Indexed OCR Text

Pages 461-480

٤٦١
في المعارف / الباب الثالث والستون في معرفة بقاء الناس في البرزخ بين الدنيا والبعث
فيشكر الله تعالى الذي أنشأه نشأة يقبل بها مثل هذا وهي نشأة الرسل والأنبياء وأهل العناية من
الأولياء، وذلك ليعلم أن قبوله أشرف من فكره، فتحقق يا أخي بعد هذا من يتجلّى لك من
خلف هذا الباب فهي مسألة عظيمة حارت فيها الألباب.
ثم إن الشارع وهو الصادق سمّى هذا الباب الذي هو الحضرة البرزخية التي ننتقل إليها
بعد الموت ونشهد نفوسنا فيها بالصور والناقور، والصور هنا جمع صورة بالصاد فينفخ في
الصور وينقر في الناقور وهو هو بعينه. واختلفت عليه الأسماء لاختلاف الأحوال والصفات،
واختلفت الصفات فاختلفت الأسماء، فصارت أسماؤه كهو يحار فيها من عادته يفلي الحقائق
ولا يرمي منها بشيء، فإنه لا يتحقق له أن النقر أصل في وجود اسم الناقور، أو الناقور أصل
في وجود اسم النقر، كمسألة النحويّ: هل الفعل مشتق من المصدر أو المصدر مشتق من
الفعل؟ ثم فارق مسألة النحويّ بشيء آخر حتى لا يشبه مسألة النحويّ في الاشتقاق بقوله:
﴿ُفِيخَ فِ الصُّورِ﴾ [سورة المؤمنون: الآية ١٠١] ولم يقل في المنفوخ فيه، فهل كونه صوراً أصل في
وجود النفخ؟ أو وجود نفخ أصل في وجود اسم الصور.
ولما ذكر الله تعديل صورة الإنسان قال: ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ﴾ [سورة الحجر: الآية ٢٩] وقال في
عيسى عليه السلام قبل خلق صورته: ﴿فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا﴾ [سورة الأنبياء: الآية ٩١]
فظهرت الصورة فوقعت الحيرة ما هو الأصل؟ هل الصورة في وجود النفخ أو النفخ في وجود
الصورة؟ فهذا من ذلك القبيل ولا سيّما وجبريل عليه السلام في الوقت المذكور في حال التمثّل
بالبشر ومريم قد تخيّلت أنه بشر فهل أدركته بالبصر الحسيّ أو بعين الخيال فتكون ممّن أدرك
الخيال بالخيال؟ وإذا كان هذا فينفتح عليك ما هو أعظم وهو: هل في قوّة الخيال أن يعطي
صورة حسيّة حقيقة فلا يكون للحسّ فضل على الخيال لأنّ الحسّ يعطي الصور للخيال، فكيف
يكون المؤثّر فيه مؤثراً فيمن هو مؤثّر فيه؟ فما هو مؤثر فيما هو مؤثر فيه وهذا محال عقلاً،
فتفطن لهذه الكنوز، فإن كنت حصلتها ما يكون في العالم أغنى منك إلاَّ من يساويك في ذلك.
واعلم أن رسول الله وَّ لما سئل عن الصور ما هو؟ فقال ◌ََّ: ((هُوَ قَرْنٌ مِنْ نُورِ أُلْقِمَهُ
إِسْرَافِيلٌ)) فأخبر أن شكله شكل القرن فوصف بالسعة والضيق، فإن القرن واسع ضيق، وهو
عندنا على خلاف ما يتخيله أهل النظر في الفرق بين ما هو أعلى القرن وأسفله، ونذكره إن شاء
الله بعد هذا في هذا الباب. فاعلم أن سعة هذا القرن في غاية السعة لا شيء من الأكوان أوسع
منه، وذلك أنه يحكم بحقيقته على كل شيء وعلى ما ليس بشيء، ويتصوّر العدم المحض
والمحال والواجب والإمكان، ويجعل الوجود عدماً والعدم وجوداً، وفيه يقول النبيّ بَّ أي
من حضرة هذا: ((اعْبُدِ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ وَاللَّهُ فِي قِبْلَةِ المُصَلّي)) أي تخيله في قبلتك وأنت تواجهه
لتراقبه وتستحي منه وتلزم الأدب معه في صلاتك، فإنك إن لم تفعل هذا أسأت الأدب.
فلولا أن الشارع علم أن عندك حقيقة تسمى الخيال لها هذا الحكم ما قال لك: «كَأَنَّكَ
تَرَاهُ بَبَصَرك)) فإنّ الدليل العقليّ يمنع من كان فإنه يحيل بدليله التشبيه والبصر فما أدرك شيئاً سوى
الجدار، فعلمنا أنّ الشارع خاطبك أن تتخيل أنك تواجه الحق في قبلتك المشروع لك استقبالها

٤٦٢
في المعارف/ الباب الثالث والستون في معرفة بقاء الناس في البرزخ بين الدنيا والبعث
والله يقول: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [سورة البقرة: الآية ١١٥] ووجه الشيء حقيقته وعينه، فقد
صوّر الخيال من يستحيل عليه بالدليل العقليّ الصورة والتصوّر فلهذا كان واسعاً. وأما ما فيه من
الضيق فإنه ليس في وسع الخيال أن يقبل أمراً من الأمور الحسيّة والمعنوية والنسب والإضافة
وجلال الله وذاته إلاَّ بالصورة، ولو رام أن يدرك شيئاً من غير صورة لم تعط حقيقته ذلك لأنه
عين الوهم لا غيره. فمن هنا هو ضيق في غاية الضيق فإنه لا يجرّد المعاني عن المواد أصلاً،
ولهذا كان الحسّ أقرب شيء إليه، فإنه من الحسّ أخذ الصور وفي الصور الحسيّة يجلي المعاني
فهذا من ضيقه، وإنما كان هذا حتى لا يتصف بعدم التقييد بإطلاق الوجود وبالفعال لما يريد إلاّ
الله تعالى وحده: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ [سورة الشورى: الآية ١١] فالخيال أوسع المعلومات.
ومع هذه السعة العظيمة التي يحكم بها على كل شيء قد عجز أن يقبل المعاني مجردة
عن الموادّ كما هي في ذاتها، فيرى العلم في صورة لبن أو عسل وخمر ولؤلؤ، ويرى الإسلام
في صورة قبة وعمد، ويرى القرآن في صورة سمن وعسل، ويرى الدين في صورة قيد،
ويرى الحق في صورة إنسان وفي صورة نور، فهو الواسع الضيق، والله واسع على الإطلاق،
عليم بما أوجد الله عليه خلقه كما قال تعالى: ﴿أَعْطَى كُلَّ شَىْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [سورة طه: الآية
٥٠] أي بين الأمور على ما هي عليه بإعطاء كل شيء خلقه.
وأمّا كون القرن من نور فإنّ النور سبب الكشف والظهور إذ لولا النور ما أدرك البصر
شيئاً، فجعل الله هذا الخيال نوراً يدرك به تصوير كل شيء أيّ أمر كان كما ذكرناه، فنوره ينفذ
في العدم المحض فيصوّره وجوداً، فالخيال أحق باسم النور من جميع المخلوقات الموصوفة
بالنورية، فنوره لا يشبه الأنوار وبه تدرك التجليات، وهو نور عين الخيال لا نور عين الحسّ
فافهم فإنه ينفعك معرفة كونه نوراً فتعلم الإصابة فيه ممّن لا يعلم ذلك وهو الذي يقول: هذا
خيال فاسد وذلك لعدم معرفة هذا القائل بإدراك النور الخياليّ الذي أعطاه الله تعالى، كما أن
هذا القائل يخطىء الحسّ في بعض مدركاته وإدراكه صحيح والحكم لغيره لا إليه، فالحاكم
أخطأ لا الحسّ، كذلك الخيال أدرك بنوره ما أدرك وما له حكم وإنما الحكم لغيره وهو العقل
فلا ينسب إليه الخطأ فإنه ما ثم خيال فاسد قط بل هو صحيح كله.
وأمّا أصحابنا فغلطوا في هذا القرن، فأكثر العقلاء جعل أضيقه المركز وأعلاه الفلك
الأعلى الذي لا فلك فوقه، وأن الصور التي يحوي عليها صور العالم، فجعلوا واسع القرن
الأعلى وضيقه الأسفل من العالم، وليس الأمر كما زعموا بل لما كان الخيال كما قلنا يصوّر
الحق فمن دونه من العالم حتى العدم كان أعلاه الضيق وأسفله الواسع وهكذا خلقه الله. فأوّل ما
خلق منه الضيق، وآخر ما خلق منه ما اتسع وهو الذي يلي رأس الحيوان، ولا شك أن حضرة
الأفعال والأكوان أوسع ولهذا لا يكون للعارف اتساع في العلم إلاَّ بقدر ما يعلمه من العالم.
ثم إنه إذا أراد أن ينتقل إلى العلم بأحدية الله تعالى لا يزال يرقى من السعة إلى الضيق
قليلاً قليلاً فتقل علومه، كلما رقي في العلم بذات الحق كشفاً إلى أن لا يبقى له معلوم إلاَّ
الحق وحده وهو أضيق ما في القرن فضيقه هو الأعلى على الحقيقة وفيه الشرف التام، وهو

٤٦٣
في المعارف / الباب الثالث والستون في معرفة بقاء الناس في البرزخ بين الدنيا والبعث
الأوّل الذي نظهر منه إذا أنبته الله في رأس الحيوان، فلا يزال يصعد على صورته من الضيق
وأسفله يتسع وهو لا يتغير عن حاله فهو المخلوق الأول. ألا ترى الحق سبحانه أول ما خلق
القلم أو قل العقل كما قال فما خلق إلاَّ واحداً ثم أنشأ الخلق من ذلك الواحد فاتسع العالم،
وكذلك العدد منشؤه من الواحد، ثم الذي يقبل الثاني لا من الواحد الوجود، ثم يقبل
التضعيف والتركيب في المراتب فيتسع اتساعاً عظيماً إلى ما لا يتناهى، فإذا انتهيت فيه من
الاتساع إلى حد ما من الآلاف وغيرها ثم تطلب الواحد الذي نشأ منه العدد لا تزال في ذلك
تقلّل العدد ويزول عنك ذلك الاتساع الذي كنت فيه حتى تنتهي إلى الاثنين التي بوجودها ظهر
العدد إذا كان الواحد أولاً لها، فالواحد أضيق الأشياء وليس بالنظر إلى ذاته بعدد في نفسه
ولكن بما هو اثنان أو ثلاثة أو أربعة فلا يجمع بين اسمه وعينه أبداً فاعلم ذلك. والناس في
وصف الصور بالقرن على خلاف ما ذكرناه وبعدما قرّرناه، فلتعلم أن الله سبحانه إذا قبض
الأرواح من هذه الأجسام الطبيعية حيث كانت والعنصرية أودعها صوراً جسدية في مجموع
هذا القرن النوريّ فجميع ما يدركه الإنسان بعد الموت في البرزخ من الأمور إنما يدركه بعين
الصورة التي هو فيها في القرن وبنورها وهو إدراك حقيقي.
ومن الصور هنالك ما هي مقيدة عن التصرّف. ومنها ما هي مطلقة كأرواح الأنبياء كلهم
وأرواح الشهداء. ومنها ما يكون لها نظر إلى عالم الدنيا في هذه الدار. ومنها ما يتجلى للنائم
في حضرة الخيال التي هي فيه وهو الذي تصدق رؤياه أبداً وكل رؤيا صادقة ولا تخطىء، فإذا
أخطأت الرؤيا فالرؤيا ما أخطأت، ولكن العابر الذي يعبرها هو المخطىء حيث لم يعرف ما
المراد بتلك الصورة. ألا تراه و 8# ما قال لأبي بكر حين عبر رؤيا الشخص المذكور: أصبت
بعضاً وأخطأت بعضاً. وكذلك قال في الرجل الذي رأى في النوم ضربت عنقه فوقع رأسه
فجعل الرأس يتدهده وهو يكلمه فذكر له رسول الله أن الشيطان يلعب به، فعلم
رسول الله وَ# صورة ما رآه وما قال له خيالك فاسد فإنه رأى حقاً ولكن أخطأ في التأويل
فأخبره وَله بحقيقة ما رآه ذلك النائم.
وكذلك قوم فرعون يعرضون على النار في تلك الصور غدوة وعشية ولا يدخلونها
فإنهم محبوسون في ذلك القرن وفي تلك الصورة ويوم القيامة يدخلون أشدّ العذاب، وهو
العذاب المحسوس لا المتخيل الذي كان لهم في حال موتهم بالعرض، فتدرك بعين الخيال
الصورة الخيالية والصور المحسوسة معاً، فيدرك المتخيل الذي هو الإنسان بعين خياله وقتاً ما
هو متخيل كقوله وَلَّ: ((مَثُلَتْ لِيَ الجَنَّةُ فِي عَرْضِ الحَائِطِ)) فأدرك ذلك بعين حسّه، وإنما قلنا
بعين حسّه لأنه تقدّم حين رأى الجنة ليأخذ قطفاً منها، وتأخّر حين رأى النار وهو في صلاته،
ونحن نعرف أن عنده من القوّة بحيث أنه لو أدرك ذلك بعين خياله لا بعين حسّه ما أثر في
جسمه تقدّماً ولا تأخّراً، فإنا نجد ذلك وما نحن في قوّته ولا في طبقته وَالر. وكل إنسان في
البرزخ مرهون بكسبه محبوس في صور أعماله إلى أن يبعث يوم القيامة من تلك الصور في
النشأة الآخرة، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. انتهى الجزء الثامن والعشرون.

