Indexed OCR Text

Pages 81-100

٨١
في المعارف/ الباب الأول: في معرفة الروح
وعرّفني ما أشهدك الحق في طوافك من اللطائف، مما لا يشهده كل طائف، حتى أعرف
همتك ومعناك، فأذكرك على ما علمت منك هناك، فقلت أنا أعرفك أيها الشاهد المشهود،
ببعض ما أشهدني من أسرار الوجود، المترفلات في غلائل النور، والمتحدات العين من وراء
الستور، التي أنشأها الحق حجاباً مرفوعاً وسماء موضوعاً، والفعل بالنظر إلى الذات لطيف،
ولعدم دركه على شريف. [السريع]
وفِعْلُه الطَفُ منَ وَصْفِهِ
فوضفُهُ الْطَفُ من ذاته
أَوْدَعَ معنى الشيء في حَرْفِهِ
وَأَوْدَعَ الكُلِّ بذاتي كما
يُطْلَبُ ذاتُ المِسْك من عُرْفِهِ
فالخلقُ مطلوبٌ لمعنًى كما
ولولا ما أودع في ما اقتصته حقيقتي، ووصلت إليه طريقتي، لم أجد لمشربه نيلاً،
ولا إلى معرفته ميلاً، ولذلك أعود على عند النهاية ولهذا يرجع فخذ البركار في فتح الدائرة
عند الوصول إلى غاية وجودها إلى نقطة البداية، فارتبط آخر الأمر بأوله، وانعطف أبده
على أزله، فليس إلاَّ وجود مستمر، وشهود ثابت مستقر، وإنما طال الطريق، من أجل رؤية
المخلوق، فلو صرف العبد وجهه إلى الذي يليه من غير أن يحل فيه لنظر إلى السالكين إذا
وصلوا، بعين بئس والله ما فعلوا، ولو عرفوا من مكانهم ما انتقلوا، لكن حجبوا بشفعية
الحقائق، عن وترية الحق الخالق، الذي خلق الله به الأرض والطرائق، فنظروا مدارج
الأسماء، وطلبوا معارج الإسراء، وتخيلوها أعظم منزلة تطلب، وأسنى حالة يقصد الحق
تعالى فيها ويرغب، فسير بهم على براق الصدق ورفارفه، وحققهم بما عاينوه من آياته
ولطائفه، وذلك لما كانت النظرة شمالية، وكانت الفطرة على النشأة الكماليه، تقابل بوجهها
في أصل الوضع نقطة الدائرة، فشطر مهجتها من الجانب الأيمن منقبة ومن الجانب الغربي
سافره، فلو سفرت عن اليمين، لنالت من أول طرفتها مقام التمكين في مشاهدة التعيين، ويا
عجباً لمن هو في أعلى عليين، ويتخيل أنه في أسفل سافلين، أعوذ بالله أن أكون من
الجاهلين، فشمالها يمين مديرها، ووقوفها في موضعها الذي وجدت فيه غاية مسيرها، فإذا
ثبت عند العاقل ما أشرت إليه وصحّ، وعلم أن إليه المرجع فمن موقفه لم يبرح لكن يتخيل
المسكين القرع والفتح، ويقول وهل في مقابلة الضيق والحرج إلاّ السعة والشرح، ثم يتلو
ذلك قرآناً على الخصماء، ﴿فَمَن يُرِدِ اَللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَاءِ وَمَن يُرِدٍ أَنْ يُضِلَّهُ
يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيْقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَضَغَدُ فِي السَّمَلَةِ﴾ [سورة الأنعام: الآية ١٢٥]، فكما أن الشرح
لا يكون إلاَّ بعد الضيق، كذلك المطلوب لا يحصل إلاَّ بعد سلوك الطريق، وغفل
المسكين عن تحصيل ما حصل له بالإلهام، مما لا يحصل إلاَّ بالفكر والدليل عند أهل
النهى والأفهام، ولقد صدق فيما قال، فإنه ناظر بعين الشمال، فسلموا له حاله، وثبتوا له
محاله، وضعفوا منه محاله، وقولوا له عليك بالاستعانة إن أردت الوصول إلى ما منه
خرجت لا محالة، واستروا عنه مقام المجاورة، وعظموا له أجر التزاور والمزاورة
والموازره، فسيحزن عند الوصول إلى ما منه سار، وسيفرح بما حصل في طريقه من
الفتوحات المكية ج١ - م٦

٨٢
في المعارف/ الباب الأول: في معرفة الروح
الأسرار وصار، ولولا ما طلب الرسول وَير بالمعراج ما رحل، ولا صعد إلى السماء ولا
نزل، وكان يأتيه شأن الملأ الأعلى وآيات ربّه فى موضعه، كما زويت له الأرض وهو في
مضجعه، ولكنه سرّ إلهيّ لينكره من شاء، لأنه لا يعطيه الإنشاء ويؤمن به من شاء، لأنه
جامع للأشياء، فعندما أتيت على هذا العلم الذي لا يبلغه العقل وحده ولا يحصله على
الاستيفاء الفهم، قال: لقد أسمعتني سرّاً غريباً، وكشفت لي معنى عجيباً، ما سمعته من
وليّ قبلك، ولا رأيت أحداً تممت له هذه الحقائق مثلك، على أنها عندي معلومة، وهي
بذاتي مرقومة، ستبدو لك عند رفع ستاراتي، واطلاعك على إشاراتي، ولكن أخبرني ما
أشهدك عندما أنزلك بحرمه، وأطلعك على حرمه .
مشاهدة مشهد البيعة الإلهية :
قلت اعلم يا فصيحاً لا يتكلم، وسائلاً عما يعلم، لما وصلت إليه من الإيمان، ونزلت
عليه في حضرة الإحسان، أنزلني في حرمه، وأطلعني على حرمه، وقال: إنما أكثرت
المناسك، رغبة في التماسك، فإن لم تجدني هنا وجدتني هنا، وإن احتجبت عنك في جمع
تجليت لك في منى، مع أني قد أعلمتك في غير ما موقف من مواقفك، وأشرت به إليك غير
مرة في بعض لطائفك، أني وإن احتجبت فهو تجلّ لا يعرفه كل عارف، إلاَّ من أحاط علماً
بما أحطت به من المعارف، ألا تراني أتجلى لهم في القيامة، في غير الصورة التي يعرفونها
والعلامة، فينكرون ربوبيتي ومنها يتعوّذون، وبها يتعوّذون ولكن لا يشعرون، ولكنهم يقولون
لذلك المنجلي: نعوذ بالله منك وها نحن لربنا منتظرون، فحينئذ أخرج عليهم في الصورة التي
لديهم فيقرّون لي بالربوبية، وعلى أنفسهم بالعبودية، فهم لعلامتهم عابدون، وللصورة التي
تقرّرت عندهم مشاهدون، فمن قال منهم أنه عبدني فقوله زور وقد باهتني، وكيف يصحّ منه
ذلك وعندما تجليت له أنكرني، فمن قيدني بصورة دون صورة، فتخيله عبد وهو الحقيقة
الممكنة في قلبه المستورة، فهو يتخيل أنه يعبدني وهو يجحدني، والعارفون ليس في الإمكان
خفائي عن أبصارهم، لأنهم غابوا عن الخلق وعن أسرارهم، فلا يظهر لهم عندهم سوائي،
ولا يعقلون من الموجودات سوى أسمائي، فكل شيء ظهر لهم وتجلى، قالوا أنت المسبح
الأعلى، فليسوا سواء فالناس بين غائب وشاهد، وكلاهما عندهم شيء واحد.
فلما سمعت كلامه، وفهمت إشاراته وأعلامه، جذبني جذبة غيور إليه، وأوقفني بين
یدیه .
مخاطبات التعليم والألطاف بسر الكعبة من الوجود والطواف:
ومد اليمين فقبلتها، ووصلتني الصورة التي تعشقتها، فتحول لي في صورة الحياة،
فتحولتُ له في صورة الممات، فطلبت الصورة تبايع الصورة، فقالت لها: لم تحسني السيرة!
وقبضت يمينها عنها وقالت لها: ما عرفت لها في عالم الشهادة كنهاً، ثم تحول لي في صورة
البصر، فتحولت له في صورة من عمي عن النظر، وذلك بعد انقضاء شوط، وتخيل نقض
شرط، فطلبت الصورة تبايع الصورة، فقالت لها مثل المقالة المذكورة، ثم تحول لي في

٨٣
في المعارف/ الباب الأول: في معرفة الروح
صورة العلم الأعم، فتحوّلت له في صورة الجهل الأتم، فطلبت الصورة تبايع الصورة،
فقالت لها المقالة المشهورة، ثم تحوّل لي في صورة سماع النداء، فتحوّلت له في صورة
الصمم عن الدعاء، فطلبت الصورة تبايع الصورة، فأسدل الحق بينهما ستوره، ثم تحوّل لي
في صورة الخطاب، فتحوّلت له في صورة الخرس عن الجواب، فطلبت الصورة تبايع
الصورة، فأرسل الحق بينهما رقوم اللوح وسطوره، ثم تحوّل لي في صورة الإرادة، فتحوّلت
له في صورة قصور الحقيقة والعادة، فطلبت الصورة تبايع الصورة، فأفاض الحق بينهما ضياءه
ونوره، ثم تحوّل لي في صورة القدرة والطاقة، فتحوّلت له في صورة العجز والفاقة، فطلبت
الصورة تبايع الصورة، فأبدى الحق للعبد تقصيره، فقلت لما رأيت ذلك الإعراض، وما
حصل لي تمام الآمال والأغراض، لم أبيت علي ولم تف بعهدي، فقال لي أنت أبيت على
نفسك يا عبدي، لو قبلت الحجر في كل شوط أيها الطائف، لقبلت يميني هنا في هذه الصور
اللطائف، فإنّ بيتي هناك بمنزلة الذات، وأشواط الطواف بمنزلة السبع الصفات، صفات
الكمال لا صفات الجلال، لأنها صفات الاتصال بك والانفصال، فسبعة أشواط لسبع
صفات، وبيت قائم يدل على ذات، غير أني أنزلته في فرشي، وقلت للعامة: هذا عندكم
بمنزلة عرشي، وخليفتي في الأرض هو المستوى عليه والمحتوى، فانظر إلى الملك معك
طائفاً وإلى جانبك واقفاً، فنظرت إليه فعاد إلى عرشه، وناه علي بسموّ نعشه، فتبسمت جذلاً
وقلت مرتجلاً: [السريع]
يا كعبةً طافَ بها المرسَلُونْ
ثم أتى من بعدهِمْ عالَمٌ
أنزلها مثلاً إلى عَرْشِه
فإن يَقُلْ أعظمُ حافٍ به
والله ما جاء بنصّ ولا
هل ذاكَ إلاَّ النُّورُ حفَّتْ به
فانجذب الشيءُ إلى مِثْلِهِ
هلا رأَوْا ما لم يَرَوا أنهم
لو جُرِّدَ الألطفُ منا اسْتَوَى
قُدْسُهُمُو أن يجهلوا حقَّ مَنْ
كيف لهم وعِلْمُهم أنني
واعترفوا بعدَ اعتراضٍ على
وَأَبْلَسَ الشخصُ الذِيّ قد أَبَى
قُدْسُهُمُو قُدْسُهُمُو أَنهم
من بعدِ ما طافَ بها المُكْرَمونْ
طافوا بها من بين عالٍ وَدُونْ
ونحنُ حافُونَ لها مكرمون
إني أنا خيرٌ فهل تسْمَعونْ
أتى لنا إلاَّ بما لايَبِينْ
أنوارُهمْ ونحن ماءً مَهِينْ
وكلُّنا عبدٌ لديه مَكِينْ
طافوا بما طفْنَا وليسوا بِطِينْ
على الذي حَفُوا به طائفينْ
قد سخّر الله له العالَمِينْ
ابْنُ الذي خرُّوا له ساجِدينْ
والِدِنا بكونِهم جاهِلينْ
وكان للفَضْلٍ من الجاحِدينْ
قد عُصِموا من خطأ المُخْطِئينْ
قلت: ثم صرفت عنه وجه قلبي، وأقبلت به على ربي، فقال لي: انتصرت لأبيك،
حلت بركتي فيك، اسمع منزلة من أثنيت عليها، وما قدمته من الخير بين يديها، وأين منزلتك

