Indexed OCR Text
Pages 301-320
قال ابنُّ شهاب : وأخبرني عبدُ الرحمن بن مالك المُذْلِجي - وهو ابن أخي سُراقة ابن مالك بن ◌ُعشم - أن أباه أخبره ، أنه سمع سراقةً بن مالك بن جُعشم يقول : جاءنا رسُلُ كفار قريش يجعلون في رسول الله عَّه وأبي بكر دية كل واحد منهما لمن قتلَه أو أسرَه ، فبينما أنا جالس في مجلس من مجالس قومي بني مُدلج ، أقبل رجلٌ منهم حتى قام علينا ، ونحن جلوس ، فقال : يا سراقةُ ! إني قد رأيت آنفاً أسودةً(١) بالساحل، أراها محمداً وأصحابَه . قال سراقة: فعرفت أنهم هم . فقلت له : إنهم ليسوا بهم ، ولكنك رأيتَ فلاناً وفلاناً انطلقوا بأعيننا . ثم لبثتُ في المجلس ساعةً ، ثم قمت فدخلتُ ، فأمرت جاريتي أن تخرجَ بفرسي ، وهي من وراء أُكَمَةٍ فتحبسَها علي ، وأخذتُ رمحي ، فخرجتُ به من ظهر البيت ، فخططتُ بزجِّه(٢) وخفضت عاليه ، حتى أتيتُ فرسي فركبتُها ، فرفعتها تُقرِّبُ(٣) بي ، حتى دنوتُ منهم ، فعثرتْ بي فرسي فخرَرْت عنها ، فقمتُ فأهويتُ بيدي إلى كنانتي ، فاستخرجتُ منها الأزلام (٤)، فاستقسمتُ بها : أضرُّهم أم لا ؟ فخرج الذي أكره ، فركبتُ فرسي - وعصيتُ الأزلامَ - تُقرِّبُ بي، حتى إذا سمعتُ قراءةَ رسول الله عَّ ◌ُلِّ وهو لا يلتفتُ، وأبو بكر يكثر الالتفاتَ، ساختَ يدا فرسي في الأرض ، حتى بلغتا الركبتين ، فخررت عنها ، ثم زجرتُها فنهضت ، فلم تكد تُخرجُ يديها، فلما استوتْ قائمةً إذا لأثرٍ يديْها عُثانٌ(٥) ساطع في السماء مثلُ الدخان ، فاستقسمت بالأزلام فخرجَ الذي أكره ، فناديتُهم بالأمان ، فوقفوا ، فركبت فرسي حتى جئتُهم ، ووقع في نفسي حين لقيتُ ما لقيتُ من الحبس عنهم أَنْ سيظهرُ أمرُ رسول الله عَ ظَلِّ ، فقلتُ له : إن قومَك جعلوا فيك الدية، وأخبرتُّهم أخبارَ ما يُريد الناس بهم ، وعرضتُ عليهم الزادَ والمتاع ، فلم يرزآني ولم يسألاني ، إلا أن قالا: أخفِ عنا . فسألتُه (١) ((أَسْئِدَةً)): أشخاصاً (٢) ((بزجُّه)): الّجُّ: النَّصْلُ. (٣) ((فرفعتها تقربُ بي)): الرفع: الإسراع، والتقريب: نوع جيد منه، تضع الفرسُ فيه رجليها مكان يديها . (٤) (( الأزلام)): المراد بها هنا السِّهام . (٥) ((عُثَانٌ)): غبار ، شبه الدخان . - ٣٠١ - أن يكتبَ لي كتابَ أمنٍ ، فأمر عامر بن فُهيرة فكتبَ لي في رُقعةٍ من أَدَمٍ ، ثم مضى رسول الله عَّةٍ (١). قال ابنُ شهاب فأخبرني عروة بن الزبير أن رسولَ الله عَّ له لقي الزبير في ركب من المسلمين كانوا تجاراً قافلين من الشام، فكسا الزبيرُ رسولَ اللهِ عَ له وأبا بكر ثيابَ بَيَاضٍ. وسمع المسلمون بالمدينة مخرجَ رسول الله عَ ليه من مكة، فكانوا يغدون كلَّ غداة إلى الحَّةِ فينتظرونه ، حتى يُردَّهم حُرُّ الظهيرة ، فانقلبوا يوماً بعدما أطالوا انتظارهم ، فلما أووا إلى بيوتهم أُوْفى رجلٌ من يهود على أُطُمٍ من آطامهم لأمر ينظر إليه، فبصُر برسول الله عَِّ وأصحابهِ مبيَّضين، يزول بهم السراب، فلم يملك اليهودي أن قال بأعلى صوته : يا معاشر العرب! هذا جُّكم (٢) الذي تنتظرون. فثار المسلمون إلى السلاح ، فتلقوْا رسولَ الله عَّلِ بظهرِ الحرّةِ، فعدلَ بهم ذات اليمين حتى نزل بهم في دار(٣) بني عمرو ابن عوف ، وذلك في يوم الإثنين من شهر ربيع الأول ، فقام أبو بكر للناس وجلسَ رسولُ الله عَّ له صامتاً، فطفِق من جاء من الأنصار ممن لم يرَ رسولَ الله عَ لآلِه يحيي أبا بكر ، حتى أصابت الشمسُ رسولَ الله عَ لِ، فأقبلَ أبو بكر حتى ظلِّلَ عليه بردائه، فعرفَ: الناسُ رسولَ الله عَ لِ عند ذلك، فلبثَ رسولُ اللهِ عَ لآه في بني عمرو بن عوف بضعَ عشرة ليلةً، وأَسَّس المسجد الذي أُسِّسَ على التقوى، وصلَّى فيه رسولُ اللهِ عَّهِ، ثم. ركب راحلته ، فسار يمشي معه الناسُ، حتى بركت عند مسجدٍ الرسول عُ له بالمدينة ، وهو يُصلِّي فيه يومئذ رجالٌ من المسلمين ، وكان مِرْبَداً(٤) للتمر ، لسهل وسهيل غلامين يتيمين في حِجْر سعد بن زرارة. فقال رسول الله عَّلِ حين بركت به راحلتُه: هذا إن شاء الله تعالى المنزل. ثم دعا رسولُ الله عَ لِ الغلامين، فساومهما بالمِربد ليتخذَه مسجداً ، فقالا: بل نهبُه لك يا رسول الله . فأبى رسولُ الله عَّمِ أن يقبلَه منهما هبة ، حتى ابتاعه(٥) منهما، ثم بناه مسجداً ، فطفِق رسولُ الله عَّ لِ ينقُ معهم اللَّبِنَ في بنائه ، (١) رواه البخاري في كتاب مناقب الأنصار (باب هجرة النبي معَ له) رقم /٣٩٠٦). (٢) ((جذُّكم)): حظكم وصاحب دولتكم الذي تتوقعونه . (٣) كذا في جميع النسخ، وفي نور النبراس لوحة ٢٤٩/١ والبخاري ((في بني عمرو بن عوف)). (٤) ((مِرْبد)): مكان لتجفيف الخمر. (٥) رواه البخاري في كتاب مناقب الأنصار ( باب هجرة النبي ـلة ) رقم /٣٩٠٦/. - ٣٠٢ - ويقول وهو ينقل اللبن : هذا أبُّ ربَّنا وأطهر هذا الجِمالُ لا حِمالُ خيبرْ فارحم الأنصارَ والمُهاجرة اللهم إنَّ الأجرَ أجرُ الآخرة تمثل بشعر رجل من المسلمين لم يُسمَّ لي . قال ابن شهاب: ولم يبلغنا في الأحاديث أن رسولَ الله عَ ليه تمثل ببيت شعر تام غير هذه الأبيات(١) . كذا وقع في هذا الخبر أن الذي كسا رسولَ الله عَ له وأبا بكر الزبير، وذكر موسى ابن عقبة أنه طلحة بن عبيد الله في خبر ذكره . وروينا من طريق البخاري أن أبا بكر كان يُسأل عن النبيِ مَّلِ : من هذا؟ فيقول : هذا الرجل يهديني الطريق . قال : فيحسِب الحاسُب أنه يعني الطريق ، وإنما يعني سبيلَ الخير(٢) . وروينا من طريق ابن إسحاق : أنه عليه الصلاة والسلام أعلم علياً بمخرجه، وأمره أن يتخلف بعده حتى يُؤَّدِّيَ عنه الودائعَ التي كانت عنده للناس، وأن أبا بكر خرج بماله كلِّه ، وهو فيما قيل خمسة آلاف أو ستة آلاف درهم . أخبرنا عبد الله بن أحمد بن فارس ، ويوسف بن يعقوب بن المجاور قراءةً على الأول وأنا أسمع بالقاهرة ، وبقراءتي على الثاني بسفح قاسيون ، قالا : حدثنا أبو اليمن الكندي ، أخبرنا هبة الله بن أحمد الحريري ، أخبرنا أبو طالب العُشاري ، أخبرنا أبو الحسين بن سمعون ، حدثنا عمر بن الحسن بن علي بن مالك ، أخبرنا يحيى بن إسماعيل الحريري ، حدثنا جعفر بن علي ، حدثنا سيف ، عن بكر بن وائل ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة، قالت: قال رسول الله عَ الله: ((ما أحدٌ أمنُّ علي في صحبته وذاتٍ يده من أبي (١) رواه البخاري في كتاب مناقب الأنصار (باب هجرة النبي عَ ل) رقم /٣٩٠٦/. (٢) رواه البخاري في كتاب مناقب الأنصار (باب هجرة النبي عَظ له) رقم /٣٩١١/ ولفظه: هذا الرجل يهديني السبيل . وهو أنسبُ للتورية . - ٣٠٣ - بكر ، وما نفعني مالّ ما نفعني مال أبي بكر ، ولو كنتُ متخذاً خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً))(١). وجهل أهل مكة الخبر عنهم ، إلى أن سمعوا الهاتف يهتف بالشعر الذي فيه ذكر أم معبد ، فعلموا أنهم توجهوا نحو يثرب وأنهم قد نجوا منهم . حديث أم معبد(٢) أخبرنا الشيخان أبو الفضل عبد الرحيم بن يوسف المزي بقراءة والدي عليه ، وأبو : الهيجاء غازي بن أبي الفضل بقراءتي عليه، قالا: أخبرنا ابن طَبرزذ، أخبرنا ابن الحُصَّيْن ، أخبرنا ابن غَيلان ، أخبرنا أبو بكر الشافعي ، حدثنا محمد بن يُونس القرشي ، حدثنا عبد العزيز بن يحيى مولى العباس بن عبد المطلب ، حدثنا محمد بن سليمان بن سَليط الأنصاري ، قال : حدثني أبي ، عن أبيه، عن جده أبي سَليط وكان بدرياً ، قال : لما خرجَ رسولٌ الله عَّةٍ في الهجرة ومعه أبو بكر الصديق وعامر بن فهيرة مولى أبي بكر وابن أُريقط يدلُّهم على الطريق ، مروا بأمّ مَعبد الخزاعية ، وهي لا تعرفهم . فقال لها: يا أمَّ معبد ، هل عندك من لبن ؟ قالت : لا والله وإن الغنم العازبة(٣). قال: فما هذه الشاة التي أرى - الشاة رآها في كِفاء(٤) البيت - قالت: شاة خلّفها الجهدُ عن الغنم. قال: أتأذنين في حِلابها ؟ قالت : لا والله ما ضَرَبها من فحل قطّ ، فشأنُك بها ، فدعا بها ، فمسح ظهرها وضَرَعَها ، ثم دعا بإناء يُربضُ(٥) الرهطَ، فحلب فيه فملأه، فسقى أصحابَه عَلَلاً بعد (١) قال في ((نور النبراس)»: لوحة ٢٥٢/١ هذا الحديث ليس في الكتب الستة ولا في أحدها . . ويشهد له حديث البخاري عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه : (( إن من أمنُّ النَّاسِ علَّي في صحبته وماله أبو بكر رضي الله عنه، ولو كنت متخذاً خليلاً عند ربي عز وجل لاتخذت أبا بكر ، ولكن أخوة الإسلام ومودته ... )) . (٢) مراد المؤلف رحمه الله: الحديث المذكور فيه أم معبد ، ولو قال: قصة أم معبد لكان أحسن نور النبراس لوحة ٠٢٥٢/١ (٣) ((لعازية)): بعيدة المرعى، لا تأوي إلى المنزل ليلها . (٤) ((كفاءُ البيت)): مؤخرته. (٥) ((يُربض الرهطَ)): يغذي الجماعة ويُشبعهم. - ٣٠٤ - تَهَل(١)، ثم حلب فيه آخرَ ، فغادره عندها ، وارتحل ، فلما جاء زوجُها عند المساء ، قال : يا أم معبد ! ما هذا اللبن ولا حلوبة في البيت والغنم عازبة ؟ قالت لا والله إلا أنه مر بنا رجل ظاهر الوضاءة ، متبلج(٢) الوجه، في أشفاره وَطَف(٣)، وفي عينيه دَعَج (٤) وفي صوته صَحَل(٥) ، غصن بين الغصنين، لا تشنؤه من طول ولا تقتحمُه من قصر ، لم تَعَبْه تجلة(٦) ولم تُزره صَعْلة(٧)، كأن عنقه إبريق فضة، إذا صمتَ فعليه البَهاء ، وإذا نطقَ فعليه وقار ، له كلام كخرزات النظم ، أزينُ أصحابه منظراً ، وأحسنُهم وجهاً ، أصحابُه يَحفُّون به ، إذا أمر ابتدروا أمرَه ، وإذا نهى اتّقّفوا (٨) عند نهايته . قال : هذه والله صفة صاحب قريش ، ولو رأيته لاتبعته ، ولأجتهدنَّ أن أفعل . قال: فلم يعلموا بمكة أين توجّه رسولُ الله عَ لّه وأبو بكر ، حتى سمعوا هاتفاً على · رأس أبي قُبيس ، وهو يقول : رفيقين حلَّا خيمتيْ أمّ معبدٍ جزى الله خيراً والجزاءُ بكفّه هما