Indexed OCR Text
Pages 61-80
٦١
مقدمة الكتاب
بقوله: ﴿وَخَاتَمَ النَّبْنُّ﴾ [سورة الأحزاب: الآية ٤٠] وثبت أن كل ما سواه خلق له بقوله: ﴿اللَّهُ
خَلِقُ كُلِّ شَىْءٍ﴾ [سورة الزمر: الآية ٦٢] وثبت خلق الجنّ بقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ اَلْجِنَّ وَالْإِنِسَ
إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [سورة الذاريات: الآية ٥٦] وثبت حشر الأجساد بقوله: ﴿مِنْهَا خَلَقْتَكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا
تُخْرِيُّكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ [سورة طه: الآية ٥٥] إلى أمثال هذا ممّا تحتاج إليه العقائد من الحشر
والنشر والقضاء والقدر والجنة والنار والقبر والميزان والحوض والصراط والحساب
والصحف، وكل ما لا بدّ للمعتقد أن يعتقده.
قال تعالى: ﴿َّا فَرَّطْنَا فِ اَلْكِتَبِ مِن شَىْءٍ﴾ [سورة الأنعام: الآية ٣٨] وأن هذا القرآن معجزته
عليه السلام بطلب معارضته والعجز عن ذلك في قوله: ﴿قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ﴾ [سورة يونس:
الآية ٣٨] ثم قطع أن المعارضة لا تكون أبداً بقوله: ﴿قُل لَّيِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِسُ وَأَلْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ
بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْءَانِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ، وَلَوْ كَانَ بَعْضُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [سورة الإسراء: الآية ٨٨] وأخبر
بعجز من أراد معارضته وإقراره بأن الأمر عظيم فيه فقال: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَّدَّرَ﴾ [سورة المدثر: الآية ١٨]
إلى قوله: ﴿ إِنْ هَذَا إِلَّا بِرٌ يُؤْثَرُ﴾ [سورة المدثر: الآية ٢٤] ففي القرآن العزيز للعاقل غنية كبيرةٍ،
ولصاحب الداء العضال دواء وشفاء كما قال: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْءَانِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾
[سورة الإسراء: الآية ٨٢] ومقنع شاف لمن عزم على طريق النجاة ورغب في سموّ الدرجات،
وترك العلوم التي تورد عليها الشبه والشكوك فيضيع الوقت ويخاف المقت، إذ المنتحل لتلك
الطريقة قلما ينجو من التشغيب أو يشتغل برياضة نفسه وتهذيبها، فإنه مستغرق الأوقات في
إرداع الخصوم الذين لم يوجد لهم عين، ودفع شبه يمكن إن وقعت للخصم ويمكن إن لم
تقع، فقد تقع وقد لا تقع، وإذا وقعت فسيف الشريعة أردع وأقطع.
(أُمِزْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسِ حَتَّى يَقولوا لا إله إِلاَّ الله وَحَتَّى يُؤْمِنُوا بِي وَبِمَا جِئْتُ بِهِ، هذا
قوله {وَّر. ولم يدفعنا لمجادلتهم إذا حضروا إنما هو الجهاد والسيف إن عاند فيما قيل له،
فكيف بخصم متوهم نقطع الزمان بمجادلته وما رأينا له عيناً ولا قال لنا شيئاً، وإنما نحن مع ما
وقع لنا في نفوسنا ونتخيل أنا مع غيرنا، ومع هذا فإنهم رضي الله عنهم اجتهدوا وخيراً قصدوا،
وإن كان الذي تركوا أوجب عليهم من الذي شغلوا نفوسهم به والله ينفع الكل بقصده.
ولولا التطويل لتكلمت على مقامات العلوم ومراتبها، وأن علم الكلام مع شرفه لا
يحتاج إليه أكثر الناس، بل شخص واحد يكفي منه في البلد مثل الطبيب . والفقهاء العلماء
بفروع الدين ليسوا كذلك، بل الناس محتاجون إلى الكثرة من علماء الشريعة، وفي الشريعة
بحمد الله الغنية والكفاية، ولو مات الإنسان وهو لا يعرف اصطلاح القائلين بعلم النظر مثل
الجوهر والعرض والجسم والجسماني والروح والروحاني لم يسأله الله تعالى عن ذلك، وإنما
يسأل الله الناس عمّا أوجب عليهم من التكليف خاصة والله يرزقنا الحياء منه.
وصل: يتضمن ما ينبغي أن يعتقد في العموم وهي عقيدة أهل الإسلام مسلمة من غير
نظر إلى دليل ولا إلى برهان.
فيا إخوتي المؤمنين، ختم الله لنا ولكم بالحسنى لما سمعت قوله تعالى عن نبيه هود
٦٢
مقدمة الكتاب
عليه السلام حين قال لقومه المكذبين به وبرسالته: ﴿إِّ أُشْهِدُ اللَّهَ وَأَشْهَدُوّا أَنِ بَرِىٌّ مِّمَّا
تُشْرِكُونَ﴾ [سورة هود: الآية ٥٤] فأشهد عليه السلام قومه مع كونهم مكذبين به على نفسه بالبراءة
من الشرك بالله والإقرار بأحديته، لما علم عليه السلام أن الله سبحانه سيوقف عباده بين يديه
ويسألهم عمّا هو عالم به لإقامة الحجة لهم أو عليهم حتى يؤدّي كل شاهد شهادته، وقد ورد
أن المؤذن يشهد له مدى صوته من رطب ويابس وكل من سمعه ولهذا يدبر الشيطان عند
الأذان وله حصاص، وفي رواية وله ضراط، وذلك حتى لا يسمع نداء المؤذن بالشهادة فيلزمه
أن يشهد له فيكون بتلك الشهادة له من جملة من يسعى في سعادة المشهود له وهو عدوّ
محض ليس له إلينا خير البتة لعنه الله، وإذا كان العدوّ لا بدّ أن يشهد لك بما أشهدته به على
نفسك فأحرى أن يشهد لك وليك وحبيبك، ومن هو على دينك وملتك، وأحرى أن تشهده
أنت في الدار الدنيا على نفسك بالوحدانية والإيمان.
فيا إخوتي ويا أحبائي رضي الله عنكم، أشهد كم عبد ضعيف مسكين فقير إلى الله
تعالى في كل لحظة وطرفة، وهو مؤلف هذا الكتاب ومنشئه، أشهدكم على نفسه بعدأن أشهد
الله تعالى وملائكته، ومن حضره من المؤمنين وسمعه أنه يشهد قولاً وعقداً، أن الله تعالى إله
واحد، لا ثاني له في ألوهيته منزه عن الصاحبة والولد، مالك لا شريك له ملك لا وزير له،
صانع لا مدبّر معه، موجود بذاته من غير افتقار إلى موجد يوجده، بل كل موجود سواه مفتقر
إليه تعالى في وجوده، فالعالم كله موجود به، وهو وحده متّصف بالوجود لنفسه، لا افتتاح
لوجوده، ولا نهاية لبقائه، بل وجود مطلق غير مقيد قائم بنفسه، ليس بجوهر متحيّز فيقدر له
المكان، ولا بعرض فيستحيل عليه البقاء، ولا بجسم فتكون له الجهة والتلقاء، مقدّس عن
الجهات والأقطار، مرئيّ بالقلوب والأبصار، إذا شاء استوى على عرشه كما قاله، وعلى
المعنى الذي أراده، كما أنّ العرش وما سواه به استوى، وله الآخرة والأولى، ليس له مثل
معقول ولا دلّت عليه العقول، لا يحده زمان، ولا يقله مكان، بل كان ولا مكان، وهو على
ما عليه كان، خلق المتمكن والمكان، وأنشأ الزمان، وقال أنا الواحد الحي لا يؤوده حفظ
المخلوقات، ولا ترجع إليه صفة لم يكن عليها من صنعة المصنوعات، تعالى أن تحله
الحوادث أو يحلها، أو تكون بعده أو يكون قبلها، بل يقال كان ولا شيء معه، فإن القبل
والبعد من صيغ الزمان الذي أبدعه، فهو القيوم الذي لا ينام، والقهار الذي لا يرام، ليس
كمثله شيء، خلق العرش وجعله حد الاستواء، وأنشأ الكرسيّ وأوسعه الأرض والسموات
العلى، اخترع اللوح والقلم الأعلى، وأجراه كاتباً بعلمه في خلقه إلى يوم الفصل والقضاء،
أبدع العالم كله على غير مثال سبق، وخلق الخلق، وأخلق الذي خلق، أنزل الأرواح في
الأشباح أمناء، وجعل هذه الأشباح المنزلة إليها الأرواح في الأرض خلفاء، وسخرّ لنا ما في
السموات وما في الأرض جميعاً منه، فلا تتحرّك ذرّة إلاّ إليه وعنه، خلق الكل من غير حاجة
إليه، ولا موجب أوجب ذلك عليه، لكن علمه سبق بأن يخلق ما خلق، فهو الأول والآخر،
والظاهر والباطن، وهو على كل شيء قدير، أحاط بكل شيء علماً، وأحصى كل شيء
٦٣
مقدمة الكتاب
عدداً، يعلم السرّ وأخفى، يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، كيف لا يعلم شيئاً هو
خلقه، ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير، علم الأشياء منها قبل وجودنا، ثم أوجدها
على حد ما علمها، فلم يزل عالماً بالأشياء، لم يتجدّد له علم عند تجدّد الإنشاء، بعلمه أتقن
الأشياء وأحكمها، وبه حكم عليها من شاء وحكمها، علم الكليات على الإطلاق، كما علم
الجزئيات بإجماع من أهل النظر الصحيح واتفاق، فهو عالم الغيب والشهادة، فتعالى الله عمّا
يشركون، فعّال لما يريد، فهو المريد الكائنات، في عالم الأرض والسموات، لم تتعلق قدرته
بشيء حتى أراده، كما أنه لم يرده حتى علمه، إذ يستحيل في العقل أن يريد ما لا يعلم، أو
يفعل المختار المتمكن من ترك ذلك الفعل ما لا يريد، كما يستحيل أن توجد نسب هذه
الحقائق في غير حيّ، كما يستحيل أن تقوم الصفات بغير ذات موصوفة بها، فما في الوجود
طاعة ولا عصيان، ولا ربح ولا خسران، ولا عبد ولا حر، ولا برد ولا حر، ولا حياة ولا
موت، ولا حصول ولا فوت، ولا نهار ولا ليل، ولا اعتدال ولا ميل، ولا برّ ولا بحر، ولا
شفع ولا وتر، ولا جوهر ولا عرض، ولا صحة ولا مرض، ولا فرح ولا ترح، ولا روح
ولا شبح، ولا ظلام ولا ضياء، ولا أرض ولا سماء، ولا تركيب ولا تحليل، ولا كثير ولا
قليل، ولا غداة ولا أصيل، ولا بياض ولا سواد، ولا رقاد ولا سهاد، ولا ظاهر ولا باطن،
ولا متحرك ولا ساكن، ولا يابس ولا رطب، ولا قشر ولا لب، ولا شيء من هذه النسب
المتضادّات منها والمختلفات والمتماثلات إلاَّ وهو مراد للحق تعالی.
