Indexed OCR Text
Pages 81-100
وقال ابن سعد: قالوا: قدم قادم المدينة بجلَب له، فأخبر أصحابَ النِي عَِّ أن أنمار وثعلبة قد جمعوا لهم الجموع، فبلغ ذلك رسولَ الله عَّ ◌ُله، فخرجَ ليلة السبت لعشر خلون من المحرم في أربعمائة من أصحابه ، ويقال سبعمائة ، فمضى حتى أتى محالَّهم بذات الرقاع ، فلم يجد في محالّهم إلا نسوة ، وبعث رسولُ الله عَ لِه ◌ِعَالَ بن سُراقة بشيراً بسلامته وسلامة المسلمين ، قال : وغاب خمس عشرة ليلة (١). وروينا في صحيح البخاري(٢)، من حديث أبي موسى، أنهم نَّقِبتْ أقدامُهم، فلُفُوا عليها الخِرِق ، فسُمِّيت غزوةَ ذاتِ الرقاع ، وجعل حديث أبي موسى هذا حجة في أن غزوة ذات الرقاع متأخرة عن خيبر ، وذلك أن أبا موسى إنما قدم مع أصحاب السفينتين بعد هذا بثلاث سنين ، والمشهور في تاريخ غزوة ذات الرقاع ما قدَّمناه ، وليس في خبر أبي موسى ما يدلُّ على شيء من ذلك . · وغورث: مقيَّد بالغين معجمة ومهملة ، وهو عند بعضهم مصغرٌ بالعين المهملة . = واستثناء ركوبه) رقم /٧١٥/ كاروت أجزاء منه كتب السنن الأربعة، وانظر القصة في السيرة النبوية ؛ لابن هشام ٢٠٦/٢ - ٢٠٧ . (١) الطبقات الكبرى؛ لابن سعد ٦١/٢ . (٢) رواه البخاري في كتاب المغازي ( باب غزوة ذات الرقاع ) رقم /٤١٢٨/. - ٨١ - غزوة بدر الأخيرة قال ابن إسحاق: ولما قدم رسولُ الله عَّلِ المدينة من غزوة ذات الرقاع، أقام بها بقية جمادى الأولى إلى آخر رجب ، ثم خرج في شعبان إلى بدر ميعاد أبي سفيان حتى نزله . قال ابن هشام : واستعمل على المدينة عبد الله بن عبد الله بن أبي بن سلول الأنصاري قال ابن إسحاق : فأقام عليه ثمان ليالٍ ينتظرُ أبا سفيان ، وخرج أبو سفيان في أهل مکة حتى نزل مجنّة من ناحية الظّهران ، وبعضُ الناس یقول قد بلغے ◌ُسفان ، ثم بدا له في الرجوع ، فقال: يا معشر قريش إنه لا يُصلحكم إلا عامٌّ خصيب ترعون فيه الشجر وتشربون فيه اللبن ، وإن عامَكم هذا عامُ جدبٍ ، وإني راجع فارجعوا ، فرجع الناس ، وسمّاهم أهلُ مكة جيش السَّويق، يقولون: إنما خرجتم تشربون السَّويق . وأقام رسولُ الله عَِّ على بدر ينتظر أبا سفيان لميعاده، فأتاه مَخشيُّ بن عمرو الضَّمْري، وهو الذي كان وادَعَه على بني ضَاهْرة في غزوة ودان ، فقال : يا محمد أجئتَ لميعاد قريش على هذا الماء ؟ قال : نعم يا أخا بني ضَمْرة ، وإن شئتَ مع ذلك رَدَدْنَا إِليك ما كان بيننا وبينَك ، ثم جالدناك حتى يحكم الله بيننا وبينَك . قال: لا والله يا محمد ، ما لنا بذلك منك حاجة. ثم انصرفَ رسولُ الله عَّهِ إلى المدينة(١). وروى الحاكم في ((الإكليل)) عن الواقدي، قال: وكان رسول الله عَ بالم قد خرجَ في هذه الغزوة في ألف وخمسمائة من أصحابه، وكانت الخيل عشرةَ أفراس، فرسٌ لرسول الله عَ له، وفرسٌ لأبي بكر، وفرسٌ لعمر، وفرسٌ لأبي قتادة، وفرسٌ لسعيد بنّ زيد بن عمرو بن نُفيل، وفرِسٌ للمقداد ، وفرس للحُباب ، وفرس للزبير ، وفرسٌ لعباد بن بشر، وذكرَ عنه أن النبيَّ عَظُِّ استخلفَ على المدينة عبدَ الله بن رواحة. (١) السيرة النبوية؛ لابن هشام ٢٠٩/٢ - ٢١٠. - ٨٢ - غزوة دومة الجندل ودومة بضم الدال وفتحها ، سميت بدومة بن إسماعيل لأنه نزلها . ثم غزا رسول الله عَ ليه دومة الجندل، قال ابن هشام: في شهر ربيع الأول، واستعملَ على المدينة سِباعَ بن عُرْفطة الغِفاري ، ثم رجع رسولُ الله عَِّ قبل أن يصلَ إليها ولم يلقَ كيداً ، فأقام بالمدينة بقية سنته . وقال ابن سعد: قالوا: بلغ رسولَ الله عَ لِّ أن بدومة الجندل جمعاً كثيراً يظلمون من مرَّ بهم ، وأنهم يُريدون أن يدنوا من المدينة . وهي طرف من أفواه الشام ، بينها وبين دمشق خمس ليال، وبينها وبين المدينة خمس عشرة أو ست عشرة ليلة، فندب رسولُ الله عَّم الناسَ ، وخرج لخمس ليال بقين من شهر ربيع الأول في ألف من المسلمين ، فكان يسيرُ الليل ويكمنُ النهار، ومعه دليلٍ له من بني عُذْرةَ يُقال له مذكور، فلما دنا منهم إذا هم مُغرِّبون (١) ، وإذا آثار النَّعَم والشّاء، فهجمَ على ماشيتهم ورُعاتهم ، فأصابَ من أصابَ وهربَ من هربَ في كلِّ وجه . وجاء الخبرُ أهلَ دُومة فتفرَّقوا، ونزل رسولُ الله عَ له بساحتهم فلم يلق بها أحداً ، فأقامَ بها أياماً وبتَّ السرايا وفرَّقَها، فرجعتْ ولم تُصبْ منهم أحداً ، وأُخذ منهم رجلٌ فسألَه رسولُ الله عَّلِ عنهم، فقال: هربوا حيث سمعوا أنك أخذتَ نَعَمهم، فعرضَ عليه الإِسلام فأسلم، ورجعَ رسولُ الله عَّلِ إلى المدينة لعشرٍ ليالٍ بقين من شهر ربيع الآخر . وفي هذه الغزوة وادعَ رسول الله عَ ليه عُيينةَ بن حِصْن أن يرعى بتَعْلَمْيْن(٢) وما والاها إلى الَمَرَاضِ (٣)، وكانت بلاده قد أجدبتْ(٤) . (١) (( مُغَرِّبون)): نازحون عن مكانهم. (٢) ((بتَعْلَمَيْن)): ضبطها في نور النبراس بالعين، فقال: تعلم كجعفر: موضع أو جبل، واسم الجبل (( تعلمان)) كزعفران . وضبطها الصالحي في السيرة الشامية بالغين المعجمة ، وکذا وردت في القاموس في مادة (( غلم ))، فقال: وتغلم كتمنع: أرض. وتغلمان: ـــ مثنى - موضع. والمؤلف أورده بالياء ، مما يدل على أنهما مكانان كل منهما يحمل اسم : تغلم أو تعلم ؛ كالأخشبين . أما إذا كان المقصود - جبلاً أو موضعاً - جاء بالألف وضعاً ، فإنه يجب التزامه في جميع الأحوال . (٣) ((الَّرَاض)»: كَسَحَاب، وهو اسم مكان من راض يروض، موضع أو واد على ستة وثلاثين ميلاً من المدينة. (٤) الطبقات