Indexed OCR Text
Pages 181-200
ابن أبي الأشعث ، عن إسماعيل بن إياس بن عفيف الكندي - وكان عفيفٌ أخا الأشعث ابن قيس لأمه ، وكان ابن عمه - عن أبيه ، عن جدہ عفيف الكندي ، قال : کان العباسُ بن عبد المطلب لي صديقاً ، وكان يختلف إلى اليمن يشتري العِطْر ويبيعه أيام الموسم ، فبينما أنا عند العباس بمنى فأتاه رجل مجتمع(١) ، فتوضأ فأسبغ الوضوء ، ثم قام يُصلي ، فخرجتِ امرأةٌ فتوضأت ثم قامت تصلي ، ثم خرج غلام قد راهق ، فتوضأ ثم قام إلى جنبه يصلي ، فقلت : ويحك يا عباس ما هذا الدين ! قال : هذا دين محمد بن عبد الله ابن أخي ، يزعم أن الله بعثه رسولاً ، وهذا ابن أخي علي بن أبي طالب قد تابعه على دينه ، وهذه امرأته خديجة قد تابعته على دينه . فقال عفيف بعد أن أسلم ورسخ في الإسلام : ياليتني كنتُ رابعاً (٢) . وذكر ابنُ إسحاق عن بعض أهل العلم أن رسولَ الله عَ لمه كان إذا حضرت الصلاة خرج إلى شعاب مكة ، وخرج معه علّ بن أبي طالب مستخفياً من أبي طالب ومن جميع أعمامه وسائر قومه ، فيُصلّيان الصلوات فيها ، فإذا أمسيا رجعا كذلك ، فمكثا ما شاء الله أن يمكنا، ثم إن أبا طالب عثر عليهما يوماً وهما يُصلّان، فقال لرسول الله عليه : يا ابن أخي ما هذا الدين الذي أراكَ تدينُ به ؟ قال : أي عم ، هذا دين الله ودين ملائكته ورسله، ودين أبينا إبراهيم - أو كما قال عَّم - بعثني الله به رسولاً إلى العباد ، وأنت أي عم أحقُّ من بذلتُ له النصيحة ودعوته إلى الهدى ، وأحقُّ من أجابني إليه وأعانني عليه - أو كما قال - فقال أبو طالب : أي ابن أخي، إني لا أستطيع أن أفارقَ دَيَن آبائي وما كانوا عليه، ولكن والله لا يُخلَصُ إليك بشيء تكرهه ما بقيت . وذكروا أنه قال لعلي: أي بنّي، ما هذا الدين الذي أنت عليه؟ فقال: يا أبت آمنتُ برسول الله عَ ليه = المغازي عن ابن إسحاق ، ضعفه ابن راهويه والنسائي وابن المديني وغيرهم ، وقال ابن معين : كتبنا عنه وليس به بأس . توفي سنة ١٩١ هـ . (١) ((مجتمع)): الرجل المجتمع: الذي بلغ أشدّه، ولا يُقال ذلك في النساء. (٢) الاستيعاب ١٦٣/٣ وقال أبو عمر: إن عفيف الكندي له صحبة، روى عنه ابناه يحيى وإياس أحاديث، منها نزوله على العباس في أول الإسلام حديث حسن جداً. كما أخرجه الحاكم في ((المستدرك)) ١٨٣/٣ وصححه ، وأقره الذهبي . - ١٨١ - وصدقت بما جاء به ، وصلَّيتُ معه لله واتبعته . فزعموا أنه قال له: أما إنه لم يدعُكَ إلا إلى خيرٍ فالزمْه(١). : قال ابن إسحاق : ثم أسلم زيد بن حارثة بن شراحيل بن كعب بن عبد العزى بن امرىء القيس بن عامر بن النعمان بن عامر بن عبد ودّ بن عوف بن كنانة بن بكر بن عوف بن ◌ُذْرة بن زید الله بن رُفیدة ین ثور بن كلب بن وبرة ، کذا عند ابن هشام الكلبي ، مولی رسول الله ، فكان أوّل ذَكَرٍ أسلم ، وصلَّى