Indexed OCR Text
Pages 401-420
٤٠١
في المعارف / الباب الثامن والأربعون في معرفة إنما كان كذا لكذا وهو إثبات العلة والسبب
يخفض ويرفع فلحالة الوزن قيل فيه الخافض الرافع فظهرت هذه النسب، فهكذا في اختلاف
أحوال الخلق. وقولنا: إنما اختلفت الأحوال لاختلاف الأزمان فإن اختلاف أحوال الخلق
سببها اختلاف الأزمان عليها، فحالها في زمان الربيع يخالف حالها في زمان الصيف، وحالها
في زمان الصيف يخالف حالها في زمان الخريف، وحالها في زمان الخريف يخالف حالها في
زمان الشتاء، وحالها في زمان الشتاء يخالف حالها في زمان الربيع.
يقول بعض العلماء بما تفعله الأزمان في الأجسام الطبيعية: تعرّضوا لهواء زمان الربيع
فإنه يفعل في أبدانكم ما يفعل في أشجاركم. وتحفظوا من هواء زمان الخريف فإنه يفعل في
أبدانكم كما يفعل في أشجاركم، وقد نصّ الله تعالى على أننا من جملة نبات الأرض فقال:
﴿وَاللَّهُ أَنْبَكُمْ مِّنَ الْأَرْضِ نَبَانًا﴾ [سورة نوح: الآية ١٧] أراد فنبتم نباتاً لأن مصدر أنبتكم إنما هو إنباتاً
كما قال في نسبة التكوين إلى نفس المأمور به فقال تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَىْءٍ إِذَا أَرَدْنَهُ أَن نَّقُولَ
لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [سورة النحل: الآية ٤٠] فجعل التكوين إليه كذلك نسب ظهور النبات إلى النبات
فافهم فلذلك قلنا: إنما اختلفت الأحوال لاختلاف الأزمان. وأما قولنا: إنما اختلفت الأزمان
لاختلاف الحركات فأعني بالحركات الحركات الفلكية، فإنه باختلاف الحركات الفلكية حدث
زمان الليل والنهار وتعينت السنون والشهور والفصول وهذه المعبر عنها بالأزمان.
وقولنا: اختلفت الحركات لاختلاف التوجهات أريد بذلك توجّه الحق عليها بالإيجاد
لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَىْءٍ إِذَا أَرَدْنَهُ﴾ فلو كان التوجّه واحداً عليها لما اختلفت الحركات
وهي مختلفة، فدلّ أن التوجّه الذي حرّك القمر في فلكه ما هو التوجّه الذي حرّك الشمس ولا
غيرها من الكواكب والأفلاك، ولو لم يكن الأمر كذلك لكانت السرعة أو الإبطاء في الكل
على السواء، قال تعالى: ﴿كُلِّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [سورة الأنبياء: الآية ٣٣] فلكل حركة توجّه إلهيّ
أي تعلّق خاص من كونه مريداً. وقولنا: إنما اختلفت التوجّهات لاختلاف المقاصد، فلو كان
قصد الحركة القمرية بذلك التوجّه عين قصد الحركة الشمسية بذلك التوجّه لم يتميز أثر عن
أثر، والآثار بلا شك مختلفة، فالتوجهات مختلفة لاختلاف المقاصد، فتوجهه بالرضى عن
زيد غير توجهه بالغضب على عمرو، فإنه قصد تعذيب عمرو وقصد تنعيم زيد، فاختلفت
المقاصد .
وقولنا: إنما اختلفت المقاصد لاختلاف التجليات، فإن التجليات لو كانت في صورة
واحدة من جميع الوجوه لم يصحّ أن يكون لها سوى قصد واحد وقد ثبت اختلاف القصد،
فلا بدّ أن يكون لكل قصد خاص تجلّ خاص ما هو عين التجلّي للآخر، فإن الاتساع الإلهيّ
يعطي أن لا يتكرّر شيء في الوجود وهو الذي عوّلت عليه الطائفة والناس ﴿فِ لَبٍِّ مِّنْ خَلْقِ
جَدِيدٍ﴾ [سورة ق: الآية ١٥].
يقول الشيخ أبو طالب المكيّ صاحب قوت القلوب وغيره من رجال الله عزّ وجلّ: إن
الله سبحانه ما تجلّى قط في صورة واحدة لشخصين ولا في صورة واحدة مرّتين، ولهذا
اختلفت الآثار في العالم وكنى عنها بالرضى والغضب. وقولنا: إنما اختلفت التجلّيات
الفتوحات المكية ج١ - م٢٦
٤٠٢
الباب التاسع والأربعون في معرفة قوله ◌َّله: ((إني لأجد نفس الرحمن من قبل اليمن)) ...
لاختلاف الشرائع، فإن كل شريعة طريق موصلة إليه سبحانه وهي مختلفة، فلا بدّ أن تختلف
التجلّيات كما تختلف العطايا، ألا تراه عزّ وجلّ إذا تجلّى لهذه الأمّة في القيامة وفيها منافقوها
وقد اختلف نظرهم في الشريعة فصار كل مجتهد على شرع خاص هو طريقه إلى الله، ولهذا
اختلفت المذاهب، وكل شرع في شريعة واحدة، والله قد قرّر ذلك على لسان رسوله وَله
عندنا فاختلفت التجليات بلا شك، فإن كل طائفة قد اعتقدت في الله أمراً ما إن تجلّى لها في
خلافه أنكرته، فإذا تحوّل لها في العلامة التي قد قرّرتها تلك الطائفة مع الله في نفسها أقرّت
به، فإذا تجلّى للأشعريّ في صورة اعتقاد من يخالفه في عقده في الله وتجلّى للمخالف في
صورة اعتقاد الأشعريّ مثلاً أنكره كل واحد من الطائفتين كما ورد، وهكذا في جميع
الطوائف، فإذا تجلّى لكل طائفة في صورة اعتقادها فيه تعالى وهي العلامة التي ذكرها مسلم
في صحيحه عن رسول الله وَ لو أقرّوا له بأنه ربّهم وهو هو لم يكن غيره، فاختلفت التجليات
لاختلاف الشرائع .
وقولنا: إنما اختلفت الشرائع لاختلاف النسب الإلهية قد تقدّم ودار الدور، فكل شيء
أخذته من هذه المسائل صلح أن يكون أولاً وآخراً ووسطاً، وهكذا كل أمر دوريّ يقبل كل
جزء منه بالفرض الأولية والآخرية وما بينهما، وقد ذكرنا مثل هذا الشكل الدوريّ في
التدبيرات الإلهية مضاهياً لقول المتقدّم إذ قال: العالم بستان سياجه الدولة، الدولة سلطان
تحجبه السنّة، السنّة سياسة يسوسها الملك، الملك راع يعضده الجيش، الجيش أعوان
يكفلهم المال، المال رزق يجمعه الرعية، الرعية عبيد تَعبدهم العدل، العدل مألوف فيه
صلاح العالم، العالم بستان، ودار الدور، ويكفي هذا القدر من الإيماء إلى العلل والأسباب
مخافة التطويل، فإن هذا الباب واسع جدّاً إذ كان العالم كله مرتبطاً بعضه ببعض، أسباب
ومسببات وعلل ومعلولات، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. انتهى الجزء الخامس
والعشرون.
(الجزء السادس والعشرون)
بِسْمِ اللَّهِ الرََّنِ الرَّحَميدِ
الباب التاسع والأربعون
في معرفة قوله {وَل ـ:
(«إني لأجد نفس الرحمن من قبل اليمن)» ومعرفة هذا المنزل ورجاله
[نظم: المديد]
في سوى الرحمنِ مسْتَنَدُ
نَفَسُ الرحمن ليس له
مالها رُكْنّ ولا سَنَدُ
حُكْمُه في كل طائفةٍ
وهو لا روحٌ ولا جسَدُ
يا مَنِ الأكوانُ منزلُه
٤٠٣
الباب التاسع والأربعون في معرفة قوله وخلفه: ((إني لأجد نفس الرحمن من قبل اليمن)) ...
وهو المطلوب والصَّمَدُ
ما له حدِّيعيّنُه
ثم لم يظفر به أحدُ
فجميعُ الخلق يطلبه
بكمال النَّغْت منفَردُ
أحدٌ ما مثله أحَدٌ
اعلم يا وليّ أن لله عباداً من حيث اسمه الرحمن وهو قوله: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّيْنَ
يَمْثُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنَا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُواْ سَلَامًا﴾ [سورة الفرقان: الآية ٦٣] يقول تعالى: ﴿يَوْمَ
نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾ [سورة مريم: الآية ٨٥] ولله عباد يأتي إليهم الرحمن من اسمه الرب
فإن الله يقول: ﴿قَلِ أَدْعُواْ اللَّهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَنَّ أَيَّا مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [سورة الإسراء: الآية
١١٠] فكماله من الاسم الله الأسماء الحسنى، كذلك له من الاسم الرحمن الأسماء الحسنى،
قال رسول الله وَلَّ: ((يَنْزِلُ رَبُّنَا إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا)) وقال: ﴿وَجَآءَ رَبُّكَ﴾ [سورة الفجر: الآية ٢٢]
فثمَّ إتيان عام مثل هذا وهو الإتيان للفصل والقضاء، وثم إتيان خاص بالرحمة لمن اعتنى به
من عباده، قال رسول الله وَّ لما اشتدّ كربه من المنازعين: ((إِنِّي لأَجِدُ نَفَسَ الرَّحْمُنِ مِنْ قِبَلِ
اليَمَنِ)) وهو ما مشى إلى اليمن، لكن النفس أدركه من قبل اليمن، وما أدركه حتى أتاه فجاء
بالتنفيس من الشدّة والضيق الذي كان فيه بالأنصار رضي الله عن جميعهم، فتقدم إليه النفس
في باطنه وقلبه مبشّراً بما يظهره الله من نصرة الدين وإقامته على أيدي الأنصار.