وكيف لا يكون مراداً له وهو أوجده، فكيف يوجد المختار ما لا يريد، لا رادّ لأمره،
ولا معقب لحكمه، يؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممّن يشاء، ويعزّ من يشاء ويذلّ من
يشاء، ويضلّ من يشاء ويهدي من يشاء، ما شاء كان وما لم يشأ أن يكون لم يكن، لو اجتمع
الخلائق كلهم على أن يريدوا شيئاً لم يرد الله تعالى أن يريدوه ما أرادوه، أو يفعلوا شيئاً لم يرد
الله تعالى إيجاده وأرادوه عندما أراد منهم أن يريدوه ما فعلوه، ولا استطاعوا على ذلك، ولا
أقدرهم عليه، فالكفر والإيمان والطاعة والعصيان من مشيئته وحكمه وإرادته، ولم يزل
سبحانه موصوفاً بهذه الإرادة أزلاً، والعالم معدوم غير موجود، وإن كان ثابتاً في العلم في
عينه، ثم أوجد العالم من غير تفكّر ولا تدبّر عن جهل أو عدم علم، فيعطيه التفكّر والتدبّر
علم ما جهل جلّ وعلا عن ذلك، بل أوجده عن العلم السابق، وتعيين الإرادة المنزهة الأزلية
القاضية على العالم بما أوجدته عليه، من زمان ومكان، وأكوان وألوان، فلا مريد في الوجود
على الحقيقة سواه، إذ هو القائل سبحانه: ﴿وَمَا تَشَآءُونَ إِلََّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ﴾ [سورة الإنسان: الآية
٣٠] وأنه سبحانه كما علم فأحكم، وأراد فخصص، وقدّر فأوجد، كذلك سمع ورأى ما
تحرك أو سكن، أو نطق في الورى من العالم الأسفل والأعلى، لا يحجب سمعه البعد فهو
القريب، ولا يحجب بصره القرب فهو البعيد، يسمع كلام النفس في النفس، وصوت
المماسة الخفية عند اللمس، ويرى السواد في الظلماء، والماء في الماء، لا يحجبه الامتزاج
ولا الظلمات ولا النور، وهو السميع البصير.
٦٤
مقدمة الكتاب
تكلم سبحانه لا عن صمت متقدم، ولا سكوت متوهم، بكلام قديم أزليّ، كسائر
صفاته من علمه وإرادته وقدرته، كلّم به موسى عليه السلام، سمّاه التنزيل، والزبور والتوراة
والإنجيل، من غير حروف ولا أصوات ولا نغم ولا لغات، بل هو خالق الأصوات والحروف
واللغات، فكلامه سبحانه من غير لهاة ولا لسان، كما أن سمعه من غير أصمخة ولا آذان،
كما أنّ بصره من غير حدقة ولا أجفان، كما أن إرادته في غير قلب ولا جنان، كما أن علمه
من غير اضطرار ولا نظر في برهان، كما أن حياته من غير بخار تجويف قلب حدث عن
امتزاج الأركان، كما أن ذاته لا تقبل الزيادة والنقصان، فسبحانه سبحانه، من بعيد دان عظيم
السلطان، عميم الإحسان، جسيم الامتنان، كل ما سواه، فهو عن جوده فائض، وفضله
وعدله الباسط له والقابض، أكمل صنع العالم وأبدعه، حين أوجده واخترعه، لا شريك له
في ملكه، ولا مدبّر معه في ملكه، إن أنعم فنعم فذلك فضله، وإن أبلی فعذب فذلك عدله،
لم يتصرّف في ملك غيره فينسب إلى الجور والحيف، ولا يتوجّه عليه لسواه حكم فيتصف
بالجزع لذلك والخوف، كل ما سواه تحت سلطان قهره، ومتصرّف عن إرادته وأمره، فهو
الملهم نفوس المكلفين التقوى والفجور، وهو المتجاوز عن سيئات من شاء، والآخذ بها من
شاء، هنا وفي يوم النشور، لا يحكم عدله في فضله ولا فضله في عدله، أخرج العالم
قبضتين، وأوجد لهم منزلتين، فقال هؤلاء للجنة ولا أبالي، وهؤلاء للنار ولا أبالي، ولم
يعترض عليه معترض هناك، إذ لا موجود كان ثم سواه، فالكل تحت تصريف أسمائه، فقبضة
تحت أسماء بلائه، وقبضة تحت أسماء آلائه، ولو أراد سبحانه أن يكون العالم كله سعيداً
لكان، أو شقياً لما كان من ذلك في شان، لكنه سبحانه لم يرد فكان كما أراد، فمنهم الشقي
والسعيد هنا وفي يوم المعاد، فلا سبيل إلى تبديل ما حكم عليه القديم، وقد قال تعالى في
الصلاة هي خمس وهي خمسون ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَنَّ وَمَا أَنَأْ بِظَلَِّ لِلْمِيدِ﴾ [سورة ق: الآية ٢٩]
لتصرّفي في ملكي، وإنفاذ مشيئتي في ملكي، وذلك لحقيقة عميت عنها الأبصار والبصائر،
ولم تعثر عليها الأفكار ولا الضمائر إلاَّ بوهب، ألا هي وجود رحمانيّ لمن اعتنى الله به من
عباده، وسبق له ذلك بحضرة أشهاده، فعلم حين أعلم أن الألوهة أعطت هذا التقسيم، وأنه
من رقائق القديم، فسبحان من لا فاعل سواه، ولا موجود لنفسه إلاَّ إياه ﴿وَاَللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا
تَعْمَلُونَ﴾ [سورة الصافات: الآية ٩٦] و﴿لَا يُسْثَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْتَلُونَ﴾ [سورة الأنبياء: الآية ٢٣] ﴿فَلِلَّهِ
اُْبَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَآءَ لَهَدَنَكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [سورة الأنعام: الآية ١٤٩].
الشهادة الثانية: وكما أشهدت الله وملائكته وجميع خلقه وإياكم على نفسي بتوحيده،
فكذلك أشهده سبحانه وملائكته وجميع خلقه وإياكم على نفسي بالإيمان بمن اصطفاه واختاره
واجتباه من وجوده، ذلك سيدنا محمد ◌ّ﴿ الذي أرسله إلى جميع الناس كافة بشيراً ونذيراً،
وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، فبلغ وَلّ ما أنزل من ربّه إليه وأدّى أمانته، ونصح أمته،
ووقف في حجة وداعه على كل من حضر من أتباعه، فخطب وذكر، وخوّف وحذر، وبشّر
وأنذر، ووعد وأوعد، وأمطر وأرعد، وما خصّ بذلك التذكير أحداً من أحد عن إذن الواحد
٦٥
مقدمة الكتاب
الصمد، ثم قال: ((أَلاَ هَلْ بَلَّغْتُ؟) فقالوا: بلغت يا رسول الله، فقال ◌َ: ((اللَّهُمَّ اشْهَذْ)).
وإني مؤمن بكل ما جاء به وََّ ممّا علمت وما لم أعلم، فممّا جاء به فقرّر أن الموت عن أجل
مسمّى عند الله إذا جاء لا يؤخّر، فأنا مؤمن بهذا إيماناً لا ريب فيه ولا شك، كما آمنت
وأقررت أن سؤال فتاني القبر حق، وعذاب القبر حق، وبعث الأجساد من القبور حق،
والعرض على الله تعالى حق، والحوض حق، والميزان حق، وتطاير الصحف حق،
والصراط حق، والجنة حق، والنار حق، وفريقاً في الجنة وفريقاً في النار حق، وكرب ذلك
اليوم حق على طائفة وطائفة أخرى لا يحزنهم الفزع الأكبر وشفاعة الملائكة والنبيين
والمؤمنين، وإخراج أرحم الراحمين بعد الشفاعة من النار من شاء حق، وجماعة من أهل
الكبائر المؤمنين يدخلون جهنم ثم يخرجون منها بالشفاعة والامتنان حق، والتأبيد للمؤمنين
والموحدين في النعيم المقيم في الجنان حق، والتأبيد لأهل النار في النار حق، وكل ما
جاءت به الكتب والرسل من عند الله علم أو جهل حق .
فهذه شهادتي على نفسي أمانة عند كل من وصلت إليه أن يؤدّيها إذا سئلها حيثما كان،
نفعنا الله وإياكم بهذا الإيمان، وثبتنا عليه عند الانتقال من هذه الدار إلى الدار الحيوان،
وأحلنا منها دار الكرامة والرضوان، وحال بيننا وبين دار سرابيلها من القطران، وجعلنا من
العصابة التي أخذت الكتب بالإيمان، وممّن انقلب من الحوض وهو ريان، وثقل له الميزان،
وثبتت له على الصراط القدمان، إنّه المنعم المحسان، فالحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنّا
لنهتدي لولا أن هدانا الله لقد جاءت رسل ربنا بالحق.