بعد علّ بن أبي طالب ، وكان زيد أصابه. سِباء في الجاهلية ، فاشتراه حكيم بن حزام لعمته خديجة بنت خويلد بأربعمائة درهم، ثم وهبته خديجة لرسول اللّه عَ له بعد ذلك، وتتبع أهلُه خبرَه حتى دُلّوا عليه، فأتوا في طلبه، فخيّره رسولُ الله عَ لَّه بين المُكْث عنده أو الرجوع مع أهله، فاختار رسولَ الله عَلَهُ، فأقام عنده وخبرُه بذلك مشهور(٢) . ثم أسلم أبو بكر بن أبي ◌ُحافة رضي الله عنه ، واسمه عتيق ، وقيل : عبد الله. وعتيق لقب لحسن وجهه وعِثْقه(٣)، وقيل: غير ذلك. واسم أبي قُحافة: عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي ، فلما أسلم أظهر إسلامَه ودعاً إلى الله وإلى رسوله ، وكان أبو بكر مَأَلفاً(٤) لقومه محبباً سهلاً، وكان أنسب قريش لقريش وأعلمهم بها ، وبما كان فيها من خير وشر، وكان تاجراً ذا خلق ومعروف ، فكان رجال قومه يأتونه ويألفونه (لغير واحد من الأمر: )(٥) لتجارته وحسن مجالسته وغير ذلك ، فجعل يدعو إلى الإِسلام من وثق به من قومه ممن يغشاه ويجلس إليه ، فأسلم بدعائه فيما بلغني : (١) السيرة النبوية؛ لابن هشام ٢٤٦/١ - ٢٤٧ . (٢) السيرة النبوية؛ لابن هشام ٢٤٧/١ - ٢٤٨. (٣) ((وعِثْقِهِ)): لنجاته من الموت، لأن أمه - فيما قيل - كان لا يعيش لها ولد . فنذرت إن عاش لها ولد ، أن تسميه عبد الكعبة، فلما عاش لها وشبَّ سمي عتيقاً، ولما أسلم سماه رسولُ الله عَ لَّ عبد الله. انظر الروض الأنف ٢٨٧/١ - ٢٨٨. (٤) ((مألفاً)): محلاً لألفتهم ومحبتهم، وفي ((الروض الأنف )) ٢٨٨/١ مُؤلفاً، وهي من الإيلاف. (٥) ما بين القوسين سقط من ((أ)) و(( ج)). - ١٨٢ - عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصيّ بن كلاب ابن مُرة . والزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي . وعبد الرحمن بن عوف بن عبد عوف بن عبد بن الحارث بن زهرة بن كلاب بن مرة . وسعد بن أبي وقاص واسم أبي وقّاص مالك بن وهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب . وطلحة بن عبيد بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة . فجاء بهم إلى رسول الله عَ لِه حين استجابوا له فأسلموا وصلوا، فكان رسول الله عَّه يقول فيما بلغني: (( ما دعوت أحداً إلى الإِسلام إلا كانت عنده فيه كبوة ونظر وتردد ، إلا ما كان من أبي بكر بن أبي قحافة ، ماعَكَمَ (١) عنه حين ذكرته له وما تردد فيه)). قال : فكان هؤلاء النفر الثمانية الذين سبقوا الناس بالإِسلام فصلّوا وصدّقوا رسولَ الله عَّهِ، وصدقوا ما جاءه من عند الله(٢). ثم أسلم : أبو عُبيدة عامر بن عبد الله بن الجرّاح بن هلال بن أهيب بن ضبة بن الحارث بن فهر . وأبو سلمة عبد الله بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم بن يقظة ابن مرة بن كعب بن لؤي . والأرقم بن