Indexed OCR Text

Pages 221-240

في المعارف/ الباب الثاني عشر في معرفة دورة فلك سيدنا محمد بَّ ر وهي دورة السيادة ... الخ ٢٢١
عالماً بالمعنى الذي دلَّ عليه لفظ المتكلم به لما صحَّ أن يكون هذا مترجماً، ولا كان ينطلق
على ذلك اسم الترجمة، فقد علمت هذه الأمّة علمٍ من تقدم واختصت بعلوم لم تكن
للمتقدمين، ولهذا أشار ◌َ﴿ بقوله: ((فَعَلِمْتُ عِلْمَ الأوَّلِينَ)) وهم الذين تقدموه، ثم قال:
((والآخِرِينَ)) وهو علم ما لم يكن عند المتقدمين وهو ما تعلمه أمّته من بعده إلى يوم القيامة،
فقد أخبر أن عندنا علوماً لم تكن قبل، فهذه شهادة من النبيّ وَلّ لنا وهو الصادق بذلك، فقد
ثبتت له وَ* السيادة في العلم في الدنيا وثبتت له أيضاً السيادة في الحكم حيث قال: ((لَوْ كَانَ
مُوسَى حِيّاً مَا وَسِعَهُ إِلاَّ أَنْ يَتبعَنِي)) ويبين ذلك عند نزول عيسى عليه السلام وحكمه فينا
بالقرآن، فصحّت له السيادة في الدنيا بکل وجه ومعنى .
ثم أثبت السيادة له على سائر الناس يوم القيامة بفتحه باب الشفاعة، ولا يكون ذلك
النبيّ يوم القيامة إلاَّ له وَ لَ، فقد شفع ◌َ لَّ في الرسل والأنبياء أن تشفع نعم وفي الملائكة فأذن
الله تعالى عند شفاعته في ذلك لجميع من له شفاعة من ملك ورسول ونبيّ ومؤمن أن يشفع،
فهو ◌َلّ أول شافع بإذن الله وأرحم الراحمين آخر شافع يوم القيامة، فيشفع الرحيم عند
المنتقم أن يخرج من النار من لم يعمل خيراً قط فيخرجهم المنعم المتفضل، وأيّ شرف أعظم
من دائرة تدار يكون آخرها أرحم الراحمين وآخر الدائرة متصل بأولها، فأيّ شرف أعظم من
شرف محمد ◌ّلل حيث كان ابتداء هذه الدائرة حيث اتصل بها آخرها لكمالها، فبه سبحانه
ابتدأت الأشياء، وبه كملت، وما أعظم شرف المؤمن حيث تلت شفاعته بشفاعة أرحم
الراحمين، فالمؤمن بين الله وبين الأنبياء، فإن العلم في حق المخلوق وإن كان له الشرف التام
الذي لا تجهل مكانته، ولكن لا يعطى السعادة في القرب الإلهيّ إلاَّ بالإيمان، فنور الإيمان
في المخلوق أشرف من نور العلم الذي لا إيمان معه، فإذا كان الإيمان يحصل عنه العلم فنور
ذلك العلم المولد من نور الإيمان أعلى، وبه يمتاز على المؤمن الذي ليس بعالم، فيرفع الله
الذين أوتوا العلم من المؤمنين درجات على المؤمنين الذين لم يؤتوا العلم ويزيد العلم بالله،
فإن رسول الله وَلّ يقول لأصحابه: أنتم أعلم بمصالح دنياكم، فلا فلك أوسع من فلك
محمد ميّ فإن له الإحاطة وهي لمن خصّه الله بها من أمته بحكم التبعية، فلنا الإحاطة بسائر
الأمم ولذلك كنا شهداء على الناس، فأعطاه الله من وحي أمر السموات ما لم يعط غيره في
طالع مولده، فمن الأمر المخصوص بالسماء الأولى من هناك لم يبدل حرف من القرآن ولا
كلمة، ولو ألقى الشيطان في تلاوته ما ليس منها بنقص أو زيادة لنسخ الله ذلك وهذا عصمة،
ومن ذلك الثبات ما نسخت شريعته بغيرها، بل ثبتت محفوظة واستقرّت بكل عين ملحوظة،
ولذلك تستشهد بها كل طائفة .
ومن الأمر المخصوص بالسماء الثانية من هناك أيضاً خصّ بعلم الأولين والآخرين
والتؤدة والرحمة والرفق ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [سورة الأحزاب: الآية ٤٣] وما أظهر في وقت
غلظة على أحد إلاَّ عن أمر إلهي حين قيل له: ﴿ جَهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَفِقِينَ وَأَغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [سورة
التوبة: الآية ٧٣] فأمر به لما لم يقتض طبعه ذلك وإن كان بشراً يغضب لنفسه ويرضى لنفسه فقد

٢٢٢ في المعارف/ الباب الثاني عشر في معرفة دورة فلك سيدنا محمد مصطفي وهي دورة السيادة ... الخ
قدم لذلك دواء نافعاً يكون في ذلك الغضب رحمة من حيث لا يشعر بها في حال الغضب،
فكان يدل بغضبه مثل دالته برضاه، وذلك لأسرار عرفناها ويعرفها أهل الله منّا، فصحّت له
السيادة على العالم من هذا الباب، فإن غير أمته قيل فيهم ﴿يُحَرِّقُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ
يَعْلَمُونَ﴾ [سورة البقرة: الآية ٧٥] فأضلّهم الله على علم وتولى الله فينا حفظ ذكره فقال: ﴿إِنَّا
نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَفِظُونَ﴾ [سورة الحجر: الآية ٩] لأنه سمع العبد وبصره ولسانه ويده
واستحفظ كتابه غير هذه الأمّة فحرّفوه، ومن الأمر المخصوص من وحي السماء الثالثة من
هناك أيضاً السيف الذي بعثه به والخلافة، واختصّ بقتال الملائكة معه منها أيضاً، فإن ملائكة
هذه السماء قاتلت معه يوم بدر، ومن هذه السماء أيضاً بعث من قوم ليس لهم همة إلاَّ في
قرى الأضياف ونحر الجزر والحروب الدائمة وسفك الدماء وبهذا يتمدحون ويمدحون قيل
في بعضهم : [الطويل]
إذا عدموا زاداً فإنكَ عاقِرُ
ضَرُوبٌ بنصل السيف سُوْقَ سمانها
وقال الآخر منهم يمدح قومه: [الكامل]
سمُ العداة وآفةُ الجزْرِ
لا يبعدَنْ قومي الذين هُمُو
والطيبون معاقدَ الأُزْرِ
النازلون بكل مـعـتـرك
فمدحهم بالكرم والشجاعة والعفة، يقول عنترة بن شدّاد في حفظ الجار في أهله:
[الكامل]
يواري جارتي مَأْواهَا
وأغضُّ طَرْفي ما بدَتْ لي جارتي
ولا خفاء عند كل أحد بفضل العرب على العجم بالكرم والحماسة والوفا وإن كان في
العجم كرماء وشجعان ولكن آحاد، كما أن في العرب جبناء وبخلاء ولكن آحاد، وإنما الكلام
في الغالب لا في النادر وهذا ما لا ينكره أحد، فهذا مما أوحى الله في هذه السماء، فهذا كله
من الأمر الذي يتنزل بين السماء والأرض لمن فهم، ولو ذكرنا على التفصيل ما في كل سماء
من الأمر الذي أوحى الله سبحانه فيها لأبرزنا من ذلك عجائب ربما كان ينكرها بعض من ينظر
في ذلك العلم من طريق الرصد والتسيير من أهل التعاليم، ويحار المنصف منهم فيه إذا
سمعه، ومن الوحي المأمور به في السماء الرابعة نسخه بشريعته جميع الشرائع وظهور دينه
على جميع الأديان عند كل رسول ممن تقدمه، وفي كل كتاب منزل، فلم يبق لدين من
الأديان حكم عند الله إلاَّ ما قرّر منه فبتقريره ثبت فهو من شرعه وعموم رسالته، وإن كان بقي
من ذلك حكم فليس هو من حكم الله إلاَّ في أهل الجزية خاصة، وإنما قلنا ليس هو حكم الله
لأنه سمّاه باطلاً فهو على من اتبعه لا له فهذا أعني بظهور دينه على جميع الأديان كما قال
النابغة في مدحه: [الطويل]
ترى كلَّ ملْكِ دونها يتذَبْذَبُ
ألم تَرَ أن الله أعطاك سُورةً
إذا طلعَتْ لم يبدُ منهنَّ كوكبُ
بأنك شمسٌ والملوكُ كواكبٌ
وهذه منزلة محمد ول#، ومنزلة ما جاء به من الشرع من الأنبياء وشرائعهم سلام الله