رَحَلا بالحقِّ وانتزلا به فقد فازَ من أمسى رفيقَ محمدٍ أبرَّ وأوفى ذِمةٌ من محمّدٍ فما حملتْ من ناقةٍ فوقَ رَحْلِها وأعطى برأسِ السابحِ المُتجردِ وأكسى لُبُرد الخالِ قبلَ ابتذالِه ومقعدُها للمؤمنين بمرصدِ (٩) . لِيَهْنِ بني كعبٍ مكانُ فتاتِهم (١) ((عَلَلاً بعد نَهَل)): النهل: الشرب الأول، والعَلَل: الشرب الثاني، أي مرة بعد مرة. (٢) ((متبلج الوجه)): مشرق الوجه مستنيره . (٣) ((في أشفاره وطف)): في أهدابه طول . (٤) (( دعج): سواد شديد . (٥) ((صحل)): بححٌ، والمراد عدم الجِدّة في الصوت. (٦) ((لم تَعِبْه تَجْلَة)): ليس بكبير البطن. (٧) ((لم تزرٍ به صَعْلَة)): ليس بصغير الرأس. (٨) ((اتقفوا)): وقفوا، يقال: وقفته فوقفَ واتَّقف؛ كاتصف واتعد، من وصفَ ووعَدَ . (٩) رواه أبو بكر الشافعي عن أبي سّلِيط، واسمه أسيرة بن عمرو بن قيس بن مالك الخزرجي النجاري ، وفي إسناده محمد بن يونس القرشي ؛ متروك ومتهم بالوضع . وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ٢٧٩/٨ وقال : رواه الطبراني وفيه عبد العزيز بن يحيى المديني، ونسبه البخاري وغيره إلى الكذب ، وقال الحاكم : - ٣٠٥ - وبه(١) قال أبو بكر الشافعي ، حدثنا محمد بن يحيى بن سليمان ، حدثنا أحمد بن. محمد بن أيوب ، حدثنا إبراهيم بن سعد ، عن محمد بن إسحاق ، قال : حُدِّثتُ عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما؛ أنها قالت: لما خرجَ رسولُ الله عَ لِ أتانا نفر من قريش ، فيهم أبو جهل بن هشام ، فوقفوا على باب أبي بكر رضي الله عنه ، فخرجتُ إليهم ، فقالوا : أين أبوك يا بنتَ أبي بكر ؟ قالت : قلت : والله لا أدري أين أبي . قالت : فرفع أبو جهل يدَه - وكان فاحشاً خبيثاً - فلطمَ خدي لطمة خرم منها قرطي . قالت : ثم انصرفوا، : فمضى ثلاثُ ليال ما ندري أين توجه رسولُ الله عَ لَه، إذ أقبل رجلٌ من الجن من أسفل مكة ، يغني بأبيات ، غنَّى بها العرب ، وإن الناس ليتبعونه يَسمعون صوتَّه وما يرونه ، حتى خرج بأعلى مكة : رفيقين حَلَّ خيمتِيْ أمّ مَعْبَدٍ جزى الله ربُّ النَّاسِ خيرَ جزائهِ فأفلحَ من أمسَىَ رَفيقَ محّمدٍ هما نزلاها بالهدى وأغْتَدّوا به ومقعدُها للمؤمنينَ بمرصدٍ لِيُّهْنِ بني كعبٍ مكانُ فتَاتِهِم قالت : فلما سمعنا قولَه عرفنا حيثُ توجه رسولُ اللهِ عَ لِّ ... الحديث(٢). وقد روينا حديثَ أسماء هذا متصلاً ، من حديث هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن أسماء. أخبرنا عبدُ الله بن أحمد بن فارس قراءة عليه وأنا أسمع بالقاهرة ، وأبو الفتح يوسف ابن يعقوب الشيباني بقراءتي عليه بسفح قاسيون ، قالا : أخبرنا أبو اليمن زيد بن الحسن الكندي ، أخبرنا أبو القاسم هبة الله بن أحمد بن عمر الحريري ، أخبرنا أبو طالب محمد ابن علي بن الفتح ، أخبرنا أبو الحسين محمد بن أحمد ، حدثنا عمر بن الحسن بن علي بن مالك الشيباني ، أخبرنا يحيى بن إسماعيل ، حدثنا جعفر بن علي ، حدثنا سيف ، عن هشام ابن عروة، عن أبيه، عن أسماء ابنة أبي بكر رضي الله عنهما، قالت: ارتحل النبيّاعَاه وأبو بكر ، فلبثنا أياماً ثلاثة أو أربعة ، أو خمس ليال ، لا ندري أين توجّه، ولا يأتينا = صدوق . فالعجب منه ! وفيه مجاهيل . وقال العقيلي : محمد ابن سليمان بن سليط مجهول .. وفيه :. عبد العزيز بن يحيى، وهو واه . وانظر نور النبراس لوحة ٢٥٣/١. (١) ((وبه)): أي بالسند المتقدم إلى أبي بكر الشافعي، راوي الغيلانيات. (٢) السيرة النبوية ؛ لابن هشام ٤٨٧/١ وفيه انقطاع ظاهر بين ابن إسحاق وأسماء. - ٣٠٦ - عنه خبر ، حتى أقبل رجلٌ من الجِنِّ ... الحديث(١) بنحو ما تقدم . وروينا عن أبي بكر الشافعي بالسند المتقدم ، حدثنا بشر بن أنس أبو الخير ، حدثنا أبو هشام محمد بن سليمان بن الحكم بن أيوب بن سليمان بن زيد بن ثابت بن يسار(٢) الكعبي الرَّبَعي الخزاعي ، حدثني عمي أيوب بن الحكم ، قال الشافعي : وحدثني أحمد ابن يوسف بن تميم البصري ، حدثنا أبو هشام محمد بن سليمان بن زيد . قال : حدثني عمي أيوب بن الحكم ، عن حزام بن هشام ، عن أبيه هشام ، عن جده حُبَيْش بن خالد صاحب رسول الله عَ لِه؛ أن رسولَ الله عَ لّه خرجَ من مكة مُهاجراً إلى المدينة ، فذكر نحوَ ما تقدم من خبر أبي سَليط ، وذكر الأبيات وزاد فيها : به من فَعال لا تُجاری وسُودَدِ فيا لقصّ ما زوى الله عنكمُ فإنكمُ إن تسألوا الشاةَ تَشْهدٍ سلوا أختكم عن شاتِها وإنائها عليه صَريحاً ضَرَّةُ(٣) الشَّةِ مُزْبِدٍ دعاها بشاةٍ حائل فتحلَّبَتْ فغادرها رهناً لديها بحالب ترددها في مَصْدَرٍ ثم مَوْردِ فلما سمع بذلك حسان بن ثابت قال يجاوب الهاتف : وقُدَّس من يَسري إليه ويَعْتدِي لقد خابَ قومٌ زالَ عنهم نبيُّهم وحلَّ على قوم بنور مُجدد ترخَّل عن قوم فضلَّتْ عقولُهم وأرشدَهُم ، من يتبعِ الحقَّ يَرشُدِ هداهُم