٨٤
في المعارف/ الباب الأول: في معرفة الروح
من منازل الملائكة المقرّبين، صلوات الله عليكم وعليهم أجمعين، كعبتي هذه قلب الوجود،
وعرشي لهذا القلب جسم محدود، وما وسعني واحد منهما، ولا أخبر عني بالذي أخبرت
عنهما، وبيتي الذي وسعني قلبك المقصود، المودع في جسدك المشهود، فالطائفون بقلبك
الأسرار، فهم بمنزلة أجسادكم عند طوافها بهذه الأحجار، فالطائفون الحافون بعرشنا
المحيط، كالطائفين منك بعالم التخطيط، فكما أنّ الجسم منك في الرتبة دون قلبك البسيط،
كذلك هي الكعبة مع العرش المحيط، فالطائفون بالكعبة بمنزلة الطائفين بقلبك لاشتراكهما
في القلبية، والطائفون بجسمك كالطائفين بالعرش لاشتراكهما في الصفة الإحاطية، فكما أن
عالم الأسرار الطائفين بالقلب الذي وسعني أسنى منزلة من غيرهم وأعلى، كذلك أنتم بنعت
الشرف والسيادة على الطائفين بالعرش المحيط أولى، فإنكم الطائفون بقلب وجود العالم،
فأنتم بمنزلة أسرار العلماء وهم الطائفون بجسم العالم، فهم بمنزلة الماء والهواء، فكيف
تكونون سواء؟ وما وسعني سواكم، وما تجليت في صورة كمال إلاّ في معناكم، فاعرفوا قدر
ما وهبتكموه من الشرف العالي، وبعد هذا فأنا الكبير المتعالي، لا يحدني الحد، ولا يعرفني
السيد ولا العبد، تقدست الألوهة فتنزهت أن تدرك، وفي منزلتها أن تشرك، أنت الأنا، وأنا
أنا فلا تطلبني فيك فتعنى، ولا من خارج فما تتهنى، ولا تترك طلبي فتشقى، فاطلبني حتى
تلقاني فترقى، ولكن تأذب في طلبك، واحضر عند شروعك في مذهبك، وميّز بيني وبينك
فإنك لا تشهدني وإنما تشهد عينك، فقف في صفة الاشتراك، وإلا فكن عبداً وقل العجز عن
درك الإدراك إدراك، تلحق في ذلك عتيقاً، وتكن المكرم الصديقا، ثم قال لي: اخرج عن
حضرتي، فمثلك لا يصلح لخدمتي، فخرجت طريداً، فضج الحاضر فقال ذرني ومن خلقت
وحيداً، ثم قال: ردّوه فرددت، وبين يديه من ساعتي وجدت، وكأني ما زلت عن بساط
شهوده، وما برحت من حضرة وجوده، فقال: كيف يدخل علي في حضرتي من لا يصلح
لخدمتي، لو لم تكن عندك الحرمة التي توجب الخدمة، ما قبلتك الحضرة، ولزمت بك في
أول نظرة، وها أنت فيها، وقد رأيت من برهانك وتخفيها، ما يزيدك احتراماً، وعند تجليها
احتشاماً .
ثم قال: لِمَ لَمْ تسألني حين أمرت بإخراجك، وردّك على معراجك، وأعرفك صاحب
حجة ولسان، ما أسرع ما نسيت أيها الإنسان؟ فقلت: بهرني عظيم مشاهدة ذاتك، وسقط في
يدي لقبضك يمين البيعة في تجلياتك، وبقيت أردّد النظر، ما الذي طرأ في الغيب من الخبر،
فلو التفت في ذلك الوقت إليّ لعلمت أن مني أتى عليّ، ولكن الحضرة تعطى أن لا يشهد
سواها، وأن لا ينظر إلى محيا غير محياها، فقال: صدقت يا محمد، فاثبت في المقام
الأوحد، وإياك والعدد، فإن فيه هلاك الأبد. ثم اتفقت مخاطبات وأخبار، أذكرها في باب
الحج ومکة مع جملة أسرار .
وصل: فقال النجيّ الوفيّ: يا أكرم وليّ وصفيّ، ما ذكرت لي أمراً إلاَّ أنا به عالم،
وهو بذاتي مسطر قائم. قلت: لقد شوقتني إلى التطلع إليك منك حتى أخبر عنك، فقال نعم

في المعارف / الباب الثاني في معرفة مراتب الحروف والحركات من العالم وما لها من الأسماء الحسنى ... ٨٥
أيها الغريب الوارد، والطالب القاصد، ادخل معي كعبة الحجر، فهو البيت المتعالي عن
الحجاب والستر، وهو مدخل العارفين، وفيه راحة الطائفين، فدخلت معه بيت الحجر في
الحال، وألقى يده على صدري وقال: أنا السابع في مرتبة الإحاطة بالكون، وبأسرار وجود
العين والأين، أوجدني الحق قطعة نور حوّائي ساذجة، وجعلني للكليات ممازجة، فبينا أنا
متطلع لما يلقى لديّ أو ينزل عليّ، وإذا بالعلم القلميّ الأعلى، قد نزل بذاتي من منازله
العلى، راكباً على جواد قائم على ثلاث قوائم فنكس رأسه إلى ذاتي، فانتشرت الأنوار
والظلمات، ونفث في روعي جميع الكائنات، ففتق أرضي وسمائي، وأطلعني على جميع
أسمائي، فعرفت نفسي وغيري، وميّزت بين شرّي وخيري، وفصلت ما بين خالقي
وحقائقي، ثم انصرف عني ذلك الملك، وقال تعلم أنك حضرت الملك، فتهيأت للنزول
وورود الرسول، فتجارت الأملاك إليّ، ودارت الأفلاك عليّ، والكل ليميني مقبلون، وعلى
حضرتي مقبلون، وما رأيت ملكاً نزل، ولا ملكاً عن الوقوف بين يدي انتقل، ولحظت في
بعض جوانبي فرأيت صورة الأزل، فعلمت أنّ النزول محال، فثبت على ذلك الحال،
وأعلمت بعض الخاصة ما شهدت، وأطلعتهم مني على ما وجدت، فأنا الروضة اليانعة،
والثمرة الجامعة، فارفع ستوري، واقرأ ما تضمنته سطوري، فما وقفت عليه مني فاجعله في
كتابك، وخاطب به جميع أحبابك، فرفعت ستوره، ولحظت مسطوره، فأبدى لعينيّ نوره
المودع فيه، ما يتضمنه من العلم المكنون ويحويه، فأول سطر قرأته، وأوّل سرّ من ذلك السطر
علمته، ما أذكره الآن في هذا الباب الثاني والله سبحانه يهدي إلى العلم وإلى طريق مستقيم .
الباب الثاني
في معرفة مراتب الحروف والحركات من العالم وما لها
من الأسماء الحسنى، ومعرفة الكلمات ومعرفة العلم والعالم والمعلوم
اعلم أن هذا الباب على ثلاثة فصول: الفصل الأول: في معرفة الحروف. الفصل
الثاني: في معرفة الحركات التي تتميز بها الكلمات. الفصل الثالث: في معرفة العلم والعالم
والمعلوم .
الفصل الأول: في معرفة الحروف ومراتبها والحركات
وهي الحروف الصغار وما لها من الأسماء الإلهية:
[نظم: الكامل]
شَهِدَتْ بذلك أَلْسُنُ الحُفّاظِ
إن الحروفَ أئمةُ الألفاظِ
بين النّيامِ الخُرْسِ والأَيْقَاظِ
دارتْ بها الأفلاكُ في مَلَكُوتِهِ
فبدتْ تَعِزُّ لذلك الإلْحَاظِ
أَلْحَظْتُها الأسماءَ من مكنونها
وتقول لولا فَيْضُ جُودي ما بَدَثْ
عندَ الكلام حقائقُ الأَلْفَاظِ