ولقد جرى لنا في حديث الأنصار ما نذكره إن شاء الله، وذلك أنه عندنا بدمشق رجل
من أهل الفضل والأدب والدين يقال له يحيى بن الأخفش من أهل مراكش كان أبوه يدرس
العربية بها فكتب إليّ يوماً من منزله بدمشق وأنا بها يقول لي في كتابه: يا وليّ رأيت
رسول الله لي البارحة بجامع دمشق وقد نزل بمقصورة الخطابة إلى جانب خزانة المصحف
المنسوب إلى عثمان رضي الله عنه والناس يهرعون إليه ويدخلون عليه يبايعونه فبقيت واقفاً
حتى خفّ الناس فدخلت عليه وأخذت يده فقال لي: هل تعرف محمداً؟ قلت له: يا
رسول الله من محمد؟ فقال له: ابن العربي، قال: فقلت له: نعم أعرفه، فقال له
رسول الله وَله: إنّا قد أمرناه بأمر فقل له: يقول لك رسول الله: انهض لما أمرت به واصحبه
أنت فإنك تنتفع بصحبته وقل له: يقول لك رسول الله امتدح الأنصار ولتعين منهم سعد بن
عبادة ولا بدّ ثم استدعي بحسان بن ثابت، فقال له رسول الله وَلّ: يا حسان حفظه بيتاً
يوصله إلى محمد بن العربي يبني عليه وينسج على منواله في العروض والرويّ. فقال
حسان: يا يحيى خذ إليك وأنشدني بيتاً وهو: [الكامل]
فعلى الدموع مُعَوَّلي ومُشّاري
شَغُفَ السهادُ بمقلتي ومزاري
وما زال يردّده عليّ حتى حفظته. ثم قال لي رسول الله وَّو: إذا مدح الأنصار فاكتبه
بخط بيّن واحمله ليلة الخميس إلى تربة هذا الذي تسمونها قبر الست فستجد عندها شخصاً
اسمه حامد فادفع إليه المديح، فلما أخبرني بذلك هذا الرائي وفقه الله عملت القصيدة من
وقتي من غير فكرة ولا روية ولا تثبط ودفعت القصيدة إليه، فكتب إليّ أنه لما جاء قبر الست
وصل إليه بعد العشاء الآخرة قال: فرأيت رجلاً عند القبر فقال لي ابتداء: أنت يحيى الذي
٤٠٤
الباب التاسع والأربعون في معرفة قوله ويلي: ((إني لأجد نفس الرحمن من قبل اليمن)) ...
جاء من عند فلان وسمّاني؟ قال: فقلت له: نعم، قال: فأين القصيد الذي مدح به الأنصار
عن أمر رسول الله وَّر؟ فقلت: هوذا عندي فناولته إياه فقرب من الشمعة ليقرأ القصيدة فلم
أره يخبر ذلك الخط، فقلت له: تأمرني أنشدك إياها؟ قال: نعم فأنشدته إياها، وهذا نص
القصيدة : [الكامل]
فِقَرُ الكلام ونَشْأةُ الأشعارِ
فعلى الدموع مُعَوَّلي ومُشَاري
قال ابنُ ثابتِ الذي فخرثْ به
شَغُفَ السهادُ بمقلتي ومزاري
وكانت أمي تنسب إلى الأنصار فقلت :
فلذا جعلتُ رويَّةَ الراء التي
فأقول مبتدئاً لطاعة أحمدٍ
إني امرؤٌ من جملةِ الأنصار
بسيوفهم قام الهدى وبهم عَلَتْ
قاموا بنَصْر الهاشميِّ محمدٍ
صحبوا النبيَّ بنيَّةٍ وعزائم
باعوا نفوسَهُمُو لنصرة دينه
عنهم كُنَى المختار بالنفس الذي
سعدٌ سليلُ عُبَادة فخرتْ به
لله آسادٌ لكل كريهةٍ
عَزُّوا بدين الله في إعزازهم
فيهم عَلا يومَ القيامة مشهدي
لو أنني صغْتُ الكلام قلائداً
كَرِشُ النبيّ وعيبةٌ لرسوله
رهبانُ ليلاً يقرؤون كلامه
هي من حروف الردّ والتّكْرارِ
في مَدْح قوم سادةٍ أبرارٍ
فإذا مدَخْتُهُمُو مدَخْتُ نِجاري
أنواره في رأس كل مَنَارِ
المصطفى المختارِ من مختارٍ
فازوا بهنَّ حميدةَ الآثارِ
ولذاك ما صحبوه بالإيثارِ
يأتيه من يَمَنِ مع الأقدارِ
يوم السَّقيفة جُمَّلَةُ الأنصارِ
نزلت بدين الله والأخيارِ
دينَ الهدى بالعسكرِ الجرَّارِ
وبهم ترى يومَ الورود فَخَاري
في مدحهم ما كنت بالمِكْثارِ
لحقت بهم أعداؤه بتّبَارٍ
آسادُ غابٍ في الوغى بنَهَارِ
وقصة الرؤيا طويلة، فاقتصرت من ذلك على ما نحتاج إليه في هذا الباب من ذكر
الأنصار. ثم نرجع فنقول: فما جاءت الأنصار إلاَّ بعد أن نفّس الله عن نبيّه بما بشّره به فلقيته
الأنصار في حال اتساع وانشراح وسرور، وتلقاها وَّر تلقي الغنيّ بربّه فكان معها والمهاجرين
عوناً على إقامة دين الله كما أمرهم الله، قال الله عزّ وجلّ: ﴿وَ اللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْصُطْ﴾ [سورة البقرة:
الآية ٢٤٥] ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْمُسْنَى﴾ [سورة الأعراف: الآية ١٨٠] ولها آثار وتحكم في خلقه، وهي
المتوجهة من الله تعالى على إيجاد الممكنات وما تحوي عليه من المعاني التي لا نهاية لها،
والله من حيث ذاته غنيّ عن العالمين، وإنما عرّفنا الله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَنِىُّ عَنِ الْعَلَمِينَ﴾
[سورة آل عمران: الآية ٩٧] ليعلمنا أنه سبحانه ما أوجدنا إلاَّ لنا لا لنفسه، وما خلقنا لعبادته إلاَّ
ليعود ثواب ذلك العمل وفضله إلينا، ولذلك ما خصّ بهذا الخطاب إلاَّ الثقلين فقال تعالى:
﴿وَمَا خَلَقْتُ اَلْجِنَّ وَالْإِنِسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [سورة الذاريات: الآية ٥٦] ولا نشك أنّ كل ما خلق من
٤٠٥
الباب التاسع والأربعون في معرفة قوله وقال له: ((إني لأجد نفس الرحمن من قبل اليمن)) ...
الملائكة وغيرهم من العالم ما خلقهم إلاَّ مسبّحين بحمده، وما خصّ بهذه الصفة غير الثقلين
أعني صفة العبادة وهي الذلّة، فما خلقهم حين خلقهم أولاً وإنما خلقهم ليذلّوا وخلق ما
سواهم أذلا في أصل خلقهم، فما جعل العلة في سوى الثقلين الذلّة كما جعلها فينا، وذلك
أنه ما تكبّر أحد من خلق الله على أمر الله غير الثقلين، ولا عصى الله أحد من خلق الله سوى
الثقلين، فأمر إبليس فعصى، ونهى آدم عليه السلام أن يقرب الشجرة فكان من أمره ما قال الله
لنا في كتابه: ﴿وَعَصَىَ ءَادَمُ رَبَّهُ﴾ [سورة طه: الآية ١٢١].
وأمّا الملائكة فقد شهد لهم الله بأنهم: ﴿لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾
[سورة التحريم: الآية ٦] ردّاً على من تكلم بما لا ينبغي في حق الملكين ببابل من المفسرين بما لا
يليق بهم ولا يعطيه ظاهر الآية، لكن الإنسان يجترىء على الله تعالى فيقول فيه ما لا يليق
بجلاله فكيف لا يقول في الملائكة؟ فكما كذب الإنسان ربّه في أمور فيكون هذا القائل قد
كذّب ربّه في قوله في حق الملائكة: ﴿لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ﴾ وفي صحيح الخبر عن
رسول الله وَّ عن الله عزّ وجلّ: ((يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: كَذَّبَنِي ابْنُ آدَمَ وَلَمْ يَكُنْ يَنْبَغِي لَهُ
ذُلِكَ، وَشَتَمَنِي ابْنُ آدَمَ وَلَمْ يَكُنْ يَثْبَغِي لَهُ ذُلِكَ)) الحديث، فلا أحد أصبر على أذى من الله،
كذا ورد أيضاً في الخبر وهو سبحانه يرزقهم ويحسن إليهم وهم في حقّه بهذه الصفة.
فاعلم أن السبب الموجب لتكبر الثقلين دون سائر الموجودات أنّ سائر المخلوقات
توجّه على إيجادهم من الأسماء الإلهية أسماء الجبروت والكبرياء والعظمة والقهر والعزّة،
فخرجوا أذلاء تحت هذا القهر الإلهيّ، وتعرّف إليهم حين أوجدهم بهذه الأسماء، فلم يتمكن
لمن خلق بهذه المنابة أن يرفع رأسه ولا أن يجد في نفسه طعماً للكبرياء على أحد من خلق الله
فكيف على من خلقه؟ وقد أشهده أنه في قبضته وتحت قهره، وشهدوا كشفاً نواصيهم
ونواصي كل دابة بيده في القرآن العزيز: ﴿مَّا مِن دَآبَةٍ إِلَّا هُوَ ءَاخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾ [سورة هود: الآية ٥٦]
ثم قال متمماً: ﴿إِنَّ رَبِ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [سورة هود: الآية ٥٦] والأخذ بالناصية عند العرب
إذلال، هذا هو المقرّر عرفاً عندنا، فمن كان حاله في شهود نظره إلى ربّه أخذ النواصي بيده
ويرى ناصيته من جملة النواصي كيف يتصوّر منه عزّاً وكبرياء على خالقه مع هذا الكشف.
وأمّا الثقلان فخلقهم بأسماء اللطف والحنان والرأفة والرحمة والتنزّل الإلهيّ، فعندما
خرجوا لم يروا عظمة ولا عزّا ولا كبرياء، ورأوا نفوسهم مستندة في وجودها إلى رحمة
وعطف وتنزّل، ولم يبد الله لهم من جلاله ولا كبريائه ولا عظمته في خروجهم إلى الدنيا شيئاً
يشغلهم عن نفوسهم، ألا تراهم في الأخذ الذي عرض لهم من ظهورهم حين قال لهم:
﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ [سورة الأعراف: الآية ١٧٢] هل قال أحد منهم: نعم؟ لا والله بل ﴿قَالُواْ بَى﴾ [سورة
الأعراف: الآية ١٧٢] فأقرّوا له بالربوبية لأنهم في قبضة الأخذ محصورون، فلو شهدوا أنّ
نواصيهم بيد الله شهادة عين أو إيمان كشهادة عين كشهادة الأخذ ما عصوا الله طرفة عين
وكانوا مثل سائر المخلوقات ﴿يُسَبِّحُونَ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [سورة الأنبياء: الآية ٢٠] فلما ظهروا
عن هذه الأسماء الرحمانية قالوا: يا ربنا لم خلقتنا؟ قال: لتعبدون أي لتكونوا أذلاء بين يديّ،
٤٠٦
الباب التاسع والأربعون في معرفة قوله وخلاله: ((إني لأجد نفس الرحمن من قبل اليمن)) ...