الكبرى ٦٢/٢ - ٦٣ . - ٨٣ - غزوة الخندق : وقال ابن إسحاق : ثم كانت غزوةُ الخندق في شوال سنة خمس . وقال ابن سعد: في ذي القعدة(١). فحدثني(٢) يزيدُ بن رُومان مولى آل الزبير ، عن عروة بن الزبير ، ومن لا أتهم ، عن عبد الله بن كعب بن مالك ، ومحمد بن كعب القرظي ، والزهري ، وعاصم بن عمر بن قتادة ، وعبد الله بن أبي بكر ، وغيرهم من علمائنا ، كلّ قد اجتمع حديثُه في الحديث عن الخندق ، وبعضهم يُحدِّث ما لا يحدِّث بعضٌ ، قالوا: إنه كان من حديث الخندق ، أن نفراً من يهود ، منهم سَلاَّم بن مِشكم ، وابن أبي الحُقيق ، وحُبِّ بن أخطب ، وكنانة بن الربيع بن أبي الحُقيقِ النَّضَريون ، وهَوْذَةُ بن قيس ، وأبو عمار الوائلي ، في نفر من بني النضير ، ومن بني وائل، وهم الذين حَزَّبوا الأحزاب على رسول الله عَ له ، خرجوا حتى قدموا على قريش مكة ، يدعونهم إلى حرب رسول الله عَ ليه، وقالوا: إنا سنكون معكم عليه حتى نستأصلَه. فقالت لهم قريش : يا معشر يهود! إنكم أهلُ الكتاب الأول ، والعلم بما أصبحنا نختلف فيه ، أفدينتا خيرٌ أم دينه؟ قالوا: بل دينُكم خيرٌ من دينه ، وأنتم أولى بالحٌّ منه. فأنزل الله فيهم: ﴿ألم ترَ إلى الذين أوتوا نصيباً مِن الكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بالجِبْتِ وَالطَّاغُوت﴾ الآية إلى قوله: ﴿وَكَفَى تَجْهنَّمَ سَعِيْراً﴾ [ النساء: ٥١ - ٥٥] فلما قالوا ذلك لقريش سرَّهم، ونَشِطوا لما دعوْهم إليه من حرب رسول الله عَ لِه، فاجتمعوا لذلك، واتَّعدوا له، ثم خرج أولئك النفر من يهود حتى جاؤوا غطفان من قيس عَيْلاَن، فدعوهم إلى حرب رسول الله عَّهِ، وأخبروهم أنهم سيكونون معهم عليه ، وأن قريشاً قد تابعوهم على ذلك ، واجتمعوا معهم فيه . فخرجت قريش ، وقائُدُها أبو سفيان بن حرب ، وخرجت غطفان وقائدُها عُيَيْنة بن (١) الطبقات الكبرى ٦٥/٢. (٢) رجع إلى ابن إسحاق ٢/ ٢١٤ . وقال ابن القيم في زاد المعاد: كانت في سنة خمس من الهجرة في شوال على أصح القولين . - ٨٤ - حصن في بني فَزَارة، والحارث بن عوف المرِّي في بني مرة، ومسعود (١) بن رُخَيْلة فيمن تابعه من أشجع . فلما سمعَ بهم رسولُ الله عَ لِه وبما أجمعوا له من الأمر، ضربَ على المدينة الخندقَ ، فعمل فيه رسولُ الله عَ لِ ترغيباً للمسلمين في الأجر ، وعمل معه المسلمون فيه ، فدأَبَ ودأبوا، وأبطأ عن رسول الله عَ لّه وعن المسلمين في عملهم ذلك رجالٌ من المنافقين، وجعلوا يُوَرُّون(٢) بالضعف من العمل، ويتسللون إليهم بغير علم من رسول الله عَ ةٍ ولا إذن ، وجعل الرجل من المسلمين إذا نابته النائبة من الحاجة التي لا بد له منها يذكرُ ذلك لرسول الله عَ له، ويستأذنُه في اللحوق بها، فإذا قضى حاجتَه رجَع إلى ما كان عليه من عمله رغبةً في الخير واحتساباً به (٢). قرأتُ على السيدة الأصيلة مؤنسة خاتون ابنة المولى السلطان الملك العادل سيف الدين أبي بكر بن أيوب رحم الله سلفَها ، أخبرتك الشيخة الأصيلة أم هانيء عفيفة بنت أحمد بن عبد الله الفَارقانية إجازة ، قالت : أخبرنا أبو طاهر عبد الواحد بن أحمد بن محمد بن الصبَّاغ ، أخبرنا أبو نُعيم، أخبرنا أبو علي محمد بن أحمد بن الحسن ، حدثنا أبو جعفر محمد بن نصر الصايغ، حدثنا إبراهيم بن حمزة ، حدثنا عبد العزيز بن محمد ، عن ◌ُبيد الله بن عمر ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : بعثني خالي عثمان بن مظعون لآتيه بلحاف ، فأتيتُ البِّ عَ لِّ فاستأذنته وهو بالخندق ، فأذن لي ، وقال لي : مَنْ لقيتَ منهم فقل لهم: ((إِنَّ رسولَ الله عَ ليه يأمر كم أن ترجعوا)). قال: وكان ذلك في برد شديد ، فلقيتُ الناسَ ، فقلت لهم: إن رسولَ الله عَّ ◌َله يأمرُ كم أن ترجعوا. قال: والله ما عَطَفَ علَّ منهم اثنان أو واحد (٤). (١) ورد اسمه في السيرة النبوية؛ لابن هشام ٢١٥/٢ (( مسعر)) والصواب ما أثبته المؤلف. انظر الإصابة ٤١٠/٣، ونور النبراس . (٢) ((يُؤَرّون)) يتسترون بالعمل القليل مدعين الضعف. (٣) السيرة النبوية؛ لابن هشام ٢١٤/٢ - ٢١٦. (٤) روى حديثَ ابن عمر أبو نعيم الأصبهاني ، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ١٣٥/٦ وقال : رواه الطبراني في الكبير والأوسط ، ورجاله رجال الصحيح . وقال سبط ابن العجمي في نور النبراس معقباً على كلام - ٨٥ - كذا وقع في هذا الخبر : عثمان بن مظعون ، وعثمان بن مظعون توفي قبل هذا ، وإخوة عثمان : قدامة والسائب وعبد الله ، تأخروا. وقدامةُ مذكور فيمن شهد الخندق ، وهم أخوال عبد الله بن عمر رضي الله عنهم . قال ابن إسحاق فأنزل الله عز وجل في ذلك: ﴿إنما المؤمنونَ الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانُوا معه على أمرٍ جامعٍ لم يذهبُوا حتى يَستأذنُوهُ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ اللهَ غفورٌ رَحِيمٌ ﴾ [ النور: ٦٢] ثم قال - يعني للمنافقين الذين كانوا يتسللون من العمل ويذهبون من غير إذن ﴿ لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضاً ﴾ الآية إلى قوله: ﴿أو يُصيبهم عذابٌ أليم. ألا إنَّ لله ما في السَّماواتِ والأرضِ قد يعلمُ ما أنتُم عليه ﴾ من صدق أو كذب إلى قوله - ﴿واللَّهُ بكلِّ شيءٍ عليم﴾(١) [النور: ٦٣ - ٦٤]. وقال ابن سعد : وتجهزت قريشُ ، وجمعوا أحابيشَهم ؛ ومن تبعهم من العرب ، فكانوا أربعة آلاف ، وعقدوا اللواء في دار الندوة ، وحمله عثمان بن