Indexed OCR Text

Pages 361-380

٣٦١
في المعارف / الباب الحادي والأربعون في معرفة أهل الليل واختلاف طبقاتهم وتباينهم.
الموقف: يا عبدي الليل لي لا للقرآن يتلى الليل لي لا للمحمدة والثناء يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ
لَكَ فِ النََّرِ سَبْحًا طَوِيلًا﴾ [سورة المزمل: الآية ٧] فاجعل الليل لي كما هو لي، فإن في الليل نزولي
فلا أراك في النهار في معاشك فإذا جاء الليل وطلبتك ونزلت إليك وجدتك نائماً في راحتك
وفي عالم حياتك وما ثم إلاَّ ليل ونهار، فلا في النهار وجدتك وقد جعلته لك ولم أنزل فيه
إليك وسلمته لك، وجعلت الليل لي فنزلت إليك فيه لأناجيك وأسامرك وأقضي حوائجك
فوجدتك قد نمت عني وأسأت الأدب معي مع دعواك محبتي وإيثار جنابي، فقم بين يديّ
وسلني حتى أعطيك مسألتك، وما طلبتك لتتلو القرآن فتقف مع معانيه فإن معانيه تفرقك
عني، فآية تمشي بك في جنتي وما أعددت لأوليائي فيها، فأين أنا إذا كنت أنت في جنتي مع
الحور المقصورات في الخيام ﴿ كَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْحَانُ﴾ [سورة الرحمن: ٥٨] ﴿مُتَّكِينَ عَلَى فُرُر
بَطَيْتُهَا مِنْ إِسْتَبْرَفَّ وَحَى الْجَنََّيْنِ دَانٍ﴾ [سورة الرحمن: الآية: ٥٤] تسقى من رحيق مختوم ﴿وَمِنَ ابُهُ مِن
تَسْنِيمٍ ﴾ [سورة المطففين: الآية ٢٧] وآية توقفك مع ملائكتي وهم يدخلون عليك من كل باب
﴿سَلَمُ عَلَيْكُم بِمَا صَبْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [سورة الرعد: الآية ٢٤] وآية تستشرف بك على جهنم فتعاين
ما أعددت فيها لمن عصاني وأشرك بي ﴿فِي سَمُوبٍ وَمِمٍ وَظِلٍ مِّنْ يَحْنُورٍ لَّا بَارِدٍ وَلَ كَرِيرٍ﴾ [سورة
الواقعة: الآيات ٤٢ - ٤٤] ﴿كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِى الْمُطَمَةِ وَمَآ أَدْرَئِكَ مَا الْمُطَمَةُ نَارُ اَللَّهِ الْمُوقَدَةُ الَّتِى تَطَّلِعُ عَلَى
اٌلْأَفْدَةِ إِنَّهَا عَلَيْهِم ◌ُؤْصَدَةٌ﴾ [سورة الهمزة: الآيات ٤ - ٨] أي مسلطة ﴿فِى عَمَدٍ مُّمَدَّدَةٍ﴾ [سورة الهمزة:
الآية ٩] أين أنا يا عبدي إذا تلوت هذه الآية وأنت بخاطرك وهمتك في الجنة تارة وفي جهنم
تارة، ثم تتلو آية فتمشي بك في: ﴿ اَلْقَارِعَةُ مَا الْقَارِعَةُ وَمَآ أَدْرَئِكَ مَا الْقَارِعَةُ يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ
كَأَلْفَرَاشِ الْمَبْئُوثِ وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَأَلْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ﴾ [سورة القارعة: الآيات ١ - ٥] ﴿يَوَّمَ تَرَوْنَهَا
تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتٍ حَمْلٍ خَمْلَهَا وَتَى النَّاسَ سُكَرَى وَمَا هُم
بِسُكَرَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [سورة الحج: الآية ٢] وترى في ذلك اليوم من هذه الآية:
﴿يَوْمَ يَغِرُّ الْمَهُ مِنْ أَخِهِ وَأُمَّهِ، وَبِهِ وَصَحَِتِهِ، وَبَنِهِ لِكُلِّ آمْرٍِ مِّنْهُمْ يَوْمَيْدٍ شَأْنٌ يُغْنِهِ﴾ [سورة عبس: الآيات ٣٤ -٣٧]
وترى العرش في ذلك اليوم تحمله ثمانية أملاك وفي ذلك اليوم تعرضون فأين أنا والليل لي، فها
أنت يا عبدي في النهار في معاشك وفي الليل فيما تعطيه تلاوتك من جنة ونار وعرض، فأنت
بين آخرة ودنيا وبرزخ، فما تركت لي وقتاً تخلو بي فيه إلاّ جعلته لنفسك والليل لي يا عبدي لا
للمحمدة والثناء. ثم تتلو آية: ﴿فَأُوْلَكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيْنَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَآءِ
وَالصَِّلِحِينَ﴾ [سورة النساء: الآية ٦٩]. فتشاهدهم في تلاوتك وتفكر في مقاماتهم وأحوالهم وما
أعطيت: ﴿وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ وَالْقَنِينَ وَالْقَئِنَتِ وَالصَّدِقِينَ وَالصَّدِقَتِ وَالصَّبِينَ وَالصَّبِرَتِ وَالْخَاشِعِينَ
وَالْخَشِعَتِ وَالْمُنَصَدِّقِينَ وَالْمُنَصَدِّقَتِ وَالصََِّّينَ وَالصََِّّمَتِ﴾ [سورة الأحزاب: الآية ٣٥] فوقفت بالثناء
والمحمدة مع كل طائفة أثنيت عليهم في كتابي، فأين أنا وأين خلوتك بي؟ ما عرفني ولا عرف
مقدار قولي الليل لي، وما عرف لماذا نزلت إليك بالليل إلاَّ العارف المحقق الذي لقيه بعض
إخوانه فقال له: يا أخي اذكرني في خلوتك بربك، فأجابه ذلك العبد فقال: إذا ذكرتك فلست
معه في خلوة، فمثل ذلك عرف قدر نزولي إلى السماء الدنيا بالليل ولماذا نزلت ولمن

٣٦٢
في المعارف / الباب الحادي والأربعون في معرفة أهل الليل واختلاف طبقاتهم وتباينهم ...
طلبت، فأنا أتلو كتابي عليه بلسانه وهو يسمع فتلك مسامرتي وذلك العبد هو الملتذ بكلامي،
فإذا وقف مع معانيه فقد خرج عني بفكره وتأمله، فالذي ينبغي له أن يصغي إليّ ويخلي سمعه
لكلامي حتى أكون أنا في تلك التلاوة كما تلوت عليه وأسمعته أكون أنا الذي أشرح له كلامي
وأترجم له عن معناه فتلك مسامرتي معه، فيأخذ العلم مني لا من فكره واعتباره، فلا يبالي
بذكر جنة ولا نار، ولا حساب ولا عرض، ولا دنيا ولا آخرة، فإنه ما نظرها بعقله ولا بحث
عن الآية بفكره، وإنما ألقى السمع لما أقوله له وهو شهيد حاضر معي أتولى تعليمه بنفسي
فأقول له: يا عبدي أردت بهذه الآية كذا وكذا، وبهذه الآية الأخرى كذا وكذا، هكذا إلى أن
ينصدع الفجر فيحصل من العلوم على يقين ما لم يكن عنده فإنه مني سمع القرآن، ومني سمع
شرحه وتفسير معانيه، وما أردت بذلك الكلام وبتلك الآية والسورة فيكون حسن الأدب معي
في استماعه وإصاحته، فإن طالبته بالمسامرة في ذلك فيجيبني بحضور ومشاهدة يعرض عليّ
جميع ما كلمته به وعلمته إياه، فإن كان أخذه على الاستيفاء وإلاَّ فنجبر له ما نقصه من ذلك
فيكون لي لا له ولا لمخلوق، فمثل هذا العبد هو لي والليل بيني وبينه، فإذا انصدع الفجر
استويت على عرشي، أدبر الأمر أفصل الآيات، ويمشي عبدي إلى معاشه وإلى محادثة
إخوانه، وقد فتحت بيني وبينه باباً في خلقي ينظر إليّ منه وانظر إليه منه والخلق لا يشعرون،
فأحدثه على ألسنتهم وهم لا يعرفون، ويأخذ مني على بصيرة وهم لا يعلمون، فيحسبون أنه
يكلمهم وما يكلم سواي، ويظنون أنه يجيبهم وما يجيب إلاَّ إياي كما قال بعض أصحاب هذه
الصفة : [الكامل]
ومحدِّثي من بينهم بنَهَاري
يا مؤنسي بالليل إن هَجَعَ الورى
وإذ قد أبنت لك عن أهل الليل كيف ينبغي أن يكونوا في ليلهم؟ فإن كنت منهم فقد
علمتك الأدب الخاص بأهل الله وكيف ينبغي لهم أن يكونوا مع الله. واعلم أنه تختلف
طبقاتهم في ذلك، فالزاهد حاله مع الله في ليله من مقام زهده، والمتوكل حاله مع الله من مقام
توكله، وكذلك صاحب كل مقام، ولكل مقام لسان هو الترجمان الإلهي، فهم متباينون في
المراتب بحسب الأحوال والمقامات، وأقطاب أهل الليل هم أصحاب المعاني المجرّدة عن
المواد المحسوسة والخيالية، فهم واقفون مع الحق بالحق على الحق من غير حد ولا نهاية
ووجود ضد، ومن أهل الليل من يكون صاحب عروج وارتقاء ودنوّ، فيتلقاه الحق في الطريق
وهو نازل إلى السماء الدنيا فيتدلى إليه فيضع كنفه عليه، وكل همة من كل صاحب معراج
يتلقاها الحق في ذلك النزول حيث وجدها، فمن الهمم من يلقاها الحق في السماء الدنيا،
ومنها من يلقاها في الثانية وفيما بينهما، وفي الثالثة وفيما بينهما، وفي الرابعة وفيما بينهما،
وفي الخامسة وفيما بينهما، وفي السادسة وفيما بينهما، وفي السابعة وفيما بينهما، وفي
الكرسي وفيما بينهما، وفي العرش في أوّل النزول وفيما بينهما وهو مستوى الرحمن، فيعطي
لتلك الهمة من المعاني والمعارف والأسرار بحسب المنزل الذي لقيته فيه، ثم تنزل معه إلى
السماء الدنيا فتقف الهمم بين يديه ويستشرف الحق على من بقي من الهمم من أهل الليل في