فلم يروا صفة قهر ولا جناب عزّة تذلّهم ولا سيّما وقد قال لهم: لتذلّوا إليّ، فأضاف فعل
الإذلال إليهم فزادوا بذلك كبراً، فلو قال لهم: ما خلقتكم إلاَّ لأذلكم لفرقوا وخافوا فإنها
كلمة قهر، فكانوا يبادرون إلى الذلّة من نفوسهم خوفاً من هذه الكلمة كما قال للسموات
والأرض: ﴿أَثْنِيَا طَوَّعًا أَوْ كَرَهَا﴾ [سورة فصلت: الآية ١١] فلو لم يقل كرهاً فإنها كلمة قهر حيثما
أتت، فلهذا قلنا: ما أوجد كل ما عدا الثقلين ولا خاطبهم إلا بصفة القهر والجبروت.
فلما قال للثقلين عن السبب الذي لأجله أوجدهم وخلقهم نظروا إلى الأسماء التي
وجدوا عنها فما رأوا اسماً إلهياً منها يقتضي أخذهم وعقوبتهم إن عصوا أمره ونهيه وتكبّروا
على أمره فلم يطيعوه وعصوه ﴿وَعَصَىّ ءَدَمُ رَبَّهُ﴾ [سورة طه: الآية ١٢١] وهو أول الناس، وعصى
إبليس ربّه فسرت المخالفة من هذين الأصلين في جميع الثقلين، يقول النبي بَ ◌ّر عن آدم لما
جحد ونسي ما وهبه لداود من عمره: ((فَتَسِيَ آدَمُ فَتَسِيَتْ ذُرِّيَّتُهُ، وَجَحَدَ آدَمُ فَجَحَدَتْ ذُرِّيَّتُهُ إِلاَّ
مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ فَعَصَمَهُ)). ولكن من التكبّر على الله لا من تكبّر بعضهم على بعض وعلى سائر
المخلوقين، فما عصم أحد من ذلك ابتداء فإن الله قد شاء أن يتخذ بعضهم بعضاً سخرياً،
ولكن إذا اعتنى الله بعبده ففي الحالة الثانية يرزقه التوفيق والعناية فيلزم ما خلق له من العبادة
فيلحق بسائر المخلوقات، وهو عزيز الوجود، وأين العبد الذي هو في نفسه مع أنفاسه عبد لله
دائماً، فلا يدل أحد من الثقلين إلاَّ عن قهر يجده فهو في ذلّه مجبور، فإذا وجد ذلك حينئذ
يلتفت إلى الأسماء التي عنها وجد وهي أسماء الرحمة فيطلبها لتزيل عنه ما هو فيه من الضيق
والحرج الذي ما اعتاده فيحنّ إلى جهتها ويعرف أنّ لها قوّة وسلطاناً فتنفس عنه ما يجده من
ذلك، قال رسول الله وَّةٍ: ((إِنَّ نَفَسَ الرَّحمنِ)) فأشار إلى الاسم الذي خلق به الثقلين وقرن
معه جهة القوّة فقال: من قبل اليمن، والقبل الناحية والجهة، واليمن من اليمين وهو القوّة،
قال الشاعر: [الوافر]
تلقّاها عَرَابةُ باليمينِ
إذا ما رايةٌ رُفِعَتْ لمجد
أراد بالقوّة، فإن اليمين محل القوّة ﴿وَالسَّمَوَتُ مَطْوِيَّتْ بِيَمِينِهِ،﴾ [سورة الزمر: الآية ٦٧]
وكذلك كان لما نظر إليه الاسم الرحمن الذي عنه وجد كان النصر على أيدي الأنصار،
وكذلك قوله: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ﴾ [سورة مريم: الآية ٨٥] فإن المتقي هو الحذر الخائف الوجل،
ولا يكون أحد يشهد الرحمن الرحيم الرؤوف ويتقيه، وإنما مشهود المتقي السريع الحساب،
الشديد العقاب، المتكبر الجبار، فيتقي ويخاف فيؤمنه الله تعالى بأن يحشره إلى الرحمن فيأمن
سطوة الجبار القهار، ولهذا قال تعالى فينا: إن رحمته سبقت غضبه، لأنه بالرحمة أوجدنا لم
يوجدنا بصفة القهر، وكذلك تأخّرت المعصية فتأخّر الغضب عن الرحمة في الثقلين، فالله
يجعل حكمهما في الآخرة كذلك ولو كانت بعد حين. ألا ترى الله تعالى إذا ذكر أسماءه لنا
يبتدىء بأسماء الرحمة ويؤخر أسماء الكبرياء لأنا لا نعرفها، فإذا قدم لنا أسماء الرحمة
عرفناها وحننا إليها، عند ذلك يتبعها أسماء الكبرياء لنأخذها بحكم التبعية فقال تعالى: ﴿هُوَ
اللَّهُ الَّذِى لَا إِلَهَ إِلَّا هُوِّ عَلِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ﴾ [سورة الحشر: الآية ٢٢] فهذا نعت يعم الجميع
٤٠٧
الباب التاسع والأربعون في معرفة قوله وَلقر: ((إني لأجد نفس الرحمن من قبل اليمن) ...
وليس واحدته بأولى من الآخر، ثم ابتدأ فقال: ﴿هُوَ الرَّحْمَنُ﴾ فعرفنا الرحمن ﴿الرَّحِيمُ﴾
[سورة الحشر: الآية ٢٢] لأنا عنه وجدنا، ثم قال بعد ذلك: ﴿هُوَ اَللَّهُ الَّذِى لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَّ﴾ ابتداء
ليجعله فصلاً بين الرحمن الرحيم وبين العزيز الجبار المتكبر فقال: ﴿الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَمُ
اُلْمُؤْمِنُ﴾ وهذا كله من نعوت الرحمن، ثم جاء وقال: ﴿اٌلْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِرُ﴾ [سورة
الحشر: الآية ٢٣] فقبلنا هذه النعوت بعد أن آنسنا بأسماء اللطف والحنان، وأسماء الاشتراك التي
لها وجه إلى الرحمة ووجه إلى الكبرياء وهو الله والملك، فلما جاء بأسماء العظمة والمحل قد
تأنس بترادف الأسماء الكثيرة الموجبة الرحمة قبلنا أسماء العظمة لما رأينا أسماء الرحمة قد
قبلتها حيث كانت نعوتاً لها فقبلناها ضمناً تبعاً لأسمائنا .
ثم إنه لما علم الخلق أن صاحب القلب والعلم بالله وبمواقع خطابه إذا سمع مثل أسماء
العظمة لا بدّ أن تؤثر فيه أثر خوف وقبض نعتها بعد ذلك وأردفها بأسماء لا تختص بالرحمة
على الإطلاق ولا تعرى عن العظمة على الإطلاق فقال: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَلِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوَّرِّ لَهُ
اُلْأَسْمَآءُ الْحُسْنَى﴾ [سورة الحشر: الآية ٢٤] وهذا كله تعليم من الله عباده وتنزل إليهم، فمنازل
أصحاب هذا الباب هي هذه الأسماء المذكورة وحضراتها، ولهذا قدّم سبحانه في كتابه:
﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّفْنِ الرَّحِيمَةِ﴾ في كل سورة، إذ كانت السور تحوي على أمور مخوفة تطلب
أسماء العظمة والاقتدار، فقدّم أسماء الرحمة تأنيساً وبشرى، ولهذا قالوا في سورة التوبة إنها
والأنفال سورة واحدة حيث لم يفصل بينهما بالبسملة، وفي ذلك خلاف منقول بين علماء هذا
الشأن من الصحابة .
ولما علم الله تعالى ما يجري من الخلاف في هذه الأمّة في حذف البسملة من سورة
براءة، فمن ذهب إلى أنها سورة مستقلة وكان القرآن عنده مائة وثلاث عشرة سورة فيحتاج إلى
مائة وثلاث عشرة بسملة أظهر لهم في سورة النمل بسملة ليكمل العدد وجاء بها كما جاء بها
في أوائل السور بعينها، فإن لغة سليمان عليه السلام لم تكن عربية وإنما كانت أخرى، فما
كتب لغة هذا اللفظ في كتابه وإنما كتب لفظة بلغته تقتضي معناها باللسان العربيّ إذا عبّر عنها
﴿نِسْمِ اللهِ الرََّنِ الرَّحِيمَةِ﴾ وأتى بها محذوفة الألف كما جاءت في أوائل السور ليعلم أن
المقصود بها هو المقصود بها في أوائل السور ولم يعمل ذلك في ﴿بِسْمِ اللَّهِ بَجْرِبِهَا﴾ [سورة هود:
الآية ٤١] و ﴿اقْرَأْ بِأَسْمِ رَبِّكَ﴾ [سورة العلق: الآية ١] فأثبت الألف هناك ليفرق ما بين اسم البسملة
وغيرها، ولهذا تتضمن سورة التوبة من صفات الرحمة والتنزّل الإلهيّ كثيراً، فإن فيها شراء
الله نفوس المؤمنين منهم بأن لهم الجنة، وأيّ تنزل أعظم من أن يشتري السيد ملكه من عبده،
وهل يكون في الرحمة أبلغ من هذا؟ فلا بدّ أن تكون التوبة والأنفال سورة واحدة، أو تكون
بسملة النمل السليمانية لسورة التوبة، ثم انظر في اسمها سورة التوبة والتوبة تطلب الرحمة ما
تطلب التبرّي، وإن ابتدأ عزّ وجلّ بالتبرّي فقد ختم بآية لم يأت بها ولا وجدت إلاَّ عند من
جعل الله شهادته شهادة رجلين، فإن كنت تعقل علمت ما في هذه السورة من الرحمة المدرجة
ولا سيّما في قوله تعالى ﴿وَمِنْهُم﴾ [سورة التوبة: الآية ٤٩] ﴿وَمِنْهُم﴾ [سورة التوبة: الآية: ٥٠]
٤٠٨
في المعارف / الباب الخمسون في معرفة رجال الحيرة والعجز
وذلك كله رحمة بنا لنحذر الوقوع فيه والاتصاف بتلك الصفات، فإن القرآن علينا نزل، فلم
تتضمن سورة من القرآن في حقّنا رحمة أعظم من هذه السورة لأنه كثر من الأمور التي ينبغي
أن يتقيها المؤمن ويجتنبها، فلو لم يعرّفنا الحق تعالى بها ربما وقعنا فيها ولا نشعر فهي سورة
رحمة للمؤمنين. وإذ وقد عرفناك بمنازله، فاعلم أن رجاله هم كل من كان حاله من أهل الله
حال من أحاطت به الأسماء الجبروتية من جميع عالمه العلويّ والسفليّ فيقع منه اللجأ
والتضرّع إلى أسماء الرحمة، فيتجلى له الاسم الرحمن الذي له الأسماء الحسنى، والذي به
على العرش استوى، فيهبه الاقتدار الإلهيّ، فيمحو به آثار الأسماء القهرية فيتسع له المجال
فينشرح الصدر ويجري النفس ويسري فيه روح الحياة، وتأتي إليه وفود الأسماء الرحمانية
والحقائق الإلهية بالتهاني والبشائر، فمن كانت هذه حالته ويعرفها ذوقاً من نفسه وهو من
رجال هذا المقام فلا يغالط نفسه، وكل إنسان أعلم بحاله ولا ينفعك أن تنزل نفسك عند
الناس منزلة ليست لك في نفس الأمر، وقد نصحتك وأبنت لك عن طريق القوم فلا تكن من
