Indexed OCR Text

Pages 181-200

غزوة خيبر
قال ابن إسحاق: وأقامَ رسولُ الله عَ ل بعد رجوعه من الحديبية ذا الحجة وبعض
المحرم ، وخرج في بقية منه غازياً إلى خيبر ، ولم يبق من السنة السادسة من الهجرة إلا شهرٌ
وأيام . واستخلفَ على المدينة نُميلة بن عبد الله الليثي فيما قاله ابن هشام .
وقال موسى بن عقبة: لما قدم رسولُ الله عَِّ المدينةَ، منصرفه من الحديبية، مكث
عشرين يوماً أو قريباً منها ، ثم خرجَ غازياً إلى خيبر ، وكان الله وعدَه إياها وهو بالحديبية .
قال ابن إسحاق : فحدثني محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي ، عن أبي الهيثم بن نصر
الأسلمي ؛ أن أباه حدّثه، أنه سمع رسولَ الله عَُّلم يقول في مسيره إلى خيبر لعامر بن
الأكوع - وهو عَمُّ سلمة بن عمرو بن الأكوع؛ وكان اسم الأكوع سناناً -: (( انزلْ يا بن
الأكوع فخذْ لنا من هَنَاتِك(١) ». قال: فنزلَ يرتجز:
ولا تصدَّقنا ولا صلَّيْنا
والله لولا الله ما اهتدينا
وإن أرادوا فتنةٌ أبينا
إنا إذا قومٌ بغوا علينا
وثبِّتِ الأقدام إن لاقينا
فأنزلنْ سكينةٌ علينا
فقال رسول الله عَ له: يرحمكَ رَبُّك. فقال عمر بن الخطاب: وجبت والله
يا رسولَ الله، لو أمتعتنا به . فقُتل يومَ خيبر شهيداً، وكان قتلُه فيما بلغني ، أن سيفه رجع
عليه ، وهو يقاتل ، فكلّمَه كَلْماً شديداً ، فمات منه ، فكان المسلمون قد شَكُوا فيه وقالوا :
ما قتلَه إلا سلاحُه، حتى سألَ ابن أخيه سلمة بن عمرو بن الأكوع رسولَ الله عَّمه عن
ذلك، وأخبره بقول الناس، فقال رسول الله عَّه: إنه لشهيد، وصلى عليه المسلمون .
وحدثني من لا أتهم عن عطاء بن أبي مروان الأسلمي ، عن أبيه ، عن أبي مُغيث بن
(١) (( من هَنَاتِكَ)): من أخبارك وأشعارك، جمع ◌َنَة، وهي كلمة يُكنى بها عما تعرف وما لا تعرف، وأراد هنا
حداءه وارتجازه .
- ١٨١ -

عمرو(١)، أن رسول الله عَ ليه لما أشرف على خيبر، قال لأصحابه وأنا فيهم: قفوا . ثم قال:
اللهم ربَّ السماواتِ وما أظللنَ وربَّ الأرضين وما أقللن، وربَّ الشياطين وما أضللنَ ،
وربَّ الرياح وما أذرينَ ، فإنا نسألك من خيرٍ هذه القرية ، وخيرٍ أهلِها ، وخير ما فيها ،
ونعوذُ بك من شرِّها وشرِّ أهلها وشر ما فيها ، أقدموا بسم الله . قال : وكان يقولُها لكل قرية
دخلَها .
وحدثني من لا أتهم: عن أنس بن مالك، قال: كانَ رسولُ الله عَ لّه إذا غزا قوماً لم
يُغْرْ عليهم حتى يُصبحَ ، فإن سمع أذاناً أمسكَ ، وإن لم يسمع أذاناً أغارَ ، فنزلنا خيبر ليلاً ،
فبات رسولُ الله عَّلِ، حتى إذا أصبحَ لم يسمعْ أَذاناً ، فركب وركبنا معه، وركبتُ خلفَ
أبي طلحة، وإن قدمي لتمَبِىُّ قدمَ رسول الله عَّله، واستقبلَنا عُمَّال خيبرَ غادين، وقد
خرجوا بمساحيهم ومكاتلهم، فلما رأوا رسولَ الله عَ لله والجيش، قالوا: محمد والخميس
معه، فأدبروا هُرَّاباً. فقال رسول الله عَ لِ: الله أكبر، خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة
قوم فساءَ صباحُ المنذرين . حدثنا هارون عن حميد عن أنس بمثله(٢) ..
وروينا عن أبي علي بنّ الصواف بالسند المتقدم إليه ، حدثنا الحسين بن علي بن
مصعب ، حدثنا محمد بن السري ، حدثنا عبد الرزاق ، أخبرنا هشام بن حسان ، عن
محمد بن سيرين، عن أنس بن مالك، عن أبي طلحة، قال: لما أشرف رسولُ الله عَ لمه على
خيبرَ ، وجدَ اليهود وهم في عملهم، معهم مساحيهم ، فقالوا: محمد والخميس . فقال
رسول الله عَّ له: خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين(٢) ..
(١) في الأصول ((عن أبي معتب؛ والتصحيح من نور النبراس، وقال: هل هو صحابي أم لا فيه قولان. لوحة
٢/ب ٠١٢٩.
(٢) السيرة النبوية ٣٢٨/٢ - ٣٣٠، وحديث أنس عن أبي طلحة صحيح رواه البخاري في الصلاة (باب
ما يذكر في الفخذ ) رقم /٣٧١/، ومسلم في الجهاد ( باب غزوة خيبر) رقم /١٣٦٥/، وأبو داود في
الخراج (باب ما جاء في سهم الصفي) رقم / ٢٩٩٦/، والترمذي في السير ( باب في البيات والغارات رقم
/١٥٥٠/، والنسائي في الصلاة (باب التغليس في السفر) ٢٧١/١ - ٢٧٢.
(٣) في الأصول حدثنا الحسين بن علي بن مصعب ، حدثنا بن حسان ، عن محمد بن أبي السري ، حدثنا عبد
الرزاق ، والتصحيح من نور النبراس ، وقال : حديث أبي طلحة هذا ليس في شيء من الكتب الستة.
ويشهد له الحديث السابق .
- ١٨٢ -