في المعارف / الباب الثاني عشر في معرفة دورة فلك سيدنا محمد وهي دورة السيادة ... الخ ٢٢٣
عليهم أجمعين، فإن أنوار الكواكب اندرجت في نور الشمس، فالنهار لنا والليل وحده لأهل
الكتب إذا أعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون، وقد بسطنا في التنزلات الموصلية من أمر كل
سماء ما إذا وقفت عليه عرفت بعض ما في ذلك، ومن الوحي المأمور به في السماء الخامسة
من هناك المختص بمحمد 8# أنه ما ورد قط عن نبيّ من الأنبياء أنه حبّب إليه النساء إلاَّ
محمد عَلّ وإن كانوا قد رزقوا منهن كثيراً كسليمان عليه السلام وغيره، ولكن كلامنا في كونه
حبّب إليه وذلك أنه وَلي كان نبياً وآدم بين الماء والطين كما قررناه وعلى الوجه الذي شرحناه،
فكان منقطعاً إلى ربه لا ينظر معه إلى كون من الأكوان لشغله بالله عنه، فإن النبي مشغول
بالتلقي من الله ومراعاة الأدب فلا يتفرغ إلى شيء دونه فحبّب الله إليه النساء فأحبهن عناية من
الله بهن، فكان ◌َّ يحبهن بكون الله حبيهن إليه. خرّج مسلم في صحيحه في أبواب الإيمان:
أَنَّ رَجُلاً قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ وََّ: إِنِّي أُحِبُّ أَنْ يَكُونَ نَعْلِي حَسَناً وَثَوْبِي حَسَناً، فَقَالَ رَسُولُ
اللَّهِ وَهِ: ((إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الجَمَالَ)) ومن هذه السماء حب الطيب، وكان من سنته النكاح
لا التبتل، وجعل النكاح عبادة للسرّ الإلهيّ الذي أودع فيه وليس إلاّ في النساء وذلك ظهور
الأعيان للثلاثة الأحكام التي تقدم ذكرها في الإنتاج عن المقدمتين والرابط الذي جعله علة
الإنتاج، فهذا الفضل وما شاكله مما اختصّ به محمد وَّه وزاد فيه بنكاح الهبة كما جعل في
أمته، فيما يبين لها من النكاح لمن لا شيء له من الأعواض بما يحفظه من القرآن خاصة لا أنه
يعلمها، وهذا وإن لم يقو قوّة الهبة ففيه اتساع للأمّة، وليس في الوسع استيفاء ما أوحى الله
من الأمر في كل سماء، ومن الأمر الموحى في السماء السادسة إعجاز القرآن.
والذي أعطيه وَّر من جوامع الكلم من هذه السماء تنزل إليه ولم يعط ذلك نبيّ قبله،
وقد قال: ((أُعْطِيتُ سِتّاً لَمْ يُعْطَهُنَّ نَبِيَّ قَبْلِي))، وكل ذلك أوحى في السموات من قوله:
﴿وَأَوْحَى فِ كُلِّ سَمَآٍ أَمْرَهَا﴾ [سورة فصلت: الآية: ١٢] فجعل في كل سماء ما يصلح تنفيذه في
الأرض في هذا الخلق، فكان من ذلك أن بعث وحده إلى الناس كافة فعمّت رسالته، وهذا
مما أوحى الله به في السماء الرابعة ونصر بالرعب وهو مما أوحى الله به في السماء الثالثة من
هناك. ومنها ما حلّل الله له من الغنائم وجعلت له الأرض مسجداً وطهوراً من السماء الثانية
من هناك أوتيت جوامع الكلم من أمر وحي السماء السادسة، ومن أمر هذه السماء ما خصّه الله
به من إعطائه إياه مفاتيح خزائن الأرض، ومن الوحي المأمور به في السماء السابعة من هناك
وهي السماء الدنيا التي تلينا كون الله خصّه بصورة الكمال فكملت به الشرائع وكان خاتم
النبيين ولم يكن ذلك لغيره وَله، فبهذا وأمثاله انفرد بالسيادة الجامعة للسيادات كلها والشرف
المحيط الأعم ◌َّر، فهذا قد نبهنا على ما حصل له في مولده من بعض ما أوحى الله به في كل
سماء من أمره.
وقوله الزمان ولم يقل الدهر ولا غيره ينبّه على وجود الميزان، فإنه ما خرج عن
الحروف التي في الميزان بذكر الزمان، وجعل ياء الميزان مما يلي الزاي وخفّف الزاي
وعددها في الزمان إشعاراً بأن في هذه الزاي حرفاً مدغماً فكان أوّل وجود الزمان في الميزان

٢٢٤ في المعارف / الباب الثاني عشر في معرفة دورة فلك سيدنا محمد ومصير وهي دورة السيادة ... الخ
للعدل الروحاني، وفي الاسم الباطن لمحمد وَّه بقوله: ((كُنْتُ نَبِيّاً وَآدَمُ بَيْنَ المَاءِ والطِّينِ)» ثم
استدار بعد انقضاء دورة الزمان التي هي ثمانية وسبعون ألف سنة، ثم ابتدأت دورة أخرى من
الزمان بالاسم الظاهر فظهر فيها جسم محمد وَّة، وظهرت شريعته على التعيين والتصريح لا
بالكناية، واتصل الحكم بالآخرة فقال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَزِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [سورة الأنبياء:
الآية ٤٧] وقيل لنا: ﴿وَأَقِيمُواْ الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُواْ الْمِيزَانَ﴾ [سورة الرحمن: الآية ٩] وقال
تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ﴾ [سورة الرحمن: الآية ٧].
فبالميزان أوحى في كل سماء أمرها، وبه قدّر في الأرض أقواتها ونصبه الحق في العالم
في كل شيء، فميزان معنوي وميزان حسّي لا يخطىء أبداً، فدخل الميزان في الكلام وفي
جميع الصنائع المحسوسة وكذلك في المعاني، إذ كان أصل وجود الأجسام والأجرام وما
تحمله من المعاني عند حكم الميزان، وكان وجود الميزان وما فوق الزمان عن الوزن الإلهيّ
الذي يطلبه الاسم الحكيم، ويظهره الحكم العدل لا إله إلا هو. وعن الميزان ظهر العقرب
وما أوحى الله فيه من الأمر الإلهيّ، والقوس والجدي والدلو والحوت والحمل والثور
والجوزاء والسرطان والأسد والسنبلة، وانتهت الدورة الزمانية إلى الميزان لتكرار الدور، فظهر
محمد # وكان له في كل جزء من أجزاء الزمان حكم اجتمع فيه بظهوره وَلَّ، وهذه الأسماء
أسماء ملائكة خلقهم الله وهم الاثنا عشر ملكاً، وجعل لهم الله مراتب في الفلك المحيط،
وجعل بيد كل ملك ما شاء أن يجعله مما يبرزه فيمن هو دونهم إلى الأرض حكمة، فكانت
روحانية محمد # تكتسب عند كل حركة من الزمان أخلاقاً بحسب ما أودع الله في تلك
الحركات من الأمور الإلهية، فما زالت تكتسب هذه الصفات الروحانية قبل وجود تركيبها إلى
أن ظهرت صورة جسمه في عالم الدنيا بما جبله الله عليه من الأخلاق المحمودة فقيل فيه:
﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [سورة القلم: الآية ٤] فكان ذا خلق لم يكن ذا تخلق.
ولما كانت الأخلاق تختلف أحكامها باختلاف المحل الذي ينبغي أن يقابل بها احتاج
صاحب الخلق إلى علم يكون عليه حتى يصرف في ذلك المحل الخلق الذي يليق به عن أمر
الله فيكون قربة إلى الله، فلذلك تنزلت الشرائع لتبين للناس محال أحكام الأخلاق التي جبل
الإنسان عليها فقال الله في مثل ذلك: ﴿فَلاَ تَّقُل لَُّمَا أُفٍ﴾ [سورة الإسراء: الآية ٢٣] لوجود
التأفيف في خلقه، فأبان عن المحل الذي لا ينبغي أن يظهر فيه حكم هذا الخلقِ، ثم بيّن
المحل الذي ينبغي أن يظهر فيه هذا الخلق فقال: ﴿أُنّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [سورة
الأنبياء: الآية ٦٧] وقال تعالى: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ﴾ [سورة آل عمران: الآية ١٧٥] فأبان عن المحل الذي
ينبغي أن لا يظهر فيه خلق الخوف ثم قال لهم ﴿ وَخَافُونِ﴾ [سورة آل عمران: الآية ١٧٥] فأبان لهم
حيث ينبغي أن يظهر حكم هذه الصفة، وكذلك الحسد والحرص وجميع في هذه النشأة
الطبيعية الظاهر حكم روحانيتها فيها قد أبان الله لنا حيث نظهرها وحيث نمنعها، فإنه من
المحال إزالتها عن هذه النشأة إلاَّ بزوالها لأنها عينها والشيء لا يفارق نفسه، قال التالية: ((لاً
حَسَدَ إِلاَّ فِي اثْتَتَيْنِ)) وقال: ((زَادَكَ الله حِرْصاً ولا تَعُدْ)).

٢٢٥
في المعارف/ الباب الثالث عشر في معرفة حملة العرش
وإنما قلنا الظاهر حكم روحانيتها فيها تحرّرنا بذلك من أجل أهل الكشف والعلماء
الراسخين في العلم من المحققين العالمين، فإنّ المسمّى بالجماد والنبات عندنا لهم أرواح
بطنت عن إدراك غير أهل الكشف إياها في العادة لا يحسّ بها مثل ما يحسّها من الحيوان،
فالكل عند أهل الكشف حيوان ناطق بل حيّ ناطق، غير أنّ هذا المزاج الخاص يسمّى إنساناً
لا غير بالصورة، ووقع التفاضل بين الخلائق في المزاج فإنه لا بدّ في كل ممتزج من مزاج
خاص لا يكون إلاَّ له به يتميز عن غيره كما يجتمع مع غيره في أمر فلا يكون عين ما يقع به
الافتراق والتميز عين ما يقع به الاشتراك وعدم التميز فاعلم ذلك وتحققه، قال تعالى: ﴿وَإِن
مِّن شَىءٍ إِلَّا يُسَبِحُ بِحْدِهِ﴾ [سورة الإسراء: الآية ٤٤] وشيء نكرة ولا يسبح إلاَّ حيّ عاقل عالم
بمسبحه، وقد ورد أنّ المؤذن يشهد له مدى صوته من رطب ويابس والشرائع والنبوّات من
هذا القبيل مشحونة، ونحن زدنا مع الإيمان بالأخبار الكشف فقد سمعنا الأحجار تذكر الله
رؤية عين بلسان نطق تسمعه آذاننا منها وتخاطبنا مخاطبة العارفين بجلال الله مما ليس يدركه
كل إنسان، فكل جنس من خلق الله أمّة من الأمم فطرهم الله على عبادة تخصّهم أوحى بها
إليهم في نفوسهم فرسولهم من ذواتهم إعلام من الله بإلهام خاص جبلهم عليه، كعلم بعض
الحيوانات بأشياء يقصر عن إدراكها المهندس النحرير، وعلمهم على الإطلاق بمنافعهم فيما
يتناولونه من الحشائش والمآكل وتجنب ما يضرّهم من ذلك كل ذلك في فطرتهم، كذلك
المسمّى جماداً ونباتاً أخذ الله بأبصارنا وأسماعنا عمّا هم عليه من النطق، ولا تقوم الساعة
حتى تكلم الرجل فخذه بما فعله أهله جعل الجهلاء من الحكماء هذا إذا صحّ إيمانهم به من
باب العلم بالاختلاج يريدون به علم الزجر، وإن كان علم الزجر علماً صحيحاً في نفس الأمر
وأنه من أسرار الله، ولكن ليس هو مقصود الشارع في هذا الكلام، فكان له رَّر الكشف الأتم
فيرى ما لا نرى، ولقد نبّه عليه السلام على أمرٍ عمل عليه أهل الله فوجدوه صحيحاً قوله:
(لَوْلاَ تَزْبِيدٌ فِي حَدِيثِكُمْ وَتَمْرِيجٌ فِي قُلُوبِكُمْ لَرَأَنْتُمْ مَا أَرَىْ وَلَسَمِعْتُمْ مَا أَسْمَعُ)) فخصّ برتبة
الكمال في جميع أموره. ومنها الكمال في العبودية فكان عبداً صرفاً لم يقم بذاته ربانية على
أحد وهي التي أوجبت له السيادة وهي الدليل على شرفه على الدوام، وقد قالت عائشة: ((كَانَ
رَسُولُ اللَّهِ وَهِ يَذْكُرُ اللَّهَ عَلَىْ كُلِّ أَحْيَانِهِ)) ولنا منه ميراث وافر وهو أمر يختص بباطن
الإنسان. وقوله وقد يظهر خلاف ذلك بأفعاله مع تحققه بالمقام فيلتبس على من لا معرفة له
بالأحوال، فقد بينًا في هذا الباب ما مست الحاجة إليه والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
الباب الثالث عشر
في معرفة حملة العرش
[نظم: البسيط]
وحاملوه وهذا القولُ مَعْقولُ
لولاه جاء به عقلٌ وتنزيلُ
العرشُ واللَّهِ بالرحمن محمول
وأيُّ حَوْلٍ لمخلوقٍ ومقدرةٌ
الفتوحات المكية ج١ - م١٥