الجاهلين بما عرّفناك به ﴿ وَأَعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْنَِكَ الْيَقِينُ﴾ [سورة الحجر: الآية ٩٩] فإن الله لا يخفى
عليه شيء في الأرض ولا في السماء، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
الباب الخمسون
في معرفة رجال الحيرة والعجز
[نظم: البسيط]
ولم يَحِزْ كان برهاناً بأن جهلاً
من قالَ يَعلمُ أن الله خالقُه
فليس حاضرُكم مثل الذي غَفَلاً
لا يعلم اللَّهَ إلاَّ اللَّهُ فانتبهوا
كذا هو الحكم فيه عند من عَقَلاً
العجزُ عن دَرَك الإدراك معرفةٌ
هو النزيه فلا تَضْرِبْ له مَثَلا
هو الإلهُ فلا تُخْصَى محامِدُه
اعلم أيّدك الله بروح منه أنّ سبب الحيرة في علمنا بالله طلبنا معرفة ذاته جلّ وتعالى
بأحد الطريقين: إمّا بطريق الأدلة العقلية، وإمّا بطريق تسمى المشاهدة، فالدليل العقليّ يمنع
من المشاهدة، والدليل السمعيّ قد أومأ إليها وما صرّح، والدليل العقليّ قد منع من إدراك
حقيقة ذاته من طريق الصفة الثبوتية النفسية التي هو سبحانه في نفسه عليها، وما أدرك العقل
بنظره إلاَّ صفات السلوب لا غير وسمّى هذا معرفة، والشارع قد نسب إلى نفسه أموراً وصف
نفسه بها تحيلها الأدلة العقلية إلاَّ بتأويل بعيد يمكن أن يكون مقصوداً للشارع ويمكن أن لا
يكون، وقد لزمه الإيمان والتصديق بما وصف به نفسه لقيام الأدلة عنده بصدق هذه الأخبار
عنه أنه أخبر بها عن نفسه في كتبه أو على ألسنة رسله، فتعارض هذه الأمور مع طلبه معرفة
ذاته تعالى أو الجمع بين الدليلين المتعارضين أوقعهم في الحيرة، فرجال الحيرة هم الذين
نظروا في هذه الدلائل واستقصوها غاية الاستقصاء إلى أن أدّاهم ذلك النظر إلى العجز
والحيرة فيه من نبيّ أو صديق. قال ربَّ: ((اللَّهُمَّ زِدْنِي فِيكَ تَحَيُّراً) فإنه كلما زاده الحق علماً
٤٠٩
في المعارف / الباب الخمسون في معرفة رجال الحيرة والعجز
به زاده ذلك العلم حيرة ولا سيّما أهل الكشف لاختلاف الصور عليهم عند الشهود، فهم
أعظم حيرة من أصحاب النظر في الأدلة بما لا يتقارب. قال النبي وَل# بعدما بذل جهده في
الثناء على خالقه بما أوحى به إليه: ((لاَ أُخْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ)).
وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه في هذا المقام وكان من رجاله: العجز عن درك
الإدراك إدراك، أي إذا علمت أن ثم من لا يعلم ذلك هو العلم بالله تعالى فكان الدليل على
العلم به عدم العلم به، والله قد أمرنا بالعلم بتوحيده وما أمرنا بالعلم بذاته بل نهى عن ذلك
بقوله: ﴿وَيُعَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَةٌ﴾ [سورة آل عمران: الآية ٢٨] ونهى رسول الله وَّ عن التفكّر في
ذات الله تعالى، إذ من ليس كمثله شيء كيف يوصل إلى معرفة ذاته فقال الله تعالى آمراً بالعلم
بتوحيده: ﴿فَأَعْلَمْ أَنَّهُ لَآ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [سورة محمد: الآية ١٩] فالمعرفة به من كونه إلهاً، والمعرفة
بما ينبغي للإله أن يكون عليه من الصفات التي يمتاز بها عن من ليس بإله وعن المألوه هي
المأمور بها شرعاً، فلا يعرف الله إلاَّ الله، فقامت الأدلة العقلية القاطعة على أنه إله واحد عند
أهل النظر وأهل الكشف فلا إله إلاَّ هو.
ثم بعد هذا الدليل العقليّ على توحيده والعلم الضروريّ العقلي بوجوده رأينا أهل طريق
الله تعالى من رسول ونبيّ ووليّ قد جاؤوا بأمور من المعرفة بنعوت الإله في طريقهم أحالتها
الأدلة العقلية وجاءت بصحتها الألفاظ النبوية والأخبار الإلهية، فبحث أهل الطريق عن هذه
المعاني ليحصلوا منها على أمر يتميزون به عن أهل النظر الذين وقفوا حيث بلغت بهم
أفكارهم مع تحققهم صدق الأخبار فقالوا: نعلم أن ثمَّ طوراً آخر وراء طور إدراك العقل الذي
يستقل به وهو للأنبياء وكبار الأولياء به يقبلون هذه الأمور الواردة عليهم في الجناب الإلهيّ،
فعملت هذه الطائفة في تحصيل ذلك بطريق الخلوات والأذكار المشروعة لصفاء القلوب
وطهارتها من دنس الفكر، إذ كان المفكر لا يفكر إلاَّ في المحدثات لا في ذات الحق، وما
ينبغي أن يكون عليه في نفسه الذي هو مسمّى الله ولم يجد صفة إثبات نفسية فأخذ ينظر في
كل صفة يمكن أن يقبلها المحدث الممكن يسلبها عن الله لئلا يلزمه حكم تلك الصفة كما
لزمت الممكن الحادث، مثل ما فعل بعض النظار من المتكلمين في أمور أثبتوها وطردوها
شاهداً وغائباً، ويستحيل على ذات الحق أن تجتمع مع الممكن في صفة، فإنّ كل صفة
يتصف بها الممكن يزول وجودها بزوال الموصوف بها أو تزول هي مع بقاء الممكن كصفات
المعاني والأولى كصفات النفس.
ثم إن كل صفة منها ممكنة، فإذا طردوها شاهداً وغائباً فقد وصفوا واجب الوجود
لنفسه بما هو ممكن لنفسه، والواجب الوجود لنفسه لا يقبل ما يمكن أن يكون ويمكن أن لا
يكون، فإذا بطل الاتصاف به من حيث حقيقة ذلك الوصف لم يبق إلاَّ الاشتراك في اللفظ، إذ
قد بطل الاشتراك في الحدّ والحقيقة، فلا يجمع صفة الحق وصفة العبد حدّ واحد أصلاً،
فإذن بطل طرد ما قالوه وطردوه شاهداً وغائباً، فلم يكن قولنا في الله إنه عالم على حدّ ما
نقول في الممكن الحادث إنه عالم من طريق حدّ العلم وحقيقته، فإن نسبة العلم إلى الله
٤١٠
في المعارف/ الباب الخمسون في معرفة رجال الحيرة والعجز
تخالف نسبة العلم إلى الخلق الممكن، ولو كان عين العلم القديم هو عين العلم المحدث
لجمعهما حد واحد ذاتيّ أعني العلمين، واستحال عليه ما يستحيل على مثله من حيث ذاته،
ووجدنا الأمر على خلاف ذلك، فتعلمت هذه الطائفة في تحصيل شيء مما وردت به الأخبار
الإلهية من جانب الحق، وشرعت في صقالة قلوبها بالأذكار وتلاوة القرآن، وتفريغ المحل من
النظر في الممكنات، والحضور والمراقبة مع طهارة الظاهر بالوقوف عند الحدود المشروعة
من غض البصر عن الأمور التي نهي أن ينظر إليها من العورات وغيرها، وإرساله في الأشياء
التي تعطيه الاعتبار والاستبصار، وكذلك سمعه، ولسانه، ويده، ورجله، وبطنه، وفرجه،
وقلبه، وما ثم في ظاهره سوى هذه السبعة والقلب ثامنها.
ويزيل التفكّر عن نفسه جملة واحدة فإنه مفرّق لهمّه، ويعتكف على مراقبة قلبه عند
باب ربّه عسى الله أن يفتح له الباب إليه، ويعلم ما لم يكن يعلم ممّا علمته الرسل وأهل الله
ممّا لم تستقل العقول بإدراكه وإحالته، فإذا فتح الله لصاحب هذا القلب هذا الباب حصل له
تجلُّ إلهيّ أعطاه ذلك التجّي بحسب ما يكون حكمه، فينسب إلى الله منه أمراً لم يكن قبل
ذلك يجرأ على نسبته إلى الله سبحانه ولا يصفه به إلاَّ قدر ما جاءت به الأنباء الإلهية فيأخذها
تقليداً، والآن يأخذ ذلك كشفاً موافقاً مؤيداً عنده لما نطقت به الكتب المنزلة وجاء على ألسنة
الرسل عليهم السلام، فكان يطلقها إيماناً حاكياً من غير تحقيق لمعانيها ولا يزيد عليها، والآن
يطلق في نفسه عليه تعالى ذلك علماً محققاً من أجل ذلك الأمر الذي تجلّى له، فيكون
بحسب ما يعطيه ذلك الأمر ويعرف معنى ما يطلقه وما حقيقة ذلك، فيتخيل في أول تجلّ أنه
قد بلغ المقصود وحاز الأمر وأنه ليس وراء ذلك شيء يطلب سوى دوام ذلك، فيقوم له تجلٌ
آخر بحكم آخر ما هو ذلك الأول، والمتجلي واحد لا يشك فيه فیکون حکمه فیه حکم
الأول، ثم تتوالى عليه التجلّيات باختلاف أحكامها فيه، فيعلم عند ذلك أن الأمر ما له نهاية
يوقف عندها ويعلم أن الأنية الإلهية ما أدركها، وأن الهوية لا يصحّ أن تتجلّى له، وأنها روح
كل تجلِّ فيزيد حيرة لكن فيها لذة وهي أعظم من حيرة أصحاب الأفكار بما لا يتقارب، فإن
أصحاب الأفكار ما برحوا بأفكارهم في الأكوان فلهم أن يحاروا ويعجزوا وهؤلاء ارتفعوا عن
الأكوان وما بقي لهم شهود إلاَّ فيه فهو مشهودهم والأمر بهذه المثابة، فكانت حيرتهم
باختلاف التجليات أشد من حيرة النظار في معارضات الدلالات عليه، فقوله ◌َلؤل أو قول من
يقول من هذا المقام: ((زِذْنِي فِيكَ تَحَيُّراً)) طلب لتوالي التجليات عليه، فهذا الفرق بين حيرة
أهل الله وحيرة أهل النظر، فصاحب العقل ينشد: [المتقارب]
وفي كلِّ شيء له آيةٌ تدلُّ على أنه واحِدُ
وصاحب التجلّ ينشد قولنا في ذلك: [المتقارب]
تدلُّ على أنه عَيْنُهُ
وفي كلّ شيء له آيةٌ
فبينهما ما بين كلمتيهما، فما في الوجود إلاَّ الله، ولا يعرف الله إلاَّ الله، ومن هذه
الحقيقة قال من قال: أنا الله، كأبي يزيد، وسبحاني كغيره من رجال الله المتقدّمين وهي من
في المعارف / الباب الحادي والخمسون في معرفة رجال من أهل الورع قد تحققوا بمنزل نفس الرحمن ٤١١
بعض تخريجات أقوالهم رضي الله عنهم، فمن وصل إلى الحيرة من الفريقين فقد وصل.