٣٦٣
في المعارف / الباب الحادي والأربعون في معرفة أهل الليل واختلاف طبقاتهم وتباينهم.
محاريبهم وما عرجت، فيلقي إليهم الحق تعالى بحسب ما يسألونه في صلاتهم ودعائهم وهم
في بيوتهم وفي محاريبهم، فتسمع تلك الهمم التي لقيته في طريقها ما يكون منه جلّ جلاله
إلى أولئك العبيد فيستفيدون علوماً لم تكن عندهم، فإنه قد يخطر لأولئك الذين ما صعدت
هممهم من السؤال للحق في المعارف والأسرار ما لم يكن في قوّة هذه الهمم أن تسألها
لقصورها عنها، فإذا سمعوا الجواب من الحق الذي يجيب به أولئك القوم الذين في محاريبهم
وما اخترقت هممهم سماء ولا فلكاً فيحصل لهم من العلم بالله بقدر ما سأل عنه أولئك
الأقوام .
وثم همم أُخَر ارتقت فوق العرش إلى مرتبة النفس فقد تجد الحق هناك وجود تنزيه ما
هو وجودها له، مثل وجودها له في عالم المساحة والمقدار فيشاهدون مقاماً أنزه ومنزلاً
أقدس وبينية لا يحدها التقدير ولا يأخذها التصوير، فبينيتها بينية تمييز علوم ومراتب فهوم،
ومن الهمم من يلقاه في العقل الأول، ومن الهمم ما تلقاه في المقربين من الأرواح المهيمة،
ومن الهمم ما تلقاه في العماء، ومن الهمم من تلقاه في الأرض المخلوقة من بقية طينة آدم
عليه السلام، فإذا لقيته هذه الهمم في هذه المراتب أعطاها على قدر تعطشها من المقام الذي
بعثها على الترقي إلى هذه المراتب وينزلون معه إلى السماء الدنيا، وعلى الحقيقة هو ينزلهم
إلى السماء الدنيا وينزل معهم فيستفيدون من العلوم التي يهبها الحق لتلك الهمم التي ما تعدّت
العرش هكذا كل ليلة .
ثم تنزل هذه الهمم وقد عرفت ما أكرمها به الحق فاجتمعت بالهمم التي ما برحت من
مكانها فوجدتها على طبقات: فمنهم من وجد عندهم من العلوم التي لم تتقيد بترق وكان الحق
أقرب إليها من حبل الوريد حين كان مع أولئك في العماء وفي السماء الدنيا وما بينهما قال
تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُتُمْ﴾ [سورة الحديد: الآية ٤] فهو مع كل همّة حيث كانت، ويجدون
همماً أرضية قد تقدست عن الأينية وعن مراتب العقول فلم تتقيد بحضرة فتنال من العلوم التي
تليق بهذه الصفة التي وهبهم الحق منها ما حصلوا عليه من المعارف ما يبهت أولئك الهمم وهي
من علوم الإطلاق الخارجة عن الحصر الأينيّ الفلكي وعن الحصر الروحانيّ العقليّ، فهم مع
كونهم في ظلمة الطبيعة على نور أضاءت به تلك الظلمة لوجود المشاهدة، وهؤلاء هم الذين
يعرفون أن إدراك الأشياء المرئية إنما هو من اجتماع نور البصر مع نور الجسم المستنير شمساً
كان أو سراجاً أو ما كان فتظهر المبصرات، فلو فقد الجسم المستنير ما ظهر شيء، ولو فقد
البصر ما أضاء شيء مما يدركه البصر مع النور الخارج أصلاً.
ألا ترى صاحب الكشف إذا أظلم الليل وانغلق عليه باب بيته ويكون معه في تلك
الظلمة شخص آخر وقد تساويا في عدم الكشف للمبصرات فيكون أحدهما ممن يكشف له في
أوقات فيتجلى له نور يجتمع ذلك النور مع نور البصر فيدرك ما في ذلك البيت المظلم مما
أراد الله أن يكشف له منه كله أو بعضه يراه مثل ما يراه بالنهار أو بالسراج، ورفيقه الذي هو
معه لا يرى إلاَّ الظلمة غير ذلك لا يراه، فإن ذلك النور ما تجلّى له حتى يجتمع بنور بصره

٣٦٤ فى المعارف / الباب الثاني والأربعون في معرفة الفتوة والفتيات ومدزنهم وطبقاتهم وأسرار أقطابهم
فينفر حجاب الظلمة، فلو لم يكن الأمر كما ذكرناه لكان صاحب هذا الكشف مثل صاحبه لا
يدرك شيئاً، أو يكون رفيقه مثله يدرك الأشياء فيكون: إمّا من أهل الكشف مثله أو يدركه بنور
العلم، فإن المكاشف يدركه بنور الخيال كما يدركه النائم ورفيقه إلى جانبه مستيقظ لا يرى
شيئاً كذلك صاحب الكشف. ولو سألت صاحب الكشف: هل ترى ظلمة في حال كشفك؟
لقال: لا بل يقول: أنارت البقعة حتى قلت: إن الشمس ما غابت فأدركت المبصرات كما
أدركها نهاراً، وهذه المسألة ما رأيت أحداً نبّه عليها إلاَّ إن كان، وما وصل إليّ فالكون كله في
أصله مظلم فلا يرى إلاَّ بالنورين، فإنه يحدث هذا الأمر ونظيره الذي يؤيده إيجاد العالم فإنه
من حيث ذاته عدم ولا يكتسب الوجود إلاَّ من كونه قابلاً، وذلك لإمكانه واقتدار الحق
المخصص المرجح وجوده على عدمه، فلو زال القبول من الممكن لكان كالمحال لا يقبل
الإيجاد، وقد اشترك المحال والممكن قبل الترجيح بالوجود في العدم، كما أنه مع قبوله لو
لم يكن اقتدار الحق ما وجد عين هذا المعدوم الذي هو الممكن، فلم تظهر الأعيان المعدومة
للوجود إلاَّ بكونها قابلة وهو مثل نور البصر، وكون الحق قادراً وهو مثل نور الجسم النير،
فظهرت الأعيان كما ظهرت المبصرات بالنورين، فكما أنّ الممكن لا يزال قابلاً والحق مقتدراً
ومريداً فينحفظ على الممكن إبقاء الوجود إذ له من ذاته العدم، كذلك الباصر لا يزال نور
بصره في بصره والشمس متجلية في نورها فتحفظ الإبصار المتعلق بالمبصرات وهي من ذاتها
أعني المبصرات غير منورة بل هي مظلمة، فاعقل إن كنت تعقل، فهذا الأمر أصل ضلال
العقلاء وهم لا يشعرون لما لم يعقلوه، وهو سرّ من أسرار الله تعالى جهله أهل النظر.
ومن هذه المسألة يتبين لك قدم الحق وحدوث الخلق لكن على غير الوجه الذي يعقله
أهل الكلام وعلى غير الوجه الذي تعقله الحكماء باللقب لا بالحقيقة، فإن الحكماء على
الحقيقة هم أهل الله الرسل والأنبياء والأولياء، إلاَّ أن الحكماء باللقب أقرب إلى العلم من
غيرهم حيث لم يعقلوا الله إلاَّ إلهاً، وأهل الكلام من النظار ليس كذلك، فأقطاب أهل الليل
من يكون الليل في حقّهم كالنهار كشفاً وشغلاً، قال تعالى: ﴿ وَإِنَّكُمْ لَنَهُونَ عَلَيْهِمِ مُصْبِحِينٌ وَيِأَلَيْلِ
أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [سورة الصافات: الآيتان ١٣٧، ١٣٨] أي تعلمون منهم في الصباح ما تعلمون منهم في
الليل، إذ كان ليلاً عند غيرهم ممّن ليس له مقام الكشف بالليل كما لصاحب النور فالليل
والصباح عنده سواء، فهذا معنى قوله: ﴿أَفَلاَ تَّعْقِلُونَ﴾ فإن ادّعت لك نفسك أنك من أهل
الليل فانظر هل لها قدم وكشف فيما ذكرت لك؟ فهو المحك والمعيار، ولكل ليل في القرآن
أمور وعلوم لا يعرفها إلاَّ أهل الليل خاصة، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
الباب الثاني والأربعون
في معرفة الفتوّة والفتيان ومنازلهم وطبقاتهم وأسرار أقطابهم
[نظم: الطويل]
وفتيانِ صدقٍ لا ملالةَ عندهم لهم قَدَمٌ في كل فَضْل ومكْرُمَة

في المعارف / الباب الثاني والأربعون في معرفة الفتوة والفتيان ومنازلهم وطبقاتهم وأسرار أقطابهم ٣٦٥
مقسَّمَةٌ أحوالُهم في جليسهم
وإن جاء كفؤ آثروه ببرِّهم
لهم من خفايا العلم كل شَعِيرةٍ
كنَجْلِ قَسِيٍّ والذي كان قبله
بذلك حازوا السَّبْقَ في كل حلبةٍ
بمَيْمَئَةٍ خُصُّوا تعالى مقامُها
فكلتا يدَيْ ربي يمينٌ كريمٌ
إذا خلع المولى على أهله تَرَى
فهم بين توقيرٍ لقوم ومَرْحَمَهْ
ولا تلْحَقُ الفتيانَ في ذاك مَنْدمَهُ
وما هو موسومٌ لديهم بِسِمْسِمَهْ
ومن كان منهم ممَّن الله أعْلَمَهْ
فليس يجيبون السَّفيهَ بلفظِ مَهْ
وليس لها ضدٌّ يسمى بمَشْأَمَهْ
وإنَّ كريمَ القوم من كان أكْرَمَهْ
ملابسَهُم بين الملابس مُعْلَمَهْ
اعلم أن للفتوّة مقام القوّة، وما خلق الله من الطبيعة أقوى من الهواء، وخلق الإنسان
أقوى من الهواء إذا كان مؤمناً، كذا ورد في الخبر النبوي عن الله تعالى مع الملائكة لما خلق
الأرض وجعلت تميد الحديث بكماله وفي آخره: ((يَا رَبّ فَهَلْ خَلَقْتَ شَيْئاً أَشَدَّ مِنَ الرِّيح؟
قال: نَعَم المُؤْمِنُ يَتَصَدَّقُ بِيَمِينِهِ مَا تَعْرِفُ بِذُلِكَ شمَالُهُ)). وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللََّ هُوَ الرَّزَّقُ ذُو
اُلْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [سورة الذاريات: الآية ٥٨] فنعت الرزاق بالقوّة لوجود الكفران بالمنعم من المرزوقين
فهو يرزقهم مع كفرهم به، ولا يمنع عنهم الرزق والإنعام والإحسان بكفرهم، مع أن الكفر
بالنعم سبب مانع يمنع النعمة، فلا يرزق الكافر مع وجود الكفر منه لما رزقه إلاّ من له القوّة
فلهذا نعته بذي القوّة المتين، فإن المتانة في القوّة تضاعفها، فما اكتفى سبحانه بالقوّة حتى
وصف نفسه بأنه المتين فيها، إذ كانت القوّة لها طبقات في التمكن من القوي، فوصف نفسه
بالمتانة وهذه صفة أهل الفتوّة، فإن الفتوّة ليس فيها شيء من الضعف إذ هي حالة بين الطفولة
والكهولة وهو عمر الإنسان من زمان بلوغه إلى تمام الأربعين من ولادته، يقول الله تعالى في
هذا المقام: ﴿اللَّهُ الَّذِى خَلَقَكُمْ مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً﴾ وذلك حال الفتوّة،
وفيها يسمّى فتي وما قرن معها شيئاً من الضعف، ثم قال سبحانه وتعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ
قُوَّقٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةٌ﴾ [سورة الروم: الآية ٥٤] يعني ضعف الكهولة إلى آخر العمر، وشيبة يعني وقاراً
أي سكوناً لضعفه عن الحركة، فإن الوقار من الوقر وهو الثقل فقرن مع هذا الضعف الثاني
الشيبة التي هي الوقار، فإن الطفل وإن كان ضعيفاً فإنه متحرك جداً. اختلف في حركته هل
هي من الطبيعة أو من الروح؟.
روي أن إبراهيم عليه السلام لما رأى الشيب قال: يا رب ما هذا؟ قال: الوقار، قال:
اللهم زدني وقاراً، فهذا حال الفتوّة ومقامها، وأصحابها يسمّون الفتيان وهم الذين حازوا
مكارم الأخلاق أجمعها، ولا يتمكن لأحد أن يكون حاله مكارم الأخلاق ما لم يعلم المحالّ
التي يصرفها فيها ويظهر بها، فالفتيان أهل علم وافر وقد أفردنا لها باباً في داخل هذا الكتاب
حين تكلمنا على المقامات والأحوال، فمن ادّعى الفتوّة وليس عنده علم بما ذكرناه فدعواه
كاذبة وهو سريع الفضيحة، فلا ينبغي يسمّى فتى إلاَّ من علم مقادير الأكوان ومقدار الحضرة
الإلهية فيعامل كل موجود على قدره من المعاملة، ويقدم من ينبغي أن يقدم، ويؤخر ما ينبغي