٢٢٦
في المعارف / الباب الثالث عشر في معرفة حملة العرش
ما ثَمَّ غيرُ الذي رتّبْتَ تفصيلُ
جسمٌ وروحٌ وأقواتٌ ومرتبةٌ
والمستوي باسمه الرحمنُ مأمولُ
فذا هو العرشُ إن حقَّقْتَ سورتَه
واليوم أربعةٌ ما فيه تعليلُ
وآدمٌ وخليلٌ ثم جبريلُ
وهم ثمانيةٌ والله يعلمهم
محمدٌ ثم رضوانٌ ومالكُهم
والحِقْ بميكالَ إسرافيلَ ليس هنا
سوى ثمانيةٍ غُرِّ بهاليلٍ
اعلم أيّد الله الوليّ الحميم، أنّ العرش في لسان العرب يطلق ويراد به الملك، يقال ثلّ
عرش الملك إذا دخل في ملكه خلل ويطلق ويراد به السرير، فإذا كان العرش عبارة عن
الملك فتكون حَمَلته هم القائمون به، وإذا كان العرش السرير فتكون حملته ما يقوم عليه من
القوائم أو من يحمله على كواهلهم، والعدد يدخل في حملة العرش، وقد جعل الرسول
حكمهم في الدنيا أربعة وفي القيامة ثمانية فتلا رسول الله وَّ: ﴿وَيَّلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَدٍ
تَمَنِيَةٌ﴾ [سورة الحاقة: الآية ١٧] ثم قال: وهم اليوم أربعة يعني في يوم الدنيا. وقوله: ﴿يَوْمَدٍ
تَنِيَّةٌ﴾ يعني يوم الآخرة .
روينا عن ابن مسرّة الجبلي من أكبر أهل الطريق علماً وحالاً وكشفاً: العرش المحمول
هو الملك وهو محصور في جسم وروح وغذاء ومرتبة، فآدم وإسرافيل للصور، وجبريل
ومحمد للأرواح، وميكائيل وإبراهيم للأرزاق، ومالك ورضوان للوعد والوعيد، وليس في
الملك إلاَّ ما ذكروا والأغذية التي هي الأرزاق حسية ومعنوية، فالذي نذكر في هذا الباب
الطريقة الواحدة التي هي بمعنى الملك لما يتعلق به من الفائدة في الطريق، وتكون حملته
عبارة عن القائمين بتدبيره، فتدبر صورة عنصرية أو صورة نورية وروحاً مدبراً لصورة
عنصرية، وروحاً مدبراً مسخراً لصورة نورية، وغذاء لصورة عنصرية، وغذاء علوم ومعارف
الأرواح، ومرتبة حسّية من سعادة بدخول الجنة، ومرتبة حسّية من شقاوة بدخول جهنم،
ومرتبة روحية علمية. فمبنى هذا الباب على أربع مسائل: المسألة الأولى: الصورة. والمسألة
الثانية: الروح. والمسألة الثالثة: الغذاء. والمسألة الرابعة: المرتبة وهي الغاية. وكل مسألة
منها تنقسم قسمين، فتكون ثمانية وهم حملة عرش الملك، أي إذا ظهرت الثمانية قام الملك
وظهر واستوی علیه ملیکه.
المسألة الأولى الصورة: وهي تنقسم قسمين: صورة جسمية عنصرية تتضمن صورة
جسدية خيالية، والقسم الآخر صورة جسمية نورية. فلنبتدىء بالجسم النوري فنقول: إن أول
جسم خلقه الله أجسام الأرواح الملكية المهيمة في جلال الله. ومنهم العقل الأول والنفس
الكل وإليها انتهت الأجسام النورية المخلوقة من نور الجلال، وما ثم ملك من هؤلاء الملائكة
من وجد بواسطة غيره إلاّ النفس التي دون العقل، وكل ملك خلق بعد هؤلاء فداخلون تحت
حكم الطبيعة فهم من جنس أفلاكها التي خلقوا منها وهم عمارها، وكذلك ملائكة العناصر،
وآخر صنف من الأملاك الملائكة المخلوقون من أعمال العباد وأنفاسهم، فلنذكر ذلك صنفاً
صنفاً في هذا الباب إن شاء الله تعالى.

٢٢٧
في المعارف / الباب الثالث عشر في معرفة حملة العرش
اعلم أن الله تعالى كان قبل أن يخلق الخلق ولا قبلية زمان، وإنما ذلك عبارة للتوصيل
تدل على نسبة يحصل بها المقصود في نفس السامع كان جلّ وتعالى في عماء ما تحته هواء
وما فوقه هواء، وهو أول مظهر إلهيّ ظهر فيه سرى فيه النور الذاتي كما ظهر في قوله: ﴿اللّهُ
نُورُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ﴾ [سورة النور: الآية ٣٥] فلما انصبغ ذلك العماء بالنور فتح فيه صور
الملائكة المهيمين الذين هم فوق عالم الأجسام الطبيعية ولا عرش ولا مخلوق تقدمهم، فلما
أوجدهم تجلّى لهم فصار لهم من ذلك التجلي غيباً كان ذلك الغيب روحاً لهم أي لتلك
الصور، وتجلّى لهم في اسمه الجميل فهاموا في جلال جماله فهم لا يفيقون، فلما شاء أن
يخلق عالم التدوين والتسطير عيّن واحداً من هؤلاء الملائكة الكروبيين وهو أول ملك ظهر من
ملائكة ذلك النور سمّاه العقل والقلم، وتجلّى له في مجلى التعليم الوهبي بما يريد إيجاده من
خلقه لا إلى غاية وحدّ فقبل بذاته علم ما يكون، وما للحق من الأسماء الإلهية الطالبة صدور
هذا العالم الخلقي، فاشتق من هذا العقل موجوداً آخر سمّاه اللوح، وأمر القلم أن يتدلى إليه
ويودع فيه جميع ما يكون إلى يوم القيامة لا غير، وجعل لهذا القلم ثلاثمائة وستين سناً في
قلميته أي من كونه قلماً ومن كونه عقلاً ثلاثمائة وستين تجلّياً أو رقيقة كل سن أو رقيقة تغترف
من ثلاثمائة وستين صنفاً من العلوم الإجمالية فيفصلها في اللوح، فهذا حصر ما في العالم من
العلوم إلى يوم القيامة، فعلمها اللوح حين أودعه إياها القلم فكان من ذلك علم الطبيعة، وهو
أوّل علم حصل في هذا اللوح من علوم ما يريد الله خلقه، فكانت الطبيعة دون النفس وذلك
كله في عالم النور الخالص، ثم أوجد سبحانه الظلمة المحضة التي هي في مقابلة هذا النور
بمنزلة العدم المطلق المقابل للوجود المطلق، فعندما أوجدها أفاض عليها النور إفاضة ذاتية
بمساعدة الطبيعة فَلَأَمَ شعثها ذلك النور، فظهر الجسم المعبر عنه بالعرش فاستوى عليه الاسم
الرحمن بالاسم الظاهر، فذلك أوّل ما ظهر من عالم الخلق، وخلق من ذلك النور الممتزج
الذي هو مثل ضوء السحر الملائكة الحافين بالسرير وهو قوله: ﴿وَتَرَى الْمَلََبِكَةَ حَفِينَ مِنْ
حَوْلِ الْعَرَشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ [سورة الزمر: الآية ٧٥] فليس لهم شغل إلاَّ كونهم حافين من حول
العرش يسبحون بحمده، وقد بينا خلق العالم في كتاب سميناه عقلة المستوفز، وإنما نأخذ منه
في هذا الباب رؤوس الأشياء.
ثم أوجد الكرسي في جوف هذا العرش وجعل فيه ملائكة من جنس طبيعته، فكل فلك
أصل لما خلق فيه من عماره كالعناصر فيما خلق منها من عمارها، كما خلق آدم من تراب
وعمّر به وببنيه الأرض، وقسم في هذا الكرسي الكريم الكلمة إلى خبر وحكم وهما القدمان
اللتان تدلّتا له من العرش كماورد في الخبر النبوي. ثم خلق في جوف الكرسي الأفلاك فلكاً
في جوف فلك، وخلق في كل فلك عالماً منه يعمرونه سمّاهم ملائكة يعني رسلاً وزيّنها
بالكواكب، وأوحى في كل سماء أمرها إلى أن خلق صور المولدات.
ولما أكمل الله هذه الصور النورية بلا أرواح تكون غيباً لهذه الصور، تجلّى لكل صنف
من الصور بحسب ما هي عليه، فتكوّن عن الصور وعن هذا التجلّي أرواح الصور وهي