٨٦ في المعارف/ الباب الثاني في معرفة مراتب الحروف والحركات من العالم وما لها من الأسماء الحسنى ...
اعلم أيّدنا الله وإياك أنه لما كان الوجود مطلقاً من غير تقييد يتضمن المكلف وهو الحق
تعالى، والمكلفين وهم العالم، والحروف جامعة لما ذكرنا، أردنا أن نبيّن مقام المكلف من
هذه الحروف من المكلفين من وجه دقيق محقق، لا يتبدل عند أهل الكشف إذا وقفوا عليه،
وهو مستخرج من البسائط التي عنها تركبت هذه الحروف التي تسمى حروف المعجم
بالاصطلاح العربي في أسمائها، وإنما سميت حروف المعجم لأنها عجمت على الناظر فيها
معناها، ولما كوشفنا على بسائط الحروف وجدناها على أربع مراتب:
(حروف) مرتبتها سبعة أفلاك وهي: الألف والزاي واللام. (وحروف) مرتبتها ثمانية
أفلاك وهي: النون والصاد والضاد. (وحروف) مرتبتها تسعة أفلاك وهي: العين والغين
والسين والشين. (وحروف) مرتبتها عشرة أفلاك وهي باقي حروف المعجم، وذلك ثمانية
عشر حرفاً كل حرف منها مركّب عن عشرة، كما أنّ كل حرف من تلك الحروف منها ما هو
عن تسعة أفلاك وعن ثمانية وعن سبعة لا غير كما ذكرناه، فعدد الأفلاك التي عنها وجدت
هذه الحروف وهي البسائط التي ذكرناها مائتان وأحد وستون فلكاً.
أما المرتبة السبعية فالزاي واللام منها دون الألف فطبعها الحرارة واليبوسة، وأمّا الألف
فطبعها الحرارة والرطوبة واليبوسة والبرودة، ترجع مع الحار حارة ومع الرطب رطبة ومع
البارد باردة ومع اليابس يابسة على حسب ما تجاوره من العوالم.
وأما المرتبة الثمانية فحروفها حارة يابسة.
وأما المرتبة التسعية فالعين والغين طبعهما البرودة واليبوسة. وأما السين والشين
فطبعهما الحرارة واليبوسة .
وأما المرتبة العشرية فحروفها حارة يابسة إلاَّ الحاء المهملة والخاء المعجمة فإنهما
باردتان يابستان، وإلاَّ الهاء والهمزة فإنهما باردتان رطبتان.
فعدد الأفلاك التي عن حركتها توجد الحرارة مائتا فلك وثلاثة أفلاك، وعدد الأفلاك
التي عن حركتها توجد اليبوسة مائتا فلك وأحد وأربعون فلكاً، وعدد الأفلاك التي عن حركتها
توجد البرودة خمسة وستون فلكاً، وعدد الأفلاك التي عن حركتها توجد الرطوبة سبعة
وعشرون فلكاً مع التوالج والتداخل الذي فيها على حسب ما ذكرناه آنفاً، فسبعة أفلاك توجد
عن حركتها العناصر الأول الأربعة، وعنها يوجد حرف الألف خاصة، ومائة وستة وتسعون
فلكاً توجد عن حركتها الحرارة واليبوسة خاصة لا يوجد عنها غيرهما البتة، وعن هذه الأفلاك
يوجد حرف الباء والجيم والدال والواو والزاي والطاء والياء والكاف واللام والميم والنون
والصاد والفاء والضاد والقاف والراء والسين والتاء والثاء والذال والظاء والشين، وثمانية
وثمانون فلكاً يوجد عن حركتها البرودة واليبوسة خاصة، وعن هذه الأفلاك يوجد حرف العين
والحاء والغين والخاء، وعشرون فلكاً توجد عن حركتها البرودة والرطوبة خاصة، وعن هذه
الأفلاك يوجد حرف الهاء والهمزة، وأما لام ألف فممتزج من السبعة والمائة والستة والتسعين
إذا كان مثل قوله: ﴿لَا يَمَسُّهُمُ السُّوْءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [سورة الزمر: الآية ٦١] فإن كان مثل قوله

في المعارف/ الباب الثاني في معرفة مراتب الحروف والحركات من العالم وما لها من الأسماء الحسنى ... ٨٧
تعالى: ﴿لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةٌ﴾ [سورة الحشر: الآية ١٣] فامتزاجه من المائة والستة والتسعين ومن
العشرين وليس في العالم فلك يوجد عنه الحرارة والرطوبة خاصة دون غيرهما.
فإذا نظرت في طبع الهواء عثرت على الحكمة التي منعت أن يكون له فلك مخصوص،
كما أنه ما ثَمَّ فلك يوجد عنه واحد من هذه العناصر الأول على انفراد، فالهاء والهمزة يدور
بهما الفلك الرابع ويقطع الفلك الأقصى في تسعة آلاف سنة، وأما الحاء والخاء والعين والغين
فيدور بها الفلك الثاني ويقطع الفلك الأقصى في إحدى عشرة ألف سنة، وباقي الحروف
يدور بها الفلك الأول ويقطع الفلك الأقصى في اثنتي عشرة ألف سنة وهو على منازل في
أفلاكها، فمنها ما هو على سطح الفلك، ومنها ما هو في مقعر الفلك، ومنها ما هو بينهما،
ولولا التطويل لبيّنا منازلها وحقائقها، ولكن سنلقي من ذلك ما يشفي في الباب الستين من
أبواب هذا الكتاب إن ألهمنا الحق ذلك عند كلامنا في معرفة العناصر وسلطان العالم العلويّ
على العالم السفليّ، وفي أيّ دورة كان وجود هذا العالم الذي نحن فيه الآن من دورات
الفلك الأقصى، وأيّ روحانية تنظرنا فلنقبض العنان حتى نصل إلى موضعه أو يصل موضعه
إن شاء الله .
فلنرجع ونقول: إنّ المرتبة السبعية التي لها الزاي والألف واللام جعلناها للحضرة
الإلهية المكلفة أي نصيبها من الحروف، وإن المرتبة الثمانية التي هي النون والصاد والضاد
جعلناها حظ الإنسان من عالم الحروف، وإن المرتبة التسعية التي هي العين والغين والسين
والشين جعلناها حظ الجنّ من عالم الحروف، وأن المرتبة العشرية وهي المرتبة الثانية من
المراتب الأربعة التي هي باقي الحروف جعلناها حظ الملائكة من عالم الحروف، وإنما جعلنا
هذه الموجودات الأربعة لهذه الأربع مراتب من الحروف على هذا التقسيم لحقائق عسرة
المدرك يحتاج ذكرها وبيانها إلى ديوان بنفسه، ولكن قد ذكرناه حتى نتمّه في كتاب المبادي
والغايات فيما تحوي عليه حروف المعجم من العجائب والآيات وهو بين أيدينا ما كمل، ولا
قيد منه إلاَّ أوراق متفرقة يسيرة، ولكن سأذكر منه في هذا الباب لمحة بارق إن شاء الله :
فحصلت الأربعة للجن الناري لحقائق هم عليها وهي التي أدّتهم لقولهم فيما أخبر
الحق تعالى عنهم: ﴿ثُمَّ لَتِيَنَّهُم مِّنْ بَيْنِ أَيْدِيِهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَنِمْ وَعَنْ شَمَايَلِهِمْ﴾ [سورة الأعراف:
الآية ١٧] وفرغت حقائقهم ولم تبق لهم حقيقة خامسة يطلبون بها مرتبة زائدة، وإياك أن تعتقد
أن ذلك جائز لهم وهو أن يكون لهم العلو، وما يقابله اللذان تتم بهما الجهات الستة فإن
الحقيقة تأبى ذلك على ما قرّرناه في كتاب المبادي والغايات وبيّنا فيه لِمَ اختصوا بالعين والغين
والسين والشين دون غيرها من الحروف والمناسبة التي بين هذه الحروف وبينهم، وأنهم
موجودون عن الأفلاك التي عنها وجدت هذه الحروف.
وحصل للحضرة الإلهية من هذه الحروف ثلاثة لحقائق هي عليها أيضاً وهي: الذات
والصفة والرابط بين الذات والصفة وهي القبول أي بها كان القبول لأن الصفة لها تعلُّق
بالموصوف بها وبمتعلقها الحقيقيّ لها، كالعلم يربط نفسه بالعالم به وبالمعلوم، والإرادة تربط

٨٨ في المعارف/ الباب الثاني في معرفة مراتب الحروف والحركات من العالم وما لها من الأسماء الحسنى ...
نفسها بالمريد بها وبالمراد لها، والقدرة تربط نفسها بالقادر بها وبالمقدور لها، وكذلك جميع
الأوصاف والأسماء وإن كانت نسباً وكانت الحروف التي اختصت بها الألف والزاي واللام
تدل على معنى نفي الأولية وهو الأزل، وبسائط هذه الحروف واحدة في العدد، فما أعجب
الحقائق لمن وقف عليها فإنه يتنزّه فيما يجهله الغیر وتضيق صدور الجهلاء به، وقد تكلمنا
أيضاً في المناسبة الجامعة بين هذه الحروف وبين الحضرة الإلهية في الكتاب المذكور.
وكذلك حصل للحضرة الإنسانية من هذه الحروف ثلاثة أيضاً كما حصل للحضرة
الإلهية فاتفقا في العدد غير أنها حرف النون والصاد والضاد ففارقت الحضرة الإلهية من جهة
موادها، فإن العبودية لا تشرك الربوبية في الحقائق التي بها يكون إلهاً، كما أن بحقائقه يكون
العبد مألوهاً، وبما هو على الصورة اختصّ بثلاثة كهو، فلو وقع الاشتراك في الحقائق لكان
إلهاً واحداً أو عبداً واحداً أعنى عيناً واحدة وهذا لا يصحّ، فلا بدّ أن تكون الحقائق متباينة ولو
نسبت إلى عين واحدة، ولهذا باينهم بقدمه كما باينوه بحدوثهم، ولم يقل باينهم بعلمه كما
باينوه بعلمهم فإن فلك العلم واحد قديماً في القديم محدثاً في المحدث، واجتمعت
الحضرتان في أن كل واحدة منهما معقولة من ثلاث حقائق ذات صفة ورابطة بين الصفة
والموصوف بها .
غير أن العبد له ثلاثة أحوال: حالة مع نفسه لا غير وهو الوقت الذي يكون فيه نائم
القلب عن كل شيء وحالة مع الله وحالة مع العالم. والباري سبحانه مباين لنا فيما ذكرناه فإن
له حالين حال من أجله وحال من أجل خلقه وليس فوقه موجود، فيكون له تعالى وصف تعلّق
به، فهذا بحر آخر لو خضنا فيه لجاءت أمور لا يطاق سماعها، وقد ذكرنا المناسبة التي بين
النون والصاد والضاد التي للإنسان، وبين الألف والزاي واللام التي هي للحضرة الإلهية في
كتاب المبادي والغايات. وإن كانت حروف الحضرة الإلهية عن سبعة أفلاك والإنسانية عن
ثمانية أفلاك فإن هذا لا يقدح في المناسبة لتبيّن الإله والمألوه، ثم إنه في نفس النون الرقمية
التي هي شطر الفلك من العجائب ما لا يقدر على سماعها إلاَّ من شدّ عليه مئزر التسليم،
وتحقق بروح الموت الذي لا يتصور ممّن قام به اعتراض ولا تطلع، وكذلك في نفس نقطة
النون أوّل دلالة النون الروحانية المعقولة فوق شكل النون السفلية التي هي النصف من
الدائرة، والنقطة الموصولة بالنون المرقومة الموضوعة أوّل الشكل التي هي مركز الألف
المعقولة التي بها يتميز قطر الدائرة، والنقطة الأخيرة التي ينقطع بها شكل النون وينتهي بها
هي رأس هذا الألف المعقولة المتوهمة فنقدر قيامها من رقدتها فترتكز لك على النون، فيظهر
من ذلك حرف اللام والنون نصفها زاي مع وجود الألف المذكورة فتكون النون بهذا الاعتبار
تعطيك الأزل الإنسانيّ، كما أعطاك الألف والزاي واللام في الحق، غير أنه في الحق ظاهر
لأنه بذاته أزليّ لا أول له، ولا مفتتح لوجوده في ذاته بلا ريب ولا شك.
ولبعض المحققين كلام في الإنسان الأزليّ، فنسب الإنسان إلى الأزل فالإنسان خفي
فيه الأزل فجهل لأن الأزل ليس ظاهراً في ذاته، وإنما صحّ فيه الأزل لوجه ما من وجوه