غير أن أصحابنا اليوم يجدون غاية الألم حيث لا يقدرون يرسلون ما ينبغي أن يرسل
عليه سبحانه كما أرسلت الأنبياء عليهم السلام فما أعظم تلك التجليات، وإنما منعهم أن
يطلقوا عليه ما أطلقت الكتب المنزّلة والرسل عليهم السلام عدم إنصاف السامعين من الفقهاء
وأولي الأمر لما يسارعون إليه في تكفير من يأتي بمثل ما جاءت به الأنبياء عليهم السلام في
جنب الله وتركوا معنى قوله تعالى: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِ رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةُ حَسَنَةٌ﴾ [سورة الأحزاب:
الآية ٢١] كما قال له وَّه ربّه عزّ وجلّ عند ذكره الأنبياء والرسل عليهم السلام: ﴿أُوْلَكَ الَّذِينَ
هَدَى اللٌّ فَبِهُدَهُمُ أَقْتَدِةٌ﴾ [سورة الأنعام: الآية ٩٠] فأغلق الفقهاء هذا الباب من أجل المدّعين
الكاذبين في دعواهم ونعم ما فعلوا، وما على الصادقين في هذا من ضرر، لأنّ الكلام
والعبارة عن مثل هذا ما هو ضربة لازب، وفي ما ورد عن رسول الله وَ لّر في ذلك كفاية لهم
فيوردونها يستريحون إليها من تعجّب وفرح وضحك وتبشّش ونزول ومعية ومحبة وشوق وما
أشبه ذلك ممّا لو انفرد بالعبارة عنه الوليّ كفر وربما قتل، وأكثر علماء الرسوم عدموا علم
ذلك ذوقاً وشرباً، فأنكروا مثل هذا من العارفين حسداً من عند أنفسهم، إذ لو استحال إطلاق
مثل هذا على الله تعالى ما أطلقه على نفسه ولا أطلقته رسله عليهم السلام عليه، ومنعهم
الحسد أن يعلموا أنّ ذلك ردّ على كتاب الله وتحجير على رحمة الله أن تنال بعض عباد الله
وأكثر العامّة تابعون للفقهاء في هذا الإنكار تقليداً لهم لا بل بحمد الله أقل العامة .
وأمّا الملوك فالغالب عليهم عدم الوصول إلى مشاهدة هذه الحقائق لشغلهم بما دفعوا
إليه، فساعدوا علماء الرسوم فيما ذهبوا إليه إلاّ القليل منهم فإنهم اتهموا علماء الرسوم في
ذلك لما رأوه من انكبابهم على حطام الدنيا وهم في غنى عنه، وحب الجاه والرياسة، وتمشية
أغراض الملوك فيما لا يجوز، وبقي العلماء بالله تحت ذلّ العجز والحصر معهم كرسول كذبه
قومه وما آمن به واحد منهم، ولم يزل رسول الله وَلا يحرس حتى نزل: ﴿وَاَللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ
النَّاسِ﴾ [سورة المائدة: الآية ٦٧] فانظر ما يقاسيه في نفسه العالِم بالله، فسبحان من أعمى بصائرهم
حيث أسلموا وسلّموا وآمنوا بما به كفروا، فالله يجعلنا ممن عرف الرجال بالحق لا ممّن عرف
الحق بالرجال، والحمد لله رب العالمين، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
الباب الحادي والخمسون
في معرفة رجال من أهل الورع قد تحققوا بمنزل نفس الرحمن
[نظم: مجزوء الكامل]
إن الكلامَ لفي القَبَسْ
يا مَنْ تحقق بالنَّفَسْ
م لدى المحقّق في البَلَسْ
وكذا الهباتُ من العلُو
في نفس نفسهِمُ نَفَسُ
الله قومٌ ما لهم
أهلُ المشاهد في الغَلَسْ
وهم الذين همو هُمُ
٤١٢ في المعارف / الباب الحادي والخمسون في معرفة رجال من أهل الورع قد تحققوا بمنزل نفس الرحمن
ب وفي الشهادة كالعَسَسْ
فهمُ الخلائفُ في الغُيو
في سورةٍ تُتْلَى عَبَسْ
أعلى الإلهُ مقامَهم
فابحَثْ ولا تَكُ تختَلِسُ
فيها لطائفُ سرِّهم
في حاله لم يَبْتئسُ
من كان ذا علم بها
اعلم أيّدك الله بروح القدس أن رجال هذا الباب هم الزهاد الذين كان الورع سبب
زهدهم، وذلك أن القوم تورّعوا في المكاسب على أشد ما يكون من عزائم الشريعة، فكلما
حاك له في نفوسهم شيء تركوه عملاً على قوله وَلّر: (دَعْ مَا يُرِيبُكَ إِلَى مَا لاَ يُرِيبُكَ)) وقوله:
((اسْتَفْتِ قَلْبَكَ)). وقال بعضهم: ما رأيت أسهل عليّ من الورع، كل ما حاك له في نفسي شيء
تركته إلى أن جعل الله لهم علامات يعرفون بها الحلال من الحرام في المطاعم وغيرها إلى أن
ارتقوا عن العلامات إلى خرق العوائد عندهم في الشيء المتورّع فيه فيستعملونه، فيظنّ من لا
علم له بذلك أنه أتى حراماً وليس كذلك، فاتسع عليهم ذلك الضيق والحرج، وقد ذقنا هذا
من نفوسنا، وزال عنهم ما كانوا يجدونه في نفوسهم من البحث والتفتيش عن ذلك، وهذه
العلامة وهذا الحال التي ارتقوا إليها لا تكون أبداً إلاّ من نفس الرحمن، رحمهم بذلك
الرحمن لما رآهم فيه من التعب والضيق والحرج، وتهمة الناس في مكاسبهم وما يؤدّهم إليه
هذا الفعل من سوء الظنّ بعباد الله، فنفس الرحمن عنهم بما جعل لهم من العلامات في الشيء
وفي حق قوم بالمقام الذي ارتقوا إليه الذي ذكرناه، فيأكلون طيباً ويستعملون طيباً ﴿ وَاَلَِّبَتُ
لِلطَّيِّبِينَ وَاَلَِّبُونَ لِلَّطَّيِّبَنِ﴾ [سورة النور: الآية ٢٦] واستراحوا إذ كانوا على بينة من ربهم في
مطاعمهم ومشاربهم .
وأدّاهم التحقق بالورع إلى الزهد في الكسب، إذ كان مبنى اكتسابهم الورع ليأكلوا ممّا
يعلمون أن ذلك حلال لهم استعماله، ثم عملوا على ذلك الورع في المنطق من أجل الغيبة
والكلام فيما يخوض الإنسان فيه من الفضول، فرأوا أن السبب الموجب لذلك مجالسة الناس
ومعاشرتهم، وربما قدروا على مسك نفوسهم عن الكلام بما لا ينبغي، لكن بعضهم أو
أكثرهم عجز أن يمنع الناس بحضوره عن الكلام بالفضول وما لا يعنيهم، فأذاهم أيضاً هذا
الحرج إلى الزهد في الناس، فآثروا العزلة والانقطاع عن الناس باتخاذ الخلوات وغلق بابهم
عن قصد الناس إليهم، وآخرون بالسياحة في الجبال والشعاب والسواحل وبطون الأودية،
فنفس الله عنهم من اسمه الرحمن بوجوه مختلفة من الأنس به، أعطاهم ذلك نفس الرحمن،
فأسمعهم أذكار الأحجار، وخرير المياه، وهبوب الرياح، ومناطق الطير، وتسبيح كل أمة من
المخلوقات ومحادثتهم معه وسلامهم عليه، فأنس بهم من وحشته وعاد في جماعة وخلق، ما
لهم كلام إلاَّ في تسبيح أو تعظيم أو ذكر آلاء إلهية أو تعريف بما ينبغي وهو جليس لهم
ويسمع جوارحه، وكل جزء فيه يكلمه بما أنعم الله عليه به فتغمره النعم فيزيد في العبادة.
ومنهم من ينفس عنه بالأنس بالوحوش رأينا ذلك فتغدو عليه وتروح مستأنسة به وتكلمه
بما يزيده حرصاً على عبادة ربّه. ومنهم من يجالسه الروحانيون من الجان ولكن هو دون
في المعارف / الباب الحادي والخمسون في معرفة رجال من أهل الورع قد تحققوا بمنزل نفس الرحمن ٤١٣
الجماعة في الرتبة إذا لم يكن له حال سوى هذا لأنهم قريب من الإنس في الفضول، والكيس
من الناس من يهرب منهم كما يهرب من الناس، فإن مجالستهم رديئة جداً قليل أن تنتج خيراً
لأن أصلهم نار والنار كثيرة الحركة، ومن كثرت حركته كان الفضول أسرع إليه في كل شيء،
فهم أشد فتنة على جليسهم من الناس، فإنهم قد اجتمعوا مع الناس في كشف عورات الناس
التي ينبغي للعاقل أن لا يطلع عليها، غير أن الإنس لا تؤثر مجالسة الإنسان إياهم تكبّراً،
ومجالسة الجن ليست كذلك فإنهم بالطبع يؤثرون في جليسهم التكبّر على الناس وعلى كل
عبد الله، وكل عبد لله رأى لنفسه شفوفاً على غيره تكبّراً فإنه يمقته الله في نفسه من حيث لا
يشعر وهذا من المكر الخفيّ، وعين مقت الله إياه هو ما يجده من التكبّر على من ليس له مثل
هذا ويتخيل أنه في الحاصل وهو في الفائت.