٣٦٦ في المعارف / الباب الثاني والأربعون في معرفة الفتوة والتعتين ومتربهم وحبقاته وأسرار أقطابهم
أن يؤخر، وتفاصيل هذا المقام وحكم الطائفة فيه استوفيناه في رسالة الأخلاق التي كتبنا بها
للفخر محمد بن عمر بن خطيب الري رحمه الله فلنذكر منها في هذا الباب الأصل الذي
ينبغي أن يعوّل عليه، وذلك أنه ليس في وسع الإنسان أن يسع العالم بمكارم أخلاقه إذ كان
العالم كله واقفاً مع غرضه أو إرادته لا مع ما ينبغي، فلما اختلفت الأغراض والإرادات وطلب
كل صاحب غرض أو إرادة من الفتى أن يعامله بحسب غرضه وإرادته، والأغراض متضادة
فيكون غرض زيد في عمرو أن يعادي خالداً، ويكون غرض خالد في زيد أن يعادي عمراً، أو
غرضه أن يواليه ويحبه ويودّه، فإن تفتی مع عمرو عادی خالداً وذمّه خالد وأثنى عليه زید
بالفتوّة وكريم الخلق، وإن لم يعاد خالداً ووالاه وأحبه أثنی علیه خالد وذمّه زید.
فلما رأينا أن الأمر على هذا الحد وأنه لا يعمّ ولم يتمكن عقلاً ولا عادة أن يقوم
الإنسان في هذه الدنيا أو حيث كان في مقام يرضي المتضادين انبغى للفتى أن يترك هوى نفسه
ويرجع إلى خالقه الذي هو مولاه وسيده ويقول: أنا عبد، وينبغي للعبد أن يكون بحكم سيده
لا بحكم نفسه ولا بحكم غير سيده يتبع مراضيه ويقف عند حدوده ومراسمه، ولا يكن ممّن
جعل مع سيده شريكاً في عبوديته، فيكون مع سيده بحسب ما يحد له ويتصرّف فيما يرسم له
ولا يبالي وافق أغراض العالم أو خالفهم، فإن وافق ما وافق منها فذلك راجع إلى سيده فخرج
له توقيع من ديوان سيده على يدي رسول قام الدليل له والعلم بأنه خرج إليه من عند سيده وأن
ذلك التوقيع توقيع سيده فقام له إجلالاً وأخذ توقيع سيده ومع التوقيع مشافهة فشافه العبيد بما
أمره السيد أن يشافههم به، وذلك هو الشرع المقرّر والتوقيع هو الكتاب المنزل المسمّى
قرآناً، والرسول هو جبريل عليه السلام، وحاجب الباب الذي يصل إليه الرسول الملكي من
عند الله بالتوقيع والمشافهة هو النبي المبشر محمد هل# أو أيّ نبيّ كان من الأنبياء في زمان
بعثتهم، فلزم العبيد مراسم سيدهم التي ضمنها توقيعه والتي جاءت بها المشافهة فلم يكن لهم
في نفوسهم ملك ولا تدبير، فمن وقف عند حدود سيده وامتثل مراسيمه ولم يخالفه في شيء
مما جاءه به على حد ما رسم له من غير زيادة بقياس أو رأي ولا نقصان بتأويل فعامل جنسه
من الناس بما أمر أن يعاملهم به من مؤمن وكافر وعاصٍ ووليّ ومنافق، وما ثم إلاَّ هؤلاء
الأصناف الأربعة، وكل صنف من هؤلاء على طبقات: فالمؤمن منه طائع وعاص ووليّ ونبيّ
ورسول وملك وحيوان ونبات ومعدن، والكافر منه مشرك وغير مشرك، والمنافق منه ينقص
في الظاهر عن درك الكافر، فإن المنافق له الدرك الأسفل من النار، والكافر له الأعلى
والأسفل، وأمّا العاصي فينقص في الظاهر عن درجة المؤمن المطيع بقدر معصيته.
فهذا الواقف عند مراسم سيده هو الفتى، فكل إنسان لا بدّ أن يكون جليساً لأكبر منه أو
أصغر منه أو مكافئاً له إمّا في السنّ وإما في الرتبة، أو فيهما، فالفتى من وقر الكبير في العلم
أو في السن، والفتى من رحم الصغير في العلم أو في السن، والفتى من آثر المكافىء في
السن أو في العلم، ولست أعني بقولي في العلم إلاَّ المرتبة خاصة فأتينا بالعلم لشرفه، فإن
الملك قد يكون صغيراً في السن صغيراً في العلم، ويكون شخص من رعيته كبيراً في السن

في المعارف / الباب الثاني والأربعون في معرفة الفتوة والفتيان ومنازلهم وطبقاتهم وأسرار أقطابهم ٣٦٧
كبيراً في العلم، فإن عرف الملك قدر ما رسم له الحق في شرعه من توقير الكبير وشرف
العلم عامله الملك بذلك، وإن لم يفعل فيكون الملك سيىء الملكة، فينبغي للفتى أن يعرف
شرف المرتبة التي هي السلطنة وأنه نائب الله في عباده وخليفته في بلاده فيعامل من أقامه الله
فيها، وإن لم يجر الحق على يده بما ينبغي للمرتبة من السمع والطاعة في المنشط والمكره
على حد ما رسم له سيده وما هو عليه مما أقام الله ذلك السلطان فيه من الأخلاق المحمودة أو
المذمومة في الجور والعدل، فينبغي للفتى أن يوفي السلطان حقه الذي أوجبه الله له عليه، ولا
يطلب منه حقه الذي جعله الله له قبل السلطان مما له أن يسامحه فيه إن منعه منه فتوة عليه
ورحمة به وتعظيماً لمنزلته إذ كان له أن يطلبه به يوم القيامة، فالفتى من لا خصم له لأنه فيما
عليه يؤديه وفيما له يتركه فليس له خصم، فالفتى من لا تصدر منه حركة عبثاً جملة واحدة،
ومعنى هذا أن الله سمعه يقول: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَطِلًا﴾ [سورة ص: الآية ٢٧]
وهذه الحركة الصادرة من الفتى مما بينهما وكذلك حركة كل متحرك خلقه الله بين السماء
والأرض فما هي عبث فإن الخالق حكيم.
فالفتى من يتحرّك أو يسكن لحكمة في نفسه، ومن كان هذا حاله في حركاته فلا تكون
حركته عبثاً لا في يده ولا في رجله ولا شمّه ولا أكله ولا لمسه ولا سمعه ولا بصره ولا
باطنه، فيعلم كل نفس فيه وما ينبغي له وما حكم سيده فيه، ومثل هذا لا يكون عبثاً، وإذا
كانت الحركة من غيره فلا ينظرها عبثاً، فإن الله خلقها أي قدّرها وإذا قدّرها فما تكون عبئاً
ولا باطلاً، فيكون حاضراً مع هذا عند وقوعها في العالم، فإن فتح له بالعلم في الحكمة فيها
فبخٍ على بخٍ وهو صاحب عناية، وإن لم يفتح له في العلم بالحكمة فيها فيكفيه حضوره في
نفسه أنها حركة مقدرة منسوبة إلى الله، وأن الله فيها سرّاً يعلمه الله فيؤديه هذا القدر من العلم
إلى الأدب الإلهي، وهذا لا يكون إلاَّ للفتيان أصحاب القوّة الحاكمين على طبائع النفوس
والعادات، ولا يكون في هذا المقام من هذه الطائفة إلاَّ الملامية فإن الله قد ولاهم على
نفوسهم وأيّدهم بروح منه عليها، فلهم التصريف التام والكلمة الماضية والحكم الغالب، فهمٍ
السلاطين في صور العبيد يعرفهم الملأ الأعلى، فليس أحد مما سوى الإنس والجان إلاّ
ويقول بفضله إلاَّ بعض الثقلين فإن الحسد يمنعهم من ذلك، فطبقات الفتيان هو ما ذكرناه من
يعلم منهم علم الله في الحركات، ومن لا يعلم علم الله في ذلك على التعيين، وإن علم أن ثمَّ
أمراً لم يطلعه الله عليه، وأمّا منزلتهم فهو الذي قلنا في أول الباب في قوله: ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ
ضَعْفٍ قُوَّةٌ﴾ [سورة الروم: الآية ٥٤] وينظر إلى هذا الإيجاد من الحقائق الإلهية الآية الأخرى وهي
قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَنِينُ﴾ [سورة الذاريات: الآية ٥٨] فهم يعاملون الخلق بالإحسان
إليهم مع إساءتهم لهم، كإعطاء الله الرزق للمرزوقين الكافرين بالله ونعمه فلهم القوّة العظمى
على نفوسهم حيث لم يغلبهم هواهم ولا ما جبلت النفس عليه من حب الثناء والشكر
والاعتراف، قال تعالى حاكيً سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم فأطلق الله على ألسنتهم فتوة
إبراهيم بلسانهم لما كانت الفتوة بهذه المثابة لأنه قام في الله حق القيام، ولما أحالهم على