في المعارف / الباب الثاني في معرفة مراتب الحروف والحركات من العالم وما لها من الأسماء الحسنى ... ٨٩
وجوده منها أن الموجود يطلق عليه الوجود في أربع مراتب: وجود في الذهن ووجود في
العين ووجود في اللفظ ووجود في الرقم، وسيأتي ذكر هذا في هذا الكتاب إن شاء الله .
فمن جهة وجوده على صورته التي وجد عليها في عينه في العلم القديم الأزليّ المتعلق
به في حال ثبوته فهو موجود أزلاً أيضاً كأنه بعناية العلم المتعلق به، كالتحيّز للعرض بسبب
قيامه بالجوهر فصار متحيزاً بالتبعية فلهذا خفى فيه الأزل، ولحقائقه أيضاً الأزلية المجردة عن
الصورة المعينة المعقولة التي تقبل القدم والحدوث على حسب ما شرحنا ذلك في كتاب إنشاء
الدوائر والجداول فانظره هناك تجده مستوفى، وسنذكر منه طرفاً في هذا الكتاب في بعض
الأبواب إذا مست الحاجة إليه.
وظهور ما ذكرناه من سرّ الأزل في النون هو في الصاد والضاد أتم وأمكن لوجود كمال
الدائرة، وكذلك ترجع حقائق الألف والزاي واللام التي للحق إلى حقائق النون والصاد
والضاد التي للعبد، ويرجع الحق يتصف هنا بالأسرار التي منعنا عن كشفها في الكتب، ولكن
يظهرها العارف بين أهلها في علمه ومشربه، أو مسلم في أكمل درجات التسليم وهي حرام
على غير هذين الصنفين، فتحقق ما ذكرناه وتبينه يبدو لك من العجائب التي تبهر العقول
حسن جمالها .
وبقي للملائكة باقي حروف المعجم وهي ثمانية عشر حرفاً وهي: الباء والجيم والدال
والهاء والواو والحاء والطاء والياء والكاف والميم والفاء والقاف والراء والتاء والثاء والخاء
والذال والظاء.
فقلنا: الحضرة الإنسانية كالحضرة الإلهية لا بل هي عينها على ثلاث مراتب: ملك
وملكوت وجبروت، وكل واحدة من هذه المراتب تنقسم إلى ثلاث فهي تسعة في العدد،
فتأخذ ثلاثة الشهادة فتضربها في الستة المجموعة من الحضرة الإلهية والإنسانية أو في الستة
الأيام المقدرة التي فيها وجدت الثلاثة الحقية الثلاثة الخلقية يخرج لك ثمانية عشر وهو وجود
الملك، وكذلك تعمل في الحق بهذه المثابة فالحق له تسعة أفلاك للإلقاء، والإنسان له تسعة
أفلاك للتلقي فتمتدّ من كل حقيقة من التسعة الحقيّة رقائق إلى التسعة الخلقية، وتنعطف من
التسعة الخلقية رقائق على التسعة الحقية فحيثما اجتمعت كان الملك ذلك الاجتماع وحدث
هناك، فذلك الأمر الزائد الذي حدث هو الملك، فإن أراد أن يميل بكله نحو التسعة الواحدة
جذبته الأخرى فهو يتردّد ما بينهما جبريل ينزل من حضرة الحق على النبيّ عليه السلام، وأن
حقيقة الملك لا يصحّ فيها الميل فإنه منشأ الاعتدال بين التسعتين، والميل انحراف ولا
انحراف عنده، ولكنه يتردّد بين الحركة المنكوسة والمستقيمة وهو عين الرقيقة، فإن جاءه
وهو فاقد فالحركة منكوسة ذاتية وعرضية، وإن جاءه وهو واجد فالحركة مستقيمة عرضية لا
ذاتية، وإن رجع عنه وهو فاقد فالحركة ذاتية وعرضية، وإن رجع عنه وهو واجد فالحركة
منكوسة عرضية لا ذاتية، وقد تكون الحركة من العارف مستقيمة أبداً، ومن العابد منكوسة

٩٠ في المعارف/ الباب الثاني في معرفة مراتب الحروف والحركات من العالم وما لها من الأسماء الحسنى ...
أبداً، وسيأتي الكلام عليها في داخل الكتاب وانحصارها في ثلاث: منكوسة وأفقية ومستقيمة
إن شاء الله، فهذه نكت غيبية عجيبة.
ثم أرجع وأقول: إن التسعة هي سبعة وذلك أن عالم الشهادة هو في نفسه برزخ فذلك
واحد وله ظاهر فذلك اثنان وله باطن فذلك ثلاثة، ثم عالم الجبروت برزخ في نفسه فذلك
واحد وهو الرابع، ثم له ظاهر وهو باطن عالم الشهادة ثم له باطن وهو الخامس، ثم بعد ذلك
عالم الملكوت هو في نفسه برزخ وهو السادس، ثم له ظاهر وهو باطن عالم الجبروت وله
باطن وهو السابع وما ثَمَّ غير هذا، وهذه صورة السبعية والتسعية فتأخذ الثلاثة وتضربها في
السبعة فيكون الخارج أحداً وعشرين فتخرج الثلاثة الإنسانية فتبقى ثمانية عشر وهو مقام
الملك وهي الأفلاك التي منها يتلقي الإنسان الموارد، وكذلك تفعل بالثلاثة الحقيّة تضربها
أيضاً في السبعة فتكون عند ذلك الأفلاك التي منها يلقي الحق على عبده ما يشاء من
الواردات، فإن أخذناها من جانب الحق قلنا أفلاك الإلقاء، وإن أخذناها من جانب الإنسان
قلنا أفلاك التلقي، وإن أخذناها منهما معاً جعلنا تسعة الحق للإلقاء والأخرى للتلقي،
وباجتماعهما حدث الملك، ولهذا أوجد الحق تسعة أفلاك: السموات السبع والكرسيّ
والعرش، وإن شئت قلت فلك الكواكب والفلك الأطلس وهو الصحيح.
تتميم: منعنا في أول هذا الفصل أن يكون للحرارة والرطوبة فلك ولم نذكر السبب
فلنذكر منه طرفاً في هذا الباب حتى نستوفيه في داخل الكتاب إن شاء الله تعالى، وسأذكر في
هذا الباب بعد هذا التتميم ما يكون من الحروف حاراً رطباً وذلك لأنه دار به فلك غير الفلك
الذي ذكرناه في أول الباب.
فاعلم أن الحرارة والرطوبة هي الحياة الطبيعية، فلو كان لها فلك كما لأخواتها في
المزجة لانقضت دورة ذلك الفلك وزال سلطانه كما يظهر في الحياة العرضية وكانت تنعدم أو
تنتقل وحقيقتها تقضي بأن لا تنعدم فليس لها فلك، ولهذا أنبأنا الباري تعالى أن الدار الآخرة
هي الحيوان وأن كل شيء يسبح بحمده، فصار فلك الحياة الأبدية الحياة الأزلية تمدها وليس
لها فلك فتنقضي دورته، فالحياة الأزلية ذاتية للحيِّ لا يصحّ لها انقضاء. فالحياة الأبدية
المعلولة بالحياة الأزلية لا يصحّ لها انقضاء، ألا ترى الأرواح لما كانت حياتها ذاتية لها لم
يصحّ فيها موت البتة، ولما كانت الحياة في الأجسام بالعرض قام بها الموت والفناء، فإن
حياة الجسم الظاهرة من آثار حياة الروح كنور الشمس الذي في الأرض من الشمس فإذا
مضت الشمس تبعها نورها وبقيت الأرض مظلمة، كذلك الروح إذا رحل عن الجسم إلى
عالمه الذي جاء منه تبعته الحياة المنتشرة منه في الجسم الحيّ وبقي الجسم في صورة الجماد
﴿ مِنْهَا خَلَقْتَكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ
في رأي العين، فيقال مات فلان وتقول الحقيقة رجع إلى أصله
وَمِنْهَا نُخْرِيحُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ [سورة له: الآية ٥٥] كما رجع أيضاً الروح إلى أصله حتى البعث
والنشور يكون من الروح تجل للجسم بطريق العشق، فتلتئم أجزاؤه وتتركب أعضاؤه بحياة
لطيفة جداً تحرّك الأعضاء للتأليف اكتسبته من التفات الروح، فإذا استوت البنية وقامت النشأة

