Indexed OCR Text
Pages 201-220
[ لقمان: ٢٧ ] أي: إن التوراة في هذا من علم الله قليل(١). قال: وأنزل الله فيما سأله قومه لأنفسهم من تسيير الجبال وتقطيع الأرض وبعث من مضى من آبائهم من الموتى ﴿ولو أنَّ قرآناً سُيِّتْ به الجبالُ أو قُطْعَتْ به الأرضُ أو كُلّمَ به الموتى بل لله الأمرُ جميعاً﴾ [ الرعد: ٣١ ] أي لا أصنع من ذلك الأمر إلا ما شئت(٢). وأنزل الله عليه فيما سألوه أن يأخذ لنفسه ﴿وقالُوا ما لهذا الرسولِ يأكلُ الطعامَ ويمشي في الأسواق لولا أُنزل إليه مَلَكّ فيكونَ معه نذيراً. أو يُلقى إليه كنز ﴾ إلى ﴿ وكانَ رِبُّك بصيراً﴾(٣) [الفرقان: ٧ - ٢٠ ]. وأنزل الله فيما قال عبد الله بن أبي أمية ﴿وقالوا لن نُؤْمِنَ لك حتى تَفْجُرَ لنا من الأرض يَنْبُوعَاً. أو تكونَ لك جنةٌ من نخيل وعِنَب﴾ إلى قوله ﴿قُلْ سبحانَ ربِّي هل كنتُ إلا بشراً رسولاً﴾(٤) [الإسراء: ٩٠ - ٩٣ ]. وأنزل عليه في قولهم إنما يُعلمك رجل باليمامة يُقال له: الرحمن: ﴿ كذلكَ أرسلناكَ في أمة قد خلت من قبلها أممّ لتتلوَ عليهم الذي أوحينا إليكَ وهم يَكفرون بالرحمُن﴾(٥) [ الرعد : ٣٠ ] . وأُنزل عليه فيما قال أبو جهل ، وما همَّ به ﴿أرأيتَ الذي ينَهى. عبداً إذا صلَّى ﴾ [ العلق: ٩ - ١٠] حتى آخر السورة(٦). وأُنزل عليه فيما عرضوا من أموالهم ﴿قُلْ ما سألتُكم من أجٍ فهو لكم إنْ أجري إلا على الله وهو على كلِّ شيءٍ شهيد﴾ [ سبأ: ٤٧]. فلما جاءهم رسولُ الله عَ اه بما عرفوا من الحق حال الحسدُ بينهم وبين اتّباعه . (١) السيرة النبوية؛ لابن هشام ٣٠٨/١. (٢) السيرة النبوية ؛ ٣٠٨/١ - ٣٠٩. (٣) السيرة النبوية؛ لابن هشام ٣٠٩/١. (٤) السيرة النبوية؛ لابن هشام ٣٠٩/١ . (٥) السيرة النبوية؛ لابن هشام ٣١١/١. (٦) السيرة النبوية؛ لابن هشام ٣١١/١. - ٢٠١ - فقال قائلهم : لا تسمعوا لهذا القرآن والغوافيه لعلكم تغلبون، أي: اجعلوه لغواً وباطلاً. واتخذوه هزواً لعلكم تغلبونه بذلك فإنكم إن ناظرتموه أو خاصمتموه غلبكم . فقال أبو جهل يوماً وهو يهزأ برسول الله عَ ليه وما جاء به من الحق يا معشر قريش يزعم محمد أن جنود الله الذين يعذبونكم في النار ويحبسونكم فيها تسعة عشر ، وأنتم الناس كثرة وعدداً ، أفيعجز كل مائة رجل منكم عن رجل منهم ؟ فأنزل الله عز وجل في ذلك من قوله ﴿ وما جعلنَا أصحابُ النَّارِ إلا ملائكة وما جعلنَا عِدَّتَهم إلا فتنةٌ للذين كفروا ﴾. [ المدثر: ٣١] إلى آخر القصة(١). فلما قال ذلك بعضهم لبعض جعلوا إذا جهر رسول الله عَِّ بالقرآن وهو يُصلي يتفرقون عنه ويأبُون أن يستمعوا له ، فكان الرجل منهم إذا أراد أن يستمع من رسول الله عَ له بعض ما يتلو من القرآن وهو يصلي استرق السمعَ دونهم فَرَقاً منهم ، فإن رأى أنهم قد عرفوا أنه يستمع منه ذهب خشية أذاهم فلم يستمع ، وإن خفضَ رسولُ اللهِ عَّه صوتَه فظنَّ الذي يستمعُ أنهم لا يسمعون شيئاً من قراءته. وسمع هو شيئاً دونهم أصاخ له يستمع منه ، وروي عن داود بن الحصين ، عن عكرمة عن ابن عباس إنما نزلت هذه الآية ﴿ولا تجهر بصلاتِك ولا تُخافتْ بها ﴾ [ الإسراء: ١١٠](٢) في ذلك(٣). قال أبو عمر: وكان المجاهرون بالظلم لرسول الله عَ له ولكل من آمن به :. من بني هاشم : عمَّه أبا لهب ، وابنَ عمه أبا سفيان بن الحارث . ومن بني عبد شمس : عتبةً وشيبةً ابني ربيعة ، وعقبة بن أبي معيط ، وأبا سفيان بن حرب ، وابنه حنظلة ، والحكم بن أبي العاص بن أمية ، ومعاوية بن المغيرة بن العاص بن أمية . ومن بني عبد الدار : النضر بن الحرث . ومن بني أسد بن عبد العزى : الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى ، وابنه (١) السيرة النبوية؛ لابن هشام ٣١١/١. (٢) في جميع النسخ : يعني في ذلك . (٣) السيرة النبوية؛ لابن هشام ٣١٣/١ - ٣١٤. - ٢٠٢ - زَمْعة ، وأبا البَخْتَري العاص بن هشام . ومن بني زهرة : الأسود بن عبد يغوث . ومن بني مخزوم : أبا جهل بن هشام ، وأخاه العاص بن هشام ، وعمِّهما الوليد بن المغيرة ، وابنه أبا قيس بن الوليد بن المغيرة ، وابن عمه قيس بن الفاكِه بن المغيرة ، وزهير ابن أبي أمية بن المغيرة أخا أم سلمة ، وأخاه عبد الله بن أبي أمية ، والأسود بن عبد الأسد أخا أبي سلمة ، وصيفي بن السائب . ومن بني سهم : العاص بن وائل ، وابنه عمراً ، وابن عمه الحارث بن قيس بن عدي ، ونُبِيهاً ومُنِّهاً ابني الحجاج . ومن بني جُمح : أميةَ وأَبّاً ابني خلف بن وهب بن حذافة بن جمح ، وأنيس بن معير أخا أبي محذورة ، والحارث بن الطّلاطلة الخزاعي ، وغدي بن الحمراء الثقفي . فهؤلاء كانوا أشد على المؤمنين مثابرة بالأذى ، ومعهم سائر قريش ، فمنهم من يعذبون - ممن لا منعة له ولا جوارَ - من قومه ، ومنهم من يُؤْذون . ولقي المسلمون من كفار قريش وحلفائهم من الأذى والعذاب والبلاء عظيماً ، ورزقهم الله من الصبر على ذلك عظيماً ، ليدخر لهم ذلك في الآخرة ، ويرفع به درجاتهم في الجنة . والإِسلام في كل ذلك يفشو ويظهر في الرجال والنساء . وأسلم الوليد بن الوليد ابن المغيرة ، وسلمة بن هشام أخو أبي جهل ، وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة ، وجماعة أراد الله هداهم . وأسرفَ بنو جُمح على بلال بالأذى والعذاب ، فاشتراه أبو بكر الصديق منهم واشترى أمَّه حمامة ، فأعتقهما ، وأعتق عامر بن فهيرة . وروي أن قحافة قال لابنه أبي بكر : یا بني أراك تعتق قوماً ضعفاء فلو أعتقت قوماً جلداء(١) يمنعوك ، فقال : يا