الكمال والتنزيه فقفوا حتى أدخل على مدلولي، فدخل
على مدلوله فقال له ما قالته الممكنات وما تحاورت فيه الأسماء فقال: اخرج وقل لكل واحد
من الأسماء يتعلق بما تقتضيه حقيقته في الممكنات فإني الواحد لنفسي من حيث نفسي

٤٨٨ في المعارف/ الباب السادس والستون في معرفة سرّ الشريعة ظاهراً وباطناً وأيّ اسم إلهيّ أوجدها
والممكنات إنما تطلب مرتبتي وتطلبها مرتبتي والأسماء إلهية كلها للمرتبة لا لى إلاّ الواحد
خاصة فهو اسم خصيص بي لا يشاركني في حقيقته من كل وجه أحد لا من الأسماء ولا من
المراتب ولا من الممكنات، فخرج الاسم الله ومعه الاسم المتكلم يترجم عنه للممكنات
والأسماء فذكر لهم ما ذكره المسمّى فتعلق العالم والمريد والقائل والقادر فظهر الممكن الأول
من الممكنات بتخصيص المريد وحكم العالم، فلما ظهرت الأعيان والآثار في الأكوان
وتسلّط بعضها على بعض وقهر بعضها بعضاً بحسب ما تستند إليه من الأسماء فأدّى إلى
منازعة وخصام فقالوا: إنا نخاف علينا أن يفسد نظامنا ونلحق بالعدم الذي كنّا فيه، فنبهت
الممكنات الأسماء بما ألقى إليها الاسم العليم والمدبر وقالوا: أنتم أيها الأسماء لو كان
حكمكم على ميزان معلوم وحدّ مرسوم بإمام ترجعون إليه يحفظ علينا وجودنا ونحفظ عليكم
تأثيراتكم فينا لكان أصلح لنا ولكم فالجؤوا إلى الله عسى يقدّم من يحدّ لكم حدّاً تقفون عنده
وإلاَّ هلكنا وتعطلتم، فقالوا: هذا عين المصلحة وعين الرأي ففعلوا ذلك فقالوا: إن الاسم
المدبر هو ينهي أمركم فانهوا إلى المدبر الأمر، فقال: أنا لها فدخل وخرج بأمر الحق إلى
الاسم الرب وقال له: افعل ما تقتضيه المصلحة في بقاء أعيان هذه الممكنات فاتخذ وزیرین
يعينانه على ما أمر به الوزير الواحد الاسم المدبّر والوزير الآخر المفصل، قال تعالى: ﴿يُدَبِّرُ
اُلْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآَيَتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبَّكُمْ تُوقِنُونَ﴾ [سورة الرعد: الآية ٢] الذي هو الإمام فانظر ما أحكم
كلام الله تعالى حيث جاء بلفظ مطابق للحال الذي ينبغي أن يكون الأمر عليه، فحدّ الاسم
الرب لهم الحدود ووضع لهم المراسم لإصلاح المملكة وليبلوهم أيهم أحسن عملاً .
وجعل الله ذلك على قسمين: قسم يسمّى سياسة حكمية ألقاها في فطر نفوس الأكابر
من الناس فحدّوا حدوداً ووضعوا نواميس بقوّة وجدوها في نفوسهم كل مدينة وجهة وإقليم
بحسب ما يقتضيه مزاج تلك الناحية وطباعهم لعلمهم بما تعطيه الحكمة، فانحفظت بذلك
أموال الناس ودماؤهم وأهلوهم وأرحامهم وأنسابهم وسمّوها نواميس ومعناها أسباب خير لأنّ
الناموس في العرف الإصطلاحيّ هو الذي يأتي بالخير والجاسوس يستعمل في الشرّ، فهذه
هي النواميس الحكمية التي وضعها العقلاء عن إلهام من الله من حيث لا يشعرون لمصالح
العالم ونظمه وارتباطه في مواضع لم يكن عندهم شرع إلهيّ منزّل، ولا علم لواضع هذه
النواميس بأن هذه الأمور مقرّبة إلى الله ولا تورث جنة ولا ناراً ولا شيئاً من أسباب الآخرة،
ولا علموا أن ثم آخرة وبعثاً محسوساً بعد الموت في أجسام طبيعية وداراً فيها أكل وشرب
ولباس ونكاح وفرح، وداراً فيها عذاب وآلام، فإن وجود ذلك ممكن وعدمه ممكن، ولا
دليل لهم في ترجيح أحد الممكنين بل رهبانية ابتدعوها، فلهذا كان مبنى نواميسهم
ومصالحهم على إبقاء الصلاح في هذه الدار، ثم انفردوا في نفوسهم بالعلوم الإلهية من توحيد
الله وما ينبغي لجلاله من التعظيم والتقديس وصفات التنزيه وعدم المثل والشبيه ونبه من يدري
ومن علم ذلك من لا يدري، وحرّضوا الناس على النظر الصحيح وأعلموهم أن للعقول من
حيث أفكارها حدّاً تقف عنده لا تتجاوزه، وأن لله على قلوب بعض عباده فيضاً إلهياً يعلمهم

في المعارف/ الباب السادس والستون في معرفة سرّ الشريعة ظاهراً وباطناً وأيّ اسم إلهيّ أوجدها ٤٨٩
فيه من لدنه علماً ولم يبعد ذلك عندهم، وأن الله قد أودع في العالم العلويّ أموراً استدلّوا
عليها بوجود آثارها في العالم العنصريّ وهو قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَى فِى كُلِّ سَمَآٍ أَمْرَهَا﴾ [سورة
فصلت: الآية ١٢] فبحثوا عن حقائق نفوسهم لما رأوا أن الصورة الجسدية إذا ماتت ما نقص من
أعضائها شيء فعلموا أن المدرك والمحرّك لهذا الجسد إنما هو أمر آخر زائد عليه، فبحثوا عن
ذلك الأمر الزائد فعرفوا نفوسهم، ثم رأوا أنه يعلم بعدما كان يجهل، فعلموا أنها وإن كانت
أشرف من أجسادها فإن الفقر والفاقة يصحبها فاعتلوا بالنظر من شيء إلى شيء، وكلما
وصلوا إلى شيء رأوه مفتقراً إلى شيء آخر حتى انتهى بهم النظر إلى شيء لا يفتقر إلى شيء
ولا مثله شيء ولا يشبه شيئاً ولا يشبهه شيء، فوقفوا عنده وقالوا: هذا هو الأول، وينبغي أن
يكون واحداً لذاته من حيث ذاته، وأن أوّليته لا تقبل الثاني ولا أحديته لأنه لا شبه له ولا
مناسب، فوحدوه توحید وجود.