رجع إلى الأول: وكان رسولُ الله مَّلِ حين خرج من المدينة إلى خيبر سلك على
عِصْر (١) فَبني له فيها مسجد، ثم على الصهباء(٢)، ثم أقبلَ رسولُ الله عَلِ بجيشه إلى خيبر ،
حتى نزل بوادٍ يُقال له الرجيع(٣)، فنزلَ بينهم وبين غطفان ليحول بينهم وبين أن يمدوا أهلَ
خيبر، وكانوا لهم مظاهرين على رسول الله عَ ليه، فبلغني أن غطفان لما سمعت بمنزل
رسول الله عَّ﴾ من خيبر، جمعوا ثم خرجوا؛ ليظاهروا يهودَ عليه، حتى إذا ساروا مَنْقَلَةً (٤)
سمعوا خلفهم في أموالهم وأهليهم حِسّاً ، ظنوا أن القوم قد خالفوا إليهم ، فرجعوا على أعقابهم ،
فأقاموا في أهليهم وأموالهم، وحَلَّواْ بينَ رسول الله عَ لِ وبين خيبر، وتَدَنَّى(٥)
رسولُ اللهِ عَ ◌ّلِ الأموال، يأخذها مالاً مالاً، ويفتحها حِصْناً حِصناً، فكان أوَّلَ حُصونهم
افتُتح حصنُ ناعم ، وعنده قتل محمود بن مسلمة برحى ألقيت عليه منه(٦) .
أخبرنا أبو الفتح بن المجاور الشيباني بقراءتي عليه بالشام ، أخبرنا أبو اليُمْن الكِندي قراءة
عليه وأنا أسمع ، أخبرنا أبو القاسم هبة الله بن عمر الحريري ، أخبرنا أبو طالب محمد بن
علي بن الفتح ، أخبرنا أبو الحسين محمد بن أحمد الواعظ ، حدثنا أبو بكر محمد بن جعفر
المطيري، حدثنا حماد بن الحسن ، حدثنا أبي ، عن هشيم، عن العوام بن حَوْشَب ، عن
حبيب بن أبي ثابت ، عن ابن عمر قال: جاء رجل من الأنصار إلى رسول الله عَ ◌ّهِ ،
فقال : إن اليهود قتلوا أخي ، فقال: لأدفعنَّ الرايةَ إلى رجل يُحِبُّ اللّهَ ورسولَه، فيفتحُ الله
عز وجل عليه ، فيُمكّنه الله من قاتل أخيك. فبعثَ إلى عليّ رضي الله تعالى عنه ، فعقدَ له
اللواءَ . فقال : يا رسول الله إني أرمد كما ترى. قال : وكان يومئذ أرمد ، فتفلَ في عينيه . قال
(١) ((عِصْر)): جبل بين المدينة ووادي الفُرُع، كذا في القاموس ونور النبراس، ولعل الفرع تصحيف ، فهو
وادي القرى كما جاء في هامش النسخة (( أ)).
(٢) ((الصبياء)): موضع على مرحلة من خيبر (٤٥ كم) وتسمى المرحلة أيضاً ((روحة)).
(٣) الرجيع: هو غير وادي الرجيع السابق ، والذي يقع بين عُسفان ومكة . وانظر نور النبراس ، لوحة
٢/ب ١٣٠.
(٤) ((مَنْقَلة)): مرحلة من مراحل السير.
(٥) (( تَدَنَّى الأموالَ)): اقترب منها شيئاً فشيئاً.
(٦) السيرة النبوية؛ لابن هشام ٣٣٠/٢.
- ١٨٣ -

علّ رضي الله عنه: فما رَمِدْتُ بعدَ يومئذ. قال العوام: فحدثني جبلة بن سحيم أو
حبيب بن أبي ثابت عن ابن عمر ، قال: فمضى بذلك الوجه ، فما تتامَّ آخرُنا ، حتى فتح
الله على أولياء الله، فأخذَ عَّ رضي الله عنه قاتلَ الأنصاري، فدفعه إلى أخيه فقتله(١).
الرجل الأنصاري : هو محمد بن مسلمة .
وروينا في المعجم الصغير لأبي القاسم الطبراني ، حدثنا محمد بن الفضل بن جابر
السَّقَطي ببغداد ، حدثنا فُضِيل بن عبد الوهاب ، حدثنا جعفر بن سليمان ، عن الخليل بن
مرة ، عن عمرو بن دينار، عن جابر بن عبد الله ، قال : لما كان يومُ خيبر بعثَ
رسول الله عَّ ◌ُلّه رجلاً فَجَبُنَّ، فجاء محمد بن مسلمة، فقال: يا رسول الله لم أر كاليوم
قط، قُتل محمود بن مسلمة. فقال رسول الله عَّه: ((لاَ تَمنّوا لِقاء العدو، واسألوا الله
العافية ، فإنكم لا تَدرون ما تُبتلوْن به منهم ، فإذا لقيتموهم فقولوا : اللهم أنتِ رَبُّنا وربُّهم ،
ونواصينا ونواصيهم بيدك، وإنما تقتلُهم أنت، ثم الزموا الأرض جلوساً ، فإذا غَشُوكم فانهضوا ،
وكُبِروا)). ثم قال رسول الله عَّ ◌ُله: ((لأبعثن غداً رجلاً يُحِبُّ الله ورَسولَه ، ويُحبَّانه ،
لا يُولِي الدُّبرَ )). فلما كان من الغد بعثَ علياً وهو أرمد شديدُ الرمد، فقال: (( سر)).
فقال : يا رسولَ الله ما أُبصر موضع قدمي. فَتَفَلَ في عينيه، وعقدَ له اللواء، ودفع إليه
الراية . فقال علي: علام أقاتلهم يا رسول الله؟ قال: ((على أن يشهدوا أن لا إله إلا الله ،
وأني رسولُ الله، فإذا فعلوا ذلك فقد حقنوا دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على
الله تعالى))(٢) .
رجع إلى الأول: ثم الْقَمُوص حصن بني أبي الحُقَيْق، وأصابَ رسول الله عَ لَه منهم
سبايا، منهن صفيَّة بنت حُييّ بن أخطب - وكانت عند كِنانة بن الربيع بن أبي الحقيق ـ
وبنتا عمّ لها ، فاصطفى رسولُ الله عَ لِ صِفِيَّة لنفسِهِ(٣).
(١) قال في نور النبراس: الحديث من هذه الطريق ليس في شيء من الكتب الستة، وهذا الرجل الظاهر أنه
محمد بن مسلمة . لوحة ٥/٢ ١٣١ ..
(٢) رواه الطبراني في المعجم الصغير ١٠/٢ وقال في نور النبراس لوحة ٢ ب/١٣١: هذا الحديث ليس في شيء
من الكتب الستة .
(٣) السيرة النبوية؛ لابن هشام ٣٣١/٢ :.
- ١٨٤ -

وجعلها عند أمَّ سُليم ، حتى اعْتدَّتْ وأسلمتْ ، ثم أعتقها وتزوجها ، وجعلَ عتقَها
صداقَها . واختلفَ الفقهاء في هذه المسألة ، فمنهم من جعلَ ذلك خصوصاً له عليه الصلاة
والسلام كما خُصَّ بالموهوبة وبالتسع ، ومنهم من جعلَ ذلك سنّةً لمن شاء من أمته .
وكان دحية بن خليفة الكلبي قد سألَ رسول الله عَ الم صفية، فلما اصطفاها لنفسه
أعطاه ابنتَيْ عمُّها (١) .
وقيل : كان رسولُ الله عَ له وهبها له ، ثم ابتاعها منه بسبعة أرؤس .
وفشت(٢) السبايا من خيبر في المسلمين ، وأُكلَ المسلمون لحوم الحمر الأهلية ، ونهى
رسولُ اللهِ عَ لَّهِ الناس عن إتيان الحُبالى من النساء، وأكلِ الحمار الأهليّ، وأكل كل ذي
ناب من السباع، وبيع المغانم حتى تقسم ، وأن لا يُصيبَ أحدٌ امرأةٌ من السي، حتى
يستبرئها ، ولا يركبَ دابة من فيء المسلمين ، حتى إذا أعجفَها ردها فيه ، ولا يلبسَ ثوباً من
فيء المسلمين، حتى إذا أَخلَقه ردَّه فيه، وأن يبيعَ أو يَبتاع تبرَ (٣) الذهبِ بالذهب العين ،
وتبرَ الفِضة بالورِق العين . وقال : ابتاعوا تبرَ الذهب بالورِق وتبرَ الفضة بالذهب العين (٤).
وفيه: نهى رسولُ الله عَ لمه عن أكل الثوم، وعن متعة النساء، ورخَّص في لحوم الخيل ،
وقسم للفارس سهماً وللفرس سهمين .
فسَّرَه نافع ، فقال : إذا كان مع الفارس فرس فله ثلاثة أسهم ، وإن لم يكن فله سهم .
قال ابن إسحاق : ثم جعلَ رسولُ الله عَ لّم يتدنى الحصون والأموال ، فحدثني
عبد الله بن أبي بكر ، أنه حدَّثه بعضُ من أسلم، أَن بني سهم من أسلم ، أَتوا
رسولَ الله عَ لمه، فقالوا: يا رسول الله والله لقد جَهدْنا، وما بأيدينا من شيء، فلم يجدوا
عند رسول الله عَّ اله شيئاً يُعطيهم إياه، فقال: اللهم إنك قد عرفت حالَهم، وأن ليست بهم
قوة ، وأن ليس بيدي شيء أُعطيهم إياه ، فافتح عليهم أعظَمَ حصونها عنهم غَنَاءَ ، وأكثرها
طعاماً وَوَدَكاً . فغدا الناس ، ففتح الله عليهم حصن الصَّعْبِ بن معاذ ، وما بخيبرَ حصن كان
(١) السيرة النبوية؛ لابن هشام ٣٣١/٢.
(٢) رجع إلى ابن إسحاق .
(٣) ((تِبْر)): تبر كل معدن، هو المستخرج قبل أن يُصاغ، فإذا أُطلق انصرف إلى الذهب خاصة.
(٤) السيرة النبوية ٣٣٢/٢.
- ١٨٥ -