فهذه عقيدة العوام من أهل الإسلام أهل التقليد وأهل النظر ملخصة مختصرة ثم أتلوها
إن شاء الله بعقيدة الناشية الشادية ضمنتها اختصار الاقتصاد بأوجز عبارة، نبهت فيها على
مآخذ الأدلة لهذه الملة، مسجعة الألفاظ، وسميتها برسالة المعلوم من عقائد أهل الرسوم،
ليسهل على الطالب حفظها، ثم أتلوها بعقيدة خواص أهل الله، من أهل طريق الله من
المحققين أهل الكشف والوجود، وجرّدتها أيضاً في جزء آخر سمّيته المعرفة، وبه انتهت
مقدّمة الكتاب. وأما التصريح بعقيدة الخلاصة فما أفردتها على التعيين لما فيها من الغموض،
لكن جئت بها مبدّدة في أبواب هذا الكتاب مستوفاة مبينة لكنها كما ذكرنا متفرقة، فمن رزقه
الله الفهم فيها يعرف أمرها ويميزها من غيرها فإنه العلم الحق، والقول الصدق، وليس وراءها
مرمى، ويستوي فيها البصير والأعمى، تلحق الأباعد بالأداني، وتلحم الأسافل بالأعالي،
والله الموفق لا رب غيره.
وصل الناشي - والشادي في العقائد:
قال الشادي: اجتمع أربعة نفر من العلماء في قبة أرين تحت خط الاستواء: الواحد
مغربيّ، والثاني مشرقيّ، والثالث شاميّ، والرابع يمنيّ، فتجاروا في العلوم، والفرق بين
الأسماء والرسوم، فقال كل واحد منهم لصاحبه: لا خير في علم لا يعطي صاحبه سعادة
الفتوحات المكية ج١ -٥٢
٦٦
مقدمة الكتاب
الأبد، ولا يقدس حامله عن تأثير الأمد، فلنبحث في هذه العلوم التي بين أيدينا عن العلم
الذي هو أعزّ ما يطلب وأفضل ما يكتسب، وأسنى ما يدّخر وأعظم ما به يفتخر. فقال
المغربيّ: عندي من هذا العلم العلم بالحامل القائم. وقال المشرقيّ: عندي منه العلم
بالحامل المحمول اللازم. وقال الشاميّ: عندي من هذا العلم علم الإبداع والتركيب. وقال
اليمنيّ: عندي من هذا العلم علم التلخيص والترتيب. ثم قالوا: ليظهر كل واحد منا ما
وعاه، وليكشف عن حقيقة ما ادعاه.
الفصل الأوّل في معرفة الحامل القائم باللسان الغربيّ
قام الإمام المغربيّ وقال: لي التقدّم من أجل مرتبة علمي، فالحكم في الأوليات
حكمي. فقال له الحاضرون: تكلم وأوجز وكن البليغ المعجز. فقال: اعلموا أنه ما لم يكن
ثم كان، واستوت في حقه الأزمان، أن المكوّن يلزمه في الآن. ثم قال: كل ما لا يستغني عن
أمر مّا فحكمه حكم ذلك الأمر، ولكن إذا كان من عالم الخلق والأمر فليصرف الطالب النظر
إليه وليعوّل الباحث عليه. ثم قال: من كان الوجود يلزمه فإنه يستحيل عدمه، والكائن ولم
يكن يستحيل قدمه، ولو لم يستحل عليه العدم، لصحبه المقابل في القدم، فإن كان المقابل
لم يكن، فالعجز في المقابل مستكن، وإن كان كان يستحيل على هذا الآخر كان، ومحال أن
يزول بذاته لصحة الشرط وإحكام الربط. ثم قال: وكلّ ما ظهر عينه ولم يوجب حكماً،
فكونه ظاهراً محال فإنه لا يفيد علماً. ثم قال: ومن المحال عليه تعمير المواطن، لأن رحلته
في الزمن الثاني من زمان وجوده لنفسه وليس بقاطن، ولو جاز أن ينتقل لقام بنفسه واستغنى
عن المحل ولا يعدمه ضدّ لاتصافه بالفقد ولا الفاعل، فإن قولك فعل لا شيء لا يقول به
عاقل. ثم قال: من توقّف وجوده على فناء شيء فلا وجود له حتى يفنى، فإن وجد فقد فني
ذلك الشيء المتوقّف عليه وحصل المعنى، من تقدّمه شيء فقد انحصر دونه وتقيّد ولزمه هذا
الوصف ولو تأبّد فقد ثبت العين بلا مين. ثم قال: ولو كان حكم المسند إليه حكم المسند
لما تناهى العدد، ولا صحّ وجود من وجد. ثم قال: ولو كان ما أثبتناه يخلى ويملى، لكان
يبلى ولا يبلى. ثم قال: ولو كان يقبل التركيب لتحلّل أو التأليف اضمحل، وإذا وقع التماثل
سقط التفاضل. ثم قال: ولو كان يستدعي وجوده سواه ليقوم به لم يكن ذلك السوى مستنداً
إليه وقد صحّ إليه استناده، فباطل أن يتوقف عليه وجوده وقد قيّده إيجاده، ثم إن وصف
الوصف محال، فلا سبيل إلى هذا العقد بحال. ثم قال: الكرة وإن كانت فانية، فليست ذات
ناحية، إذا كانت الجهات إليّ، فحكمها عليّ، وأنا منها خارج عنها وقد كان ولا أنا، ففيم
التشغيب والعنا. ثم قال: كل من استوطن موطناً جازت عنه رحلته وثبتت نقلته، من حاذى
بذاته شيئاً فإن التثليث يحده ويقدره، وهذا يناقض ما كان العقل من قبل يقرّره. ثم قال: لو
كان لا يوجد شيء إلاَّ عن مستقلين اتفاقاً واختلافاً، لما رأينا في الوجود افتراقاً وائتلافاً،
والمقدّر حكمه حكم الواقع، فإذن التقدير هنا للمنازع ليس بنافع. ثم قال: إذا وجد الشيء
٦٧
مقدمة الكتاب
في عينه جاز أن يراه ذو العين بعينه المقيّدة بوجهه الظاهر وجفنه، وما ثم علة توجب الرؤية
في مذهب أكثر الأشعرية، إلاّ الوجود بالبنية وغير البنية، ولا بدّ من البنية، ولو كانت الرؤية
تؤثّر في المرئي لأحلناها، فقد بانت المطالب بأدلتها كما ذكرناها، ثم صلَّى وسلم بعدما حمد
وقعد، فشكره الحاضرون على إيجازه في العبارة، واستيفائه المعاني في دقيق الإشارة.
الفصل الثاني في معرفة الحامل المحمول اللازم باللسان المشرقيّ
ثم قام المشرقيّ وقال: تكوين الشيء من الشيء ميل وتكوينه لا من شيء اقتدار الأزل،
ومن لم يمتنع عنك فقدرتك نافذة فيه ولم تزل. ثم قال: إيجاد أحكام في محكم يثبت بحكمه
وجود علم المحكم. ثم قال: والحياة في العالم شرط لازم ووصف قائم. ثم قال: الشيء إذا
قبل التقدّم والمناص فلا بدّ من مخصص لوقوع الاختصاص، وهو عين الإرادة في حكم
العقل والعادة. ثم قال: ولو أراد المريد بما لم يكن لكان ما لم يكن مراداً بما لم يكن. ثم
قال: من المحال أن توجب المعاني أحكامها في غير من قامت به فانتبه. ثم قال: من تحدث
في نفسه بما مضى، فذلك الحديث ليس بإرادة به حكم الدليل على الكلام وقضى. ثم قال:
القديم لا يقبل الطاري فلا تمارٍ ولو أحدث في نفسه ما ليس منها لكان بعدم تلك الصفة ناقصاً
عنها، ومن ثبت كماله بالعقل والنص فلا ينسب إليه النقص. ثم قال: لو لم يبصرك ولم
يسمعك لجهل كثيراً منك، ونسبة الجهل إليه محال، فلا سبيل إلى نفي هاتين الصفتين عنه
بحال، ومن ارتكب القول بنفيهما ارتكب مخوفاً لما يؤدّي إلى كونه مؤوفاً. ثم قال: من
ضرورة الحكم أن يوجبه معنى، كما من ضرورة المعنى الذي لا يقوم بنفسه استدعاء مغنى،
فيا أيها المجادل كم ذا تتعنى ما ذاك إلاَّ لخوفك من العدد، وهذا لا يبطل حقيقة الواحد
والأحد، ولو علمت أن العدد هو الأحد، ما شرعت في منازعة أحد، فهذا قد أبنت عن
الحامل المحمول العارض واللازم في تقاسيم هذه المعالم ثم قعد.
الفصل الثالث في معرفة الإبداع والتركيب باللسان الشاميّ
ثم قام الشاميّ وقال: إذا تماثلت المحدثات، وكان تعلّق القدرة بها لمجرد الذات،
فبأيّ دليل يخرج منها بعض الممكنات. ثم قال: لما كانت الإرادة تتعلق بمرادها حقيقة، ولم
تكن القدرة الحادثة مثلها لاختلال في الطريقة، فذلك هو الكسب فكسب العبد وقدر الرب،
وتبيين ذلك بالحركة الاختيارية والرعدة الاضطرارية. ثم قال: القدرة من شرطها الإيجاد إذا
ساعدها العلم والإرادة فإياك والعادة، كل ما أدّى إلى نقض الألوهة فهو مردود، ومن جعل
في الوجود الحادث ما ليس بمراد لله فهو من المعرفة مطرود، وباب التوحيد في وجهه
مسدود، وقد يراد الأمر ولا يراد المأمور به وهو الصحيح وهذا غاية التصريح. ثم قال: من
"وجب على الله أمراً فقد أوجب عليه حد الواجب، وذلك على الله محال في صحيح
ـمذاهب، ومن قال بالوجوب لسبق العلم فقد خرج عن الحكم المعروف عند العلماء في
ـر جب وهو صحيح الحكم. ثم قال: تكليف ما لا يطاق جائز عقلاً، وقد عاينا ذلك مشاهدة
٦٨
مقدمة الكتاب
ونقلاً. ثم قال: من لم يخرج شيء على الحقيقة عن ملكه فلا يتصف بالجور والظلم فيما
يجريه من حكمه في ملكه. ثم قال: من هو مختار فلا يجب عليه رعاية الأصلح، وقد ثبت
ذلك وصح، التقبيح والتحسين بالشرع والغرض، ومن قال إن الحسن والقبح لذات الحسن
والقبيح فهو صاحب جهل عرض. ثم قال: إذا كان وجوب معرفة الله وغير ذلك من شرطه
ارتباط الضرر بتركه في المستقبل فلا يصحّ الوجوب بالعقل لأنه لا يعقل. ثم قال: إذا كان
العقل يستقل بنفسه في أمر وفي أمر لا يستقل، فلا بدّ من موصل إليه مستقل، فلم تستحل
بعثة الرسل، وأنهم أعلم الخلق بالغايات والسبل. ثم قال: لو جاز أن يجيء الكاذب بما جاء
به الصادق لانقلبت الحقائق ولتبدلت القدرة بالعجز ولاستند الكذب إلى حضرة العزّ، وهذا
كله محال وغاية الضلال، بما ثبت الواحد الأوّل يثبت الثاني في جميع الوجوه والمعاني.