ثم لما رأوا أن الممكنات لأنفسها لا تترجح لذاتها علموا أن هذا الواحد أفادها الوجود
فافتقرت إليه وعظمته بأن سلبت عنه جميع ما تصف ذواتها به فهذا حد العقل، فبينا هم كذلك
إذ قام شخص من جنسهم لم يكن عندهم من المكانة في العلم بحيث أن يعتقدوا فيه أنه ذو
فكر صحيح ونظر صائب فقال لهم: أنا رسول الله إليكم فقالوا: الإنصاف أولى، انظروا في
نفس دعواه هل ادّعى ما هو ممكن أو ادّعى ما هو محال؟ فقالوا: إنه قد ثبت عندنا بالدليل أن
الله فيضاً إلهياً يجوز أن يمنحه من يشاء كما أفاض ذلك على أرواح هذه الأفلاك وهذه العقول
والكل قد اشتركوا في الإمكان، وليس بعض الممكنات بأولى من بعض فيما هو ممكن، فما
بقي لنا نظر إلاَّ في صدق هذا المدّعي أو كذبه، ولا نقدم على شيء من هذين الحكمين بغير
دليل فإنه سوء أدب مع علمنا، فقالوا: هل لك دليل على صدق ما تدعيه؟ فجاءهم بالدلائل
فنظروا في دلالته وفي أدلته ونظروا أن هذا الشخص ما عنده خبر مما تنتجه الأفكار ولا عرف
منه، فعلموا أن الذي أوحى في كل سماء أمرها كان ممّا أوحاه في كل سماء وجود هذا
الشخص وما جاء به، فأسرعوا إليه بالإيمان به وصدقوه، وعلموا أن الله قد أطلعه على ما
أودعه في العالم العلويّ من المعارف ما لم تصل إليه أفكارهم، ثم أعطاه من المعرفة بالله ما
لم يكن عندهم، ورأوا نزوله في المعارف بالله إلى العامي الضعيف الرأي بما يصلح لعقله من
ذلك، وإلى الكبير العقل الصحيح النظر بما يصلح لعقله من ذلك، فعلموا أن الرجل عنده من
الفيض الإلهيّ ما هو وراء طور العقل، وأن الله قد أعطاه من العلم به والقدرة عليه ما لم يعطه
إياهم، فقالوا بفضله وتقدمه عليهم وآمنوا به وصدّقوه واتبعوه، فعين لهم الأفعال المقرّبة إلى
الله تعالى، وأعلمهم بما خلق الله من الممكنات فيما غاب عنهم وما يكون منه سبحانه فيهم
في المستقبل، وجاءهم بالبعث والنشور والحشر والجنة والنار.
ثم إنه تتابعت الرسل على اختلاف الأزمان واختلاف الأحوال، وكل واحد منهم يصدق
صاحبه، ما اختلفوا قط في الأصول التي استندوا إليها وعبّروا عنها وإن اختلفت الأحكام،

٤٩٠ في المعارف/ الباب السادس والستون في معرفة سرّ الشريعة ظاهراً وباطناً وأيّ اسم إلهيّ أوجدها
فتنزلت الشرائع، ونزلت الأحكام، وكان الحكم بحسب الزمان والحال كما قال تعالى: ﴿يَكُلِّ
جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجَأَ﴾ [سورة المائدة: الآية ٤٨] فاتفقت أصولهم من غير خلاف في شيء من
ذلك، وفرقوا في هذه السياسات النبوية المشروعة من عند الله بينها وبين ما وضعت الحكماء
من السياسات الحكمية التي اقتضاها نظرهم، وعلموا أن هذا الأمر أتم وأنه من عند الله بلا
شك، فقبلوا ما أعلمهم به من الغيوب وآمنوا بالرسل وما عاند أحد منهم إلاَّ من لم ينصح
نفسه في علمه واتبع هواه وطلب الرياسة على أبناء جنسه وجهل نفسه وقدره وجهل ربه،
فكان أصل وضع الشريعة في العالم وسببها طلب صلاح العالم ومعرفة ما جهل من الله ممّا لا
يقبله العقل أي لا يستقل به العقل من حيث نظره، فنزلت بهذه المعرفة الكتب المنزلة،
ونطقت بها ألسنة الرسل والأنبياء عليهم السلام، فعلمت العقلاء عند ذلك أنها نقصها من
العلم بالله أمور تممتها لهم الرسل، ولا أعني بالعقلاء المتكلمين اليوم في الحكمة وإنما أعني
بالعقلاء من كان على طريقتهم من الشغل بنفسه والرياضات والمجاهدات والخلوات والتهيؤ
لواردات ما يأتيهم في قلوبهم عند صفائها من العالم العلوي الموحى في السماوات العلى
فهؤلائك أعني بالعقلاء. فإن أصحاب اللقلقة والكلام والجدل الذين استعملوا أفكارهم في
مواد الألفاظ التي صدرت عن الأوائل وغابوا عن الأمر الذي أخذها عنه أولئك الرجال.
وأمّا أمثال هؤلاء الذين عندنا اليوم لا قدّر لهم عند كل عاقل فإنهم يستهزئون بالدين
ويستخفون بعباد الله ولا يعظم عندهم إلاَّ من هو معهم على مدرجتهم، قد استولى على
قلوبهم حب الدنيا وطلب الجاه والرياسة، فأذلّهم الله كما أذلّوا العلم وحقّرهم وصغّرهم
وألجأهم إلى أبواب الملوك والولاة من الجهال فأذلتهم الملوك والولاة، فأمثال هؤلاء لا يعتبر
قولهم، فإن قلوبهم قد ختم الله عليها ﴿فَصَمَّهُمْ وَأَعْمَىَ أَبْصَرَهُمْ﴾ [سورة محمد: الآية ٢٣] مع
الدعوى العريضة أنهم أفضل العالم عند نفوسهم. فالفقيه المفتي في دين الله مع قلة ورعه بكل
وجه أحسن حالاً من هؤلاء، فإن صاحب الإيمان مع كونه أخذه تقليداً هو أحسن حالاً من
هؤلاء العقلاء على زعمهم، وحاشى العاقل أن يكون بمثل هذه الصفة، وقد أدركنا ممن كان
على حالهم قليلاً وكانوا أعرف الناس بمقدار الرسل ومن أعظمهم تبعاً لسنن الرسول وَالهرم
وأشدّهم محافظة على سننه عارفين بما ينبغي لجلال الحق من التعظيم، عالمين بما خصّ الله
عباده من النبيين وأتباعهم من الأولياء من العلم بالله من جهة الفيض الإلهيّ الاختصاصيّ
الخارج عن التعلّم المعتاد من الدرس والاجتهاد ما لا يقدر العقل من حيث فكره أن يصل
إليه، ولقد سمعت واحداً من أكابرهم وقد رأى ممّا فتح الله به عليّ من العلم به سبحانه من
غير نظر ولا قراءة بل من خلوة خلوت بها مع الله ولم أكن من أهل الطلب فقال: الحمد لله
الذي أنا في زمان رأيت فيه من آتاه الله رحمة من عنده وعلمه من لدنه علماً ﴿وَاللَّهُ يَخْصُّ
بِرَحْمَتِهِ، مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٠٥] والله يقول الحق وهو
يهدي السبيل .