ثم اعلم أن الجان هم أجهل العالم الطبيعيّ بالله، ويتخيل جليسهم بما يخبرونه به من
حوادث الأكوان وما يجري في العالم ممّا يحصل لهم من استراق السمع من الملأ الأعلى،
فيظنّ جليسهم أن ذلك كرامة الله به وهيهات لما ظنّوا، ولهذا ما ترى أحداً قط جالسهم
فحصل عنده منهم علم بالله جملة واحدة، غاية الرجل الذي تعتني به أرواح الجنّ أن يمنحوه
من علم خواص النبات والأحجار والأسماء والحروف وهو علم السيمياء فلم يكتسب منهم
إلاَّ العلم الذي ذمّته ألسنة الشرائع. ومن ادّعى صحبتهم وهو صادق في دعواه فاسألوه عن
مسألة في العلم الإلهيّ ما تجد عنده من ذلك ذوقاً أصلاً، فرجال الله يفرّون من صحبتهم أشد
فراراً منهم من الناس، فإنه لا بدّ أن تحصل صحبتهم في نفس من يصحبهم تكبّراً على الغير
بالطبع وازدراء بمن ليس له في صحبتهم قدم، وقد رأينا جماعة ممّن صحبوهم حقيقة
وظهرت لهم براهين على صحة ما ادعوه من صحبتهم وكانوا أهل جد واجتهاد وعبادة ولكن
لم يكن عندهم من جهتهم شمة من العلم بالله، ورأينا فيهم عزّة وتكبّراً، فما زلنا بهم حتى
حلنا بينهم وبين صحبتهم لإنصافهم وطلبهم الأنفس، كما أيضاً رأينا ضد ذلك منهم فما أفلح
ولا يفلح من هذه صفته إذا كان صادقاً، وأمّا الكاذب فلا نشتغل به، ومنهم من نفس الرحمن
عنه بمجالسة الملائكة، ونعم الجلساء هم هم أنوار خالصة لا فضول عندهم وعندهم العلم
الإلهيّ الذي لا مرية فيه فيرى جليسهم في مزيد علم بالله دائماً مع الأنفاس، فمن ادّعى
مجالسة الملأ الأعلى ولم يستفد في نفسه علماً بربّه فليس بصحيح الدعوى وإنما هو صاحب
خيال فاسد. ومنهم من ينفس الرحمن عنه بأنس بالله في باطنه وتجليات دائمة معنويات فلا
يزال في كل نفس صاحب علم بحال جديد بالله وأنس جديد.
ومنهم من ينفس الرحمن عنه ذلك الضيق بمشاهدته عالم الخيال يستصحبه ذلك دائماً
كما يستصحب الرؤيا النائم فيخاطِب ويخاطَب، ولا يزال في صور دائماً في لذة وفي نكاح إن
جاءته شهوة جماع ولا تكليف عليه ما دام في تلك الحال لغيبته عن إحساسه في الشاهد فينكح
ويلتذّ ويولد له في عالم الخيال أولاد، فمنهم من يبقى له ذلك في عالمه، ومنهم من يخرج
ولده إلى عالم الشهادة وهو خيال على أصله مشهود للحسّ وهذا من الأسرار الإلهية العجيبة،
٤١٤
في المعارف / الباب الثاني والخمسون في معرفة السبب الذي يهرب منه المكاشف ... الخ
ولا يحصل ذلك إلاَّ للأكابر من الرجال. وما من طبقة ذكرناها إلاَّ وقد رأينا منهم جماعة من
رجال ونساء بإشبيلية وتلمسان وبمكة وبمواضع كثيرة وكانت لهم براهين تشهد بصحة ما
يقولونه. وأما نحن فلا نحتاج مع أحد منهم لبرهان فيما يدعيه فإن الله قد جعل لكل صنف
علامة يعرف بها، فإذا رأينا تلك العلامة عرفنا صدق صاحبها من حيث لا يشعر، وكم رأينا
ممّن يدعي ذلك كاذباً أو صاحب خيال فاسد، فإن علمنا منه أنه يرجع نصحناه، وإن رأيناه
عاشقاً لحاله محجوباً بخياله الفاسد تركناه .
وأصدق من رأينا في هذا الباب من النساء فاطمة بنت ابن المثنى بإشبيلية خدمتها وهي
بنت خمس وتسعين سنة، وشمس أم الفقراء بمرشانة، وأم الزهرا بإشبيلية أيضاً، وكلبهار
بمكة تدعى ست غزالة. ومن الرجال: أبو العباس بن المنذر من أهل إشبيلية، وأبو الحجاج
الشبر بلي من قرية بشرف إشبيلية تسمى شبربل، ويوسف بن صخر بقرطبة، وهذا قد أعربنا
لك عن أحوال رجال هذا الباب وما أنتج لهم الزهد في الناس وما وجدوه من نفس الرحمن
لذلك، وعلى هذا الحد تكون أعمال الجوارح كلها يجمعها ترك الفضول في كل عضو بما
يستحقه ظاهراً وباطناً، فأولها الجوارح وأعلاها في الباطن الفكر فلا يتفكر فيما لا يعينه فإن
ذلك يؤديه إلى الهوس والأماني وعدم المسابقة بحضور النية في أداء العبادات، فإن الإنسان لا
يخلو فكره في أحد أمرين: إمّا فيما عنده من الدنيا، وإمّا فيما ليس عنده منها، فإن فكر فيما
عنده فليس له دواء عند الطائفة إلاَّ الخروج عنه والزهد فيه، صرّح بذلك أبو حامد وغيره.
وإن فكر فيما ليس عنده فهو عند الطائفة عديم العقل أخرق لا دواء له إلاَّ المداومة على الذكر
ومجالسة أهل الله الذين الغالب على ظواهرهم المراقبة والحياء من الله، والله يقول الحق وهو
يهدي السبيل .
الباب الثاني والخمسون
في معرفة السبب الذي يهرب منه المكاشف إلى عالم الشهادة إذا أبصره
[نظم: الرمل]
لم يَرَ الحقَّ جهاراً علَنَا
كلُّ من خاف على هيكلهِ
راجعاً للكون يبغي البَدَنَا
فتراه عندما يشْهَدُه
للذي يحذر منه الجُبَنَا
وترى الشُّجْعَانَ قُدماً طُلَّباً
اعلم أيّدك الله بروح منه أن النفوس الإنسانية قد جبلها الله على الجزع في أصل نشأتها،
فالشجاعة والإقدام لها أمر عرضي، والجزع في الإنسان أقوى منه في الحيوانات إلاَّ
الصرصر، تقول العرب: أجبن من صرصر وسبب قوّته في الإنسان العقل والفكر الذي ميّزه
الله بهما على سائر الحيوان، وما يشجع الإنسان إلاَّ القوّة الوهمية، كما أنه أيضاً بهذه القوّة
يزيد جبناً وجزعاً في مواضع مخصوصة، فإن الوهم سلطان قوي، وسبب ذلك أن اللطيفة
الإنسانية متولدة بين الروح الإلهيّ الذي هو النفس الرحمانيّ، وبين الجسم المسوّى المعدّل
٤١٥
في المعارف / الباب الثاني والخمسون في معرفة السبب الذي يهرب منه المكاشف ... الخ
من الأركان المعدّلة من الطبيعة التي جعلها الله مقهورة تحت النفس الكلية، كما جعل الأركان
مقهورة تحت حكم سلطان الأفلاك.
ثم إن الجسم الحيوانيّ مقهور تحت سلطان الأركان التي هي العناصر، فهو مقهور
المقهور عن مقهور، وهو النفس عن مقهور وهو العقل فهو في الدرجة الخامسة من القهر من
وجه فهو أضعف الضعفاء، قال الله عزّ وجلّ: ﴿اللَّهُ الَّذِى خَلَفَكُمْ مِّن ضَعْفٍ﴾ فالضعف أصله،
ثم جعل له قوّة عارضة وهو قوله: ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدٍ ضَعْفٍ قُوَّةً﴾ ثم ردّه إلى أصله من
الضعف فقال عزّ وجلّ: ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّقِ ضَعْفًا وَشَيْبَةٌ﴾ [سورة الروم: الآية ٥٤] فهذا
الضعف الأخير إنما أعدّه لإقامة النشأة الآخرة عليه كما قامت نشأة الدنيا على الضعف ﴿وَلَقَدْ
عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى﴾ [سورة الواقعة: الآية ٦٢] وإنما كان هذا ليلازم ذاته الذلّة والافتقار وطلب
المعونة والحاجة إلى خالقه، ومع هذا كله يذهل عن أصله ويتيه بما عرض له من القوّة،
فيدعي ويقول: أنا، ويمني نفسه بمقابلة الأهوال العظام، فإذا قرصه برغوث أظهر الجزع
لوجود الألم وبادر لإزالة ذلك الضرر ولم يقرّ به قرار حتى يجده فيقتله، وما عسى أن يكون
البرغوث حتى يعتني به هذا الاعتناء ويزلزله عن مضجعه ولا يأخذه نوم، فأين تلك الدعوى
والإقدام على الأهوال العظام وقد فضحته قرصة برغوث أو بعوضة؟ هذا أصله ذلك ليعلم أن
إقدامه على الأهوال العظام إنما هو بغيره لا بنفسه وهو ما يؤيده الله به من ذلك كما قال :
﴿وَأَيَّدْنَهُ﴾ [سورة البقرة: الآية ٨٧] أي قوّيناه ولهذا شرع: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِيْنُ﴾ [سورة الفاتحة: الآية
٥] في كل ركعة، ولا حول ولا قوّة إلاَّ بالله.