في المعارف / الباب الثاني في معرفة مراتب الحروف والحركات من العالم وما لها من الأسماء الحسنى ... ٩١
الترابية تجلّى له الروح بالرقيقة الإسرافيلية في الصور المحيط فتسري الحياة في أعضائه فيقوم
شخصاً سوياً كما كان أول مرة ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَعْظُرُونَ﴾ [سورة الزمر: الآية ٦٨]
﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَيِّهَا﴾ [سورة الزمر: الآية ٦٩] ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُوُدُونَ﴾ [سورة الأعراف: الآية ٢٩]
﴿قُلْ يُحْبِيَهَا الَّذِىَ أَنشَأَهَا أَوْلَ مَرَّةٍ﴾ [سورة يس: الآية ٧٩] فإما شقيّ وإما سعيد.
واعلم أن في امتزاج هذه الأصول عجائب فإن الحرارة والبرودة ضدّان فلا يمتزجان،
وإذا لم يمتزجا لم يكن عنهما شيءٍ، وكذلك الرطوبة واليبوسة، وإنما يمتزج ضدّ الضدّ بضدّ
الضدّ الآخر فلا يتولّد عنها أبداً إلاَّ أربعة لأنها أربعة ولهذا كانت اثنان ضدين لاثنين، فلو لم
تكن على هذا لكان التركيب منها أكثر مما تعطيه حقائقها، ولا يصحّ أن يكون التركيب أكثر
من أربعة أصول فإن الأربعة هي أصول العدد، فالثلاثة التي في الأربعة مع الأربعة سبعة،
والاثنان التي فيها مع هذه السبعة تسعة، والواحد الذي في الأربعة مع هذه التسعة عشرة،
وركب ما شئت بعد هذا، وما تجد عدداً يعطيك هذا إلاَّ الأربعة، كما لا تجد عدداً تاماً إلاَّ
الستة لأن فيها النصف والسدس والثلث فامتزجت الحرارة واليبوسة، فكان النار والحرارة
والرطوبة، فكان الهواء والبرودة والرطوبة، فكان الماء والبرودة واليبوسة فكان التراب، فانظر
في تكوّن الهواء عن الحرارة والرطوبة وهو النفس الذي هو الحياة الحسيّة وهو المحرّك لكل
شيء بنفسه للماء والأرض والنار، وبحركته تتحرّك الأشياء لأنه الحياة إذا كانت الحركة أثر
الحياة، فهذه الأربعة الأركان المولدة عن الأمهات الأول.
ثم لتعلم أنّ تلك الأمهات الأول تعطي في المركبات حقائقها لا غير من غیر امتزاج،
فالتسخين عن الحرارة لا يكون عن غيرها، وكذلك التجفيف والتقبض عن اليبوسة، فإذا
رأيت النار قد أيبست المحل من الماء فلا تتخيل أن الحرارة جففته فإن النار مركبة من حرارة
ويبوسة كما تقدم، فبالحرارة التي فيها تسخن الماء وباليبوسة وقع التجفيف، وكذلك التليين
لا يكون إلاَّ عن الرطوبة والتبريد عن البرودة، فالحرارة تسخن والبرودة تبرّد والرطوبة تلين
واليبوسة تجفف، فهذه الأمهات متنافرة لا تجتمع أبداً إلاَّ في الصورة ولكن على حسب ما
تعطيه حقائقها، ولا يوجد منها في صورة أبداً واحد لكن يوجد اثنان أما حرارة ويبوسة كما
تقدم من تركيبها وأما أن توجد الحرارة وحدها فلا لأنها لا يكون عنها على انفرادها إلا هي.
وصل: فإن الحقائق على قسمين: حقائق توجد مفردات في العقل كالحياة والعلم
والنطق والحس، وحقائق توجد بوجود التركيب كالسماء والعالم والإنسان والحجر، فإن
قلت: فما السبب الذي جمع هذه الأمهات المتنافرة حتى ظهر من امتزاجها ما ظهر؟ فهنا
سرّ عجيب ومركب صعب يحرم كشفه لأنه لا يطاق حمله لأن العقل لا يعقله ولكن
الكشف يشهده فلنسكت عنه وربما نشير إليه من بعيد في مواضع من كتابي هذا يتفطن إليه
الباحث اللبيب ولكن أقول: أراد المختار سبحانه أن يؤلفها لما سبق في علمه خلق العالم
وأنها أصل أكثره أو أصله إن شئت فألفها، ولم تكن موجودة في أعيانها ولكن أوجدها
مؤلفة لم يوجدها مفردة ثم جمعها، فإن حقائقها تأبى ذلك، فأوجد الصورة التي هي عبارة

٩٢ في المعارف/ الباب الثاني في معرفة مراتب الحروف والحركات من العالم وما لها من الأسماء الحسنى ...
عن تأليف حقيقتين من هذه الحقائق، فصارت كأنها كانت موجودة متفرقة، ثم ألفت
فظهرت للتأليف حقيقة لم تكن في وقت الافتراق.
فالحقائق تعطي أن هذه الأمهات لم يكن لها وجود في عينها البتة قبل وجود الصور المركبة
عنها، فلما أوجد هذه الصور التي هي الماء والنار والهواء والأرض وجعلها سبحانه يستحيل
بعضها إلى بعض فيعود النار هواء والهواء ناراً كما تقلب التاء طاء والسين صاداً لأن الفلك الذي
وجدت عنه الأمهات الأول عنها وجدت هذه الحروف، فالفلك الذي وجد عنه الأرض وجد عنه
حرف الثاء والتاء وما عدا رأس الجيم ونصف تعريقة اللام ورأس الخاء وثلثا الهاء والدال اليابسة
والنون والميم. والفلك الذي وجد عنه الماء وجد عنه حرف الشين والغين والطاء والحاء والضاد
ورأس الباء بالنقطة الواحدة ومدة جسد الفاء دون رأسها ورأس القاف وشيء من تعريقه ونصف
دائرة الظاء المعجمة الأسفل. والفلك الذي وجد عنه الهواء وجد عنه طرف الهاء الأخير الذي
يعقد دائرتها ورأس الفاء وتعريق الخاء على حكم نصف الدائرة ونصف دائرة الظاء المعجمة
الأعلى مع قائمته وحرف الذال والعين والزاي والصاد والواو. والفلك الذي وجد عنه النار وجد
عنه حرف الهمزة والكاف والباء والسين والراء ورأس الجيم وجسد الياء باثنتين من أسفل دون
رأسها ووسط اللام وجسد القاف دون رأسه، وعن حقيقة الألف صدرت هذه الحروف كلها وهو
فلكها روحاً وحساً وكذلك ثم موجود خامس هو أصل لهذه الأركان.
وفي هذا خلاف بين أصحاب علم الطبائع عن النظر ذكره الحكيم في الاسطفسات ولم
يأت فيه بشيء يقف الناظر عنده، ولم نعرف هذا من حيث قراءتي علم الطبائع على أهله،
وإنما دخل به عليّ صاحب لي وهو في يده وكان يشتغل بتحصيل علم الطب فسألني أن أمشيه
له من جهة علمنا بهذه الأشياء من جهة الكشف لا من جهة القراءة والنظر، فقرأه علينا فوقفت
منه على هذا الخلاف الذي أشرت إليه فمن هناك علمته، ولولا ذلك ما عرفت هل خالف فيه
أحد أم لا، فإنه ما عندنا فيه إلاَّ الشيء الحق الذي هو عليه وما عندنا خلاف، فإن الحق تعالى
الذي نأخذ العلوم عنه بخلوّ القلب عن الفكر والاستعداد لقبول الواردات هو الذي يعطينا
الأمر على أصله من غير إجمال ولا حيرة، فنعرف الحقائق على ما هي عليه سواء كانت
المفردات أو الحادثة بحدوث التأليف، أو الحقائق الإلهية لا نمتري في شيء منها فمن هناك
هو علمنا، والحق سبحانه معلمنا ورثاً نبوياً محفوظاً معصوماً من الخلل والإجمال والظاهر.
قال تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِى لَهٍُ﴾ [سورة يس: الآية ٦٩] فإن الشعر محل الإجمال
والرموز والألغاز والتورية، أي مارمزنا له شيئاً ولا لغزناه ولا خاطبناه بشيء ونحن نريد شيئاً
آخر، ولا أجملنا له الخطاب إن هو إلاَّ ذکر لما شاهده حین جذبناه وغییناه عنه وأحضرناه بنا
عندنا فكنا سمعه وبصره، ثم رددناه إليكم لتهتدوا به في ظلمات الجهل والكون، فكنّا لسانه
الذي يخاطبكم به، ثم أنزلنا عليه مذكراً يذكره بما شاهده فهو ذكر له لذلك وقرآن أي جمع أشياء
كان شاهدها عندنا مبين، ظاهر له لعلمه بأصل ما شاهده وعاينه في ذلك التقريب الأنزه الأقدس
الذي ناله منه وَّر، ولنا منه من الحظ على قدر صفاء المحل والتهيء والتقوى.

في المعارف/ الباب الثاني في معرفة مراتب الحروف والحركات من العالم وما لها من الأسماء الحسنى ... ٩٣
فمن علم أن الطبائع والعالم المركب منها في غاية الافتقار والاحتياج إلى الله تعالى في
وجود أعيانها وتأليفها علم أن السبب هو حقائق الحضرة الإلهية الأسماء الحسنى والأوصاف
العلى كيف تشاء على حسب ما تعطيه حقائقها، وقد بيّنا هذا الفصل على الاستيفاء في كتاب
إنشاء الجداول والدوائر، وسنذكر من ذلك طرفاً في هذا الكتاب، فهذا هو سبب الأسباب
القديم الذي لم يزل مؤلف الأمهات ومولد البنات فسبحانه سبحانه خالق الأرض والسموات.
وصل: انتهى الكلام المطلوب في هذا الكتاب على الحروف من جهة المكلف
والمكلفين وحظها منهم وحركتها في الأفلاك السداسية المضاعفة، وعيّنا سني دورتها في تلك
الأفلاك وحظها من الطبيعة من حركة تلك الأفلاك ومراتبها الأربعة في المكلف والمكلفين
على حسب فهم العامة، ولهذا كانت أفلاك بسائطها على نوعين، فالبسائط التي يقتصر بها
على حقائق عامة العقلاء على أربعة: حروف الحق التي عن الأفلاك السبعية، وحروف الإنس
عن الثمانية، وحروف الملك عن التسعة، وحروف الجن الناري عن العشرة، وليس ثم قسم
زائد عندهم لقصورهم عن إدراك ما ثم لأنهم تحت قهر عقولهم، والمحققون تحت قهر
سيدهم الملك الحق سبحانه وتعالى، فلهذا عندهم من الكشف ما ليس عند الغير، فبسائط
المحققين على ست مراتب :
مرتبة للمكلف الحق تعالى وهي النون وهي ثنائية فإن الحق لا نعلمه إلاَّ منا وهو
معبودنا، ولا يعلم على الكمال إلاَّ بنا فلهذا كان له النون التي هي ثنائية فإن بسائطها اثنان
الواو والألف فالألف له والواو لمعناك، وما في الوجود غير الله وأنت إذ أنت الخليفة ولهذا
الألف عام والواو ممتزجة كما سيأتي ذكرها في هذا الباب، ودورة هذا الفلك المخصوصة
التي بها تقطع الفلك المحيط الكليّ دورة جامعة، تقطع الفلك الكليّ في اثنين وثمانين ألف
سنة، وتقطع فلك الواو الفلك الكليّ في عشرة آلاف سنة على ما نذكرها بعد في هذا الباب
عند كلامنا على الحروف مفردة وحقائقها وما بقي من المراتب فعلى عدد المكلفين.
وأما المرتبة الثانية فهي للإنسان وهو أكمل المكلفين وجوداً وأعمه وأتمه خلقاً وأقومه،
ولها حرف واحد وهي الميم وهي ثلاثية وذلك أن بسائطها ثلاثة: الياء والألف والهمزة
وسيأتي ذكرها في داخل الباب إن شاء الله .
وأما المرتبة الثالثة فهي للجن مطلقاً النوري والناري وهي رباعية ولها من الحروف
الجيم والواو والكاف والقاف وسيأتي ذكرها .
وأما المرتبة الرابعة فهي للبهائم وهي خماسية لها من الحروف الدال اليابسة والزاي
والصاد اليابسة والعين اليابسة والضاد المعجمة والسين اليابسة والذال المعجمة والغين والشين
المعجمتان، وسيأتي ذكرها إن شاء الله.
وأما المرتبة الخامسة فهي للنبات وهي سداسية لها من الحروف: الألف والهاء واللام
وسيأتي ذكرها إن شاء الله.