أبت إني أريد ما أريد . فقيل: فيه نزلت ﴿وَسَيُجَنّبُهَا الأَنْقَى. الذي يُؤْتِي مالَه يَتَزَكَّى. وما لأحدٍ»﴾ [ الليل: ١٧ - ١٩ ] إلى آخر السورة(٢). (١) (( جُلَداء)): ومثلُها جُلُدٌ، جمع جليد، وهو القوي الشديد. (٢) الدرر في اختصار المغازي والسير ص ٤٤ - ٤٦ . - ٢٠٣ - وذكر الزهري أن أبا سفيان بن حرب وأبا جهل بن هشام والأخنس بن شُرَيْق خرجوا ليلةً ليستمعوا من رسول الله عَِّ وهو يُصلي من الليل في بيته، فأخذ كلُّ: رجل منهم مجلساً يستمعُ فيه ، وكلُّ لا يعلم بمكان صاحبه ، فباتوا يستمعون له حتى إذا طلع الفجر تفرقوا ، فجمعهم الطريق ، فتلاوموا وقال بعضهم لبعض : لا تعودوا ، فلو رآكم بعضُ سفهائكم لأوقعتم في نفسه شيئاً ، ثم انصرفوا ، حتى إذا كانت الليلة الثانية عاد كلُّ رجل منهم إلى مجلسه ، فباتوا يستمعون له ، حتى إذا طلع الفجرُ تفرقوا ، فجمعهم الطريق ، فقال بعضهم لبعض مثل ما قالوا أول مرة ، ثم انصرفوا ، حتى إذا كانت الليلة الثالثة أخذ كُلُّ رجل منهم مجلسَه فباتوا يستمعون له ، حتى إذا طلع الفجر تفرقوا ، فجمعهم الطريق ، فقال بعضهم لبعض : لا نبرجُ حتى نتعاهد أن لا نعود ، فتعاهدوا على ذلك ، ثم تفرقوا ، فلما أصبح الأخنسُ بن شريق أخذ عصاه ، ثم ذهب حتى أتى أبا سفيان في بيته ، فقال : أخبرني يا أبا حنظلة عن رأيك فيما سمعتَ من محمد . فقال: يا أبا ثعلبة : والله لقد سمعتُ أشياءَ أعرفها وأعرف ما يُراد بها ، وسمعتُ أشياءَ ما عرفت معناها ولا ما يُراد بها . قال الأخنس : وأنا والذي حلفت به ، ثم خرج من عنده حتى أتى أبا جهل ، فدخل عليه بيته ، فقال : يا أبا الحكم ! ما رأيك فيما سمعتَ من محمد ؟! قال ماذا سمعت ؟ تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرفَ ، أطعموا فأطعمنا، وحملوا فحملنا ، وأعطوا فأعطينا ، حتى إذا تجاذينا(١) على الُّكَب ، وكنا كفرسي رِهان ، قالوا : منا نبي يأتيه الوحي من السماء ، فمتى ندرك هذه ! والله لا نؤمن به أبداً، ولا نصدقه ، فقام عنه الأخنس وتركه(٢) . وذكر ابن إسحاق حديث الإِراشي ( والإراشي هذا اسمه: كهلة الأصغر بن عصام بن كهلة الأكبر بن وهْب ، بن ذئبان بن سيلان ، بن مُودِّع بن عبد الله، وهو )(٣) الذي ابتاعَ منه أبو جهل الإِبل ومَّطَلَه بأثمانها، ودِلالة قريش إِيَّه على رسول الله عَ لّم لينصفه. من أبي جهل استهزاء؛ لما يعلمون من العداوة بينهما. قال: وخرج رسول الله عم لكم حتى (١) ((تَجاذَينا)): تجاثينا، والثلاثي منه: جذا يجذو، كجئا يجثو، والمعنى التساوي في القدر .. (٢) السيرة النبوية؛ لابن هشام ٣١٥/١ - ٣١٦. (٣) ما بين القوسين سقط من ((أ)) وأثبتناه من باقي النسخ. - ٢٠٤ - جاءه فضربَ عليه بابه ، فقال : من هذا ؟ فقال : محمد . فخرج إليه وما في وجهه من رائحة(١) ، قد انتقع لونه. فقال: أعطِ هذا حقّه . قال: نعم لا تبرحُ حتى أعطيَه الذي له ، فدفَعه إليه . فذكر له الإِراشي ذلك ، فقالوا لأبي جهل : ويلك ! ما رأينا مثل ما صنعتَ . قال : ويحكم ! والله ما هو إلا أن ضرب على بابي وسمعتُ صوته فمُلئت رُعباً ، ثم خرجتُ إليه وإن فوق رأسه لفحلاً من الإبل ما رأيتُ مثل هامته . ولا قَصَرَتِهِ ولا أنيابه الفحلٍ قط ، والله لو أبيتُ لأكلني(٢) . وذكر الواقدي عن يزيد بن رومان، قال بينا رسولُ الله عَ لَّه جالس في المسجد معه رجال من أصحابه ، أقبل رجل من بني زُبيد يقول : يا معشر قريش ! كيف تدخل عليكم المادة(٣) أو يجلب إليكم جلب، أو يَحُلّ تاجرٌ بساحتكم ، وأنتم تظلمون من دخل عليكم في حرمكم ؟ يقف على الحِلَقَ حَلْقَة حَلْقَة حتى انتهى إلى رسول الله عَ لَّه في أصحابه، فقال رسولُ الله عَّل: ومن ظلمك ؟ فذكر أنه قدم بثلاثة أجمال كانت خيرةَ إبله ، فسامه بها أبو جهل ثلثَ أَمانها ، ثم لم يسمْهُ بها لأجلِهِ سائمٌ . قال: فأكسدَ علّ سلعتي وظلمني . قال رسولُ الله عَ له: وأين أجمالُك؟ قال: هي هذه بالحَزْوَرَة (٤). فقام رسولُ الله عَ ◌ّه معه وقام أصحابهُ ، فنظر إلى الجمال فرأى الجمال فُرْهَاً (٥) ، فساوم الزُبيديّ حتى ألحقه برضاه، فأخذها رسولُ الله عَ لِ فباع جملين منها بالثمن، وأفضلَ بعيراً باعه وأعطى أراملَ بني عبد المطلب ثمنَه ، وأبو جهل جالسٌ في ناحية من السوق لا يتكلّم ، ثم أقبلَ إليه رسولُ الله عَ لَّلِ فقال: يا عمرو ! إياك أن تعود لمثل ما صنعت بهذا الأعرابي فترى مني ما تكره . فجعل يقول: لا أعودُ يا محمد، لا أعود يا محمد، فانصرف رسولُ الله عَ لّله، وأقبلَ عليه أمية بن خلف ومن حضر من القوم ، فقالوا : ذَلَلْتَ في يدي محمد ؛ فإما أن تكون تريدُ أن تتبعه ، وإما رعبّ دخلك منه. قال : لا أتبعه أبداً ، إن الذي رأيتم مني ؛ لما رأيتُ (١) ((من رائحة)): من بقية روح أو حياة. و((انتقع)) كامتقع مبنياً للمجهول، تغير لونه . (٢) السيرة النبوية؛ لابن هشام ٣٨٩/١ - ٣٩٠. (٣) (( المادة)»: كيف يدخل المدد ؛ أي التجارة مرة بعد أخرى . (٤) ((الحزورة)): قال في نور النبراس: وكانت سوقَ مكة، وقد دخلت في المسجد لمَّا زيد فيه. (٥) (( فُرْهَاً)): جمع فاره، وهو هنا: الجمل الفتي المكتمل الخلق . - ٢٠٥ - معه ، لقد رأيتُ رجالاً عن يمينه وشماله معهم رماح يُشرعونها إِلَّي، لو خالفته لكانت إياها ، أي لأتوا على نفسي . قال أبو عمر: وكان المستهزئون الذين قال الله فيهم: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهِزِئِينِ﴾ [ الحجر: ٩٥] عمَّه أبا لهب، وعقبة بن أبي