ولما علم الإنسان أنه لولا وجود الله عزّ وجلّ لم يظهر له عين في الوجود، وأن أصله
لم يكن شيئاً مذكوراً، قال تعالى: ﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَوْ تَكُ شَيْئًا﴾ [سورة مريم: الآية ٩]
فللوجود لذة وحلاوة وهو الخير، ولتوهم العدم العيني ألم شديد عظيم في النفوس لا يعرف
قدر ذلك إلاَّ العلماء، ولكن كل نفس تجزع من العدم إن تلحق به كما هو حالها، فمهما رأت
أمراً تتوهم فيه أنه يلحقها بعدم عينها أو بما يقاربه هربت منه وارتاعت وخافت على عينها وبما
كانت أيضاً عن الروح الإلهيّ الذي هو نفس الرحمن، ولهذا كنى عنه بالنفخ لمناسبة النفس
فقال: ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِى﴾ [سورة الحجر: الآية ٢٩] وكذا جعل عيسى بنفخ في صورة طينية
﴿كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾ [سورة آل عمران: الآية ٤٩] فما ظهرت الأرواح إلاَّ من الأنفاس، غير أن للمحل
الذي تمرّ به أثراً فيها بلا شك، ألا ترى الريح إذا مرّت على شيء نتن جاءت ريح منتنة إلى
مشمك؟ وإذا مرّت بشيء عطر جاءت بريح طيبة؟ لذلك اختلفت أرواح الناس، فروح طيبة
لجسد طيب ما أشركت قط ولا كانت محلاً لسفساف الأخلاق كأرواح الأنبياء والأولياء
والملائكة، وروح خبيث لجسد خبيث لم تزل مشركة محلاً لسفساف الأخلاق، وذلك إنما
كان لغلبة بعض الطبائع أعني الأخلاط على بعض في أصل نشأة الجسد التي هي سبب طيب
الروح ووجود مكارم الأخلاق وسفسافها وخبث الروح فصحّة الأرواح وعافيتها مكارم
أخلاقها التي اكتسبتها من نشأة بدنها العنصري، فجاءت بكل طيب ومليح، ومرض الأرواح
٤١٦
في المعارف/ الباب الثاني والخمسون في معرفة السبب الذي يهرب منه المكاشف ... الخ
سفساف الأخلاق ومذمومها التي اكتسبتها أيضاً من نشأة بدنها العنصري فجاءت بكل خبيث
وقبيح. ألا ترى الشمس إذا أفاضت نورها على جسم الزجاج الأخضر ظهر النور في الحائط
أو في الجسم الذي تطرح الشعاع عليه أخضر، وإن كان الزجاج أحمر طرح الشعاع أحمر في
رأي العين فانصبغ في الناظر بلون المحل وذلك للطافته يقبل الأشياء بسرعة.
ولما كان الهواء من أقوى الأشياء وكان الروح نفساً وهو شبيه بالهواء كانت القوّة له فكان
أصل نشأة الأرواح من هذه القوّة، واكتسبت الضعف من المزاج الطبيعيّ البدنيّ، فإنه ما ظهر لها
عين إلاَّ بعد أثر المزاج الطبيعيّ فيها، فخرجت ضعيفة لأنها إلى الجسم أقرب في ظهور عينها،
فإذا قبلت القوّة إنما تقبلها من أصلها الذي هو النفس الرحمانيّ المعبر عنه بالروح المنفوخ منه
المضاف إلى الله، فهي قابلة للقوّة كما هي قابلة للضعف، وكلاهما بحكم الأصل، وهي إلى
البدن أقرب لأنها أحدث عهداً به فغلب ضعفها على قوّتها، فلو تجرّدت عن المادّة ظهرت قوّتها
الأصلية التي لها من النفخ الإلهيّ ولم يكن شيء أشد تكبّراً منها، فألزمها الله الصورة الطبيعية
دائماً في الدنيا وفي البرزخ في النوم، وبعد الموت فلا ترى نفسها أبداً مجرّدة عن المادة، وفي
الآخرة لا تزال في أجسادها يبعثها الله من صور البرزخ في الأجساد التي أنشأها لها يوم القيامة
وبها تدخل الجنة والنار ذلك ليلزمها الضعف الطبيعيّ فلا تزال فقيرة أبداً. ألا تراها في أوقات
غفلتها عن نفسها كيف يكون منها التهجم والإقدام على المقام الإلهيّ فتدعي الربوبية كفرعون؟
وتقول في غلبة ذلك الحال عليها: أنا الله وسبحاني كما قال ذلك بعض العارفين وذلك لغلبة
الحال عليه، ولهذا لم يصدر مثل هذا اللفظ من رسول ولا نبيّ ولا وليّ كامل في علمه وحضوره
ولزومه باب المقام الذي له وأدبه، ومراعاة المادة التي هو فيها وبها ظهر فهو ردم ملآن بضعفه
وفقره مع شهوده أصله علماً وحالاً وكشفاً، وعلمه بأصله ومقام خلافته من وجه آخر لو كان
حالاً له لادعى الألوهة، فإن الأمر الخارج في النفخ من النافخ له من حكمه بقدر ذلك، فلو
ادّعاه ما ادّعى محالاً وبذلك القدر الذي فيه من القوّة الإلهية التي أظهرها النفخ توجّه عليه
التكليف فإنه عين المكلف وأضيفت الأفعال إليه وقيل له قل: ﴿ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [سورة الفاتحة:
الآية ٥] ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله، فإنه أصلك الذي إليه ترجع، فصدقت المعتزلة في إضافة
الأفعال إلى العباد من وجه بدليل شرعيّ، وصدق المخالف في إضافة الأفعال كلها إلى الله تعالى
من وجه بدليل شرعيّ أيضاً وعقليّ وقالت بالكسب في أفعال العباد للعباد بقوله تعالى: ﴿لَهَا مَا
كَسَبَتْ﴾ [سورة البقرة: الآية ١٣٤] وقال في المصوّرين على لسان رسوله وَالَ: «أَيْنَ مَنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ
كَخَلْقِي)) فأضاف الخلق إلى العباد.
وقال في عيسى عليه السلام: ﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ اُلْطِّينِ﴾ [سورة المائدة: الآية ١١٠] فنسب الخلق
إليه عليه السلام وهو إيجاده صورة الطائر في الطين ثم أمره أن ينفخ فيه فقامت تلك الصورة
التي صوّرها عيسى عليه السلام طائراً حياً. وقوله: ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [سورة آل عمران: الآية ٤٩] يعني
الأمر الذي أمره الله به من خلقه صورة الطائر والنفخ وإبراء الأكمه والأبرص وإحيائه الميت
فأخبر أن عيسى عليه السلام لم ينبعث إلى ذلك من نفسه وإنما كان عن أمر الله ليكون ذلك،
٤١٧
في المعارف / الباب الثاني والخمسون في معرفة السبب الذي يهرب منه المكاشف ... الخ
وإحياء الموتى من آياته على ما يدّعيه، فلولا أن الإنسان من حيث حقيقته من ذلك النفس
الرحمانيّ ما صحّ ولا ثبت أن يكون عن نفخه طائر يطير بجناحيه ولما كانت حقيقة الإنسان
هكذا خوّفه الله بما ذكر من صفة المتكبرين ومآلهم واسوداد وجوههم، كل ذلك دواء للأرواح
لتقف مع ضعف مزاجها الأقرب في ظهور عينها، فالإنسان ابن أمّه حقيقة بلا شك، فالروح
ابن طبيعة بدنه وهي أمّه التي أرضعته ونشأ في بطنها وتغذّى بدمها فحكمه حكمها فلا يستغني
عن غذاء في بقاء هیکله.
تتميم: فلما كان الغالب هذا على الإنسان رجعنا إلى المكاشف الذي يهرب إلى عالم
الشهادة عندما يرى ما يهوله في كشفه مثل صاحبنا أحمد العصاد الحريري رحمه الله فإنه كان إذا
أخذ سريع الرجوع إلى حسّه باهتزاز واضطراب فكنت أعتبه وأقول له في ذلك فيقول: أخاف
وأجبن من عدم عيني لما أراه، ولو علم المسكين أنه لو فارق الموادّ رجع النفس إلى مستقره
وهو عينه ورجع كل شيء إلى أصله ولكن لو كان ذلك لانعدمت الفائدة في حق العبد فيما يظهر
وليس الأمر كذلك ولذلك قلنا وهو عينه أي عين العبد، فالبقاء الذي أراده الحق أولى به بوجود
هذا الهيكل العنصريّ في الدنيا الطبيعيّ في الآخرة، والذي يثبت هنالك أعني عند الوارد إنما
يثبت إذا دخل عبداً، كما أن الذي لا يثبت إنما دخل وفي نفسه شيء من الربوبية فخاف من
زوالها هناك فهرب إلى الوجود الذي ظهرت فيه ربانيته ولهذا تكون فائدته قليلة، والثابت یدخل
عبداً قابلاً بهمة محترقة إلى أصله ليهبه من عوارفه ما عوّده، فإذا خرج خرج نوراً يستضاء به،
فمثل الداخل إلى ذلك الجناب العالي بربوبيته مثل من يدخل بسراج موقود، ومثل الذي يدخل
بعبوديته مثل من يدخل بفتيلة لا ضوء فيها أو بقبضة حشيش فيها نار غير مشتعلة، فإذا دخلا بهذه
المثابة هبّ عليهما نفس من الرحمن فطفىء لذلك الهبوب السراج واشتعل الحشيش فخرج
صاحب السراج في ظلمة وخرج صاحب الحشيش في نور يستضاء به .
فانظر ما أعطاه الاستعداد، فكل هارب من هناك إنما يخاف على سراجه أن ينطفىء فهو
يخاف على ربوبيته أن تزول فيفرّ إلى محل ظهورها ولكن ما يخرج إلاَّ وقد طفىء سراجه،
ولو خرج به موقداً كما دخل ولم يؤثر فيه ذلك الهبوب لاذّعى الربوبية حقاً، ولكن من عصمة
الله له كان ذلك، ومن دخل عبداً لا يخاف، وإذا اشتعلت فتيلته هنالك عرف من أشعلها ورأى
المنَّة له سبحانه في ذلك فخرج عبداً منوّراً كما قال تعالى: ﴿سُبْحَنَ الَّذِىّ أَسْرَى بِعَبْدِهِ،﴾ [سورة
الإسراء: الآية ١] يعني عبداً فكان في خروجه إلى أمّته ﴿وَدَاعِيًّا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ، وَسِرَاجًا تُنِيرًا﴾ [سورة
الأحزاب: الآية ٤٦] كما دخل عبداً ذليلاً عارفاً بما دخل وعلى من دخل، فمن وفّقه الله تعالى
ولزم عبوديته في جميع أحواله وإن عرف أصليه فيرجح الأصل الأقرب إليه جانب أمّه فإنه ابن
أمّه بلا شك، ألا ترى إلى السنّة في تلقين الميت عند حصوله في قبره يقال له: يا عبد الله،
ويا ابن أمة الله، فينسب إلى أمّه ستراً من الله عليها، فأضيف إلى أمّه لأنها أحق به لظهور نشأته
ووجود عينه، فهو لأبيه ابن فراش، وهو ابن لأمّه حقيقة، فافهم ما أعطيناك من المعرفة بك
في هذا الباب، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
الفتوحات المکبة ج١ - م٢٧
٤١٨ في المعارف / الباب الثالث والخمسون في معرفة ما يلقي المريد على نفسه من الأعمال قبل وجود الشيخ
الباب الثالث والخمسون
في معرفة ما يلقي المريد على نفسه من الأعمال قبل وجود الشيخ
[نظم: الهزج]
فكن في نَعْتِ من لاذا
إذا لم تَلْقَ أستاذا
ـلَ أفلاذاً فأفلاذا
وقطّعَ نَفْسَه والليـ
فأسْهَدَهُ بمن حاذّى
وتسبيحاً وقرآناً
فلما لم يَقُلْ ماذا
وأَضْعَفَهُ وأحياه
ـه تلميذاً وأستاذا
فكان له الذي يبغيـ
زُرافاتٍ وأفذاذا
وجاءته معارِفُه
فلا ينفكُ عن هذا
فهذا قد أبَنْتُ له
اعلم أيّدك الله ونورك أنه أول ما يجب على الداخل في هذه الطريقة الإلهية المشروعة
طلب الأستاذ حتى يجده، وليعمل في هذه المدّة التي يطلب فيها الأستاذ الأعمال التي أذكرها
له وهي أن يلزم نفسه تسعة أشياء فإنها بسائط الأعداد، فيكون له في التوحيد إذا عمل عليها
قدم راسخة، ولهذا جعل الله الأفلاك تسعة أفلاك، فانظر ما ظهر من الحكمة الإلهية في
حركات هذه التسعة فاجعل منها أربعة في ظاهرك وخمسة في باطنك.