الفصل الرابع في معرفة التخليص والترتيب باللسان اليمني
ثم قام اليمنيّ وقال: من أفسد شيئاً بعدما أنشأه جاز أن يعيده كما بدأه. ثم قال: إذا
قامت اللطيفة الروحانية بجزء ما من الإنسان فقد صحَّ عليه اسم الحيوان النائم يرى ما لا يراه
اليقظان وهو إلى جانبه لاختلاف مذاهبه، من قامت به الحياة جازت عليه اللذة والألم فما لك
لا تلتزم. ثم قال: البدل من الشيء يقوم مقامه، ويوجب له أحكامه. ثم قال: من قدر على
إمساك الطير في الهواء وهي أجسام قدر على إمساك جميع الأجرام. ثم قال: قد كملت النشاة
واجتمعت أطراف الدائرة قبل حلول الدائرة. ثم قال: إقامة الدين هو المطلوب ولا يصحّ إلاَّ
بالأمان، فاتخاذ الإمام واجب في كل زمان. ثم قال: إذا تكاملت الشرائط صحّ العقد، ولزم
العالم الوفاء بالعهد، وهي الذكورية والبلوغ والعقل والعلم والحرية والورع والنجدة والكفاية
ونسب قريش وسلامة حاسة السمع والبصر، وبهذا قال بعض أهل العلم والنظر. ثم قال: إذا
تعارض إمامان فالعقد للأكثر أتباعه، وإذا تعذّر خلع إمام ناقص لتحقق وقوع فساد شامل فإبقاء
العقد له واجب ولا يجوز إرداعه. قال الشادي: فوفى كل واحد من الأربعة ما اشترط،
وانتظم الوجود وارتبط .
وصل - في اعتقاد أهل الاختصاص من أهل الله بين نظر وكشف:
الحمد لله محير العقول في نتائج الهمم، وصلَّى الله على محمد وعلى آله وسلم.
مسألة: أما بعد، فإن للعقول حدّاً تقف عنده من حيث ما هي مفكرة لا من حيث ما هي
قابلة، فنقول في الأمر الذي يستحيل عقلاً قد لا يستحيل نسبة إلهية، كما نقول فيما يجوز
عقلاً قد يستحيل نسبة إلهية .
مسألة: أية مناسبة بين الحق الواجب الوجود بذاته وبين الممكن وإن كان واجباً به عند
من يقول بذلك لاقتضاء الذات أو لاقتضاء العلم، ومآخذها الفكرية إنما تقوم صحيحة من
البراهين الوجودية، ولا بدّ بين الدليل والمدلول والبرهان والمبرهن عليه من وجه به يكون
التعلّق له نسبة إلى الدليل ونسبة إلى المدلول عليه بذلك الدليل، ولولا ذلك الوجه ما وصل
٦٩
مقدمة الكتاب
دالٌّ إلى مدلول دليله أبداً، فلا يصح أن يجتمع الخلق والحق في وجه أبداً من حيث الذات،
لكن من حيث إنّ هذه الذات منعوتة الألوهة فهذا حكم آخر تستقل العقول بإدراكه، وكل ما
يستقل العقل بإدراكه عندنا يمكن أن يتقدم العلم به على شهوده، وذات الحق تعالى بائنة عن
هذا الحكم فإن شهودها يتقدم على العلم بها بل تشهد ولا تعلم، كما أن الألوهة تعلم ولا
تشهد والذات تقابلها، وكم من عاقل ممن يدعي العقل الرصين من العلماء النظار يقول إنه
حصل على معرفة الذات من حيث النظر الفكريّ وهو غالط في ذلك، وذلك لأنه متردّد بفكره
بين السلب والإثبات، فالإثبات راجع إليه، فإنه ما أثبت للحق الناظر إلاَّ ما هو الناظر عليه من
كونه عالماً قادراً مريداً إلى جميع الأسماء، والسلب راجع إلى العدم والنفي، والنفي لا يكون
صفة ذاتية لأن الصفات الذاتية للموجودات إنما هي ثبوتية، فما حصل لهذا المفكر المتردد
بين الإثبات والسلب من العلم بالله شيء.
مسألة: أنى للمقيد بمعرفة المطلق وذاته لا تقتضيه، وكيف يمكن أن يصل الممكن إلى
معرفة الواجب بالذات؟ وما من وجه للممكن إلاَّ ويجوز عليه العدم والدثور والافتقار فلو
جمع بين الواجب بذاته وبين الممكن وجه لجاز على الواجب ما جاز على الممكن من ذلك
الوجه من الدثور والافتقار وهذا في حق الواجب محال، فإثبات وجه جامع بين الواجب
والممكن محال، فإن وجوه الممكن تابعة له وهو في نفسه يجوز عليه العدم فتوابعه أحرى
وأحق بهذا الحكم، وثبت للممكن ما ثبت للواجب بالذات من ذلك الوجه الجامع، وما ثمَّ
شيء ثبت للممكن من حيث ما هو ثابت للواجب بالذات، فوجود وجه جامع بين الممكن
والواجب بالذات محال.
مسألة: لكنى أقول: إن للألوهة أحكاماً وإن كانت حكماً، وفى صور هذه الأحكام يقع
التجلي في الدار الآخرة حيث كان، فإنه قد اختلف في رؤية النبيّ عليه السلام ربّه كما ذكر،
وقد جاء حديث النور الأعظم في رفرف الدر والياقوت وغير ذلك.
مسألة: أقول بالحكم الإرادي لكني لا أقول بالاختيار، فإن الخطاب بالاختيار الوارد
إنما ورد من حيث النظر إلى الممكن معرّى عن علته وسببيته.
مسألة: فأقول بما أعطاه الكشف الاعتصاميّ ((إن الله كان ولا شيء معه))، إلى هنا انتهى
لفظه عليه السلام، وما أتى بعد هذا فهو مدرج فيه وهو قولهم : وهو الآن على ما علیه كان؛
يريدون في الحكم. فالآن وكان أمران عائدان علينا إذ بنا ظهرا وأمثالهما وقد انتفت المناسبة
والمقول عليه «كان الله ولا شيء معه)»، إنما هو الألوهة لا الذات، وكل حكم يثبت في باب
العلم الإلهيّ للذات إنما هو للألوهية وهي أحكام نسب وإضافات وسلوب، فالكثرة في
النسب لا في العين، وهنا زلّت أقدام من شرّك بين من يقبل التشبيه وبين من لا يقبله عند
كلامهم في الصفات، واعتمدوا في ذلك على الأمور الجامعة التي هي الدليل والحقيقة والعلة
والشرط وحكموا بها غائباً وشاهداً، فأما شاهداً فقد يسلم وأما غائباً فغير مسلم.
مسألة: بحر العماء برزخ بين الحق والخلق في هذا البحر اتصف الممكن بعالم وقادر
٧٠
مقدمة الكتاب
وجميع الأسماء الإلهية التي بأيدينا، واتصف الحق بالتعجب والتبشش والضحك والفرح
والمعية وأكثر النعوت الكونية فردّ ما له وخذ ما لك فله النزول ولنا المعراج.
مسألة: من أردت الوصول إليه لم تصل إليه إلاَّ به وبك بك من حيث طلبك، وبه لأنه
موضع قصدك فالألوهة تطلب ذلك والذات لا تطلبه.
مسألة: المتوجّه على إيجاد على ما سوى الله تعالى هو الألوهة بأحكامها، ونسبها
وإضافاتها وهي التي استدعت الآثار، فإنّ قاهراً بلا مقهور، وقادراً بلا مقدور، صلاحية
ووجوداً وقوّة وفعلاً محال.
مسألة: النعت الخاص الأخص التي انفردت به الألوهة كونها قادرة إذ لا قدرة لممكن
أصلاً وإنما له التمكّن من قبول تعلّق الأثر الإلهيّ به.
مسألة: الكسب تعلق إرادة الممكن بفعل مّا دون غيره، فيوجده الاقتدار الإلهيّ عند
هذا التعلّق فسمّي ذلك كسباً للممكن.
مسألة: الجبر لا يصح عند المحقق لكونه ينافي صحة الفعل للعبد، فإن الجبر حمل
الممكن على الفعل مع وجود الإباية من الممكن، فالجماد ليس بمجبور لأنه لا يتصوّر منه
فعل ولا له عقل عادي، فالممكن ليس بمجبور لأنه لا يتصوّر منه فعل ولا له عقل محقق مع
ظهور الآثار منه.
مسألة: الألوهة تقضي أن يكون في العالم بلاء وعافية، فليس إزالة المنتقم من الوجود
بأولى من إزالة الغافر وذي العفو والمنعم، ولو بقي من الأسماء ما لا حكم له لكان معطلاً
والتعطيل في الألوهة محال فعدم أثر الأسماء محال.
مسألة: المدرك والمدرك كل واحد منهما على ضربين: مدرك يعلم وله قوّة التخيّل،
ومدرك يعلم وماله قوّة التخيّل، والمدرك بفتح الراء على ضربين: مدرك له صورة يعلمه
بصورته من ليس له قوّة التخيّل ولا يتصوّره ويعلمه ويتصوّره من له قوّة التخيّل، ومدرك ما له
صورة يعلم فقط .