٣٦٨ في المعارف/ الباب الثاني والأربعون في معرفة الفتوة والفتيان ومنزلهم وطبقاتهم وأسرار أقطابهم
الكبير من الأصنام على نية طلب السلامة منهم فإنه قال لهم: ﴿فَسْئَلُوهُمْ إِن كَانُواْ يَنْطِقُونَ﴾
[سورة الأنبياء: الآية ٦٣] يريد توبيخهم ولهذا رجعوا إلى أنفسهم وهو قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا
ءَاتَيْنَهَا إِبْزَهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ،﴾ [سورة الأنعام: الآية ٨٣] في كل حال وإنما سمي ذلك كذباً لإضافة
الفعل في عالم الألفاظ إلى كبيرهم، والكبير الله على الحقيقة والله هو الفاعل المكسر للأصنام
بيد إبراهيم فإنه يده التي يبطش بها كذا أخبر عن نفسه، فكسر هذه الأصنام التي زعموا أنها
آلهة لهم، ألا ترى المشركين يقولون فيهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِبُونَآ إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [سورة الزمر:
الآية ٣] فاعترفوا أن ثَمَّ إلهاً كبيراً أكبر من هؤلاء كما هو أحسن الخالقين وأرحم الراحمين.
فهذا الذي قاله إبراهيم عليه السلام صحيح في عقد إبراهيم عليه السلام، وإنما أخطأ
المشركون حيث لم يفهموا عن إبراهيم ما أراد بقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ﴾ [سورة الأنبياء: الآية
٦٣] فكان قصد إبراهيم بكبيرهم الله تعالى وإقامة الحجة عليهم وهو موجود في الاعتقادين
وكونهم آلهة ذلك على زعمهم والوقف عليه حسن عندنا تام، وابتدأ إبراهيم بقوله هذا قولي،
فالخبر محذوف يدل عليه مساق القصة: ﴿فَسَثَلُوهُمْ إِن كَانُواْ يَنَطِقُونَ﴾ [سورة الأنبياء: الآية ٦٣]
فهم يخبرونكم ولو نطقت الأصنام في ذلك الوقت لنسبت الفعل إلى الله لا إلى إبراهيم، فإنه
مقرر عند أهل الكشف من أهل طريقنا أن الجماد والنبات والحيوان قد فطرهم الله على معرفته
وتسبيحه بحمده فلا يرون فاعلاً إلاَّ الله، ومن كان هذا في فطرته كيف ينسب الفعل لغير الله؟
فكان إبراهيم على بينة من ربه في الأصنام أنهم لو نطقوا لأضافوا الفعل إلى الله لأنه ما قال
لهم سلوهم إلاَّ في معرض الدلالة سواء نطقوا أو سكتوا، فإن لم ينطقوا يقول لهم: لم
تعبدون ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنكم من الله شيئاً ولا عن نفسه، ولو نطقوا لقالوا:
إن الله قطعنا قطعاً لا يتمكن في الدلالة أن تقول الأصنام غير هذا، فإنها لو قالت: الصنم
الكبير فعل ذلك بنا لكذبت ويكون تقريراً من الله بكفرهم ورداً على إبراهيم عليه السلام، فإن
الكبير ما قطعهم جذاذاً، ولو قالوا في إبراهيم إنه قطعنا لصدقوا في الإضافة إلى إبراهيم ولم
تلزم الدلالة بنطقهم على وحدانية الله ببقاء الكبير، فيبطل كون إبراهيم قصد الدلالة فلم تقع
ولم يصدق ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ ءَاتَيْنَهَا إِنَزَهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ،﴾ [سورة الأنعام: الآية ٨٣] فكانت له الدلالة
في نطقهم لو نطقوا كما قررنا وفي عدم نطقهم لو لم ينطقوا. ومثل هذا ينبغي أن يكون قصد
الأنبياء عليهم السلام، فهم العلماء صلوات الله عليهم ولهذا رجعوا إلى أنفسهم فقالوا: إنكم
أنتم الظالمون ثم نكسوا على رؤوسهم لقد علمت ما هؤلاء ينطقون فقال الله لمثل هؤلاء:
﴿أَتَعْبُدُونَ مَا نَنْحِنُونَ﴾ [سورة الصافات: الآية ٩٥] فكان من فتوته أن باع نفسه في حق أحدية خالقه لا
في حق خالقه، لأن الشريك ما ينفي وجود الخالق وإنما يتوجّه على نفي الأحدية، فلا يقوم
في هذا المقام إلاَّ من له القطبية في الفتوة بحيث يدور عليه مقامها .
ومن الفتوة قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَنْهُ﴾ [سورة الكهف: الآية ٦٠] فأطلق عليه
باللسان العبراني معنى يعبر عنه في اللسان العربي بالفتى وكان في خدمة موسى عليه السلام،
وكان موسى في ذلك الوقت حاجب الباب فإنه الشارع في تلك الأمّة ورسولها، ولكل أمّة باب

في المعارف / الباب الثاني والأربعون في معرفة الفتوة والفتيان ومنازلهم وطبقاتهم وأسرار أقطابهم ٣٦٩
خاص إلهي شارعهم هو حاجب ذلك الباب الذي يدخلون منه على الله تعالى، ومحمد وح لول هو
حاجب الحجاب لعموم رسالته دون سائر الأنبياء عليهم السلام، فهم حجبته وَل# من آدم عليه
السلام إلى آخر نبيّ ورسول، وإنما قلنا إنهم حجبته لقوله بَّرَ: ((آدَمُ فَمَنْ دُونَهُ تَخْتَ لِوَائِي)» فهم
نوابه في عالم الخلق، وهو روح مجرّد عارف بذلك قبل نشأة جسمه، قيل له: مَتَى كُنْتَ نَبِيّاً؟
فَقَالَ: ((كُنْتُ نَبِيّاً وَآدَمُ بَيْنَ المَاءِ والطّينِ)) أي لم يوجد آدم بعد إلى أن وصل زمان ظهور جسده
المطهر بَّر، فلم يبق حكم لنائب من نوابه من سائر الحجاب الإلهيين وهم الرسل والأنبياء
عليهم السلام إلاّ عنت وجوههم لقيومية مقامه إذ كان حاجب الحجاب، فقرّر من شرعهم ما
شاءه بإذن سيده ومرسله ورفع من شرعهم ما أمر برفعه ونسخه، فربما قال من لا علم له بهذا
الأمر: إنّ موسى عليه السلام كان مستقلاً مثل محمد بشرعه فقال رسول الله وَ الَ: ((لَوْ كَانَ
مُوسَى حيّاً مَا وَسِعَهُ إِلاَّ أَنْ يَتبعَنِي)) وصدق وَّ فالفتى أبداً في منزل التسخير كما قال عليه
السلام: ((خَادِمِ القَوْمِ سَيّدُهُمْ)) فمن كانت خدمته سيادته كان عبداً محضاً خالصاً.
وتفضل الفتيان بعضهم على بعض بحسب المتفتى عليه من المنزلة عند الله بوجه ومن
الضعف بوجه، فأعلاهم من تفتى على الأضعف من ذلك الوجه، وأعلاهم أيضاً من تفتى
على الأعلى عند الله من ذلك الوجه الآخر، فالمتفتي على الأضعف كصاحب السفرة وهو
الشخص الذي أمره شيخه أن يقرب السفرة إلى الأضياف فأبطأ عليهم من أجل النمل الذي
كان فيها فلم ير من الفتوة أن ينفض النمل من السفرة، فإن من الفتوة أن يصرفها في الحيوان
فوقف إلى أن خرجت النمل من السفرة من ذاتها من غير أن يكون لهذا الشخص في إخراج
النمل تعمل قهري، فإن الفتيان لهم الفتوة وليس لهم القهر إلاّ على نفوسهم خاصة، ومن لا
قوّة له لا فتوة له، كما أنه من لا قدرة له لا حلم له، فقال له الشيخ: لقد دققت فهذه مراعاة
الأضعف لكنه ما تفتى مع الأضياف حيث أبطأ عن المبادرة إلى كرامتهم.
فلهذا ربطنا في أول الباب أنه لا يتمكن لأحد إرسال المكارم في العموم لاختلاف
الأغراض، فينظر الفتى في حق الشخصين المختلفي الأغراض اللذين إذا أرضى الواحد منهما
أسخط الآخر، وصورة نظره في حق الشخصين أيهما أقرب إلى حكم الوقت والحال في
الشرع فالذي هو أقرب إلى حكم الوقت والحال في الشرع صرف الفتوة معه، فإن اتسع
الوقت إلى أن يتفتى مع الآخر بوجه يرضي الله فعل أيضاً، وإن لم يتسع فقدر في المقام حقّه
وكان من الفتيان بلا شك، وإن كان في رتبة الفعل بالهمة والفعل بالحس فعل الفتوة مع
الواحد حسّاً ومع الآخر بالهمة .
دخل رجل على شيخنا أبي العباس العريبي وأنا عنده فتفاوضا في إيصال معروف فقال
الرجل: يا سيدنا الأقربون أولى بالمعروف، فقال الشيخ من غير توقف: إلى الله. وأخبرني
أبو عبد الله محمد بن القاسم بن عبد الكريم التميمي الفاسي قال مخبراً عن أبي عبد الله
الدقاق كان بمدينة فاس وتذاكروا الفعل بالهمة فقال أبو عبد الله الدقاق: فزت بواحدة ما لي
فيها شريك ما اغتبت أحداً قط ولا اغتبت أحد بحضرتي قط، فهذا من الفعل بالهمة حيث
الفتوحات المكية ج١ - م٢٤

٣٧٠
في المعارف / الباب الثالث والأربعون في معرفة جماعة من أقطاب الورعين وعامة ذلك المقام
تفتى على من عادته أن يغتاب فيكتسب الأوزار أن لا يقدر على الغيبة في مجلسه بحضوره من
غير أن يكون من الشيخ نهي له عن ذلك. وتفتى أيضاً على الذي يذكر بما يكره بحضوره بأنه
لا يذكر في فيه بما يكره وكان سيد وقته في هذا الباب، خرّج مناقبه شيخنا أبو عبد الله بن
عبد الكريم المذكور آنفاً في كتاب المستفاد في ذكر الصالحين والعباد بمدينة فاس وما يليها
من البلاد، فقد علمت على الحقيقة أن الفتى من بذل وسعه واستطاعته في معاملة الخلق على
الوجه الذي يرضي الحق، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
الباب الثالث والأربعون
في معرفة جماعة من أقطاب الورعين وعامة ذلك المقام
[نظم: الوافر]
لوَزث الهاشميِّ مع المسيحِ
أنا خَتْمُ الولاية دون شكٌ
أجاهِدُ كلَّ ذي جسم وروحٍ
كما أني أبو بكرٍ عتيقٌ
وترجمةٍ بقرآنٍ فصيحٍ
بأزماح مثقّفَةٍ طوالٍ
تنازعني على الوَخي الصَّريحِ
أشدُّ على كتيبة كلٌ عقلٍ
على الأحوال بالنبأ الصحيحِ
ليَ الورعُ الذي يسمو اعتلاءً
وساعدني عليه رجالُ صِدْقٍ
يوالون الوجوبَ وكلَّ نَذْبٍ
من الورعِينَ من أهل الفُتُوحِ
ويستثنون سلطنةَ المُبيحِ
الكلام على الورع وأهله وتركه يرد في داخل الكتاب في ذكر المقامات والأحوال منه إن
شاء الله تعالى، والذي يتعلق بهذا الباب الكلام على معرفة طائفة من أقطابه وعموم مقامه. فاعلم
أن أبا عبد الله الحارث بن أسد المحاسبي كان من عامة هذا المقام، وأبا يزيد البسطامي وشيخنا
أبا مدين في زماننا كانا من خاصته، فأعلى أقطاب الورعين اجتناب الاشتراك في إطلاق اللفظ إذ
كان الورع اجتناب المحرمات وكل ما فيه شبهة من جانب المحرّم فيجتنب لذلك الشبه وهو
المعبر عنه بالشبهات أي الشيء الذي له شبه بما جاء النص الصريح بتحريمه من كتاب أو سنّة أو
إجماع بالحال الذي يوجب له هذا الاسم مثل أكل لحم الخنزير لمن ليس له حال الاضطرار فهو
عليه حرام فلهذا قلنا بالحال الذي يوجب له هذا الاسم، كما أن المضطرّ ليس بمخاطب
بالتحريم، فأكل لحم الخنزير في حق من حاله الاضطرار هو له حلال بلا خلاف.
ولما كان التحريم معناه المنع من الالتباس به ورأوا أن لذلك أحوالاً وأنه ما ثم في
الوضع شيء محرّم لعينه لهذا قيده الشارع بالأحوال وقد انسحب عليه التحريم للحال فما هو
محرّم لعينه أولى بالاجتناب فلا بدّ من اجتنابه باطناً علماً، وقد يحل هذا المحرّم لعينه في
ظاهر الحال ما يلزمه وهذا هو التحريم الذي لا يحل أبداً من حيث معناه، ولا يصحّ أن تجيء
آية شرعية تحله وهو الاتصاف بأوصاف الحق تعالى التي بها يكون إلهاً، فواجب شرعاً وعقلاً
اجتناب هذه الأسماء الإلهية معنى، وإن أطلقت لفظاً فينبغي أن لا تطلق لفظاً على أحد إلاَّ