٤٦٤
في المعارف / الباب الرابع والستون في معرفة القيامة ومنازلها وكيفية البعث
(الجزء التاسع والعشرون)
بِسْمِ الَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحَمَةِ
الباب الرابع والستون
في معرفة القيامة ومنازلها وكيفية البعث
[نظم: البسيط]
يطير عن كل نَوَّامٍ به وسَنَه
يومُ المعارج من خمسين ألف سَنَهْ
لا تأخذَنْها لما يقضيّ الإله سِنَه
من الخوارج أهلِ الألسن اللَّسِنَهُ
فخذْ على يده تُجْزَى به حَسَنَهُ
والأرضُ من حذرٍ عليه ساهرةٌ
فكن غريباً ولا تَرْكَنْ لطائفةٍ
وإن رأيتَ امرأً يسعى لمفسدةٍ
تريك فتْنَتُه يوماً كمِثْلِ سَنَهْ
ولتعتصم حذراً بالكهف من رجلٍ
قد مدَّ خطوته في غير طاعته
ولم يزل في هواه خالعاً رَسَنَهْ
اعلم أنه إنّما سمّي هذا اليوم يوم القيامة لقيام الناس فيه من قبورهم لرب العالمين في
النشأة الآخرة التي ذكرناها في البرزخ في الباب الذي قبل هذا الباب، ولقيامهم أيضاً إذا جاء
الحق للفصل والقضاء والملك صفاً صفاً. قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ [سورة
المطففين: الآية ٦] أي من أجل ربّ العالمين حين يأتي، وجاء بالاسم الربّ إذ كان الربّ
المالك، فله صفة القهر وله صفة الرحمة، ولم يأت بالاسم الرحمن لأنه لا بدّ من الغضب في
ذلك اليوم كما سيرد في هذا الباب، ولا بدّ من الحساب والإتيان بجهنم والموازين، وهذه
كلها ليست من صفات الرحمة المطلقة التي يطلبها الاسم الرحمن، غير أنه سبحانه أتى باسم
إلهيّ تكون الرحمة فيه أغلب وهو الاسم الربّ فإنه من الإصلاح والتربية، فتقوى ما في
المالك والسيد من فضل الرحمة على ما فيه من صفة القهر، فتسبق رحمته غضبه، ويكثر
التجاوز عن سيئات أكثر الناس، فأول ما أبين وأقول ما قال الله في ذلك اليوم من امتداد
الأرض وقبض السماء وسقوطها على الأرض ومجيء الملائكة ومجيء الرب في ذلك اليوم،
وأين يكون الخلق حين تمدّ الأرض وتبدل صورتها وتجيء جهنم وما يكون من شأنها. ثم
أسوق حديث مواقف القيامة في خمسين ألف سنة، وحديث الشفاعة.
اعلم يا أخي أن الناس إذا قاموا من قبورهم على ما سنورده إن شاء الله وأراد الله أن
يبدّل الأرض غير الأرض وتمدّ الأرض بإذن الله ويكون الجسر دون الظلمة، فيكون الخلق
عليه عندما يبدّل الله الأرض كيف يشاء إمّا بالصورة وإمّا بأرض أخرى ما نيم عليها تسمّى
الساهرة فيمدّها سبحانه مدّ الأديم يقول تعالى: ﴿وَإِذَا الْأَرْضُ مُذَتْ﴾ [سورة الانشقاق: الآية ٣] ويزيد
في سعتها ما شاء أضعاف ما كانت من أحد وعشرين جزءاً إلى تسعة وتسعين جزءاً حتى لا
ترى فيها عوجاً ولا أمتاً .

٤٦٥
في المعارف / الباب الرابع والستون في معرفة القيامة ومنازلها وكيفية البعث
ثم إنه سبحانه يقبض السماء إليه فيطويها بيمينه كطيّ السجلّ للكتب، ثم يرميها على
الأرض التي مدّها واهية وهو قوله: ﴿وَأَنشَقَّتِ السَّمَاءُ فَعِىَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ﴾ [سورة الحاقة: الآية ١٦] ويرد
الخلق إلى الأرض التي مدّها فيقفون منتظرين ما يصنع الله بهم، فإذا وهت السماء نزلت
ملائكتها على أرجائها فيرى أهل الأرض خلقاً عظيماً أضعاف ما هم عليه عدداً، فيتخيلون أنّ
الله نزل فيهم لما يرون من عظم المملكة ممّا لم يشاهدوه من قبل فيقولون: أفيكم ربنا؟ فتقول
الملائكة: سبحانه ربنا ليس فينا وهو آت، فتصطف الملائكة صفاً مستديراً على نواحي
الأرض محيطين بالعالم الإنس والجن وهؤلاء هم عمّار السماء الدنيا .
ثم ينزل أهل السماء الثانية بعدما يقبضها الله أيضاً ويرمي بكوكبها في النار وهو المسمّى
كاتباً وهم أكثر عدداً من السماء الأولى فتقول الخلائق: أفيكم ربنا؟ فتفزع الملائكة من قولهم
فيقولون: سبحان ربنا ليس هو فينا وهو آت، فيفعلون فعل الأولين من الملائكة يصطفون
خلفهم صفاً ثانياً مستديراً.
ثم ينزل أهل السماء الثالثة ويرمي بكوكبها المسمّى الزهرة في النار ويقبضها الله بيمينه
فتقول الخلائق: أفيكم ربنا؟ فتقول الملائكة: سبحان ربنا ليس هو فينا وهو آت، فلا يزال
الأمر هكذا سماء بعد سماء حتى ينزل أهل السماء السابعة فيرون خلقاً أكثر من جميع من نزل
فتقول الخلائق: أفيكم ربنا؟ فتقول الملائكة: سبحان ربنا قد جاء ربنا ﴿إِن كَانَ وَعْدُ رَيِنَا
لَمَفْعُولًا﴾ [سورة الإسراء: الآية ١٠٨] فيأتي الله في ظلل من الغمام والملائكة وعلى المجنبة اليسرى
جهنم ويكون إتيانه إتيان الملك فإنه يقول: ملك يوم الدين وهو ذلك اليوم فسمّي بالملك،
ويصطف الملائكة عليهم السلام سبعة صفوف محيطة بالخلائق، فإذا أبصر الناس جهنم لها
فوران وتغيظ على الجبابرة المتكبرين فيفرّون الخلق بأجمعهم منها لعظيم ما يرونه خوفاً وفزعاً
وهو الفزع الأكبر إلاَّ الطائفة التي لا يحزنهم الفزع الأكبر فتتلقاهم الملائكة ﴿هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِى
كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [سورة الأنبياء: الآية ١٠٣] فهم الآمنون مع النبيين على أنفسهم، غير أنّ
النبيين تفزع على أممها للشفقة التي جبلهم الله عليها للخلق فيقولون في ذلك اليوم: سلم سلم
وكان الله قد أمر أن تنصب للآمنين من خلقه منابر من نور متفاضلة بحسب منازلهم في
الموقف فيجلسون عليها آمنين مبشرين وذلك قبل مجيء الربّ تعالى.
فإذا فرّ الناس خوفاً من جهنم وفرقاً لعظيم ما يرون من الهول في ذلك اليوم يجدون
الملائكة صفوفاً لا يتجاوزونهم فتطردهم الملائكة وزعة الملك الحق سبحانه وتعالى إلى
المحشر وتناديهم أنبياؤهم: ارجعوا ارجعوا، فينادي بعضهم بعضاً فهو قول الله تعالى فيما
يقول رسول اللّهَ وَّمَ: ((إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِي يَوْمَ تُوَلَّونَ مُذْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ
عَاصِم)) والرسل تقول: اللهمّ سلم سلم ويخافون أشد الخوف على أممهم، والأمم يخافون
على أنفسهم، والمطهرون المحفوظون الذين ما تدنست بواطنهم بالشبه المضلة ولا ظواهرهم
أيضاً بالمخالفات الشرعية آمنون يغبطهم النبيون في الذي هم عليه من الأمن لما هم النبيون
عليه من الخوف على أممهم، فينادي مناد من قبل الله يسمعه أهل الموقف لا يدرون أو لا
الفتوحات المكية ج١ - ٣٠٣