٤٩١
في المعارف / الباب السابع والستون في معرفة لا إله إلاَّ الله محمد رسول الله وهو الإيمان
الباب السابع والستون
في معرفة لا إله إلاَّ الله محمد رسول الله وهو الإيمان
[نظم: الخفيف]
أنه لا إله إلاَّ هو الله
شهد الله لم يزل أزلاً
أنه لا إله إلاَّ هو الله
ثم أملاكُه بذا شَهِدَتْ
أنه لا إله إلاَّ هو الله
وأولُو العلمِ كلّهم شهدوا
إنه لا إله إلاَّ هو الله
ثم قال الرسَولُ قولوا معي
مَنْ قبلنا لا إله إلاَّ هو الله
أفْضَلُ ما قلتُه وقال به
أنه لا إله إلاَّ هو الله
ما عدا الإنس كلهم شهدوا
قال الله جلّ ثناؤه في كتابه العزيز ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَآ إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَتَبِكَةُ وَأُوْلُواْ أَلْعِلْمِ قَآَيِمًا
بِاَلْقِسْطِ لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَهِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [سورة آل عمران: الآية ١٨] ثم قال: ﴿إِنَّ الْذِينَ عِندَ اللَّهِ
اُلْإِسْلَمُ﴾ [سورة آل عمران: الآية ١٩] وقال رسول الله وَّ: «الإسْلاَمُ أَنْ تَشْهَدَ أَن لاَ إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ
وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّهِ)) الحديث، فقال سبحانه: ﴿وَأُوْلُواْ أَلْعِلْرٍ﴾ لم يقل: وأولو الإيمان فإن
شهادته بالتوحيد لنفسه ما هي عن خبر فيكون إيماناً، ولهذا الشاهد فيما يشهد به لا يكون إلاَّ
عن علم وإلاَّ فلا تصحّ شهادته. ثم إنه عزّ وجلّ عطف الملائكة وأولي العلم على نفسه بالواو
وهو حرف يعطي الاشتراك، ولا اشتراك هنا إلاَّ في الشهادة قطعاً، ثم أضافهم إلى العلم لا
إلى الإيمان، فعلمنا أنه أراد من حصل له التوحيد من طريق العلم النظريّ أو الضروريّ لا من
طريق الخبر كأنه يقول: وشهدت الملائكة بتوحيدي بالعلم الضروريّ من التجلي الذي أفادهم
العلم وقام لهم مقام النظر الصحيح في الأدلة فشهدت لي بالتوحيد كما شهدت لنفسي، وأولو
العلم بالنظر العقليّ الذي جعلته في عبادي، ثم جاء بالإيمان بعد ذلك في الرتبة الثانية من
العلماء وهو الذي يعوّل عليه في السعادة فإن الله به أمر وسميناه علماً لكون المخبر هو الله
فقال: ﴿فَأَعْلَ أَنَّهُ لَّ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [سورة محمد: الآية ١٩] وقال تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمُوْ أَنَّمَا هُوَ إِلَهُ
وَحِدٌ﴾ [سورة إبراهيم: الآية ٥٢] حين قسّم المراتب في آخر سورة إبراهيم من القرآن العزيز.
وقال رسول الله وََّ في الصحيح: ((مَنْ مَاتَ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لاَ إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ دَخَلَ الجَنَّةَ))
ولم يقل هنا يؤمن فإن الإيمان موقوف على الخبر وقد قال: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾
[سورة الإسراء: الآية ١٥] وقد علمنا أن لله عباداً كانوا في فترات وهم موحدون علماً، وما كانت
دعوة الرسل قبل رسول الله وَّر عامّة فيلزم أهل كل زمان الإيمان، فعمّ بهذا الكلام جميع
العلماء بتوحيد الله المؤمن منهم من حيث ما هو عالم به من جهة الخبر الصدق الذي يفيد
العلم لا من جهة الإيمان وغير المؤمن، فالإيمان لا يصحّ وجوده إلاَّ بعد مجيء الرسول،
والرسول لا يثبت حتى يعلم الناظر العاقل أن ثم إلهاً وأن ذاك الإله واحد لا بدّ من ذلك لأن
الرسول من جنس من أرسل إليهم، فلا يختص واحد من الجنس دون غيره إلاَّ لعدم المعارض

٤٩٢
في المعارف/ الباب السابع والستون في معرفة لا إله إلاَّ الله محمد رسول الله وهو الإيمان
وهو الشريك، فلا بدّ أن يكون عالماً بتوحيد من أرسله وهو الله تعالى، ولا بدّ أن يتقدّمه العلم
بأن هذا الإله هو على صفة يمكن أن يبعث رسولاً بنسبة خاصة ما هي ذاته، وحينئذ ينظر في
صدق دعوى هذا الرسول أنه رسول من عند الله لإمكان ذلك عنده، وهذه في العلم مراتب
معقولة يتوقف العلم ببعضها على بعض، وليس هذا كله حظ المؤمن فإن مرتبة الإيمان وهو
التصديق بأن هذا رسول من عند الله لا تكون إلاَّ بعد حصول هذا العلم الذي ذكرناه.
فإذا جاءت الدلالات على صدقه بأنه رسول الله لا بتوحيد مرسله حينئذ تتأهب العقلاء
أولو الألباب والأحلام والنهى لما يورده في رسالته هذا الرسول، فأول شيء قال في رسالته:
إن الله الذي أرسلني يقول لكم: قولوا: لا إله إلاَّ الله، فعلم أولو الألباب أن العالم بتوحيد الله
لا يلزمه أن يتلفظ به، فلما سمع من الرسول الأمر بالتلفظ به وأن ذلك ليس من مدلول دليل
العلم بتوحيد الله تلفظ به هذا العالم الموحد إيماناً وتصديقاً بهذا الرسول، فإذا قال العالم: لا
إله إلاّ الله لقول رسول الله وَي له قل: لا إله إلاَّ الله عن أمر الله سمّي مؤمناً، فإن الرسول
أوجب عليه أن يقولها وقد كان في نفسه عالماً بها ومخيّراً في نفسه في التلفظ بها وعدم التلفظ
بها، فهذه مرتبة العالم بتوحيد الله من حيث الدليل، فمن مات وهو يعلم أنه لا إله إلاَّ الله
دخل الجنة بلا شك ولا ريب وهو من السعداء.
فأمّا من كان في الفترات فيبعثه الله أمّة وحده كقس بن ساعدة لا تابع لأنه ليس بمؤمن
ولا هو متبوع لأنه ليس برسول من عند الله بل هو عالم بالله وبما علم من الكوائن الحادثة في
العالم بأي وجه علمها، وليس لمخلوق أن يشرع ما لم يأذن به الله ولا أن يوجب وقوع ممكن
من عالم الغيب يجوز خلافه في دليله على جهة القربة إلى الله إِلاَّ بوحي من الله وإخبار، وهنا
نكت لمن له قلب وفطنة لقوله تعالى: ﴿وَأَوْحَى فِى كُلّ سَمَآءٍ أَمْرَهَا﴾ [سورة فصلت: الآية ١٢] وقوله
أنه أودع اللوح المحفوظ جميع ما يجريه في خلقه إلى يوم القيامة .
وممّا أوحى الله في سمواته وأودعه في لوحه بعثة الرسل، فتؤخذ من اللوح كشفاً
واطلاعاً، وتؤخذ من السماء نظراً واختباراً، وعلمهم ببعثة الرسل علمهم بما يجيئون به من
القربات إلى الله وبأزمانهم وأمكنتهم وحلاهم، وما يكون من الناس بعد الموت، وما يكون
منهم في البعث والحشر، ومآلهم إلى السعادة والشقاء من جنة ونار، وأنّ الله جعل بروج
الفلك ومنازله وسباحة كواكبه أدلة على حكم ما يجريه الله في العالم الطبيعيّ والعنصريّ من
حرّ وبرد ويبس ورطوبة، في حار وبارد ورطب ويابس، فمنها ما يقتضي وجود الأجسام في
حركات معلومة، ومنها ما يقتضي وجود الأرواح، ومنها ما يقتضي بقاء مدّة السموات وهو
العلم الذي أشار إليه أبو طالب المكيّ من أن الفلك يدور بأنفاس العالم، ومع رؤيتهم لذلك
كله هم فيه متفاضلون بعضهم على بعض: فمنهم الكامل المحقق المدقق، ومنهم من ينزل
عن درجته بالتفاضل في النزول.