٢٢٨
في المعارف / الباب الثالث عشر في معرفة حملة العرش
المسألة الثانية، فخلق الأرواح وأمرها بتدبير الصور وجعلها غير منقسمة بل ذاتاً واحدة وميّز
بعضها عن بعض فتميزت، وكان ميّزها بحسب قبول الصور من ذلك التجلي، وليست الصور
بأينيات لهذه الأرواح على الحقيقة، إلاَّ أن هذه الصور لها كالملك في حق الصور العنصرية
وكالمظاهر في حق الصور كلها، ثم أحدث الله الصور الجسدية الخيالية بتجلّ آخر بين
اللطائف والصور، تتجلّى في تلك الصور الجسدية الصور النورية والنارية ظاهرة للعين،
وتتجلّى الصور الحسّية حاملة للصور المعنوية في هذه الصور الجسدية في النوم وبعد الموت
وقبل البعث وهو البرزخ الصوري وهو قرن من نور أعلاه واسع وأسفله ضيق، فإن أعلاه
السماء وأسفله الأرض، وهذه الأجساد الصورية التي يظهر فيها الجن والملائكة وباطن
الإنسان وهي الظاهرة في النوم، وصور سوق الجنة وهي هذه الصور التي تعمّر الأرض التي
تقدم الكلام عليها في بابها، ثم إن الله تعالى جعل لهذه الصور ولهذه الأرواح غذاء وهو
المسألة الثالثة يكون بذلك الغذاء بقاؤهم وهو رزق حسيّ ومعنويّ، فالمعنويّ منه غذاء العلوم
والتجليات والأحوال والغذاء المحسوس معلوم وهو ما تحمله صور المطعومات والمشروبات
من المعاني الروحانية أعني القوى فذلك هو الغذاء فالغذاء كله معنوي على ما قلناه، وإن كان
في صور محسوسة فتتغذى كل صورة نورية كانت أو حيوانية أو جسدية بما يناسبها وتفصيل
ذلك يطول .
ثم إن الله جعل لكل عالم مرتبة في السعادة والشقاء ومنزلة وتفاصيلها لا تنحصر،
فسعادتها بحسبها، فمنها سعادة غرضية، ومنها سعادة كمالية، ومنها سعادة ملائمة، ومنها
سعادة وضعية أعني شرعية، والشقاوة مثل ذلك في التقسيم بما لا يوافق الغرض ولا الكمال
ولا المزاج وهو غير الملائم ولا الشرع وذلك كله محسوس ومعقول، فالمحسوس منه ما
يتعلق بدار الشقاء من الآلام في الدنيا والآخرة، ويتعلق بدار السعادة من اللذات في الدنيا
والآخرة، ومنه خالص وممتزج، فالخالص يتعلق بالدار الآخرة، والممتزج يتعلق بالدار
الدنيا، فيظهر السعيد بصورة الشقي والشقي بصورة السعيد وفي الآخرة يمتازون، وقد يظهر
الشقي في الدنيا بشقاوته ويتصل بشقاء الآخرة، وكذلك السعيد ولكنهم مجهولون وفي الآخرة
يمتازون ﴿وَآَمْتَزُواْ أَلْيَّوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ [سورة يس: الآية ٥٩] فهنالك تلحق المراتب بأهلها لحوقاً لا
ينخرم ولا يتبدل، فقد بان لك معنى الثمانية التي هي مجموع الملك المعبّر عنه بالعرش،
وهذه هي المسألة الرابعة، فقد بان لك معنى الثمانية، وهذه الثمانية للنسب الثمانية التي
يوصف بها الحق وهي: الحياة، والعلم، والقدرة، والإرادة، والكلام، والسمع، والبصر،
وإدراك المطعوم والمشموم والملموس بالصفة اللائقة به، فإن لهذا الإدراك بها تعلّقاً كإدراك
السمع بالمسموعات والبصر بالمبصرات، ولهذا انحصر الملك في ثمانية، فالظاهر منها في
الدنيا أربعة: الصورة والغذاء والمرتبتان، ويوم القيامة تظهر الثمانية بجميعها للعيان وهو قوله
تعالى: ﴿وَيَحِلُ عَرّشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَّدٍ تَنِيَةٌ﴾ [سورة الحاقة: الآية ١٧] فقال بََّ: ((وَهُمُ اليَوْمَ أَرْبَعَةٌ))
هذا في تفسير العرش بالملك .

في المعارف / الباب الرابع عشر في معرفة أسرار الأنبياء أعني أنبياء الأولياء وأقطاب الأمم المكملين ٢٢٩
وأما العرش الذي هو السرير فإن لله ملائكة يحملونه على كواهلهم هم اليوم أربعة وغداً
يكونون ثمانية لأجل الحمل إلى أرض الحشر. وورد في صور هؤلاء الأربعة الحمَلة ما يقاربه
قول ابن مسرّة: فقيل الواحد على صورة الإنسان، والثاني على صورة الأسد، والثالث على
صورة النسر، والرابع على صورة الثور، وهو الذي رآه السامري فتخيّل أنه إله موسى فصنع
لقومه العجل وقال: ﴿هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى﴾ [سورة طه: الآية ٨٨] القصة، والله يقول الحق
وهو يهدي السبيل.
الباب الرابع عشر
في معرفة أسرار الأنبياء أعني أنبياء الأولياء وأقطاب الأمم المكملين من آدم
عليه السلام إلى محمد ولا، وأن القطب واحد منذ خلقه الله لم يمت وأين مسكنه
[نظم: الرمل]
عرّف الله بهم مَنْ بعثَهُ
أنبياءُ الأولياءِ الورَثَة
سرُّ هذا الأمر روحٌ نفئَة
ثم في رَوْعِ إمامِ واحـدٍ
وسرى في خَلْقه ما نكثَهْ
ثم لما عَقَدَ الله له
مِنَّةً منه قلوبُ الورثَةْ
وتلقّتْه على عِزَّته
ليس يدريه سوى من ورثة
موضِعُ القطب الذي يسْكُنُه
اعلم أيّدك الله أن النبيّ هو الذي يأتيه الملك بالوحي من عند الله، يتضمن ذلك الوحي
شريعة يتعبده بها في نفسه، فإن بعث بها إلى غيره كان رسولاً، ويأتيه الملك على حالتين: إما
ينزل بها على قلبه على اختلاف أحوال في ذلك التنزّل، وإمّا على صورة جسدية من خارج
يلقي ما جاء به إليه على أذنه فيسمع، أو يلقيها على بصره فيبصره، فيحصل له من النظر مثل
ما يحصل له من السمع سواء، وكذلك سائر القوى الحسّاسة، وهذا باب قد أغلق
برسول الله (، فلا سبيل أن يتعبّد الله أحداً بشريعة ناسخة لهذه الشريعة المحمدية، وأن
عيسى عليه السلام إذا نزل ما يحكم إلاَّ بشريعة محمد وَ ل# وهو خاتم الأولياء فإنه من شرف
محمد رَّ أن ختم الله ولاية أمته، والولاية مطلقة بنبي رسول مكرم ختم به مقام الولاية، فله
يوم القيامة حشران: يحشر مع الرسل رسولاً، ويحشر معنا ولياً تابعاً محمداً وَلَه كرّمه الله
تعالى وإلياس بهذا المقام على سائر الأنبياء .
وأمّا حالة أنبياء الأولياء في هذه الأمّة فهو كل شخص أقامه الحق في تجلّ من تجلياته
وأقام له مظهر محمد رَّة ومظهر جبريل عليه السلام، فأسمعه ذلك المظهر الروحانيّ خطاب
الأحكام المشروعة لمظهر محمد بَّ حتى إذا فرغ من خطابه وفزع عن قلب هذا الوليّ عقل
صاحب هذا المشهد جميع ما تضمنه ذلك الخطاب من الأحكام المشروعة الظاهرة في هذه
الأمّة المحمدية، فيأخذها هذا الوليّ كما أخذها المظهر المحمدي للحضور الذي حصل له
في هذه الحضرة مما أمر به ذلك المظهر المحمدي من التبليغ لهذه الأمّة فيرد إلى نفسه، وقد

٢٣٠ في المعارف/ الباب الرابع عشر في معرفة أسرار الأنبياء أعني أنبياء الأولياء وأقطاب الأمم المكملين
وعى ما خاطب الروح به مظهر محمد بَّر وعلم صحته علم يقين بل عين يقين، فأخذ حكم
هذا النبيّ وعمل به على بينة من ربه.
فربّ حديث ضعيف قد ترك العمل به لضعف طريقه من أجل وضّاع كان في رواته
يكون صحيحاً في نفس الأمر، ويكون هذا الواضع مما صدق في هذا الحديث ولم يضعه،
وإنما ردّه المحدث لعدم الثقة بقوله في نقله، وذلك إذا انفرد به ذلك الواضع أو كان مدار
الحديث عليه، وأما إذا شاركه فيه ثقة سمعه معه قبل ذلك الحديث من طريق ذلك الثقة، وهذا
وليّ قد سمعه من الروح يلقيه على حقيقة محمد وّل، كما سمع الصحابة في حديث جبريل
عليه السلام مع محمد ن0َّ في الإسلام والإيمان والإحسان في تصديقه إياه، وإذا سمعه من
الروح الملقي فهو فيه مثل الصاحب الذي سمعه من فم رسول الله صل# علماً لا يشك فيه،
بخلاف التابع فإنه يقبله على طريق غلبة الظن لارتفاع التهمة المؤثرة في الصدق. ورب
حديث يكون صحيحاً من طريق رواته يحصل لهذا المكاشف الذي قد عاين هذا المظهر فسأل
النبيّ وَلّ عن هذا الحديث الصحيح فأنكره وقال له لم أقله ولا حكمت به فيعلم ضعفه فيترك
العمل به عن بينة من ربّه، وإن كان قد عمل به أهل النقل لصحة طريقه، وهو في نفس الأمر
ليس كذلك، وقد ذكر مثل هذا مسلم في صدر كتابه الصحيح، وقد يعرف هذا المكاشف من
وضع ذلك الحديث الصحيح طريقه في زعمهم، إمّا أن يسمّى له أو تقام له صورة الشخص
فهؤلاء هم أنبياء الأولياء ولا يتفردون قط بشريعة ولا يكون لهم خطاب بها إلاَّ بتعريف أن هذا
هو شرع محمد نَّة، أو يشاهد المنزل عليه بذلك الحكم في حضرة التمثّل الخارج عن ذاته
والداخل المعبر عنه بالمبشرات في حق النائم.
غير أن الوليّ يشترك مع النبيّ في إدراك ما تدركه العامّة في النوم في حال اليقظة سواء،
وقد أثبت هذا المقام للأولياء أهل طريقنا وإتيان هذا وهو الفعل بالهمة والعلم من غير معلم
من المخلوقين غير الله، وهو علم الخضر، فإن آتاه الله العلم بهذه الشريعة التي تعبده بها على
لسان رسول الله ولية بارتفاع الوسائط أعني الفقهاء وعلماء الرسوم كان من العلم اللدني ولم
يكن من أنبياء هذه الأمّة، فلا يكون من يكون من الأولياء وارث نبيّ إلاَّ على هذه الحالة
الخاصة من مشاهدة الملك عند الإلقاء على حقيقة الرسول فافهم.
فهؤلاء هم أنبياء الأولياء، وتستوي الجماعة كلها في الدعاء إلى الله على بصيرة كما أمر
الله تعالى نبيه وَ﴾ أن يقول: ﴿أَدْعُوّاْ إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ أَتَّبَعَنِى﴾ [سورة يوسف: الآية ١٠٨]
وهم أهل هذا المقام، فهم في هذه الأمّة مثل الأنبياء في بني إسرائيل على مرتبة تعبّد هارون
بشريعة موسى عليهما السلام مع كونه نبياً، فإن الله قد شهد بنبوّته وصرّح بها في القرآن، فمثل
هؤلاء يحفظون الشريعة الصحيحة التي لا شك فيها على أنفسهم وعلى هذه الأمّة ممن اتبعهم
فهم أعلم الناس بالشرع، غير أن الفقهاء لا يسلمون لهم ذلك، وهؤلاء لا يلزمهم إقامة الدليل
على صدقهم بل يجب عليهم الكتم لمقامهم، ولا يردون على علماء الرسوم فيما ثبت عندهم
مع علمهم بأن ذلك خطأ في نفس الأمر، فحكمهم حكم المجتهد الذي ليس له أن يحكم في