أكثر طعاماً وَوَدَكاً منه، فلما افتح رسول الله عَلُه من حصونهم ما افْتَتَح، وجَازَ من
الأموال ما حاز ، انتهوا إلى حصنيهم: الوطيح والسلالم، وكانا آخر حُصون أهل خيبر
افتاجاً، فحاصرَهم رسولُ الله عَلِ بضعَ عشرة ليلة. قال ابن هشام : وكان شعار
أصحاب رسول الله عَ لّه يوم خيبر: أمت أمت .
قال ابن إسحاق : فحدثني عبد الله بن سهل بن عبد الرحمن بن سهل أخو بني حارثة ،
عن جابر بن عبد الله ، قال: فخرج مرحبُ اليهودي من حصنهم ، قد جمع سلاحَه یرتجزُ ،
وهو يقول :
قد علمتْ خيبرُ أني مَرْحبْ شاكي السِّلاحِ بطلٌ مُجْرَّبْ
في أبيات ، وهو يقول: من يُبارز؟ فأجابه كعبُ بن مالك :
قد علمتْ خيبرُ أني كعبُ مُفرِّجُ الغَمَّى جريءٌ صُلْبُ(١).
في أبيات، فقال رسولُ اللهِ عَّه: من لهذا؟ فقال محمد بن مسلمة: أنا له
يا رسول الله. أنا والله الموتور الثائر، قُتل أخي بالأمس . قال: فقم إليه ، اللهم أعنه عليه ..
قال : وضربه محمد بن مسلمة حتى قتلَه ، ثم خرج بعد مرحب أخوه ياسر ، وهو يقول : من
يبارز؟ فزعم هشامُ بن عروة أن الزبير بن العوام خرجَ إلى ياسر ، فقالت له أنُّه صفية بنت.
عبد المطلب : يَقُتلُ ابني يا رسول الله ؟ قال : بل ابنك يقتلُه إن شاء الله. فخرج الزبير فالتقيا
فقتله الزبير(٢) . .
هذه رواية ابن إسحاق في قتل مرحب ، وزوينا في الصحيح من حديث سلمة بن.
الأكوع، أن عليّ بن أبي طالب(٣) قتلَه .
وبعثَ رسولُ اللهِ عَّله أبا بكر برايته إلى بعض حُصون خيبر، فقاتل ورجّعَ ولم یکن
فتح ، وقد جَهِدَ . ثم بعث للغد عمر بن الخطاب ، فقاتل ورجع، ولم یکن فتح، وقد
جَهِد ، فقال عليه الصلاة والسلام: لأعطينَّ الرايةَ غداً رجلاً يُحب الله ورسوله، يفتحُ الله.
(١) ((الغُمِّى)): مقصور الغماء، الكرب.
(٢) السيرة النبوية ٣٣٢/٢ - ٠٣٣٣
(٣) رواه مسلم في الجهاد ( باب غزوة ذي قرَد وغيرها) رقم /١٨٠٦/.
:
- ١٨٦ -

على يديْه ، ليس بفرَّار. فدعا علياً وهو أرمد ، فتغلَ في عينيه ، ثم قال : خذ هذه الراية ،
فامض بها ، حتى يفتحَ الله عليك. فخرج بها يُهرول ، حتى ركزها في رَضْمٍ (١) من حجارة
تحت الحصن ، فاطّلعَ إليه يهوديّ من رأس الحصن ، فقال: من أنت؟ فقال: عليّ بن أبي
طالب . فقال : يقول اليهودي عَلَوْتم وما أنزل الله على موسى ، أو كما قال . فما رجع حتى فتح
الله عليه .
قال ابن إسحاق : وحدثني عبد الله بن حسن(٢)، عن بعض أهله ، عن أبي رافع مولى
رسول الله عَ له، قال: خرجنا مع علىِّ حين بعثَه رسولُ الله عَ لَّه برايته، فلما دنا من
الحصن ، خرج إليه أهلُه ، فقاتلَهم ، فضربَه رجلٌ من يهود ، فطرح ترسَه من يده ، فتناول
عَّ باباً كان عند الحصن فترَّسَ به عن نفسه ، فلم يزلْ في يده وهو يقاتل حتى فتحَ الله
عليه ، ثم ألقاه من يده حين فرغ، فلقد رأيتني في نفر سبعة أنا ثامنهم نَجْهَد على أن نقلبَ
ذلك الباب فما نقلبُه .
وحاصرَ رسول الله عَ لِ أهل خيبر في حصنهم الوَطيح والسلالم، حتى إذا أيقنوا بالهلكة
سألوه أن يُسيِّرهم، وأن يحقنَ لهم دماءَهم، ففعل، وكان رسولُ الله ◌َ ◌ّلِ قد حازَ الأموالَ
كلَّها الشّق ونطاة والكتيبةَ وجميع حصونهم ، إلا ما كان من ذَيْنكَ الحِصنين ، فلما نزل أهل
خيبر على ذلك، سألوا رسولَ الله عَّلِ أن يُعاملَهم في الأموال على النصف، وقالوا: نحن
أُعلمُ بها منكم وأعمرُ لها، فصالَحَهم رسول الله عَّلِ على النصف، على أنا إذا شئتنا أن
تخرجَكم أخرجناكم (٢).
وقد اختلف الناس في فتحھا کیف کان ، فروینا من طريق أبي داود ، قال : حدثنا
داود بن مُعاذ، حدثنا عبدُ الوارث ، وحدثنا يعقوب بن إبراهيم وزياد بن أيوب ؛ أن
(١) (رَضْم)): الحجارة المجتمع بعضها فوق بعض ، مبنية وغير مبنية.
(٢) قال في نور النبراس لوحة ٢/ب ١٣٥: الظاهر أنه عبد الله بن الحسن (السبط) ابن الحسن بن علي بن أبي
طالب ، أبو محمد الهاشمى المتوفى سنة ١٤٨ هـ .
(٣) السيرة النبوية ٣٣٥/٢ - ٣٣٧. وحديث أبي رافع رواه الإمام أحمد في المسند ٨/٦.
- ١٨٧ -