به بعد الضَّلالةِ ربُّهم ركابُ هُدَىّ حلت عليهم بأَسْعَد وقد نزلت منه على أهل يثرب ويتلو كتاب الله في كلِّ مسجدٍ نبِّي يرى مالا يرى الناسُ حولَه فتصدیقُها في اليوم أو في ضُحی الغدِ وإن قال في يوم مقالةً غائبٍ (١) رواه أبو بكر الشافعي في الغيلانيات، وفيه سيف بن عمر الضبي الأسدي، راوي الفتوح ؛ ضعيف . : (٢) في جميع النسخ ((سَيَّر)) والتصحيح من نور النبراس، وقد صححها سبط ابن العجمي رحمه الله تعالى من نسخته الصحيحة بالسيرة ، ومن الغيلانيات . نور النبراس لوحة ٢٥٦/١ . (٣) ((ضَرّةُ الشاة )) : أصل الضرع . - ٣٠٧ - لَيَهْنِ أبو بكر سعادةُ جَدِّه بصحبته، من يُسعدِ اللهُ يَسْعَدِ(١) واجتاز رسولُ الله ټ في وجهه ذلك بعبد یرعی غنماً ، فكان من شأنه ما رويناه من طريق البيهقي بسنده، عن قيس بن النعمان، قال: لما انطلق النبّ ◌َ لام وأبو بكر: مستخفيين ، مرَّا بعبدٍ يرعى غنماً ، فاستسقياه اللبنَ ، فقال : ما عندي شاة تجلب ، غير أن ها هنا عَنَاقاً (٢) حملت أوَّل، وقد أُخْدَجت (٢)، وما بقي لها لبن، فقال: ادعُ بها. فدعا بها ، فاعتقلَها (٤) النبُّ عَظُلِه، ومسح ضَرْعَها، ودعا حتى أنزلت، وقال : جاء أبو بكر بمِجَنُّ(٥) فحلَبَ، فسقى أبا بكر ، ثم حلبَ فسقى الراعي، ثم حلبَ فشرب . فقال الراعي : بالله من أنت ؟ فوالله ما رأيتُ مثلَك. قال: أو تراك تكتم علَّ حتى أخبرَك ؟ قال : نعم . قال : فإني محمدٌ رسولُ الله . فقال : أنت الذي تزعم قريش أنه صابىء ؟ قال: إنهم ليقولون ذلك . قال : فأشهد أنك نبّي، وأن ما جئتَ به حقّ ، وأنه لا يفعل ما فعلتَ إلا نبِّي، وأنا متبعك. قال: إنك لن تستطيع ذلك يومَكَ، فإذا بلغك أني قد ظهرت فائتنا (٦) .: (١) رواه أبو بكر الشافعي في الغيلانيات، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ٥٧/٦ وقال : رواه الطبراني وفي إسناده جماعة لم أعرفهم . وقال الصالحي في السيرة الشالمية ٣٤٦/٢: رواه الطبراني والحاكم وصححه، وأبو نعيم، وأبو بكر الشافعي عن حُيَيْش بن خالد الأشعرِ البُخُزَاعِي القُدَيْدي .. وقد رواه الحاكم في ((المستدرك)) ١٠/٣ مطولاً، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ، ولم يخرجاه ، ويُستدل على صحته وصدق رواته بدلائل ... وتعقبه الذهبي بقوله : ما في هذه الطرق شيء على شرط الصحيح . وانظر قصة أم معبد في دلائل النبوة؛ لأني نُعيم ٢٨٣/٢ - ٢٨٧، والطبقات الكبرى ؛ لابن سعد ٢٣٠/١، ودلائل النبوة؛ للبيهقي ٢٧٦/١ - ٢٨٠، والسيرة النبوية لابن هشام ٤٨٧/١ - ٤٨٨. والروض الأنف للسهيلي ٧/٢ - ٨ وتهذيب تاريخ ابن عساكر ٣٢٦/١، والاستيعاب؛ لابن عبد البر: ٧٩٦/٢ - ٧٩٧، وتاريخ الإسلام؛ للذهبي ٢٢٧/٢، والإصابة ؛ لابن حجر ٤٩٨/٤. وديوان حسان بن ثابت ٨٩/٢ . (٢) ((عَنَاقاً)): وهي أنثى الماعز التي لم تتم لها سنة. (٣) ((أُخْدَجت)): ولدت قبل أوانها. (٤) (( اعتقلها)) جلس منها جِلْسَة الحالب ، حيث يضع رجل الشاة التي من جهته في ثني ساقه وفخذه ، يمنعها بذلك من الهروب منه أثناء الحلب . (٥) ((بمِجَنُّ)): المِجَن: الترس. (٦) دلائل النبوة؛ للبيهقي ٤٩٧/٢، وقال الحافظ ابن كثير في ((البداية والنهاية )) ١٩٤/٣ : رواه أبو يعلى - ٣٠٨ - ذكر فوائد تتعلق بهذه الأخبار • العُثان : بضم العين المهملة والثاء المثلثة : شبه الدخان ، وهو مفسر في الخبر بذلك ، وجمعه عوائن . • الحِمَال : جمع أو مصدر ، أي هذا الحِمل أو المحمول من اللَّبنِ أفضل من حِمال خيبر ؛ التمر والزبيت المحمول منها ، قيل رواه المستملي بالجيم فيهما ، وله وجه ، والأول أظهر . • وأم معبد : عاتكة بنت خالد ، إحدى بني كعب من خزاعة ، وهي أخت حُبيش ابن خالد الذي روينا الخبر من طريقه وله صحبة ، وكان منزلها بقديد . • وأبو سَليط: أُسَيْة بن عمرو ، أنصاريّ من بني النجار ، شهد بدراً وما بعدها . ووقع في الأبيات التي رويناها في الخبر من طريقه . * فما حملتْ من ناقةٍ فوقَ رَحْلِها » البيت ، والذي يليه في ذلك الشعر ، وليس ذلك بمعروف ، والمعروف في هذا الشعر أنه لأبي أُناس الديلي رهط أبي الأسود ، صحابي ذكره أبو عمر ، وعمه سارية بن زنيم ، الذي قال له عمر بن الخطاب : يا ساريةُ الجبلَ . وكان أبو أناس شاعراً، وهو القائل لرسول الله به : تَعَلَّمْ رسولَ الله أَنَّكَ قادرٌ على كلِّ حَافٍ من تَهامِ ومُنجدٍ وهي طويلة منها : وما حملتْ من ناقةٍ فوقَ رَحْلِها أُبرَّ وأوفَى ذِمةً من محمّدٍ = الموصلي عن جعفر بن حُميد الكوفي ، عن عبد الله بن إياد بن لقيط به . كما رواه أبو داود الطيالسي في ((مسنده))، وذكرها ابن عبد البر في ترجمة النعمان بن قيس السكوني، أحد وفد عبد القيس. وانظر الاستيعاب ونور النبراس لوحة : ٢٥٧/١ . - ٣٠٩ - • وتضمن حديثُ أمّ معبد أشياء من صفة النبي عَّ الِ يأتي شرحُها في الشمائل إن شاء الله تعالى . • وكِفاء البيت: سُترة في البيت من أعلاه إلى أسفله من مؤخره ، وقيل : الكِفاء : الشقة التي تكون في مؤخر الخِباء ، وقيل : هو كِساء يُلقى على الخباء كالإِزار حتى يبلغَ الأرض ، وقد أکفی البيت . ذكره ابن سیده . - ٣١٠ - ذكر دخوله عليه الصلاة والسلام المدينة وكان أهل المدينة يتوكفون(١) قدوم رسول الله عَ ليه حين بلغهم توجهُه إليهم ، فكانوا يخرجون كل يوم لذلك أوَّلَ النهار ثم يرجعون ، حتى كان يومُ الاثنين لاثنتي عشرةَ ليلة خلت من شهر ربيع الأول ، خرجوا لذلك على عادتهم فرجعوا ولم يَقْدَمْ عليهم رسولُ الله عَ ◌ّله، ثم قدم من يومه ذلك حين اشتد الضُّحاء(٢)، فنزل بقباء على بني عمرو بن عوف على كلثوم بن هِدْم ، وكان يجلس للناس في بيت سعد بن خيثمة (٣). قال الواقدي : ونزل على كلثوم أيضاً جماعة من الصحابة ، منهم : أبو عبيدة بن الجراح ، والمقداد بن عمرو ، وخَبَّاب بن الأرت ، وسُهيل وصفوان ابنا بيضاء ، وعِياض ابن زهير ، وعبد الله بن مخرمة ، ووهب بن سعد بن أبي سرح ، ومعمر بن أبي سرح ، وعمرو بن أبي عمرو من بني مُحارب بن فهر ، وعُمير بن عوف مولى سُهيل بن عمرو . وكلُّ هؤلاء قد شهد بدراً، ثم لم يلبث كلثوم أن مات قبل بدر ، وكان رجلاً صالحاً غير مغموص عليه . انتهى كلام الواقدي . وقيل : نزل أبو بكر على تُبيب بن إساف ، وقيل : على خارجة بن زيد بن أبي زهير . وأقام علّ بمكة ثلاث ليال حتى أدى الودائعَ التي كانت عند النبي ◌َِّ للناس، ثم جاء فنزل على كلثوم ، فكان يقول: كان بقباء امرأة لا زوج لها مسلمة ، فرأيت إنساناً يأتيها من جوف الليل ، فيضرب عليها بابها ، فتخرج إليه فُعطيها شيئاً معه فتأخذه ، قال : فاستربت شأنه ، فقلت : يا أمة الله ، من هذا الرجل الذي يضرب عليك بابك كل ليلة فتخرجين إليه فيعطيك شيئاً لا أدري ما هو وأنت امرأة مسلمة لا زوج لك ؟ قالت : (١) ((يتوكفون)): من التوكف، وهو الانتظار والتوقع. (٢) ((الضحاء)): الضحى، يُمَدُّ ويُقصر. (٣) السيرة النبوية؛ لابن هشام ٤٩٣/١ - ٤٩٤. - ٣١١ - هذا سهل بن حُنَيف ، قد عرف أنَّي امرأة لا أحد لي ، فإذا أمسى عدا على أوثان قومه فكسرها ، ثم جاءني بها ، فقال احتطبي بهذا، فكان علِّي يَأْثِرُ ذلك من أمر سهل بن حُنيف(١) . وكان فيمن خرج لينظر إلى رسول الله عَّم قوم من اليهود فيهم عبد الله بن سلام. أخبرنا الشيخان أبو الفضل عبد الرحيم بن يوسف وأبو الهيجاء غازي بن أبي الفضل ، قالا : أخبرنا أبو حفص عمر بن محمد بن طبرزذ ، أخبرنا أبو القاسم بن الحصين ، أخبرنا أبو طالب بن غیلان ، أخبرنا أبو بكر الشافعي ، حدثنا معاذ ، حدثنا مسدد ، حدثنا يحيى ، عن عوف قال: حدثنا زرارة، قال: قال عبد الله بن سَلام: لما قدَم رسولُ اللهِعَه المدينةَ، قيل: قدمَ رسولُ الله عَ لَّهِ المدينةَ فانجفَلَ النَّاسُ إليه، فكنتُ فيمن انجفل، فلما : رأيتُ وجههِ عَ له عرفت أن وجهَه ليس بوجه كذاب، فأوَّلُ ما سمعته يقول: ((أفشوا السلامَ، وأطعموا الطعامَ، وصِلُوا الأرحامَ، وصَلُّوا بالليل والنَّاسُ نيام تدخلوا الجنةُ: بسلام ))(٢) . وأشرقت المدينة بقدومه علَّةٍ ، وسرى السرور إلى القلوب بحلوله بها . روينا من طريق ابن ماجه، حدثنا بشر بن هلال الصَّواف ، حدثنا جعفر بن سليمان ، : الضُّبعي ، حدثنا ثابت ، عن أنس بن مالك ، قال : لما كان اليوم الذي دخلَ فيه رسول . الله عَِّ المدينة أضاءَ منها كُلّ شي، فلما كان اليوم الذي مات فيه أظلم منها كل شيء ، وما نفضنا عن النبي عَّلِ الأيدي حتى أنكرنا قلوبنا (٣). (١) السيرة النبوية؛ لابن هشام ٤٩٤/١، وفي السيرة الشامية ؛ للصالحي ٣٧٩/٣ رواه ابن إسحاق ورزین ومعنى ((يَأْثِرُ)): ينقل ويحكي. (٢) رواه الترمذي في كتاب صفة القيامة ( باب رقم ٤٣) رقم /٢٤٨٧/، وابن ماجه في كتاب الأطعمة (باب إطعام الطعام) رقم /٣٢٥١/ وإسناده صحيح. ومعنى ((انجفل الناس إليه)): ذهبوا إليه مسرعين . (٣) رواه ابن ماجه في كتاب الجنائز (باب ذكر وفاته ودفنه عَ له) رقم / ١٦٣١/، ورواه الترمذي في كتاب المناقب ( باب رقم ٣) رقم /٣٦٢٢٪ وقال : هذا حديث حسن صحيح غريب . - ٣١٢ - وروى ابن أبي خيثمة (١)، عن أنس: شهدتُ يوم دخول النبي ◌َّلِ المدينةَ فلم أر يوماً أحسن منه ولا أضوأ . وروى البخاري من حديث البراء بن عازب ، قال : فما رأيت أهل المدينة فرحوا بشيء فرحَهم برسول الله عَ ◌ّه .. الحديث(٢). قال ابن إسحاق: وأقام رسولُ الله عَ لّله في بني عمرو بن عوف يوم الاثنين ويوم الثلاثاء ويوم الأربعاء ويوم الخميس، وأُسَّس مسجدَهم ، ثم أخرجه الله من بين أظهرهم يوم الجمعة . وبنو عمرو بن عوف يزعمون أنه مكث فيهم أكثر من ذلك (٣). وقد روينا عن أنس من طريق البخاري إقامته فيهم أربع عشرة ليلة (٤) . والمشهور عند أصحاب المغازي ما ذكره ابن إسحاق . فأدركتْ رسولَ الله عَ لَِّ الجمعةُ في بني سالم بن عوف ، فصلاها في المسجد الذي في بطن الوادي ، وادي رانوناء ، فكانت أوَّلَ جمعة صلَّاها بالمدينة ، فأتاه عِثْبان بن مالك وعباس بن عبادة بن نضلة في رجال من بني سالم بن عوف ، فقالوا : يا رسول الله ، أقم عندنا في العدد والعدة والمنعة. قال : خلُّوا سبيلها فإنها مأمورة - لناقته - فخلُّواْ سبيلَها فانطلقت حتى وازت دار بني بياضة ، تلقّاه زياد بن لبيد وفروة بن عمرو في رجال من بني بياضة ، فقالوا : يا رسول الله! هلم إلينا، إلى العَدد والعُدة والمنعة. فقال: خَلُّوا سبيلَها فإنها مأمورة فخَلّوْا سبيلَها فانطلقت ، حتى إذا مرت بدار بني ساعدة اعترضه سعدُ ابن عُبادة والمنذر بن عمرو في رجال من بني ساعدة ، فقالوا : يا رسول الله هلم إلينا : إلى العدد والعدة والمنعة. قال: خُلُّوا سبيلَها فإنها مأمورة . فخَلَّواْ سبيلَها فانطلقت ، حتى إذا وازت دارَ بني الحارث بن الخزرج ، اعترضه سعدُ بن الربيع وخارجةُ بن زيد وعبد الله (١) ابن أبي خيثمة: هو محمد بن أبي بكر بن أبي خيثمة زهير بن حرب ، أبو عبد الله النسائي ثم البغدادي ، حافظ كبير . نور النبراس لوحة ٢٦١/١ . (٢) رواه البخاري في كتاب مناقب الأنصار ( باب هجرة النبي عام ٣) رقم /٣٩٢٥/. (٣) السيرة النبوية؛ لابن هشام ٤٩٤/١ . . (٤) رواه البخاري في كتاب مناقب الأنصار (باب مقدم النبي عَ لله وأصحابه المدينة) رقم /٣٩٣٢/. - ٣١٣ - ابن رواحة في رجال من بني بَلْحارث بن الخزرج، فقالوا : يا رسول الله ! ھلم إلينا إلی العدد والعدة والمنعة . قال: خلُّوا سبيلَها فإنها مأمورة . فخلَّواْ سبيلَها حتى إذا مرت بدار عدي بن النجار - وهم أخوالُه دِئْيَاء أَمّ عبد المطلب، سلمى بنت عمرو إحدى نسائهم - اعترضه سَليط بن قيس وأبو سَليط أُسَيْرة بن أبي خارجة في رجال من بني عديّ بن النجار ، فقالوا : يا رسول الله! هلم إلى أخوالك، إلى العدد والعدة والمنعة، قال: خلُّوا سبيلَها فإنها مأمورة ، فَخلَّوْا سبيلَها فانطلقت ، حتى إذا أتت دار بني مالك بن النجار بركت على باب مسجده عليه وهو يومئذ مِربدّ لغلامين يتيمين من بني مالك بن النجار في حجر معاذ بن عفراء ، سهل وسُهيل ابني عمرو، فلما بركتْ ورسولُ الله عَ ليه لم ينزل و ثبت ، فسارت غير بعيد ورسولُ اللهِ عَ ◌ٍّ واضحّ لها زِمامها لا يَئنيها به، ثم التفتت خلفَها فرجعت إلى مَبْرَكها أوَّلَ مرة فبركت فيه ، ثم تحلحلت(١) وأرزمت(٢) ووضعت جرانها(٣)، ونزل عنها رسولُ الله عَ له، واحتملَ أبو أيوب خالد بن زيد رَحْلَه فوضعه في بيته ، ونزلَ عليه رسولُ الله عٍَّ(٤). (١) ((تَحَلْحَلَتْ)): تحركت في مبركها جيئة وذهاباً، ثم ثبتت في مكانها. (٢) ((أرزمَتْ)): صوتت. وفي السيرة النبوية ((وزمَّت)). (٣) ((جِرَانَها)): مقدم عنق البعير. . (٤) السيرة النبوية ؛ لابن هشام ٤٩٤/١ - ٤٩٦ . ((دنيا)) منونة وغير منونة، وبكسر الدال وضمها، القرابة الأقرب في العمومة والخؤولة .. - ٣١٤ - ذكر بناء المسجد وسأَلَ رسول الله عَ لَّلِ عن المِرْبد لمن هو ؟ فقال له معاذ بن عفراء: هو يا رسول الله لسَهل وسُهيل ابني عمرو ، وهما يتيمان لي وسأرضيهما منه فاتخذه مسجداً ، فأمرَ به رسولُ اللهِ عَِّ أن يُبنى، ونزل رسولُ الله عَ لِ على أبي أيوب حتى بُني مسجدُه ومساكنُه، فعملَ فيه رسولُ الله عَّهِ ليُرُغْبَ المسلمين في العمل فيه، فعمل فيه المهاجرون والأنصار ودأبوا فيه ، فقال قائل من المسلمين : . لذاكَ مِنَّا العملُ المُضَلَّلُ لئن قعدنا والنبيُّ يعملُ وأقامَ رسولُ الله ◌َّه بالمدينة إذا قدمها شهر ربيع الأول إلى صفر من السنة الداخلة ، يُبنى له فيها مسجدُه ومساكنُه(١). قال أبو عمر : وقد رُوي أن النبَّ عَُّلِ أبى أن يأخذَه إلا بثمن، فالله أعلم . فبنى رسولُ الله عَ لِ مسجدَه وجعلَ عضَادتيْه الحجارة ، وسَواريَه جذوع النخل ، وسقفَه جريدَها ، بعد أن نبشَ قبورَ المشركين وسوَّاها ، وسوَّى الخِرَب ، وقطعَ النخلَ ، وعمِل فيه المسلمون (حِسْبَةً(٢)). ومات أبو أمامة أَسعدُ بن زرارة حينئذ، فوجِدَ عليه رسولُ الله عَّهِ وَجْداً شديداً ، وكان قد كواه من ذبحةٍ نزلت به ، وكان نقيبَ بني النجار فلم يجعلْ عليهم رسولُ الله عَّله نقيباً(٣) بعدَه، وقال لهم: أنا نقيبُكم. فكانت من مفاخرهم. وذكر أحمد بن يحيى بن جابر البلاذُري، قال: فنزل رسولُ الله عَ لّهِ عند أبي أيوب، وأراده قوم من الخزرج على النزول عليهم ، فقال: ((المرءُ مع رحله)). فكان مُقَامُه في منزل أبي أيوب سبعة أشهر ، ونزل عليه تمامُ الصلاة بعد مقدمه بشهر ، ووهبت الأنصارُ لرسول (١) السيرة النبوية؛ لابن هشام ٤٩٦/١ - ٤٩٨ مع الاختصار والتصرف اليسير. (٢) زيادة من ((الدرر)). (٣) الدرر في المغازي والسير ؛ لابن عبد البر ص ٨٨ . - ٣١٥ - الله عَِّ كِلَّ فضل كان في خِطَطِهَا، وقالوا: يا نبي الله ! إن شئتَ فخذ منازلنا ، فقال لهم خيراً. قالوا : وكان أبو أمامة أسعدُ بن زرارة يُجَمِّع بمن يليه في مسجد له ، فكان رسولُ الله عَ لِ يُصلِّي فيه، ثم إنه سأل أسعد أن يبيعَه أرضاً متصلة بذلك المسجد كانت في يده ليتيمين في حِجْره يُقال لهما سَهْل وسُهيل ابنا رافع بن أبي عمرو بن عائذ بن ثعلبة (ابن غنم(١). كذا نسبهما البلاذري وهو يُخالف ما سبق عن ابن إسحاق وغيره ، والأول أشهر . قال: فعرض عليه أن يأخذها ويغرمَ عنه لليتيمين ثمنها، فأبى رسولُ اللهِ مَله ذلك وابتاعها منهما بعشرة دنانير أداها من مال أبي بكر . ثم إن رسول الله عَطله أمر باتخاذ اللَّبنِ فاتخذِ، ويُني به المسجد، ورُفع أساسه بالحجارة ، وسُقف بالجريد، وجُعلت عُمدُه جذوعاً، فلما استُخلف أبو بكر لم يُحدث فيه شيئاً، واستُخلف عمر فوسَّعه، فكلّم العباس بن عبد المطلب في بيع داره ليزيدَها. فيه ، فوهبها العباسُ لله وللمسلمين ، فزادها عمرُ في المسجد . ثم إن عثمان بناه في خلافته بالحجارة والقَصَّة (٢) وجعل عمده حجارة، وسقفه بالسَّاج (٣) وزاد فيه ونقل إليه الجصباءَ من العقيق . وكان أول من اتخذ فيه المقصورة مروان بن الحكم ، بناها بحجارة منقوشة ، ثم لم يُحْدَثْ فيه شيء إلى أن ولي الوليد بن عبد الملك بن مروان بعد أبيه ، فكتب إلى عمر بن عبد العزيز وهو عاملُه على المدينة يأمره بهدم المسجد وبتائه ، وبعث إليه بمال وفسيفساء ورخام ، وبثمانين صانعاً من الروم والقِبْط من أهل الشام ومصر ، فبناه وزاد فيه . وولي القيام بأمره والنفقة عليه صالح بن كيسان ، وذلك في سنة سبع وثمانين ، ويقال: في سنة ثمان وثمانین. ثم لم يُحْدِثْ فيه أحد من الخلفاء شيئاً حتى استُخلف المهدي . قال الواقدي : بعث (١) البلاذري : هو أحمد بن يحيى بن جابر، الحافظ الكبير، صاحب التاريخ المشهور، وهو من طبقة أبي. داود السجستاني . نور النبراس لوحة ٢٦٤/١. (٢) ((القَصَّة)): الجير المحروق. (٣) ((الساج)) : ضرب من الشجر - ٣١٦ - المهديّ عبد الملك بن شبيب الغساني ورجلاً من ولد عمر بن عبد العزيز إلى المدينة لبناء مسجدها والزيادة فيه ، وعليها يومئذ جعفرُ بن سليمان بن علّ ، فمكثا في عمله سنةٌ ، وزادا في مؤخره مائةَ ذراع ، فصار طولُه ثلاثمائة ذراع وعرضه مائتي ذراع . وقال علي ابن محمد المدائني : ولَّى المهديّ جعفر بن سليمان مكة والمدينة واليمامة ، فزاد في مسجد مكة ومسجد المدينة ، فتم بناء مسجد المدينة في سنة اثنتين وستين ومائة ، وكان المهدي أتى المدينة في سنة ستين قبل الهجرة فأمر بقلع المقصورة وتسويتها مع المسجد(١). # (١) انظر أخبار هذه الزيادات في وفاء الوفاء؛ للسمهودي ٣٨٠/١. - ٣١٧ - ذكر الموادعة بين المسلمين واليهود قال ابن إسحاق: وكتب رسولُ الله عَ ◌ّه كتاباً بين المهاجرين والأنصار، ووادعَ فيه يهودَ ، وعاهدهم وأقَّهم على دينهم وأموالهم ، وشرط لهم واشترط عليهم : بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتابٌ من محمد النبّ عَ له بين المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب. ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم ، إنهم أمة واحدة من دون الناس ، المهاجرون من قريش على رَبَعَتِهم(١) يتعاقلون بينهم، وهم يفدون عانيهم بالمعروف والقسط بين المؤمنين . وينو عوف على رَبَعَتِهم ، يتعاقلون معاقلهم الأولى ، وكل طائفة تقدي عانيَها بالمعروف والقسط بين المؤمنين ، وذكر كذلك في بني ساعدة ، وبني جُشَم ، وبني النجار ، وبني عمرو ابن عوف ، وبني النَبيت، وبني الأوس . وإن المؤمنين لا يتركون مُفْرَجاً(٢) بينهم أن يُعطوه بالمعروف في فداء أو عَقْل، ولا يُحالف مؤمن مولى مؤمن دونه ، وإن المؤمنين المتقين على من بغى منهم أو ابتغى دَسِيعةً(٣) ظلم أو إثم أو عدوان أو فساد بين المؤمنين ، وإن أيديهم عليه جميعاً ولو كان وَلَدَ أحدهم ، ولا يَقتل مؤمنٌ مؤمناً في كافر ، ولا يُنْصر كافرٌ على مؤمن، وإن ذمة الله واحدة ، يُجير عليهم أدناهم، وإن المؤمنين بعضُهم موالي بعض دون الناس ، وإنه من تبعنا من يهود فإن له النصر والأسوة غير مظلومین ولا متناصر عليهم ، وإن سِلْم المؤمنين واحدة، لا يُسالم مؤمن من دون مؤمن في قتال في سبيل الله إلا على سواء أو عدل بينهم، وإن كلَّ غازية(٤) غزتْ معنا يُعْقِبُ بعضُها بعضاً، وإن المؤمنين يُبِيءُ (٥) بعضُهم عن بعض بما نال دماءهم في سبيل الله ، وإن المؤمنين المتقين على أحسن هدى وأقومه ، وإنه لا يجير مشرك مالاً لقريش ولا نفساً ولا يحول دونه على مؤمن ، : (١) ((رَبَعَتِهم)): بفتح الراء والباء والعين؛ الحالة التي جاء الإِسلام وهم عليها، ويقال أيضاً رِبْعة ورَباعة. : (٢) (( مُفْرَحاً)): المثقل بالدين والكثير من العيال، ويروى: مُفْرَجاً. (٣) ((دسيعة ظلم)): المطلب على وجه الظلم، أو العطية على وجه الظلم، وأصلها ما يخرج من حلق البعير إذا رغا . (٤) ((غازية)): صفة لموصوف بجذوف ، أي طائفة غازية .. (٥) (( يُبِيءُ)): يدفع بعضُهم عن بعض ويكفُّ، فدماؤهم متساوية متكافئة لا يفضل أحدهم الآخر . - ٣١٨ - ۔۔ وإنه من اعتبط(١) مؤمناً قتلاً عن بينة فإنه قود به إلا أن يرضى ولي المقتول ، وإن المؤمنين عليه كافة ، ولا يحل لهم إلا قيام عليه ، وإنه لا يحل لمؤمن أقر بما في هذه الصحيفة وآمن بالله واليوم آخر أن ينصر مُحْدِثاً ولا يؤويه ، وإن من نصره أو آواه فإن عليه لعنةَ الله وغضبَه يوم القيامة، ولا يُؤخذ منه صرف (٢) ولا عدل، وإنكم مهما اختلفتم فيه من شيء فإن مردّه إلى الله وإلى محمد ، وإن اليهود يُثفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين ، وإن يهود بني عوفٍ أمة مع المؤمنين ، لليهود دينُهم وللمسلمين دينُهم ، مواليهم وأنفسهم إلا من ظَلَم أو أَثِم فإنه لا يُوتِغُ (٣) إلا نفسَه وأهل بيته . وذكر مثل ذلك ليهود بني النجار ، وبني الحارث ، وبني ساعدة ، وبني جُشم ، وبني الأوس ، وبني ثعلبة ، وبين الشَّطْبة ، وإن جفنة بطنٌ من ثعلبة ، وإن بطانة يهودَ كأنفسهم ، وإن البر دون الإثم ، وإن موالي ثعلبة كأنفسهم ، وإنه لا يخرج منهم أحد إلا بإذن محمد ، وإنه لا ينحجز عن ثأر جرح ، وإنه من فَتَكَ فبنفسه (٤) إلا من ظلم ، وإن الله على أيِ (٥) هذا، وإن على اليهود نفقتهم وعلى المسلمين نفقتهم ، وإن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة ، وإن بينهم النصح والنصيحة والبر دون الإثم ، وإنه لن يأثم امرؤ بحليفه ، وإن النصر للمظلوم ، وإن يثرب حرام جوفها لأهل هذه الصحيفة ، وإن الجار كالنفس غير مُضَّار ولا آثم ، وإنه لا تجار حرمة إلا بإذن أهلها ، وإنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يُخاف فسادُه فإن مردَّه إلى الله وإلى محمد عَ له، وإن الله على أتقى ما في هذه الصحيفة وأبره ، وإنه لاتُجار قريش ولا من نصر ها ، وإن بينهم النصر على من دهم يثربَ . وإذا دُعوا إلى صلح يُصالحونه ويلبسونه فإنهم يصالحونه ويلبسونه ، وإنهم إذا دَعوا إلى مثل ذلك فإنه لهم على المؤمنين ، إلا من حارب في الدين ، على كل أناس حصتهم من جانبهم الذي قِبَلُهم ، وإن بهودَ الأوس مواليهم وأنفسُهم على مثل ما لأهل هذه الصحيفة مع البر المحض من أهل هذه (١) (( اعتبطَ مُؤْمناً)): قتله من غير جناية ولا جريرة توجب قتله . (٢) ((صَرفّ ولا عدلٌ)): توبة ولا فدية، وقيل : نافلة ولا فريضة. (٣) ((لا يُوتغ)): لا يهلك. (٤) كذا في جميع النسخ، وفي السيرة النبوية ٥٠٣/١، والأموال؛ لأبي عُبيد ٧/١: ومَنْ فتكَ فبنفسه فتك. و((فتكَ)): أخذّ على غِرة . (٥) ((على أبر هذا »: على الرضا به. - ٣١٩ - الصحيفة ، وإن البر دون الإثم ، ولا يكتسبُ كاسب إلا على نفسه ، وإن الله على أصدق ما في هذه الصحيفة وأبره ، وإنه لا يحول هذا الكتاب دون ظالم ولا آثم ، وإن من خرج آمن، ومن قعد آمن بالمدينة، إلا من ظلم أو أثم. وإن الله جارٌ لمن بَّ واتقى، ومحمد رسول الله ﴾(١). هكذا ذكره ابن إسحاق ، وقد ذكره ابن أبي خيثمة ، فأسنده : حدثنا أحمد بن جناب أبو الوليد، حدثنا عيسى بن يونس، حدثنا كثير بن عبد الله بن عمرو المزني ، عن أبيه ، - -. عن جده؛ أن رسول الله عَ لله كتب كتاباً بين المهاجرين والأنصار ، فذكره بنجوه . شرح ما فيه من الغريب • الرّبعةَ: الحالة التي جاء الإسلام وهم عليها ، من كتاب المزني . قال الخشني: رَبْعة وربَعَة ، وكذلك رِباعَةٍ وَرَباعة . • والمُفْرح: رواه ابنُّ جريح مُفْرَجاً . قال أبو عبيدة ومعناهما واحد، وقال أبو عبيد : سمعت محمد بن الحسن يقول هذا يروى بالجاء وبالجيم ، قال أبو العباس ثعلب : . المُفْرَح المثقل من الديون ، وبالجيم الذي لا عشيرة له . وقال أبو عبيدة : المُفْرج بالجيم أن يُسلم الرجلُ فلا يُوالي أحداً بقول ، فتكون جنايته على بيت المال ، لأنه لا عاقلة له ، فهو مُفْرَج . وقال بعضهم: هو الذي لا ديوان له . وقال أبو عبيد القاسم بن سَلَّام عن محمد بن الحسن : هو القتيل يُوجد بأرض فلاة لا یکون عند قریة فإنه يُودی من بیت المال ولا يُظَلُّ دمه . : • وقوله : وإن المؤمنين يُبيء بعضهم عن بعض: يعني أن دماءهم متكافئة ، يقال : ما فلان بُيُواءٍ لفلان، أي بكفؤ له . ويقال: باءَ الرجل بصاحبه يبوء بَوَاءٌ ؛ إذا قُتل به كفؤاً، ولم يفسره ابن قتيبة ، ومعناه : يقتل بعضُهم قاتل بعض ، يُقال أبأت لفلان قاتلَه : أي قتلته . ويوتغ : يفسد ، قاله ابن هشام . نقلت هذه الفوائد من خط جدي رحمه الله من حواشي كتابه الذي تقدم ذكره . (١) السيرة النبوية؛ لابن هشام ٥٠١/١ - ٥٠٤، وسند ابن أبي خيثمة فيه راو واه ، وهو كثير بن عبد الله بن عمرو المزني. انظر ميزان الاعتدال ٤٠٦/٣ - ٤٠٨ ونور النبراس لوحة ٢٧٢/١. - ٣٢٠ -