٤٦٦
في المعارف / الباب الرابع والستون في معرفة القيامة ومنازلها وكيفية البعث
أدري هل ذلك نداء الحق سبحانه بنفسه أو نداء عن أمره سبحانه؟ يقول في ذلك النداء: يا
أهل الموقف ستعلمون اليوم من أصحاب الكرم فإنه قال لنا: ﴿يَأَيُّهَا الْإِنسَنُ مَا غَرَّكَ بِرَِّكَ
اَلْكَرِيِ﴾ [سورة الانفطار: الآية ٦] تعليماً له وتنبيهاً ليقول كرمك. ولقد سمعت شيخنا الشنختة
يقول يوماً وهو يبكي: يا قوم لا تفعلوا بكرمه أخرجنا ولم نكن شيئاً، وعلمنا ما لم نكن
نعلم، وامتن علينا ابتداء بالإيمان به وبكتبه ورسله ونحن لا نعقل، أفتراه يعذبنا بعد أن عقلنا
وآمنا، حاشى كرمه سبحانه من ذلك، فأبكاني بكاء فرح وبكى الحاضرون.
ثم نرجع ونقول: فيقول الحق في ذلك النداء: أين الذين كانت ﴿نَتَجَاقَى جُنُوبُهُمْ عَنِ
اٌلْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَا رَزَقْنَهُمْ يُنفِقُونَ﴾ [سورة السجدة: الآية ١٦] فيؤتى بهم إلى
الجنة، ثم يسمعون من قبل الحق نداء ثانياً لا أدري هل ذلك نداء الحق بنفسه أو نداء عن أمر
الحق أين الذين كانوا ﴿لَّا نُلْهِهِمْ تِحَرَةُ وَلَ بَيْعُ عَن ذِكْرِ الَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَوْةِ وَإِنَّاءِ الزَّكَوَةُ يَخَافُونَ يَوْمًا
تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَرُ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ وَبَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ﴾ [سورة النور: الآية ٣٧]
وتلك الزيادة كما قلنا من جنات الاختصاص فيؤمر بهم إلى الجنة. ثم يسمعون نداء ثالثاً لا
أدري هل هو نداء الحق بنفسه أو نداء عن أمر الحق، يا أهل الموقف ستعلمون اليوم من
أصحاب الكرم أين الذين ﴿صَدَقُواْ مَا عَهَدُواْ اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [سورة الأحزاب: الآية ٢٣] ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ
الصَّدِقِينَ بِصِدْقِهِمْ﴾ [سورة الأحزاب: الآية ٢٤] فيؤمر بهم إلى الجنة، فبعد هذا النداء يخرج عنق
من النار، فإذا أشرف على الخلائق وله عينان ولسان فصيح يقول: يا أهل الموقف إني وكلت
منكم بثلاث كما كان النداء الأوّل ثلاث مرّات لثلاث طوائف من أهل السعادة، وهذا كله قبل
الحساب والناس وقوف قد ألجمهم العرق واشتدّ الخوف وتصدّعت القلوب لهول المطلع
فيقول ذلك العنق المستشرف من النار عليهم: إني وكلت بكل جبار عنيد، فيلقطهم من بين
الصفوف كما يلقط الطائر حب السمسم، فإذا لم يترك أحداً منهم في الموقف نادى نداء ثانياً:
يا أهل الموقف إني وكلت بمن آذى الله ورسوله فيلقطهم كما يلقط الطائر حب السمسم من
بين الخلائق، فإذا لم يترك منهم أحد نادى ثالثة: يا أهل الموقف إني وكلت بمن ذهب يخلق
كخلق الله فيلقط أهل التصاوير وهم الذين يصوّرون صوراً في الكنائس لتعبد تلك الصور
والذين يصوّرون الأصنام وهو قوله تعالى: ﴿أَتَعْبُدُونَ مَا نَنْحِنُونَ﴾ [سورة الصافات: الآية ٩٥] فكانوا
ينحتون لهم الأخشاب والأحجار ليعبدوها من دون الله فهؤلاء هم المصوّرون، فيلقطهم من
بين الصفوف كما يلقط الطير حب السمسم، فإذا أخذهم الله عن آخرهم بقي الناس وفيهم
المصوّرون الذين لا يقصدون بتصويرهم ما قصدها أولئك من عباداتها حتى يسألوا عنها
لينفخوا فيها أرواحاً تحيا بها وليسوا بنافخين كما ورد في الخبر في المصوّرين، فيقفون ما شاء
الله ينتظرون ما فعل الله بهم والعرق قد ألجمهم.
فحدثنا شيخنا القصار بمكة سنة تسع وتسعين وخمسمائة تجاه الركن اليمانيّ من الكعبة
المعظمة وهو يونس بن يحيى بن الحسين بن أبي البركات الهاشميّ العباسيّ من لفظه وأنا
أسمع قال: حدّثنا أبو الفضل محمد بن عمر بن يوسف الأرمويّ قال: حدّثنا أبو بكر

٤٦٧
في المعارف / الباب الرابع والستون في معرفة القيامة ومنازلها وكيفية البعث
محمد بن عليّ بن محمد بن موسى بن جعفر المعروف بابن الخياط المغربيّ قال: قرىء
على أبي سهل محمود بن عمر بن إسحاق العكبري وأنا أسمع قيل له: حدثكم رضي الله
عنكم أبو بكر محمد بن الحسن النقاش؟ فقال: نعم حدثنا أبو بكر قال: حدثنا أبو بكر
أحمد بن الحسين بن عليّ الطبريّ المروزي قال: حدثنا محمد بن حميد الرازيّ أبو عبد الله
قال: حدثنا سلمة بن صالح قال: أنا القاسم بن الحكم عن سلام الطويل عن غياث بن
المسيب عن عبد الرحمن بن غنم وزيد بن وهب عن عبد الله بن مسعود قال: كنت جالساً
عند عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه وعنده عبد الله بن عباس رضي الله عنه وحوله عدة من
أصحاب رسول الله وَلّفقال عليّ رضي الله عنه: قال رسول الله وَله: ((إِنَّ فِي القِيَامَةِ لَخَمْسِينَ
مؤْقِفاً كُلُّ مَوْقِفٍ أَلْفُ سَنَةٍ، فَأَوَّلُ مَوْقِفٍ إِذَا خَرَجَ النَّاسُ مِنْ قُبُورِهِمْ يَقُومُونَ عَلَّى أَبْوَابٍ قُبُورِهِمْ
أَلْفَ سَنَةٍ عُرَاةً حفاةً جيَاعاً عطاشاً، فَمَنْ خَرَجَ مِنْ قَبْرِهِ مُؤْمِناً بِرَبِّهِ مُؤْمِناً بِنَبِيِّهِ مُؤْمِناً بِجَنَّتِهِ وَنَارِه
مُؤْمِناً بِالبَعْثِ وَالقِيَامَةِ مُؤْمِناً بِالقَضَاءِ والْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ مُصَدِّقاً بِمَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ وَلَمِنْ عِنْدِ رَبِّهِ
نَجَا وَفَازَ وَغَنِمَ وَسَعِدَ، وَمَنْ شَكَّ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذَا بَقِيَ فِي جُوعِهِ وَعَطَشِهِ وَغَمِّهِ وَكَرَبِهِ أَلْفَ سَنَّةٍ
حَتَّى يَقْضِي اللَّهُ فِيهِ بِمَا يَشَاءُ ثُمَّ يُسَاقُونَ مِنْ ذُلِكَ المِقَامِ إِلَّى المَخْشَرِ فَيَقِفُونَ عَلَى أَرْجُلِهِمْ أَلْفَ
عَامِ فِي سُرَادَقَاتِ الثّيرانِ فِي حَرَّ الشَّمْسِ وَالنَّارُ عَنْ أَيْمَّانِهِمْ وَالنَّارُ عَنْ شَمَائِلِهِمْ والنَّارُ مِنْ بَيْنِ
أَيْدِيْهِمْ وَالنَّارُ مِنْ خَلْفِهِمْ وَالشَّمْسُ مِنْ فَوْقٍ رُؤوسِهِمْ وَلاَ ظِلَّ إِلاَّ ظِلَ العَرْشِ فَمَنْ لَقِيَ اللَّهَ تَبَارَكَ
وَتَعَالَى شَاهِدَاً لَهُ بَالإِخْلاصِ مُقِرَأَ بِنَبِّهِ ◌َِ بَرِيئاً مِنَ الشِّرْكِ وَمِنَ السِّخْرِ وَبَرِيئاً مِنْ إِهْراقِ دِمَاءِ
المُسْلِمِينَ نَاصِحاً للَّهِ وَلِرَسُولِهِ مُحِبَّ لَمَنْ أَطَاعَ اَللَّهَ وَرَسُولَهُ مُبْغِضَاً لِمَنْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ اسْتَظَلَّ
تَحْتَ ظِلُ عَرْشِ الرَّحْمُنِ وَنَجَا مِنْ غَمِّهِ، وَمَنْ حَادَ عَنِ ذْلِكَ وَوَقَعَ فِي شَيْءٍ مِنْ هذهِ الذُّنوبِ
بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ أَوَ تَغَيَّرِ قَلْبُهُ أَوْ شَكَّ فِي شَيْءٍ مِنْ دِينِهِ بَقِيَ أَلْفَ سَنَةٍ فِي الحَرِّ وَالهَمِّ وَالعَذَابِ حَتَّى
يَقْضِيَ اللَّهُ فِيهِ بِمَا يَشَاءُ، ثُمَّ يُسَاقُ الخَلْقُ إِلَى النُّورِ والظُّلْمَةِ فَيُقيمونَ فِي تِلْكَ الظُّلْمَةِ أَلْفَ عَامِ
فَمَنْ لَّقِيَ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَىْ لُمْ يُشْرِكْ بِهِ شَيْئاً وَلَمْ يَدْخُلْ فِي قَلْبِهِ شَيْءٌ مِنَ النَّفَاقِ وَلَمْ يَشُكَ فِيَ
شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ دِينِهِ وَأَعْطَى الحَقَّ مِنْ نَفْسِهِ وَقَالَ الحَقَّ وَأَنْصَفَ النَّاسَ مِنْ نَفْسِهِ وَأَطَاعَ اللَّهَ فِي السّرّ
والعَلاَئِيَةِ وَرَضِيَ بِقَضَاءِ اللَّهِ وَقَنِعَ بِمَا أَعْطَاهُ اللَّهُ خَرَجَ مِنَ الظُّلْمَةِ إِلَى النُّورِ فِي مِقْدَارِ طَرْفَةِ العَيْنِ
مُبْيَضَاً وَجْهُهُ قَدْ نَجَا مِنَ الغُمومِ كُلُّها، وَمَنْ خَالَفَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا بَقِيَ فِي الغَمِّ والهَمْ أَلْفَ سَنَةٍ ثُمَّ
خَرَجَ مِنْهَا مُسْودَاً وَجْهُهُ وَهُوَ فِيَّ مَشِيئَةِ اللَّهِ يَفْعَلُ بِهِ مَا يَشَاءُ)) .
ثم يساق الخلق إلى سرادقات الحساب وهي عشر سرادقات يقفون في كل سرادق منها
ألف سنة فيسأل ابن آدم عند أول سرادق منها عن المحارم فإن لم يكن وقع في شيء منها جاز
إلى السرادق الثاني فيسأل عن الأهواء فإن كان نجا منها جاز إلى السرادق الثالث. فيسأل عن
عقوق الوالدين فإن لم يكن عاقاً جاز إلى السرادق الرابع فيسأل عن حقوق من فوّض الله إليه
أمورهم وعن تعليمهم القرآن وعن أمر دينهم وتأديبهم فإن كان قد فعل جاز إلى السرادق
الخامس فيسأل عمّا ملكت يمينه فإن كان محسناً إليهم جاز إلى السرادق السادس فيسأل عن
حق قرابته فإن كان قد أدّى حقوقهم جاز إلى السرادق السابع فيسأل عن صلة الرحم فإن كان