أبي الأرقم عبد مناف بن أسد بن عبد الله بن عمر بن مخزوم . وعثمان بن مظعون بن حبيب بن وَهْب بن حُذافة بن جُمَح بن عمرو بن هُصيص ابن كعب بن لؤيّ وأخواه قُدامة وعبد الله . وعُبيدة بن الحارث بن المطلب بن عبد مناف بن قُصّ بن كِلاب . وسعيد بن زيد بن عمرو بن نُفيل بن عبد العزى بن رِياح بن عبد الله بن قُرَطْ بن (١) ((ماعَكُمْ)): ما تلَّث وما تأخر . (٢) السيرة النبوية؛ لابن هشام ٢٥٠/١ - ٢٥٢. - ١٨٣ - : رَزاح بن عديّ بن كعب بن لؤيّ، وعند ابن هشام تقديم عبد الله بن قُرط على رِياح . وامرأته فاطمة بنت الخطاب بن نفيل المذكور . وأسماء ابنة أبي بكر ، وعائشة أختها وهي صغيرة . كذا روينا عن ابن إسحاق في إسلام عائشة وليس بمستقيم ، فإن عائشة لعلها في هذا التاريخ لم تكن وُلدتْ(١). وخَّاب بن الأُرّت بن جندلة بن سعد بن خُزيمة بن كعب بن سعد بن زيد مَناة بن تميم الخُزاعي ولاءً ، الزهري حلفاً . وعُمير بن أبي وقّاص أخو سعد . وعبد الله بن مسعود بنّ غافل بن حبيب بن شَمْخ بن فأر بن مخزوم بن صاهلة بن كاهل بن الحرث بن تميم بن سعد بن هذيل بن مدركة . وعند ابن هشام فيه خلاف ما . ذكرناه ، حليف بني زهرة. ومسعود بن ربيعة القارىء بن عمرو بن سعد بن عبد العزى بن حمالة بن غالب ابن مُحلِّم بن عايدة بن سُبُيَع بن الهُون بن خُزيمة بن القَارة . وسَليط بن عمرو بن عبد شمس بن عبد ودّ بن نصر بن مالك بن حِسْل بن عامر ابن لؤي . وعيَّش بن أبي ربيعة بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم. وامرأته أسماء بنت سَلامة بن مُخَرِّبة بن جندل بن أبيْر بن تَهشل بن دارم الدارمية التميمية . وخُنَيْس بن حُذافة بن قيس بن عديّ بن سُعَيْد بن سَهم بن عمرو بن هُصَيْص بن كعب بن لؤي . وعامر بن ربيعة العنزي بإسكان النون ، وهو فيما ذكر ابن الكلبّ عامر بن ربيعة الأصغر بن حُجير بن سَلامان بن مالك بن ربيعة الأكبر بن رفيدة بن عبد الله ، وهو عنز ابن وائل بن قاسط بن هِنْب بن أُفصی بن دُغْمی بن جدیلة بن أسد بن ربيعة بن نزار ، ، حكاه الرشاطي (٢). قال : وذكر أبو عمر في نسبه اختلافاً كثيراً لا يتحصل منه شيء ، (١) في (( د)) : كذا روينا عن ابن إسحاق، وليس بمستقيم في إسلام عائشة، وقد ذكر هو في آخر الكتاب أنها وُلدت في السنة الخامسة من النبوة ، وهذا أقربُ إلى الصواب . (٢) الُّشّاطي: هو عبد الله بن على بن عبد الله بن علي بن أحمد، الحافظ النسَّابة، أبو محمد اللخمي، ألّفّ - ١٨٤ - وهو حليف آل الخطاب . وعبد الله بن جحش بن رِئاب بن یعمر بن صبرة بن مرة بن کبیر بن غنم بن دودان ابن أسد بن خزيمة ، وأخوه أبو أحمد(١) حليفا بني أمية. وجعفر بن أبي طالب . وامرأته أسماء بنت عُميس بن النعمان بن كعب بن مالك بن قحافة من خثعم ، كذا هو عند ابن إسحاق . وعند أبي