طلحة ، وقادوا معهم ثلثمائة فرس ؛ وكان معهم ألف وخمسائمة بعير ، وخرجوا يقودُهم أبو سفيان بن حرب ، ووافقتهم بنو سُليم بمر الظهران ، وكانوا سبعمائة يقودهم سفيان بن عبد شمس ، حليف حرب بن أمية ، وهو أبو أبي الأغور السُّلَمي الذي كان مع معاوية بصفين ، وخرجت معهم بنو أسد يقودُهم طليحة بن خُويلد الأسدي ، وخرجت فَزَارة فأوعبت ، وهم ألف يقودهم عيينة بن حصن ، وخرجت أشجع وهم أربعمائة يقودهم مسعودُ بن رُخيلة ، وخرجت بنو مرة وهم أربعمائة يقودهم الحارث بن عوف وخرج معهم غيرهم . وقد روى الزهري أن الحارثَ بن عوف رجع ببني مرة فلم يشهد الخندق منهم أحد ، وكذلك روت بنو مُرّة ، والأول أثبت : أنهم شهدوا الخندق مع الحارث بن عوف ، فكان جميع القوم الذين وافوا الخندقَ ممن ذكر من القبائل عشرة آلاف ، وهم الأحزاب ، وكانوا ثلاثة عساكر ، وعِناجُ(٢) الأمر إلى أبي سفيان . = المؤلف: هذا تنبيه حسن ، وعثمان توفي بعد سنتين ونصف من الهجرة ، وهو أول من مات من المهاجرين في المدينة ... ونقل المؤلف فيما يُظهر من كلامه إلى أن المذكور في هذا الحديث ((قدامة)) واشتبه على الراوي ، وأخذتُ ذلك من كلام المؤلف . وقدامة مذكور فيمن شهد الخندق . . (١) السيرة النبوية؛ لابن هشام ٢١٦/٢ - ٢١٧. (٢) ((عِنَاجُ الأمر)): العِنَاجُ في اللغة: حبل تحمل به الدلو ونحوها، يثبت في أسفلها أو في عراها، والمقصود هنا : بيده قيادتهم ومِلاكُ أمرهم . - ٨٦ - فلما بلغ رسول الله عَّعِ ندبَ الناس وأخبرهم خبر عدوهم، وشاورهم في أمرهم، فأشار عليه سلمانُ بالخندق، فَأَعْجَب ذلك المسلمين، وعسكر بهم رسولُ اللهِ عَّهِ إلى سفح سَلْع، وكان المسلمون يومئذ ثلاثة آلاف ، واستخلف على المدينة ابنَ أمّ مكتوم ، ثم خندقَ على المدينة ، فعمل فيه رسولُ الله عَ لِ بيده، ليُنَشِّطَ النَّاسَ، وكمل في ستة أيام(١). انتهى ما نقله ابن سعد . وغيره يقول: حفر رسولُ الله عَ لِ وأصحابُه في الخندق بضعَ عشرة ليلة، وقيل: أربعاً وعشرين . وكان في حفر الخندق آيات من أعلام النبوة : منها أن جابراً كان يُحدِّث : أنه اشتد عليهم في بعض الخندق كُذْيَةً(٢) فشكوا ذلك إلى رسول الله عَ لّه، فأخذ المِعولَ وضرب فعاد كئيباً أهيل(٣). وروي في هذا الخبر أنه عليه الصلاة والسلام دعا بماء فتفل عليه ، ثم دعا بما شاء الله أن يدعوَ به ، ثم نضحَ ذلك الماء على تلك الكُذية ، فيقول من حضرها : فوالذي بعثه بالحق لانهالت حتى عادت كالكثيب ما تردُّ فأساً ولا مسحاةٌ . ومنها خبرُ الحفنة من التمر الذي جاءت به ابنة بشير بن سعد لأبيها وخالها عبد الله بن رواحة ليتغديا به، فقال لها رسولُ الله عَ لمِ: هاتيه، فصبته في كفي رسول الله عَ لّمِ، فما ملأهما ، ثم أمرَ بثوب فُبسط له ، ثم قال لإنسان عنده: اصرخ في أهل الخندق : أن هَلُّمَ إلى الغداء . فاجتمع أهلُ الخندق عليه ، فجعلوا يأكلون منه ، وجعل يزيدُ حتى صدرَ أهلُ الخندق عنه ، وإنه ليسقطُ من أطراف الثوب . ومنها حديث شُوَيْهةٍ جابر ، وكانت غيرَ جِدِّ (٤) سمينة، قال: صنعتُها ، وإنما أريدُ أن ينصرفَ معي رسولُ اللهِ عَّ ◌َلِّ وحده، فلما قلت له، أمر صارخاً، فصرخَ : أن انصرفوا مع رسول الله عَ لّه إلى بيت جابر بن عبد الله. قال: قلت: إنا لله وإنا إليه راجعون . قال : (١) الطبقات الكبرى ٦٦/٢ - ٦٧ . (٢) (( كُذْيَةٌ)): الصخرة العظيمة الشديدة. (٣) ((أَهْيَل)): رملٌ مُنْصَبٌّ. (٤) ((غيرُ جدِّ سمينة)): غير كاملة السِّمن. - ٨٧ - فأقبل الناسُ معه، فجلس فأخرجناها إليه فبرَّكَ ثم سمَّى الله عز وجل، ثم أكلَ وتواردَها النَّاسُ، كلما فرِغَ قومٌ قاموا، وجماء آخرون ، حتى صدرَ أَهلُ الخندق عنها . رواه البخاري(١)، وفيه: وهم ألف، فأقسم بالله لقد أكلوا حتى تركوه وانحرفوا، وإن برمتنا لتَغِطْ كما هي ، وإن عجيننا ليُخبز كما هو . ومنها : حديث سلمان الفارسي أنه قال : ضربتُ في ناحية من الخندق ، فغلظت علَّ ؛ ورسولُ الله عَِّ قريبٌ مني، فلما رآني أضربُ، ورأى شدة المكان علَّ، نزل فأخذِ المِعَولَ من يدي ، فضربَ بهُ ضربةً لمعتْ تحت المِعول برقةٌ ، ثم ضربَ به أخرى فلمعت تحته برقة أخرى ، ثم ضربَ به الثالثة فلمعت برقة أخرى ، قال: قلت : بأبي وأمي أنتَ يا رسول الله ما هذا الذي رأيت يلمع تحت المِعْوَلِ وأنت تضرب ؟ قال: أو قد رأيتَ ذلك يا سلمان؟ قال: قلت: نعم. قال: أَمَّا الأولى فإن الله فتح علّ بها اليمن، وأما الثانية فإن الله فتح عليّ بها الشام والمغرب ، وأما الثالثة فإن الله فتحَ عليَّ بها المشرق(٢) .. قال ابن إسحاق : وحدثني مَنْ لا أتهم ، عن أبي هريرة ؛ أنه كان يقول حين فُتحت هذه · الأمصار في زمن عمر وزمن عثمان : افتتحوا ما بدا لكم ، فوالذي نفسُ أبي هريرة بيده ما افتتحتم من مدينة ولا تفتتحونُها إلى يوم القيامة إلا وقد أعطى الله محمداً عَ لَه مفاتيحها قبل ذلك . ولما فرغَ رسولُ الله عَّ الِ من الخندق أقبلت قريش حتى نزلت بمجتمع الأسيال(٣)، وغطفان ومن تبعهم بذنب نَّقْمَى (٤) إلى جانب أحد، وخرج رسول الله عَّه والمسلمون حتى (١) رواه البخاري في كتاب المغازي ( باب غزوة الخندق) رقم /٤١٠١/ وفي الجهاد، ورواه مسلم في الأشربة ( باب جواز استتباعه غيرَه إلى دار من يثق برضاه بذلك) رقم /٢٠٣٩/. (٢) السيرة النبوية؛ لابن هشام ٢١٧/٢ - ٢١٩. وحديث سلمان ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ١٣٢/٦ وقال : رواه