٤٦٨
في المعارف/ الباب الرابع والستون في معرفة القيامة ومنازلها وكيفية البعث
وصولاً لرحمه جاز إلى السرادق الثامن فيسأل عن الحسد فإن كان لم يكن حاسداً جاز إلى
السرادق التاسع فيسأل عن المكر فإن لم يكن مكر بأحد جاز إلى السرادق العاشر فيسأل عن
الخديعة فإن لم يكن خدع أحداً نجا ونزل في ظل عرش الله تعالى قارة عينه فرحاً قلبه ضاحكاً
فوه، وإن كان قد وقع في شيء من هذه الخصال بقي في كل موقف منها ألف عام جائعاً
عطشاناً حزناً مغموماً مهموماً لا ينفعه شفاعة شافع .
ثم يحشرون إلى أخذ كتبهم بأيمانهم وشمائلهم فيحبسون عند ذلك في خمسة عشر
موقفاً كل موقف منها ألف سنة: فيسألون في أول موقف منها عن الصدقات وما فرض الله
عليهم في أموالهم فمن أذّاها كاملة جاز إلى الموقف الثاني فيسأل عن قول الحق والعفو عن
الناس فمن عفا عفا الله عنه وجاز إلى الموقف الثالث فيسأل عن الأمر بالمعروف فإن كان آمراً
بالمعروف جاز إلى الموقف الرابع فيسأل عن النهي عن المنكر فإن كان ناهياً عن المنكر جاز
إلى الموقف الخامس فيسأل عن حسن الخلق فإن كان حسن الخلق جاز إلى الموقف السادس
فيسأل عن الحب في الله والبغض في الله فإن كان محباً في الله مبغضاً في الله جاز إلى الموقف
السابع فيسأل عن مال الحرام فإن لم يكن أخذ شيئاً جاز إلى الموقف الثامن فيسأل عن شرب
الخمر فإن لم يكن شرب من الخمر شيئاً جاز إلى الموقف التاسع فيسأل عن الفروج الحرام
فإن لم يكن أتاها جاز إلى الموقف العاشر فيسأل عن قول الزور فإن لم يكن قاله جاز إلى
الموقف الحادي عشر فيسأل عن الأيمان الكاذبة فإن لم يكن حلفها جاز إلى الموقف الثاني
عشر فيسأل عن أكل الربا فإن لم يكن أكله جاز إلى الموقف الثالث عشر فيسأل عن قذف
المحصنات فإن لم يكن قذف المحصنات أو افترى على أحد جاز إلى الموقف الرابع عشر
فيسأل عن شهادة الزور فإن لم يكن شهدها جاز إلى الموقف الخامس عشر فيسأل عن البهتان
فإن لم يكن بهت مسلماً مرّ فنزل تحت لواء الحمد وأعطي كتابه بيمينه ونجا من غمّ الكتاب
وهوله وحوسب حساباً يسيراً. وإن كان قد وقع في شيء من هذه الذنوب ثم خرج من الدنيا
غير تائب من ذلك بقي في كل موقف من هذه الخمسة عشر موقفاً ألف سنة في الغم والهول
والهم والحزن والجوع والعطش حتى يقضي الله عزّ وجلّ فيه بما يشاء.
ثم يقام الناس في قراءة كتبهم ألف عام فمن كان سخياً قد قدم ما له ليوم فقره وحاجته
وفاقته قرأ كتابه وهوّن عليه قراءته وكسي من ثياب الجنة وتوّج من تيجان الجنة وأقعد تحت
ظل عرش الرحمن آمناً مطمئناً، وإن كان بخيلاً لم يقدم ماله ليوم فقره وفاقته أعطي كتابه
بشماله ويقطع له من مقطعات النيران يقاوم على رؤوس الخلائق ألف عام في الجوع والعطش
والعري والهمّ والغم والحزن والفضيحة حتى يقضي الله عزّ وجل فيه بما يشاء.
ثم يحشر الناس إلى الميزان فيقومون عند الميزان ألف عام فمن رجح ميزانه بحسناته
فاز ونجا في طرفة عين، ومن خف ميزانه من حسناته وثقلت سيئاته حبس عند الميزان ألف
عام في الغم والهمّ والحزن والعذاب والجوع والعطش حتى يقضي الله فيه بما يشاء.
ثم يدعى بالخلق إلى الموقف بين يدي الله في اثني عشر موقفاً كل موقف منها مقدار

٤٦٩
في المعارف / الباب الرابع والستون في معرفة القيامة ومنازلها وكيفية البعث
ألف عام: فيسأل في أول موقف عن عتق الرقاب فإن كان أعتق رقبة أعتق الله رقبته من النار
وجاز إلى الموقف الثاني فيسأل عن القرآن وحقّه وقراءته فإن جاء بذلك تاماً جاز إلى الموقف
الثالث فيسأل عن الجهاد فإن كان جاهد في سبيل الله محتسباً جاز إلى الموقف الرابع فيسأل
عن الغيبة فإن لم يكن اغتاب جاز إلى الموقف الخامس فيسأل عن النميمة فإن لم يكن نماماً
جاز إلى الموقف السادس فيسأل عن الكذب فإن لم يكن كذاباً جاز إلى الموقف السابع فيسأل
عن طلب العلم فإن كان طلب العلم وعمل به جاز إلى الموقف الثامن فيسأل عن العجب فإن لم
يكن معجباً بنفسه في دينه ودنياه أو في شيء من عمله جاز إلى الموقف التاسع فيسأل عن التكبّر
فإن لم يكن تكبّر على أحد جاز إلى الموقف العاشر فيسأل عن القنوط من رحمة الله فإن لم يكن
قنط من رحمة الله جاز إلى الموقف الحادي عشر فيسأل عن الأمن من مكر الله فإن لم يكن أمن
من مكر الله جاز إلى الموقف الثاني عشر فيسأل عن حق جاره فإن كان أدّى حق جاره أقيم بين
يدي الله تعالى قريراً عينه فرحاً قلبه مبيضاً وجهه كاسياً ضاحكاً مستبشراً فيرحب به ربه ويبشره
برضاه عنه فيفرح عند ذلك فرحاً لا يعلمه أحد إلاَّ الله، فإن لم يأت بواحدة منهنّ تامة ومات غير
تائب حبس عند كل موقف ألف عام حتى يقضي الله عزّ وجلّ فيه بما يشاء .
ثم يؤمر بالخلائق إلى الصراط فينتهون إلى الصراط وقد ضربت عليه الجسور على
جهنم أدق من الشعر وأحد من السيف، وقد غابت الجسور في جهنم مقدار أربعين ألف عام
ولهيب جهنم بجانبها يلتهب وعليها حسك وكلاليب وخطاطيف وهي سبعة جسور يحشر
العباد كلهم عليها، وعلى كل جسر منها عقبة مسيرة ثلاثة آلاف عام: ألف عام صعود، وألف
عام استواء، وألف عام هبوط، وذلك قول الله عزّ وجلّ: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِاَلْمِرْصَادِ﴾ [سورة الفجر: الآية
١٤] يعني على تلك الجسور وملائكة يرصدون الخلق عليها ليسأل العبد عن الإيمان بالله، فإن
جاء به مؤمناً مخلصاً لا شك فيه ولا زيغ جاز إلى الجسر الثاني فيسأل عن الصلاة فإن جاء بها
تامة جاز إلى الجسر الثالث فيسأل عن الزكاة فإن جاء بها تامّة جاز إلى الجسر الرابع فيسأل عن
الصيام فإن جاء به تامّاً جاز إلى الجسر الخامس فيسأل عن حجة الإسلام فإن جاء بها تامّة جاز
إلى الجسر السادس فيسأل عن الطهر فإن جاء به تامّاً جاز إلى الجسر السابع فيسأل عن
المظالم فإن كان لم يظلم أحداً جاز إلى الجنة، وإن كان قصر في واحدة منهنّ حبس على كل
جسر منها ألف سنة حتى يقضي الله عزّ وجلّ فيه بما يشاء.)) وذكر الحديث إلى آخره. وسيأتي
بقية الحديث إن شاء الله في باب الجنة فإنه يختص بالجنة، ولم نذكر النشأة الأخرى التي
يحشر فيها الإنسان في باب البرزخ لأنها نشأة محسوسة غير خيالية والقيامة أمر محقق موجود
حسيّ مثل ما هو الإنسان في الدنيا فلذلك أخرنا ذكرها إلى هذا الباب.
وصل: اعلم أن الناس اختلفوا في الإعادة من المؤمنين القائلين بحشر الأجسام، ولم
نتعرض لمذهب من يحمل الإعادة والنشأة الآخرة على أمور عقلية غير محسوسة فإن ذلك
على خلاف ما هو الأمر عليه لأنه جهل أن ثم نشأتين: نشأة الأجسام ونشأة الأرواح وهي
النشأة المعنوية، فأثبتوا المعنوية ولم يثبتوا المحسوسة، ونحن نقول بما قاله هذا المخالف من

٤٧٠
في المعارف/ الباب الرابع والستون في معرفة القيامة ومنازلها وكيفية البعث
إثبات النشأة الروحانية المعنوية لا بما خالف فيه وأن عين موت الإنسان هو قيامته لكن القيامة
الصغرى، فإنّ النبيّ وَلَّ يقول: ((مَنْ مَاتَ فَقَدْ قَامَتْ قِيَامَتُهُ)) وأن الحشر جمع النفوس الجزئية
إلى النفس الكلية، هذا كله أقول به كما يقول المخالف. وإلى هنا ينتهي حديثه في القيامة.
ويختلف في ذلك بعينه من يقول بالتناسخ ومن لا يقول به وكلهم عقلاء أصحاب نظر،
ويحتجون في ذلك كله بظواهر آيات من الكتاب وأخبار من السنّة إن أوردناها وتكلمنا عليها
طال الباب في الخوض معهم في تحقيق ما قالوه، وما منهم من نحل نحلة في ذلك إلاَّ وله
وجه حق صحيح وأن القائل به فهم بعض مراد الشارع ونقصه علم ما فهمه غيره من إثبات
الحشر المحسوس في الأجسام المحسوسة، والميزان المحسوس، والصراط المحسوس،
والنار والجنة المحسوستان، كل ذلك حق وأعظم في القدرة، وفي علم الطبيعة بقاء الأجسام
الطبيعية في الدارين إلى غير مدّة متناهية بل مستمرّة الوجود، وأن الناس ما عرفوا من أمر
الطبيعة إلا قدر ما أطلعهم الحق عليه من ذلك ممّا ظهر لهم في مدد حركات الأفلاك
والكواكب السبعة، ولهذا جعلوا العمر الطبيعيّ مائة وعشرين سنة الذي اقتضاه هذا الحكم،
فإذا زاد الإنسان على هذه المدّة وقع في العمر المجهول وإن كان من الطبيعة ولم يخرج عنها،
ولكن ليس في قوّة علمه أن يقطع عليه بوقت مخصوص، فكما زاد على العمر الطبيعيّ سنة
وأكثر جاز أن يزيد على ذلك آلافاً من السنين، وجاز أن يمتدّ عمره دائماً .
ولولا أن الشرع عرّف بانقضاء مدة هذه الدار وأن ﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَاِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [سورة
العنكبوت: الآية ٥٧] وعرّف بالإعادة، وعرّف بالدار الآخرة، وعرّف بأنّ الإقامة فيها في النشأة
الآخرة إلى غير نهاية ما عرفنا ذلك وما خرجنا في كل حال من موت، وإقامة، وبعث
أخرويّ، ونشأة أخرى، وجنان، ونعیم، ونار، وعذاب، بأكل محسوس، وشرب محسوس،
ونكاح محسوس، ولباس على المجرى الطبيعيّ، فعلم الله أوسع وأتمّ، والجمع بين العقل
والحسّ والمعقول والمحسوس أعظم في القدرة وأتمّ في الكمال الإلهيّ ليستمر له سبحانه في
كل صنف من الممكنات حكم ﴿عَلِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ﴾ [سورة التوبة: الآية ٩٤] ويثبت حكم
الاسم الظاهر والباطن في كل صنف، فإن فهمت فقد وفقت، وتعلم أن العلم الذي أطلع عليه
النبيون والمؤمنون من قبل الحق أعم تعلقاً من علم المنفردين بما تقتضيه العقول مجرّدة عن
الفيض الإلهيّ، فالأولى بكل ناصح نفسه الرجوع إلى ما قالته الأنبياء والرسل على الوجهين
المعقول والمحسوس إذ لا دليل للعقل يحيل ما جاءت به الشرائع على تأويل مثبتي
المحسوس من ذلك والمعقول، فالإمكان باق حكمه والمرجح موجود فبماذا یحیل، وما
أحسن قول القائل: [الكامل]
لا تُبْعث الأجسامُ قلت إليكُمَا
زعم المنجِّمُ والطبيبُ كلاهما
أو صحَّ قولي فالخَسَارُ عليكُمَا
إن صحَّ قولُكما فلستُ بخاسر
فقوله: فالخسار عليكما يريد حيث لم يؤمنوا بظاهر ما جاءتهم به الرسل عليهم السلام،
وقوله: فلست بخاسر فإني مؤمن أيضاً بالأمور المعنوية المعقولة مثلكم وزدنا عليكم بأمر آخر لم