وقد رأينا جماعة من أصحاب خط الرمل والعلماء بتقادير حركات الأفلاك وتسيير
كواكبها والاقترانات ومقاديرها ومنازل اقتراناتها، وما يحدث الله عند ذلك من الحكم في

٤٩٣
في المعارف / الباب السابع والستون في معرفة لا إله إلاَّ الله محمد رسول الله وهو الإيمان
خلقه كالأسباب المعتادة في العامة التي لا يجهلها أحد ولا يكفر القائل بها، فهذه أيضاً معتادة
عند العلماء بها، فإنها تعطي بحسب تأليف طباعها ممّا لا يعطيه حالها في غير اقترانها بغيرها،
فيخبرون بأمور جزئية تقع على حدّ ما أخبروا به، وإن كان ذلك الأمر واقعاً بحكم الاتفاق
بالنظر إليه وإن كان علماً في نفس الأمر فإن الناظر فيه ما هو على يقين، وإن قطع به في نفسه
الغموض الأمر فما يصحّ أن يكون مع الإنصاف على يقين من نفسه أنه ما فاتته دقيقة في نظره
ولا فات لمن مهد له السبيل قبله من غير نبيّ يخبر عن الله فإن المتأخر على حساب المتقدّم
يعتمد، فلما رأينا ذلك علمنا أن الله أسراراً في خلقه، ومن حصل في هذه المرتبة من العلم لم
يكن أحد أقوى في الإيمان منه بما جاءت به الرسل، وما جاء به رسول الله وَ لَو من عند الله
إلاَّ من يدعو إلى الله على بصيرة كالرسول وأتباعه، وأن كلامنا في المفاضلة إنما هو بين
هؤلاء وبين المؤمنين أهل التقليد لا بين الرسل وأولياء الله وخاصته الذين تولّى الله تعليمهم
فآتاهم رحمة من عنده وعلمهم من لدنه علماً، فهم فيما علموه بحكم القطع لا بحكم
الاتفاق، يقول رسول الله وَّه في علم الخط: ((إِنَّ نَبِيّاً مِنَ الأَنْبِيَاءِ بعثَ بِهِ قِيلَ هُوَ إِذْرِيسُ عَلَيْهِ
السَّلاَمِ فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ فِي تِلْكَ الأَشْكَالِ الّتي أَقَامَهَا اللَّهُ لَهُ مَّقَامَ الملكِ لِغَيْرِهِ) وكما يجيء
الملك من غير قصد من النبيّ لمجيئه، كذلك يجيء شكل الخط من غير قصد الضارب
صاحب الخط إليه، وهذه هي الأمّهات خاصة. ثم شرع له أن يشرع وهي السنّة التي يرى
الرسول أن يضعها في العالم وأصلها الوحي، كذلك ما يولد صاحب الخط عن الأمّهات من
الأولاد وأولاد الأولاد، فتفصح له تلك الأشكال عن الأمر المطلوب على ما هو عليه،
والضمير فيه كالنية في العمل فلا يخطىء، قال عليه السلام في العلماء العالمين بالخط: ((فَمَنْ
وَافَقَ خَطَّهُ - يَعْنِي خَطَّ ذُلِكَ النَّبِيِّ - فَذَاكَ يَقُولُ: فَقَدْ أَصَابَ الحَقَّ) فهذا مثل من يدعو إلى الله
على بصيرة من اتباع الرسل، فقوله: فإن وافق فما جعله علماً عنده لكونه لا يقطع به، وإن
كان علماً في نفس الأمر فهذا الفرق بين هؤلاء وبين من يدعو إلى الله على بصيرة ومن هو
على بينة من ربه. فأعلم العلماء بالله بعد ملائكة الله رسل الله وأولياؤه، ثم العلماء بالأدلة ومن
دونهم، وإن وافق العلم في نفس الأمر فليس هو عند نفسه بعالم للتردّد الإمكانيّ الذي يجده
في نفسه المنصف فما هو مؤمن إلاَّ بما جاء في كتاب الله على التعيين وما جاء عن رسوله على
الجملة لا على التفصيل إلاَّ ما حصل له من ذلك تواتراً، ولهذا قيل للمؤمنين ﴿مَامِنُواْ بِاللّهِ
وَرَسُولِهِ﴾ [سورة النساء: الآية ١٣٦] فقد بانت لك مراتب الخلق في العلم بالله.
فإذا جاء الرسول وبين يديه العلماء بالله وغير العلماء بالله وقال للجميع: قولوا: لا إله
إلاَّ الله، علمنا على القطع أنه وَّر في ذلك القول معلم لمن لا علم له بتوحيد الله من
المشركين، وعلمنا أنه في ذلك القول أيضاً معلم للعلماء بالله وتوحيده أن التلفّظ به واجب،
وأنه العاصم لهم من سفك دمائهم وأخذ أموالهم وسبي ذراريهم، ولهذا قال رسول الله وَلاء:
((أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لاَ إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلاَّ
بِحَقّ الإِسْلاَمِ وَحِسَابِهِمْ عَلَى اللَّهِ))، ولم يقل حتى يعلموا فإن فيهم العلماء، فالحكم هنا للقول

٤٩٤
في المعارف / الباب السابع والستون في معرفة لا إله إلاَّ الله محمد رسول الله وهو الإيمان
لا للعلم والحكم ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَآئِرُ﴾ [سورة الطارق: الآية ٩] في هذا للعلم لا للقول، فقالها هنا
العالم والمؤمن والمنافق الذي ليس بعالم ولا مؤمن، فإذا قالوا هذه الكلمة عصموا دماءهم
وأموالهم إلاّ بحقها في الدنيا والآخرة وحسابهم على الله في الآخرة من أجل المنافق، ومن
ترتب عليه حق لأحد فلم يؤخذ منه، وأمّا في الدنيا فمن أجل الحدود الموضوعة فإن قول: لا
إله إلاَّالله لا يسقطها في الدنيا ولا في الآخرة، وأما حسابهم على الله في الآخرة يوم يجمع الله
الرسل فيقول: ماذا أجبتم؟ فيعلمون بقرينة الحال أنه سؤال واستفهام عن إجابتهم بالقلوب
فيقولون: لا علم لنا أي لم نطلع على القلوب ﴿إِنَّكَ أَنتَ عَلَّهُ الْغُيُوبِ﴾ [سورة المائدة: الآية ١٠٩]
تأکید وتأیید لما ذكرنا.