في المعارف / الباب الرابع عشر في معرفة أسرار الأنبياء أعني أنبياء الأولياء وأقطاب الأمم المكملين ٢٣١
المسألة بغير ما أدّاه إليه اجتهاده وأعطاه دليله، وليس له أن يخطىء المخالف له في حكمه،
فإن الشارع قد قرّر ذلك الحكم في حقّه، فالأدب يقتضي له أن لا يخطىء ما قرره الشارع
حکماً، ودلیله و کشفه یحکم علیه باتباع حكم ما ظهر له وشاهده.
وقد ورد الخبر عن النبي ◌ّ ر أن علماء هذه الأمّة أنبياء بني إسرائيل يعني المنزلة التي
أشرنا إليها، فإن أنبياء بني إسرائيل كانت تحفظ عليهم شرائع رسلهم وتقوم بها فيهم، وكذلك
علماء هذه الأمّة وأئمتها يحفظون عليها أحكام رسولها ◌َلر كعلماء الصحابة ومن نزل عنهم
من التابعين وأتباع التابعين كالثوري وابن عيينة وابن سيرين والحسن ومالك وابن أبي رباح
وأبي حنيفة، ومن نزل عنهم كالشافعيّ وابن حنبل، ومن جرى مجرى هؤلاء إلى هلم جراً في
حفظ الأحكام. وطائفة أخرى من علماء هذه الأمّة يحفظون عليها أحوال الرسول وَله وأسرار
علومه: كعليّ وابن عباس وسلمان وأبي هريرة وحذيفة. ومن التابعين: كالحسن البصري
ومالك بن دينار وبنان الحمّال وأيوب السختيانيّ. ومن نزل عنهم بالزمان: كشيبان الراعي
وفرج الأسود المعمر والفضيل بن عياض وذي النون المصري ومن نزل عنهم: كالجنيد
والتستري، ومن جرى مجرى هؤلاء من السادة في حفظ الحال النبوي والعلم اللدني والسر
الإلهيّ، فأسرار حفظة الحكم موقوفة في الكرسي عند القدمين إذ لم يكن لهم حال نبويّ
يعطي سرّاً إلهيّاً ولا علماً لدنيّاً، وأسرار حفّاظ الحال النبويّ والعلم اللدني من علماء حفّاظ
الحكم وغيرهم موقوفة عند العرش ولا موقوفة، ومنها ما لها مقام، ومنها ما لا مقام لها،
وذلك مقام لها تتميز به، فإن ترك العلامة بين أصحاب العلامات علامة محققة غير محكوم
عليها بتقييد وهي أسنى العلامات، ولا يكون ذلك إلاَّ للمتمكن الكامل في الورث المحمدي.
وأما أقطاب الأمم المكملين في غير هذه الأمّة ممن تقدمَنا بالزمان فجماعة ذكرت لي
أسماؤهم باللسان العربي لما أشهدتهم ورأيتهم في حضرة برزخية وأنا بمدينة قرطبة في مشهد
أقدس، فكان منهم: المفرق، ومداوي الكلوم، والبكاء، والمرتفع، والشفاء، والماحق،
والعاقب، والمنحور، وشحر الماء، وعنصر الحياة، والشريد، والراجع، والصانع، والطيار،
والسالم، والخليفة، والمقسوم، والحيّ، والرامي، والواسع، والبحر، والملصق، والهادي،
والمصلح، والباقي. فهؤلاء المكملون الذين سمّوا لنا من آدم عليه السلام إلى زمان
محمد ◌َا.
وأما القطب الواحد فهو روح محمد ول# وهو الممد لجميع الأنبياء والرسل سلام الله
عليهم أجمعين، والأقطاب من حين النشء الإنساني إلى يوم القيامة. قيل له وَالر: متى كنت
نبياً؟ فقال بَّهِ: ((وآدَمُ بَيْنَ الماء والطّين)). وكان اسمه مداوي الكلوم فإنه بجراحات الهوى
خبير، والرأي والدنيا والشيطان والنفس بكل لسان نبوي أو رسالي أو لسان الولاية، وكان له
نظر إلى موضع ولادة جسمه بمكة وإلى الشام، ثم صرف الآن نظره إلى أرض كثيرة الحر
واليبس لا يصل إليها أحد من بني آدم بجسده إلاّ أنه قد رآها بعض الناس من مكة في مكانه
من غير نقلة زويت له الأرض فرآها، وقد أخذنا نحن عنه علوماً جمّة بمآخذ مختلفة.

٢٣٢
في المعارف / الباب الخامس عشر في معرفة الأنفاس ومعرفة أقطابها المحققين بها وأسرارهم
ولهذا الروح المحمدي مظاهر في العالم أكمل مظهره في قطب الزمان، وفي الأفراد.
وفي ختم الولاية المحمدي، وختم الولاية العامّة الذي هو عيسى عليه السلام وهو المعبر عنه
بمسكنه. وسأذكر فيما بعد هذا الباب إن شاء الله ما له من كونه مداوي الكلوم من الأسرار ومـ
انتشر عنه من العلوم، ثم ظهر هذا السرّ بعد ظهور حال مداوي الكلوم في شخص آخر اسمه
المستسلم للقضاء والقدر، ثم انتقل الحكم منه إلى مظهر الحق، ثم انتقل من مظهر الحق إلى
الهائج، ثم انتقل من الهائج إلى شخص يسمّى واضع الحكم وأظنه لقمان والله أعلم فإنه كان
في زمان داود وما أنا منه على يقين أنه لقمان، ثم انتقل من واضع الحكم إلى الكاسب، ثم
انتقل من الكاسب إلى جامع الحكم، وما عرفت لمن انتقل الأمر من بعده. وسأذكر في هذا
الكتاب إذا جاءت أسماء هؤلاء ما اختصوا به من العلوم، ونذكر لكل واحد منهم مسألة إن
شاء الله، ويجري ذلك على لساني فما أدري ما يفعل الله بي، ويكفي هذا القدر من هذا
الباب، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. انتهى الجزء الثالث عشر.
(الجزء الرابع عشر)
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمَةِ
الباب الخامس عشر
في معرفة الأنفاس ومعرفة أقطابها المحققين بها وأسرارهم، هي:
[نظم: المديد]
وهمُ الأعلَوْنَ في القُدُسِ
عَالَمُ الأنفاسِ من نفسِي
وخيُه يأتيه في الجَرَسِ
مُصْطَفاهم سيْدٌ لَسِنْ
ما أقاسيه من الحَرَسِ
قلتُ للبوّاب حين رأى
قلتُ قربَ السيِّدِ النَّدِسِ
قال ما تبغيه يا ولدي
خطرةٌ منه لمُخْتلِسِ
مَنْ شفيعي للإِمامِ عَسَى
لغنيّ غيرِ مُبْتَئْسِ
قال ما يعطي عَوَارِفَه
قال رسول الله وَّة: ((إِنَّ نَفَسَ الرَّحْمْنِ يَأْتِينِي مِنْ قِبَلِ اليَمَنِ)). قيل: إن الأنصار نفس الله
بهم عن نبيه ◌َّ ما كان فيه من مقاساة الكفار المشركين، والأنفاس روائح القرب الإلهيّ، فلما
تنسمت مشامّ العارفين عرف هذه الأنفاس وتوفرت الدواعي منهم إلى طلب محقق ثابت القدم
في ذلك المقام ينبئهم بما في طيّ ذلك المقام الأقدس وما جاءت به هذه الأنفاس من العرف
الأنفس من الأسرار والعلوم بعد البحث بالهمم والتعرّض لنفحات الكرم عرّفوا بشخص إلهيّ
عنده السرّ الذي يطلبونه والعلم الذي يريدون تحصيله وأقامه الحق فيهم قطباً يدور عليه فلكهم،
وأما ما يقوم به ملكهم يقال له مداوي الكلوم فانتشر عنه فيهم من العلم والحكم والأسرار ما لا
يحصرها كتاب، وأوّل سرّ أطلع عليه الدهر الأوّل الذي عنه تكوّنت الدهور، وأوّل فعل أعطي

٢٣٣
في المعارف/ الباب الخامس عشر في معرفة الأنفاس ومعرفة أقطابها المحققين بها وأسرارهم
فعل ما تقتضيه روحانية السماء السابعة سماء كيوان، فكان يصير الحديد فضة بالتدبير والصنعة،
ويصير الحديد ذهباً بالخاصيّة وهو سرّ عجيب، ولم يطلب على هذا رغبة في المال ولكن رغبة
في حسن المآل ليقف من ذلك على رتبة الكمال وأنه مكتسب في التكوين .
فإن المرتبة الأولى من عقد الأبخرة المعدنية بالحركات الفلكية والحرارة الطبيعية زئبقاً
وكبريتاً، وكل متكوّن في المعدن فإنه يطلب الغاية الذي هو الكمال وهو الذهب، لكن تطرأ
عليه في المعدن علل وأمراض من يبس مفرط أو رطوبة مفرطة أو حرارة أو برودة تخرجه عن
الاعتدال فيؤثر فيه ذلك المرض صورة تسمّى الحديد أو النحاس أو الأسرب أو غير ذلك من
المعادن، فأعطي هذا الحكيم معرفة العقاقير والأدوية المزيل استعمالها، تلك العلة الطارئة
على شخصية هذا الطالب درجة الكمال من المعدنيات وهي الذهب فأزالها فصحّ ومشى حتى
لحق بدرجة الكمال، ولكن لا يقوى في الكمالية قوّة الصحيح الذي ما دخل جسمه مرض،
فإن الجسد الذي يدخله المرض بعيدٌ أن يتخلص وينقى الخلوص الذي لا يشوبه كدر وهو
الخلاص الأصلي كيحيى في الأنبياء وآدم عليهما السلام، ولم يكن الغرض إلاَّ درجة الكمال
الإنساني في العبودية فإن الله خلقه ﴿فَ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [سورة التين: الآية ٤] ثم ردّه ﴿إِلَى أَسْفَلَ
سَفِلِينَ﴾ [سورة التين: الآية ٥] ﴿إِلَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ﴾ [سورة التين: الآية ٦] فأبقوا على الصحة
الأصلية، وذلك أنه في طبيعته اكتسب علل الأعراض وأمراض الأغراض، فأراد هذا الحكيم
أن يردّه إلى أحسن تقويم الذي خلقه الله عليه، فهذا كان قصد الشخص العاقل بمعرفة هذه
الصنعة المسمّاة بالكيمياء، وليست سوى معرفة المقادير والأوزان، فإن الإنسان لما خلقه الله
وهو آدم أصل هذه النشأة الإنسانية والصورة الجسمية الطبيعية العنصرية ركب جسده من حار
وبارد ورطب ويابس، بل من بارد يابس، وبارد رطب، وحار رطب، وحار يابس، وهي
الأخلاط الأربعة السوداء والبلغم والدم والصفراء كما هي في جسم العالم الكبير النار والهواء
والماء والتراب، فخلق الله جسم آدم من طين وهو مزج الماء بالتراب، ثم نفخ فيه نفساً
وروحاً .
ولقد ورد في النبوّة الأولى في بعض الكتب المنزلة على نبي في بني إسرائيل ما أذكر
نصّه الآن فإن الحاجة مسّت إلى ذكره، فإن أصدق الأخبار ما روي عن الله تعالى، فروينا عن
مسلمة بن وضاح مسنداً إليه وكان من أهل قرطبة فقال: قال الله في بعض ما أنزله على أنبياء
بني إسرائيل: إني خلقت يعني آدم من تراب وماء، ونفخت فيه نفساً وروحاً فسويت جسده
من قبل التراب ورطوبته من الماء وحرارته من النفس وبرودته من الروح، قال: ثم جعلت في
الجسد بعد هذا أربعة أنواع أخر لا تقوم واحدة منهن إلاَّ بالأخرى وهي: المرّتان والدم
والبلغم، ثم أسكنت بعضهن في بعض، فجعلت مسكن اليبوسة في المرة السوداء، ومسكن
الحرارة في المرّة الصفراء، ومسكن الرطوبة في الدم، ومسكن البرودة في البلغم، ثم قال جلّ
ثناؤه: فأي جسد اعتدلت فيه هذه الأخلاط كملت صحته واعتدلت بنيته، فإن زادت واحدة
منهنّ على الأخرى وقهرتهن دخل السقم على الجسد بقدر ما زادت، وإذا كانت ناقصة