الطيراني ورجاله رجال الصحيح غير عبد الله بن أحمد بن حنبل ونعيم العنبري، وهما ثقتان . والبيهقي في دلائل النبوة ٣٩٩/٣ من مغازي ابن عقبة و٤١٧/٣ من رواية ابن إسحاق. وقال في نور النبراس : عزاه بعض مشايخي لموسى بن عقبة . وقال السهيلي : خرجه البغوي من طريق البراء بن عازب . (٣) مجتمع الأسيال : موضع تجتمع فيه السيول ، ويقع شمال المدينة المنورة . (٤) ذنبُ نَفْعَى: موضع من أعراض المدينة ، كان لآل أبي طالب. قاله الصغاني .. كما في نور النبراس. - ٨٨ - جعلوا ظهورهم إلى سلع في ثلاثة آلاف من المسلمين ، فضرب هنالك عسكره ، والخندق بينه وبين القوم ، وأمر بالنساء والذراري أن يُجعلوا في الآطام(١). وقال ابن سعد : كان لواءُ المهاجرين بيد زيد بن حارثة ، ولواء الأنصار بيد سعد بن عبادة، وكان رسول الله عَ ليه يبعثُ سلمةَ بن أسلم في مائتي رجل، وزيد بن حارثة في ثلاثمائة رجل يَحرسُون المدينةَ ، ويُظهرون التکبیر ، وذلك أنه کان يخاف على الذراري من بني قريظة ، وكان عباد بن بشر على حرسٍ (٢) رسول الله عَ ليه مع غيره من الأنصار يحرسونه كلَّ ليلة. كذا قال ابن سعد في هذا الموضع(٣). وقال في باب حراس النِي عَُّ: حَرَسَه يومَ بدر حين نام في العريش سعدُ بن معاذ ، ويوم أحد محمد بن مسلمة ، ويوم الخندق الزبير بن العوام (٤). رجع إلى ابن سعد (٥): وكان المشركون يتناوبون بينهم ، فيغدو أبو سفيان بن حرب في أصحابه يوماً ، ويغدو خالد بن الوليد يوماً ، ويغدو عمرو بن العاص يوماً ، ويغدو هُبيرة بن أبي وَهب يوماً ، ويغدو عكرمة بن أبي جهل يوماً ، ويغدو ضرار بن الخطاب الفِهْري يوماً ، فلا يزالون يُجيلون خيلَهم ، ويتفرقون مرةً ، ويجتمعون أخرى ، ويُناوشون أصحاب رسول الله عَ لِّ ، ويقدمون رماتهم فيرمون. رجع إلى ابن إسحاق : وخرج عدو الله حُبَيُّ بن أخطب النَّضْري حتى أتى كعب بن أسد القُرظي صاحب عقد بني قريظة وعهدَهم، وكان قد وادعَ رسولَ الله عَ لِه على قومه ، وعاقدَه على ذلك ، فلما سمع كعبّ بحبي أغلقَ دونَه باب حصنه ، فاستأذن عليه فأبى أن يفتحَ له ، فناداه حبي ويحك يا كعب افتح لي . قال : ويحك يا حتِّي إنك امرؤ مشؤوم ، وإني قد عاهدت محمداً ، فلست بناقض ما بيني وبينَه ، ولم أر منه إلا وفاء وصدقاً . قال : ويحك افتح لي أُكلِمُكَ. قال: ما أنا بفاعل. قال: والله إن أغلقتَ دوني إلا تخوّفاً على (١) السيرة النبوية؛ لابن هشام ٢١٩/٢ - ٢٢٠ . (٢) كذا في جميع النسخ، وفي الطبقات؛ لابن سعد: على حرس قبة رسول ◌ُ (٣) الطبقات الكبرى ٦٧/٢ . (٤) المصدر السابق ٦٧/٢ . (٥) أي : رجع إلى أخبار غزوة الخندق . - ٨٩ - جشيشتك(١) أن آكل معك منها. فأحفظَ(٢) الرجلَ، ففتح لَه . فقال: ويحك يا كعب جئتُك بعزِّ الدهر، وببحر طام ، جثُتُك بقريش ، حتى أنزلتُهم بمجتمع الأسيال من رومة، وغطفان حتى أنزلتهم بذنب نَّقْمَى إلى جانب أُحد ، قد عاهدوني وعاقدوني على أن لا يبرحوا حتى نستأصل محمداً ومن معه . قال له كعب : جئتني والله بذلِّ الدهر وبَجَهامٍ (٣) قد هَراقَ ماءه ، يُعد ويُبرق وليس فيه شيء ، ويحك يا حبي دعني وما أنا عليه ، فإني لم أر من محمد إلا صدقاً ووفاءً . فلم يزلْ حيّ بكعب يفتِلُهُ في الذروة والغارب(٤)، حتى سمح له على أن أعطاه عهداً من الله وميثاقاً: لئن رجعتْ قريش وغطفان ، ولم يُصيبوا محمداً أن أُدخلَ معك في حضنك حتی یصيني ما أصابك . فنقضَ کعبُ بن أسد عهده ، وبریء مما كان بينه وبين رسول الله عَ ◌ّله. فلما انتهى إلى رسول الله عَ له الخَيَرَ وإلى المسلمين، بعثَ رسولُ اللهِعَ اله سعد بن معاذ وسعد بن عبادة ومعهما ابنُ رواحة وخوَّات بن جُبير . فقال : انطلقوا حتى تنتظروا أحقُّ ما بلغنا عن هؤلاء القوم ، فإن كان حقاً فالحنوا إليَّ لحناً حتى أعرفه ، ولا تُفتُّوا في أعضاد الناس ، وإن كانوا على الوفاء فيما بيننا وبينهم فاجهروا بذلك للناس . فخرجوا حتى أتوهم فوجدوهم على أخبث ما بلغهم عنهم، نالُوا من رسول الله عَ لَّهِ، وقالوا: مَنْ رسولُ الله؟ لا عهدَ بيننا وبين محمد، ولا عقد، فشاتمهم سعدُ بن معاذ وشاتموه ، وكان رجلاً فيه حِدَّة . فقال له سعد بن عبادة : دع عنك مشاتمتَهم فما بيننا وبينهم أربى من المشاتمة(٥) . وذكر ابن عائذ : أن الذي شاتمهم سعد بن عبادة ، والذي قال له : ما بيننا وبينهم أربى من المشائمة ، سعد بن معاذ ثم أقبل السَّعْدان(٦) ومن معهما على رسول الله عَّ الم فسلّمُوا عليه، ثم قالوا: عَضَل (١) ((جشيشتك)): طعام يُصنع من البر المجروش جرشاً غليظاً، يُلقى عليه لحم أو تمر، ونحو ذلك. وقد يُسمى" دشيش أو جريش . (٢) ((فأحفظَ الرجل)»: أثار حفيظته وأغضبه وأغاظه . .