٤٧١
في المعارف / الباب الرابع والستون في معرفة القيامة ومنازلها وكيفية البعث
تؤمنوا أنتم به ولم يرد القائل به أنه يشك بقوله: إن صحّ، وإنما ذلك على مذهبك أيها المخاطب،
وهذا يستعمل مثله كثير، فتدبر كلامي هذا وألزم الإيمان نفسك تربح وتسعد إن شاء الله تعالى .
وبعد أن تقرّر هذا فاعلم أن الخلاف الذي وقع بين المؤمنين القائلين في ذلك بالحسّ
والمحسوس إنما هو راجع إلى كيفية الإعادة، فمنهم من ذهب إلى أن الإعادة تكون في الناس
مثل ما بدأهم بنكاح وتناسل وابتداء خلق من طين ونفخ كما جرى من خلق آدم وحوّاء وسائر
البنين من نكاح واجتماع إلى آخر مولود في العالم البشريّ الإنسانيّ، وكل ذلك في زمان
صغير ومدّة قصيرة على حسب ما يقدّره الحق تعالى، هكذا زعم الشيخ أبو القاسم بن قسيّ
في خلع النعلين له في قوله تعالى: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ [سورة الأعراف: الآية ٢٩] فلا أدري هل
هو مذهبه أو هل قصد شرح المتكلم به وهو خلف الله الذي جاء بذلك الكلام وكان من
الأميين؟ ومنهم من قال بالخبر المروي أنّ السماء تمطر مطراً شبه المني تمخض به الأرض
فتنشأ منه النشأة الآخرة .
وأمّا قوله تعالى عندنا: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ [سورة الأعراف: الآية ٢٩] هو قوله: ﴿وَلَقَدْ
عَلْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [سورة الواقعة: الآية ٦٢] وقوله: ﴿كَمَا بَدَأَنَا أَوَّلَ خَلْقٍ تُعِيدَةٌ
وَعْدًا عَلَيْنَاً﴾ [سورة الأنبياء: الآية ١٠٤] وقد علمنا أن النشأة الأولى أوجدها الله تعالى على غير
مثال سبق، فهكذا النشأة الآخرة يوجدها الله تعالى على غير مثال سبق مع كونها محسوسة بلا
شك. وقد ذكر رسول الله ◌َي من صفة نشأة أهل الجنة والنار ما يخالف ما هي عليه هذه
النشأة الدنيا، فعلمنا أن ذلك راجع إلى عدم مثال سابق ينشئها عليه وهو أعظم في القدرة.
وأمّا قوله: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [سورة الروم: الآية ٢٧] فلا يقدح فيما قلنا، فإنه لو كانت النشأة
الأولى عن اختراع فكر وتدبّر ونظر إلى أن خلق أمراً فكانت إعادته إلى أن يخلق خلقاً آخر ممّا
يقارب ذلك ويزيد عليه أقرب للاختراع والاستحضار في حق من يستفيد الأمور بفكره والله
منزه عن ذلك ومتعال عنه عُلُواً كَبِيراً فهو الذي يفيد العالم ولا يستفيد، ولا يتجدّد له علم
بشيء، بل هو عالم بتفصيل ما لا يتناهى بعلم كليّ فعلم التفصيل في عين الإجمال، وهكذا
ينبغي لجلاله أن يكون فينشىء الله النشأة الآخرة على عجب الذنب الذي يبقى من هذه النشأة
الدنيا وهو أصلها فعليه تركب النشأة الآخرة.
فأمّا أبو حامد فرأى أن العجب المذكور في الخبر أنه النفس وعليها تنشأ النشأة الآخرة.
وقال غيره مثل أبي زيد الرقراقي: هو جوهر فرد يبقى من هذه النشأة الدنيا لا يتغير عليه تنشأ
النشأة الأخرى، وكل ذلك محتمل ولا يقدح في شيء من الأصول، بل كلها توجيهات معقولة
يحتمل كل توجيه منها أن يكون مقصوداً، والذي وقع لي به الكشف الذي لا أشك فيه أن
المراد بعجب الذنب هو ما تقوم عليه النشأة وهو لا يبلى أي لا يقبل البلى، فإذا أنشأ الله النشأة
الآخرة وسوّاها وعدّلها وإن كانت هي الجواهر بأعيانها فإن الذوات الخارجة إلى الوجود من
العدم لا تنعدم أعيانها بعد وجودها، ولكن تختلف فيها الصور بالامتزاجات، والامتزاجات
التي تعطي هذه الصور أعراض تعرض لها بـ﴿تَقْدِيُرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [سورة يس: الآية ٣٨] فإذا

٤٧٢
في المعارف / الباب الرابع والستون في معرفة القيامة ومنازلها وكيفية البعث
تهيأت هذه الصور كانت كالحشيش المحرق وهو الاستعداد لقبول الأرواح كاستعداد الحشيش
بالنارية التي فيه لقبول الاشتعال والصور البرزخية كالسرج مشتعلة بالأرواح التي فيها فينفخ
إسرافيل نفخة واحدة فتمر تلك النفخة على تلك الصور البرزخية فتطفئها وتمر النفخة التي
تليها وهي الأخرى إلى الصورة المستعدة للاشتعال وهي النشأة الأخرى فتشتعل بأرواحها،
فإذا هم قيام ينظرون فتقوم تلك الصورٍ أحياء ناطقة بما ينطقها الله به، فمن ناطق بالحمد لله،
ومن ناطق يقول: ﴿مَنْ بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَّا﴾ [سورة يس: الآية ٥٢] ومن ناطق يقول سبحان من أحيانا
بعدما أماتنا ﴿وَإِلَيْهِ اٌلْنُّشُورُ﴾ [سورة الملك: الآية ١٥] وكل ناطق ينطق بحسب علمه وما كان عليه
ونسي حاله في البرزخ ويتخيل أن ذلك الذي كان فيه منام كما تخيله المستيقظ وقد كان حين
مات وانتقل إلى البرزخ كان كالمستيقظ هناك، وأن الحياة الدنيا كانت له كالمنام، وفي الآخرة
يعتقد في أمر الدنيا والبرزخ أنه منام في منام، وأن اليقظة الصحيحة هي التي هو عليها في
الدار الآخرة، وهو في ذلك الحال يقول: إن الإنسان في الدنيا كان في منام، ثم انتقل
بالموت إلى البرزخ فكان في ذلك بمنزلة من يرى في المنام أنه استيقظ من النوم، ثم بعد ذلك
في النشأة الآخرة هي اليقظة التي لا نوم فيها ولا نوم بعدها لأهل السعادة لكن لأهل النار
وفيها راحتهم كما قدمنا .
وقال رسول الله وَلَّ: ((النَّاسُ نِيَامٌ فَإِذَا مَاتُوا انْتَبَهَوا))، فالدنيا بالنسبة إلى البرزخ نوم
ومنام، فإن البرزخ أقرب إلى الأمر الحق فهو أولى باليقظة، والبرزخ بالنظر إلى النشأة الأخرى
يوم القيامة منام فاعلم ذلك، فإذا قام الناس، ومدت الأرض، وانشقت السماء، وانكدرت
النجوم، وكوّرت الشمس، وخسف القمر، وحشر الوحوش، وسجّرت البحار، وزوجت
النفوس بأبدانها، ونزلت الملائكة على أرجائها أعني أرجاء السموات، وأتى ربنا في ظلل من
الغمام، ونادى المنادي: يا أهل السعادة فأخذ منهم الثلاث الطوائف الذين ذكرناهم وخرج
العنق من النار فقبض الثلاث الطوائف الذين ذكرناهم، وماج الناس، واشتد الحرّ، وألجم
الناس العرق، وعظم الخطب، وجلّ الأمر، وكان البهت فلا تسمع إلاَّ همساً وجيء بجهنم
وطال الوقوف بالناس ولم يعلموا ما يريد الحق بهم فقال رسول الله وَل ور: فيقول الناس
بعضهم لبعض: تعالوا ننطلق إلى أبينا آدم فنسأله أن يسأل الله لنا أن يريحنا ممّا نحن فيه فقد
طال وقوفنا فيأتون إلى آدم فيطلبون منه ذلك فيقول آدم: إن الله قد غضب اليوم غضباً لم
يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله، وذكر خطيئته فيستحي من ربه أن يسأله، فيأتون إلى
نوح بمثل ذلك فيقول لهم مثل ما قال آدم ويذكر دعوته على قومه، وقوله: ولا يلدوا إلاَّ
فاجراً كفاراً فموضع المؤاخذة عليه قوله: ولا يلدوا إلاَّ فاجراً كفاراً لا نفس دعائه عليهم من
کونه دعاء .
ثم يأتون إلى إبراهيم عليه السلام بمثل ذلك فيقولون له مثل مقالتهم لمن تقدم فيقول
كما قال من تقدم ويذكر كذباته الثلاث. ثم يأتون إلى موسى وعيسى ويقولون لكل واحد من
الرسل مثل ما قالوه لآدم فيجيبونهم مثل جواب آدم، فيأتون إلى محمد بَل وهو سيد الناس