٢٣٤
في المعارف / الباب الخامس عشر في معرفة الأنفاس ومعرفة أقطابها المحققين بها وأسرارهم
ضعفت عن مقاومتهن فدخل السقم بغلبتهن إياها وضعفها عن مقاومتهن، فعلم الطب أن يزيد
في الناقص أو ينقص من الزائد، طلب الاعتدال - في كلام طويل عن الله تعالى ذكرناه في
الموعظة الحسنة، فكان هذا الإمام من أعلم الناس بهذا النشء الطبيعيّ، وما للعالم العلوي
فيه من الآثار المودعة في أنوار الكواكب وسباحتها وهو الأمر الذي أوحى الله في السموات
وفي اقتراناتها وهبوطها وصعودها وأوجها وحضيضها قال تعالى: ﴿وَأَوْحَى فِ كُلِّ سَمَآٍ أَمْرَهَا﴾
[سورة فصلت: الآية ١٢]. وقال في الأرض: ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَتَهَا﴾ [سورة فصلت: الآية ١٠] وكان لهذا
الشخص فيما ذكرناه مجال رحب وباع متسع وقدم راسخة، لكن ما تعدت قوّته في النظر
الفلك السابع من باب الذوق والحال، لكن حصل له ما في الفلك المكوكب والأطلس
بالكشف والاطلاع وكان الغالب عليه قلب الأعيان في زعمه، والأعيان لا تنقلب عندنا جملة
واحدة، فكان هذا الشخص لا يبرح يسبح بروحانيته من حيث رصده وفكره مع المقابل في
درجه ودقائقه، وكان عنده من أسرار إحياء الموات عجائب، وكان مما خصّه الله به أنه ما حلّ
بموضع قد أجدب إلاَّ أوجد الله فيه الخصب والبركة، كما روينا عن رسول الله رَّ في خضر
رضي الله عنه وقد سئل عن اسمه بخضر فقال بَّرَ: «مَا قَعَدَ عَلَى فَرْوَةٍ إِلاَّ اهْتَزَّتْ تَخْتَهُ خَضْرَاءَ)»
وكان هذا الإمام له تلميذ كبير في المعرفة الذاتية وعلم القوّة، وكان يتلطف بأصحابه في التنبيه
عليه ويستر عن عامة أصحابه ذلك خوفاً عليه منهم ولذلك سمّي مداوي الكلوم، كما استكتم
يعقوب يوسف عليهما السلام حذراً عليه من إخوته، وكان يشغل عامّة أصحابه بعلم التدبير،
ومثل ذلك مما يشاكل هذا الفن من تركيب الأرواح في الأجساد وتحليل الأجساد وتأليفها بخلع
صورة عنها أو خلع صورة عليها ليقفوا من ذلك على صنعة الله العليم الحكيم.
وعن هذا القطب خرج علم العالم وكونه إنساناً كبيراً، وأن الإنسان مختصره في
الجرمية مضاهيه في المعنى، فأخبرني الروح الذي أخذت منه ما أودعته في هذا الكتاب أنه
جمع أصحابه يوماً في دسكرة وقام فيهم خطيباً وكانت عليه مهابة فقال: افهموا عني ما أرمزه
لكم في مقامي هذا وفكروا فيه واستخرجوا كنزه واتساع زمانه في أيّ عالم هو وإني لكم
ناصح، وما كل ما يدرى يذاع، فإنه لكل علم أهل يختص بهم، وما يتمكن الانفراد ولا يسع
الوقت، فلا بدّ أن يكون في الجمع فطر مختلفة وأذهان غير مؤتلفة، والمقصود من الجماعة
واحد إياه أقصد بكلامي وبيده مفتاح رمزي، ولكل مقام مقال، ولكل علم رجال، ولكل وارد
حال، فافهموا عني ما أقول وعوا ما تسمعون، فبنور النور أقسمت، وبروح الحياة وحياة
الروح آليت أني عنكم لمنقلب من حيث جئت، وراجع إلى الأصل الذي عنه وجدت، فقد
طال مكثي في هذه الظلمة، وضاق نفسي بترادف هذه الغمة، وإني سألت الرحلة عنكم وقد
أذن لي في الرحيل فاثبتوا على كلامي فتعقلون ما أقول بعد انقضاء سنين عينها وذكر عددها،
فلا تبرحوا حتى آتيكم بعد هذه المدّة، وإن برحتم فلتسرعوا إلى هذا المجلس الكرّة، وإن
لطف مغناه وغلب على الحرف معناه فالحقيقة الحقيقة، والطريقة الطريقة، فقد اشتركت الجنة
والدنيا في اللبن والبناء، وإن كانت الواحدة من طين وتبن والأخرى من عسجد ولجين، هذا

٢٣٥
في المعارف / الباب الخامس عشر في معرفة الأنفاس ومعرفة أقطابها المحققين بها وأسرارهم
ما كان من وصيته لبنيه، وهذه مسألة عظيمة رمزها وراح، فمن عرفها استراح.
ولقد دخلت يوماً بقرطبة على قاضيها أبي الوليد بن رشد وكان يرغب في لقائي لما
سمع وبلغه ما فتح الله به عليّ في خلوتي فكان يظهر التعجّب مما سمع، فبعثني والدي إليه
في حاجة قصداً منه حتى يجتمع بي فإنه كان من أصدقائه وأنا صبيّ ما بقل وجهي ولا طرّ
شاربي، فعندما دخلت عليه قام من مكانه إليّ محبة وإعظاماً فعانقني وقال لي: نعم، قلت له:
نعم، فزاد فرحه بي لفهمي عنه، ثم إني استشعرت بما أفرحه من ذلك فقلت له لا، فانقبض
وتغيّر لونه وشكّ فيما عنده وقال: كيف وجدتم الأمر في الكشف والفيض الإلهيّ هل هو ما
أعطاه لنا النظر؟ قلت له: نعم لا وبين نعم ولا تطير الأرواح من موادها والأعناق من
أجسادها، فاصفرّ لونه وأخذه الأفكل وقعد يحوقل وعرف ما أشرت به إليه وهو عين هذه
المسألة التي ذكرها هذا القطب الإمام أعني مداوي الكلوم، وطلب بعد ذلك من أبي الاجتماع
بنا ليعرض ما عنده علينا هل هو يوافق أو يخالف؟ فإنه كان من أرباب الفكر والنظر العقلي،
فشكر الله تعالى الذي كان في زمان رأى فيه من دخل خلوته جاهلاً وخرج مثل هذا الخروج
من غير درس ولا بحث ولا مطالعة ولا قراءة وقال: هذه حالة أثبتناها وما رأينا لها أرباباً،
فالحمد لله الذي أنا في زمان فيه واحد من أربابها الفاتحين مغالق أبوابها، والحمد لله الذي
خصّني برؤيته، ثم أردت الاجتماع به مرة ثانية فأقيم لي رحمه الله في الواقعة في صورة ضرب
بيني وبينه فيها حجاب رقيق أنظر إليه منه ولا يبصرني ولا يعرف مكاني وقد شغل بنفسه عني،
فقلت: إنه غير مراد لما نحن عليه فما اجتمعت به حتى درج وذلك سنة خمس وتسعين
وخمسمائة بمدينة مراكش ونقل إلى قرطبة وبها قبره، ولما جعل التابوت الذي فيه جسده على
الدابة جعلت تواليفه تعادله من الجانب الآخر وأنا واقف ومعي الفقيه الأديب أبو الحسين
محمد بن جبير كاتب السيد أبي سعيد وصاحبي أبو الحكم عمرو بن السراج الناسخ، فالتفت
أبو الحكم إلينا وقال: ألا تنظرون إلى من يعادل الإمام ابن رشد في مركوبه هذا الإمام وهذه
أعماله يعني تواليفه، فقال له ابن جبير: يا ولدي نعم ما نظرت لا فُضَّ فوك. فقيدتها عندي
موعظة وتذكرة، رحم الله جميعهم، وما بقي من تلك الجماعة غيري وقلنا في ذلك: [الكامل]
هذا الإمامُ وهذه أعمالُهُ
يا ليتَ شعري هل أتَتْ آمَالُهُ
وكان هذا القطب مداوي الكلوم قد أظهر سرّ حركة الفلك، وأنه لو كان على غير هذا
الشكل الذي أوجده الله عليه لم يصحّ أن يتكوّن شيء في الوجود الذي تحت حيطته وبين
الحكمة الإلهية في ذلك ليري الألباب علم الله في الأشياء وأنه بكل شيء عليم، لا إله إلاَّ هو
العليم الحكيم .
وفي معرفة الذات والصفات علم ما أشار إليه هذا القطب، فلو تحرّك غير المستدير لما
عمر الخلاء بحركته، وكانت أحياز كثيرة تبقى في الخلاء، فكان لا يتكوّن عن تلك الحركة
تمام أمر، وكان ينقص منه قدر ما نقص من عمارة تلك الأحياز بالحركة، وذلك بمشيئة الله
تعالى وحكمته الجارية في وضع الأسباب، وأخبر هذا القطب أنّ العالم موجود ما بين