٣٧١
في المعارف/ الباب الثالث والأربعون في معرفة جماعة من أقطاب الورعين وعامة ذلك المقام
تلاوة، فيكون الذي يطلقها تالياً حاكياً كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُوكُ مِّنْ أَشُِّكُمْ
عَزِيزُ عَلَيْهِ مَا عَنِتُمْ حَرِيصُ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [سورة التوبة: الآية ١٢٨] فسمّاه
عزيزاً رؤوفاً رحيماً، فنسميه بتسمية الله إياه ونعتقد أنه ◌ّ في نفسه مع ربه عبد ذليل خاشع
أوّاه منيب، فإطلاق الألفاظ التي تطلق على الحق من الوجه الصحيح الذي يليق بالجناب
الإلهيّ لا ينبغي أن تطلق على أحد من خلق الله إلاَّ حيث أطلقها الحق لا غير، وإن أباح ذلك
فالورع ما هو مع المباح ولا سيما في هذه المسألة خاصة فلا يطلقها مع کون ذلك قد أبيح له،
فإذا أطلقها على من أطلقها عليه الحق أو الرسول وَل﴿ فيكون هذا المطلق تالياً أو مترجماً ناقلاً
عن رسول الله وَّر في ذلك الإطلاق.
ثم من الورع عند هؤلاء الرجال أن ينزلوا إلى ما اختصت به الأنبياء والرسل من الإطلاق
فيتورّعوا أن يطلقوا عليهم أو على أحد ممّن ليس بنبيّ ولا رسول اللفظ الذي اختصّوا به،
فيطلقون على الرسل الذين ليسوا برسل الله لفظ الورثة والمترجمين فيقولون: وصل من السلطان
الفلاني إلى السلطان الفلاني ترجمان يقول كذا وكذا فلم يطلقوا على المرسل ولا على المرسل
إليه اسم الملك ورعاً وأدباً مع الله وأطلقوا عليه اسم السلطان فإن الملك من أسماء الله فاجتنبوا
هذا اللفظ أدباً وحرمة وورعاً وقالوا: السلطان إذا كان هذا اللفظ لم يرد في أسماء الله، وأطلقوا
على الرسول الذي جاء من عنده اسم الترجمان ولم يطلقوا عليه اسم الرسول لأنه قد أطلق على
رسول الله وَّيه فجعلوه من خصائص النبوّة والرسالة الإلهية أدباً مع رسل الله عليهم السلام، وإن
كان هذا اللفظ قد أبيح لهم ولم ينهوا عنه ولكن لمٍ يوجب عليهم فكان لزوم الأدب أولى مع من
عرفنا الله أنه أعظم منّا منزلة عنده وهذا لا يعرفه إلاَّ الأدباء الورعون .
ثم إنّ لهؤلاء مرتبة أخرى في الورع وهي أنهم رضي الله عنهم يجتنبون كل أمر تقع فيه
المزاحمة بين الأكوان ويطلبون طريقاً لا يشاركهم فيها من ليس من جنسهم ولا من مقامهم،
فلا يزاحمون أحداً في شيء ممّا يتحققون به في نفوسهم ويتصفون به ويحبون من الله أن يدعوا
به في الدنيا والآخرة وهو ما يكونون عليه من الأخلاق الإلهية، فيكونون مع تحققهم بمعانيها
وظهور أحكامها على ظواهرهم من الرحمة بعباد الله والتلطّف بهم والإحسان إليهم والتوكل
على الله والقيام بحدود الله، ويظهرون في العالم أن جميع ما يرى عليهم أنّ ذلك فعل الله لا
فعلهم، وبيد الله لا بيدهم، وأن المثني عليه بذلك الفعل إنما ينبغي أن يتعلق ذلك الثناء بفاعله
وفاعله هو الله جلّ جلاله لا نحن، فيتبرّؤون من أفعالهم الحسنة غاية التبرّي ومن الأوصاف
المستحسنة كذلك، وكل وصف مذموم شرعاً وعرفاً يضيفونه إلى أنفسهم أدباً مع الله تعالى
وورعاً شافياً كما قال الخضر في العيب: ﴿فَأَرَدتُّ﴾ [سورة الكهف: الآية ٧٩] وفي الخير: ﴿فَأَرَادَ
رَبُّكَ﴾ [سورة الكهف: الآية ٨٢] وكما قال الخليل عليه السلام: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ﴾ [سورة الشعراء: الآية
٨٠] ولم يقل أمرضني، وكما قال تعالى في معرض التعليم لنا: ﴿وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيْثَةٍ فَين
نَّفْسِكٌ﴾ [سورة النساء: الآية ٧٩]. هذا وإن كان الحق في هذا الخبر يحكي قولهم ولكن فيه تنبيه
في التعليم. وكما قال عليه السلام في دعائه وهو ممّا يؤيد ما ذهبنا إليه في التنبيه في هذه الآية

٣٧٢
في المعارف/ الباب الثالث والأربعون في معرفة جماعة من أقطاب الورعين وعامة ذلك المقام
فقال: ((وَالخَيْرُ كُلُّه بِيَدَنْكَ)) فأكّد بكل وهي كلمة تقتضي الإحاطة في اللسان وقال: ((والشَّرُّ
لَيْسٍ إِلَيْكَ)) وإن كان لم يؤكده واكتفى بالألف واللام ونفى إضافة الشرّ أدباً مع الله وحقيقة،
وهذه المسألة من أغمض المسائل الإلهية عند أهل الله خاصة، وأمّا أهل النظر فقد اعتمدت
كل طائفة منهم على ما اقتضاه دليلها في زعمها، وهؤلاء الرجال الغالب عليهم فهم مقاصد
الشرع فجروا معه على مقصده وذلك من بركة الورع والاحترام الذي احترموا به الجناب
الإلهي حقيقة لا مجازاً، فتح الله لهم بأدبهم عين الفهم في كتبه وفيما جاءت به رسله ممّا لا
تستقل العقول بإدراكه وما تستقل، لكن أخذوه عن الله لا عن نظرهم، ففهموا من ذلك كله
بهذه العناية ما لم يفهم من لم يتصف بهذه الصفة ولم يكن له هذا المقام .
ولما كان هذا حال الورعين سلكوا في أمورهم وحركاتهم مسالك العامّة فلم يظهر
عليهم ما يتميزون به عنهم واستتروا بالأسباب الموضوعة في العالم التي لا يقع الثناء بها على
من تلبس بها، فلم ينطبق على هؤلاء الرجال في العموم اسم صلاح يخرجهم عن صلاح
العامّة، ولا توكل ولا زهد، ولا ورع، ولا شيء مما يقع عليه اسم ثناء خاص يخرجون به
عن العامّة ويشار إليهم فيه، مع أنهم أهل ورع، وتوكل، وزهد، وخلق حسن، وقناعة،
وسخاء، وإيثار. فأمثال هذا كله اجتنب رجال الله من هؤلاء الطبقة فسمّوا ورعين في اصطلاح
أهل الله لأن الورع الاجتناب وتدبّر، ما أحسن قول من أوتي جوامع الكلم وَّ كيف قال في
هذا المقام يعلم رجاله كيف يكونون فيه : ((دَعْ مَا يُرِيبُكَ إِلَى مَا لاَ يُرِيبُكَ)) وقال: ((اسْتَفْتِ
قَلْبَكَ وَإِنْ أَفْتَاكَ المُفْتُونَ)) فأحالهم على قلوبهم لما علم ما فيها من سرّ الله الحاوية عليه في
تحصيل هذا المقام، ففي القلوب عصمة إلهية لا يشعر بها إلاّ أهل المراقبة وفيه ستر لهم، فإنّ
هؤلاء الرجال لو سألوا وعرف منهم البحث والتفتيش في مثل هذا عند الناس وعند العلماء
الذين سئلوا في ذلك بالضرورة كان يشار إليهم ويعتقد فيهم الدين الخالص كبشر الحافي
وغيره وهو من أقطاب هذا المقام عرف به وسلم له.
حكي أن أخت بشر الحافي سألت أحد أئمة الدين في الغزل الذي تغزله في ضوء
مشاعل الظاهرية إذا مرّوا بها ليلاً وهي على سطحها فعرفت بهذا السؤال أنها من أهل الورع،
ولو عملت على حديث: ((اسْتَفْتِ قَلْبَكَ)) لعلمت أنها ما سألت حتى رابها فكانت تدع ذلك
الغزل أو لا تغزل بعد ذلك وتترك الغزل، فأفتاها الإمام المسؤول وهو أحمد بن حنبل وأثنى
عليها بذلك حتى نقل إلينا وسطر في الكتب فأعطانا # الميزان في قلوبنا ليكون مقامنا
مستوراً عن الأغيار خالصاً لله مخلصاً لا يعلمه إلاَّ الله ثم صاحبه وهو قوله: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ
اْخَالِصُ﴾ [سورة الزمر: الآية ٣] فكل دين وقع فيه ضرب من الاشتراك المحمود أو المذموم فما هو
بالدين الخالص الذي لله إن كان الذي وقع به الاشتراك محموداً كمسألة أخت بشر الحافي،
وإن وقع الاشتراك بالمذموم فليس بدين أصلاً فإنه ليس ثمَّ دين إلهي يتعلق به لسان ذم.
فلما رأى رجال هذا المقام مراعاة النبيّ بَّر ما يحصل في قلب العبد ممّا قاله وما أحال به
الإنسان على نفسه باجتنابه طلباً للتستر تعملوا في تحصيل ذلك وسلكوا عليه وعلموا أن النجاة