مسألة: العلم ليس تصوّر المعلوم ولا هو المعنى الذي يتصوّر المعلوم، فإنه ما كل
معلوم يتصوّر ولا كل عالم يتصوّر، فإن التصوّر للعالم إنما هو من كونه متخيلاً، والصورة
للمعلوم أن تكون على حالة يمسكها الخيال، وثم معلومات لا يمسكها خيال أصلاً فثبت أنها
لا صورة لها .
مسألة: لو صحّ الفعل من الممكن لصحّ أن يكون قادراً ولا فعل له فلا قدرة له، فإثبات
القدرة للممكن دعوى بلا برهان، وكلامنا في هذا الفصل مع الأشاعرة المثبتين لها مع نفي
الفعل عنها.
مسألة: لا يصدر عن الواحد من كل وجه إلاَّ واحد، وهل ثم من هو على هذا الوصف
أم لا؟ في ذلك نظر للمنصف، ألا ترى الأشاعرة ما جعلوا الإيجاد للحق إلاَّ من كونه قادراً
والاختصاص من كونه مريداً والأحكام من كونه عالماً، وكون الشيء مريداً ما هو عين كونه
٧١
مقدمة الكتاب
قادراً، فليس قولهم بعد هذا أنه واحد من كل وجه صحيحاً في التعلّق العام، وكيف وهم
مثبتو الصفات زائدة على الذات قائمة به تعالى، وهكذا القائلون بالنسب والإضافات، وكل
فرقة من الفرق ما تخلصت لهم الوحدة من جميع الوجوه إلاّ أنهم بين ملزم من مذهبه القول
بعدمها وبين قائل بها، فإثبات الوحدانية إنما ذلك في الألوهية أي لا إله إلاَّ هو وذلك صحيح
مدلول عليه .
مسألة: كون الباري عالماً حياً قادراً إلى سائر الصفات نسب وإضافات له لا أعيان زائدة
لما يؤدّي إلى نعتها بالنقص، إذ الكامل بالزائد ناقص بالذات عن كماله بالزائد وهو كامل
لذاته، فالزائد بالذات على الذات محال، وبالنسب والإضافة ليس بمحال، وأمّا قول القائل:
لا هي هو ولا هي أغيار له فكلام في غاية البعد، فإنه قد دلّ صاحب هذا المذهب على إثبات
الزائد وهو الغير بلا شك، إلاَّ أنه أنكر هذا الإطلاق لا غير، ثم تحكم في الحد بأن قال
الغيران هما اللذان يجوز مفارقة أحدهما الآخر مكاناً وزماناً ووجوداً وعدماً، وليس هذا بحد
للغيرين عند جميع العلماء به .
مسألة: لا يؤثر تعدّد التعلقات من المتعلق في كونه واحداً في نفسه، كما لا يؤثر تقسيم
المتكلم به في أحدية الكلام.
مسألة: الصفات الذاتية للموصوف بها وإن تعددت فلا تدل على تعدّد الموصوف في
نفسه لكونها مجموع ذاته وإن كانت معقولة في التمييز بعضها من بعض.
مسألة: كل صورة في العالم عرض في الجوهر وهي التي يقع عليها الخلع والسلخ
والجوهر واحد. والقسمة في الصورة لا في الجوهر.
مسألة: قول القائل إنما وجد عن المعلول الأول الكثرة وإن كان واحد الاعتبارات ثلاثة
وجدت فيه وهي علته ونفسه وإمكانه فنقول لهم: ذلكمٍ يلزمكم في العلة الأولى أعني وجود
اعتبارات فيه وهو واحد فلم منعتم أن لا يصدر عنه إلاَّ واحد؟ فإمّا أن تلتزموا صدور الكثرة
عن العلة الأولى، أو صدور واحد عن المعلول الأول وأنتم غير قائلين بالأمرين.
مسألة: من وجب له الكمال الذاتي والغنى الذاتي لا يكون علة لشيء لأنه يؤدّي كونه
علة توقفه على المعلول، والذات منزهة عن التوقف على شيء فكونها علة محال لكن الألوهة
قد تقبل الإضافات، فإن قيل: إنما يطلق الإله على من هو كامل الذات غنيّ الذات لا يريد
الإضافة ولا النسب. قلنا: لا مشاحة في اللفظ بخلاف العلة فإنها في أصل وضعها ومن
معناها تستدعي معلولاً، فإن أريد بالعلة ما أراد هذا بالإله فمسلم، ولا يبقى نزاع في هذا
اللفظ إلاَّ من جهة الشرع هل يمنع أو يبيح أو يسكت؟
مسألة: الألوهة مرتبة للذات لا يستحقها إلا الله فطلبت مستحقها ما هو طلبها، والمألوه
يطلبها وهي تطلبه، والذات غنية عن كل شيء، فلو ظهر هذا السر الرابط لما ذكرنا لبطلت
الألوهة ولم يبطل كمال الذات، وظهر هنا بمعنى زال كما يقال ظهروا عن البلد أي ارتفعوا
عنه وهو قول الإمام: للألوهية سرّ لو ظهر لبطلت الألوهية.
٧٢
مقدمة الكتاب
مسألة: العلم لا يتغير بتغيّر المعلوم لكن التعلق يتغير، والتعلق نسبة إلى معلوم مّا مثاله
تعلق العلم بأنّ زيداً سيكون فكان، فتعلق العلم بكونه كائناً في الحال وزال تعلق العلم باستئناف
كونه ولا يلزم من يغير التعلق تغير العلم، وكذلك لا يلزم من تغير المسموع باستئناف كونه ولا
يلزم من تغير التعلق تغير العلم، وكذلك لا يلزم من تغير المسموع والمرئيّ تغير الرؤية والسمع.
مسألة: ثبت أن العلم لا يتغير فالمعلوم أيضاً لا يتغير، فإن معلوم العلم إنما هو نسبة
لأمرين معلومين محققين، فالجسم معلوم لا يتغير أبداً والقيام معلوم لا يتغير، ونسبة القيام
للجسم هي المعلومة التي ألحق بها التغيير. والنسبة أيضاً لا تتغير، وهذه النسبة الشخصية
أيضاً لا تكون لغير هذا الشخص فلا تتغير، وما ثم معلوم أصلاً سوى هذه الأربعة وهي الثلاثة
الأمور المحققة: النسبة والمنسوب والمنسوب إليه والنسبة الشخصية، فإن قيل إنما ألحقنا
التغير بالمنسوب إليه لكونه رأيناه على حالة ما ثم رأيناه على حالة أخرى، قلنا لما نظرت
المنسوب إليه أمراً مّا لم تنظر إليه من حيث حقيقته، فحقيقته غير متغيرة ولا من حيث ما هو
منسوب إليه فتلك حقيقة لا تتغير أيضاً، وإنما نظرت إليه من حيث ما هو منسوب إليه حال
مّا، فإذن ليس المعلوم الآخر هو المنسوب إليه تلك الحالة التي قلت إنها زالت فإنها لا تفارق
منسوبها وإنما هذا منسوب آخر إليه نسبة أخرى، فإذن فلا يتغير علم ولا معلوم، وإنما العلم
له تعلقات بالمعلومات أو تعلق بالمعلومات كيف شئت .
مسألة: ليس شيء من العلم التصوّريّ مكتسباً بالنظر الفكريّ، فالعلوم المكتسبة ليست
إلاَّ نسبة معلوم تصوّريّ إلى معلوم تصوّريّ، والنسبة المطلقة أيضاً من العلم التصوّريّ، فإذا
نسبت الاكتساب إلى العلم التصوّريّ فليس ذلك إلاَّ من كونك تسمع لفظاً قد اصطلحت عليه
طائفة مّا لمعنى مّا يعرفه كل أحد، لكن لا يعرف كل أحد أن ذلك اللفظ يدل عليه، فلذلك
يسأل عن المعنى الذي أطلق عليه هذا اللفظ أي معنى هو فيعينه له المسؤول بما يعرفه، فلو
لم يكن عند السائل العلم بذلك المعنى من حيث معنويته والدلالة التي توصل بها إلى معرفة
مراد ذلك الشخص بذلك الاصطلاح لذلك المعنى ما قبله وما عرف ما يقول، فلا بدّ أن تكون
المعاني كلها مركوزة في النفس ثم تنكشف له مع الأناة حالاً بعد حال.
مسألة: وصف العلم بالإحاطة للمعلومات يقضي بتناهيها والتناهي فيها محال فالإحاطة
محال، لكن يقال العلم محيط بحقيقة كل معلوم وإلاّ فليس معلوماً بطريق الإحاطة، فإنه مَن
علم أمراً ما من وجهٍ ما لا من جميع الوجوه فما أحاط به.
مسألة: رؤية البصيرة علم ورؤية البصر طريق حصول علم، فكون الإله سميعاً بصيراً
تعلق تفصيليّ فهما حكمان للعلم، ووقعت التثنية من أجل المتعلق الذي هو المسموع
والمبصر.
مسألة: الأزل نعت سلبيّ وهو نفي الأولية، فإذا قلنا أول في حق الألوهة فليس إلاَّ
المرتبة .
مسألة: دلّت الأشاعرة على حدوث كل ما سوى الله بحدوث المتحيزات وحدوث
٧٣
مقدمة الكتاب
أعراضها، وهذا لا يصح حتى يقيموا الدليل على حصر كل ما سوى الله تعالى فيما ذكروه،
ونحن نسلم حدوث ما ذکروا حدوثه.
مسألة: كل موجود قائم بنفسه غير متحيز وهو ممكن لا تجري مع وجوده الأزمنة ولا
تطلبه الأمكنة .
مسألة: دلالة الأشعريّ في الممكن الأول أنه يجوز تقدمه على زمان وجوده وتأخّره
عنه، والزمان عنده فى هذه المسألة مقدر لا موجود فالاختصاص دليل على المخصص، فهذه
دلالة فاسدة لعدم الزمان فبطل أن يكون هذا دليلاً، فلو قال نسبة الممكنات إلى الوجود أو
نسبة الوجود إلى الممكنات نسبة واحدة من حيث ما هي نسبة لا من حيث ما هو ممكن،
فاختصاص بعض الممكنات بالوجود دون غيره من الممكنات دليل على أن لها مخصصاً،
فهذا هو عین حدوث كل ما سوى الله.