٢٣٦
في المعارف / الباب الخامس عشر في معرفة الأنفاس ومعرفة أقطابها المحققين بها وأسرارهم
المحيط والنقطة على مراتبهم وصغر أفلاكهم وعظمها، وأن الأقرب إلى المحيط أوسع من
الذي في جوفه، فيومه أكبر، ومكانه أفسح، ولسانه أفصح، وهو إلى التحقّق بالقوّة والصفاء
أقرب، وما انحطّ إلى العناصر نزل عن هذه الدرجة حتى إلى كرة الأرض، وكل جزء في كل
محيط يقابل ما فوقه وما تحته بذاته، لا يزيد واحد على الآخر شيء، وإن اتسع الواحد وضاق
الآخر، وهذا من إيراد الكبير على الصغير، والواسع على الضيق، من غير أن يوسع الضيق أو
يضيق الواسع، والكل ينظر إلى النقطة بذواتهم، والنقطة مع صغرها تنظر إلى كل جزء من
المحيط بها بذاتها، فالمختصر المحيط، والمختصر منه النقطة وبالعكس فانظر. ولما انحطّ
الأمر إلى العناصر حتى انتهى إلى الأرض كثر عكره مثل الماء في الحب والزيت، وكل مائع في
الدن ينزل إلى أسفله عكره ويصفو أعلاه، والمعنى في ذلك ما يجده عالم الطبيعة من الحجب
المانعة عن إدراك الأنوار من العلوم والتجليات بكدورات الشهوات والشبهات الشرعية، وعدم
الورع في اللسان والنظر والسماع والمطعم والمشرب والملبس والمركب والمنكح، وكدورات
الشهوات بالانكباب عليها والاستفراغ فيها وإن كانت حلالاً، وإنما لم يمنع نيل الشهوات في
الآخرة، وهي أعظم من شهوات الدنيا من التجّي، لأن التجلّ هناك على الأبصار، وليست
الأبصار بمحل للشهوات، والتجلّ هنا في الدنيا إنما هو على البصائر والبواطن دون الظاهر،
والبواطن محل الشهوات، ولا يجتمع التجلّ والشهوة في محل واحد، فلهذا جنح العارفون
والزهاد في هذه الدنيا إلى التقليل من نيل شهواتها والشغل بكسب حطامها .
وهذا الإمام هو الذي أعلم أصحابه أن ثَمَّ رجالاً سبعة يقال لهم الأبدال يحفظ الله بهم
الأقاليم السبعة لكل بدل إقليم، وإليهم تنظر روحانيات السموات السبع، ولكل شخص منهم
قوّة من روحانيات الأنبياء الكائنين في هذه السموات وهم: إبراهيم الخليل، يليه موسى، يليه
هارون، يتلوه إدريس، يتلوه يوسف، يتلوه عيسى، يتلوه آدم سلام الله عليهم أجمعين. وأمّا
يحيى فله تردّد بين عيسى وبين هارون فينزل على قلوب هؤلاء الأبدال السبعة من حقائق
هؤلاء الأنبياء عليهم السلام، وتنظر إليهم هذه الكواكب السبعة بما أودع الله تعالى في سباحتها
في أفلاكها، وبما أودع الله في حركات هذه السموات السبع من الأسرار والعلوم والآثار
العلوية والسفلية، قال تعالى: ﴿وَأَوْحَى فِى كُلِّ سَمَآءٍ أَمْرَهَا﴾ [سورة فصلت: الآية ١٢] فلهم في
قلوبهم في كل ساعة وفي كل يوم بحسب ما يعطيه صاحب تلك الساعة وسلطان ذلك اليوم.
فكل أمر علمي يكون في يوم الأحد فمن مادة إدريس عليه السلام، وكل أثر علوي
يكون في ذلك اليوم في عنصر الهواء والنار فمن سباحة الشمس ونظرها المودع من الله تعالى
فيها، وما يكون من أثر في عنصر الماء والتراب في ذلك اليوم فمن حركة الفلك الرابع
وموضع هذا الشخص الذي يحفظه من الأقاليم الإقليم الرابع، فممّا يحصل لهذا الشخص
المخصوص من الأبدال بهذا الإقليم من العلوم علم أسرار الروحانيات، وعلم النور والضياء،
وعلم البرق والشعاع، وعلم كل جسم مستنير، ولماذا استنار؟ وما المزاج الذي أعطاه هذا
القبول مثل الحباحب من الحيوان، وكأصول شجر التين من النبات، وكحجر المهى

٢٣٧
في المعارف / الباب الخامس عشر في معرفة الأنفاس ومعرفة أقطابها المحققين بها وأسرارهم
والياقوت، وبعض لحوم الحيوان، وعلم الكمال في المعدن والنبات والحيوان والإنسان
والملك، وعلم الحركة المستقيمة حيثما ظهرت في حيوان أو نبات، وعلم معالم التأسيس
وأنفاس الأنوار، وعلم خلع الأرواح المدبرات وإيضاح الأمور المبهمات، وحل المشكل من
المسائل الغامضة، وعلم النغمات الفلكية والدولابية، وأصوات آلات الطرب من الأوتار
وغيرها، وعلم المناسبة بينها وبين طبائع الحيوان وما للنبات منها، وعلم ما إليه تنتهي المعاني
الروحانية والروائح العطرية، وما المزاج الذي عطرها؟ ولماذا ترجع؟ وكيف ينقلها الهواء إلى
الإدراك الشميّ، وهل هو جوهر أو عرض؟ كل ذلك يناله ويعلمه صاحب ذلك الإقليم في
ذلك اليوم وفي سائر الأيام في ساعات حكم حركة ذلك الفلك، وحكم ما فيه من الكواكب،
وما فيه من روحانية النبيّ، هكذا إلى تمام دورة الجمعة .
وكل أمر علمي يكون في يوم الاثنين فمن روحانية آدم عليه السلام، وكل أثر علوي في
عنصر الهواء والنار فمن سباحة القمر، وكل أثر سفلي في عنصر الماء والتراب فمن حركة
فلك السماء الدنيا، ولهذا الشخص الإقليم السابع، فما يحصل لهذا البدل من العلوم في نفسه
في يوم الاثنين وفي كل ساعة من ساعات أيام الجمعة مما يكون لهذا الفلك حكم فيها علم
السعادة والشقاء، وعلم الأسماء وما لها من الخواص، وعلم المدّ والجزر والربو والنقص.
وكل أمر علمي يكون في يوم الثلاثاء فمن روحانية هارون عليه السلام، وكل أثر علوي
في عنصر النار والهواء فمن روحانية الأحمر، وكل أثر سفلي في ركن الماء والتراب فمن
حركة الفلك الخامس، ولهذا البدل من الأقاليم الإقليم الثالث، فما يعطيه من العلوم في هذا
اليوم وفي ساعاته من الأيام علم تدبير الملك وسياسته، وعلم الحمية والحماية، وترتيب
الجيوش والقتال، ومكايد الحروب، وعلم القرابين، وذبح الحيوان، وعلم أسرار أيام النحر
وسريانه في سائر البقاع، وعلم الهدى والضلال، وتميّز الشبهة من الدليل.
وكل أمر علمي يكون في يوم الأربعاء فمن روحانية عيسى عليه السلام وهو يوم النور،
وكان له نظر إلينا في دخولنا في هذا الطريق التي نحن اليوم عليها، وكل أثر في عنصر النار
والهواء، فمن روحانية سباحة الكاتب في فلكه، وكل أثر سفلي في ركن الماء والتراب فمن
حركة فلك السماء الثانية، وللبدل صاحب هذا اليوم الإقليم السادس، ومما يحصل له من
العلوم في هذا اليوم وفي ساعته من الأيام علم الأوهام والإلهام، والوحي والآراء، والأقيسة،
والرؤيا، والعبادة، والاختراع الصناعي والعطردة، وعلم الغلط الذي يعلق بعين الفهم، وعلم
التعاليم، وعلم الكتابة، والآداب والزجر، والكهانة، والسحر، والطلسمات، والعزائم.
وكل أمر علمي يكون في يوم الخميس فمن روحانية موسى عليه السلام، وكل أثر
علوي في ركن النار والهواء فمن سباحة المشتري، وكل أثر سفلي في عنصر الماء والتراب
فمن حركة فلكه، ولهذا البدل من الأقاليم الإقليم الثاني، ومما يحصل له من العلوم في هذا
اليوم وفي ساعاته من الأيام علم النبات والنواميس، وعلم أسباب الخير ومكارم الأخلاق،
وعلم القربات، وعلم قبول الأعمال وأين ينتهي بصاحبها .