إسماعيل بن إبراهيم حدثهم، عن عبد العزيز بن صُهيب، عن أنس بن مالك ؛ أن
رسول الله عَ الِ غزا خيبرَ فأصبناها عُنوة، فَجُمع السِيُّ(١).
وروينا عن ابن إسحاق ، قال: سألتُ ابنَ شهاب، فأخبرني أن رسول الله عَلِ افتتحَ
خيبرَ عُنوة بعد القتال(٢).
وروينا من طريق السجستاني. حدثنا ابن السَّرح ، حدثنا ابن وهب ، قال : أخبرني
يُونس، عن ابن شهاب ، قال: بلغني أن رسولَ الله عَلِ افتتحَ خيبرَ عُنوة بعد القتال؛ ونزلَ
من نزلَ من أهلها على الجلاء بعد القتال(٣).
قال أبو عمر : هذا هو الصحيح في أرض خيبر ، أنها كانت عُنوةٌ كلَّها ، مغلوباً عليها ،
بخلاف فَدَك، فإن رسولَ الله عَ لِ قِسمَ جميعَ أرضها على الغانمين لها ، الموجفين عليها بالخيل
والركاب ، وهم أهلُ الحديبية. ولم يختلف العلماء أن أرضَ خيبرَ مقسومةٌ ، وإنما اختلفوا هل
تُقسم الأرضُ إذا غُنمتِ البلاد أو تُوقف؟ فقال الكوفيون: الإِمام مُخَيَّر بين قسمتها كما فعل
رسول الله عَّ له بأرض خيبر، وبين إيقافِها كما فعلَ عمرُ بسواد العراق. وقال الشافعي: تُقسم
الأرض كُلُّها كما قسمَ رسول الله عَ لَه خيبر؛ لأن الأرض غنيمة كسائر أموال الكفار.
وذهب مالك إلى إيقافها اتباعاً لعمر ، لأن الأرضَ مخصوصةٌ من سائر الغنيمة ، بما فعل عمر
في جماعة من الصحابة من إيقافها لمن يأتي بعده من المسلمين . وروى مالك : عن زيد بن
أسلم ، عن أبيه ، قال: سمعتُ عمرَ يقول: لولا أن يُتركَ آخرُ الناس لا شيء لهم ما افتتح
المسلمون قرية إلا قسمتُها سُهماناً، كما قسم رسولُ الله عَ لَّهِ خيبر سهماناً. وهذا يدل على أن
أرض خيبر قُسمت كُلُّها سُهماناً ، كما قال ابن إسحاق ، وأما من قال : خيبر كان بعضُها.
صُلحاً وبعضُها مُنوة ، فقد وهم وغلط ، وإنما دخلت عليه الشبهة بالحصنين اللذين أسلمهما.
أهلُهما في حقن دمائهم ، فلما لم يكن أهل ذينك الحصنين من الرجال والنساء والذرية
(١) رواه أبو داود في الخراج والإمارة ( باب ما جاء في أرض خيبر) رقم /٣٠٠٩/، ورواه البخاري بأطول من
هذا في الصلاة ( باب ما يذكر في الفخذ /٣٧١/ ومسلم في الجهاد ( باب غزوة خيبر) رقم /٤/١٣٦٥
والنسائي في النكاح (باب البناء في السفر) ١٣٢/٦ - ١٣٣.
(٢) السيرة النبوية ٣٥٥/٢ .
(٣) رواه أبو داود في الخراج والإمارة (باب ما جاء في حكم أرض خيبر) رقم /٣٠١٨/ وإسناده معضل.
- ١٨٨ -

مغنُومين ، ظنَّ أن ذلك صُلحٌ ، ولعمري إنه في الرجال والنساء والذرية لضرب من الصلح ،
ولكنهم لم يتركوا أرضَهم إلا بالحصار والقتال ، فكان حكم أرضهما كحكم سائر أرض
خيبرَ ، كُلَهَا عنوة ، غنيمة مقسومة بين أهلها . وربما شُبِّهَ على من قال: إن نصفَ خيبرَ
صُلحّ ونصِفَها عنوةٌ، بحديث يحيى بن سعيد، عن بُشَير بن يسار، أن رسولَ الله عَ لِ قسم
خيبرَ نصفين ، نصفاً له ونصفاً للمسلمين . فقال أبو عمر: وهذا لو صَحَّ لكان معناه أن
النصف له مع سائر من وقع في ذلك النصف معه ، لأنها قُسمت على ستة وثلاثين مهماً ،
فوقع سهمُ النبي عَّهِ وطائفة معه في ثمانية عشر سهماً ، ووقع سائر الناس في باقيها ، وكلُّهم
ممن شهد الحديبية ثم خيبر . وليست الحصون التي أسلمها أهلُها بعد الحصار والقتال صُلحاً ،
ولو كانت صُلحاً لملكها أهلُها كما يَمِلكُ أهلُ الصلح أرضَهم وسائرَ أموالهم ، فالحقُّ في هذا
ما قاله ابن إسحاق دون ما قاله موسى بن عقبة وغيره عن ابن شهاب . انتهى ما ذكره أبو
عمر(١) .
فأما قوله : قسم جميعَ أرضها ، فإن الحصنين المفتتحين أخيراً ، وهما الوطيح والسلالم ، لم
يجر لهما ذكر في القسمة ، وسيأتي بيان ذلك عند ذكر القسمة . وأما تأويلُه لحديث يُشير بن
يسار ، فقد كان ذلك التفسير ممكناً لو كان في الحديث إجمالٌ يَقبل التفسير بذلك ، ولكنه
ليس كذلك ، وسيأتي في الكلام على القسمة . وأما قوله : كلُّهم ممن شهد الحديبية ثم شهد
خيبر . فالمعروف أن غنائمَ خيبر كانت لأهل الحديبية ، ممن حضرَ الوقعة بخيبر ومَنْ لم يحضرها
وهو جابر بن عبد الله الأنصاري ، ذكره ابن إسحاق . وذلك لأن الله أعطاهم ذلك في سفر
الحديبية. وعن الحكم ، عن أبي ليلى في قوله تعالى: ﴿وَأَثَابَهم فتحاً قريباً﴾ [ الفتح:
١٨] قال: خيبر. ﴿وأُخرَى لم تَقْدِرُوا عليها﴾ [ الفتح: ٢١]: فارس والروم، وأن أهل
السفينتين لم يشهدوا الحديبية ولا خيبر ، وكانوا ممن قُسم له من غنائم خيبر ، وكذلك
الدوسيون، وكذلك الأشعريون، قدموا ورسولُ الله عَ ليه بخيبرَ، فكلَّم رسولُ الله عَليه
أصحابَه أن يُشركوهم في الغنيمة ، ففعلوا .
وذهب آخرون إلى أن بعضها فُتح صلحاً والبعض ◌ُنوة ، کما ذكرناه عن موسى بن
عقبة ، وكما رويناه عن مالك ، عن الزهري ، من طريق أبي داود ، قال : قرىء على الحارث بن
(١) الدرر ص ٢٠١ - ٢٠٣.
- ١٨٩ -

مسكين وأنا شاهد ، أخبر كم ابن وهب ، قال : حدثني مالك ، عن ابن شهاب : أن خيبرَ كانٍ
بعضُها عُنوة وبعضُها صُلحاً ، والكتيبة أكثرها عنوة ، وفيها صلح. قلت لمالك ::
وما الكتيبة ؟ قال : أرض خيبر، وهي أربعون ألف عَذْق(١)، ورويناه عن سعيد بن المسيب.
أيضاً . قال أبو داود : حدثنا محمد بن يحيى بن فارس ، حدثنا عبد الله بن محمد ، عن
جويرية، عن مالك، عن الزهري، أن سعيد بن المسيب أخبره: أن رسولَ الله عَ ل﴾ افتتحَ
بعضَ خيبرَ عنوة(٢) . وروينا عن أبي داود حدثنا حسين بن علي العجلي ، حدثنا يحيى ــ يعني:
ابن آدم - حدثنا ابن أبي زائدة ، عن محمد بن إسحاق ، عن الزهري ، وعبد الله بن أبي:
بكر ، وبعض ولد محمد بن مسلمة ، قالوا: بقيت بقية من أهل خيبر ، تحصنوا ، فسألوا
رسولَ الله عَ لِ أَن يحقن دماءهم ويُسيِّرَهم، ففعل، فسمع بذلك أهل فدك، فنزلوا على
مثل ذلك(٣) .. الحديث .
قلت : وقد يعضد هذا القول ما يأتي في أخبار القسمة ، وقد روینا من طريق أبي داود :
حدثنا هارون بن زيد بن أبي الزرقاء، حدثنا حمّاد بن سلمة ، عن عُبيد الله بن عمر ، قال :
أحسبه عن نافع، عن ابن عمر؛ أن النَّ عَ لِ قاتلَ أَهل خيبرَ، فغلبَ على النخل
والأرض، وألجأُّهم إلى قصرِهم، فصالحوه على أن لرسول الله عَ ليه الصفراء والبيضاء
والخَلْقَة، ولهم ما حملت ركابهم ، على أن لا يكتمُوا ، ولا يُغيِّبوا شيئاً، فإن فعلوا فلا ذِمَّةً لهم
ولا عهدَ، فغيّوا مَسْكاً لحيى بن أخطب، فيه حلِيُّم. وفي الخبر. قال: قال النبيُّ معَ ◌ّه.
لسَعْيَة: ((أين مَسْكُ حُبِي بن أخطب؟)) قال: أذهبته الجروب والنفقات. فوجدوا
الَسْكِ ، فقَتَلَ ابنَ أبي الحُقَيْ ، وسبى نساءهم وذراريَهم وأراد أن يُجليهم . فقالوا : يا محمد
دعنا نعملْ في هذه الأرض ، ولنا الشطرُ ما بدا لك ، ولكم الشطر(٤).
(١) ((عُذْق)): نخلةُ.
(٢) رواه أبو داود في الخراج والإمارة ( باب ما جاء في حكم أرض خيبر) رقم /٣٠١٧/، وإسناده صحيح إلا
أنه مرسل عن سعيد بن المسيب .
(٣) رواه أبو داود في الخراج والإمارة ( باب ما جاء في حكم أرض خيبر) رقم /٢٠١٦/ وهو مرسل أيضاً .
(٤) رواه أبو داود في الخراج والإمارة ( باب ما جاء في حكم أرض خيبر) رقم /٠/٣٠٠٦ ((والمستْبك)): الجلد،
والمقصود هنا : ما اتخذ منه وعاء خازناً .
- ١٩٠ -