معيط، والحكم بن أبي العاصي، والأسود. ابن المطلب بن أسد أبا زمعة ، والأسود بن عبد يغوث ، والعاص بن وائل ، والوليد بن المغيرة، والحارث بن الغَيْطَلة السهمي. فكان جبريلُ مع رسول الله عَل ◌ُله ، فمرَّ بهما من المستهزئين الوليدُ بن المغيرة، والأسود بن المطلب ، والأسود بن عبد يغوث ، والحارثُ: ابن الغَيْطَلة، والعاص بن وائل واحداً بعد واحد، فشكاهم رسولُ الله عَّه إلى جبريل، فقال : كفيتكهم . فهلكوا بضروب من البلاء والعمى قبل الهجرة . وفيما لقي بلالٌ وعمارٍ والمقداد وخَّاب وسعد بن أبي وقاص وغيرهم ممن لم تكن له منعة من قومه من البلاء والأذى(١) . ما يطول ذكره . قرأتُ على أبي النور إسماعيل بن نور بن قمر الهيتي بالصالحية ، أخبركم أبو نصر موسى. ابن الشيخ عبد القادر الجيلي قراءة عليه ، أخبرنا أبو القاسم سعيد بن أحمد بن البنا ، أخبرنا أبو نصر الزينبي ، أخبرنا أبو بكر محمد بن عمر بن علي بن خلف ، أخبرنا أبو بكر بن أبي داود ، حدثنا أبو موسى عيسى بن حماد زُغْبة ، عن الليث بن سعد ، عن هشام، عن أبيه ، أنه قال: مَّ ورقةُ بن نوفل على بلال وهو يُعذَّب ، يُلصق ظهرُه برمضاء البطحاء في الحرّ ، وهو يقول: أحد أحد . فقال: يا بلال صبراً، يا بلال صبراً، لم تعذبونه فوالذي نفسي بيده لئن قتلتموه لأتخذنه حناناً. يقول: لأُتمسحنَّ به(٢). ١ (١) الدرر في اختصار المغازي والسير ص ٤٧ . (٢) قال سبط ابن العجمي : وموت ورقة متقدم على إسلام بلال ، وقد مات في الفترة ، وفي الصحيح : (((ولم ينشب ورقة أن مات وفتر الوحي)) .. وسند ما في هذه السيرة جيد من ابن أبي داود .. وما فيه إلا الإرسال . والراوي عن ابن أبي داود، وهو أبو بكر محمد بن عمر بن على بن خلف .. قال الخطيب : ضعيف جداً . نور النبراس لوحة ١٩٨/١. - ٢٠٦ - ذكر انشقاق القمر قال الله تعالى: ﴿اقتربتِ الساعةُ وانشقَّ القمر﴾ [القمر: ١]. وروينا من طريق البخاري : حدثنا مُسدد ، حدثنا يحيى ، عن شعبة وسفيان ، عن الأعمش ، عن إبراهيم ، عن أبي مَعمر ، عن ابن مسعود ، قال: انشقَّ القمرُ على عهد رسول الله عَ ◌ّ فرقتين، فرقة فوق الجبل وفرقة دونه. فقال رسول الله عطية: ((اشهدوا))(١). وذکر القاضي عیاض رحمه الله ، قال : ورواه عنه مسروق ؛ أنه کان بمكة ، وزاد : فقال كفار قريش : سحركم ابن أبي كبشة . فقال رجلٌ منهم : إنَّ محمداً إن كان سحرَ القمر فإنه لا يبلغ من سحره أن يسحر الأرضَ كلَّها ، فاسألوا من يأتيكم من بلد آخر هل رأوا هذا ، فسألوا فأخبروهم أنهم رأوا مثل ذلك(٢). وحكى السمر قندي ، عن الضحاك نحوه ، وقال : فقال أبو جهل : هذا سحر فابعثوا إلى أهل الآفاق حتى تنظروا أرأوا ذلك أم لا ؟ فأخبر أهلُ الآفاق أنهم رأوه منشقاً . فقالوا يعني الكفار : هذا سحر مستمر(٣) . وروينا من طريق الترمذي ، حدثنا عبد بن حميد : أخبرنا عبدُ الرزاق ، عن معمر ، عن قتادة، عن أنس قال: سأل أهلُ مكة النبيّ معَ اللهِ آيَةً فانشقّ القمرُ بمكة مرتين، فنزلت (١) رواه البخاري في كتاب التفسير ( باب وانشق القمر ) رقم /٤٨٦٤/. (٢) رواه أبو داود الطيالسي في ((مسنده)) رقم /٢٤٤٧/ والذهبي في السيرة النبوية من «تاريخ الإسلام)) ص ٢١٠، بتحقيق د/عمر عبد السلام تدمري. وهو عند البيهقي في ((دلائل النبوة)) ٢٦٦/٢، ودلائل النبوة ؛ لأبي نعيم رقم / ٢١١/ ٢١٢/٥/. وقال الحافظ ابن حجر في الفتح ١٨٣/٨: أخرجه البخاري معلقاً ، ووصله أبو داود الطيالسي عن أبي عوانة . (٣) خبر السمر قندي ، وهو فقيه حنفي مشهور ، توفي سنة ٥٧٥ : عن الضحاك بن مزاحم البلخي المفسر ، عن عبد الله بن عباس . قال شعبة : ينكر أن يكون الضحاك لقي ابن عباس قط . فهو خبر ضعيف لما في إسناده من انقطاع. وانظر نور النبراس لوحة ١٩٩/١، وميزان الاعتدال ٣٢٥/٢. - ٢٠٧ - اقتربتِ السَّاعةُ وانشقَّ القمر﴾ إلى قوله ﴿سِخْرٌ مستمر﴾ [القمر: ١ - ٢]. يقول ذاهب(١) . قال الترمذي : حدثنا عیدُ بن حُمید ، حدثنا محمد بن کثیر ، حدثنا سليمان بن کثیر ، عن حصين ، عن محمد بن جُبير بن مطعم عن أبيه ، قال : انشق القمرُ على عهد النبي عَ ◌ّ حتى صار فرقتين على هذا الجبل وعلى هذا الجبل، فقالوا: سحرنا محمد . فقال بعضُهم : لئن كان سحرَنا ما يستطيع أن يسحرَ النَّاس كلَّهم(٢). وروي عن ابن عباس وابن عمر وحذيفة وعليّ رضي الله عنهم . (١) رواه الترمذي في التفسير (باب ومن سورة القمر) رقم /٣٢٨٢/، ورواه مسلم في صفة القيامة رقم /٢٨٠٢/ عن أنس رضي الله عنه . (٢) رواه الترمذي في التفسير ( باب ومن سورة القمر) رقم /٣٢٨٥/. وقال الترمذي: وقد روى بعضهم هذا الحديث عن حُصين عن جُبير بن محمد بن جُبير بن مُطعم عن أبيه عن جده جُبير بن مُطعم نحوه . - ٢٠٨ - ٠٠ ذكر الهجرة إلى أرض الحبشة وكانت الهجرة إلى أرض الحبشة مرتين ، فكان عدد المهاجرين في المرة الأولى اثني عشر رجلاً وأربع نسوة ، ثم رجعوا عندما بلغهم عن المشركين سجودُهم مع رسول الله عَّ عند قراءة سورة ( والنجم ) وسيأتي ذكر ذلك ، فلقوا من المشركين أشدَّ مما عهدوا ، فهاجروا ثانية ، وكانوا ثلاثة وثمانين رجلاً، إن كان فيهم عمار، ففيه خلاف (١) بين أهل النقل . وثماني عشرة امرأة، إحدى عشرة قرشيات وسبعاً غرباء ، وبعثت قريشٌ في شأنهم إلى النجاشي مرتين ، الأولى عند هجرتهم ، والثانية عُقيب وقعة بدر ، وكان عمرو بن العاص رسولاً في المرتين ، ومعه في إحداهما عمارة بن الوليد ، وفي الأخرى عبد الله بن أبي ربيعة المخزوميان . وروى عبد الرزاق ، عن معمر ، عن الزهري ، قال : فلما كثر المسلمون وظهر الإِيمان أقبل كفار قريش على من آمن من قبائلهم يُعذبونهم ويؤذونهم ليردوهم عن دينهم . قال : فبلغنا أن رسولَ الله عَِّ قال لمن آمن به: تفرّقوا في الأرض فإن الله تعالى سيجمعكم. قالوا : إلى أين نذهب ؟ قال : إلى ها هنا . وأشار بيده إلى أرض الحبشة ، فهاجر إليها ناسٌ ذوو عدد ، منهم من هاجر بأهله ، ومنهم من هاجر بنفسه ، حتى قدموا أرضَ الحبشة(٢). فكان أول من خرج عثمان بن عفان، معه امرأته رقيّة بنت رسول الله عَ لّهِ. وقد قيل إن أول من هاجر إلى أرض الحبشة حاطبُ بن عمرو بن عبد شمس بن عبد ودّ أُخو سُهيل بن عمرو . وقيل : هو سُليط بن عمرو . وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة هارباً عن أبيه بدينه ، ومعه امرأته سهلة بنت سُهيل مُسلمة مُراغمةٌ لأبيها ، فارّة عنه بدينها ، فولدت له بأرض الحبشة محمد بن أبي حُذيفة . ومُصعب بن عُمير . وعبد الرحمن بن (١) في السيرة النبوية؛ لابن هشام ٣٣٠/١: فكان جميع من لحق بأرض الحبشة وهاجر إليها من المسلمين، سوى أبنائهم الذين خرجوا بهم معهم صغاراً وولدوا بها ؛ ثلاثةً وثمانين رجلاً ، إن كان عمّار بن ياسر فيهم ، وهو يُشَكُّ فيه . (٢) رواه عبد الرزاق في المصنف في المغازي رقم /٩٧٤٣/ عن معمر ، عن الزهري في حديثه عن عروة . - ٢٠٩ - عوفٍ . وأبو سلمة بن عبد الأسد، ومعه امرأته أم سلمة بنت أبي أمية . وعثمان بن مظعون . وعامر بن ربيعة ؛ حليف آل الخطاب ، ومعه امرأته ليلى بنت أبي خيثمة بن غانم العدويّة . وأبو سَبْرة بن أبي رُهْم العامري، وامرأته أم كلثوم بنت سُهيل بن عمرو ، ولم يذكرها ابن إسحاق فهي خامسة لهنّ. وسُهيل بن بيضاء، وهو سُهيل بن وهب بن ربيعة الفهري . فخرجوا متسللين سراً حتى انتهوا إلى الشُّعَيْية ، منهم الراكب وعبد الله بن مسعود الهذلي . ومنهم الماشي ، فوقَقَ الله لهم سفينتين للتجار حملوهم فيهما بنصف دينار ، وكان مخرجهم في رجب من السنة الخامسة من النبوة ، فخرجت قريش في آثارهم حتى جاؤوا البحر من حيث ركبوا فلم يجدوا أحداً منهم . ثم خرج جعفر بن أبي طالب في المرة الثانية ومعه امرأته أسماء بنت عميس فولدت له هناك بنيه : محمداً وعبد الله وعَوْناً. وعمرو بنُ سعيد بن العاص بن أمية ، ومعه امرأته فاطمة بنت صفوان بن أمية بن مُحرّث الكِناني، وأخوه خالد بن سعيد ومعه امرأته أُمَينة بنت خلف بن أسعد بن عامر بن بياضة الخزاعية فولدت له هناك ابنه سُعَيْداً وابنته أم خالد : واسمها أمة . وعُبيد الله بن جحش ؛ ومعه امرأته أم حبيبة بنت أبي سفيان، فتنصَّر هناك ثم توفي على النصرانية، وتزوَّج رسولُ اللهِ عَ للِ أَمّ حبيبة كما سيأتي إن شاء الله تعالى. وأخوه عبدُ الله بن جحش . وقيس بن عبد الله حليفٌ لبني أمية بن أمية بن عبد شمس ؛ معه امرأته بركة بنت يسار مولاة أبي سفيان بن حرب . ومعيقيب بن أبي فاطمة الدوسي حليفٌ لبني العاص بن أمية . وعتبةُ بن غزوان بن جابر المازني حليفُ بني نوفل ، ويزيدُ ابن زمعة بن الأسود . وعمروُ بن أمية بن الحارث بن أسد . والأسود بن نوفل بن خويلد ابن أسد . وطُليب بنُ عمير بن وهب بن أبي كبير بن عبد قصيّ ، وسُويبط بن سعد بن حرملة - ويقال : حُريملة - بن مالك العبدري ، وجَهْم بن قيس بن عبد شرحبيل بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار العبدري ، معه امرأته أم حرملة بنت عبد الأسود بن ◌ُخُزَيْمة من خزاعة، وابناه عمرو بن جهم وخزيمة بن جَهْم(١) . وأبو الروم بن عُمير أخو (١) في جميع النسخ ((بنت))، والتصحيح من أسد الغابة ٣١١/١، وقول المؤلف - رحمه الله تعالى -: وابناه ، يقتضي هذا التصحيح . - ٢١٠ - مصعب بن عمير ، وفراس بنُ النَّضر بن الحارث بن كَلَدة ، وعامر بن أبي وقّاص أخو سعد . والمطلب بن أزهر بن عبد عوف ؛ معه امرأته رملة بنت أبي عوف بن صُبيرة السهمية ، ولدت له هناك عبد الله بن المطلب . وعبدُ الله بن مسعود الهذلي ؛ وأخوه ◌ُتبة ابنُ مسعود ، والمقداد بن الأسود ، تبناه الأسود بن عبد يغوث الزهري وهو حليف له فنسب إليه ، وهو المقداد بن عمرو بن ثعلبة البهراني . والحارث بن خالد بن صخر بن عامر بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة ، ومعه امرأته رَيْطة بنت الحارث التيمية ، فولدت له هناك : موسى وزينب وعائشة وفاطمة . وعمرو بن عثمان بن عمرو التيمي عمّ طلحة . وشمَّاس بنُ عثمان بن الشريد المخزومي، واسمه عثمان بن عثمان . وهبَّار بن سفيان بن عبد الأسد بن هلال المخزومي ؛ وأخوه عبد الله بن سفيان ، وهشام بنُ أبي حذيفة بن المغيرة ابن عبد الله بن عمر بن مخزوم. وعيَّاش بن أبي ربيعة بن المغيرة المخزومي. ومُعَنِّب بن عوف بن عامر الخزاعي ، وبعضُ الناس يقول : مُعْتِب ، حليف بني مخزوم . والسائب ابن عثمان بن مظعون، وعمَّه قدامة وعبد الله ابنا مظعون. وحاطب وحطّاب ابنا الحارث ابن معمر الجمحي ، ومع حاطب زوجه فاطمة بنت المُجلَّل العامري، وولدت له هناك محمداً والحارث ابني حاطب ، ومع حطاب زوجه فُكَيْهة بنت يسار . وسفيان بنُ معمر بن حبيب الجمحي ؛ ومعه ابناه جابر وجُنادة وأمّهما حسنة وأخوهما لأمهما شرحبيل بن حسنة ، وهو شرحبيل بن عبد الله بن المطاع الكِندي ، وقيل إنه من بني الغوث بن مر أخي تميم ابن مر ، وعثمان بن ربيعة بن أهبان بن وهب بن حذافة بن جمح . وخنيس بن حذافة بن قيس بن عدي السهمي ، وسهم بن عمرو بن هُصَيْص