٤٧٣
في المعارف / الباب الرابع والستون في معرفة القيامة ومنازلها وكيفية البعث
يوم القيامة فيقولون له مثل ما قالوا للأنبياء فيقول محمد واله: أنا لها وهو المقام المحمود
الذي وعده الله به يوم القيامة، فيأتي ويسجد ويحمد الله بمحامد يلهمه الله تعالى إياها في ذلك
الوقت لم يكن يعلمها قبل ذلك، ثم يشفع إلى ربه أن يفتح باب الشفاعة للخلق فيفتح الله ذلك
الباب فيأذن في الشفاعة للملائكة والرسل والأنبياء والمؤمنين، فبهذا يكون سيد الناس يوم
القيامة فإنه شفع عند الله أن تشفع الملائكة والرسل، ومع هذا تأذّب وَ لل وقال: أنا سيد الناس
ولم يقل سيد الخلائق، فتدخل الملائكة في ذلك مع ظهور سلطانه في ذلك اليوم على الجميع
وذلك أنه بَّ جمع له بين مقامات الأنبياء عليهم السلام كلهم ولم يكن ظهر له على الملائكة
ما ظهر لآدم عليه السلام عليهم من اختصاصه بعلم الأسماء كلها، فإذا كان في ذلك اليوم
افتقر إليه الجميع من الملائكة والناس من آدم فمن دونه في فتح باب الشفاعة وإظهار ماله من
الجاه عند الله، إذ كان القهر الإلهي والجبروت الأعظم قد أخرس الجميع، وكان هذا المقام
مثل مقام آدم عليه السلام وأعظم في يوم اشتدّت الحاجة فيه مع ما ذكر من الغضب الإلهيّ
الذي تجلّى فيه الحق في ذلك اليوم، ولم تظهر مثل هذه الصفة فيما جرى من قضية آدم، فدل
بالمجموع على عظيم قدره ومدير حيث أقدم مع هذه الصفة الغضبية الإلهية على مناجاة الحق
فيما سأل فيه فأجابه الحق سبحانه، فعلقت الموازين، ونشرت الصحف، ونصب الصراط،
وبدىء بالشفاعة، فأول ما شفعت الملائكة ثم النبيون ثم المؤمنون وبقي أرحم الراحمين.
وهنا تفصيل عظيم يطول الكلام فيه فإنه مقام عظيم. غير أن الحق يتجلى في ذلك اليوم
فيقول: لتتبع كل أمّة ما كانت تعبد حتى تبقى هذه الأمّة وفيها منافقوها، فيتجلى لهم الحق في
أدنى صورة من الصور التي كان تجلى لهم فيها قبل ذلك فيقول: أنا ربكم، فيقولون: نعوذ
بالله منك ها نحن منتظرون حتى يأتينا ربنا، فيقول لهم جلّ وتعالى: هل بينكم وبينه علامة
تعرفونه بها؟ فيقولون: نعم فيتحوّل لهم في الصورة التي عرفوه فيها بتلك العلامة فيقولون:
أنت ربنا فيأمرهم بالسجود فلا يبقى من كان يسجد لله إلاّ سجد، ومن كان يسجد اتقاء ورياء
جعل الله ظهره طبقة نحاس كلما أراد أن يسجد خرّ على قفاه وذلك قوله: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ
وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [سورة القلم: الآية ٤٢] ﴿وُقَدْ كَانُواْ يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَلِمُونَ﴾ [سورة
القلم: الآية ٤٣] يعني في الدنيا، والساق التي كشفت لهم عبارة عن أمر عظيم من أهوال يوم
القيامة تقول العرب: كشفت الحرب عن ساقها إذا اشتدّت الحرب وعظم أمرها، وكذلك
﴿وَالْنَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ﴾ [سورة القيامة: الآية ٢٩] أي دخلت الأهوال والأمور العظام بعضها في بعض
يوم القيامة، فإذا وقعت الشفاعة ولم يبق في النار مؤمن شرعيّ أصلاً ولا من عمل عملاً
مشروعاً من حيث ما هو مشروع بلسان نبيّ ولو ﴿كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ﴾ [سورة
الأنبياء: الآية ٤٧] فما فوق ذلك في الصغر إلاَّ خرج بشفاعة النبيين والمؤمنين.
وبقي أهل التوحيد الذين علموا التوحيد بالأدلة العقلية ولم يشركوا بالله شيئاً ولا آمنوا
إيماناً شرعياً ولم يعملوا خيراً قط من حيث ما اتبعوا فيه نبياً من الأنبياء، فلم يكن عندهم ذرّة
من إيمان فما دونها فيخرجهم أرحم الراحمين، وما عملوا خيراً قط يعني مشروعاً من حيث ما

٤٧٤
في المعارف/ الباب الرابع والستون في معرفة القيامة ومنازلها وكيفية البعث
هو مشروع ولا خير أعظم من الإيمان وما عملوه. وهذا حديث عثمان بن عفان في الصحيح
لمسلم بن الحجاج: قال رسول الله وَّلَه: ((مَنْ مَاتَ وَهُوَ يَعْلَمُ - ولم يقل يؤمن - أَنَّهُ لاَ إِلهَ إِلاَّ
الله دَخَلَ الجَنَّةَ)) ولا قال يقول بل أفرد العلم. ففي هؤلاء تسبق عناية الله في النار، فإن النار
بذاتها لا تقبل تخليد موحد لله بأيّ وجه كان، وأتمّ وجوهه الإيمان عن علم، فجمع بين العلم
والإيمان، فإن قلت: فإن إبليس يعلم أن الله واحد. قلنا: صدقت ولكنه أوّل من سنّ الشرك
فعليه إثم المشركين، وإثمهم أنهم لا يخرجون من النار، هذا إذا ثبت أنه مات موحداً، وما
يدريك لعله مات مشركاً لشبهة طرأت عليه في نظره. وقد تقدّم الكلام على هذه المسألة فيما
مضى من الأبواب فإبليس ليس بخارج من النار، فالله يعلم أيّ ذلك كان، وهنا علوم كثيرة
وفيها طول يخرجنا عن المقصود من الاختصار إيرادها، ولكن مع هذا فلا بدّ أن نذكر نبذة من
كل موطن مشهور من مواطن القيامة كالعرض وأخذ الكتب والميزان والصراط والأعراف
وذبح الموت والمأدبة التي تكون في ميدان الجنة فهذه سبعة مواطن لا غير وهي أمّهات للسبعة
الأبواب التي للنار والسبعة الأبواب التي للجنة، فإنّ الباب الثامن هو لجنة الرؤية وهو الباب
المغلق الذي في النار وهو باب الحجاب فلا يفتح أبداً فإن أهل النار محجوبون عن ربهم :
الأول وهو العرض: اعلم أنه قد ورد في الخبر أن رسول اللّه ◌َ لّ سئل عن قوله تعالى:
﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [سورة الانشقاق: الآية ٨] فقال: ذلِكَ العَرْضُ يَا عَائِشَة مَنْ نُوقِشَ
الحِسَابَ عُذّبَ)) وهو مثل عرض الجيش أعني عرض الأعمال لأنها زيّ أهل الموقف والله
الملك ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَهُمْ﴾ [سورة الرحمن: الآية ٤١] كما يعرف الأجناد هنا بزيهم.
الثاني الكتب: قال تعالى: ﴿أَقْرَأْ كِتَبَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [سورة الإسراء: الآية
١٤] وقال: ﴿فَأَمَا مَنْ أُوْتِى كِنَبَهُ بِيَمِينِهِ﴾ [سورة الحاقة: الآية ١٩] وهو المؤمن السعيد ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِىَ
كِنَهُ بِشِمَالِهِ﴾ [سورة الحاقة: الآية ٢٥] وهو المنافق، فإن الكافر لا كتاب له فالمنافق سلب عنه
الإيمان وما أخذ منه الإسلام فقيل في المنافق ﴿إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ﴾ [سورة الحاقة: الآية
٣٣] فيدخل فيه المعطل والمشرك والمتكبر على الله ولم يتعرض للإسلام، فإن المنافق ينقاد
ظاهراً ليحفظ ماله وأهله ودمه ويكون فى باطنه واحداً من هؤلاء الثلاثة. وإنما قلنا إن هذه
الآية تعم الثلاثة فإن قوله: ﴿َا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ﴾ معناه لا يصدق بالله، والذين لا يصدقون بالله
هم طائفتان : طائفة لا تصدق بوجود الله وهم المعطلة، وطائفة لا تصدق بتوحيد الله وهم
المشركون. وقوله ﴿اَلْعَظِيمِ﴾ في هذه الآية يدخل فيها المتكبر على الله فإنه لو اعتقد عظمة الله
التي يستحقها من يسمى بالله لم يتكبر عليه، وهؤلاء الثلاثة مع هذا المنافق الذي تميز عنهم
بخصوص وصف هم أهل النار الذين هم أهلها ﴿وَمَّا مَنْ أُوْنِىَ كِنَبَهُ وَرَآءَ ظَهْرِهٍ﴾ [سورة الانشقاق:
الآية ١٠] فهم: ﴿الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَتَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ وَأَشْتَرَوْاْ بِهِ،
ثَمَنَّا قَلِيلًا﴾ [سورة آل عمران: الآية ١٨٧] فإذا كان يوم القيامة قيل له: خذه من وراء ظهرك أي من
الموضع الذي نبذته فيه في حياتك الدنيا فهو كتابهم المنزّل عليهم لا كتاب الأعمال، فإنه
حين نبذه وراء ظهره ﴿ظَنَّ أَنْ لَّنْ يَحُورَ﴾ [سورة الانشقاق: الآية ١٤] أي تيقن قال الشاعر: فقلت لهم

٤٧٥
في المعارف/ الباب الرابع والستون في معرفة القيامة ومنازلها وكيفية البعث
ظنّوا بألفي مدجج. أي تيقنوا. ورد في الصحيح: ((يَقُول الله لَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ: أَظَنَنْتَ أَنَّكَ
مُلَقِيّ)) وقال تعالى: ﴿وَذَلِكُمْ ظَتْكُمُ الَّذِى ظَنَنْتُم بِرَبَّكُمْ أَرْدَنَّكُمْ﴾ [سورة فصلت: الآية ٢٣].
الثالث الموازين: فتوضع الموازين لوزن الأعمال فيجعل فيها الكتب بما عملوا، وآخر
ما يوضع في الميزان قول الإنسان: الحمد لله، ولهذا قال رََّ: ((الحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلأُ الميزَانَ)) فإنه
يلقى في الميزان جميع أعمال العباد إلاَّ كلمة لا إله إلاَّ الله فيبقى من ملئه تحميدة فتجعل
فيمتلىء بها، فإن كفة ميزان كل أحد بقدر عمله من غير زيادة ولا نقصان، وكل ذكر وعمل
يدخل الميزان إلاَّ لا إله إلاَّ الله كما قلنا، وسبب ذلك أن كل عمل خير له مقابل من ضدّه
فيجعل هذا الخير في موازنته، ولا يقابل لا إله إلاَّ الله إلاَّ الشرك، ولا يجتمع توحيد وشرك
في ميزان أحد، لأنه إن قال: لا إله إلاَّ الله معتقداً لها فما أشرك، وإن أشرك فما اعتقد لا إله
إلاّ الله، فلما لم يصحَ الجمع بينهما لم يكن لكلمة لا إله إلاَّ الله من يعادلها في الكفة الأخرى
ولا يرجحها شيء فلهذا لا تدخل الميزان. وأمّا المشركون ﴿فَلَا تُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ وَزْنًا﴾ [سورة
الكهف: الآية ١٠٥] أي لا قدر لهم ولا يوزن لهم عمل ولا من هو من أمثالهم ممّن كذب بلقاء
الله وكفر بآياته، فإن أعمال خير المشرك محبوطة فلا يكون الشرّهم ما يوازنه ﴿فَلَا تُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ
اُلْقِيَمَةِ وَزْنًا﴾ .
وأما صاحب السجلات فإنه شخص لم يعمل خيراً قط إلاَّ أنه تلفظ يوماً بكلمة لا إله إلاَّ
الله مخلصاً فتوضع له في مقابلة التسعة والتسعين سجلاً من أعمال الشرّ كل سجل منها كما
بين المغرب والمشرق وذلك لأنه ما له عمل خير غيرها، فترجح كفتها بالجميع وتطيش
السجلات فيتعجب من ذلك ولا يدخل الموازين إلاّ أعمال الجوارح شرّها وخيرها: السمع
والبصر واللسان واليد والبطن والفرج والرجل. وأما الأعمال الباطنة فلا تدخل الميزان
المحسوس لكن يقام فيها العدل وهو الميزان الحكمي المعنوي محسوس لمحسوس ومعنى
لمعنى يقابل كل شيء بمثله، فلهذا توزن الأعمال من حيث ما هي مكتوبة .
الرابع الصراط : وهو الصراط المشروع الذي كان هنا معنى ينصب هنالك حسّاً
محسوساً يقول الله لنا: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَطِى مُسْتَقِيمًا فَأَتَّبِعُوَةٌ وَلَا تَفَّبِعُواْ السُّبُلَ فَنَفَرَّقَ بِكُمْ عَن
سَبِلٍِ﴾ [سورة الأنعام: الآية ١٥٣] ولما تلا رسول الله وَ﴾ هذه الآية خطّ خطاً وخطّ عن جنبتيه
خطوطاً هكذا: ١١/١١١ وهذا هو صراط التوحيد ولوازمه وحقوقه. قال رسول الله وصله: ((أُمِرْتُ
أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لاَ إِلهَ إِلاَّ اللَّه فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلاَّ بِحَقٌ
الإِسْلاَم وحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ)) أراد بقوله: وحسابهم على الله أنه لا يعلم أنهم قالوها معتقدين
لها إلاّ الله، فالمشرك لا قدم له على صراط التوحيد وله قدم على صراط الوجود، والمعطل لا
قدم له على صراط الوجود فالمشرك ما وحّد الله هنا فهو من الموقف إلى النار مع المعطلة
ومن هو من أهل النار الذين هم أهلها إلاَّ المنافقين فلا بدّ لهم أن ينظروا إلى الجنة وما فيها
من النعيم فيطمعون فذلك نصيبهم من نعيم الجنان ثم يصرفون إلى النار وهذا من عدل الله
فقوبلوا بأعمالهم، والطائفة التي لا تخلد في النار إنما تمسك وتسأل وتعذب على الصراط،