٢٣٨
في المعارف/ الباب الخامس عشر في معرفة الأنفاس ومعرفة أقطابها المحققين بها وأسرارهم
وكل أمر علمي يكون في يوم الجمعة يكون لهذا الشخص الذي يحفظ الله به الإقليم
الخامس فمن روحانية يوسف عليه السلام، وكل أثر علوي يكون في ركن النار والهواء فمن
نظر كوكب الزهرة، وكل أثر سفلي في ركن الماء والأرض فمن حركة فلك الزهرة وهو من
الأمر الذي أوحى الله في كل سماء، وهذه الآثار هي الأمر الإلهيّ الذي يتنزل بين السماء
والأرض، وهو في كل ما يتولد بينهما بين السماء بما ينزل منها، وبين الأرض بما تقبل من
هذا النزول، كما يقبل رحم الأنثى الماء من الرجل للتكوين، والهواء الرطب من الطير، قال
تعالى: ﴿فَلَقَ سَبْعَ سَوَتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِفَعْلَمُوْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ [سورة
الطلاق: الآية ١٢] والقدرة ما لها تعلق إلاَّ بالإيجاد، فعلمنا أنّ المقصود بهذا التنزّل إنما هو
التكوين، ومما يحصل له من العلوم في هذا اليوم وفي ساعاته من الأيام علم التصوير من
حضرة الجمال والإنس وعلم الأحوال.
وكل أمر علمي يكون في يوم السبت لهذا البدل الذي له حفظ الإقليم الأوّل فمن روحانية
إبراهيم الخليل عليه السلام وما يكون فيه من أثر علويّ في ركن النار والهواء، فمن حركة كوكب
كيوان في فلكه، وما كان من أثر في العالم السفلي ركن الأرض والماء، فمن حركة فلكه يقول
تعالى في الكواكب السيارة: ﴿كُلِّ فِىِ فَلَكِ يَسْبَحُونَ﴾ [سورة الأنبياء: الآية ٣٣] وقال تعالى: ﴿ وَبِالنَّجْمِ
هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [سورة النحل: الآية ١٦] فخلقها للاهتداء بها، ومما يحصل له من العلوم في هذا اليوم
وفي ساعاته من باقي الأيام ليلاً ونهاراً علم النبات والتمكين، وعلم الدوام والبقاء، وعلم هذا
الإمام بمقامات هؤلاء الأبدال وهجيراهم، وقال: إن مقام الأوّل وهجيره ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ،
شَىْءٌ﴾ [سورة الشورى: الآية ١١] وسبب ذلك كون الأوّلية له، إذ لو تقدّم له مثل لما صحّت له
الأوّلية، فذكره مناسب لمقامه ومقام الشخص الثاني في هجيره ﴿لَنَفِدَ اُلْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ نَفَدَ كَلِمَتُ
رَبِ﴾ [سورة الكهف: الآية ١٠٩] وهو مقام العلم الإلهيّ وتعلقه لا ينتهي وهو الثاني من الأوصاف،
فإن أوّل الأوصاف الحياة ويليه العلم، وهجير الشخص الثالث ومقامه ﴿وَفِىّ أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ
تُصِرُونَ﴾ [سورة الذاريات: الآية ٢١] وهي المرتبة الثالثة، فإن الآيات الأول هي الأسماء الإلهيّة،
والآيات الثواني في الآفاق والآيات التي تلي الثواني في أنفسنا، قال تعالى: ﴿سَؤُرِيهِمْ ءَايَتِنَا
فِى الَْفَاقِ وَفِىِّ أَنْفُسِهِمْ﴾ [سورة فصلت: الآية ٥٣] فلهذا اختصّ بهذا الهجير الثالث من الأبدال.
ومقام الرابع في هجيره: ﴿يَلَيَِّنِ كُتُ تُرَبًا﴾ [سورة النبأ: الآية ٤٠] وهو الركن الرابع من
الأركان الذي يطلب المركز عند من يقول به، فليس لنقطة الأكرة أقرب من الأرض، وتلك النقطة
كانت سبب وجود المحيط، فهو يطلب القرب من الله موجد الأشياء ولا يحصل إلاَّ بالتواضع ولا
أنزل في التواضع من الأرض وهي منابع العلوم وتفجر الأنهار، وكل ما ينزل من المعصرات فإنما
هو من بخارات الرطوبات التي تصعد من الأرض فمنها تتفجّر العيون والأنهار، ومنها تخرج
البخارات إلى الجوّ فتستحيل ماء فينزل غيثاً، فلهذا اختصّ الرابع بالرابع من الأركان .
ومقام الخامس: ﴿فَسَثَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [سورة النحل: الآية ٤٣] ولا يسأل
إلاَّ المولود فإنه في مقام الطفولة من الطفل وهو الندا، قال تعالى: ﴿أَخْرَحَكُمْ مِنْ بُطُونِ

٢٣٩
في المعارف / الباب الخامس عشر في معرفة الأنفاس ومعرفة أقطابها المحققين بها وأسرارهم
أُمَّهَتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [سورة النحل: الآية ٧٨] فلا يعلم حتى يسأل، فالولد في المرتبة
الخامسة لأن أمّهاته أربعة وهن الأركان فكان هو العين الخامسة، فلهذا كان السؤال هجير
البدل الخامس من بين الأبدال.
وأمّا مقام السادس فهجيره: ﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِىّ إِلَى اللَّهُ﴾ [سورة غافر: الآية ٤٤] وهي المرتبة
السادسة فكانت السادس وإنما كانت السادسة له لأنه في المرتبة الخامسة كما ذكرنا يسأل وقد
كان لا يعلم فعندما سأل علم ولما علم تحقّق بعلمه بربّه ففوّض أمره إليه لأنه علم أن أمره
ليس بيده منه شيء و﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدٌ﴾ [سورة الحج: الآية ١٤] فقال: قد علمت أن الله لما
ملكني أمري وهو يفعل ما يريد علمت أن التفويض في ذلك أرجح لي فلذلك أتخذه هجيراً.
ومقام السابع: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا اُلْأَمَانَةَ﴾ [سورة الأحزاب: الآية ٧٢] وذلك أن لها الرتبة السابعة،
وكان أيضاً تكوين آدم المعبر عنه بالإنسان في الرتبة السابعة، فإنه عن عقل، ثم نفس، ثم
هباء، ثم فلك، ثم فاعلان، ثم منفعلان، فهذه ستة. ثم تكوّن الإنسان الذي هو آدم في الرتبة
السابعة. ولما كان وجود الإنسان في السنبلة ولها من الزمان في الدلالة سبعة آلاف سنة فوجد
الإنسان في الرتبة السابعة من المدة، فما حمل الأمانة إلاَّ من تحقّق بالسبعة وكان هذا هو
السابع من الأبدال فلذلك اتخذ هجيراه هذه الآية.
فهذا قد بينّا لك مراتب الأبدال، وأخبرت أنّ هذا القطب الذي هو مداوي الكلوم كان
في زمان حبسه في هيكله وولايته في العالم، إذا وقف وقف لوقفته سبعون قبيلة كلهم قد
ظهرت فيهم المعارف الإلهية وأسرار الوجود، وكان أبداً لا يتعدى كلامه السبعة، ومكث
زماناً طويلاً في أصحابه، وكان يعين في زمانه من أصحابه شخصاً فاضلاً كان أقرب الناس إليه
مجلساً كان اسمه المستسلم، فلما درج هذا الإمام ولي مقامه في القطبية المستسلم وكان
غالب علمه علم الزمان وهو علم شريف منه يعرف الأزل ومنه ظهر قوله عليه السلام: ((كَانَ
اللَّهُ وَلاَ شَيْءَ مَعَهُ)). وهذا علم لا يعلمه إلاَّ الأفراد من الرجال وهو المعبّر عنه بالدهر الأول
ودهر الدهور، وعن هذا الأزل وجد الزمان وبه تسمّى الله بالدهر وهو قوله عليه السلام: ((لاً
تَسُبُوا الدَّهْرَ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الدَّهرُ)) والحديث صحيح ثابت، ومن حصل له علم الدهر لم يقف في
شيء ينسبه إلى الحق فإنّ له الاتساع الأعظم.
ومن هذا العلم تعدّدت المقالات في الإله، ومنه اختلفت العقائد، وهذا العلم يقبلها
كلها ولا يردّ منها شيئاً، وهو العلم العامّ، وهو الظرف الإلهيّ، وأسراره عجيبة ما له عين
موجودة، وهو في كل شيء حاكم يقبل الحق نسبته، ويقبل الكون نسبته، هو سلطان الأسماء
كلها المعينة والمغيبة عنّا، فكان لهذا الإمام فیه الید البيضاء، وکان له من علمه بدهر الدهور علم
حكمة الدنيا في لعبها بأهلها ولم سمّي لعباً والله أوجده، وكثيراً ما ينسب اللعب إلى الزمان
فيقال: لعب الزمان بأهله، وهو متعلق السابقة، وهو الحاكم في العاقبة، وكان هذا الإمام يذمّ
الكسب ولا يقول به مع معرفته بحكمته، ولكن كان يرقي بذلك همم أصحابه عن التعلّق
بالوسائط، أخبرت أنه ما مات حتى علم من أسرار الحق في خلقه ستة وثلاثين ألف علم

٢٤٠
في المعارف / الباب السادس عشر في معرفة المنازل السفلية والعلوم الكونية ... الخ
وخمسمائة علم من العلوم العلوية خاصة، ومات رحمه الله وولي بعده شخص فاضل اسمه
مظهر الحق عاش مائة وخمسين سنة ومات، وولي بعده الهائج وكان كبير الشأن ظهر بالسيف
عاش مائة وأربعين سنة مات مقتولاً في غزاة. كان الغالب على حاله من الأسماء الإلهيّة القهار.
ولما قتل ولْي بعده شخص يقال له لقمان والله أعلم وكان يلقب واضع الحكم. عاش
مائة وعشرين سنة، كان عارفاً بالترتيب والعلوم الرياضية والطبيعية والإلهيّة، وكان كثير
الوصية لأصحابه، فإن كان هو لقمان فقد ذكر الله لنا ما كان يوصي به ابنه ممّا يدل على رتبته
في العلم بالله وتحريضه على القصد والاعتدال في الأشياء في عموم الأحوال. ولما مات
رحمه الله وکان في زمان داود عليه السلام وُلْي بعده شخص اسمه الكاسب وكانت له قدم
راسخة في علم المناسبات بين العالمين، والمناسبة الإلهيّة التي وجد لها العالم على هذه
الصورة التي هو عليها كان هذا الإمام إذا أراد إظهار أثر ما في الوجود نظر في نفسه إلى المؤثر
فيه من العالم العلوي نظرة مخصوصة على وزن معلوم، فيظهر ذلك الأثر من غير مباشرة ولا
حيلة طبيعية، وكان يقول: إن الله أودع العلم كله في الأفلاك، وجعل الإنسان مجموع رقائق
العالم كله، فمن الإنسان إلى كل شيء في العالم، رقيقة ممتدّة من تلك الرقيقة، يكون من
ذلك الشيء في الإنسان ما أودع الله عند ذلك الشيء من الأمور التي أمنه الله عليها ليؤديها إلى
هذا الإنسان، وبتلك الرقيقة يحرّك الإنسان العارف ذلك الشيء لما يريده، فما من شيء في
العالم إلاَّ وله أثر في الإنسان وللإنسان أثر فيه، فكان لهذا كشف هذه الرقائق ومعرفتها وهي
مثل أشعة النور، عاش هذا الإمام ثمانين سنة، ولما مات ورثه شخص يسمّى جامع الحكم
عاش مائة وعشرين سنة له كلام عظيم في أسرار الأبدال والشيخ والتلميذ، وكان يقول
بالأسباب، وكان قد أُعطي أسرار النبات، وكان له في كل علم يختص بأهل هذا الطريق قدم،
وفيما ذكرناه في هذا الباب غنية، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
الباب السادس عشر
في معرفة المنازل السفلية والعلوم الكونية، ومبدأ معرفة الله منها،
ومعرفة الأوتاد والأبدال، ومن تولاهم من الأرواح العلوية وترتيب أفلاكها
[نظم: البسيط]
هي الدليلُ على المطلوب للرُّسُلِ
عِلْمُ الكثائف أعلامٌ مرتّبةٌ
وهي التي كشفت معالمَ السُّبُلِ
وهي التي حجبتْ أسرارَ ذي عَمَهٍ
من الهلال وخذ علواً إلى زُحَلٍ
لها من العالَمِ العلويِّ سبْعَتُهُ
رسى بها الأرض فائتَزَّتْ من المَيَلِ
لولا الذي أوجَد الأوتادَ أربعةٌ
لما استقرَّ عليها من يكون بها
فاعجَبْ به مثلاً ناهيك من مَثَلِ
اعلم أيّدك الله أنا قد ذكرنا في الباب الذي قبل هذا منازل الأبدال ومقاماتهم، ومن
تولاهم من الأرواح العلوية وترتيب أفلاكها، وما للنيرات فيهم من الآثار وما لهم من