وأخواه عبد الله وقيس ابنا حُذافة . ورجل من بني تميم اسمه سعيد بن عمرو ، وكان أخا بشر بن الحارث بن قيس بن عدي لأمه . وهشام بن العاص أخو عمرو وعمير بن رئاب بن حذيفة السهمي . وأبو قيس بن الحارث بن قيس بن عدي السهمي وإخوته الحارث ومعمر وسُعَيد والسائب وبشر وأخ لهم من أمهم من تميم يقال له سعيد بن عمرو . ومَحْمِئة بن جَزْء الزُّبَيْدي حليف بني سهم . ومعمّر بن عبد الله بن نَضْلَة، ويقال ابن عبد الله بن نافع بن نضلة العدويّ . وعروة بنُ عبد العزى بن جُرْثان العدوي . وعن مصعب الزبيري عروة بن أبي أثاثة بن عبد العزى ، أو عمرو بن أبي أثاثة. وعديّ بنُ نضلة بن عبد العزى العدوي ، وابنه النعمان . ومالك بن - ٢١١ - ربيعة بن قيس العامري، وامرأته عمرة بنت أسعد بن وَقْدَان بن عبد شمس العامرية . وسعد ابن خولة من أهل اليمن حليف لبني عامر بن لؤي . وعبد الله بن مَخَرَمَة بن عبد العزى وعبد الله بن سهيل بن عمرو وعمَّاه سَلِيْط والسَّكران ابنا عمرو العامريون ؛ وامرأته سودة بنتُ زَمْعة ، وأبو عبيدة بن الجراح ، وعمرو بن أبي سَرْح بن ربيعة . وعياض بن زهير ابن أبي شدَّاد . وعثمان بن عبد غَنْم بن زهير بن أبي شداد . وسعد بن عبد قيس بن لقيط ابن عامر الفهريون . وعمَّار بن ياسر وفيه خلاف بين أهل السير . وقال بعض أهل السير: إن أبا موسى الأشعري كان فيمن هاجر إلى أرض الحبشة وليس كذلك ، ولكنه خرج في طائفة من قومه من أرضهم باليمن يُريد المدينة فركبوا البحر فرمتهم الريح إلى أرض الحبشة ، فأقام هناك حتى قدم مع جعفر بن أبي طالب . فلما نزل هؤلاء(١) بأرض الحبشة أمنوا على دينهم ، وأقاموا بخير دار عند خير جار ، وطلبتهم قریش عنده فکان ذلك سبب إسلامه . قرأتُ على الإِمام الزاهد أبي إسحاق إبراهيم بن علي الحنبلي بالصالحية ، أخبركم أبو الحسن علي بن النفيس بن بُورنداز، أخبرنا أبو القاسم محمود بن عبد الكريم ، أخبرنا أبو بكر ابن ماجه ، أخبرنا أبو جعفر، عن أبي جعفر أحمد بن محمد بن المرزبان ، عن محمد بن إبراهيم ابن يحيى بن الحكم الحَزَّوَري ، عن محمد بن سليمان لُوَين، حدثنا حُدَيج بن معاوية ،. عن أبي إسحاق ، عن عبد الله بن عُتبة ، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ، قال : بعثنا رسول الله عَ } إلى النجاشي ثمانين رجلاً ، منهم عبد الله بن مسعود ، وجعفر ، وعبد الله بن عرفطة ، وعثمان بن مظعون رضي الله عنهم ، وبعثت قريش عمرو بن العاص ، وعمارة بن الوليد بهدية ، فقدما على النجاشي ، فدخلا عليه وسجدا له ، وابتدراه فقعد واحد عن يمينه والآخر عن شماله ، فقالا : إن نفراً من بني عمنا نزلوا أرضك ، فرغبوا عنا وعن ملتنا ، قال : وأين هم ؟ قالوا : بأرضك ، فأرسل في طلبهم ، فقال جعفر رضي الله عنه : أنا خطيبكم اليوم ، فاتَّعوه ، فدخل فسلَّم ، فقالوا : مالك لا تسجدُ للملك ؟ قال : إنا لا نسجد إلا لله عز وجل. قالوا . ولم ذاك ؟ قال : إن الله تعالى أرسل فينا رسولاً (١) هؤلاء : يعنى المهاجرين إلى أرض الحبشة. - ٢١٢ - وأمرنا أن لا نسجدً إلا لله عز وجل ، وأمرنا بالصلاة والزكاة ، قال عمرو بن العاص : فإنهم يُخالفونك في ابن مريم وأمه . قال : فما تقولون في ابن مريم وأمه ؟ قال : نقول كما قال الله عز وجل : روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول التي لم يمسّها بشر ولم يفرضْها(١) ولد . قال : فرفع النجاشي عوداً من الأرض فقال : يا معشر الحبشة والقسيسين والرهبان ! ما تزيدون على ما يقولون ، أشهدُ أنه رسولُ الله ، وأنه الذي بَشَّر به عيسى في الإنجيل ، والله لولا ما أنا فيه من الملك لأتيته فأكون أنا الذي أحمل نعليه وأوضئه ، وقال : انزلوا حيث شئتم . وأمر بهدية الآخرين فُردَّتْ عليهما . قال : وتعجّل عبد الله بن مسعود فشهد بدراً . وقال : إنه لما انتهى إلى رسول الله عَ لل موتُه استغفر(٢) له. ولعمارةَ بن الوليد مع عمرو بن العاص في هذا الوجه خبرٌ مشهور ، ذكره أبو الفرج علي بن الحسين الأصبهاني وغيره . وقال عمرو يخاطب عمارة : ولم ينه قلباً غاوياً حيثُ يِمًّا إذا المرءُ لم يترك طعاماً يُّه قضى وَطَراً منه وغادرَ سُبَّة إذا ذُكرتْ أمثالُها تملأُ الفَمَا ولم يذكر ابنُ إسحاق(٣) مع عمرو إلا عبد الله بن أبي ربيعة في رواية زياد . وفي رواية ابن بُكير لعمارةَ بن الوليد ذکر . فأقام المهاجرون بأرض الحبشة عند النجاشي في أحسن جوار ، فلما سمعوا بمهاجر رسول الله عَّ إلى المدينة رجع منهم ثلاثة وثلاثون رجلاً ومن النساء ثماني نسوة ، فمات منهم رجلان بمكة وحبس بمكة سبعة نفر ، وشهد بدراً منهم أربعة وعشرون رجلاً ، فلما كان شهر ربيع الأول وقيل المحرم سنة سبع من هجرة رسول الله عَّه إلى المدينة، كتب رسولُ الله عَ له إلى النجاشي كتاباً يدعوه فيه إلى الإسلام ، وبعث به مع عمرو بن أمية (١) ((لم يَفْرِضْها)): لم يؤثر فيها ولم يضعف قواها . (٢) استغفر له : أي للنجاشي؛ لأنه كان قد أسلم . والحديث رواه أبو داود الطيالسي في (٥ مسنده )). تجريد الأغاني ١٠٢٥/٣ - ١٠٢٨. (٣) السيرة النبوية ؛ لابن هشام ٣٣٤/١ و٣٣٧. - ٢١٣ - الضَّمْري ، فلما قُرىء عليه الكتاب أسلم ، وقال : لو قدرت أن آتيه لأتيته ، و کتب إليه. رسولُ الله عَِّ أن يزوجه أمَّ حبيبة بنت أبي سفيان ففعل ، وأصدق عنه تسعمائة دينار ، وكان الذي تولى التزويج خالد بن سعيد بن العاص بن أمية، وكتب إليه رسولُ الله سيلت أن يبعثَ إليه من بقي عنده من