وزاد أبو بكر البلاذري في هذا الخبر ، قال: فدفعَ رسولُ اللهِ عَِّ سعيةً بن عمرو إلى
الزبير ، فمسَّه بعذاب ، فقالَ: رأيتُ حيّاً يطوُفُ في خَرِبة هاهنا، فذهبوا إلى الخَرِبة ،
فقتشوها، فوجدوا المَسْكَ. فقتلَ رسولُ اللهِ صَ الِ ابني أبي الحقيق، فَأحدُهما (١) زوج صفية
بنت حُيي بن أخطب ، وسبى نساءهم وذراريَهم ، وقسم أموالّهم للتَّكث الذي تكثوا .
ففي هذا أنها فُتحت صُلحاً ، وأن الصُّلح انتقضَ ، فصارت عنوة ، ثم ◌ّمسها
رسولُ اللهِ عَِّ وقسمَها .
ذكر القسمة
قال ابن إسحاق : وكان المتولي للقسمة بخيبر جَبَّارُ بن صخر الأنصاري من بني سَلِمة ،
وزيد بن ثابت من بني النجار ، وكانا حاسبين قاسمين(٢).
قال ابن سعد: وأمر رسول الله عَ له بالغنائم فجُمعت، واستعمل عليها فروة بن عمرو
البياضي ، ثم أمر بذلك فجزىء خمسة أجزاء، وكتب في سهم منها لله ، وسائر السهمان
أغفال، وكان أول ما خرج سهم النبي عَ ◌ّه، لم يُتُخَّر في الأخماس، فأمر ببيع الأربعة
الأخماس في من يزيد ، فباعها فروة ، وقسم ذلك بين أصحابه ، وكان الذي ولي إحصاء الناس
زيد بن ثابت ، فأحصاهم ألفاً وأربعمائة ، والخيل مائتي فرس ، وكانت السُّهمان على ثمانية
عشر سهماً، لكل مائة سهمٌ ، وللخيل أربعمائة سهم ، وكان الخُمسُ الذي صار
لرسول الله عَّلم يُعطي منه على ما أراه الله من السلاح والكسوة ، وأعطى منه أهلَ بيته ،
ورجالاً من بني عبد المطلب ونساءً، واليتيمَ ، والسائلَ، وأطعم من الكتيبة نساءه وبني
عبد المطلب وغيرهم(٣).
ثم ذكر قدوم الدوسيين والأشعريين ، وأصحاب السفينتين ، وأخذَهم من غنائم خيبر ،
ولم يُبيِّن كيف أخذوا . وإذا كانت القسمة على ألف وثمانمائة سهم ، وأهل الحديبية ألفاً
وأربعمائة ، والخيل مائتي فرس بأربعمائة سهم ، فما الذي أخذه هؤلاء المذكورون .
(١) هو كنانة بن الربيع بن أبي الحُقيق، وجاء اسمه صريحاً كما نقله ابن هشام في السيرة النبوية ٣٥٦/٢.
(٢) السيرة النبوية ٣٥٧/٢.
(٣) الطبقات الكبرى ١٠٧/٢ - ١٠٨.
- ١٩١ -

وقال ابن إسحاق : وكانت المقاسم على أموال خيبر على الشَّق ونطاة والكتيبة ، فكانت
الشّق ونطاة في سُهمان المسلمين، وكانت الكتيبة خُمسَ الله، ثم قال : وكانت نطاة والشق
ثمانية عشر سهماً ، نطاة من ذلك خمسة أسهم، والشق ثلاثة عشر سهماً، وقُسمت الشق
ونطاة على ألف وثمانمائة سهم ، وكانت عدة الذين قُسمت عليهم خيبر ألفاً وثمانمائة ، رجالُهم
وخيلُهم ، الرجال أربع عشرةٍ مائة، والخيل مائتان لكل فرس سهمان(١).
وهذا أشبه مما تقدم ، فإن هذه المواضع الثلاثة مفتوحة بالسيف عُنوة من غير صلح .
وأما الوطيح والسلالم فقدٍ يكون ذلك هو الذي اصطفاه رسولُ الله عَّ ◌َلِ ، لما ينوب
المسلمين ، ويترجح حينئذ قول موسى بن عقبة ومن قال بقوله : أن بعضَ خيبرَ كانت
صلحاً ، ويكون أخذ الأشعريين ومن ذُكر معهم من ذلك ، وتكون مشاورة التي ستّ أهل
الحديبية في إعطائهم ليست استنزالاً لهم عن شيء من حقهم، وإنما هي المشورة العامة
وشاورهم في الأمر ﴾ [ آل عمران : ١٥٩].
وروى البلاذري : حدثنا الحسين بن الأسود ، حدثنا أبو بكر بن عياش ، عن الكلبي ،
عن أبي صالح ، عن ابن عباس ، قال: قُسمت خيبرُ على ألف وخمسمائة سهم وثمانين سهماً ،
وكانوا ألفاً وخمسمائة وثمانين رجلاً، الذين شهدوا الحديبية منهم ألف وخمسمائة وأربعون،
والذين كانوا مع جعفر بن أبي طالب بأرض الحبشة أربعون رجلاً(٢).
ليس في هذا الخبر مع ضعفه ذكر للخيل ، وفيه أن أصحاب السفينتين كانوا أربعين،
وقد ذُكر ذلك ، غير أن المشهور الذي ذكره ابن إسحاق أن أصحاب السفينتين كانوا ستة
عشر رجلاً ، وأن قوماً منهم قدموا قبل ذلك بنحو سنتين من الحبشة ، وليس لهم مدخل في
هذا ، ومجموعهم نحو من ثمانية وثلاثين رجلاً. وإن كان المراد أصحاب السفينتين ومن أُخذَ
معهم من الدوسيين والأشعريين فقد يحتمل .
وأما قول أبي عمر : قسم جميع أرضها بين الغانمين (٣). فقد حكينا عن ابن إسحاق
(١) السيرة النبوية ٣٤٩/٢ _ ٣٥٠.
(٢) البلاذري ، وإسناده ضعيف جداً كما أشار المؤلف رحمه الله إلى ذلك .
(٣) الدرر ص ٢٠١ .
- ١٩٢ -