(٣) ((تجهامٍ)): سحاب رقيق لا ماء فيه . (٤) مثلٌ يُضرب في المراوضة والمخابلة. وانظر فوائد المؤلف ص ١١٤ . (٥) السيرة النبوية؛ لابن هشام ٢٢٠/٢ - ٢٢١. (٦) رجع إلى ابن إسحاق . - ٩٠ - والقارة، أي: كغدر عَضَل والقارة بأصحاب الرجيع. فقال رسول الله عَ له: الله أكبر ، أبشروا يا معشر المسلمين. وعَظُمَ عند ذلك البلاء واشتد الخوف ، وأتاهم عدُّوهم من فوقهم ومن أسفلَ منهم ، حتى ظنَّ المؤمنون كلَّ الظنِّ ، ونجم النفاق من بعض المنافقين ، حتى قال مُعَتِّبُ بن قُشير: كان محمد يعدُنا أن نأكلَ كنوزَ كسرى وقيصر ، وأحدُنا اليوم لا يأْمَن على نفسه أن يذهب إلى الغائط . وقيل: لم يكن مُعتب من المنافقين ، وقد شهد بدراً . قاله ابن هشام(١) . وقال ابن عائذ : وقال رجال ممن معه : يا أهل يثربَ لا مُقام لكم فارجعوا . قال ابن إسحاق : وقال أوس بن قيظي : يا رسول الله! إن بيوتنا عورة من العدو ، وذلك عن ملأ من رجال قومه ، فأُذَنْ لنا أن نخرجَ فترجعَ إلى ديارنا فإنها خارجٌ من المدينة . فأقام رسولُ الله عَ لّه وأقام عليه المشركون بضعاً وعشرين ليلة قريباً من شهر، لم يكن بينهم حرب إلا الرمي بالنَبْل، والحِصَار(٢) . وقال ابن عائذ : وأقبل نوفل بن عبد الله بن المغيرة المخزومي على فرس له ليُوثبَه الخندقَ ، فوقع في الخندق فقتله الله تعالى، وكَبُر ذلك على المشركين، فأرسلوا إلى رسول الله عَ لّهِ: إِنا نعطيكم الدية على أن تدفعوه إلينا فندقِتَه. فردَّ إليهم رسولُ اللهِ عَُّلِ: إنه خبيثٌ، خبيثُ الدية ، فلعنَه الله ولعنَ ديتَه ، ولا تَمْنَعُكم أن تَدِفِنوه ، ولا أَربَ لنا في ديته . وقيل: أعطوا في جثته عشرة آلاف . قال ابن إسحاق: وبعثَ رسولُ الله عَ لِ كما حدثني عاصم بن عمر، عن الزهري إلى عُيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر الفَزَاري ، وإلى الحارث بن عوف المرّي ، وهما قائدا غطفان ، فأعطاهما ثلثَ ثمار المدينة على أن يرجعا بمن معهما عنه وعن أصحابه ، فجرى بينه وبينهما الصلحُ حتى كتبوا الكتبَ ، ولم تقع الشهادة ولا عزيمةُ الصلح إلا المراوضة في ذلك ، فلما أراد رسول الله عَّلِ أن يفعلُ ، بعثَ إلى سعد بن معاذ وسعد بن عبادة يذكر ذلك لهما ، واستشارهما فيه، فقالا: يا رسول الله أمْرَاً تحبُّه فنصنعُه ، أم شيئاً أمرك الله به لا بد لنا من العمل به ، أم شيئاً تصنعُه لنا ؟ قال: بل شيء أصنعُه لكم ، والله ما أصنعُ ذلك إلا أني (١) و (٢) السيرة النبوية؛ لابن هشام ٢٢٢/٢. - ٩١ - رأيتُ العربَ قد رمتكم عن قوسٍ واحدة، وكالَبُوكم من كل جانب ، فأردت أن أُكسرَ عنكم من شوكتِهم إلى أمر ما . فقال له سعد بن معاذ : يا رسول الله أقد كنا نحنُ وهؤلاء القوم على الشرك بالله وعبادة الأوثان لا نعبدُ الله ولا نعرفه، وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها تمرة إلا قِرى أو بيعاً ، فحين أكرمنا الله بالإسلام وهدانا له وأعزَّنا بك وبه نعطيهم أموالنا ؟ ما لنا بهذا من حاجة ، والله لا نُعطيهم إلا السيف، حتى يحكم الله بيننا وبينهم. فقال رسول الله: معد له . فأنت وذاك . فتناول سعدٌ الصحيفةَ فمحا ما فيها من الكتاب . ثم قال لَيَجْهَدُوا علينا . فأقام رسولُ الله عَ ◌ّهِ والمسلمون وعدوهم محاصرهم، ولم يكن بينهم قتال ، إلا أن فوارسَ منِ قريش ، منهم عمرو بن عبد ودّ وعكرمة بن أبي جهل وهُبيرة بن أبي وَهْب وِضرار بن الخطاب تلبَّسُوا للقتال ، ثم خرجوا على خيلهم حتى مروا بمنازل بني كنانة ، فقالوا: تهيّوا يا بني كنانة للحرب ، فستعلمون من الفرسان اليوم ، ثم أقبلوا تُعْنِقُ(١) بهم خيلُهم حتى وقفوا على الخندق ، فلما رأوه ، قالوا : والله إن هذه لمكيدة ما كانت العربُ تكيدها . ثم تيَّمموا مكاناً من الخندق ضيقاً ، فضربوا خيلَهم فاقتحمت منه ، فجالت بهم في السبخة بين الخندق وسلع، وخرج عليّ بن أبي طالب في نفر معه من المسلمين ، حتى أخذوا عليهم الثّغْرة التي أقحموا منها خيلَهم ، وأقبلت الفرسان تُعْنِقُ نحوَهم . وكان عمرو بن عبد ودّ قد قاتل يومَ بدر حتى أثبتته الجراحةُ ، فلم يشهد يومَ أُحد ، فلما كان يوم الخندق خرجَ مُعْلِماً ليُرى مكانُه ، فلما وقف هو وخيلُه ، قالِ مَنْ يَّارز؟ فبرز له عليّ بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه . وذكر ابن سعد في هذا الخبر : أن عمراً كان ابن تسعين سنة ، فقال علي : أنا أبارزه . فأعطاه رسول الله عليه الصلاة والسلام سيفه وعمَّمَه وقال : اللهم أَعِنْهُ عليه . رجع إلى الأول : فقال له : يا عمرو إنك كنتَ عاهدتَ الله تعالى لا يدعوكَ رجلٌ من قريش إلى إحدى خلتين إلا أخذتَها منه. قال له : أجل. قال له علّ: فإني أدعوك إلى الله وإلى رسوله عليه الصلاة والسلام وإلى الإسلام . قال : لا حاجة لي بذلك . قال له علي: فإني أدعوك إلى النزال . . قال له : لم يا ابن أخي ؟ فو الله ما أُحبُّ أن أقتلَك. قال علي : لكني والله أحبُّ أن أَقتَلَك. قال : فحمي عمرو عند ذلك ، فاقتحم عن فرسه ، فعقرَه ، وضرب وجهه ، ثم أقبل على عليّ فتنأولا وتجاولا ، فقتله علىّ وخرجت خيلُهم منهزمة حتى اقتحمت ٠٠ (١) (( تُعْنِقُ)): تُسرع . - ٩٢ - من الخندق هاربة ، وقال علّ في ذلك : ونصرتُ دينَ محمد بضرابٍ(١) نصرَ الحجارةَ من سفاهة رأيه كالجذع بینِ دَکَادكٍ ورَوابٍ(٢) فصددتُ حين تركتُه متجدلاً كنتُ المُقَطَّرِ بَزَّني أثوابي (٣) وعففتُ عن أثوابه ولو انني ونبيِّه يا معشرَ الأحزابِ لا تحسبنَّ الله خاذلَ دِينِـ وعن ابن إسحاق من غير رواية البكاني ؛ أن عمراً لما نادى بطلب من يبارزُه ، قام علّ رَضي الله عنه وهو مُقَنَّع في الحديد، فقال: أنا له يا نبيّالله . فقال له: اجلس إنه عمرو . ثم كررَّ عمرو النداء، وجعل يُؤْثُّهم ، ويقول : أين جنّتُكم التي تزعمون أنه من قتل منكم دخلَها ؟ أفلا تُبرزون لي رجلاً . فقام علي فقال : أنا يا رسول الله . فقال : اجلس إنه عمرو ، ثم نادى الثالثة وقال : بجمعكم هل من مُبارز ولقد بُححت من النداء وقفةَ الرجل الُناجز ووقفتُ إذا جُبُن المشجع متسرعاً قبل الهزاهز (٤) وكذاك أني لم أزل والجودَ من خير الغرائز إن الشجاعةَ في الفتى فقام علي رضي الله عنه، فقال: أنا له يا رسول الله . فقال: إنه عمرو . فقال: وإن كان عمراً ، فأذن له رسولُ الله عليه الصلاة والسلام ، فمشى إليه علِّ وهو يقول : كَ مجيبُ صوتِك غيرُ عاجز لا تعجلنَّ فقد أنا والصدق مَنْجَى كلِّ فائز ذو نية وبصيرة مَ عليكَ نائحةَ الجنائز إني لأرجو أن أُقيـ ـقى ذكرُها عندَ الهزاهز (٤) من ضربةٍ نجلاء بيـ (١) في السيرة النبوية؛ لابن هشام ٢٢٤/٢ والسيرة الشامية ٥٣٤/٤: ونصرتُ دينَ محمّدٍ بصوابٍ. (٢) (( مُتَجَدِّلاً: مرمياً على الجدالة لاصقاً بها، والجدالة: الأرض. و((دكادك)): جمع دكداك، وهو من الرمل ما تبلَّدَ بالأرض ولم يرتفع . (٣) (( الُقَطَّ)): الملقى على أحد قُطْريه، أي جنبيه. و((بَّني)): سليني. ونبّه ابن هشام في السيرة وسبط ابن العجمي في نور النبراس أن أهل العلم بالشعر یُنکرون نسبتها لعلي رضي الله عنه . (٤) ((الَهزَاهِز)): الحروب. - ٩٣ - فقال عمرو : من أنت ؟ قال : أنا علي . قال : ابنُ عبد مناف ؟ قال : أنا علي بن أبي طالب . فقال : غيرُك يا ابن أخي، من أعمامك ، من هو أسنُّ منكِ، فإني أكره أن أُهريقَ دمَك. فقال علي : لكني والله ما أكره أن أُهريق دمَك. فغضب، ونزلَ وسلَّ سيفه كأنه شعلةُ نار ، ثم أقبل نحو على مغضباً. ويقال : إنه كان على فرسه ، فقال له علي: كيف أقاتلك وأنت على فرسك ؟ ولكن انزل معي ، فنزلَ عن فرسه ، ثم أقبل نحوه ، فاستقبله علي بدرَقَتِهِ ، فضربه عمرو فيها فقدَّها، وأثبت فيها السيفَ، وأصاب رأسَه فشجَّه ، فضربَه علِّ على حبل العائق ، فسقطَ ، وثار العَجَاجُ ، وسمع رسولُ الله عليه الصلاة والسلام التكبيرَ ، فعرف أن علياً قد قتلَه . قال ابن هشام : وكان شعار أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام يوم الخندق ويوم بني قريظة ﴿حم. لا يُنصرُون﴾(١). قال ابن إسحاق : وحدثني أبو ليلى عبد الله بن(٢) عبد الرحمن الأنصاري ، أخو بني حارثة ؛ أن عائشة أم المؤمنين كانت في حصن بني حارثة يوم الخندق ، وكان من أحصن حصون المدينة . قال : وكانت أم سعد بن معاذ معها في الحصن ، قالت : وذلك قبل أن يُضربَ علينا الحجاب ، فمر سعدٌ وعليه درع له مُقَلَّصةَ ، قد خرجت منها ذراعه كلَّها ، وفي يده حربتُه یَرْقَدُ(٣) بها ويقول : لَبْ قليلاً يشهدِ الهيجَا حَمَلْ لَا بأسَ بالموت إذا حانَ الأجل (٤) فقالت له أُمُّه : الحقْ ني فقد والله أُخَّرْتَ. قالت عائشة رضي الله عنها: فقلت لها : (١) السيرة النبوية؛ لابن هشام ٢٢٦/٢. والشعار: هي العلامة التي كانوا يتعارفون بها في الحرب، والمعروفة. اليوم بكلمة السر . (٢) في المطبوع: عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد الرحمن. وقد نبَّه صاحب ((نور النبراس)) إلى أن الصواب: عبد الله بن عبد الرحمن بن سهل . ثم قال : إن الذهبي ذکره في الکتی من ( التهذيب )) وأشار إلى أنه روی له البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه . (٣) ((يَرْقَدُّ بها )) : يُسرع . (٤) البيت كما جاء في نور النبراس الرجل من كلب اسمه : حمل بن سعدانة بن حارثة ، تمثل به سعد رضي الله عنه في هذا الموقف . - ٩٤ - ٠٦ يا أم سعد والله لوددت أن درع سعد كانت أسبغ مما هي . قالت : وخفتُ عليه حيث أصابَ السهمُ منه. فرُمي سعدُ بن معاذ بسهمٍ فقطع منه الأكحل(١) ، رماه كما حدثني عاصم : حِبان بن العَرِقة(٢) أحد بني عامر بن لؤي ، فلما أصابه قال : خذها مني وأنا ابن العَرِقة . فقال له سعد: عَرَّق الله وجهَك في النار(٣) . ويقال : بل الذي رماه خفاجة بن عاصم بن جبارة ، وقيل بل الذي رماه أبو أسامة الجشمي حليف بني مخزوم . رجع إلى خبر ابن إسحاق : ثم قال سعد : اللهم إن كنتَ أبقيت من حرب قريش شيئاً فأبقني لها ، فإنه لا قومَ أحبُّ إليَّ أن أجاهد من قوم آذَوْا رسولَك ، وأخرجوه و كذبوه ، اللهم إن كنت قد وضعت الحربَ بيننا وبينهم فاجعلْها لي شهادة ، ولا تُمتني حتى تقر عيني من بني قريظة (٣) . وذكر ابن عائذ أن المشركين جهزوا نحو رسول الله عَ لَّه كتيبةً عظيمة غليظة ، فقاتلوهم يوماً إلى الليل ، فلما حضرت العصرُ دنت الكتائبُ ، فلم يقدر النبي عليه الصلاة والسلام ولا أحد من أصحابه الذين كانوا معه أن يصلوا الصلاة على ما أرادوا ، فانكفأت مع الليل ، فزعموا أن رسول الله عَ له. قال: شغلونا عن صلاة العصر ملأ الله بطونَهم وقبورهم ناراً . وقرأت على أبي النور إسماعيل بن نور بن قمر الهيتي ، أخبركم الشيخ أبو نصر موسى بن عبد القادر الجيلي قراءة عليه وأنت تسمع ؟ فأقرَّ به ، أخبرنا : أبو بكر بن الزاغوني ، أخبرنا ابن البسري ، أخبرنا المخلص ، حدثنا يحيى بن محمد ، حدثنا محمد بن يزيد أبو هاشم الرفاعي ، حدثنا أبو مالك الجنبي عمرو بن هاشم ، حدثنا يحيى بن سعيد ، عن سعيد بن المسيب ، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، قال : ما صلَّى رسولُ الله عليه الصلاة والسلام يوم الخندق الظهر والعصر حتى غابت الشمس(٤). (١) ( الأكحل )) : عرق في وسط الذراع يكثر قصده. (٢) (( العَرِقة)): قلابة بنت سعد، وهي أمه ؛ لقبت بذلك لطيب ريحها، وهي جدة أم المؤمنين خديجة رضي الله تعالى عنها ، ( أمّ أمّها هالةُ ) . (٣) السيرة النبوية؛ لابن هشام ٢٢٧/٢ . (٤) حديث سعيد بن المسيب عن عمر ليس في الكتب الستة، كذا قال في ((نور النبراس)) ورجح أن رواية - ٩٥ _ رواية سعيد بن المسيب عن عمر بن الخطاب ، ذهَب بعضُ الناس إلى أنها مرسلة ، لأنه ولد لسنتين بقيتا من خلافة عمر ، وقيل : ولد لسنتين خلتا من خلافة عمر ، وهو الصحيح إن شاء الله تعالى، فتكون متصلة ، وله عنه أحاديث يسيرة هي عندهم متصلة ، ويقول في بعضها : سمعتُ عمرَ رضي الله عنه على المنبر . وذكر ابن سعد في هذا الخبر أنهم شغلوا عن صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء . قال ابن سعد : وأقام أسيد بن الحضير على الخندق في مائتين من المسلمين ، وكرَّ خالدُ بن الوليد في خيل من المشركين ، يطلبون غِرَّة المسلمين ، فناوشوهم ساعة ، ومع المشركين وحشيّ، فزرق(١) الطفيل بن النعمان من بني سلمة بمزراقه فقتله، وانكشفوا ؛ وسار رسول الله عَ له إلى قبته، فأمر بلالاً فأذَّن وأقام الظهر فصلَّى، ثم أقام بعدُ لكل صلاة إقامة إقامة ، وصلى هو وأصحابه ما فاتهم من الصلوات ، وقال : شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر ، ملأّ الله أجوافهم وقبورهم ناراً. ولم يكن لهم قتال(٢) بعد ذلك جميعاً، حتى انصرفوا، إلا أنهم لا يدعَونُ الطلائع بالليل، يطمعون في الغارة(٣). قال ابن إسحاق : فأقام رسول الله عليه الصلاة والسلام وأصحابه فيما وصف الله عز وجل من الخوف والشدة ، بمظاهرة عدوهم وإتيانهم إليهم من فوقهم ومن أسفل منهم ، ثم إن تُعيمَ بن مسعود الأشجعي أتى رسولَ الله عليه الصلاة والسلام ، فقال : يا رسول الله! إني أسلمت وإن قومي لم يعلموا بإسلامي ، فمرني بما شئتَ . فقال رسول الله عليه الصلاة والسلام إنما أنتَ فينا رَجلٌ واحد، فخذِّلْ عنا ما استطعتَ ، فإن الحربَ خُدعة . فخرج نُعيم بن مسعود حتى أتى بني قريظة ، وكان لهم نديماً في الجاهلية . فقال : يا بني قريظة قد سعيد عن عمر متصلة ، ونقل كلام المزي في التهذيب ، قال أحمد: رأى سعيد عمر وسمع منه، وإذا لم يُقبل = سعيد عن عمر فمن يقبل وفي سنده محمد بن يزيد مختلف في جرحه وتعديله ، وممن ضعَّفه أبو حاتم والنسائي وقال أحمد : لا بأس به . وأبو مالك الجَنَبي: فيه ضعف أيضاً، قال أحمد : صدوق ولم يكن صاحب حديث ، وقال البخاري : فيه نظر . (١) ((زَرَقَ)): رماهُ بمزراقه، وهو الرمح القصير. (٢) في(أ)) و((ب)): ولم يكن لهم قتال بعد ذلك جميعاً. (٣) الطبقات الكبرى؛ لابن سعد ٦٨/٢ - ٦٩. - ٩٦ - عرفتم ودي إياكم ، وخاصَّةً ما بيني وبينكم . قالوا: صدقتَ ، لستَ عندنا بمتهم . فقال لهم : إن قريشاً وغطفان ليسوا كأنتم ، البلدُ بلدكم ، وبه أموالكم ونساؤكم وأبناؤكم ، لا تقدرون على أن تتحولوا منه إلى غيره ، وإن قريشاً وغطفان قد جاؤوا لحرب محمد وأصحابه ، وقد ظاهرتموهم عليه ، وبلدُهم وأموالهم ونساؤهم بغيره ، فليسوا كأنتم ، فإن رأوا تُهزة أصابوها ، وإن كان غير ذلك لحقوا ببلادهم ، وخلوا بينكم وبين الرجل ببلدكم ، ولا طاقة لكم به إِن خلا بكم ، فلا تقاتلوا مع القوم حتى تأخذوا منهم رُهُناً من أشرافهم يكونون بأيديكم ثقة لكم على أن يقاتلوا معكم محمداً ، حتى تُناجزوه . قالوا : لقد أشرت بالرأي . ثم خرج حتى أتى قریشاً ، فقال لأبي سفيان بن حرب ومَنْ معه من رجال قريش : قد عرفتم ودي لكم . وفراقي محمداً ، وإنه قد بلغني أمرٌ قد رأيت أن أبلغكموه نصحاً لكم ، فاكتموه عني . قالوا : نفعل . قال : تعلَّموا أن معشرَ يهود قد ندموا على ما صنعوا فيما بينهم وبين محمد ، وقد أرسلوا إليه أنا قد ندمنا على ما فعلنا ، فهل يُرضيك أن نأخذَ لك من القبيلتين من قريش وغطفان رجالاً من أشرافهم ، فنعطيكهم فتضربَ أعناقهم؟ ثم نكون معك على من بقي منهم ، حتى نستأصلَهم . فأرسلَ إليهم: نعم . فإن بعثتْ إليكم يهود يلتمسون منكم رُهُنَاً من رجالكم فلا تدفعوا إليهم رجلاً واحدً ، ثم خرج حتى أتى غطفان ، فقال: يا معشر غطفان إنكم أصلي وعشيرتي وأحبُّ الناس إلي ، ولا أراكم تتهموني. قالوا : صدقت ، ما أنت عندنا بمتهم . قال : فاكتموا عليّ. قالوا: نعم. ثم قال لهم مثل ما قال لقريش، وحذَّرهم . فلما كانت ليلة السبت من شوال سنة خمس ، وكان من صنيع الله لرسوله معد له ، أرسل أبو سفيان بن حرب ورؤوس غطفان إلى بني قريظة : عكرمة بن أبي جهل في نفر من قريش وغطفان ، فقالوا لهم : إنا لسنا بدار مقام ، قد هلك الحُفُّ والحافر ، فأعِدُّوا للقتال ، حتى نناجز محمداً ، وتَفرغ مما بيننا وبينه . فأرسلوا إليه أن اليومَ يومُ السبت ، وقد علمتم ما نال منا مَنْ تعدَّى في السبت ، ومع ذلك فلا نقاتل معكم حتى تعطونا رُهُناً . فلما رجع الرسولُ بذلك ، قالوا : صدقنا والله نُعيم بن مسعود ، فردوا إليهم الرسل ، وقالوا والله لا نُعطيكم رُهُناً أبداً فأخرجوا معنا إن شئتم ، وإلا فلا عهد بيننا وبينكم. فقال بنو قريظة: صدق والله نُعيم بن مسعود . وحَذَّل الله بينهم، واختلفت كلمتُهم، وبعث الله عليهم ريحاً عاصفاً ، في ليال شديدة البرد ، فجعلت الريحُ تقلب أبتيتهم ، وتكفأ قدورهم. فلما اتصل برسول الله عَ له اختلاف أمرهم، بعث - ٩٧ _ حذيفة بن اليمان ليأتيه بخبرهم ، فأتاهم واستتر في غِمارهم ، وسمع أبا سفيان يقول : يا معشر قريش ليتعرفْ كلُّ امرىء منكم جليسَه . قال حذيفة: فأخذتُ بيد جليسي، وقلتّ من أنت ؟ فقال : أنا فلان ، ثم قال أبو سفيان: يا معشر قريش إنكم والله ما أصبحتم بدار مقام ، ولقد هلك الكراع والخف ، وأخلفتنا بنو قريظة ، ولقينا من هذه الريح ما تروْن ، ما يستمسكُ لنا بناء ، ولا تثبت لنا قدر ، ولا تقوم لنا نار، فارتحِلوا فإني مرتحلٌ ، ووثبَ على جمله، فما حلَّ ◌ِقالَ يده إلا وهو قائم، قال حذيفة: ولولا عهدُ رسول الله عَّلِ إليَّ إذ بعثني أن لا أُحدِثَ شيئاً ، لقتلته بسهم. ثم أتيتُ رسولَ الله علم عند رحيلهم ، فوجدته قائماً يُصلِّي ، فأخبرته ، فحمد الله، وسمعتْ غطفانُ بما فعلت قريش، فانشمروا راجعين إلى بلادهم(١) . وروينا من طريق البخاري : حدثنا محمد بن كثير ، أخبرنا سفيان ، عن محمد بن المُنْكدر، قال: سمعت جابراً يقول: قال رسول الله عَ له يومَ الأحزاب: ((من يأتينا خبر القوم ؟ فقال الزبير : أنا . ثم قال: مَنْ يأتينا بخبر القوم؟ فقال الزبير: أنا . ثم قال: مَنْ يأتينا بخبر القوم؟ فقال الزبير: أنا. ثم قال: إنَّ لكلِّ نِيّ حَوارِيّاً وإنَّ خَواربيِّ الزبيرُ ))(٢) . كذا وقع في هذا الخبر، والمشهور أن الذي توجَّه ليأتي بخبر القوم حذيفة بن اليمان ، كما روينا عنه من طريق ابن إسحاق وغيره. قال - يعني النبيّ عَ لله -: من رجل يقوم فينظُر لنا ما فعل القوم ، ثم يرجع؟ ـ يشترط له رسول الله عَ ليه الرجعة - أسأل الله أن يكون رفيقي في الجنة، فما قام رجل من القوم، من شدة الخوف، وشدة الجزع؛ وشدة البرد ، فلما لم يقم أحدٌ ، دعاني فلم يكن لي بد من القيام حين دعاني . فقال : يا حذيفة اذهب فادخل في القوم . وذكر الحديث . وذكر ابن عقبة ومحمد بن عائذ : خروج حذيفة إلى المشركين ، ومشقة ذلك علیه ، إلى أن قال له رسول الله عَ له: قم فحفِظَكَ الله من أمامك ومن خلفك، وعن يمينك، وعن شمالك حتى ترجع إلينا. فقام حذيفة مستبشراً بدعاء رسول الله عَّ له، كأنه احتملَ احتمالاً ، فما شقّ عليه شيء مما كان فيه . (١) السيرة النبوية؛ لابن هشام :٢٣٠/٢ - ٠٢٣٣ بتصرف يسير. . (٢) رواه البخاري في كتاب المغازي ( باب غزوة الخندق ) رقم /٤١١٣/. - ٩٨ - وعند ابن عائذ : فقبضَ حذيفةُ على يد رجل عن يمينه ، فقال: من أنت ؟ قال : أنا معاوية بن أبي سفيان ، وقبض على يد آخر عن يساره ، فقال : من أنت ؟ فقال : أنا فلان . وفعل ذلك خشية أن يُفطن له ، فبدرهم بالمسألة . وقد روينا في خبر نُعيم بن مسعود غير ما ذكرناه . وقال ◌َ له حين أجلى الأحزاب: ((الآن نغزوهم ولا يغزوننا، نحن نسير إليهم)). ذكره البخاري(١) بسنده . وقال ابن سعد: وأقام عمرو بن العاص وخالد بن الوليد في مائتي فارس ساقةً لعسكر المشركين وردءاً لهم مخافة الطلب، وانصرف رسول الله عَ ◌ّه يوم الأربعاء لسبع ليال بقين من ذي القعدة(٢). وكان مما قيل من الشعر يوم الخندق قول عبد الله بن الزِّبَعَرى السهمي: طولُ البِلى وتراوحُ الأحقاب حيِّ الديارَ محا معارفَ رسمها في نعمةٍ بأوانسٍ أتراب فقرًا كأنَّك لم تكن تلهو بها ومَحَلةٍ خَلْقِ المقام ، يباب فاتركْ تَذَكّر ما مضى من عيشة ساروا بأجمعهم من الأنصاب(٣) واذكرْبلاء معاشر واشكرهم في ذي غياطلَ ، جحفلٍ جيجابٍ(٤) أنصابٍ مكة عامدين ليغربٍ في كل نشٍ ظاهرٍ وشعاب(٥) يدُ الحزونَ مناهجاً معلومةٌ قُبُّ البطونِ ، لواحقُ الأقراب(٦) فيه الجيادُ شوازبٌ مجنوبةٌ (١) رواه البخاري في كتاب المغازي ( باب غزوة الخندق ) رقم /٤١٠٩/. (٢) الطبقات الكبرى ٦٩/٢ - ٧٠ . (٣) ((الأنصاب)): هنا، جمع نُصب، وهو الحجر ونحوه مما تُعلم به الحدود المكانية ، كأعلام الحرم. (٤) ((في ذي غياطل)): جمع غيطلة، وهي هنا الصوت المرتفع المختلط. و(جَبْجَاب)): كثير الصوت. (٥) ((الحزون)): جمع حَزْن، وهو ما ارتفع من الأرض. و((المناهج)): جمع منهج، وهو الطريق الواضح البيِّن . (٦) ((شوازب)): ضوامر. و((مجنوبة)): مقودة. و(( قبُّ البطون)): ضوامر البطون، مفردها أقبّ. و ((لواحق)): ضوامر أيضاً، و((الأقراب)): جمع قَرَبٍ، وهو الخاصرة وما يليها . - ٩٩ - كالسِّيد بادر غفلة الرُّقّابِ (١) من كل سَلْهبةٍ وأجردَسَلهپٍ جيشٌ عيينةُ قاصدٌ بلوائه قرمان کالبدرین أصبح فيهما حتى إذا وردوا المدينة وارتدوا شهراً وعشراً قاهرينَ محمداً لولا الخنادق غادروا من جمعهم فيه، وصخر قائد الأحزاب غيث الفقير ومعقل الهُرَّاب(٢) للموتِ كلَّ مُجرَّبٍ قَضَّاب(٣) وصِحَابَه في الحرب ، غيرُ صحاب قتلى لطير شُغَّبٍ وذئاب : فأجابه حسان بن ثابت رضي الله عنه : هل رسمُ دارسةِ المَقام یبابٍ فدعِ الديارَ وذكرَ كلِّ خريدةٍ واشك الهموم إلى الإله وما ترى ساروا بجمعهمُ إليه وألَّبوا جيشٌ عيينة وابنُ حرب فيهمُ حتى إذا وردُوا المدينةَ وارتجوْا وغدَوْا علينا قادرينَ بِأَيْدِهم بهوبِ مُعْصفةٍ تفرِّق جمعَهم وكفى الإِلهُ المؤمنين قتالَهم من بعد ما قنطوا ، ففرَّقَ جمعَهم وأقرَّ عين محمد وصِحابه مُتَكلِّمٌ لمحاورٍ بجواب ؟ بيضاء ، آنسةِ الحديث ، كَعابٍ من معشر ظلموا الرسول ، غِضابٍ أهل القرى وبوادي الأعراب متخمطون تَحلْبة الأحزاب (٤) قتلَ الرسول ومغنم الأسلاب رُدُّوا بغيظهمُ على الأعقاب(٥) وجنودُ ربِّك سيِّد الأرباب وأثابَهم في الأجر خيرَ ثواب تنزيلُ نصرٍ مليكنا الوهَّاب وأذلَّ كل مُكذِّبٍ مُرتاب وقال هُبيرة بن أبي وهب يعتذر من فراره ، ويبكي عمرو بن عبد ود ويذكر علياً ، وقد سبق بعض هذه الأبيات : (١) ((سَلْهَبَة)): طويلة. و((السيد)): الذئب. (٢) ((قرمان)»: مفردها قرم ، وهو من الإبل: الفحل ، ومن الناس: السيد في قومه. (٣) ((كلُّ مجرّب قضَّاب)): كلُّ سيف معروف بشدة القطع . (٤) ((متخمطون)): جمع متخمط، وهو المتكبر الشديد الغضب، و((الحَلْبة)): جماعة الخيل تُعدُّ للسباق. (٥) ((بأيدهم)): بقوتهم. - ١٠٠ -