أصحابه ويحملهم ، ففعل ، فجاؤوا حتى قدموا المدينة ، فيجدون رسولَ الله عَ له في خيبر، فشخصوا إليه فوجدوه قد فتح خيبرَ فكلّم رسول الله عَّ المسلمين أن يدخلوهم في سهمانهم(١) ففعلوا . وكان سببُ رجوع الأولين الاثني عشر رجلاً ومن ذُكر معهم من النساء فيما روي أن رسولَ الله عَ لِ قرأ يوماً على المشركين ﴿والنَّجمِ إذا هَوى﴾ حتى بلغ ﴿أَفرأيْتُمْ اللَّاتَ والعَُّى. ومناةَ الثالثةَ الأخرِى﴾ [النجم: ١ - ٢٠ ] ألقى الشيطانُ كلمتين على لسانه ((تلك الغرانيقُ العلى وإنَّ شفاعتهن لترجى)) فتكلَّم رسولُ الله عَ ليه بهما، ثم مضى فقرأ السورة كلَّها فسجدَ ، وسجدَ القوم جميعاً ، ورفع الوليد بن المغيرة تراباً إلى جبهته فسجدً عليه، وكان شيخاً كبيراً لا يقدرُ على السجود، ويُقال : إن أبا أُحيحةَ سعيدً ابن العاص أخذ تراباً فسجدً عليه ، ويُقال كلاهما فعل ذلك، فرضوا بما تكلّم به رسولُ الله عَّه وقالوا: قد عرفنا أن الله يُحِي وَيُميت ويخلق ويرزق، ولكن آلهتنا هذه تشفعُ لنا عنده، فأمَّا إذا جعلت لها نصيباً فنحن معك، فكبُرَ ذلك على رسول الله عَ ليه من قولهم ، حتى جلسَ في البيتُ ، فلما أمسى أتاه جبريلُ فعرضَ عليه السورةَ ، فقال جبريلُ: ما جئتُك بهاتين الكلمتين. فقال رسول الله عَّاء: قلتُ على الله ما لم يقلْ، فأوحى الله إليه ﴿وإن كَادُوا لِيَفْتِنُونَك عن الذي أوحينا إليكَ لتفتري علينا غيرَه وإذاً لاتَّخَذُوكَ خَليلاً ﴾ .. إلى قوله ﴿ ثم لا تجدُ لكَ عِلينا نَصِيراً﴾ [الإسراء: ٧٣ - ٧٥ ] قالوا: ففشت تلك السجدةُ في الناس ، حتى بلغت أرضَ الحبشة ، فقال القومُ عشائرنا أحبُّ إلينا ، فخرجوا. راجعين ، حتى إذا كانوا دون مكة بساعة من نهار لَّقُوا ركباً من كِنانة ، فسألوهم عن قریش . فقال الر کبُ : ذکر محمد آلهتهم بخیر فتابعه الملا ، ثم ارتدًّ عنها ، فعاد لشتم آهتهم ، وعادُوا له بالشر ، فتركناهم على ذلك . فائتمر القومُ في الرجوع إلى أرض الحبشة ، ثم: قالوا : قد بلغنا مكة فندخل فننظر ما فيه قريش ، ويُحدث عهداً من أراد بأهله ثم يرجع ، (١) ( سهمانهم ) : جمع سهم ، كظهر وظهران ، وبطن وبطنان. - ٢١٤ - فدخلوا مكة ، ولم يدخل أحدٌ منهم إلا بجوار، إلا ابن مسعود فإنه مكثَ يسيراً ، ثم رجع إلى أرض الحبشة . قال الواقدي(١): وكانوا خرجوا في رجب سنة خمس فأقاموا شعبان وشهر رمضان ، وكانت السجدة في شهر رمضان ، فقدموا في شوال سنة خمس . قال السهيليّ : ذكرَ هذا الخبر يعني خبر هذه السجدة موسى بن عقبة وابن إسحاق من غير طريق البَكَّاني، وأَهُ الأصول يدفعون هذا الحديث بالحجة، ومن صحَّحة قال فيه أقوالاً : منها أن الشيطان قال ذلك وأشاعه ، والرسولُ لم ينطق به ، وهذا جيد لولا أن في حديثهم أن جبريل قال محمد: ما أتيتُك بهذا. ومنها أن النبَّ عَ له قالها من قبل نفسه وعنى بها الملائكة أن شفاعتهم لتُرتجى، ومنها أن النبِّ عَّه قالها حاكياً عن الكفرة، وأنهم يقولون ذلك ، فقالها متعجباً من كفرهم. قال: والحديث على ما خَيَّلْتَ(٢) غير مقطوع بصحته(٣) . قلت : بلغني عن الحافظ عبد العظيم المنذري رحمه الله أنه كان يردُّ هذا الحديثَ من جهة الرواة بالكلية ، وكان شيخُنا الحافظ عبد المؤمن الدمياطي يُخالفه في ذلك . والذي عندي في هذا الخبر أنه جار مجرى ما يُذكر من أخبار هذا الباب من المغازي والسير . والذي ذهب إليه كثير من أهل العلم الترخص في الرقائق ، وما لا حُكِم فيه من أخبار المغازي ، وما يجري مجرى ذلك ، وأنه يُقبل فيها ما لا يُقبل في الحلال والحرام لعدم تعلّق الأحكام بها ، وأما هذا الخبر فينبغي بهذا الاعتبار أن يُردَّ ؛ لما يتعلق(٤) به ، إلا أن يثبت بسند لا مطعن فيه بوجه ، ولا سبيل إلى ذلك ، فيُرجع إلى تأويله . (١) طبقات ابن سعد ٢٠٦/١. (٢) ((ما تَخَيَّلْتَ)): أي على أتّ وجه تخيلته وحملته مما سبق. (٣) الروض الأنف ١٢٦/٢ . (٤) قال النووي - رحمه الله تعالى -: وأما ما توارثه الإخباريون والمفسرون أنه سبب ذلك - يعني سجود الجن والإنس مع رسول الله عَل ◌َله - ما جرى على لسان رسول الله عز له على آلهة المشركين في سورة النجم هو باطل لا يصح فيه شيء ، لا من جهة النقل ولا من جهة العقل ؛ لأن مدحَ آلهة غير الله تعالى كفر، ولا يصح نسبته إلى رسول الله عَ ليه ، ولا أن يقول الشيطان على لسانه، ولا يصح تسليط الشيطان على ذلك ، والله أعلم . وقال القاضي عياض في ((الشفاء)): فيكفيك أن هذا حديث لم يخرجه أحد من أهل الصحة ، ولا رواه - ٢١٥ - ذكر إسلام عمر بن الخطاب رضي الله عنه قرأتُ على عبد الرحيم بن يوسف المِزي ، أخبركم أبو حفص بن طبرزذ ، قال : أخبرنا أبو بكر بن عبد الباقي ، أخبرنا أبو علي الحسن بن غالب الحربي ، حدثنا أبو عبد الله محمد ابن أحمد المالكي القاضي ، حدثنا الحسين بن إسحاق ، حدثنا أبو علقمة عبدُ الله بن: عيسى الفَرْوي ، حدثنا عبدُ المالك بن الماجشون ، عن الزّنجّ بن خالد، عن هشام بن: عروة، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها، أن رسولَ الله عَ ◌ّله قال: ((اللهم أعزَّ الإِسلام بعمر بن الخطاب))(١). وقرأتُ على أبي الفداء إسماعيل بن عبد الرحمن بن عمرو الفراء بسفح قاسيون ، أخبركم أبو القاسم الحسين بن هبة الله بن محفوظ بن صَصْرَى التغلبي فأقَّر. به ، قال : أخبرنا الشيخان الشريف أبو طالب علي بن حيدرة بن جعفر الحسيني، وأبو القاسم الحسين بن الحسن بن محمد بن البُنّ الأسدي ، قالا : أخبرنا أبو القاسم علي بن محمد بن أبي العلاء ، أخبرنا أبو محمد عبد الرحمن بن عثمان بن أبي نصر التميمي ، أخبرنا أبو خيثمة بن سليمان ، حدثنا محمد بن عوف ، حدثنا سفيان الطائي ، قال : قرأت على إسحاق بن إبراهيم الحُنَيني ، قال : ذكره أسامة بن زيد ، عن أبيه ، عن جده أسلم ، قال: قال لنا عمر بن الخطاب : أتحبُّون أن أعلمكم كيف كان بدءُ إسلامي ؟ قلنا : نعم . قال: كنتُ من أشدِّ النَّاس على رسول الله عَ ليه، فبينا أنا في يوم حار شديد الحر بالهاجرة في بعض طرق مكة إذ لقيني رجلٌ من بعض قريش ، فقال لي أين تذهب يا ابن الخطاب ؟ أنت تزعم أنك هكذا، وقد دخلَ عليكَ هذا الأمرُ في بيتك! قال : قلت : وما ذاك ؟ قال: أختُك قد صبأتْ، قَال فرجعتُ مغضباً، وقد كان رسول الله عَ له يجمعُ الرجلَ. = ثقة بسند سليم متصل ، وإنما أولع فيه وبمثله المفسرون والمؤرخون ، المولعون بكل غريب ، المتلقفون من الصحف كل صحيح وسقيم . (١) رواه ابن ماجه في المقدمة (فضل عمر رضي الله عنه) رقم /١٠٥/ ولفظه: ((اللهم أعزَّ الإسلام بعمر ابن الخطاب خاصة))، وقال البوصيري في الزوائد: حديث عائشة ضعيف: فيه عبد الملك بن الماجشون ، ضعفه بعض ، وذكره ابن حبان في الثقات . وفيه مسلم بن خالد الزنجى ، قال البخاري : منكر الحديث وضعفه أبو حاتم والنسائي وغيرهم ، ووثقه ابن معين وابن حِبَّان . - ٢١٦ - والرجلين إذا أسلما عند الرجل به قوة ، فيكونان معه ويُصيبان من طعامه ، قال : وقد ضمَّ إلى زوج أختي رجلين ، قال : فجئتُ حتى قرعت الباب ، فقيل : من هذا ؟ قلت : ابنُ الخطاب . قال : وكان القوم جلوساً يقرؤون صحيفةً معهم ، قال: فلما سمعوا صوتي تبادروا واختفوا ، وتركوا أو نسوا الصحيفةَ من أيديهم ، قال: فقامت المرأةُ ففتحت لي . قال : فقلت لها : يا عدوة نفسها قد بلغني أنك قد صبأت . قال : فأرفعُ شيئاً في يدي فأضربُها به . قال : فسال الدم . قال : فلما رأتِ المرأةُ الدَمَ بكتْ ثم قالت : يا ابن الخطاب ! ما كنتَ فاعلاً فافعل، فقد أسلمتُ . قال : فدخلتُ وأنا مغضبٌ . قال : فجلستُ على السرير ، فنظرتُ ، فإذا بكتاب في ناحية البيت . فقلت : ما هذا الكتاب أعطنيه . فقالت : لا أعطيكه ، لستَ من أهله ، أنت لا تغتسل من الجنابة ولا تَطَّهرّ ، وهذا لا يمسُّه إلا المُطهرون. قال : فلم أزلْ بها حتى أعطتنيه ، فإذا فيه ﴿ بسم الله الرحمن الرحيم ﴾ قال: فلما مررتُ بالرحمن الرحيم ذُعرت ورميت بالصحيفة من يدي . قال : ثم رجعتْ إلَّ نفسي فإذا فيها ﴿ سبَّحَ لله ما في السَّمُواتِ والأرضِ وهو العزيز الحكيم﴾ [ الحديد: ١] قال: فكلما مررتُ بالاسم من أسماء الله عزَّ وجلَّ ذعرتُ ، ثم ترجع إلَّي نفسي حتى بلغت ﴿آمِنُوا بالله ورسوله وأنفقُوا مما جعلَكُم مُستخلفينَ فيه﴾ حتى بلغَ إلى قوله ﴿إِنْ كُنْتُم مُؤُمنين﴾ [ الحديد: ٧ - ٨] قال: فقلتُ أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسولُ الله ، فخرج القوم يتبادرون بالتكبير استبشاراً بما سمعوا مني ، وحمدوا الله عز وجل، ثم قالوا: يا ابنَ الخطاب أبشر، فإن رسولَ الله عَ ليه دعا يوم الاثنين، فقال : اللهم أعزَّ الإِسلام بأحد الرجلين ، إما بأبي جهل بن هشام ، وإما بعمر بن الخطاب ، وإنا نرجو أن تكون دعوةُ رسول الله عَ لّله لك فأبشر. قال : فلما أن عرفوا مني الصدقَ، قلت لهم: أخبروني بمكان رسول الله عَ لَّهِ. قالوا: هو في بيت في أسفل الصفا وصفوه . قال : فخرجت حتى قرعتُ البابَ . قيل: من هذا ؟ قلت : ابنُ الخطاب . قال : قد عرفوا شدتي على رسول الله عَ لِ ولم يعلموا إسلامي. قال: فما اجترأً أحدٌ منهم أن يفتحَ البابَ. قال: فقال رسولُ الله عَّه: افتحوا له فإن يُردِ الله به خيراً يَهدِه . قال: ففتحوا لي وأخذَ رجلان بعضديّ حتى دنوتُ من النبّ عَ ◌ّله. فقال: أرسلوه . قال: فأرسلوني ، فجلستُ بين يديه . قال: فأخذّ بمجمع قميصي فجبذني إليه . ثم قال: أسلمْ يا ابنَ - ٢١٧ - الخطاب، اللهم اهدِه . قال: قلت : أشهدُ أنْ لا إله إلا الله وأنَّكَ رسولُ الله. فكبّر المسلمون تكبيرةً سُمعت بطرق مكة . قال : وقد كان الرجلُ إذا أسلم استخفى ، ثم خرجتُ فكنتُ لا أشاءُ أن أرى رجلاً إذا أسلم ضُرب إلا رأيته ، قال : فلما رأيت ذلك قلت لا أحبُّ أن لا يُصيبني ما يُصيبُ المسلمين ، قال: فذهبت إلى خالي(١) وكان شريفاً. فيهم ، فقرعتُ البابَ عليه، فقال: من هذا؟ قلت : ابنُ الخطاب . قال : فخرج إلَّي فقلت له : أشعرتَ أني قد صباتُ . قال : نعم. فقلت : نعم ! قال: لا تفعل . قال : قلت : بلى قد فعلتُ . قال : لا تفعل . فأجاف البابَ(٢) دوني وتركني . قال قلت : ما هذا بشيء ؟ قال : فخرجتُ حتى جئتُ رجلاً مع عظماء قريش فقرعتُ عليه الباب .. قال : من هذا؟ قلت : عمر بن الخطاب . قال فخرج إلّي . فقلتُ له : أُشعرت أني قد صبأتُ . فقال: أو فعلتَ ؟ قلت : نعم. قال: فلا تفعل . قلت : قد فعلتُ . قال : لا تفعل . ثم قام فدخل فأجافَ البابَ دوني . قال : فلما رأيتُ ذلك انصرفتُّ . فقال لي رجل : تحبُّ أن يُعلم إسلامُك؟ قال : قلت : نعم . قال : فإذا جلسَ الناس في الحِجر واجتمعوا أتيتَ فلاناً - رجلاً لم يكن يكتم السرَّ - فاصغَ(٣) إليه، فقل له فيما بينك وبينه : إني قد صبأتُ. فإنه سوفَ يظهر عليك ذلك ويصيح ويعلنه . قال : فلما اجتمع الناس في الحِجر جئتُ إلى الرجل ، فدنوت منه فأصغيت إليه فيما بيني وبينه ، فقلت : أعلمتَ أني قد صبأتُ . قال: فقال: أصبأتَ ؟ قلت: نعم . قال : فرفع صوته بأعلاه ، فقال : ألا إن ابنَ الخطاب قُد صباً . قال: فما زال النَّاسُ يضربوني وأضربهم . قال: فقال خالي : ما هذا ؟ قال : فقيل : ابن الخطاب. قال: فقام علَّي في الحِجر فأشار بكمه ، فقال : ألا إني قد أجرتُ ابنَ أختي. قال: فانكشفَ الناس عني. قال: وكنت لا أشاء (١) إلى خالي: قال سبطُ ابن العجمي: لعله أراد بخاله أبا جهل، وهو الظاهر، ويحتمل أن يكون أخاه : الحارث بن هشام ، ويُحتمل أن يكون خالد بن هشام أخا أبي جهل .. ويُحتمل أن يكون واحداً من بني مخزوم؛ لأن أمّ عمر - حنتمة - من بني مخزوم .. نور النبراس لوحة ٢١٤/١. (٢) ((أجاف البابَ)): ردَّه. (٣) ((فاصْعَ إليه)): مل إليه بكلامك، وأسرَّ إليه بإسلامك. وفي سيرة ابن هشام ٣٤٨/١ أن هذا الرجل هو جميل بن مَعْمَر الجُمحي ، وكان أنقل قريش للحديث . - ٢١٨ - ۔۔ أن أرى أحداً من المسلمين يُضرب إلا رأيته، وأنا لا أُضرب. قال: فقلت : ما هذا بشيء حتى يصيبني مثل ما يصيبُ المسلمين . قال : فأمهلت حتى إذا جلس الناس في الحجر وصلت إلى خالي فقلت: اسمع . فقال: ما أسمع ؟ قال: قلت: جوارُك عليكَ ردِّ. قال : فقال : لا تفعل يا ابن أختي . قال : قلت : بلى هو ذاك . فقال : ما شئتَ . قال : فما زلتُ أَضربُ وأُضربُ حتى أعزّ الله الإِسلام(١). وروينا هذا الخبر من طريق ابن إسحاق(٢)، وفيه قال : وكان إسلام عمر فيما بلغني أن أخته فاطمة ، وكانت عند سعيد بن زيد ، كانت قد أسلمت وأسلم زوجها سعيد ، وهم مستخفون بإسلامهم من عمر ، وكان نُعيم النحام - رجل من قومه - قد أسلم ، وفيه: أن عمر خرج متوشحاً سيفه يقصد رسولَ الله عَ لَّه ومن معه ، وهم قريب من أربعين بين رجال ونساء ، وأن الذي قال له ما قال نُعيم ، وأن خباباً كان في بيت أخته يقرئهم القرآن ، وأن الذي كان في الصحيفة سورة ( طّه ) وأنَّ الذي أذن في دخوله على رسول الله عَّ حمزة بن عبد المطلب ، والرجل الذي صرَّحَ بإسلام عمر عندما قاله له جميل بن مَعْمَر الجمحي الذي يقال له ذو القلبين ، وفيه نزلت ﴿ ما جعلَ اللهُ لرجلٍ من قلبيْنِ فِي جَوْفه﴾ [الأحزاب: ٤ ] على أحد الأقوال وفيه يقول الشاعر: وكيف ثَوائي بالمدينة بعد ما قضى وطراً منها جميلُ بنُ مَعمر ؟ ورويناه من طريق ابن عائذ ، قال : أخبرني الوليد بن مسلم ، قال : حدثني عمر بن محمد ، قال : حدثني أبي محمدُ بن زيد بن عبد الله بن عمر فذكر القصة ، وفيها : فأتيته بصحيفة فيها ( طّه ) فقرأ فيها ما شاء الله. قال عمر: فلما بلغ ﴿ فلا يصدئَّك عنها مَنْ لا يُؤمن بها واتَبعَ هواهُ فَتْدَى﴾ [ طه: ١٦] قال: أشهدُ أن لا إله إلا الله وأن محمداً (١) ذكره الهيثمي في ((مجمع الزوائد» ٦٣/٩ - ٦٥ وقال: رواه البزار وفيه أسامة بن زيد بن أسلم، وهو ضعيف . وبهامشه : فيه من هو أضعف من أسامة ، وهو إسحاق بن إبراهيم الحنيثي ، وقد ذكر البزار أنه تفردّ به . وقال الصالحي : وقد روى قصة إسلام عمر : ابن إسحاق ، وابن سعد ، وأبو يعلى ، والحاكم ، عن أنس . واليزار ، والطبراني عن أسلمَ مولاه عنه ، وأبو نُعيم عن ابن عمر. السيرة الشامية ٤٩٣/٢. (٢) السيرة النبوية، لابن هشام ٣٤٢/١ - ٣٥٠. - ٢١٩ - عبده ورسوله . وفيها : قالوا يا رسول الله هذا عمر بن الخطاب يستفتح . فقال رسول الله عَلِ : ائذنوا له ، فإن يُردِ الله به خيراً يهده ، وإلا كفيتكموه بإذن الله. قال محمد يعني ابن عائذ - وهذا وَهَم، وإنما الذي قال: فإن يُرد الله به خيراً يهده وإلا کفیتكموه : حمزة . وفي الخبر عن ابن عائذ ، قال عمر : فحدثني أبي محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر أن أباه زيد بن عبد الله بن عمر حدثه ، عن عبيد الله بن عمر ، قال : فبينا هو خائف على نفسه إذ جاءَه العاص بن وائل عليه حلة وقميص مكفف بالحرير ، فقال : مالك يا ابنَ الخطاب . قال: زعم قومُك أنهم سيقتلونني إذا أسلمت . قال العاص : لا سبيل إليك ، فما عدا أن قالها العاص ، فأمنتُ عليه . قال عبد الله بن عمر فخرجَ عمر والعاص فإذا الوادي قد سالَ بالناس . فقال لهم : أين تُريدون ؟ قالوا : هذا الذي قد خالف دينَ قومه . قال : لا سبيل إليه فارجعوا فرجعوا(١) . وذكر محمد بن عبد الله بن سِنْجر الحافظ فيما رأيته عنه بإسناده إلى شَرَيَحْ بن عُبيد قال: قال عمر بن الخطاب: خرجت أتعرّضُ رِسولَ الله عَ لَّهِ قبل أن أُسلم ، فوجدته قد سبقني إلى المسجد ، فقمت خلفه ، فاستفتح سورة الحاقة ، فجعلتُ أتعجّب من تأليف القرآن ، فقلت هذا والله شاعر كما قالت قريش، فقرأ ﴿إِنَّه لقولُ رسول كريمٍ. وما هو يقول شاعرٍ قليلاً ما تُؤمنون﴾ [ الحاقة: ٤٠ - ٤١ ] قال: قلت: كاهن علم ما في نفسي ، فقرأ ﴿ولا بقول كاهن قليلاً ما تَذَكَرّون﴾ [الحاقة: ٤٢] إلى آخر السورة. قال : فوقع الإِسلامُ في قلبي كل موقع(٢). وقد ذُكر غير هذا في خبر إسلام عمر رضي الله عنه أيضاً ، فالله أعلم أي ذلك كان . أخبرنا الإمام أبو عبد الله محمد بن إبراهيم المقدسي ، وأبو العز عبد العزيز بن عبد المنعم (١) ذكر هذا الخبر محمد بن عائذ الدمشقي الكاتب، أبو أحمد، في سيرته . ويشهدُ لخبر جماية العاصي بن وائل السهمي لعمر بن الخطاب رضي الله عنه، ما رواه البخاري في ((صحيحه)) في كتاب مناقب الأنصار ( باب إسلام عمر بن الخطاب رضي الله عنه ) رقم /٣٨٦٤/. (٢) ذكر هذا الخبر عن ابن سنجر السهيلي في روضه ٩٩/٢، وقال سبط ابن العجمي : وأظن أن رواية شريح بن عُبيد عن عمر مرسلة .. نور النبراس لوحة ٢١٦/١ . - ٢٢٠ -