فالتي في ظاهرك: الجوع، والسهر، والصمت، والعزلة، فاثنان فاعلان وهما: الجوع
والعزلة، واثنان منفعلان وهما: السهر والصمت، وأعني بالصمت ترك كلام الناس والاشتغال
بذكر القلب ونطق النفس عن نطق اللسان إلاَّ فيما أوجب الله عليه مثل قراءة أمّ القرآن أو ما
تيسّر من القرآن في الصلاة والتكبير فيها، وما شرع من التسبيح والأذكار والدعاء والتشهّد
والصلاة على رسول الله وَله إلى أن تسلم منها فتتفرّع لذكر القلب بصمت اللسان، فالجوع
يتضمن السهر، والصمت تتضمنه العزلة. وأما الخمسة الباطنة فهي: الصدق، والتوكل،
والصبر، والعزيمة، واليقين، فهذه التسعة أمّهات الخير تتضمن الخير كله والطريقة مجموعة
فيها فالزمها حتى تجد الشيخ.
وصل شارح: وأنا أذكر لك من شأن كل واحدة من هذه الخصال ما يحرّضك على
العمل بها والدؤوب عليها والله ينفعنا وإياك ويجعلنا من أهل عنايته. ولنبتدىء بالظاهرة أوّلاً
ولنقل: أمّا العزلة وهي رأس الأربعة المعتبرة التي ذكرناها عند الطائفة أخبرني أخي في الله
تعالى عبد المجيد بن سلمة خطيب مرشانة الزيتون من أعمال إشبيلية من بلاد الأندلس وكان
من أهل الجدّ والاجتهاد في العبادة فأخبرني سنة ست وثمانين وخمسمائة قال: كنت بمنزلي
بمرشانة ليلة من الليالي فقمت إلى حزبي من الليل فبينما أنا واقف في مصلاي وباب الدار
وباب البيت عليّ مغلق وإذا بشخص قد دخل عليّ وسلّم وما أدري كيف دخل. فجزعت منه
وأوجزت في صلاتي فلما سلمت قال لي: يا عبد المجيد من تأنّس بالله لم يجزع، ثم نفض
في المعارف / الباب الثالث والخمسون في معرفة ما يلقي المريد على نفسه من الأعمال قبل وجود الشيخ ٤١٩
الثوب الذي كان تحتي أصلي عليه ورمى به وبسط تحتي حصيراً صغيراً كان عنده وقال لي: صلّ
على هذا، قال: ثم أخذني وخرج بي من الدار، ثم من البلد، ومشى بي في أرض لا أعرفها وما
كنت أدري أين أنا من أرض الله، فذكرنا الله تعالى في تلك الأماكن ثم ردّني إلى بيتي حيث كنت
قال؛ فقلت له: يا أخي بماذا يكون الأبدال أبدالاً؟ فقال لي: بالأربعة التي ذكرها أبو طالب في
القوت ثم سمّاها لي: الجوع، والسهر، والصمت، والعزلة قلباً، ثم قال لي عبد المجيد: هذا
هو الحصير فصليت عليه وهذا الرجل كان من أكابرهم يقال له معاذ بن أشرس .
فأمّا العزلة فهي أن يعتزل المريد كل صفة مذمومة وكل خلق دنيء هذه عزلته في حاله.
وأمّا في قلبه فهو أن يعتزل بقلبه عن التعلّق بأحد من خلق الله من أهل، ومال، وولد،
وصاحب، وكل ما يحول بينه وبين ذكر ربّه بقلبه حتى عن خواطره، ولا يكن له همّ إلاَّ واحد
وهو تعلّقه بالله. وأما في حسّه فعزلته في ابتداء حاله الانقطاع عن الناس وعن المألوفات إمّا
في بيته وإمّا بالسياحة في أرض الله، فإن كان في مدينة فبحيث لا يعرف، وإن لم يكن في
مدينة فيلزم السواحل والجبال والأماكن البعيدة من الناس، فإن أنست به الوحوش وتألفت به
وأنطقها الله في حقّه فكلمته أو لم تكلمه فليعتزل عن الوحوش والحيوانات ويرغب إلى الله
تعالى في أن لا يشغله بسواه وليثابر على الذكر الخفيّ، وإن كان من حفاظ القرآن فيكون له
منه حزب في كل ليلة يقوم به في صلاته لئلا ينساه ولا يكثر الأوراد ولا الحركات وليردّ
اشتغاله إلى قلبه دائماً هكذا يكون دأبه وديدنه. وأما الصمت فهو أن لا يتكلم مع مخلوق من
الوحوش والحشرات التي لزمته في سياحته أو في موضع عزلته، وإن ظهر له أحد من الجن أو
من الملأ الأعلى فيغمض عينه عنهم ولا يشغل نفسه بالحديث معهم وإن كلّموه، فإن تفرض
عليه الجواب أجاب بقدر أداء الفرض بغير مزيد، وإن لم يتفرض عليه سكت عنهم واشتغل
بنفسه، فإنهم إذا رأوه على هذه الحالة اجتنبوه ولم يتعرضوا له واحتجبوا عنه فإنهم قد علموا
أنه من شغل مشغولاً بالله عن شغله به عاقبه الله أشد عقوبة .
وأمّا صمته في نفسه عن حديث نفسه فلا يحدث نفسه بشيء ممّا يرجو تحصيله من الله
فيما انقطع إليه فإنه تضييع الوقت فيما ليس بحاصل فإنه من الأمانيّ، وإذا عوّد نفسه بحديث
نفسه حال بينه وبين ذكر الله في قلبه، فإنّ القلب لا يتسع للحديث والذكر معاً فيفوته السبب
المطلوب منه في عزلته وصمته وهو ذكر الله تعالى الذي تتجلّى به مرآة قلبه فيحصل له تجلّي
ربه. وأمّا الجوع فهو التقليل من الطعام فلا يتناول منه إلاَّ قدر ما يقيم صلبه لعبادة ربّه في
صلاة فريضته، فإن التنفّل في الصلاة قاعداً بما يجده من الضعف لقلة الغذاء أنفع وأفضل
وأقوى في تحصيل مراده من الله من القوّة التي تحصل له من الغذاء لأداء النوافل قائماً، فإن
الشبع داع إلى الفضول، فإن البطن إذا شبع طغت الجوارح وتصرفت في الفضول من الحركة
والنظر والسماع والكلام وهذه كلها قواطع له عن المقصود.
وأمّا السهر فإنّ الجوع يولده لقلة الرطوبة والأبخرة الجالبة للنوم ولا سيما شرب الماء فإنه
نوم كله وشهوته كاذبة، وفائدة السهر التيقظ للاشتغال مع الله بما هو بصدده دائماً، فإنه إذا نام
٤٢٠
في المعارف / الباب الرابع والخمسون في معرفة الإشارات
انتقل إلى عالم البرزخ بحسب ما نام عليه لا يزيد فيفوته خير كثير ممّا لا يعلمه إلاَّ في حال السهر،
وأنه إذا التزم ذلك سرى السهر إلى عين القلب وانجلى عين البصيرة بملازمة الذكر فيرى من الخير
ما شاء الله تعالى، وفي حصول هذه الأربعة التي هي أساس المعرفة لأهل الله وقد اعتنى بها
الحارث بن أسد المحاسبي أكثر من غيره وهي: معرفة الله، ومعرفة النفس، ومعرفة الدنيا،
ومعرفة الشيطان، وقد ذكر بعضهم معرفة الهوى بدلاً من معرفة الله وأنشدوا في ذلك : [الكامل]
بالنبل من قوسٍ لها تَوْتِيرُ
إني بُلِيتُ بأربعٍ يرمينني
يا ربُّ أنت على الخلاصِ قديرُ
إبليسُ والدنيا ونفّسي والهوى
وقال الآخر: [الكامل]
إبليسُ والدنيا ونفسي والهوى
كيف الخلاصُ وكلُّهم أعدائي
وأمّا الخمسة الباطنة فإنه حدثتني المرأة الصالحة مريم بنت محمد بن عبدون بن
عبد الرحمن البجائي قالت: رأيت في منامي شخصاً كان يتعاهدني في وقائعي وما رأيت له
شخصاً قط في عالم الحسّ فقال لها: تقصدين الطريق؟ قالت: فقلت له: إي والله أقصد
الطريق ولكن لا أدري بماذا قالت، فقال لي بخمسة وهي: التوكل، واليقين، والصبر،
والعزيمة، والصدق، فعرضت رؤياها عليّ فقلت لها: هذا مذهب القوم، وسيأتي الكلام
عليها إن شاء الله تعالى في داخل الكتاب فإنّ لها أبواباً تخصّها، وكذلك الأربعة التي ذكرناها
لها أيضاً أبواب تخصّها في الفصل الثاني من فصول هذا الكتاب، والله يقول الحق وهو يهدي
السبيل. انتهى الجزء السادس والعشرون.
(الجزء السابع والعشرون)
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحَمَةِ
الباب الرابع والخمسون
في معرفة الإشارات
[نظم : الكامل]
وسَيْرُها فيك تأويبٌ وإسنادُ
علم الإشارة تقريبٌ وإبعادُ
لمن يقوم به إفْكّ وإلحادُ
فابحثْ عليه فإنّ الله صیَّرَهُ
كُنْ فاستوى كائناً والقومُ أَشْهَادُ
تنبيهُ عِصْمةٍ من قال الإله له
اعلم أيّدنا الله وإياك بروح منه أن الإشارة عند أهل طريق الله تؤذن بالبعد أو حضور
الغير، قال بعض الشيوخ في محاسن المجالس: الإشارة نداء على رأس البعد وبوح بعين
العلة، يريد أن ذلك تصريح بحصول المرض فإن العلة مرض وهو قولنا أو حضور الغير، ولا
يريد بالعلة هنا السبب التي اصطلح عليها العقلاء من أهل النظر، وصورة المرض فيها أنّ
المشير غاب عنه وجه الحق في ذلك الغير، ومن غاب عنه وجه الحق في الأشياء تمكنت منه