مسألة: قول القائل إنّ الزمان مدة متوهمة تقطعها حركة الفلك خُلْفٌ من الكلام لأنّ
المتوهم ليس بوجود محقق وهم ينكرون على الأشاعرة تقدير الزمان في الممكن الأول
فحركات الفلك تقطع في لا شيء، فإن قال الآخر إن الزمان حركة الفلك والفلك متحيز فلا
تقطع الحركة إلاَّ في متحيز.
مسألة: عجبت من طائفتين كبيرتين الأشاعرة والمجسمة في غلطهم في اللفظ المشترك
كيف جعلوه للتشبيه ولا يكون التشبيه إلاّ بلفظة المثل أو كاف الصفة بين الأمرين في اللسان،
وهذا عزيز الوجود في كل ما جعلاه تشبيهاً من آية أو خبر، ثم إن الأشاعرة تخيلت أنها لما
تأوّلت قد خرجت من التشبيه وهي ما فارقته إلاَّ أنها انتقلت من التشبيه بالأجسام إلى التشبيه
بالمعاني المحدثة المفارقة للنعوت القديمة في الحقيقة والحد فما انتقلوا من التشبيه
بالمحدثات أصلاً، ولو قلنا بقولهم لم نعدل مثلاً من الاستواء الذي هو الاستقرار إلى الاستواء
الذي هو الاستيلاء كما عدلوا، ولا سيما والعرش مذكور في نسبة هذا الاستواء، ويبطل معنى
الاستيلاء مع ذكر السرير، ويستحيل صرفه إلى معنى آخر ينافي الاستقرار، فكنت أقول: إن
التشبيه مثلاً إنما وقع بالاستواء، والاستواء معنى لا بالمستوى الذي هو الجسم، والاستواء
حقيقة معقولة معنوية تنسب إلى كل ذات بحسب ما تعطيه حقيقة تلك الذات، ولا حاجة لنا
إلى التكلف في صرف الاستواء عن ظاهره فهذا غلط بين لا خفاء به، وأما المجسمة فلم يكن
ينبغي لهم أن يتجاوزوا باللفظ الوارد إلى أحد محتملاته مع إيمانهم ووقوفهم مع قوله تعالى:
﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ﴾ [سورة الشورى: الآية ١١].
مسألة: كما أنه تعالى لم يأمر بالفحشاء كذلك لا يريدها، لكن قضاها وقدرها بيان كونه
لا يريدها، لأن كونها فاحشة ليس عينها بل هو حكم الله فيها، وحكم الله في الأشياء غير
مخلوق، وما لم يجر عليه الخلق لا يكون مراداً، فإن ألزمناه في الطاعة التزمناه وقلنا الإرادة
للطاعة ثبتت سمعاً لا عقلاً فأثبتوها في الفحشاء ونحن قبلناها إيماناً، كما قبلنا وزن الأعمال
وصورها مع كونها أعراضاً فلا يقدح ذلك فيما ذهبنا إليه لما اقتضاه الدليل.
٧٤
مقدمة الكتاب
مسألة: العدم للممكن المتقدم بالحكم على وجوده ليس بمراد، لكن العدم الذي يقارنه
حكماً حال وجوده إذ لو لم یکن الوجود لكان ذلك العدم منسحباً عليه هو مراد حال وجود
الممكن لجواز استصحاب العدم له، وعدم الممكن الذي ليس بمراد هو الذي في مقابلة
وجود الواجب لذاته، لأن مرتبة الوجود المطلق تقابل العدم المطلق الذي للممكن، إذ ليس
له جواز وجود في هذه المرتبة وهذا في وجود الألوهة لا غير.
مسألة: لا يستحيل في العقل وجود قديم ليس بإله فإن لم يكن فمن طريق السمع لا
غير .
مسألة: كون المخصص مريد الوجود ممكن مّا ليس تخصيصه لوجوده من حيث هو
وجود، لكن من حيث نسبته لممكن ما تجوز نسبته لممكن آخر، فالوجود من حيث الممكن
مطلقاً لا من حيث ممكن ما ليس بمراد ولا بواقع أصلاً إلاَّ بممكن ما، وإذا كان بممكن ما
فليس هو بمراد من حيث هو لكن من حيث نسبته لممكن ما لا غير.
مسألة: دلّ الدليل على ثبوت السبب المخصّص، ودلّ الدليل مثلاً على التوقيف فيما
ينسب إلى هذا المخصص من نفي أو إثبات كما قال لنا بعض النظار في كلام جرى بيني وبينه
فكنا نقف كما زعم، لكن دل الدليل على ثبوت الرسول من جانب المرسل، فأخذنا النسب
الإلهية من الرسول فحكمنا بأنه كذا وليس كذا، فكيف والدليل الواضح على وجوده، وأن
وجوده عين ذاته وليس بعلة لذاته لثبوت الافتقار إلى الغير وهو الكامل بكل وجه فهو موجود
ووجوده عین ذاته لا غيرها .
مسألة: افتقار الممكن للواجب بالذات والاستغناء الذاتي للواجب دون الممكن يسمّى
إلهاً، وتعلقها بنفسها وبحقائق كل محقق وجوداً كان أو عدماً يسمّى علماً، وتعلقها
بالممكنات من حيث ما هي الممكنات عليه يسمّى اختياراً، وتعلقها بالممكن من حيث تقدّم
العلم قبل كون الممكن يسمّى مشيئة، وتعلقها بتخصيص أحد الجائزين للممكن على التعيّن
يسمّى إرادة، وتعلقها بإيجاد الكون يسمّى قدرة، وتعلقها بإسماع المكوّن لكونه يسمّى أمراً
وهو على نوعين: بواسطة وبلا واسطة، فبارتفاع الوسائط لا بدّ من نفوذ الأمر، وبالواسطة لا
يلزم النفوذ، وليس بأمر في عين الحقيقة إذ لا يقف الأمر وتعلقها بإسماع المكوّن لصرفه عن
كونه أو كون ما يمكن أن يصدر منه يسمّى نهياً وصورته في التقسيم صورة الأمر، وتعلقها
بتحصيل ما هي عليه هي أو غيرها من الكائنات أو ما في النفس يسمّى أخباراً، فإن تعلقت
بالكون على طريق أي شيء يسمّى استفهاماً، فإن تعلقت به على جهة النزول إليه بصيغة الأمر
يسمّى دعاء، ومن باب تعلق الأمر إلى هذا يسمّى كلاماً، تعلقها بالكلام من غير اشتراط العلم
به يسمّى سمعاً، فإن تعلقت وتبع التعلق الفهم بالمسموع يسمّى فهماً، وتعلقها بكيفية النور
وما يحمله من المرئيات يسمّى بصراً ورؤية، وتعلقها بإدراك كل مدرك الذي لا يصح تعلق من
هذه التعلقات كلها إلاَّ به يسمّى حياة، والعين في ذلك كله واحدة تعدّدت التعلقات لحقائق
المتعلقات والأسماء للمسميات.
٧٥
مقدمة الكتاب
مسألة: للعقل نور يدرك به أمور مخصوصة، وللإيمان نور به يدرك كل شيء ما لم يقم
مانع، فبنور العقل تصل إلى معرفة الألوهة وما يجب لها ويستحيل وما يجوز منها فلا يستحيل
ولا يجب، وبنور الإيمان يدرك العقل معرفة الذات وما نسب الحق إلى نفسه من النعوت.
مسألة: لا يمكن عندنا معرفة كيفية ما ينسب إلى الذوات من الأحكام إلاَّ بعد معرفة
الذوات المنسوبة والمنسوب إليها، وحينئذ تعرف كيفية النسبة المخصوصة لتلك الذات
المخصوصة كالاستواء والمعية واليد والعين وغير ذلك.
مسألة: الأعيان لا تنقلب والحقائق لا تتبدل، فالنار تحرق بحقيقتها لا بصورتها، فقوله
تعالى: ﴿يَنَارُ كُوْنِ بَّدًا وَسَلَمًا﴾ [سورة الأنبياء: الآية ٦٩] خطاب للصورة وهي الجمرات وأجرام
الجمرات محرقة بالنار فلما قام النار بها سميت ناراً فتقبل البرد كما قبلت الحرارة.
مسألة: البقاء استمرار الوجود مثلاً على الباقي لا غير ليس بصفة زائدة فيحتاج إلى بقاء
ويتسلسل إلا على مذهب الأشاعرة في المحدث فإن البقاء عرض فلا يحتاج إلى بقاء وإنما
ذلك في بقاء الحق تعالى.
مسألة: الكلام من حيث ما هو كلام واحد، والقسمة في المتكلم به لا في الكلام،
فالأمر والنهي والخبر والاستخبار والطلب واحد في الكلام.
مسألة: الاختلاف في الاسم والمسمّى والتسمية اختلاف في اللفظ، فأما قول من قال:
﴿فَرَكَ اسْمُ رَيِّكَ﴾ [سورة الرحمن: الآية ٧٨] و﴿سَيْجِ أَسْمَ رَيِّكَ﴾ [سورة الأعلى: الآية ١] فكالنهي بالسفر
بالمصحف إلى أرض العدوّ، وأما القول في الحجة بأسماء سميتموها على أنّ الاسم هو
المسمّى فالمعبود الأشخاص، فنسبة الألوهة عبدوا فلا حجة في أن الاسم هو المسمّى، ولو
كان لكان بحكم اللغة والوضع لا بحكم المعنى.
مسألة: وجود الممكنات لكمال مراتب الوجود الذاتي والعرفاني لا غير.
مسألة: كل ممكن منحصر في أحد قسمين في ستر أو تجل فقد وجد الممكن على
أقصى غاياته وأكملها فلا أكمل منه، ولو كان الأكمل لا يتناهى لما تصوّر خلق الكمال وقد
وجد مطابقاً للحضرة الكمالية فقد كمل.