٩٤ في المعارف/ الباب الثاني في معرفة مراتب الحروف والحركات من العالم وما لها من الأسماء الحسنى ...
وأما المرتبة السادسة فهي للجماد وهي سباعية لها من الحروف الباء والحاء والطاء
والياء والفاء والراء والتاء والثاء والخاء والظاء وسيأتي ذكرها إن شاء الله.
والغرض في هذا الكتاب إظهار لمع ولوائح إشارات من أسرار الوجود، ولو فتحنا
الكلام على سرائر هذه الحروف وما تقتضيه حقائقها لكلّت اليمين وحفي القلم وجفّ المداد
وضاقت القراطيس والألواح ولو كان الرق المنشور فإنها من الكلمات التي قال الله تعالى فيها:
﴿لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا﴾ [سورة الكهف: الآية ١٠٩] وقال: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِى الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَهٌ وَالْبَحْرُ
يَمُدُّمُ مِنْ بَعْدِهِ، سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَتُ اَللَّهِ﴾ [سورة لقمان: الآية ٢٧] وهنا سرّ وإشارة عجيبة
لمن تفطن لها وعثر على هذه الكلمات، فلو كانت هذه العلوم نتيجة عن فكر ونظر لا نحصر
الإنسان في أقرب مدة، ولكنها موارد الحق تعالى تتوالى على قلب العبد وأرواحه البررة تنزل
عليهم من عالم غيبه برحمته التي من عنده وعلمه الذي من لدنه، والحق تعالى وهاب على
الدوام فياض على الاستمرار، والمحل قابل على الدوام فإما يقبل الجهل وإما يقبل العلم،
فإن استعد وتهيأ وصفى مرآة قلبه وجلاها حصل له الوهب على الدوام، ويحصل له في
اللحظة ما لا يقدر على تقييده في أزمنة لاتساع ذلك الفلك المعقول وضيق هذا الفلك
المحسوس، فكيف ينقضي ما لا يتصوّر له نهاية ولا غاية يقف عندها، وقد صرَّح بذلك في أمره
لرسوله عليه السلام: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِ عِلْمًا﴾ [سورة طه: الآية ١١٤] والمراد بهذه الزيادة من العلم
المتعلق بالإله ليزيد معرفة بتوحيد الكثرة فتزيد رغبته في تحمیده، فیزاد فضلاً على تحميده دون
انتهاء ولا انقطاع فطلب منه الزيادة، وقد حصل من العلوم والأسرار ما لم يبلغه أحد.
وممّا يؤيد ما ذكرناه من أنه أمر بالزيادة من علم التوحيد لا من غيره أنه كان ◌َّ إذا أكل
طعاماً قال: ((اللّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِيهِ وَأَطْعِمْنَا خَيْراً مِنْهُ))، وإذا شرب لبناً قال: ((اللّهُمَّ بَارِكُ لَنَا فِيهِ
وَزِدْنَا مِنْهُ)) لأنه أمر بطلب الزيادة، فكان يتذكر عند ما يرى اللبن اللبن الذي شربه ليلة الإسراء
فقال له جبريل: أصبت الفطرة أصاب الله بك أمتك، والفطرة علم التوحيد التي فطر الله الخلق
عليها حين أشهدهم حين قبضهم من ظهورهم: ألست بربكم؟ قالوا بلى، فشاهدوا الربوبية
قبل كل شيء، ولهذا تأوّل ◌َّ اللبن لما شربه في النوم وناول فضله عمر قيل: ما أوّلته يا
رسول الله؟ قال: العلم. فلولا حقيقة مناسبة بين العلم واللبن جامعة ما ظهر بصورته في عالم
الخيال، عرف ذلك من عرفه وجهله من جهله، فمن كان يأخذ عن الله لا عن نفسه كيف
ينتهي كلامه أبداً، فشتان بين مؤلف يقول: حدثني فلان رحمه الله عن فلان رحمه الله، وبين
من يقول: حدثني قلبي عن ربي، وإن كان هذا رفيع القدر فشتان بينه وبين من يقول حدثني
ربي عن ربي أي حدثني ربي عن نفسه، وفيه إشارة الأوّل الرب المعتقد والثاني الرب الذي لا
يتقيد فهو بواسطة لا بواسطة، وهذا هو العلم الذي يحصل للقلب من المشاهدة الذاتية التي
منها يفيض على السر والروح والنفس، فمن كان هذا مشربه كيف يعرف مذهبه فلا تعرفه حتى
تعرف الله، وهو لا يعرف تعالى من جميع وجوه المعرفة كذلك هذا لا يعرف، فإن العقل لا
يدري أين هو فإن مطلبه الأكوان ولا كون لهذا كما قيل: [الكامل]

في المعارف / الباب الثاني في معرفة مراتب الحروف والحركات من العالم وما لها من الأسماء الحسنى ... ٩٥
فكان بالكون لأنك كنتهُ
ظَهَرتْ لِمَا أبقيت بعد فنائه
فالحمد لله الذي جعلني من أهل الإلقاء والتلقي، فنسأله سبحانه أن يجعلنا وإياكم من
أهل التداني والترقي، ثم أرجع وأقول: إن فصول حروف المعجم تزيد على أكثر من
خمسمائة فصل وفي كل فصل مراتب كثيرة، فتركنا الكلام عليها حتى نستوفيه في كتاب
المبادي والغايات إن شاء الله، ولنقتصر منها على ما لا بدّ من ذكره بعدما نسمي من مراتبها ما
يليق بكتابنا هذا وربما نتكلم على بعضها، وبعد ذلك نأخذها حرفاً حرفاً حتى تكمل الحروف
كلها إن شاء الله، ثم نتبعها بإشارات من أسرار تعانق اللام بالألف ولزومه إياه وما السبب لهذا
التعشق الروحاني بينهما خاصة حتى ظهر ذلك في عالم الكتابة والرقم، فإن في ارتباط اللام
بالألف سرّاً لا ينكشف إلاَّ لمن أقام الألف من رقدتها وحل اللام من عقدتها، والله يرشدنا
وإياكم لعمل صالح يرضاه منا. انتهى الجزء الرابع والحمد لله.
(الجزء الخامس)
بِسْمِ اللَّهِ الََّنِ الرَّحَمَةِ
ذكر بعض مراتب الحروف
اعلم وفقنا الله وإياكم أن الحروف أمة من الأمم مخاطبون ومكلفون، وفيهم رسل من
جنسهم، ولهم أسماء من حيث هم، ولا يعرف هذا إلاَّ أهل الكشف من طريقنا، وعالم
الحروف أفصح العالم لساناً وأوضحه بياناً، وهم على أقسام كأقسام العالم المعروف في
العرف، فمنهم عالم الجبروت عند أبي طالب المكيّ ونسميه نحن عالم العظمة وهو: الهاء
والهمزة. ومنهم العالم الأعلى وهو عالم الملكوت وهو: الحاء والخاء والعين والغين.
ومنهم العالم الوسط وهو عالم الجبروت عندنا وعند أكثر أصحابنا وهو: التاء والثاء والجيم
والدال والذال والراء والزاي والظاء والكاف واللام والنون والصاد والضاد والقاف والسين
والشين والياء الصحيحة. ومنهم العالم الأسفل وهو عالم الملك والشهادة وهو: الباء والميم
والواو الصحيحة. ومنهم العالم الممتزج بين عالم الشهادة والعالم الوسط وهو: الفاء. ومنهم
عالم الامتزاج بين عالم الجبروت الوسط وبين عالم الملكوت وهو: الكاف والقاف وهو
امتزاج المرتبة، ويمازجهم في الصفة الروحانية الطاء والظاء والصاد والضاد. ومنهم عالم
الامتزاج بين عالم الجبروت الأعظم وبين الملكوت وهو: الحاء المهملة. ومنهم العالم الذي
يشبه العالم منا الذين لا يتصفون بالدخول فينا ولا بالخروج عنا وهو: الألف والياء والواو
المعتلتان .
فهؤلاء عوالم ولكل عالم رسول من جنسهم، ولهم شريعة تعبدوا بها، ولهم لطائف
وكثائف، وعليهم من الخطاب الأمر ليس عندهم نهي، وفيهم عامة وخاصة وخاصة الخاصة
وصفاء خلاصة خاصة الخاصة، فالعامة منهم: الجيم والضاد والخاء والدال والغين والشين.
ومنهم خاصة الخاصة وهو: الألف والياء والباء والسين والكاف والطاء والقاف والتاء والواو