ثم قال ◌َِّّر من اسمه الملك بني الإسلام على خمس، فصيّره ملكاً شهادة أن لا إله إلاَّ
الله وهي القلب، وأن محمداً رسول الله حاجب الباب، وإقام الصلاة المجنبة اليمنى، وإيتاء
الزكاة المجنبة اليسرى، وصيام رمضان التقدمة، والحج الساقة، وربما كانت الصلاة التقدمة
لكونها نوراً فهي تحجب الملك، وقد ورد في الخبر أن حجابه النور وتكون الزكاة الميمنة
لأنها إنفاق يحتاج إلى قوّة لإخراج ما كان يملكه عن ملكه، ويكون الحج الميسرة لما فيه من
الإنفاق والقرابين حيث تجتمع بالزكاة في الصدقة والهدية وكلاهما من أعمال الأيدي، ويكون
الصوم في الساقة فإن الخلف نظير الإمام وهو ضياء، فإن الصبر ضياء يريد الصوم والضياء من
النور فهو أولى بالساقة للموازنة، فإن الآخر يمشي على أثر الأوّل، وهكذا يكون الإيمان
الإلهيّ يوم القيامة، فيأتي الإيمان يوم القيامة في صورة ملك على هذه الصفة، فأهل لا إله إلاَّ
الله في القلب، وأهل الصلاة في التقدمة، وأهل الزكاة وهي الصدقة في الميمنة، وأهل الحج
في الميسرة، وأهل الصيام في الساقة، جعلنا الله ممّن قام بناء بيته على هذه القواعد، فكان
بيته الإيمان، وحدّه من القِبلة الصلاة، ومن الشمال الصوم، ومن الغرب صدقة السرّ، ومن
الشرق الحج، فلقد سعد ساکنه.
واعلم أن لا إله إلاّ الله كلمة نفي وإثبات وهي أفضل كلمة قالتها الأنبياء، قال
رسول الله وَّ: ((أَفْضَلُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْم عَرَفَةَ)) فيه إشارة لدعاء العارفين بالله، وأفضل ما قلته
أنا والنبيون من قبلي: ((لاَ إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ)) وهو حديث صحيح رواية ومعنى، فالنفي لا بدّ أن يرد
على ثابت فينفيه فإنه إن ورد النفي على ما ليس بثابت وهو النفي أثبته لأن ورود النفي على
نفي إثبات كما أن عدم العدم وجود فما نفى هذا النافي بقوله لا إله أخبرونا فقد استفهمناكم،
والمثبت أيضاً هل حكمه حكم النفي من أنه لا يثبت إلاَّ المنفي؟ أو حكمه حكم آخر يتميز به
عن حكم النفي؟ فأيّ شيء نفي هذا النافي، وأيّ شيء أثبت هذا المثبت هذا كله لا بدّ من
تحقیقه إن شاء الله .
فاعلم أن النفي ورد على أعيان من المخلوقات لما وصفت بالألوهية ونسبت إليها قيل
فيها آلهة، ولهذا تعجب من تعجب من المشركين لما دعاهم رسول الله وَاللّه إلى الله الواحد
فأخبرنا الله عنه أنه قال: ﴿أَجَعَلَ الْأَلِمَةَ إِلَهَا وَحِدًّا إِنَّ هَذَا لَشَىُ عُجَابٌ﴾ [سورة ص: الآية ٥] فسمّوها

٤٩٥
في المعارف/ الباب السابع والستون في معرفة لا إله إلاَّ الله محمد رسول الله وهو الإيمان
آلهة وهي ليست بهذه الصفة، فورد حكم النفي على هذه النسبة الثابتة عندهم إليها لا في نفس
الأمر لا على نفي الألوهية، لأنه لو نفى النفي لكان عين الإثبات لما زعمه المشرك فكأنه يقول
للمشرك: هذا القول الذي قلت لا يصحّ أي ما هو الإمر كما زعمت ولا بدّ من إله، وقد
انتفت الكثرة عن الآلهة بحرف الإيجاب الذي هو قوله إلاَّ، وأوجبوا هذه النسبة إلى المذكور
بعد حرف الإيجاب وهو مسمّى الله فقالوا: لا إله إلاَّ الله فلم تثبت نسبة الألوهة لله بإثبات
المثبت لأنه سبحانه إله لنفسه، فأثبت المثبت بقوله: إلاَّ الله هذا الأمر في نفس من لم يكن
يعتقد انفراده سبحانه بهذا الوصف، فإنّ ثبت الثبت محال وليس نفي المنفي بمحال، فعلى
الحقيقة ما عبد المشرك إلاَّ الله لأنه لو لم يعتقد الألوهة في الشريك ما عبده ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا
تَعْبُدُواْ إِلَّ إِيَّاهُ﴾ [سورة الإسراء: الآية ٢٣] ولذلك غار الحق لهذا الوصف فعاقبهم في الدنيا إذ لم
يحترموه ورزقهم وسمع دعاءهم وأجابهم إذا سألوا إلههم في زعمهم لعلمه سبحانه أنهم ما
لجؤوا إلاَّ لهذه المرتبة وإن أخطؤوا في النسبة فشقوا في الآخرة شقاء الأبد حيث نبههم
الرسول على توحيد من تجب له هذه النسبة لم ينظروا ولا نصحوا نفوسهم، ولهذا كانت دلالة
كل رسول بحسب ما كان الغالب على أهل زمانه لتقوم عليهم الحجة لكون ﴿فَلِلَّهِ الْحُبَّةُ
اُلْبَالِغَةُ﴾ [سورة الأنعام: الآية ١٤٩] فعمت هذه الكلمة مرتبة العدم والوجود، فلم تبق مرتبة إلاَّ
وهي داخلة تحت النفي والإثبات فلها الشمول، فمن قائل: لا إله إلا الله بنفسه، ومن قائل :
لا إله إلاَّ الله بنعته، ومن قائل: لا إله إلاَّ الله بربّه، ومن قائل: لا إله إلاَّ الله بنعت ربه، ومن
قائل: لا إله إلاَّ الله بحاله، ومن قائل: لا إله إلاَّ الله بحكمه وهو المؤمن خاصة والخمسة
الباقون ما لهم في الإيمان مدخل.
أما من قال: لا إله إلاَّ الله بنفسه فهو الذي قالها من تجليه لنفسه فرأى استفادة وجوده
من غيره فأعطته رؤية نفسه أن يقول: لا إله إلاَّ الله وهو التوحيد الذاتي الذي أشارت إليه طائفة
من المحققين .
وأما القائل: لا إله إلاَّ الله بنعته فهو الذي وحده بعلمه إن نعته العلم بتوحيد الله وأحديته
فنطقه علمه، والفرق بينه وبين الأول أن الأول عن شهود وهذا الثاني عن وجود، والوجود قد
يكون عن شهود وقد لا يكون. وأما القائل: لا إله إلاَّ الله بربه فهو الذي رأى أن الحق عين
الوجود لا أمر آخر، وأن اتصاف الممكنات بالوجود هو ظهور الحق لنفسه بأعيانها، وذلك أن
استفادتها الوجود لها من الله إنما هو من حيث وجوده، فإن الوجود المستفاد وهو الظاهر وهو
عين الحكم به على هذه الأعيان فقال: لا إله إلا الله بربه.
وأما القائل: لا إله إلاَّ الله بنعت ربه فإنه رأى أن الحق سبحانه من حيث أحديته وذاته ما
هو مسمّى الله والرب فإنه لا يقبل الإضافة ورأى أن مسمّى الرب يقتضي المربوب ومسمّى الله
يطلب المألوه، ورأى أنهم لما استفادوا منه الوجود ثبت له اسم الرب إذا كان المربوب يطلبه،
فالمربوب أصل في ثبوت الاسم الرب، ووجود الحق أصل في وجود الممكنات، ورأى أن
لا إله إلا الله تطلبه عين الذات فقال: لا إله إلاّ الله بنعت الرب الذي نعته به المربوب، فالعلم

٤٩٦
في المعارف / الباب السابع والستون في معرفة لا إله إلا الله محمد رسول الله وهو الإيمان
بنا أصل في علمنا به، يقول عليه السلام: ((مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ عَرَفَ رَبَّهُ)) فوجودنا موقوف على
وجوده، والعلم به موقوف على العلم بنا، فهو أصل في وجه ونحن أصل في وجه.