ما قسم منها . وقد روينا عن أبي داود : حدثنا هشام بن عمار ، حدثنا حاتم بن إسماعيل ،
حدثنا سليمان بن داود المهري ، حدثنا ابن وهب ، أخبرني عبد العزيز بن محمد (( ح ) وحدثنا
نصر بن علي ، أخبرنا صفوان بن عيسى ، وهذا لفظ حديثه ، كلَّهم عن أسامة بن زيد ، عن
الزهري ، عن مالك بن أوس بن الحَدَثان ، قال : كان فيما احتَّجَ به عمر رضي الله عنه ، أنه
قال: كانت لرسول الله عَ لِه ثلاثُ صفايا: بنو النضير، وخيبر، وفدك. فأما بنو النضير
فكانت حُبْساً لنوائبه، وأما فدك فكانت حُبْساً لأبناء السبيل، وأما خيبرَ فجزأها
رسولُ الله عَ لِّ ثلاثة أجزاء ، جزءين بين المسلمين، وجزءاً نفقة لأهله ، وما فضلَ عن نفقة
أهله جعلَه بين فقراء المهاجرين(١) .
وأما حديث بُشير بن يسار، فُبُشير بن يسار تابعي ثقة ، يروي عن أنس بن مالك
وغيره ، ويروي عنه هذا الخبر يحيى بن سعيد ، ويُختلف عليه فيه ، فبعض أصحاب يحيى
يقول فيه : عن يُشير، عن سهل بن أبي حثمة . وبعضهم يقول إنه سمع نفراً من أصحاب
النبي ◌ََّّةٍ، وبعضهم يقول: عن رجال من أصحاب النبي عَِّ، ومنهم مَنْ يُرسله. وروپنا
من طريق أبي داود : حدثنا حسين بن علي الأسود ، أن يحيى بن آدم حدثهم ، عن أبي
شهاب، عن يحيى بن سعيد، عن بُشير بن يسار؛ أنه سمع نفراً من أصحاب النبي عَّه
قالوا. فذكر الحديث(٢). قال: فكان النصف سهام المسلمين وسهم رسول الله عَّه ، وعزلَ
النصف للمسلمين لما ينوبه من الأمور والنوائب (٣). ورواية محمد بن فضيل: عن يحيى،
عنه، عن رجال من أصحاب النبي ◌َّه، أن رسولَ الله عَّ له لما ظهر على خيبرَ وقسمها
على ستة وثلاثين سهماً، جمع كلَّ سهم مائة سهم، فكان لرسول الله عَ له وللمسلمين
النصف من ذلك ، وعزل النصف الباقي لمن ينزلُ به من الوفود والأمور ونوائب الناس (٤).
فهذه الرواية والتي قبلَها مصرحة بأن النصف للبي عَّةٍ وللمسلمين المقسوم عليهم ، والنصف
(١) رواه أبو داود في الخراج والإمارة والفيء (باب في صفايا رسول الله معد له) رقم /٢٩٦٧/، ومالك بن أوس
ابن الحَدَثان مختلف في صحبته، والأصح عند أبي عمر أنه تابعي . نور النبراس ٢ ب/١٤٥ .
(٢) في سنن أبي داود (( فذكر هذا الحديث)).
(٣) رواه أبو داود في الخراج والإمارة ( باب ما جاء في حكم أرض خيبر رقم /٣٠١١/.
(٤) رواه أبو داود في الخراج والإمارة ( باب ما جاء في حكم أرض خيبر) رقم /٣٠١٢/.
- ١٩٣ -

الباقي هو المدخر لنوائب المسلمين . وأصرحُ منهما رواية سُليمان بن بلال ، عن يحيى ، عن
بُشير ، المرسلة ؛ أنه عليه الصلاة والسلام قسمها ستة وثلاثين سهماً ، فعزل للمسلمين
الشطر ثمانية عشر سهماً، يجمع كل سهم مائة سهم، البُّ عَ له معهم، له سهم كسهم
أحدهم، وعزلَ رسولُ الله عَ لِه ثمانيةَ عشر سهماً ، وهو الشطر لنوائبه وما ينزل به من أمور
المسلمين ، فكان ذلك الوطيح والكتيبة والسلالم وتوابعها .. الحديث(١). فقد تضمن هذا أن
المدخر للنوائب الذي لم يُقسم بين الغانمين هو الوطيح والسلالم الذي لم يجرِ لهما في العنوة
ذكر صريح ، والكتيبة هي التي كان بعضُها صلحاً وبعضُها عنوة ، وقد يكون غلب حكم
الصلح فلذلك لم يُقسم فيما قسم. فلم بيق لتأويل أبي عمر رحمه الله وجه، ونصُّ الخبر
يُعارضه ، والله أعلم .
ودَفَعها رسولُ اللهِ عَّ لِ لأهلها بشطر ما يخرج منها فلم تزل كذلك إلى أثناء خلافة
عمر .
قرأتُ على غازي بن أبي الفضل ، أخبرَكم حنبل بن عبد الله ، أخبرنا ابن الحصين ،
أخبرنا ابن المذهب ، أخبرنا القطيعيُّ ، أخبرنا عبد الله بن أحمد حدثنا أبي ، حدثنا يحيى،
عن عُبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، أن رسولَ الله عَ لّه عاملَ أهل خيبر بشطر ما يخرج
منها من ثمر أو زرع(٢).
وُقُتل من اليهود ثلاثة وتسعون رجلاً، واستُشهد من المسلمين خمسة عشر رجلاً فيما ذكر
ابن سعد ، وزاد غيره عليه ، وسيأتي ذكرهم ، ومنهم الأسود الراعي ، وكان من خبره أنه أنی
رسول الله به وهو محاصر لبعض حصون خيبر ، ومعه غنم کان فيها أجیراً لرجل من يهود ،
فقال: يا رسول الله اعرض عليّ الإِسلام. فعَرضَه عليه، فأسلم، وكان رسول الله عَ ليه
لا يحقرُ أحداً أن يدعوَه إلى الإسلام، ويعرضَه عليه، فلما أسلم ، قال : يا رسول الله إني
كنتُ أجيراً لصاحب هذا الغنم ، وهي أمانةٌ عندي ، فكيف أَصنع بها ؟ قال : اضربْ في
(١) رواه أبو داود في الخراج والإمارة (باب ما جاء في حكم أرض خيبر) رقم /٣٠١٤/.
(٢) رواه الإمام أحمد في المسند ١٧/٢ و٢٢ و٣٧، وقال في نور النبراس: ٢ ب/١٤٥ : الحديث أخرجه بهذه
الطريق البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه، وإنما عدل المؤلف عن تخريجه من هذه الكتب أو
أحدها ، وذلك لأنه وقع له هذا الحديث أعلى منها برجل .. .
- ١٩٤ -