٩٦ في المعارف/ الباب الثاني في معرفة مراتب الحروف والحركات من العالم وما لها من الأسماء الحسنى ...
والصاد والحاء والنون واللام والغين. ومنهم خلاصة خاصة الخاصة وهو: الباء. ومنهم
الخاصة التي فوق العامة بدرجة وهو حروف أوائل السور مثل: الم والمص وهي أربعة عشر
حرفاً: الألف واللام والميم والصاد والراء والكاف والهاء والياء والعين والطاء والسين والحاء
والقاف والنون. ومنهم حروف صفاء خلاصة خاصة الخاصة وهو: النون والميم والراء والباء
والدال والزاي والألف والطاء والياء والواو والهاء والظاء والثاء واللام والفاء والسين. ومنهم
العالم المرسل وهو الجيم والحاء والخاء والكاف. ومنهم العالم الذي تعلق بالله وتعلق به
الخلق وهو: الألف والدال والذال والراء والزاي والواو وهو عالم التقديس من الحروف
الكروبيين. ومنهم العالم الذي غلب عليه التخلق بأوصاف الحق وهو: التاء والثاء والحاء
والذال والزاي والظاء المعجمة والنون والضاد المجمة والغين المعجمة والقاف والشين
المعجمة والفاء عند أهل الأنوار. ومنهم العالم الذي قد غلب عليهم التحقق وهو الباء والفاء
عند أهل الأسرار والجيم. ومنهم العالم الذي قد تحقق بمقام الاتحاد وهو: الألف والحاء
والدال والراء والطاء اليابسة والكاف واللام والميم والصاد اليابسة والعين والسين اليابستان
والهاء والواو.
إلاَّ أني أقول إنهم على مقامين في الاتحاد: عال وأعلى، فالعالي الألف والكاف والميم
والعين والسين، والأعلى ما بقي. ومنهم العالم الممتزج الطبائع وهو: الجيم والهاء والياء
واللام والفاء والقاف والخاء والظاء خاصة .
وأجناس عوالم الحروف أربعة: جنس مفرد وهو الألف والكاف واللام والميم والهاء
والنون والواو. وجنس ثنائي مثل الدال والذال. وجنس ثلاثيّ مثل الجيم والحاء والخاء.
وجنس رباعيّ وهو الباء والتاء والثاء والياء في وسط الكلمة والنون كذلك فهو خماسيّ بهذا
الاعتبار، وإن لم تعتبرهما فتكون الباء والتاء والثاء من الجنس الثلاثيّ ويسقط الجنس الرباعيّ
فبهذا قد قصصنا عليك من عالم الحروف ما إن استعملت نفسك في الأمور الموصلة
إلى كشف العالم والاطلاع على حقائقه وتحقق قوله تعالى: ﴿وَإِن مِّنِ شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِحُ بِهْدِهِ، وَلَكِنْ
لَّا نَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [سورة الإسراء: الآية ٤٤] فلو كان تسبيح حال كما يزعم بعض علماء النظر لم
تكن فائدة في قوله ((ولكن لا تفقهون)) وصلت إليها ووقفت عليها وكنت قد ذكرت أنه ربما
أتكلم على بعضها فنظرت في هؤلاء العالم ما يمكن فيه بسط الكلام أكثر من غيره فوجدناه
العالم المختص وهو عالم أوائل السور المجهولة مثل: الم البقرة، والمص، والريونس،
وأخواتها .
فلنتكلم على ﴿الْمَ﴾ [سورة البقرة: الآية ١] البقرة التي هي أول سورة مبهمة في القرآن
كلاماً مختصراً من طريق الأسرار، وربما ألحق بذلك الآيات التي تليها وإن كان ذلك ليس من
الباب، ولكن فعلته عن أمر ربي الذي عهدته فلا أتكلم إلاَّ على طريق الإذن، كما أني سأقف
عندما يحد لي، فإن تأليفنا هذا وغيره لا يجري مجرى التواليف، ولا نجري نحن فيه مجرى
المؤلفين، فإن كل مؤلف إنما هو تحت اختياره وإن كان مجبوراً في اختياره، أو تحت العلم

في المعارف/ الباب الثاني في معرفة مراتب الحروف والحركات من العالم وما لها من الأسماء الحسنى ... ٩٧
الذي يبثه خاصة فيلقي ما يشاء ويمسك ما يشاء، أو يلقي ما يعطيه العلم وتحكم عليه المسألة
التي هو بصددها حتى تبرز حقيقتها، ونحن في تواليفنا لسنا كذلك إنما هي قلوب عاكفة على
باب الحضرة الإلهية مراقبة لما ينفتح له الباب فقيرة خالية من كل علم، لو سألت في ذلك
المقام عن شيء ما سمعت لفقدها إحساسها، فمهما برز لها من وراء ذلك الستر أمر ما بادرت
لامتثاله وألفته على حسب ما يحد لها في الأمر، فقد يلقى الشيء إلى ما ليس من جنسه في
العادة والنظر الفكري، وما يعطيه العلم الظاهر والمناسبة الظاهرة للعلماء لمناسبة خفية لا
يشعر بها إلاَّ أهل الكشف، بل ثم ما هو أغرب عندنا أنه يلقي إلى هذا القلب أشياء يؤمر
بإيصالها وهو لا يعلمها في ذلك الوقت لحكمة إلهية غابت عن الخلق، فلهذا لا يتقيد كل
شخص يؤلف عن الإلقاء بعلم ذلك الباب الذي يتكلم عليه، ولكن يدرج فيه غيره في علم
السامع العاديّ على حسب ما يلقى إليه، ولكنه عندنا قطعاً من نفس ذلك الباب بعينه لكن
بوجه لا يعرفه غيرنا مثل الحمامة والغراب اللذين اجتمعا لعرج قام بأرجلهما وقد أذن لي في
تقیید ما ألقيه بعد هذا فلا بدّ منه.
وصل: الكلام على هذه الحروف المجهولة المختصة على عدد حروفها بالتكرار،
وعلى عدد حروفها بغير تكرار، وعلى جملتها في السور، وعلى إفرادها في ص وق ون،
وتثنيتها في طس وطه وأخواتها وجمعها من ثلاثة فصاعداً حتى بلغت خمسة حروف متصلة
ومنفصلة ولم تبلغ أكثر، ولم وصل بعضها وقطع بعضها؟ ولمّ كانت السور بالسين ولم تكن
بالصاد؟ ولمَ جهل معنى هذه الحروف عند علماء الظاهر وعند كشف أهل الأحوال، إلى غير
ذلك مما ذكرناه في كتاب الجمع والتفصيل في معرفة معاني التنزيل، فلنقل على بركة الله،
والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
اعلم أن مبادي السور المجهولة لا يعرف حقيقتها إلاَّ أهل الصور المعقولة، ثم جعل سور
القرآن بالسين وهو التعبّد الشرعيّ وهو ظاهر السور الذي فيه العذاب وفيه يقع الجهل بها وباطنه
بالصاد وهو مقام الرحمة وليس إلاّ العلم بحقائقها وهو التوحيد، فجعلها تبارك وتعالى تسعاً
وعشرين سورة وهو كمال الصورة ﴿ وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَهُ مَنَازِلَ﴾ [سورة يس: الآية ٣٩] والتاسع والعشرون
القطب الذي به قوام الفلك وهو علة وجوده وهو سورة آل عمران: الم الله، ولولا ذلك ما ثبتت
الثمانية والعشرون، وجملتها على تكرار الحروف ثمانية وسبعون حرفاً فالثمانية حقيقة البضع
قال عليه السلام: ((الإيمانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ)) وهذه الحروف ثمانية وسبعون حرفاً فلا يكمل عبد
أسرار الإيمان حتى يعلم حقائق هذه الحروف في سورها. فإن قلت: إن البضع مجهول في
اللسان فإنه من واحد إلى تسعة فمن أين قطعت بالثمانية عليه؟ فإن شئت قلت لك من طريق
الكشف وصلت إليه فهو الطريق الذي عليه أسلك، والركن الذي إليه أستند في علومي كلها،
وإن شئت أبديت لك منه طرفاً من باب العدد، وإن كان أبو الحكم عبد السلام بن برجان لم
يذكره في كتابه من هذا الباب الذي نذكره، وإنما ذكره رحمه الله من جهة علم الفلك وجعله ستراً
علی کشفه حین قطع بفتح بیت المقدس سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة، فکذلك إن شئنا نحن
الفتوحات المكية ج١ - م٧

٩٨ في المعارف/ الباب الثاني في معرفة مراتب الحروف والحركات من العالم وما لها من الأسماء الحسنى ...
كشفنا وإن شئنا جعلنا العدد على ذلك حجاباً فنقول: إن البضع الذي في سورة الروم ثمانية وخذ
عدد حروف ﴿الَمَ﴾ [سورة الروم: الآية ١] بالجزم الصغير فتكون ثمانية فتجمعها إلى ثمانية البضع
فتكون ستة عشر فتزيل الواحد الذي للألف للأس فيبقى خمسة عشر فتمسكها عندك ثم ترجع
إلى العمل في ذلك بالجمل الكبير وهو الجزم فتضرب ثمانية البضع في أحد وسبعين واجعل
ذلك كله سنين يخرج لك في الضرب خمسمائة وثمانية وستون فتضيف إليها الخمسة عشر التي
أمرتك أن ترفعها فتصير ثلاثة وثمانين وخمسمائة سنة وهو زمان فتح بيت المقدس على قراءة من
قرأ ((غَلَبت الرُّومُ)) [سورة الروم: الآية ٢] بفتح الغين واللام ((سيُغْلَبون)) [سورة الروم: الآية ٣] بضم الياء
وفتح اللام. وفي سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة كان ظهور المسلمين في أخذ حج الكفار وهو
فتح بيت المقدس، ولنا في علم العدد من طريق الكشف أسرار عجيبة من طريق ما يقتضيه طبعه،
ومن طريق ماله من الحقائق الإلهية وإن طال بنا العمر، فسأفرد لمعرفة العدد كتاباً إن شاء الله .
فلنرجع إلى ما كنّا بسبيله فنقول: فلا يكمل عبد الأسرار التي تتضمنها شعب الإيمان إلاَّ إذا
علم حقائق هذه الحروف على حسب تكرارها في السور، كما أنه إذا علمها من غير تكرار علم
تنبيه الله فيها على حقيقة الإيجاد، وتفرّد القديم سبحانه بصفاته الأزلية فأرسلها في قرآنه أربعة عشر
حرفاً مفردة مبهمة، فجعل الثمانية لمعرفة الذات والسبع الصفات منا، وجعل الأربعة للطبائع
المؤلفة التي هي الدم والسوداء والصفراء والبلغم فجاءت اثنتي عشرة موجودة وهذا هو الإنسان
من هذا الفلك، ومن فلك آخر يتركب من أحد عشر ومن عشرة ومن تسعة ومن ثمانية حتى إلى
فلك الاثنين ولا يتحلل إلى الأحدية أبداً فإنها مما انفرد بها الحق فلا تكون لموجود الإله .
ثم إنه سبحانه جعل أولها الألف في الخط والهمزة في اللفظ وآخرها النون، فالألف
لوجود الذات على كمالها لأنها غير مفتقرة إلى حركة والنون لوجود الشطر من العالم وهو
عالم التركيب وذلك نصف الدائرة الظاهرة لنا من الفلك، والنصف الآخر النون المعقولة عليها
التي لو ظهرت للحس وانتقلت من عالم الروح لكانت دائرة محيطة، ولكن أخفى هذه النون
الروحانية الذي بها كمال الوجود وجعلت نقطة النون المحسوسة دالة عليها، فالألف كاملة من
جميع وجوهها والنون ناقصة، فالشمس كاملة والقمر ناقص لأنه محو فصفة ضوئه معارة وهي
الأمانة التي حملها، وعلى قدر محوه وسراره إثباته وظهوره ثلاثة لثلاثة، فثلاثة غروب القمر
القلبي الإلهيّ في الحضرة الأحدية، وثلاثة طلوع قمر القلب الإلهيّ في الحضرة الربانية وما
بينهما في الخروج والرجوع قدماً بقدم لا يختل أبداً .
ثم جعل سبحانه هذه الحروف على مراتب: منها موصول، ومنها مقطوع، ومنها مفرد
ومثنى ومجموع. ثم نبّه أن في كل وصل قطعاً وليس في كل قطع وصل، فكل وصل يدل
على فصل وليس كل فصل يدل على وصل، فالوصل والفصل في الجمع وغير الجمع
والفصل وحده في عين الفرق، فما أفرده من هذه فإشارة إلى فناء رسم العبد أزلاً، وما ثناه
فإشارة إلى وجود رسم العبودية حالاً، وما جمعه فإشارة إلى الأبد بالموارد التي لا تتناهى
فالإفراد للبحر الأزليّ، والجمع للبحر الأبديّ، والمثنى للبرزخ المحمديّ الإنساني ﴿مَرَجَ