مسألة: المعلومات منحصرة من حيث ما تدرك به في حس ظاهر وباطن وهو الإدراك
النفسيّ والبديهة، وما تركب من ذلك عقلاً إن كان معنى وخيالاً إن كان صورة، فالخيال لا
يركب إلاَّ في الصور خاصة، فالعقل يعقل ما يركب الخيال، وليس في قوّة الخيال أن يصوّر
بعض ما يركبه العقل، وللاقتدار الإلهيّ سرّ خارج عن هذا كله يقف عنده.
مسألة: الحسن والقبح ذاتيّ للحسن والقبيح، لكن منه ما يدرك حسنه وقبحه بالنظر إلى
كمال أو نقص أو غرض أو ملايمة طبع أو منافرته أو وضع، ومنه ما لا يدرك قبحه ولا حسنه
إلاَّ من جانب الحق الذي هو الشرع فنقول: هذا قبيح وهذا حسن وهذا من الشرع خبر لا
حكم، ولهذا نقول بشرط الزمان والحال والشخص، وإنما شرطنا هذا من أجل من يقول في
القتل ابتداء أو قوداً أو حداً، وفي إيلاج الذكر في الفرج سفاحاً ونكاحاً، فمن حيث هو إيلاج
٧٦
مقدمة الكتاب
واحد لسنا نقول كذلك فإن الزمان مختلف ولوازم النكاح غير موجودة في السفاح، وزمان
تحليل الشيء ليس زمان تحريمه إن لو كان عين المحرم واحداً فالحركة من زيد في زمان ما
ليست هي الحركة منه في الزمان الآخر، ولا الحركة التي من عمرو هي الحركة التي من زيد،
فالقبيح لا يكون حسناً أبداً، لأن تلك الحركة الموصوفة بالحسن أو القبح لا تعود أبداً، فقد
علم الحق ما كان حسناً وما كان قبيحاً ونحن لا نعلم، ثم إنه لا يلزم من الشيء إذا كان قبيحاً
أن يكون أثره قبيحاً فقد يكون أثره حسناً، والحسن أيضاً كذلك قد يكون أثره قبيحاً كحسن
الصدق وفي مواضع يكون أثره قبيحاً، وكقبح الكذب وفي مواضع يكون أثره حسناً، فتحقق
ما نبهناك عليه تجد الحق.
مسألة: لا يلزم من انتفاء الدليل انتفاء المدلول، فعلى هذا لا يصحّ قول الحلوليّ: لو
كان الله في شيء كما كان في عيسى لأحيا الموتى.
مسألة: لا يلزم الراضي بالقضاء الرضى بالمقضيّ فالقضاء حكم الله وهو الذي أمرنا
بالرضى به، والمقضيّ المحكوم به فلا يلزمنا الرضى به.
مسألة: إن أريد بالاختراع حدوث المعنى المخترع في نفس المخترع وهو حقيقة
الاختراع فذلك على الله محال، وإن أريد بالاختراع حدوث المخترع على غير مثال سبقه في
الوجود الذي ظهر فيه فقد يوصف الحق على هذا بالاختراع.
مسألة: ارتباط العالم بالله ارتباط ممكن بواجب ومصنوع بصانع، فليس للعالم في
الأزل مرتبة فإنها مرتبة الواجب بالذات فهو الله ولا شيء معه، سواء كان العالم موجوداً أو
معدوماً، فمن توهم بين الله والعالم بوناً يقدر تقدّم وجود الممكن فيه وتأخره فهو توهم باطل
لا حقيقة له، فلهذا نزعنا في الدلالة على حدوث العالم خلاف ما نزعت إليه الأشاعرة وقد
ذكرناه في هذا التعليق.
مسألة: لا يلزم من تعلق العلم بالمعلوم حصول المعلوم في نفس العالم ولا مثاله،
وإنما العلم يتعلق بالمعلومات على ما هي المعلومات عليه في حيثيتها وجوداً وعدماً، فقول
القائل إن بعض المعلومات له في الوجود أربع مراتب ذهنيّ وعينيّ ولفظيّ وخطيّ، فإن أراد
بالذهن العلم فغير مسلم، وإن أراد بالذهن الخيال فمسلم، لكن في كل معلوم يتخيل خاصة
وفي كل عالم يتخيل، ولكن لا يصح هذا إلاَّ في الذهنيّ خاصة لأنه يطابق العين في الصورة،
واللفظيّ والخطيّ ليسا كذلك، فإن اللفظ والخط موضوعان للدلالة والتفهيم فلا يتنزل من
حيث الصورة على الصورة، فإن زيداً اللفظيّ والخطيّ إنما هو زاي وياء ودال رقماً أو لفظاً
ماله يمين ولا شمال ولا جهات ولا عين ولا سمع فلهذا قلنا لا يتنزل عليه من حيث الصورة
لكن من حيث الدلالة، ولذلك إذا وقعت فيه المشاركة التي تبطل الدلالة افتقرنا إلى النعت
والبدل وعطف البيان ولا يدخل في الذهنيّ مشاركة أصلاً فافهم.
مسألة: كنّا حصرنا في كتاب المعرفة الأول ما للعقل من وجوه المعارف في العالم ولم
ننبه من أين حصل لنا ذلك الحصر، فاعلم أن للعقل ثلاثمائة وستین وجهاً يقابل كل وجه من
٧٧
مقدمة الكتاب
جناب الحق العزيز ثلاثمائة وستين وجهاً يمده كل وجه منها بعلم لا يعطيه الوجه الآخر، فإذا
ضربت وجوه العقل في وجوه الأخذ فالخارج من ذلك هي العلوم التي للعقل المسطرة في
اللوح المحفوظ الذي هو النفس، وهذا الذي ذكرناه كشفاً إلهياً لا يحيله دليل عقل فيتلقى
تسليماً من قائله أعني هذا، كما تلقى من القائل الحكيم الثلاثة الاعتبارات التي للعقل الأول
من غير دليل لكن مصادرة فهذا أولى من ذلك، فإن الحكيم يدعي في ذلك النظر فيدخل عليه
بما قد ذكرناه في عيون المسائل في مسألة الدرة البيضاء الذي هو العقل الأول، وهذا الذي
ذكرناه لا يلزم عليه دخل فإنا ما ادعيناه نظراً وإنما ادّعيناه تعريفاً، فغاية المنكر أن يقول
للقائل: تكذب، ليس له غير ذلك كما يقول له المؤمن به: صدقت؛ فهذا فرقان بيننا وبين
القائلين بالاعتبارات الثلاثة وبالله التوفيق.
مسألة: ما من ممكن من عالم الخلق إلاَّ وله وجهان: وجه إلى سببه ووجه إلى الله
تعالى، فكل حجاب وظلمة تطرأ عليه فمن سببه، وكل نور وكشف فمن جانب حقه، وكل
ممكن من عالم الأمر فلا يتصوّر في حقه حجاب لأنه ليس له إلاَّ وجه واحد فهو النور
المحض، ألا لله الدين الخالص .
مسألة: دلّ الدليل العقلي على أن الإيجاد متعلق القدرة وقال الحق عن نفسه إنّ الوجود
يقع عن الأمر الإلهي فقال: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَىْءٍ إِذَا أَرَدْنَهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [سورة النحل: الآية
٤٠] فلا بدّ أن ننظر في متعلق الأمر ما هو وما هو متعلق القدرة حتى أجمع بين السمع والعقل
فنقول: الامتثال قد وقع بقوله فيكون والمأمور به إنما هو الوجود، فتعلقت الإرادة بتخصيص
أحد الممكنين وهو الوجود، وتعلقت القدرة بالممكن فأثرت فيه الإيجاد وهي حالة معقولة
بين العدم والوجود، فتعلق الخطاب بالأمر لهذه العين المخصصة بأن تكون فامتثلت فكانت،
فلولا ما كان للممكن عين ولا وصف لها بالوجود يتوجه على تلك العين الأمر بالوجود لما
وقع الوجود؛ والقائل بتَهَيُّؤ المراد في شرح كن غير مصيب.
مسألة: معقولية الأولية للواجب الوجود بالغير نسبة سلبية عن وجود كون الوجوب
المطلق فهو أول لكل مقيد، إذ يستحيل أن يكون له هناك قدم لأنه لا يخلو أن يكون بحيث
الوجوب المطلق فيكون إما هو نفسه وهو محال وإما قائماً به وهو محال لوجوه منها أنه قائم
بنفسه، ومنها ما يلزم للواجب المطلق لو قام به هذا من الافتقار فيكون إما مقوّماً لذاته وهو
محال أو مقوّماً لمرتبته وهو محال.
مسألة: معقولية الأولية للواجب المطلق نسبة وضعية لا يعقل لها العقل سوى استناد
الممكن إليه فيكون أولاً بهذا الاعتبار، ولو قدر أن لا وجود لممكن قوّة وفعلاً لانتفت النسبة
الأولية إذ لا تجد متعلقاً.
مسألة: أعلم الممكنات لا يعلم موجده إلاَّ من حيث هو، فنفسه علم ومن هو موجود
عنه غير ذلك لا يصحّ لأن العلم بالشيء يؤذن بالإحاطة به والفراغ منه وهذا في ذلك الجناب
محال فالعلم به محال، ولا يصحّ أن يعلم منه لأنه لا يتبعض فلم يبق العلم إلاَّ بما يكون منه،
٧٨
مقدمة الكتاب
وما يكون منه هو أنت فأنت المعلوم، فإن قيل: علمنا بليس هو كذا علم به. قلنا: نعوتك
جردته عنها لما يقتضيه الدليل من نفي المشاركة فتميزت أنت عندك عن ذات مجهولة لك من
حيث ما هي معلومة لنفسها ما هي تميزت لك لعدم الصفات الثبوتية التي لها في نفسها فافهم
ما علمت وقل رب زدني علماً لو علمته لم يكن هو ولو جهلك لم تكن أنت، فبعلمه أوجدك
وبعجزك عبدته، فهو هو لهو لا لك، وأنت أنت لأنت وله، فأنت مرتبط به ما هو مرتبط بك،
الدائرة مطلقة مرتبطة بالنقطة، النقطة مطلقة ليست مرتبطة بالدائرة، نقطة الدائرة مرتبطة
بالدائرة، كذلك الذات مطلقة ليست مرتبطة بك، ألوهية الذات مرتبطة بالمألوه كنقطة الدائرة.