٣٧٣
في المعارف / الباب الثالث والأربعون في معرفة جماعة من أقطاب الورعين وعامة ذلك المقام
المطلوبة من الشارع لنا إنما هي في ستر المقام، فأعطاهم العمل على هذا والتحقق به الحقيقة
الإلهية التي استندوا إليها في ذلك وهو اجتنابه التجلي منه سبحانه لعموم عباده في الدنيا فاقتدوا
بربهم في احتجابه عن خلقه، فعلم هؤلاء الرجال أن هذه الدار دار ستر، وأن الله ما اكتفى في
التعريف بالدين حتى نعته بالخالص، فطلبوا طريقاً لا يشوبهم فيها شيء من الاشتراك حتى
يعاملوا الموطن بما يستحقه أدباً وحكمة وشرعاً واقتداء، فاستتروا عن الخلق بحزن الورع الذي
لا يشعر به وهو ظاهر الدين والعلم المعهود، فإنهم لو سلكوا غير المعهود في الظاهر في العموم
من الدين لتميزوا وجاء الأمر على خلاف ما قصدوه فكانت أسماؤهم أسماء العامّة، فهؤلاء
الرجال يحمدهم الله وتحمدهم الأسماء الإلهية القدسية، ويحمدهم الملائكة، ويحمدهم
الأنبياء والرسل، ويحمدهم الحيوان والنبات والجماد وكل شيء يسبح بحمد الله .
وأمّا الثقلان فيجهلونهم إلاَّ أهل التعريف الإلهي فإنهم يحمدونهم ولا يظهرونهم. وأمّا
غير أهل التعريف الإلهي من الثقلين فهم فيهم مثل ما هم في حق العامة يذكرونهم بحسب
أغراضهم فيهم لا غير فلهم المقام المجهول في العامة .
أمّا ثناء الله عليهم فلتعملهم استخلاصهم لله فخلصوا له دينه فأثنى عليهم حيث لم
يملكهم كون ولا حكم على عبوديتهم رب غير الله. وأمّا ثناء الأسماء الإلهية عليهم فكونهم
تلقوها وعلموا تأثيرها وما أثروا بها في كون من الأكوان، فيذكرون بذلك الأمر الذي هو
لذلك الاسم الإلهي فيكون حجاباً على ذلك الاسم، فلما لم يفعلوا ذلك وأضافوا الأثر
الصادر على أيديهم للاسم الإلهي الذي هو صاحب الأثر على الحقيقة حمدتهم الأسماء
الإلهية بأجمعها. وأمّا ثناء الملائكة فلأنهم ما زاحموهم فيما نسبوه إلى أنفسهم بالنسبة لا
بالفعل في قولهم: ﴿وَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِلَ وَنُقَدِّسُ لَكٌ﴾ [سورة البقرة: الآية ٣٠] فقال هؤلاء الرجال:
لا حول ولا قوّة إلاَّ بك، فلم يدّعوا في شيء ممّا هم عليه من تعظيم الله ونسبوا ذلك إلى الله
فأثنت عليهم الملائكة، فإنها مع هذه الحال لم تجرح الملائكة وتأذّبت معها حيث لم تتعرض
للطعن عليها بما صدر منها في حق أبيها آدم عليه السلام، واعتذرت عن الملائكة الإيثارهم
جناب الحق وإصابتهم العلم فإنه وقع ما قالوه في بني آدم لا شك من الفساد وسفك الدماء
ولهذا سر معلوم. وأمّا ثناء الأنبياء والرسل عليهم السلام فلكونهم سلموا لهم ما ادّعوه أنه لهم
من النبوّة والرسالة وآمنوا بهم وما توقفوا مع كونهم على أحوالهم من أجزاء النبوّة قد اتصفوا
بها، ولكن مع هذا لم يتسموا بأنبياء ولا برسل وأخلصوا في اتباع آثارهم قدماً بقدم كما روي
عن الإمام أحمد بن حنبل المتبع المقتدي سيد وقته في تركه أكل البطيخ لأنه ما ثبت عنده
كيف كان يأكله رسول الله وَ الر، فدل ذلك على قوّة اتباعه كيفيات أحوال الرسول وصله في
حركاته وسكناته وجميع أفعاله وأحواله، وإنما عرف هذا منه لأنه كان في مقام الوراثة في
التبليغ والإرشاد بالقول والعمل والحال لأن ذلك أمكن في نفس السامع فهو وأمثاله حفاظ
الشريعة على هذه الأمّة. وأمّا ثناء الحيوان والنبات والجماد عليهم فإن هؤلاء الأصناف عرفوا
الحركات التي تسمّى عبثاً من التي لا تسمّى عبثاً، فكل من تحرّك فيهم بحركة تكون عبثاً عند

٣٧٤
في المعارف/ الباب الرابع والأربعون في البهاليل وأئمتهم في البهللة
المتحرك بها لا عند المحرك يعلم الناظر منهم المشاهد لتلك الحركة العبثية أنه صاحب غفلة عن
الله، ورأت هذه الطائفة أنها لا تتحرك في حيوان ولا نبات ولا جماد بحركة تكون عبثاً، ويلحق
بهذا الباب صيد الملوك ومن لا حاجة له بذلك إلاَّ للفرجة واللهو واللعب فأثنى من ذكرناه من
هؤلاء الأصناف على هذه الطائفة فالله يقول: ﴿وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِحُ بِهِ، وَلَكِنْ لَّا نَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ
إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا﴾ بإمهالكم حيث لم يؤاخذكم سريعاً بما رددتم من ذلك ﴿غَفُورًا﴾ [سورة الإسراء: الآية
٤٤] حيث ستر عنكم تسبيح هؤلاء فلم تفقهوه. وقال تعالى في حال من مات ممقوتاً عند الله :
﴿فَمَا بَكَتْ عَلَّهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ﴾ [سورة الدخان: الآية ٢٩] فوصف السماء والأرض بالبكاء على أهل
الله، ولا يشك مؤمن في كل شيء أنه مسبح وكل مسبح حيّ عقلاً.
وورد أن العصفور يأتي يوم القيامة فيقول: يا رب سل هذا لم قتلني عبئاً؟ وكذلك من
يقطع شجرة لغير منفعة أو ينقل حجراً لغير فائدة تعود على أحد من خلق الله، فلما أعطى الله
هذه المعارف لهؤلاء الأصناف لذلك وصفتها بالثناء على هؤلاء الرجال وعرفت ذلك منهم
كشفاً حسياً مثل ما كان للصحابة سماع تسبيح الحصا وتسبيح الطعام لأنهم ليس بينهم وبين
الحركة العبثية دخول بل يجتنبون ذلك جملة واحدة، ولما جهل أكثر الثقلين هذه العلوم لذلك
لا يعرفون مراتب هؤلاء الرجال فلا يمدحونهم ولا يتعرّضون إليهم، ولهذا أخبر تعالى أن كل
شيء في العالم يسجد لله تعالى من غير تبعيض إلاَّ الناس فقال: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُرَ مَن فِي
السَّمَوَتِ وَمَن فِى الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَآتُ﴾ ولم يبعض ﴿وَكَثِيرٌ
مِنَ النَّاسِ﴾ [سورة الحج: الآية ١٨] فبعض، فإن فهمت ما ذكرناه لك من صفة أصحاب هذا المقام
وسلكت طريقهم كنت من المفلحين الفائزين، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. انتهى
الجزء الثالث والعشرون .
(الجزء الرابع والعشرون)
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمِ الرّحمةِ
الباب الرابع والأربعون
في البهاليل وأئمتهم في البهللة
[نظم: المتقارب]
فلا تكْسُها حُلَّةَ الآجلِ
إذا كنتَ في طاعةٍ راغباً
مع الوقت يَجرون كالعاقِلِ
وكن كالبهاليل في حالهم
ولا تصبرنَّ إلى قابِلٍ
وحَوْصِلْ من السنبل الحاصل
ليحصل ماليس بالحاصل
فحَوْصَلَةُ الرزق قد مُيِّئْتْ
يفُتْكَ الذي هو في العاجلِ
ولا تبكينَّ على فائتٍ
وسوفَ فلا تلتفِتْ حكْمَها
ولا السِّينُ وارحَلْ مع الراحلِ

٣٧٥
في المعارف/ الباب الرابع والأربعون في البهاليل وأئمتهم في البهللة
ومتَّ حصلت على طائلٍ
عساك إذا كنت ذا عَزْمةٍ
تخبَّطتَ في شِرْكةِ الحابِلِ
وقل للذي لم يزل وانياً
تريدُ فيا خَيْبَةَ السائلِ
وما ظَفرتْ كفّكم بالذي
فلو كان فعلُك في أمره
كفعل الفتى الحَذر الواجِلِ
يجلي لك الحقَّ كالباطل
لميَّزْتَ بيني وبين الذي
يقول الله تعالى: ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكََرَى وَمَا هُم بِسُكَرَى﴾ [سورة الحج: الآية ٢] وذلك أَن لله
قوماً كانت عقولهم محجوبة بما كانوا عليه من الأعمال التي كلفهم الحق تعالى في كتابه وعلى
لسان رسوله وَّ التصرّف فيها شرعاً وشرعها لهم، ولم يكن لهم علم بأن الله تعالى الحق فجأة
لمن خلا به في سرّه وأطاعه في أمره وهيأ قلبه لنوره من حيث لا يشعر، ففجأه الحق على غفلة
منه بذلك وعدم علم واستعداد لهائل أمر، فذهب بعقله في الذاهبين وأبقى تعالى ذلك الأمر
الذي فجأه مشهوداً له فهام فيه ومضى معه فبقي في عالم شهادته بروحه الحيواني يأكل ويشرب
ويتصرّف في ضروراته الحيوانية تصرّف الحيوان المفطور على العلم بمنافعه المحسوسة ومضارّه
من غير تدبير ولا روية ولا فكر، ينطق بالحكمة ولا علم له بها، ولا يقصد نفعك بها لتتعظ
وتتذكر أن الأمور ليست بيدك وأنك عبد مصرف بتصريف حكيم، وسقط التكليف عن هؤلاء إذ
ليس لهم عقول يقبلون بها ولا يفقهون بها ﴿ وَتَرَنْهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُصِرُونَ﴾ [سورة الأعراف:
الآية ١٩٨] ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ [سورة الأعراف: الآية ١٩٩] أي القليل ممّا يجري الله على ألسنتهم من الحكم
والمواعظ، وهؤلاء هم الذين يسمّون عقلاء المجانين، يريدون بذلك أن جنونهم ما كان سببه
فساد مزاج عن أمر كوني من غذاء أو جوع أو غير ذلك، وإنما كان عن تجل إلهيّ لقلوبهم،
وفجأة من فجآت الحق فجأتهم فذهبت بعقولهم فعقولهم محبوسة عنده منعمة بشهوده عاكفة في
حضرته متنزهة في جماله، فهم أصحاب عقول بلا عقول، وعرفوا في الظاهر بالمجانين أي
المستورين عن تدبير عقولهم فلهذا سمّوا عقلاء المجانين .
قيل لأبي السعود بن الشبل البغداديّ عاقل زمانه: ما تقول في عقلاء المجانين من أهل
الله؟ فقال رضي الله عنه: هو ملاح والعقلاء منهم أملح، قيل له: فبماذا نعرف مجانين الحق
من غيرهم؟ فقال: مجانين الحق تظهر عليهم آثار القدرة، والعقلاء يشهد الحق بشهودهم،
أخبرني بذلك عنه صاحبه أبو البدر التماسكيّ رحمه الله وكان ثقة ضابطاً عارفاً بما ينقل لا
يجعل فاء مكان واو، فقال الشيخ: من شاهد ما شاهدوا وأبقى عليه عقله فذلك أحسن وأمكن
فإنه قد أقيم وأعطي من القوّة قريباً ممّا أعطيت الرسل وإن تغيّروا في وقت الفجآت، فقد
علمنا أن رسول الله وَل# لما فجأه الوحي جئث منه رعباً فأتى خديجة ترجف بوادره فقال:
زمّلوني زمّلوني وذلكِ من تجلّي ملك فكيف به بتجلّي ملك؟ ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ
دَكَّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ [سورة الأعراف: الآية ١٤٣] وكان رسول الله وَّل إذا جاءه الوحي ونزل
الروح الأمين به على قلبه أخذ عن حسّه وسجى ورغا كما يرغو البعير حتى ينفصل عنه وقد
وعى ما جاءه به فيلقيه على الحاضرين ويبلغه للسامعين، فمواجده ◌َليل من تجلّيات ربّه على