٤٧٦
في المعارف / الباب الرابع والستون في معرفة القيامة ومنازلها وكيفية البعث
والصراط على متن جهنم غائب فيها والكلاليب التي فيه بها يمسكهم الله عليه .
ولما كان الصراط في النار وما ثم طريق إلى الجنة إلاَّ عليه قال تعالى: ﴿وَإِن ◌ِّنكُمْ إِلَّا
وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا﴾ [سورة مريم: الآية ٧١] ومن عرف معنى هذا القول عرف مكان
جهنم ما هو، ولو قاله النبي وَلَه لما سُئِل عنه لقلته فما سكت عنه وقال في الجواب في علم
الله إلاَّ بأمر إلهيّ فإنه ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْمَوَّ﴾ [سورة النجم: الآية ٣] وما هو من أمور الدنيا فسكوتنا
عنه هو الأدب، وقد أتى في صفة الصراط أنه أدق من الشعر وأحدٌ من السيف، وكذا هو علم
الشريعة في الدنيا لا يعلم وجه الحق في المسألة عند الله ولا من هو المصيب من المجتهدين
بعينه، ولذلك تعبدنا بغلبات الظنون بعد بذل المجهود في طلب الدليل لا في المتواتر ولا في
خبر الواحد الصحيح المعلوم، فإن المتواتر وإن أفاد العلم فإن العلم المستفاد من التواتر إنما
هو عين هذا اللفظ أو العلم أن رسول الله وَّر قاله أو عمل به، ومطلوبنا بالعلم ما يفهم من
ذلك القول والعمل حتى يحكم في المسألة على القطع، وهذا لا يوصل إليه إلاَّ بالنص
الصريح المتواتر، وهذا لا يوجد إلاَّ نادراً مثل قوله تعالى: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [سورة البقرة: الآية
١٩٦] في كونها عشرة خاصة فحكمها بالشرع أحدٌ من السيف وأدقّ من الشعر في الدنيا،
فالمصيب للحكم واحد لا بعينه، والكل مصيبٍ للأجرِ، فالشرع هنا هو الصراط المستقيم،
ولا يزال في كل ركعة من الصلاة يقول: ﴿أَهْدِنَا الصِّرَطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [سورة الفاتحة: الآية ٦] فهو
أحدٌ من السيف وأدق من الشعر، فظهوره في الآخرة محسوس أبين وأوضح من ظهوره في
الدنيا إلاَّ لمن دعا إلى الله على بصيرة كالرسول وأتباعه، فألحقهم الله بدرجة الأنبياء في الدعاء
إلى الله على بصيرة أي على علم وكشف. وقد ورد في الخبر: ((إِنَّ الصِّرَاطَ يَظْهَرُ يَوْمَ القِيَامَةِ
مَثْتُهُ لِلْأَبْصَارِ عَلَى قَدْرِ نُورِ المارّينَ عَلَيْهِ فَيَكُونُ دَقِيقاً فِي حَقُّ قَوْمٍ وَعَرِيضاً فِي حَقْ آخَرِينَ))
يصدق هذا الخبر قوله تعالى: ﴿نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِهِمْ وَبِأَيْمَنِمَّ﴾ والسعي مشي وما ثم
طريق إلاَّ الصراط. وإنما قال ﴿وَبِأَيْمَنِهِمْ﴾ [سورة التحريم: الآية ٨] لأن المؤمن في الآخرة لا
شمال له، كما أن أهل النار لا يمين لهم، هذا بعض أحوال ما يكون على الصراط .
وأمّا الكلاليب والخطاطيف والحسك كما ذكرنا هي من صور أعمال بني آدم تمسكهم
أعمالهم تلك على الصراط فلا ينتهضون إلى الجنة ولا يقعون في النار حتى تدركهم الشفاعة
والعناية الإلهية كما قررنا، فمن تجاوز هنا تجاوز الله عنه هناك، ومن أنظر معسراً أنظره الله،
ومن عفا عفا الله عنه، ومن استقصى حقّه هنا من عباده استقصى الله حقّه منه هناك، ومن شدّد
على هذه الأمة شدّد الله عليه، وإنما هي أعمالكم تردّ عليكم فالتزموا مكارم الأخلاق فإن الله
غداً يعاملكم بما عاملتم به عباده كان ما كان وكانوا ما كانوا .
الخامس الأعراف: وأما الأعراف فسور بين الجنة والنار باطنه فيه الرحمة وهو ما يلي
الجنة منه، وظاهره من قبله العذاب وهو ما يلي النار منه يكون عليه من تساوت كفتا ميزانه،
فهم ينظرون إلى النار وينظرون إلى الجنة وما لهم رجحان بما يدخلهم أحد الدارين، فإذا دعوا
إلى السجود وهو الذي يبقى يوم القيامة من التكليف فيسجدون فيرجح ميزان حسناتهم

٤٧٧
في المعارف / الباب الرابع والستون في معرفة القيامة ومنازلها وكيفية البعث
فيدخلون الجنة وقد كانوا ينظرون إلى النار بما لهم من السيئات، وينظرون إلى الجنة بما لهم
من الحسنات، ويرون رحمة الله فيطمعون وسبب طمعهم أيضاً أنهم من أهل لا إله إلاَّ الله ولا
يرونها في ميزانهم ويعلمون ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [سورة النساء: الآية ٤٠] ولو جاءت ذرة
لإحدى الكفتين لرجحت بها لأنهما في غاية الاعتدال، فيطمعون في كرم الله وعدله، وأنه لا
بدّ أن يكون لكلمة لا إله إلاَّ الله عناية بصاحبها يظهر لها أثر عليهم، يقول عزّ وجلّ فيهم:
﴿وَعَلَى الْأَغْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلّ بِيمَهُمْ وَنَادَوْ أَصْحَبَ الْجَنَّةِ أَن سَلَمَّ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَظْمَعُونَ﴾ [سورة
الأعراف: الآية ٤٦] كما نادوا أيضاً: ﴿وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَرُهُمْ نِلِقَاءَ أَصْحَبِ الَّارِ قَالُواْ رَبَّا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ
الظَّالِمِينَ﴾ [سورة الأعراف: الآية ٤٧] والظلم هنا الشرك لا غير.
السادس: ذبح الموت: الموت وإن كان نسبة فإن الله يظهره يوم القيامة في صورة كبش
أملح وينادي: يا أهل الجنة فيشرئبون، وينادي: يا أهل النار فيشرئبون وليس في النار في ذلك
الوقت إلاَّ أهلها الذين هم أهلها، فيقال للفريقين: أتعرفون هذا وهو بين الجنة والنار؟
فيقولون: هو الموت، ويأتي يحيى عليه السلام وبيده الشفرة فيضجعه ویذبحه، وينادي مناد :
يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت، وذلك هو يوم الحسرة. فأمّا أهل
الجنة إذا رأوا الموت سرّوا برؤيته سروراً عظيماً ويقولون له: بارك الله لنا فيك لقد خلصتنا من
نكد الدنيا وكنت خير وارد علينا وخير تحفة أهداها الحق إلينا، فإنّ النبيّ وَ له يقول: ((المَوْتُ
تُخْفَةُ المُؤْمِنِ)) وأمّا أهل النار إذا أبصروه يفرقون منه ويقولون له: لقد كنت شرّ وارد علينا
حلت بيننا وبين ما كنّا فيه من الخير والدعة، ثم يقولون له: عسى تميتنا فنستريح ممّا نحن
فيه، وإنما سمّي يوم الحسرة لأنه حسر للجميع أي ظهر عن صفة الخلود الدائم للطائفتين ثم
تغلق أبواب النار غلقاً لا فتح بعده وتنطبق النار على أهلها ويدخل بعضها في بعض ليعظم
انضغاط أهلها فيها ويرجع أسفلها أعلاها وأعلاها أسفلها وترى الناس والشياطين فيها كقطع
اللحم في القدر إذا كان تحتها النار العظيمة تغلي كغلي الحميم فتدور بمن فيها علواً وسفلاً
﴿كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَهُمْ سَعِيرًا﴾ [سورة الإسراء: الآية ٩٧] بتبديل الجلود.
السابع المأدبة: وهي مأدبة الملك لأهل الجنة، وفي ذلك الوقت يجتمع أهل النار في
مندبة، فأهل الجنة في المآدب وأهل النار في المنادب وطعامهم في تلك المأدبة زيادة كبد
النون وأرض الميدان درمكة بيضاء مثل القرصة ويخرج من الثور الطحال لأهل النار فيأكل
أهل الجنة من زيادة كبد النون وهو حيوان بحريّ مائيّ فهو من عنصر الحياة المناسبة للجنة
والكبد بيت الدم وهو بيت الحياة والحياة حارة رطبة، وبخار ذلك الدم هو النفس المعبر عنه
بالروح الحيوانيّ الذي به حياة البدن فهو بشارة لأهل الجنة ببقاء الحياة عليهم، وأما الطحال
في جسم الحيوان فهو بيت الأوساخ فإن فيه تجتمع أوساخ البدن وهو ما يعطيه الكبد من الدم
الفاسد فيعطى لأهل النار يأكلونه وهو من الثور والثور حيوان ترابيّ طبعه البرد واليبس وجهنم
على صورة الجاموس والطحال من الثور لغذاء أهل النار أشدّ مناسبة فيما في الطحال من
الدمية لا يموت أهل النار وبما فيه من أوساخ البدن، ومن الدم الفاسد المؤلم لا يحيون ولا