في المعارف/ الباب الثاني في معرفة مراتب الحروف والحركات من العالم وما لها من الأسماء الحسنى ... ٩٩
اٌلْبَحْرِيْنِ يَلْتَقِيَانِ بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَّا يَغِيَانِ فَبِأَيِّ ءَالَاءِ رَبَّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [سورة الرحمن: الآيات ١٩ -٢١] هل بالبحر
الذي أوصله به فأفناه عن الأعيان، أو بالبحر الذي فصله عنه وسماه بالأكوان، أو بالبرزخ
الذي استوى عليه الرحمن ﴿فَأَتِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ يخرج من بحر الأزل اللؤلؤ ومن بحر
الأبد المرجان ﴿فَأَتِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانٍ﴾ وله الجواري الروحانية المنشآت من الحقائق
الأسمائية في البحر الذاتي الأقدسي كالأعلام ﴿فَأَيِّ ءَالَآءِ رَبَّكُمَا تُكَذِّبَانٍ﴾ يسأله العالم العلويّ
على علوّه وقدسه، والعالم السفليّ على نزوله وتحسه، كل خطرة في شأن ﴿فَأَقِّ ءَالَآءِ رَبَّكُمَا
تُكَذِّبَانِ﴾ كل من عليها فان، وإن لم تنعدم الأعيان، ولكنها رحلة من دنا إلى دان ﴿فَأَتِ ءَالَآءِ
رَيَّكُمَا تُكَذِّبَانٍ﴾ سنفرغ منكم إليكم أيها الثقلان ﴿فَأَقِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ .
فهكذا لو اعتبر القرآن ما اختلف اثنان ولا ظهر خصمان، ولا تناطح عنزان، فدبروا
آياتكم، ولا تخرجوا عن ذاتكم، فإن كان ولا بدّ فإلى صفاتكم، فإنه إذا سلم العالم من
نظركم وتدبيركم، كان على الحقيقة تحت تسخيركم، ولهذا خلق قال تعالى ﴿وَسَخَّرَ لَكُ مَّا فِ
السَّمَوَتِ وَمَا فِ الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [سورة الجاثية: الآية ١٣] والله يرشدنا وإیاکم إلى ما فيه صلاحنا
وسعادتنا في الدنيا والآخرة إنه وليّ کریم.
وصل: الألف من ﴿الَمَ﴾ [سورة الروم: الآية ١] إشارة إلى التوحيد، والميم للملك الذي لا
يهلك، واللام بينهما واسطة لتكون رابطة بينهما، فانظر إلى السطر الذي يقع عليه الخط من اللام
فتجد الألف إليه ينتهي أصلها وتجد الميم منه يبتدىء نشوها، ثم ننزل من أحسن تقويم وهو
السطر إلى أسفل سافلين، منتهى تعريق الميم، قال تعالى: ﴿خَلَقْنَا اُلْإِسَنَ فِىّ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ثُمَّ رَدَدْتَهُ
أَسْفَلَ سَفِلِينَ﴾ [سورة التين: ٤- ٥] ونزول الألف إلى السطر مثل قوله: ينزل ربنا إلى السماء الدنيا
وهو أول عالم التركيب لأنه سماء آدم عليه السلام، ويليه فلك النار فلذلك نزل إلى أول
السطر، فإنه نزل من مقام الأحدية إلى مقام إيجاد الخليقة نزول تقديس وتنزيه لا نزول تمثيل
وتشبيه، وكانت اللام واسطة وهي نائبة مناب المكوّن والكون، فهي القدرة التي عنها وجد
العالم فأشبهت الألف في النزول إلى أول السطر، ولما كانت ممتزجة من المكوّن والكون فإنه لا
يتصف بالقدرة على نفسه وإنما هو قادر على خلقه، فكان وجه القدرة مصروفاً إلى الخلق،
ولهذا لا يثبت للخالق إلاَّ بالخلق، فلا بدّ من تعلقها بهم علواً وسفلاً، ولما كانت حقيقتها لا تتم
بالوصول إلى السطر فتكون والألف على مرتبة واحدة طلبت بحقيقتها النزول تحت السطر أو
على السطر كما نزل الميم فنزلت إلى إيجاد الميم، ولم يتمكن أن تنزل على صورة الميم فكان لا
يوجد عنها أبداً إلاَّ الميم، فنزلت نصف دائرة حتى بلغت إلى السطر من غير الجهة التي نزلت منها
فصارت نصف فلك محسوس يطلب نصف فلك معقول فكان منهما فلك دائر، فتكوّن العالم كله
من أوله إلى آخره في ستة أيام أجناساً من أول يوم الأحد إلى آخر يوم الجمعة، وبقي يوم السبت
للانتقالات من حال إلى حال ومن مقام إلى مقام، والاستحالات من كون إلى كون ثابت على
ذلك لا يزول ولا يتغير، ولذلك كان الوالي على هذا اليوم البرد واليبس وهو من الكواكب زحل
فصار ﴿الَّ﴾ وحده فلكاً محيطاً من دار به علم الذات والصفات والأفعال والمفعولات.

١٠٠ في المعارف/ الباب الثاني في معرفة مراتب الحروف والحركات من العالم وما لها من الأسماء الحسنى ...
فمن قرأ ﴿الَّرَ﴾ بهذه الحقيقة والكشف حضر بالكل للكل مع الكل، فلا يبقى شيء في
ذلك الوقت إلاَّ يشهده، لكن منه ما يعلم ومنه ما لا يعلم، فتنزّه الألف عن قيام الحركات بها
يدل أن الصفات لا تعقل إلاَّ بالأفعال كما قال عليه السلام: ((كَانَ الله وَلاَ شَيْءَ مَعَهُ وَهُوَ عَلَىِ
مَا عَلَيْهِ كَانَ)) فلهذا صرفنا الأمر إلى ما يعقل لا إلى ذاته المنزّهة، فإن الإضافة لا تعقل أبداً إلاَّ
بالمتضايفين، فإن الأبوّة لا تعقل إلاَّ بالأب والابن وجوداً وتقديراً، وكذلك المالك والخالق
والبارىء والمصوّر وجميع الأسماء التي تطلب العالم بحقائقها.
وموضع التنبيه من حروف ﴿الَّمَ﴾ عليها في اتصال اللام الذي هو الصفة بالميم الذي
هو أثرها وفعلها، فالألف ذات واحدة لا يصحّ فيها اتصال شيء من الحروف إذا وقعت أولاً
في الخط فهي الصراط المستقيم الذي سألته النفس في قولها: ﴿أَهْدِنَا الصِرَطَ الْمُسْتَقِمَ﴾
[سورة الفاتحة: الآية ٦] صراط التنزيه والتوحيد، فلما أمّن على دعائها ربها الذي هو الكلمة الذي
أمرت بالرجوع إليه في سورة الفجر قبل تعالى تأمينه على دعائها فأظهر الألف من ﴿الّمّ﴾
عقيب ﴿ وَلَ الضَّالِينَ﴾ [سورة الفاتحة: الآية ٧] وأخفى آمين لأنه غيب من عالم الملكوت من
وافق تأمينه تأمين الملائكة في الغيب المتحقق الذي يسمونه العامة من الفقهاء الإخلاص،
وتسميه الصوفية الحضور، ويسميه المحققون الهمة، ونسميه أنا وأمثالنا العناية.
ولما كانت الألف متحدة في عالم الملكوت والشهادة ظهرت فوقع الفرق بين القديم
والمحدث فانظر فيما سطرناه ترى عجباً، وممّا يؤيد ما ذكرناه من وجود الصفة المد الموجود
في اللام والميم دون الألف، فإن قال صوفيّ وجدنا الألف مخطوطة والنطق بالهمزة دون
الألف فلم لا ينطق بالألف؟ فنقول: وهذا أيضاً مما يعضد ما قلناه فإن الألف لا تقبل الحركة
فإن الحرف مجهول ما لم يحرّك فإذا حرّك ميّز بالحركة التي تتعلق به من رفع ونصب
وخفض، والذات لا تعلم أبداً على ما هي عليه، فالألف الدال عليها الذي هو في عالم
الحروف خليفة كالإنسان في العالم مجهول أيضاً كالذات لا تقبل الحركة فلما لم تقبلها لم يبق
إلاَّ أن تعرف من جهة سلب الأوصاف عنها، ولما لم يمكن النطق بساكن نطقنا باسم الألف لا
بالألف فنطقنا بالهمزة بحركة الفتحة فقامت الهمزة مقام المبدع الأول وحركتها صفته العلمية
ومحل إيجاده في اتصال الكاف بالنون.
فإن قيل: وجدنا الألف التي في اللام منطوقاً بها ولم نجدها في الألف، قلنا: صدقت
لا يقع النطق بها إلاَّ بمتحرك مشبع التحرّك قبلها موصولة به، وإنما كلامنا في الألف
المقطوعة التي لا يشبع الحرف الذي قبلها حركته فلا يظهر في النطق، وإن رقمت مثل ألف
﴿إنما المؤمنون﴾ فهذان ألفان بين ميم إنما وبين لام المؤمنين موجودتان خطاً غير ملفوظ بهما
نطقاً، وإنما الألف الموصولة التي تقع بعد الحرف مثل لام هاء حاء وشبهها فإنه لولا وجودها
ما كان المد لواحد من هذه الحروف، فمدّها هو سرّ الاستمداد الذي وقع به إيجاد الصفات
في محل الحروف ولهذا لا يكون المد إلاَّ بالوصل، فإذا وصل الحرف بالألف من اسمه
الآخر امتدّ الألف بوجود الحرف الموصول به، ولما وجد الحرف الموصول به افتقر إلى