عمر : أسماء بنت عميس بن معد ابن الحارث بن تيم بن كعب بن مالك بن قحافة بن عامر بن ربيعة بن عامر بن معاوية ابن زيد بن مالك بن نسر بن وهب الله بن شهران بن عفرس بن حلف بن أفتل ، وهو جماعة خثعم بن أنمار على اختلاف في أنمار . وقيل : أسماء بنت عميس بن مالك بن النعمان ابن كعب بن مالك بن قحافة بن عامر بن زيد بن نسر بن وهب الله . وحاطب بن الحارث بن مَعمر بن حبيب بن وهب بن حُذافة بن جُمح . وامرأته فاطمة بنت المُجلَّل بن عبد الله بن أبي قيس بن عبد ودّ بن نصر بن مالك بن حِسْل بن عامر بن لؤي ، وأخوه خَطَّاب وامرأته فُكيهة بنت يَسار . ومَعَمَر بن الحارث بن معمر بن حبيب بن وهب بن حذافة بن جُمح . والسائب بن عثمان بن مظعون . والمطلّب بن أزهر بن عبد عوف بن عبد بن الحارث بن زهرة . وامرأته رملة بنت أبي عوف بن صُبیرة بن سعید بن سعد بن سھم بن عمرو بن مُصیص بن کعب بن لؤي . والنَّخَّام نُعيم بن عبد الله بن أسيد بن عبد الله بن عوف بن عُبيد بن عَويج بن عديّ ابن كعب . وعامر بن فُهيرة مولى أبي بكر . وخالد بن سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس ، وامرأته أُميْنَة بنت خلف بن أسعد = كتابه الحافل المسمى ((اقتباس الأنوار والتماس الأزهار في أنساب رواة الآثار)) وكان ضابطاً محدثاً بليغاً متقناً .. توفي سنة ٥٤٢ هـ . نور النبراس لوحة ١٧٥/١. (١) أبو أحمد: هو عبد بن جحش، الشاعر ، أخوه عبد الله، وأخته أم المؤمنين زينب بنت جحش ، من قدماء السابقين إلى الإِسلام . الإصابة ٣/٥ - ٥ طبعة دار الكتب العلمية . - ١٨٥ - ابن عامر بن بياضة بن سُبيع بن خثعمة بن سعد بن مُليح بن عمرو بن خزاعة . وحاطب بن عمرو بن عبد شمس بن عبدودّ بن نصر بن مالك بن حِسْل بن عامر ابن لؤيّ . وأبو حذيفة مهشم بن عُتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف . وواقد بن عبد الله بن عبد مناف بن عَرين بن ثعلبة بن يَربوع بن حنظلة بن مالك ابن زيد مناة بن تميم حليف بني عديّ . وخالد وعامر وعاقل وإياس بنو البُکیر بن عبد ياليل بن ناشب بن غيرة ، من بني سعد بن ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة حلفاء بني عديّ . وعمار بن ياسر بن عامر بن مالك بن كنانة بن قيس بن الحصين بن الوديم بن ثعلبة ابن عوف بن حارثة بن عامر الأكبر بن يام بن عنس وهو زيد بن مالك بن أدد ، ومالك جماع مَنجِج حليف بني مخزوم . وصُهيب بن سنان بن مالك بن عبد عمرو بن عقيل بن عامر بن جندلة بن سعد بن خزيمة بن كعب بن سعد بن أبطم بن أوس مناة بن النمر بن قاسط كذا هو عند ابن الكلبي . وعند أبي عمر : سنان بن خالد بن عبد عمرو بن عقيل بن عامر بن جندلة بن سعد ابن خزيمة بن كعب بن سعد، قال : إلى هنا نسبه ابن إسحاق ، ونسبه الواقدي وخليفة وابن الكلبّ وغيرُهم فقالوا : صُهيب بن سنان بن خالد بن عبد عمرو بن طُفيل بن كعب ابن سعد ، ومنهم من يقول ؛ ابن سفيان بن جندلة بن مسلم بن أوس بن زيد مناة من النمر بن قاسط ، يُقال له الرومي ، وكان مولى لعبد الله بن جُدْعان(١). وذكر أبو عمر في السابقین(٢) ؛ أبا ذر جندب بن جنادة بن سفيان بن عبيد بن حرام بن غفار بن مُليل بن ضمرة بن بكر بن عبد مناة بن كنانة . (١) انظر ذكر السابقين إلى الإسلام في السيرة النبوية؛ لابن هشام ٢٥٢/١ - ٢٦٢. (٢) انظر خبر السابقين إلى الإيمان برسول الله عَ لَهٍ في ((الدُّرَر في اختصار المغازي والسِّيرَ))؛ لابن عبد البر ص ٣٩ - ٤١ . - ١٨٦ - وأبا نجيح السلمي عمرو بن عبسة بن منقل بن خالد بن حذيفة بن عمر بن خلف ابن مازن بن مالك بن ثعلبة بن بهثة بن سليم . ومازن بن مالك أمه بَجْلة بنت هناءة بن مالك بن فهم وإليها ينسب البَجْلي بسكون الجيم . ذكره كذلك الرّشَاطِي . وحُكي عن أبي عمر في نسبه غير ذلك وصحّح ما ذكرناه . وحكي عن أبي عمر في نسبه غاضرة بن عَتَّب ، وزعم أنه خطأ ، وأن الصواب في ذلك النسب ناضرة بن خفاف . قال أبو عمر : ولكنهما ، يعني أبا ذر وأبا نجيح رجعا إلى بلاد قومهما . وذكر فيهم عتبة بن مسعود أخا عبد الله بن مسعود . وكان سبب إسلام عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ما رويناه من طريق أبي علي بن الصواف بالسند المتقدم ، حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل ، ورويناه من طريق الطبراني في معجمه الصغير ، قال : حدثنا عمر بن عبد الرحمن السُّلمي ، قالا : حدثنا إبراهيم بن الحجاج السَّامي واللفظ للأول ، قال : حدثنا سلام أبو المنذر ، حدثنا عاصم بن بهدلة ، عن زر بن حُبيش ، عن عبد الله بن مسعود قال : كنت في غنم لآل عقبة بن أبي مُعيط ، فجاء رسولُ اللهِ عَ له ومعه أبو بكر بن أبي قحافة، فقال النبي عَّ ◌ُّه : هل عندك لبن؟ قلت : نعم ولكني مُؤتمن . قال : فهل عندك من شاة لم ينز عليها الفحل ؟ قلت : نعم فأتيته بشاة شَصُوص(١)، قال سلام: وهي التي ليس لها ضَرْع، فمسحَ النبيُّ عَل مكانَ الضَّرّع وما لها ضرع، فإذا ضَرْع حافل مملوء لبناً. قال: فأتيتُ النبَّ عَّ ◌ُله بصخرة منقعرةٍ فاحتلب النبّي عَ له، فسقى أبا بكر وسقاني، ثم شرب، ثم قال: للضرعِ اقلصْ فرجعَ كما كان. قال: فلما رأيتُ هذا من رسول الله عَ لِه قلتُ يا رسول الله علمني، فمسحَ رأسي وقال: بارك الله فيك فإنك غلام مُعَلّم. قالَ فأتيتُ النبِّعَّ ◌َله فيينا نحن عنده على حِراء إذ أنزلت عليه سورة المرسلات ، فأخذتُها وإنها الرطبة بفيه - وإنَّ فاه الرطب بها - فلا أدري بأي الآيتين ختم ﴿وإذا قِيلَ لهُمُ ارْكَعوا لا يُرْكعون﴾ [ المرسلات: ٤٨] أو ﴿فبأيّ حديثٍ بعدَه يُؤمنون﴾ [المرسلات: ٥٠ ]. (١) ((شَصُوص)): الشاة التي قلّ لبنها جداً، أو ذهب. - ١٨٧ - وأخذتُ من في رسول الله عَّمِ سبعينَ سورةً ، وأخذت بقية القرآن من أصحابه ، فبينا نحن نيام على حِراء - أو على الجبل - فما نبهنا إلا صوتُ النبّ عَلِ منعها منكم الذي منعكم منها . قال : قلت يا رسول الله وما ذاك ؟ قال : حية خرجت من ناحية الجبل(١). ذكرُ دعاءِ رسولِ اللهِ عَلُه قومَه وغيرهم إلى الإِسلام قال ابن إسحاق : ثم دخل الناسُ في الإِسلام أرسالاً من الرجال والنساء حتى فشا. ذكر الإِسلام بمكة، وتحدث الناسُ به، ثم إن الله عز وجل أمَرَ رسولَه عَ ل أن يصدعَ بما جاءه منه ، وأن يُنادي في الناس بأمره ويدعوَ إليه ، وكان مدة ما أخفى رسولُ الله عَّ الله أمرَه واستسَّر به إلى أن أمره الله تعالى بإظهاره ثلاث سنين فيما بلغني من مبعثه ، ثم قال الله تعالى له: ﴿فاصدعْ بما تُؤمر وأعرضْ عن المشركين﴾ [ الحجر : ٩٤ ] ثم قال: ﴿وأنذرْ عشيرتك الأقربين. واخفضْ جناحَك لمن اتَّبعكَ من المؤمنين﴾ [ الشعراء: ٢١٥ - ٢١٦]. ﴿وقل إني أنا النذيرُ المبين﴾ [ الحجر: ٨٩]. فلما بادى رسولُ الله عَ لِ قومَه بالإِسلام وصدعَ به كما أمره الله، لم يَبعدْ منه قومُه ولم يردّوا عليه حتى ذكر آلهتهم وعابَها ، فلما فعل ذلك أعظموه وناكروه وأجمعوا خلافه وعداوته. ێ إلا من عصم الله منهم بالإِسلام ، وهم قليل مستخفون ، وحدب(٢) على رسول الله عَ ◌ّلِ عمُّه أبو طالب ومنعه وقام دونه . ومضى رسولُ الله عَِّ مُظهراً له ، لا يردُّه عنه شيء، فلما رأت قريش أن رسولَ الله عَلٍ لا يُعتبهم من شيء أنكروه عليه من فراقهم وعيب آلهتهم ، ورأوا أن عمَّه أبا طالب قد حَدِب عليه وقام دونه ولم يُسلمه لهم ، مشى رجالٌ من أشرافهم إلى أبي طالب فقالوا : (١) رواه الطبراني في المعجم الصغير ١٨٦/١ - ١٨٧ إلى قوله: من أصحابه. وقال عقبة: لم يروه عن سلام إلا إبراهيم : ورواه الإمام أحمد في المسند ٤٩٢/١ مختصراً عن عفان ، عن حماد بن سلمة ، عن عاصم بن بَهْدلة، عن زِرِّ بن حُبَيْش ، عن ابن مسعود. وقال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله تحت رقم /٤٤١٢/: إسناده صحيح . (٢) ((وحَدِب)): عطف. ۔۔ - ١٨٨ - يا أبا طالب إن ابن أخيك قد سبُّ آلهتنا وعابَ ديننا وسفَّه أحلامنا وضلَّلَ آباءنا ، فإما أن تكفه عنا وإما أن تخلّي بيننا وبينه فإنك على مثل ما نحن عليه من خلافه ، فقال لهم أبو طالب قولاً رفيقاً، وردهم رداً جميلاً، فانصرفوا عنه، ومضى رسولُ الله عَ لآه على ما هو عليه يُظهر دينَ الله ويدعو إليه ، ثم شَرِي(١) الأمر بينه وبينهم ، حتى تباعد الرجال وتضاغنوا ، وأكثرت قريش ذكر رسول الله عَ له بينها، فتذامروا عليه(٢) وحضَّ بعضهُم بعضاً عليه . ثم إنهم مشوا إلى أبي طالب مرة أخرى ، فقالوا له : يا أبا طالب إن لك سناً وشرفاً ومنزلة فينا ، وإنا قد