وأمّا القائل: لا إله إلاَّ الله بحاله فهو الذي يستند في أموره إلى غير الله، فإذا لم يتفق له
حصول ما طلب تحصيله ممّن استند إليه وسدّت الأبواب في وجهه من جميع الجهات رجع
إلى الله اضطراراً فقال: لا إله إلاَّ الله بحاله، وهؤلاء الأصناف كلهم لا يتصفون بالإيمان لأنه
ما فيهم من قالها عن تقليد. وأما من قال: لا إله إلاَّ الله بحكمه فهو الذي قالها لقول الشارع
حيث أوجب عليه أن يقولها وحكم عليه أن يقولها ولولا هذا الحكم ما قالها على جهة القربة
إلى الله، وربما لو قالها قالها معلماً أو معلماً.
دخلت على شيخنا أبي العباس العريبيّ من أهل العليا وكان مستهتراً بذكر الاسم (الله)
لا يزيد عليه شيئاً فقلت له: يا سيدي لم لا تقول: لا إله إلاَّ الله؟ فقال لي: يا ولدي الأنفاس
بيد الله ما هي بيدي فأخاف أن يقبض الله روحي عندما أقول لا إله فأقبض في وحشة النفي.
وسألت شيخاً آخر عن ذلك فقال لي: ما رأت عيني ولا سمعت أذني من يقول: أنا الله غير
الله فلم أجد من أنفي فأقول كما سمعته يقول: الله الله، وإنما تعبدنا بهذا الاسم في التوحيد
لأنه الاسم الجامع المنعوت بجميع الأسماء الإلهية، وما نقل أنه وقعت من أحد من المعبودين
فيه مشاركة بخلاف غيره من الأسماء مثل إله وغيره، وبهذا القدر من القول إذا قيل لقول
الشارع يثبت الإيمان، وإنما قال الشارع: حتى يقولوا لا إله إلاَّ الله ولم يقل محمد رسول الله
لتضمن هذه الشهادة بالتوحيد الشهادة بالرسالة فإن القائل: لا إله إلاَّ الله لا يكون مؤمناً إلاَّ إذا
قالها لقول رسول الله وَّل﴿ فإذا قالها لقوله فهو عين إثبات رسالته، فلما تضمنت هذه الكلمة
الخاصة الشهادة بالرسالة لهذا لم يقل قولوا محمد رسول الله وقال في غير القول وهو الإيمان
والإيمان معنى من المعاني ما هو ممّا يدرك بالحسّ، فقرن بالإيمان بالله الايمان به وبما جاء به
يعني من عنده ممّا له أن يشرعه من غير نقل عن الله، فقال في حديث ابن عمر لما ذكر الإيمان
بالله وبالصلاة والزكاة والحج والصوم وكل هذا جاء من عند الله قال في حديث ابن عمر:
((أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لاَ إِلهَ إِلَّ الله وَيُؤْمِنُوا بِي وَبِمَا جِئْتُ بِهِ)) من أجل المنافق
المقلد فإنه يقولها من غير إيمان بقلبه ولا اعتقاد، والجاحد المنافق يقولها لا لقوله مع علمه
بأنه رسول الله من كتابه لا من دليله العقليّ.
واعلم أن التلفّظ بشهادة الرسالة المقرونة بشهادة التوحيد فيه سرّ إلهيّ عرفنا به الحق
سبحانه وهو أن الإله الواحد الذي جاء بوصفه ونعته الشارع ما هو التوحيد الإلهيّ الذي أدركه
العقل فإنّ ذلك لا يقبل اقتران الشهادة بالرسالة مع الشهادة بالتوحيد، فهذا التوحيد من حيث
ما يعلمه الشارع ما هو التوحيد من حيث ما أثبته النظر العقليّ، وإذا كان الإله الذي دعانا
الشرع إلى عبادته وتوحيده إنما هو في رتبة كونه إلهاً لا في ذاته صحّ أن تنعته بما نعته به من
النزول والاستواء والمعية والتردّد والتدبّر وما أشبه ذلك من الصفات التي لا يقبلها توحيد
العقل المحض المجرّد عن الشرع، فهذا المعبود ينبغي أن تقرن شهادة الرسول برسالته بشهادة

٤٩٧
في المعارف / الباب الثامن والستون في أسرار الطهارة
توحيد مرسله ولهذا يضاف إليه فيقال: أشهد أن لا إله إلاّ الله أشهد أنّ محمداً رسول الله كل
يوم ثلاثين مرّة في أذان الخمس الصلوات وفي الإقامة، والمتلفظون بهذه الشهادة الرسالية
التفصيل فيهم كالتفصيل في شهادة التوحيد، فلنمش بها على ذلك الأسلوب من المراتب وفي
الإيمان بالله وبرسوله الإيمان بكل ما جاء به من عند الله ومن عنده ممّا سنّه وشرعه، ويدخل
فيما سنّه الإيمان بسنّة من سنّ سنّة حسنة فاستمرّ الشرع وحدوث العبادة المرغب فيها ممّا لا
ينسخ حكماً ثابتاً إلى يوم القيامة، وهذا الحكم خاص بهذه الأمّة وأعني بالحكم تسميتها سنّة
تشريفاً لهذه الأمّة، وكانت في حق غيرهم من الأمم السالفة تسمّى رهبانية، قال تعالى:
﴿وَرَهْبَانِيَّةٌ أَبْتَدَعُوهَا﴾ [سورة الحديد: الآية ٢٧] فمن قال بدعة في هذه الأمّة ممّا سمّاها الشارع سنّة
فما أصاب السنّة إلاَّ أن يكون ما بلغه ذلك والاتباع أولى من الابتداع، والفرق بين الاتباع
والابتداع معقول، ولهذا جنح الشارع إلى تسميتها سنّة وما سمّاها بدعة لأن الابتداع إظهار أمر
على غير مثال هذا أصله، ولهذا قال الحق تعالى عن نفسه: ﴿بَدِيعُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ﴾ [سورة
البقرة: الآية ١١٧] أي موجدها على غير مثال سبق، فلو شرع الإنسان اليوم أمراً لا أصل له في
الشرع لكان ذلك إبداعاً ولم يكن يسوغ لنا الأخذ به، فعدل الشارع عن لفظ الابتداع إلى لفظ
السنّة إذ كانت السنّة مشروعة، وقد شرع الله لمحمد ◌َ الاقتداء بهدي الأنبياء عليهم السلام،
والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. انتهى الجزء الثلاثون.