مسألة: متعلق رؤيتنا الحق ذاته سبحانه، ومتعلق علمنا به إثباته إلهاً بالإضافات
والسلوب فاختلف المتعلق، فلا يقال في الرؤية إنها مزيد وضوح في العلم لاختلاف
المتعلق، وإن كان وجوده عين ماهيته فلا ننكر أن معقولية الذات غير معقولية كونها موجودة.
مسألة أن العدم هو الشرّ المحض: لم يعقل بعض الناس حقيقة هذا الكلام لغموضه
وهو قول المحققين من العلماء المتقدمين والمتأخرين، لكن أطلقوا هذه اللفظة ولم يوضحوا
معناها، وقد قال لنا بعض سفراء الحق في منازلة في الظلمة والنور: إن الخير في الوجود
والشرّ في العدم في كلام طويل علمنا أن الحق تعالى له إطلاق الوجود من غير تقييد وهو
الخير المحض الذي لا شرّ فيه، فيقابله إطلاق العدم الذي هو الشر المحض الذي لا خير
فيه، فهذا هو معنى قولهم إن العدم هو الشرّ المحض.
مسألة: لا يقال من جهة الحقيقة إن الله جائز أن يوجد أمراً ما وجائز أن لا يوجده، فإن
فعله للأشياء ليس بممكن بالنظر إليه ولا بإيجاب موجب، ولكن يقال ذلك الأمر جائز أن
يوجد وجائز أن لا يوجد فيفتقر إلى مرجح وهو الله تعالى، وقد تقصينا الشريعة فما رأينا فيها
ما يناقض ما قلناه، فالذي نقول في الحق أنه تعالى يجب له كذا ويستحيل عليه كذا، ولا نقول
يجوز عليه كذا فهذه عقيدة أهل الاختصاص من أهل الله، وأما عقيدة خلاصة الخاصة في الله
تعالى فأمر فوق هذا جعلناه مبدداً في هذا الكتاب لكون أكثر العقول المحجوبة بأفكارها تقصر
عن إدراكه لعدم تجريدها .
وقد انتهت مقدمة الكتاب وهي عليه كالعلاوة، فمن شاء كتبها فيه ومن شاء تركها، والله
يقول الحق وهو يهدي السبيل. انتهى الجزء الثالث والحمد لله.
(الجزء الرابع)
بِسْمِ الَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحَمَةِ
(الفصل الأول: في المعارف)
الباب الأول
في معرفة الروح الذي أخذت من تفصيل نشأته
ما سطرته في هذا الكتاب وما كان بيني وبينه من الأسرار
فمن ذلك نظم : [الخفيف]
قلتُ عندَ الطوافِ كيفَ أَطُوفُ
جَلْمَدٌ غيرُ عَاقِلٍ حركاتي
انظر البيتَ نورُهُ يتلالا
نظَرْتُهُ بالله دونَ حجابٍ
وتجلَّى لها من أُفْقِ جلالي
لو رأيت الوليّ حين يراه
يَلْثُمُ السرَّ في سوادٍ يميني
جُهِلَتْ ذاتُه فقيلَ كثيفٌ
قال لي حين قلت لِمْ جَهِلوهُ
عرفوه فلازموه زماناً
واستقاموا فما يرى قَطُّ فيهم
قُمْ فبشِرْ عني مُجاورَ بيتي
إن أَمِتْهُمْ فرَّختُهم بلقائي
وهو عن دَرْكِ سرِّنا مَكْفُوفُ
قيل أنت المُحيَّرُ المَثْلوفُ
لقلوب تطهَّرَتْ مكشوفُ
فبدا سرُّه العليُّ المنيفُ
قمرُ الصدقِ ما اعتراه خُسوفُ
قلتَ فِيهِ مُذْلَةٌ مِلْهُوفُ
أي سِرّ لَوْ أنه معروفُ
عندَ قومٍ وعندَ قوم لطيفُ
إنما يَعرَفُ الشريفَ الشريفُ
فتولاَّهُمُ الرحيمُ الرؤوفُ
عن طوافٍ بذاتهِ تَخريفُ
بأمانٍ ما عندَه تَخْويفُ
أو يعيشوا فالثَّوْبُ منهم نَظیفُ
اعلم أيها الوليّ الحميم، والصفي الكريم، أني لما وصلت إلى مكة البركات، ومعدن
السكنات الروحانية والحركات، وكان من شأني فيه ما كان، طفت ببيته العتيق في بعض
الأحيان، فبينا أنا أطوف مسبحاً وممجداً ومكبراً ومهللاً، تارة ألثم وأستلم وتارة للملتزم
ألتزم، إذ لقيت وأنا عند الحجر الأسود باهت الفتى الفائت، المتكلم الصامت، الذي ليس
بحي ولا مائت، المركب البسيط، المحاط المحيط، فعندما أبصرته يطوف بالبيت، طواف
الحي بالميت، عرفت حقيقته ومجازه، وعلمت أن الطواف بالبيت كالصلاة على الجنازة،
وأنشدت الفتى المذكور ما تسمعه من الأبيات عندما رأيت الحي طائفاً بالأموات شعر:
[الطويل]
ولما رأيتُ البيتَ طافَتْ بذاتِهِ
شُخُوصٌ لهم سِرُّ الشريعةِ غَيْبِيْ
٧٩
٨٠
في المعارف/ الباب الأول: في معرفة الروح
وهم كُخلُ عينِ الكشفِ ما هُمْ بِهِ عُمِيّ
وطافَ به قومٌ مُمُ الشَّرْعُ والحِجَا
عزيزٌ وحيدُ الدهرِ ما مِثْلُه شَيّ
تعجّبْتُ من مَيْتٍ يطوفُ به حِيٍّ
تَجَلَّى لنا من نور ذاتٍ مَجَلِّهِ
وليس من الأملاكِ بلْ هوَ إنسِيّ
لدى الكشفِ والتحقيقِ حيٍّ ومَرْئيّ
تيقّنْتُ أن الأمرَ غَيْبٌ وأنه
قلت فعندما وقعت مني هذه الأبيات، وألحقت بيته المكرم من جهة ما بجانب
الأموات، خطفني مني خطفة قاهر، وقال لي قولة رادع زاجر: انظر إلى سر البيت قبل الفوت
تجده زاهياً بالمطيفين والطائفين بأحجاره، ناظراً إليهم من خلف حجبه وأستاره، فرأيته يزهو
كما قال، فأفصحت له في المقال، وأنشدته في عالم المثال على الارتجال: [الطويل]
وما الزَّهْوُ إلاَّ من حکیم لهُ صُنْعُ
أرى البيتَ يزهو بالمطيفينَ حَولَهُ
وليسَ له عقلٌ وليسَله سَمْعُ
وهذا جمادٌ لا يحسُّ ولا يرى
فقال شُخَيْصٌ هذه طاعةٌ لنا
قَدَ أثبتها طولَ الحياةِ لنا الشَّرْعُ
مقالةً من أبدى له الحكمةَ الوضْعُ
فقلت لُه هذا بلاغُكَ فاستَمِعْ
وليس له ضَرٍّ وليس له نَفْعُ
رأيتَ جماداً لا حياةً بذاتِهِ
ولكِنْ لعين القلب فيه مَنَّاظِرٌ
يراه عزيزاً إن تجَّلَّى بذاتِهِ
فكنتَ أبا حفصٍ وكنتَ عَلِيَّنا
إذا لم يكن بالعينٍ ضَغْفٌ ولا صَدْعُ
فليسَ لمخلوقٍ على حَمْلِهِ وُسْعُ
فمني العطاءُ الجَزْلُ والقَبْضُ والمَنْعُ
وصل: ثم إنه أطلعني على منزلة ذلك الفتى، ونزاهته عن أين ومتى، فلما عرفت منزلته
وإنزاله، وعاينتُ مكانته من الوجود وأحواله، قبلت يمينه ومسحت من عرق الوحي جبينه،
وقلت له: انظر من طالب مجالستك وراغب في مؤانستك، فأشار إلي إيماء ولغزاً أنه فطر
على أن لا يكلم أحداً إلاَّ رمزاً، وأن رمزي إذا علمته، وتحققته وفهمته، علمت أنه لا تدركه
فصاحة الفصحاء، ونطقه لا تبلغه بلاغة البلغاء، فقلت له يا أيها البشير، وهذا خير كثير،
فعرفني باصطلاحك، وأوقفني على كيفية حركات مفتاحك، فإني أريد مسامرتك وأحب
مصاهرتك، فإن عندك الكفؤ والنظير، وهو النازل بذاتك والأمير، ولولا ما كانت لك حقيقة
ظاهره، ما تطلعت إليه وجوه ناضرة ناظره، فأشار فعلمت، وجلى لي حقيقة جماله فهيمت،
فسقط في يديّ، وغلبني في الحين عليّ، فعندما أفقت من الغشيه، وأرعدت فرائصي من
الخشيه، علم أن العلم به قد حصل، وألقى عصا سيره ونزل، فتلا حاله عليّ ما جاءت به
الأنباء، وتنزلت به الملائكة الأمناء، إنما يخشى الله من عباده العلماء، فجعلها دليلاً،
واتخذها إلى معرفة العلم الحاصل به سبيلاً، فقلت له أطلعني على بعض أسرارك، حتى أكون
من جملة أحبارك، فقال: انظر في تفاصيل نشأتي، وفي ترتيب هيأتي، تجد ما سألتني عنه فيّ
مرقوماً، فإني لا أكون مكلماً ولا كليماً، فليس علمي بسواي، وليست ذاتي مغايرة لأسمائي،
فأنا العلم والمعلوم والعليم، وأنا الحكمة والمحكم والحكيم، ثم قال لي طف على أثري،
وانظر إليّ بنور قمري، حتى تأخذ من نشأتي ما تسطره في كتابك، وتمليه على كتابك،