٣٧٦
في المعارف/ الباب الرابع والأربعون في البهاليل وأئمتهم في البهللة
قلبه أعظم سطوة من نزول ملك ووارد في الوقت الذي لم يكن يسعه فيه غير ربّه، ولكن كان
منتظراً مستعدّاً لذلك الهول، ومع هذا يؤخذ عن نفسه، فلولا أنه رسول مطلوب بتبليغ الرسالة
وسياسة الأمّة لذهب الله بعقول الرسل لعظيم ما يشاهدونه، فمكنهم الله القويّ المتين من القوّة
بحيث يتمكّنون من قبول ما يرد عليهم من الحق ويوصلونه إلى الناس ويعملون به.
فاعلم أن الناس في هذا المقام على إحدى ثلاث مراتب: منهم من يكون وارده أعظم من
القوّة التي يكون في نفسه عليها فيحكم الوارد عليه فيغلب عليه الحال فيكون بحكمه يصرّفه
الحال ولا تدبير له في نفسه ما دام في ذلك الحال، فإن استمرّ عليه إلى آخر عمره فذلك المسمّى
في هذه الطريقة بالجنون كأبي عقال المغربي. ومنهم من يمسك عقله هناك ويبقى عليه عقل
حيوانيته فيأكل ويشرب ويتصرّف من غير تدبير ولا روية فهؤلاء يسمّون عقلاء المجانين لتناولهم
العيش الطبيعي كسائر الحيوانات، وأمّا مثل أبي عقال فمجنون مأخوذ عنه بالكلية ولهذا ما أكل
وما شرب من حين أخذ إلى أن مات وذلك في مدّة أربع سنين بمكة فهو مجنون أي مستور مطلق
عن عالم حسّه. ومنهم من لا يدوم له حكم ذلك الوارد فيزول عنه الحال فيرجع إلى الناس بعقله
فيدبر أمره ويعقل ما يقول ويقال له ويتصرّف عن تدبير وروية مثل كل إنسان وذلك هو النبي
وأصحاب الأحوال من الأولياء. ومنهم من يكون وارده وتجليه مساوياً لقوّته فلا يرى عليه أثر
من ذلك حاكم لكن يشعر عندما يبصر أن ثم أمراً ما طرأ عليه شعوراً خفياً فإنه لا بدّ لهذا أن
يصغي إليه أي إلى ذلك الوارد حتى يأخذ عنه ما جاءه به من عند الحق، فحاله كحال جليسك
الذي يكون معك في حديث فيأتي شخص آخر في أمر من عند الملك إليه فيترك الحديث معك
ويصغي إلی ما یقول له ذلك الشخص، فإذا أوصل إليه ما عنده رجع إليك فحادثك، فلو لم
تبصره عينك ورأيته يصغي إلى أمر شعرت أن ثم أمراً شغله عنك في ذلك، کرجل يحدثك
فأخذته فكرة في أمر فصرف حسّه إليه في خياله فجمدت عينه ونظره وأنت تحدّثه فتنظر إليه غير
قابل حديثك فتشعر أن باطنه متفكر في أمر آخر خلاف ما أنت عليه.
ومنهم من تكون قوّته أقوى من الوارد فإذا أتاه الوارد وهو معك في حديث لم تشعر به،
وهو يأخذ من الوارد ما يلقى إليه ويأخذ عنك ما تحدّثه به أو يحدّثك به. وما ثم أمر رابع في
واردات الحق على قلوب أهل هذه الطريقة وهي مسألة غلط فيها بعض أهل الطريق في الفرق
بين النبيّ والوليّ فقالوا: الأنبياء يصرفون الأحوال والأولياء تصرّفهم الأحوال، فالأنبياء
مالكون أحوالهم، والأولياء مملوكون لأحوالهم، والأمر إنما هو كما فصلناه لك، وقد بيّنا
لك لماذا يردّ الرسول ويحفظ عليه عقله مع كونه يؤخذ ولا بدّ عن حسّه في وقت وارد الحق
على قلبه بالوحي المنزّل فافهم ذلك وتحققه.
وقد لقينا جماعة منهم وعاشرناهم واقتبسنا من فوائدهم، ولقد كنت واقفاً على واحد
منهم والناس قد اجتمعوا عليه وهو ينظر إليهم وهو يقول لهم: أطيعوا الله يا مساكين فإنكم من
طين خلقتم وأخاف عليكم أن تطبخ النار هذه الأواني فتردّها فخاراً، فهل رأيتم قط آنية من
طين تكون فخاراً من غير أن تطبخها نار؟ يا مساكين لا يغرنّكم إبليس بكونه يدخل النار معكم

٣٧٧
في المعارف/ الباب الرابع والأربعون في البهاليل وأئمتهم في البهللة
وتقولون الله يقول: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [سورة ص: الآية ٨٥] إبليس خلقه
الله من نار فهو يرجع إلى أصله، وأنتم من طين تتحكم النار في مفاصلكم، يا مساكين انظروا
إلى إشارة الحق في خطابه لإبليس بقوله: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ﴾ [سورة ص: الآية ٨٥] وهنا قف ولا
تقرأ ما بعدها فقال له: جهنم منك وهو قوله: ﴿وَخَلَقَ الْجَانَّ مِن مَارِجٍ مِّن نَّارٍ﴾ [سورة الرحمن:
الآية ١٥] فمن دخل بيته وجاء إلى داره واجتمع بأهله ما هو مثل الغريب الوارد عليه فهو رجع
إلى ما به افتخر قال: ﴿أَنَأْ خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِ مِن نَارٍ﴾ [سورة الأعراف: الآية ١٢] فسروره رجوعه إلى
أصله، وأنتم يا مناحيس تتفخر بالنار طينتكم، فلا تسمعوا من إبليس ولا تطيعوا واهربوا إلى
محل النور تسعدوا، يا مساكين أنتم عمي ما تبصرون الذي أبصره أنا، تقولون: سقف هذا
المسجد ما يمسكه إلاَّ هذه الأسطوانات أنتم تبصرونها أسطوانات من رخام وأنا أبصرها رجالاً
يذكرون الله ويمجدونه بالرجال تقوم السموات فكيف هذا المسجد ما أدري إما أنا هو الأعمى
لا أبصر الأسطوانات حجارة، وإما أنتم هم العمي لا تبصرون هذه الأسطوانات رجالاً، والله
يا إخوتي ما أدري لا والله أنتم هم العمي، ثم استشهدني دون الجماعة فقال: يا شاب ألست
أقول الحق؟ قلت: بلى، ثم جلست إلى جانبه فجعل يضحك وقال: يا ناس الأستاه المنتنة
تصفر بعضها لبعض وهذا الشاب منتن مثلي هذه المناسبة جعلته يجلس إلى جانبي ويصدقني،
أنتم الساعة تحسبونه عاقلاً وأنا مجنون هو أجنّ مني بكثير، وإنما أنتم كما أعماكم الله عن
رؤية هذه الأسطوانات رجالاً أعماكم أيضاً عن جنون هذا الشاب، ثم أخذ بيدي وقال: قم
امش بنا عن هؤلاء، فخرجت معه فلما فارق الناس ترك یدي من يده وانصرف عني، وهو من
أكبر من لقيته من المعتوهين، كنت إذا سألته: ما الذي ذهب بعقلك؟ يقول لي: أنت هو
المجنون حقاً ولو كان لي عقل كنت تقول لي؛ ما الذي ذهب بعقلك؟ أين عقلي حتى
يخاطبك قد أخذه معه ما أدري ما يفعل به وتركني هنا في جملة الدواب آكل وأشرب وهو
يدبرني، قلت له: فمن يركبك إذا كنت دابة؟ قال: أنا دابة وحشية لا أركب، ففهمت أنه يريد
خروجه عن عالم الإنس وأنه في مفاوز المعرفة فلا حكم للإنس عليه، وكذلك كان محفوظاً
من أذى الصبيان وغيرهم كثير السكوت مبهوتاً دائم الاعتبار يلازم المسجد ويصلي في
أوقات، فربما كنت أسأله عندما أراه يصلي أقول له: أراك تصلي، يقول لي: لا والله إنما أراه
يقيمني ويقعدني ما أدري ما يريد بي، أقول له: فهل تنوي في صلاتك هذه أداء ما افترض الله
عليك؟ فيقول لي: أي شيء تكون النية؟ أقول له: القصد بهذه الأعمال القربة إليه، فيضحك
ويقول: أنا أقول له أراه يقيمني ويقعدني فكيف أنوي القربة إلى من هو معي وأنا أشهده ولا
يغيب عني هذا كلام المجانين ما عندكم عقول، ثم لتعلم أنّ هؤلاء البهاليل كبهلول وسعدون
من المتقدّمين وأبي وهب الفاضل وأمثالهم منهم المسرور ومنهم المحزون وهم في ذلك
بحسب الوارد الأوّل الذي ذهب بعقولهم، فإن كان وارد قهر قبضهم كيعقوب الكوراني كان
بالجسر الأبيض رأيته وكان على هذا القدم. وكذلك مسعود الحبشي رأيته بدمشق ممتزجاً بين
القبض والبسط الغالب عليه البهت، وإن كان وارد لطف بسطهم رأيت من هذا الصنف جماعة