(الجزء الحادي والثلاثون)
بِسْمِ اللّهِ الرَّغْنِ الرّحميةِ
الباب الثامن والستون
في أسرار الطهارة
[نظم: الطويل]
تَبَصَّرْ ترى سرَّ الطهارة واضحاً
فكم طاهرٍ لم يتّصِفْ بطهارة
ولو غاصَ في البحر الأجَاج حياتّه
إذا استجْمَرَ الإنسانُ وتراً فقد مشى
فإن شفَعَ استجْمَارهُ عاد خاسراً
وإن غسل الكفّين وتراً ولم يَزَلْ
فما غُسلتْ كفّ خضيبٌ ومعصمٌ
إذا صحَّ غسلُ الوجه صحَّ حَيَاؤه
وإن لم يمَسَّ الماءُ لمسةَ رأسه
فما انفكَ من رقِّ العبودية التي
وإن لم يَرَ الكرسيَّ في غسل رجله
يسيراً على أهل الشَّيَقُّظ والذَّكَا
إذا جانَبَ البحرَ اللَّدُنِيَّ واحتمَى
ولم يَفْنَ عن بحر الحقيقة ما زَكًا
على السنَّة المثلى حليفاً لمن مضَى
وفارق من يهواه من باطن الرَّدًا
بخيلاً بما يهوى على فطرة الأولَى
إذا لم يَلُخْ سيفُ التوكل مُنْتَضَى
وصحَّ له رفعُ الستور متى يَشًا
ولا وقفت كفاه في ساحة القَفَا
تسخّرها الأغيارُ في منزل الثَّوَى
تناقَصَ معنى الطهر للحين وانتَفَى
الفتوحات المكية ج١ -م٣٢

٤٩٨
في المعارف / الباب الثامن والستون في أسرار الطهارة
إذ مضْمَضَ الإنسانُ فاه ولم يكن
ومُسْتَنْشقٍ ما شِمَّ ريحَ اتصاله
صماخاه ما تنفكُّ تطهر إن صغا
وإن لبس الجُزْمُوقَ وهو مسافرٌ
ثلاثةُ أيام وإن كان حاضراً
وفي المَسْح سرِّ لا أبوح بذكره
ويتلوه مسحْ في الجبائر بيِّنْ
وإن عدم الماءَ القُراحَ فإنه
ويوتِرُه وجهاً وكفاً فإن أبى
إذا أجْنَبَ الإنسانُ عمَّ طهورُه
ألم ترَ أن الله نَبَّه خلقَه
فذاك الذي أجنَى عليه طهورُه
فإن نسيَ الإنسانُ ركناً فإنه
وإن لم يكن ركناً وعطَّل سُنَّةً
وذلك في كل العبادات شائعٌ
فهذا طهورُ العارفين فإن تكن
إذا كان هذا ظاهر الأمر فالذي
بريئاً من الدعوى وفيّاً بما اذَّعَى
ومستَنْثر أودى به كِبْرُه الرَّدَى
إلى أحسن الأقوال واكْتَفَّ واقتفَى
على طُهْره يمسح وفي سرِّه خَفَا
بمنزله فالمَسْحُ يومٌ بلا قَضَا
ولو قُطْعتْ مني المفاصل والكُلَى
لكل مريد لم يرد ظاهرَ الدُّنَا
تيَمُّمُه يكفيه من طيِّب الثَّرَى
وصيَّره شفعاً فنِعْمَ الذي أتّى
كما عمَّت اللذاتُ أجزاءَه العُلَى
بإخراجه بين الترائب والمَطًا
ولو غاب بالذات النزيهة ما جنًا
يعيد ويقضي ما تضمَّن واحتَوَى
فلم يأنس الزُّلْفَى وما بلغ المُنَى
وليس جهولٌ بالأمور كمن دَرَى
مِنَ أحزابهم تحظى بتقريبه مصطفَى
توارى عن الأبصار أعظمُ مُنْتَشَا
اعلم أيّدنا الله وإياك بروح منه أنه لما كانت الطهارة النظافة علمنا أنها صفة تنزيه، وهي
معنوية وحسيّة، طهارة قلب وطهارة أعضاء معينة، فالمعنوية طهارة النفس من سفساف
الأخلاق ومذمومها، وطهارة العقل من دنس الأفكار والشبه، وطهارة السرّ من النظر إلى
الأغيار وطهارة الأعضاء. فاعلم أن لكل عضو طهارة معنوية ذكرناها في كتاب التنزلات
الموصلية في أبواب الطهارة منه، وطهارة الحسّ من الأمور المستقذرة التي تستخبئها النفوس
طبعاً وعادة وهاتان الطهارتان مشروعتان، فالطهارة الحسية الظاهرة نوعان: النوع الواحد قد
ذكرناه وهو النظافة، والنوع الآخر أفعال معينة مخصوصة في محال معينة مخصوصة لأحوال
موجبة مخصوصة لا يزاد فيها ولا ينقص منها شرعاً، ولهذه الطهارة المذكورة ثلاثة أسماء
شرعاً: وضوء وغسل وتيمم، وتكون هذه الطهارة بثلاثة أشياء: اثنان مجمع عليهما وواحد
مختلف فيه، فالمجمع عليهما الماء المطلق والتراب سواء فارق الأرض أو لم يفارقها،
والواحد المختلف فيه في الوضوء خاصة نبيذ التمر وما فارق الأرض ممّا ينطلق عليه اسم
الأرض إذا كان في الأرض فإنه مختلف فيه ما عدا التراب كما ذكرنا، وهذه الطهارة قد تكون
عبادة مستقلة كما قال ◌ََّ فِيهَا ( نُورٌ عَلَىِ نُورٍ)) وقد تكون شرطاً في صحة عبادة مشروعة
مخصوصة لا تصحّ تلك العبادة شرعاً إلاَّ بوجودها أو الأفضلية، فالأوّل كالوضوء على
الوضوء نور على نور، والثاني لرفع المانع عن فعل العبادة التي لا تصحّ إلاَّ بهذه الطهارة

٤٩٩
في المعارف / الباب الثامن والستون في أسرار الطهارة
واستباحة فعلها وهو الأصل في تشريعها، وممّا تقع به هذه الطهارة ما يكون رافعاً للمانع مبيحاً
للفعل معاً وهو الماء بلا خلاف، ونبيذ التمر في الوضوء بخلاف، ومنه ما تقع به الإباحة
للفعل المعين في الوقت المفروض وقوعه، ولا يرفع المانع بخلاف وهو التراب وعندي أنه
يرفع المانع في الوقت، ولا بدّ وكون الشارع حكم بالطهارة إذا وجد الماء حكم آخر منه كما
عاد حكم المانع بعدما كان ارتفع، وما عدا التراب ممّا فارق الأرض بخلاف قال الله تعالى:
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوْةِ فَأَغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَأَمْسَحُواْ
بُءُوسِكُمْ وَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنَّ وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَأَطَّهَرُواْ وَإِن كُنْتُمْ فَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَّةَ
أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَابِطِ أَوْ لَمَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءُ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا فَأَمْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ
وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٌ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهْرَكُمْ﴾ [سورة المائدة: الآية
٦] وقال تعالى: ﴿وَيُثَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَآءَ لَيْطَهِّرَكُمْ بِهِ، وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَنِ﴾ [سورة
الأنفال: الآية ١١] وزاي الرجز هنا بدل من السين على قراءة من قرأ الزراط بالزاي وهي لغة قرأ
ابن كثير بها أعني بالسين وحمزة بالزاي وباقي القرّاء بالصاد، سمعت شيخاً وكنت أقرأ عليه
القرآن يقال له محمد بن خلف بن صاف اللخمي بمسجده المعروف به بقوس الحنية بإشبيلية
من بلاد الأندلس سنة ثمان وسبعين وخمسمائة فقرأت السراط بالسين لابن كثير فقال لي :
سأل بعض ناقلي اللغة بعض الأعراب كيف تقولون صقر أو سقر؟ فقال له: ما أدري ما تقول
ولكنني أظنك تسأل عن الزقر فقال: فزادني لغة ثالثة ما كنت أعرفها. قال الفراء: الرجس
القذر ولا شك أن الماء يزيل القذر والطهور الشرعي يذهب قدر الشيطان، قال تعالى: ﴿وَابَكَ
فَطَفِّرْ﴾ [سورة المدثر: الآية ٤] قال امرؤ القيس: [الطويل]
وإن كنتِ قد ساءتكِ مني خليقةٌ
فسُلِّي ثيابي من ثيابك تَنْسُلٍ
فكنى بالثوب عن الود والوصلة. وقال رسول الله وَلّ في خبر عن ربّه سبحانه: ((مَا
وَسِعَنِي أَرْضِي وَلاَ سَمَائِي وَوَسِعَنِي قَلْبُ عَبْدِي المُؤْمِنِ)) ومن أسمائه سبحانه المؤمن فمن
تخلق به فقد طهر قلبه لأن القلب محمل الإيمان وكانت السعة الإلهية والتجلّي الربانيّ.