٤٧٨ في المعارف/ الباب الخامس والستون في معرفة الجنة ومنازلها ودرجاتها وما يتعلق بهذا الباب
ينعمون فيورثهم أكله سقماً ومرضاً، ثم يدخل أهل الجنة الجنة فما هم منها بمخرجين، والله
يقول الحق وهو يهدي السبيل. انتهى الجزء التاسع والعشرون.
(الجزء الثلاثون)
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرّحَميدِ
الباب الخامس والستون
في معرفة الجنة ومنازلها ودرجاتها وما يتعلق بهذا الباب
[نظم: البسيط]
مراتبُ الجنَّة المَحْسُوسَةِ انقسمَتْ
فكل ذي عمل تجري ركائبُه
وجنَّةُ الاختصاصات التي انْفَهَقَتْ
إلى منازلَ والأعمالُ تطلبُهَا
به إليها ورُسْلُ الله تحجبُهَا
للمكرمين جنانُ الوِزْث تغْقُبُهَا
ونورُنا اليوم في عَدْنٍ مُكَوْكِبُهَا
نورُ الكواكب كنا نستضيء بها
لو أن غيرَ صراط العرش مركبُنا
فصالحُ العمل المشروع يُظهرها
لزال عند ورود الشَّرْعِ مركبُهَا
نوراً ومن ذاته الإجلالُ يكسبُهَا
اعلم أيّدنا الله وإياك أن الجنة جنتان: جنة محسوسة وجنة معنوية، والعقل يعقلهما
معاً، كما أن العالم عالمان: عالم لطيف وعالم كثيف، وعالم غيب وعالم شهادة، والنفس
الناطقة المخاطبة المكلفة لها نعيم بما تحمله من العلوم والمعارف من طريق نظرها وفكرها
وما وصلت إليه من ذلك بالأدلة العقلية، ونعيم بما تحمله من اللذات والشهوات ممّا يناله
بالنفس الحيوانية من طريق قواها الحسيّة من أكل وشرب ونكاح ولباس وروائح ونغمات طيبة
تتعلق بها الأسماع، وجمال حسيّ في صورة حسنة معشوقة يعطيها البصر في نساء كاعبات
ووجوه حسان وألوان متنوّعة وأشجار وأنهار، كل ذلك تنقله الحواس إلى النفس الناطقة فتلتذّ
به من جهة طبيعتها، ولو لم يلتذ به إلاَّ الروح الحساس الحيوانيّ لا النفس الناطقة لكان
الحيوان يلتذّ بالوجه الجميل من المرأة المستحسنة والغلام الحسن الوجه والألوان والمصاغ،
فلما لم نر شيئاً من الحيوان يلتذ بشيء من ذلك علمنا قطعاً أن النفس الناطقة هي التي تلتذ
بجميع ما تعطيه القوّة الحسيّة ممّا تشاركها في إدراكها الحيوانات وممّا لا تشاركها فيه.
واعلم أن الله خلق هذه الجنة المحسوسة بطالع الأسد الذي هو الإقليد وبرجه هو
الأسد، وخلق الجنة المعنوية التي هي روح هذه الجنة المحسوسة من الفرح الإلهيّ من صفة
الكمال والابتهاج والسرور، فكانت الجنة المحسوسة كالجسم، والجنة المعقولة كالروح
وقواه، ولهذا سمّاها الحق تعالى الدار الحيوان لحياتها، فأهلها يتنعمون فيها حسّاً ومعنى،
فالمعنى الذي هو اللطيفة الإنسانية، والجنة أيضاً أشد تنعماً بأهلها الداخلين فيها ولهذا تطلب
ملأها من الساكنين، وقد ورد في خبر عن النبي وَّرَ: ((إِنَّ الجَنَّةَ اشْتَاقَتْ إِلَى بِلاَلٍ وَعَلِيٌّ
وَعَمَّارٍ وسَلْمَانَ)) فوصفها بالشوق إلى هؤلاء، وما أحسن موافقة هذه الأسماء لما في شوقها

٤٧٩
في المعارف / الباب الخامس والستون في معرفة الجنة ومنازلها ودرجاتها وما يتعلق بهذا الباب
من المعاني، فإن الشوق من المشتاق فيه ضرب ألم لطلب اللقاء، وبلال من أبلّ الرجل من
مرضه واستبلّ ويقال: بلّ الرجل من دائه وبلال معناه، وسلمان من السلامة من الآلام
والأمراض، وعمار أي بعمارتها بأهلها يزول ألمها فإنّ الله سبحانه يتجلى لعباده فيها، فعليّ
يعلو بذلك التجلي شأنها على النار التي هي أختها حيث فازت بدرجة التجلي والرؤية إذ كانت
النار دار حجاب، فانظر في موافقة هذه الأسماء الأربعة لصورة حال الجنة حين وصفها
بالشوق إلى هؤلاء الأصحاب من المؤمنين .
والناس على أربع مراتب في هذه المسألة: فمنهم من يشتهي ويشتهى وهم الأكابر من
رجال الله من رسول ونبيّ ووليّ كامل. ومنهم من يشتهى ولا يشتهي وهم أصحاب الأحوال
من رجال الله المهيمون في جلال الله الذين غلب معناهم على حسّهم وهم دون الطبقة الأولى
فإنهم أصحاب أحوال. ومنهم من يشتهي ولا يشتهى وهم عصاة المؤمنين. ومنهم من لا
يشتهي ولا يشتهى وهم المكذبون بيوم الدين والقائلون بنفي الجنة المحسوسة، ولا خامس
الهؤلاء الأربعة الأصناف. واعلم أن الجنات ثلاث جنات: جنة اختصاص إلهي وهي التي
يدخلها الأطفال الذين لم يبلغوا حدّ العمل، وحدّهم من أوّل ما يولد إلى أن يستهل صارخاً
إلى انقضاء ستة أعوام، ويعطي الله من شاء من عباده من جنات الاختصاص ما شاء، ومن
أهلها: المجانين الذين ما عقلوا، ومن أهلها: أهل التوحيد العلميّ، ومن أهلها: أهل الفترات
ومن لم تصل إليهم دعوة رسول. والجنة الثانية: جنة ميراث ينالها كل من دخل الجنة ممّن
ذكرنا ومن المؤمنين وهي الأماكن التي كانت معينة لأهل النار لو دخلوها. والجنة الثالثة: جنة
الأعمال وهي التي ينزل الناس فيها بأعمالهم، فمن كان أفضل من غيره في وجود التفاضل
كان له من الجنة أكثر، وسواء كان الفاضل دون المفضول أو لم يكن غير أنه فضله في هذا
المقام بهذه الحالة، فما من عمل من الأعمال إلاَّ وله جنة، ويقع التفاضل فيها بين أصحابها
بحسب ما تقتضي أحوالهم. ورد في الحديث الصحيح عن النبيّ وَّ أنه قال لبلال: ((يَا بِلاَل
بِمَ سَبَقْتَنِي إِلَى الجَنَّةِ فَمَا وَطِئْتُ مِنْهَا مَوْضِعاً إِلَّ سَمِعْتُ خَشْخَشَتكَ أَمَامِي؟ فَقَالَ: يَا رَسُولَ
اللَّهِ مَا أَحْدَثَتُ قَطَ إِلاَّ تَوَضَّأْتُ، وَلاَ تَوَضَّأْتُ إِلَّ صَلَّيْتُ رَكْعَتَيْنٍ. فقال رسول الله ◌َّرَ: بِهِمَا»
فعلمنا أنها كانت جنة مخصوصة بهذا العمل، فكان رسول الله وَ# يقول لبلال بم نلت أن
تكون مطرقاً بين يديّ تحجبني من أين لك هذه المسابقة إلى هذه المرتبة، فلما ذكر له ذلك
قال له وَلّ: (بِهِمَا)) فما من فريضة ولا نافلة ولا فعل خير ولا ترك محرّم ومكروه إلاَّ وله جنة
مخصوصة ونعیم خاص یناله من دخلها .
والتفاضل على مراتب: فمنها بالسنّ ولكن في الطاعة والإسلام، فيفضل الكبير السنّ
على الصغير السنّ إذا كانا على مرتبة واحدة من العمل بالسنّ فإنه أقدم منه فيه، ويفضل أيضاً
بالزمان فإن العمل في رمضان وفي يوم الجمعة وفي ليلة القدر وفي عشر ذي الحجة وفي
عاشوراء أعظم من سائر الأزمان وكل زمان عينه الشارع، وتقع المفاضلة بالمكان كالمصلي
في المسجد الحرام أفضل من صلاة المصلي في مسجد المدينة، وكذلك الصلاة في مسجد

٤٨٠ في المعارف/ الباب الخامس والستون في معرفة الجنة ومنازلها ودرجاتها وما يتعلق بهذا الباب
المدينة أفضل من الصلاة في المسجد الأقصى، وهكذا فضّل الصلاة في المسجد الأقصى
على سائر المساجد، ويتفاضلون أيضاً بالأحوال فإن الصلاة في الجماعة في الفريضة أفضل
من صلاة الشخص وحده وأشباه هذا، ويتفاضلون بالأعمال فإن الصلاة أفضل من إماطة
الأذى، وقد فضّل الله الأعمال بعضها على بعض، ويتفاضلون أيضاً في نفس العمل الواحد
كالمتصدّق على رحمه فيكون صاحب صلة رحم وصدقة، والمتصدّق على غير رحمه دونه
في الأجر، وكذلك من أهدى هدية لشريف من أهل البيت أفضل ممّن أهدى لغير شريف أو
برّه أو أحسن إليه.
ووجوه المفاضلة كثيرة في الشرع وإن كانت محصورة ولكن أريتك منها أنموذجاً تعرف
به ما قصدناه بالمفاضلة والرسل عليهم السلام، إنما ظهر فضلها في الجنة على غيرها بجنة
الاختصاص. وأما بالعمل فهم في جنات الأعمال بحسب الأحوال كما ذكرنا، وكل من فضل
غيره ممّن ليس في مقامه فمن جنات الاختصاص لا من جنات الأعمال، ومن الناس من
يجمع في الزمن الواحد أعمالاً كثيرة فيصرف سمعه فيما ينبغي في زمان تصريفه بصره، في
زمان تصريفه يده، في زمان صومه، في زمان صدقته، في زمان صلاته، في زمان ذكره، في
زمان نيته من فعل وترك، فيؤجر في الزمن الواحد من وجوه كثيرة فيفضل غيره ممّن ليس له
ذلك، ولذلك لما ذكر رسول الله ◌َ و الثمانية الأبواب من الجنة أن يدخل من أيها شاء قال أبو
بكر: يا رسول الله وما على الإنسان أن يدخل من الأبواب كلها، قال رسول الله وَله: ((أَرْجُو
أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ يَا أَبَا بَكْرٍ)) فأراد أبو بكر بذلك القول ما ذكرنا أن يكون الإنسان في زمان واحد
في أعمال كثيرة تعم أبواب الجنة .
ومن هنا أيضاً تعرف النشأة الآخرة، فكما لا تشبه الجنة الدنيا في أحوالها كلها وإن
اجتمعت في الأسماء كذلك نشأة الإنسان في الآخرة لا تشبه نشأة الدنيا وإن اجتمعتا في
الأسماء والصورة الشخصية، فإن الروحانية على نشأة الآخرة أغلب من الحسيّة، وقد ذقناه في
هذه الدار الدنيا مع كثافة هذه النشأة، فيكون الإنسان بعينه في أماكن كثيرة، وأمّا عامة الناس
فيدركون ذلك في المنام. ولقد رأيت رؤيا لنفسي في هذا النوع وأخذتها بشرى من الله فإنها
مطابقة لحديث نبويّ عن رسول الله وَل# حين ضرِب لنا مثله في الأنبياء عليهم السلام
فقال وَّ: (مَثَلِي فِي الأَنْبِيَاءِ كَمَثَلِ رَجُلٍ بَنَى حَائِطاً فَأَكْمَلَهُ إِلَّ لَبِنَّةً وَاحِدَةً فَكُنْتُ أَنَا تِلْكَ اللَّبِنَّة
فَلاَ رَسُولَ بَعْدِي وَلاَ نَبِيَّ)) فشبه النبوّة بالحائط، والأنبياء باللبن التي قام بها هذا الحائط، وهو
تشبيه في غاية الحسن، فإنّ مسمّى الحائط هنا المشار إليه لم يصحّ ظهوره إلاَّ باللبن،
فكان رَّة خاتم النبيين، فكنت بمكة سنة تسع وتسعين وخمسمائة أرى فيما يرى النائم الكعبة
مبنية بلبن فضة وذهب لبنة فضة ولبنة ذهب وقد كملت بالبناء وما بقي فيها شيء وأنا أنظر إليها
وإلى حسنها، فالتفت إلى الوجه الذي بين الركن اليمانيّ والشاميّ هو إلى الركن الشاميّ أقرب
فوجدت موضع لبنتين: لبنة فضة ولبنة ذهب ينقص من الحائط في الصفين في الصف الأعلى
ينقص لبنة ذهب، وفي الصف الذي يليه ينقص لبنة فضة، فرأيت نفسي قد انطبعت في موضع