٣٧٨
في المعارف / الباب الخامس والأربعون في معرفة من عاد بعد ما وصل ومن جعله يعود
كأبي الحجاج الغليريّ وأبي الحسن عليّ السلاوي والناس لا يعرفون ما ذهب بعقولهم شغلهم
ما تجلى لهم عن تدبير نفوسهم فسخّر الله لهم الخلق فهم مشتغلون بمصالحهم عن طيب
نفس، فأشهى ما إلى الناس أن يأكل واحد من هؤلاء عنده، أو يقبل منه ثوباً تسخيراً إلهياً،
فجمع الله لهم بين الراحتين حيث يأكلون ما يشتهون ولا يحاسبون ولا يسألون، وجعل لهم
القبول في قلوب الخلق والمحبة والعطف عليهم واستراحوا من التكليف، ولهم عند الله ﴿أَجْرَ
مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ [سورة الكهف: الآية ٣٠] في مدّة أعمارهم التي ذهبت بغير عمل، لأنه سبحانه
هو الذي أخذهم إليه فحفظ عليهم نتائج الأعمال التي لو لم يذهب بعقولهم لعملوها من
الخير، كمن بات نائماً على وضوء وفي نفسه أن يقوم من الليل يصلي فيأخذ الله بروحه فينام
حتى يصبح، فإن الله يكتب له أجر من قام ليله لأنه الذي حبسه عنده في حال نومه،
فالمخاطب بالتكليف منهم وهو روحهم غائب في شهود الحق الذي ظهر سلطانه فيهم، فما
لهم أذن واعية لحفظ السماع من خارج وتعقل ما جاء به، ولقد ذقت هذا المقام ومرّ عليّ
وقت أؤدّي فيه الصلوات الخمس إماماً بالجماعة على ما قيل لي بإتمام الركوع والسجود
وجميع أحوال الصلاة من أفعال وأقوال وأنا في هذا كله لا علم لي بذلك لا بالجماعة ولا
بالمحل ولا بالحال ولا بشيء من عالم الحسّ لشهود غلب عليّ غبت فيه عني وعن غيري،
وأخبرت أني كنت إذا دخل وقت الصلاة أقيم الصلاة وأصلي بالناس فكان حالي كالحركات
الواقعة من النائم ولا علم له بذلك، فعلمت أنّ الله حفظ عليّ وقتي ولم يجر على لساني ذنب
كما فعل بالشبليّ في ولهه، لكنه كان الشبليّ يردّ في أوقات الصلوات على ما روي عنه، فلا
أدري هل كان يعقل ردّه أو كان مثل ما كنت فيه فإنّ الراوي ما فصل، فلما قيل للجنيد عنه قال :
الحمد لله الذي لم يجر عليه لسان ذنب إلاّ أني كنت في أوقات في حال غيبتي أشاهد ذاتي في
النور الأعم والتجلّي الأعظم بالعرش العظيم يصلي بها وأنا عري عن الحركة بمعزل عن نفسي
وأشاهدها بين يديه راكعة وساجدة، وأنا أعلم أني أنا ذلك الراكع والساجد كرؤية النائم واليد في
ناصيتي، وكنت أتعجب من ذلك وأعلم أن ذلك ليس غيري ولا هو أنا، ومن هناك عرفت
المكلف والتكليف، والمكلف اسم فاعل واسم مفعول، فقد أبنت لك حالة المأخوذين عنهم
من المجانين الإلهيين إبانة ذائق بشهود حاصل، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
الباب الخامس والأربعون
في معرفة من عاد بعد ما وصل ومن جعله يعود
[نظم: الطويل]
وتفصيلٍ آياتٍ لَوَ أَنَّكَ تغْقِلُ
وجودُك عن تدبيرٍ أمرٍ محقَّقِ
فيا أيها الإنسانُ مَا غرَّ ذاتَكم
فإن كنتَ ذا عقل وفَهْم وفطنةٍ
وذلك إن تدري بأنكَ قابلٌ
بربِّ يرى الأشياءَ تعلو وتَسْفُلُ
علمتَ الذي قد كنتَ بالأمس تجْهَلُ
لقربٍ وبُعدٍ بالذي أنت تعمّلُ

٣٧٩
في المعارف/ الباب الخامس والأربعون في معرفة من عاد بعد ما وصل ومن جعله يعود
فخَفْ ربَّ تدبير وتفصيل مُجْمَل
إذا كان هذا حالَك اليوَمَ دائياً
فإنّ جلال الحقِّ يَغْظُم قذرُه
إذا أخذ المولى قلوبَ عباده
فمن شاء أبقاه لديه مكرَّماً
وذاك نبيٍّ أو رسولٌ ووارثٌ
ولم يبقَ إلاَّ واحدٌ وهو وارثٌ
فسبحانَ من خصَّ الوليَّ براحة
فذاك الذي بالعبد أولى وأَجْمَلُ
لعلَّ بشاراتٍ بسعدك تَحْصَلُ
وفي الخلق يقضي ما يشاء ويفْصِلُ
إليه ويقضي ما يشاء ويَعْدِلُ
وردّ الذي قد شا لِمَا كان يأمَّلُ
وما ثَمَّ إلاَّ هؤلاء فأجمِلُوا
والاثنان قد راحا فما لك تعدِلُ
ليغبطه فيها الذي هو أفْضَلُ
قال رسول الله وَّمَ: ((العُلَمَاءُ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ، وإِنَّ الأَنْبِيَاءَ مَا وَرَثُوا دِينَاراً وَلاَ دِرْهَماً وَرَثُوا
العِلْمَ))، ولما كانت حالته وَّل في ابتداء أمره وَير أن الله تعالى وفقه لعبادته بملة إبراهيم
الخليل عليه السلام فكان يخلو بغار حراء يتحنث فيه عناية من الله سبحانه به وَلّ إلى أن فجأه
الحق فجاءه الملك فسلّم عليه بالرسالة وعرّفه بنبوّته، فلما تقرّرت عنده أرسل إلى الناس كافة
بشيراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، فبلَّغ الرسالة وأدّى الأمانة ودعا إلى الله عزّ
وجلّ على بصيرة، فالوارث الكامل من الأولياء منّا من انقطع إلى الله بشريعة رسول الله وَله
إلى أن فتح الله له في قلبه في فهم ما أنزل الله عزّ وجلّ على نبيه ورسوله محمد وََّ بتجلّ
إلهيّ في باطنه، فرزقه الفهم في كتابه عزّ وجلّ، وجعله من المحدّثين في هذه الأمّة، فقام له
هذا مقام الملك الذي جاء إلى رسول الله وَّة، ثم ردّه الله إلى الخلق يرشدهم إلى صلاح
قلوبهم مع الله ويفرّق لهم بين الخواطر المحمودة والمذمومة ويبيّن لهم مقاصد الشرع.
وما ثبت من الأحكام عن رسول الله وَّل﴾ وما لم يثبت بإعلام من الله آتاه رحمة من عنده
وعلّمه من لدنه علماً فيرقي هممهم إلى طلب الأنفس بالمقام الأقدس ويرغبهم فيما عند الله،
كما فعل رسول الله ◌َ﴾ في تبليغ رسالته، غير أنّ الوارث لا يحدث شريعة ولا ينسخ حكماً
مقرراً لكن يبين، فإنه على بينة من ربّه وبصيرة في علمه، ويتلوه شاهد منه بصدق اتباعه، وهو
الذي أشركه الله تعالى مع رسوله بَّر في الصفة التي يدعو بها إلى الله فأخبر وقال: ﴿أَدَعُواْ
إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ أُتَّبَعَنِّ﴾ [سورة يوسف: الآية ١٠٨] وهم الورثة فهم يدعون إلى الله على
بصيرة، وكذلك شركهم مع الأنبياء عليهم السلام في المحنة وما ابتلوا به فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ
يَكْفُرُونَ بِئَايَتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبْتِنَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ
النَّاسِ﴾ [سورة آل عمران: الآية ٢١] وهم الورثة فشرك بينهم في البلاء كما شرك بينهم في الدعوة
إلى الله، فكان شيخنا أبو مدين رضي الله عنه كثيراً ما يقول: من علامات صدق المريد في
إرادته فراره عن الخلق، وهذه حالة الرسول و # في خروجه وانقطاعه عن الناس في غار حرّاء
للتحنث. ثم يقول: ومن علامات صدق فراره عن الخلق وجوده للحق، فما زال
رسول الله مثير يتحنث في انقطاعه حتى فجأه الحق.

٣٨٠
في المعارف / الباب الخامس والأربعون في معرفة من عاد بعد ما وصل ومن جعله يعود
ثم قال: ومن علامات صدق وجوده للحق رجوعه إلى الخلق، يريد حالة بعثه وال
بالرسالة إلى الناس ويعني في حق الورثة بالإرشاد وحفظ الشريعة عليهم، فأراد الشيخ بهذا
صفة الكمال في الورث النبويّ، فإنّ لله عباداً إذا فجأهم الحق أخذهم إليه ولم يردّهم إلى
العالم وشغلهم به وقد وقع هذا كثيراً، ولكن كمال الورث النبويّ الرسالي في الرجوع إلى
الخلق، فإن اعترضك هنا قول أبي سليمان الدارانيّ: لو وصلوا ما رجعوا إنما ذلك فيمن رجع
إلى شهواته الطبيعية ولذاته وما تاب منه إلى الله. وأمّا الرجوع إلى الله تعالى بالإرشاد فلا
يقول: لو لاح لهم بارقة من الحقيقة ما رجعوا إلى ما تابوا إلى الله منه ولو رأوا وجه الحق فيه
فإنّ موطن التكليف والأدب يمنعهم من ذلك.
وأمّا قول الآخر من أكابر الرجال لما قيل له: فلان يزعم أنه وصل، فقال: إلى سقر،
فإنه يريد بهذا أنه من زعم أن الله محدود يوصل إليه وهو القائل: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُمَّ﴾
[سورة الحديد: الآية ٤] أو ثم أمر إذا وصل إليه سقطت عنه الأعمال المشروعة وأنه غير مخاطب
بها مع وجود عقل التكليف عنده، وأن ذلك الوصول أعطاه ذلك، فهو هذا الذي قال فيه
الشيخ إلى سقر أي هذا لا يصحّ بل الوصول إلى الله بقطع كل ما دونه حتى يكون الإنسان
يأخذ عن ربه فهذا لا تمنعه الطائفة بلا خلاف، وكان شيخنا أبو يعقوب يوسف بن يخلف
الكوميّ يقول: بيننا وبين الحق المطلوب عقبة كؤود ونحن في أسفل العقبة من جهة الطبيعة،
فلا نزال نصعد في تلك العقبة حتى نصل إلى أعلاها، فإذا استشرفنا على ما وراءها من هناك
لم نرجع فإن وراءها ما لا يمكن الرجوع عنه وهو قول أبي سليمان الدارانيّ: لو وصلوا ما
رجعوا يريد إلى رأس العقبة، فمن رجع من الناس إنما رجع من قبل الوصول إلى رأس العقبة
والإشراف على ما وراءها، فالسبب الموجب للرجوع مع هذا إنما هو طلب الكمال ولكن لا
ينزل بل يدعوهم من مقامه ذلك وهو قوله: على بصيرة فيشهد فيعرف المدعوّ على شهود
محقق، والذي لم يردّ ما له وجه إلى العالم فيبقى هناك واقفاً وهو أيضاً المسمّى بالواقف فإنه
ما وراء تلك العقبة تكليف ولا ينحدر منها إلاَّ من مات إلاَّ أنه منهم أعني من الواقفين من
يكون مستهلكاً فيما يشاهده هنالك وقد وجد منهم جماعة وقد دامت هذه الحالة على أبي يزيد
البسطاميّ وهذا كان حال أبي عقال المغربيّ وغيره.
واعلم أنه بعدما أعلمتك ما معنى الوصول إلى الله أن الواصلين على مراتب: منهم من
يكون وصوله إلى اسم ذاتيّ لا يدل على الله تعالى من حيث هو دليل على الذات كالأسماء
الأعلام عندنا لا تدل على معنى آخر مع ذلك يعقل، فهذا يكون حاله الاستهلاك كالملائكة
المهيمين في جلال الله تعالى والملائكة الكروبيين فلا يعرفون سواه ولا يعرفهم سواه سبحانه.
ومنهم من يصل إلى الله من حيث الاسم الذي أوصله إلى الله، أو من حيث الاسم الذي
يتجلّى له من الله ويأخذه من الاسم الذي أوصله إليه سبحانه. ثم إن هذين الرجلين المذكورين
أو الشخصين فإنه قد يكون منهم النساء إذا وصلوا، فإن كان وصولهم من حيث الاسم الذي
أوصلهم فشاهدوه فكان لهم عين يقين، فلا يخلو ذلك الاسم إمّا أن يطلب صفة فعل كخالق