(والطهارة عامة): وهي الغسل للفناء الذي عمّ ذاته لوجود اللذة بالكون عند الجماع
أريها السهى وتريني القمر. (وخاصة): وهي الوضوء المخصّص بعض الأعضاء بالاغتسال
والمسح، وهو تنبيه على مقامات معلومة وتجليات شريفة منها: القوّة والكلام والأنفاس
والصدق والتواضع والحياء والسماع والثبات، فهذه أعضاء الوضوء وهي مقامات شريفة لها
نتائج في القرب إلى الله، وهذه الطاهرة الروحانية بأحد أمرين: إما بسرّ الحياة أو بأصل النشء
في الأب الذي هو أصل الأبناء وهو الأرض والتراب وليس إِلاَّ النظر والتفكر في ذاتك لتعرف
من أوجدك فإنه أحالك عليك في قوله تعالى: ﴿وَفِّ أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ نُصِرُونَ﴾ [سورة الذاريات: الآية
٢١] وفي قول رسوله وَّهَ: (( (مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ عَرَفَ رَبَّهُ)). أحالك عليك بالتفصيل وأخفاك
عنك بالإجمال لتنظر وتستدل فقال في التفصيل: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا اُلْإِنسَانَ مِن سُلَلَتِ مِن طِينٍ﴾
[سورة المؤمنون: الآية ١٢] وهو آدم عليه السلام هنا ﴿ثُمَّ جَعَلْنَهُ نُطْفَةُ فِ قَرَارٍ مَّكِينٍ﴾ [سورة

٥٠٠
في المعارف/ الباب الثامن والستون في أسرار الطهارة
المؤمنون: الآية ١٣] وهي نشأة الأبناء في الأرحام مساقط النطف ومواقع النجوم فكنى عن ذلك
بالقرار المكين ﴿ثُرَ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةٌ فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا
اَلْعِظَمَ لَحْمًا﴾ [سورة المؤمنون: الآية ١٤] وقد تمّ البدن على التفصيل، فإن اللحم يتضمن العروق
والأعصاب. [المتقارب]
وفي كلٌ طَوْرٍ له آيةٌ
تدلُّ على أنني مفْتَقِزْ
ثم أجمل خلق النفس الناطقة الذي هو بها إنسان في هذه الآية فقال: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَهُ
خَلْقَا ءَآخَرَ﴾ [سورة المؤمنون: الآية ١٤] عرّفك بذلك أن المزاج لا أثر له في لطيفتك وإن لم
يكن نصاً لكن هو ظاهر وأبين منه قوله: ﴿فَسَوَّنِكَ فَعَدَلَكَ﴾ [سورة الانفطار: الآية ٧] وهو ما
ذكره في التفصيل من التقلب في الأطوار فقال: ﴿فِىّ أَبِّ صُورَةٍ مَّا شَآءَ رََّّبَكَ﴾ [سورة الانفطار:
الآية: ٨] فقرنه بالمشيئة، فالظاهر أنه لو اقتضى المزاج روحاً خاصاً معيناً ما قال: ﴿فِى أَتِّ
صُوَةٍ مَّا شَآءَ﴾ وأيّ حرف نكرة مثل حرف ما فإنه حرف يقع على كل شيء، فأبان لك أن
المزاج لا يطلب صورة بعينها ولكن بعد حصولها تحتاج إلى هذا المزاج وترجع به فإنه
بما فيه من القوى التي لا تدبره إلاَّ بها فإنه بقواه لها كالآلات لصانع النجارة أو البناء مثلاً
إذا هيئت وأتقنت وفرغ منها تطلب بذاتها وحالها صانعاً يعمل بها ما صنعت له وما تعين
زيداً ولا عمراً ولا خالداً ولا واحداً بعينه، فإذا جاء من جاء من أهل الصنعة مكنته الآلة
من نفسها تمكيناً ذاتياً لا تتصف بالاختيار فيه فجعل يعمل بها صنعته بصرف كل آلة لما
هيئت له، فمنها مكملة وهي المخلقة يعني التامّة الخلقة، ومنها غير مكملة وهي غير
المخلقة فينقص العامل من العمل على قدر ما نقص من جودة الآلة، ذلك ليعلم أن
الكمال الذاتي لله سبحانه، فبيّن لك الحق مرتبة جسدك وروحكم لتنظر وتفتكر فتعتبر أن
الله ما خلقك سدى وإن طال المدى.
وأمّا القصد الذي هو النية شرط في صحة هذا النظر بخلاف قال تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا
طَيِّبًا﴾ [سورة المائدة: الآية ٦] أي اقصدوا التراب الذي ما فيه ما يمنع من استعماله في هذه العبادة
من نجاسة، ولم يقل ذلك في طهارة الماء فإنه أحال على الماء المطلق لا المضاف فإن الماء
المضاف مقيّد بما أضيف إليه عند العرب، فإذا قلت للعربيّ: أعطني ماء جاء إليك بالماء
الذي هو غير مضاف ما يفهم العرب منه غير ذلك، وما أرسل رسول ولا أنزل كتاب إلاَّ بلسان
قومه، يقول رسول الله وَلجر: ((إِنَّمَا أَنْزِلَ القُرْآنُ بِلِسَانِي لسَانٍ عَرَبِيٌّ مُبِينٍ)) يقول تعالى: ﴿إِنَّا
جَعَلْنَهُ قُرْءَانًا عَرَبًِّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [سورة الزخرف: الآية ٣] فلهذا لم يقل بالقصد في الماء لأنه
سرّ الحياة فيعطي الحياة بذاته سواء قصد أم لم يقصد، بخلاف التراب فإنه إن لم يقصد
الصعيد الطيب فليس بنافع لأنه جسد كثيف لا يسري فروحه القصد فإن القصد معنى
روحانيّ، فافتقر المتيمم للقصد الخاص في التراب أو الأرض بخلاف أيضاً ولم يفتقر
المتوضىء بالماء بخلاف فقال: ﴿فَأَغْسِلُواْ﴾ ولم يقل: تيمموا ماء طيباً، فإن قالوا: إنما