وجهها فإنها سترجعُ إِلَى رَبِّها ، أو كما قال . فقام الأسود فأخذ حفنة من الحصباء ، فرمى بها
في وجوهها ، وقال : ارجعي إلى صاحبك ، فوالله لا أصحبك، وخرجتْ مجتمعةً، كأن
سائقاً يَسوقُها حتى دخلت الحصن ، ثم تقدم إلى ذلك الحصن ، فقاتل مع المسلمين ، فأصابَه
حَجَرٌ فقتلَه، فأُتي به إلى رسول الله عَّله، فوضع خلفه، وسُجّي بشملة كانت عليه،
فالتفتَ إليه رسولُ الله عَّه ومعه نفر من أصحابه، ثم أعرضَ عنه، فقالوا: يا رسول الله لم
أعرضتَ عنه؟ قال إن معه الآن زوجتيه من الحور العين ينفضان التراب عن وجهه ،
ويقولان: تَرَّبَ الله وجهَ من تَرَّبَ وجهَكَ وقتلَ من قتلك(١) .
وروينا من طريق البخاري : حدثنا المكيُّ بن إبراهيم ، حدثنا يزيد بن أبي عُبيد ، قال :
رأيتُ أثّرَ ضربةٍ في ساق سلمة . فقلت : يا أبا مُسلم ما هذه الضربة ؟ قال : هذه ضربةٌ
أصابتني يومَ خيبرَ، فقال الناسُ أُصيب سلمة، فأتيتُ إلى النِّ عَ لِّ، فنفثَ فيه ثلاث
نَفَتَّاتٍ ، فما اشتكيتُها حتى الساعة(٢) .
ذکر من استُشهد بخيبر
من قريش : من بني أمية بن عبد شمس ، من حلفائهم : ربيعة بن أكثم ، وثقف بن
عمرو ، ورفاعة بن مَسروح = ثلاثة .
ومن بني أسد بن عبد العزى : عبد الله بن الهُبيب . وقيل : أُهيب بن سحيم بن غبرة
من بني سعد بن ليث حليفهم ، وابن أختهم = رجل .
ومن الأنصار : ثم من بني سَلِمة: بشر بن البراء ، وفضيل بن النعمان . قال محمد بن
سعد : كذا وجدناه في غزوة خيبر ، وطلبناه في نسب بني سَلِمة فلم نجدْه ، قال : ولا نحسبُه
إِلا وَهَماً في الكتاب ، وإنما أرادَ الطفيل بن خنساء بن النعمان بن سنان ، والله أعلم . حكاه
أبو عمر ، ونسبُ الطفيلُ في ترجمته من كتابه : الطفيل بن مالك بن النعمان بن خنساء ،
شهد العقبة وبدراً وأُحدا وُجُرح بها ثلاثة عشر جرحاً ، وعاش حتى شهد الخندق ، وقُتل
(١) السيرة النبوية ٣٤٤/٢ _ ٣٤٥.
(٢) رواه البخاري في المغازي ( باب غزوة خيبر) رقم (٤٢٠٦).
- ١٩٥ -

بالخندق شهيداً، قتله وحشيُّ بن حرب(١). وذكرَ موسى بن عُقبة في البدريين الطفيل بن.
النعمان بن خنساء ، والطفيل بن مالك بن خنساء = رجلين .
ومن بني زريق : مسعود بن سعد .
ومن الأوس : من بني عبد الأشهل : محمود بن مسلمة بن خالد بن عدي بن مجدعة بن.
حارثة بن الحارث ، حليف لهم من بني حارثة ، أدلى عليه مَرحبُ رَحىّ فأصابت رأسه ،
فهشمت البيضةُ رأسَه، وسقطت جلدةُ جبينه على وجهه، فأُتي به رسول الله عَ لِ فردَّ
الجلدة، فعادتْ كما كانت وعصبَها رسولُ الله عَ لِ بثوبه، فمكثَ ثلاثة أيام ومات رحمه
الله . ذكره أبو عمر .
ومن بني عمرو بن عوف : أبو ضَيَّاح بن ثابت ، والحارث بن حاطب ، وعروة بن
برة بن سراقة . وعند أبي عمر عروة بن مرة ، وأوس بن الفائد - وعند أبي عمر : ابن
الفاكه ، وأنيف بن حبيب ، وثابت بن واثلة . وعند ابن إسحاق ابن أثلة . وطلحة ، ولم
نقف على نسبه ، وأوس بن قتادة .
ومن بني غِفار : عمارة بن عقبة ، رُمي بسهم .
ومن أسلم : عامر بن الأكوع، عُّ سلمة بن عمرو بن الأكوع. والأكوع : هو
سنان بن عبد الله بن قشير بن خزيمة بن مالك بن سلامان بن أسلم بن أفصى ..
والأسودالراعي ، واسمه أسلم ، وقد تقدم خبره .
ومن حلفاء بني زهرة : مسعود بن ربيعة القَارِي(٢).
وقال أبو معشر والواقدي : مات سنة ثلاثين ، وقد زاد على الستين .
وعند أبي عمر فيهم: أوس بن عائذ(٢).
:
(١) الاستيعاب ٢٢٨/٢ - ٢٢٩
(٢) نسبةً إلى القارة .
(٣) الدرر ص ٢٠٦ .
- ١٩٦ -
!

أمر وادي القرى
وكان في جمادى الآخرة سنة سبع. ذكر أبو بكر البلاذري بأسانيده ، قال : قالوا : أتى
رسولُ الله عَ لِ منصرفَه من خيبر وادي القرى، فدعا أهلها إلى الإِسلام ، فامتنعوا من ذلك
وقاتلوا، ففتحها رسولُ الله عَّ له عنوة، وغنَّمه الله أموالَ أهلها، وأصاب المسلمون منها أَثاثاً
ومتاعاً، فخمَّس رسولُ الله عَ لِ ذلك، وترك الأرض والنخل في أيدي يهود ، وعاملَهم على
نحو ما عامل عليه أهل خيبر، فقيل : إن عمر أجلى يهودَها ، وقسمها بين من قاتل عليها .
وقيل: إنه لم يجلهم ، لأنها خارجة من الحجاز ، وهي اليوم مضافة إلى عمل المدينة . وولاًها
رسولُ الله عَُّلِ عمروَ بن سعيد بن العاص، وأَقطعَ رسولُ اللهِ عَُّلِه جَمْرة بن النعمان ابن
هوذة العُذري رَمْية سوطه(١) من وادي القرى ، وكان سيد بني عُذْرةَ ، وأول أهل الحجاز قدم
على النبي عَ لِ بصدقة بني عُذْرةُ!) وكذلك قال أبو عمر: إنه افتتحها مُنوة وقسَمها (٣).
وأما ابن إسحاق فذكر أن رسول الله عَ لل حاصرَ أهلها ليالي، ثم انصرف راجعاً إلى
المدينة (٤) .
وفيها أُصيب غلام للنبي عَ لَّه يُقال له مدعم أصابه سهم غَرْب(٥) فقتله.
أخبرنا القاضي الصدر الرئيس نظام الدين أبو عبد الله محمد بن الحسين بن الحسن بن
الخليلي قراءة عليه وأنا أسمع بمصر ، قال : أخبرنا أبو محمد المبارك بن إبراهيم بن مختار بن
تغلب بن السِّيبي(٦) في كتابه إليَّ من مدينة السلام ، ومولدُه سنة سبع عشرة وخمسمائة ، وتوفي
(١) في الإصابة ٢٤٤/١: حُضْرَ فرسِهِ ورميةَ سوطِهِ. والحُضْرُ: العدو . فكأنه عليه الصلاة والسلام أقطعه
مقدار عدوة فرسه مع مقدار رمية السوط في تلك الحالة .
(٢) فتوح البلدان البلاذري ص ٣٨ - ٣٩.
(٣) الدرر ص ٢٠٧ .
(٤) السيرة النبوية ٣٣٨/٢ .
(٥) ((غَرْب)): سهم لا يُعرف راميه .
(٦) السِّيْبى: نسبة إلى ((السَّيب)) وهي بلدة على الفرات بغرب الحلة.
- ١٩٧ -
٠٠

سنة ستمائة ، قال : أخبرنا أبو القاسم بن الحُصَيْن إملاء من لفظه سنة ثلاث وعشرين ، أخبرنا
القاضي أبو القاسم التنوخي ، أخبرنا عبيد الله بن محمد بن إسحاق المَتُّوثي ، حدثنا البغوي ،
حدثنا مصعب بن عبد الله، حدثني مالك ، عن ثور بن زيد الدِّيلي ، عن أبي الغيث مولى
ابن مطيع، عن أبي هريرة رضي الله عنه، أنه قال: خرجنا مع رسول الله عَله عامَ خيبر،
فلم تغنم ذهباً ولا وَرِقاً إلا الثياب والمتاع والأموال. فوجَّهَ رسولُ اللهِ عَّمِ نحوَ وادي القُرى،
وقد أُهدي لرسول الله عَ ل عبدٌ أسود يقال له مدعم، فبينما هو يَحطّ رحلَ رسول الله عَ ليه
إذ جاءه سهم عابر فقتله، فقال الناس: هنيئا له الجنة. فقالَ رسولُ اللهِ عَّه: ((كلا
والذي نفسي بيده ، إنَّ الشملةَ التي أُخذَها يومَ خيبر من المغانم ، لم تُصبْها المقاسمُ ، لتشتعلُ
عليه ناراً)). فلما سمعوا بذلك جاءَ رجلٌ بشراك (١) - أو شراكين - إِلى رسول الله عد اله
فقال رسول الله عَ الله: ((شراك من نار أو شراكان من نار))(٢).
قال البلاذري : حدثني علي بن محمد بن عبد الله مولى قريش ، عن العباس بن عامر ،
قال : أتى عبدُ الملك بن مروان يزيد بن معاوية ، فقال : إن أمير المؤمنين معاوية كان ابتاع من
بعض اليهود(٣) أرضاً بوادي القرى، وأحيا إليها أرضاً ، وليست لك بذلك المال عناية ، فقد
ضاعَ وَقَلَّتْ غَلَّتُه، فأَقطِعنيه فإنه لا خطرَ له ، فقال يزيد: إنا لا نبخلُ بكثير ، ولا نُخدع
عن صغير . فقال: يا أمير المؤمنين غَلَتُه كذا. قال: هو لك. فلما وَلَّى، قال يزيد : هذا
الذي يُقال إنه يلي بعدنا ، فإن يكُ ذلك حقاً فقد صانعناه ، وإن يكُ باطلاً فقد وصلناه (٤) ..
(١) ((بِشِراك)): الشّراك أحدُ سُيور النعل.
(٢) قال في تور النبراس: حديث أبي هريرة هذا أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي، وإنما عدل المؤلف
عن أن يُخرجه من هذه الكتب أو أحدها ؛ لأنه من الطريق التي أُخرجها أعلى من الكتب .
وقول أبي هريرة فيه: خرجنا .. على المجاز؛ أي خرج الصحابة؛ لأنه قدم بعد أن فتح الله على رسوله عَّاليه
خيبر .. لوحة ٢/ب ١٤٨
(٣) في بعض النسخ ((من رجل يهودي)) كذا قال في نور النبراس، وكذلك هو في المطبوع. وأثبتنا ما في:
أصولنا الخمسة .
(٤) فتوح البلدان للبلاذري ص ٤٩ . وفي الكلام صنعة وتكلف لما فيه من التنبؤ بالغيب .
- ١٩٨ -

خبر تَيْمَاء
قال أبو بكر البلاذري: قالوا: ولما بلغَ أهلُ تبماء ما وطىء به رسولُ الله عَلِ أهلَ وادي
القرى صالحوه على الجزية، فأقاموا ببلادهم وأرضُهم في أيديهم، وولاَّها رسول الله عَ لّه
يزيد بن أبي سفيان، وكان إسلامه يومَ فتحها(١)، وروى عن عمر بن عبد العزيز أن عمر بن
الخطاب أجلى فدك وتماء وخيبر .
سرية عمر بن الخطاب إلى تُرَبة
قال ابن سعد . عطفاً على وقعة خيبر : ثم سرية عمر بن الخطاب إلى تُرَبة في شعبان سنة
سبع من مهاجر رسول الله عَّ له، قالوا: بعثَ رسول الله عَ لِ عمر بن الخطاب في ثلاثين
رجلاً إلى عَجُز (٢) هوازن بتُرَبة ، وهي بناحية العَبْلاء على أربع ليال من مكة ، طريق صنعاء
وبحران(٣) ، فخرج وخرج معه دلیل من بني هلال ، فکان یسیر الليل ويكمن النهار ، فأتى
الخبرُ هوازنَ فهربوا، وجاء عمر بن الخطاب محالَّهم، فلم يلقَ منهم أحداً ، فانصرف راجعاً
إلى المدينة(٤) .
· تُرَبة : بضم التاء وفتح الراء ، على وزن ◌ُرَنة ، ذكره الحازمي ، وقال: بقرب مكة ،
على مسافة يومين منها . وذكره ابن سيده في أمثال له وقال : أسماء مواضع .
وذكر ابن سيده تُرَبة ، وليس عند الحازمي . تُرْبة ساكنة الراء : موضع من بلاد بني
عامر بن مالك .
(١) فتوح البلدان للبلاذري ص ٤٨، وفيه: إن إسلامه كان يوم فتح تيماء . وفي الإصابة : إن إسلام يزيد بن أبي
سفیان کان يوم فتح مكة .
(٢) ((عُجْز هوازن)): آخر منازلهم جنوباً.
(٣) كذا في الأصول، وكذا ضبطها صاحب نور النبراس ، وقال: إنها موضع بناحية الفُرُع ، ومن المعلوم أن
تُرَبَة ليست في اتجاهها ، فلعلها مصحفة من (٥ نجران ) .
(٤) الطبقات الكبرى ١١٧/٢.
- ١٩٩ -

سرية أبي بكر الصديق رضي الله عنه إلى بني كلاب بنجد
ثم سرية أبي بكر الصديق إلى بني كلاب بنجد ، بناحية ضَرِيّة في شعبان سنة سبع من
مهاجر رسول الله عطفٍ .
روينا عن ابن سعد ، أخبرنا هاشم بن القاسم ، حدثنا عكرمة - يعني ابن عمار -
حدثنا إياس بن سلمة بن الأكوع، عن أبيه ، قال: غزوتُ مع أبي بكر، إذ بعثَّه النبيُّ عَل}.
علينا ، فسبَى ناساً من المشركين ، فقتلناهم ، وكان شعارنا : أمت أمت . قال : فقتلتُ بيدي
سبعة أهل أبيات من المشركين . وقال : أخبرنا هاشم بن القاسم حدثنا عكرمة بن عُمَّار،
حدثنا إياس بن سلمة بن الأكوع، عن أبيه، قال: بعثَ رسولُ الله عَ لّم أبا بكر إلى فزارة،
وخرجتُ معه ، حتى إذا ما صلَّينا الصبحَ أمرنا فشنينا الغارة ، فوردنا الماء ، فقتل أبو بكر من
قتل ونحن معه ، قال سلمة: فرأيت عُنُقاً (١) من الناس، فمنهم الذراري ، فخشيت أن
يسبقوني إلى الجبل ، فأدركُتهم ، فرميت بسهم بينهم وبين الجبل ، فلما رأوا السهمَ قامواً ، فإذا
امرأة من فَزارة فيهم عليها قَشْعُ(٢) من أدم ، معها ابنتها من أحسن العرب ، فجئت أسوقُهم إلى
أبي بكر ، فنفلني أبو بكر ابنتَها ، فلم أكشفْ لها ثوباً ، حتى قدمتُ المدينة ، ثم باتت
عندي ، فلم أكشف لها ثوباً ، حتى لقيني رسولُ الله عَ لِ في السوق ، فقال: يا سلمة هبْ
لي المرأةَ . فقلتُ : يا نبي الله والله لقد أعجبتني وما كشفتُ لها ثوباً. فسكتَ حتى كان من
الغد لقيني رسولُ اللهِ عَّهِ في السوق ولم أكشفْ لها ثوباً. فقال: يا سلمةُ هبْ لي المرأة لله
أبوكَ. قال: فقلت: هي لك يا رسول الله. قال: فبعث بها رسولُ الله عَ لَّه إلى مكة
فقدى بها أسرى من المسلمين كانوا في أيدي المشركين(٣).
سرية بشير بن سعد الأنصاري إلى فَدَك
ثم سرية بشير بن سعد الأنصاري إلى فدك في شعبان سنة سبع .
(١) ((عُثُقاً)): جماعة.
(٢) ((قِشْع)»: بفتح القاف وكسرها، وسكون الشين : الفرو البالي ..
(٣) الطبقات الكبرى ١١٨/٢.
- ٢٠٠ _
--