استنهيناك من ابن أخيك فلم تنهه عنا ، وإنا والله لا نصبر على هذا من شتم آبائنا وتسفيه أحلامنا وعيب آلهتنا حتى تكفه عنا أو ننازله وإياك في ذلك ، حتى بهلِكَ أحدُ الفريقين أو كما قال . ثم انصرفوا عنه فعظُم على أبي طالب فراق قومه وعداوتهم ولم يَطِبْ نفساً بإسلام رسول الله عَِّ ولا خذلانه. وذُكر أن أبا طالب لما قالت له قريش هذه المقالة بعث إلى رسول الله عَ له ، فقال له: يا ابن أخي إن قومك قد جاءوني فقالوا لي كذا وكذا - للذي قالوا له - فأبق علّ وعلى نفسك ولا تحمّلني من الأمر مالا أُطيق، فظنَّ رسولُ الله عَ لِ أنه قد بدا لعمه فيه بَدَاءٌ(٣)، وأنه خاذلُه ومسلمه ، وأنه قد ضعف عن نصرته والقيام معه ، فقال له : يا عم والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمرَ حتى يظهره الله أو أهلِكَ فيه ما تركته . ثم استعبرَ رسولُ الله عَ ◌ِّ فبكى، ثم قام فلما ولَّى ناداه أبو طالب فقال له : أقبل يا ابن أخي . فأقبل عليه ، فقال : اذهب يا ابن أخي فقل ما أحببتَ ، فوالله لا أسلمُك لشيء أبداً . ثم إن قريشاً حين عرفوا أن أبا طالب قد أبى خِذلان رسول الله عٍَّ وإسلامَه ، وإجماعَه(٤) لفراقهم في ذلك وعداوتهم ، مشوا إليه بعمارة بن الوليد بن المغيرة ، فقالوا (١) ((شَرِيَ)): كثر وتفاقم، من قولهم: شَرِي البرقُ: إذا كَثُر لمعانه. (٢) (( فَتَذامَروا عليه)): حثَّ بعضهم بعضاً على حربه وعداوته ومقاطعته . (٣) ((بَدَاءٌ)): نشأ له فيه رأي . (٤) ((وإجماعَه لفراقهم)): أي وعرفوا إجماعَه لفراقهم. - ١٨٩ - له : يا أبا طالب هذا عمارةُ بن الوليد أنهدُ(١) فتّ من قريش وأجملُه فخذه فلك عقله ونصره ، واتخذه ولداً ، وأُسلم إلينا ابن أخیك هذا الذي خالف دینك و دین آبائك ، وفرق جماعة قومك وسفه أحلامهم ، فنقتلّه فإنما هو رجل كرجل . قال : والله لبئس ما تسومونني ، أتعطوني ابنكم أغذوه لكم وأعطيكم ابني تقتلونه ، هذا والله مالا يكون أبداً . فقال المطعم بن عدي : والله يا أبا طالب لقد أنصفَك قومُك وجهِدوا على التخلص مما تكرهُه ، فما أراك تُريد أن تقبل منهم شيئاً . فقال له أبو طالب والله ما أنصفوني ولكنك قد أجمعتَ خذلاني ومظاهرة القومِ علَّ، فاصنع ما بدا لك، فحقِبَ(٢) الأمر، وتنابذَ القوم ، وبادى بعضُهم بعضاً . قال: ثم إن قريشاً تذامروا بينهم على من في القبائل منهم من أصحاب رسول الله عَ ليه الذين أسلموا معه ، فوثبت كلّ قبيلة على من فيهم من المسلمين يُعذبونهم ويفتنونهم عن دينهم ، ومنعَ الله تعالى منهم رسولَه بعمه أبي طالب ، وقد قام أبو طالب حين رأى قريشاً يصنعون ما يصنعون في بني هاشم وبني المطلب فدعاهم إلى ما هو عليه من منع رسول الله عَةٍ والقيام دونه ، فاجتمعوا إليه وأقاموا معه وأجابوه إلى ما دعاهم إليه ، إلا ما كان ! من أبي لهب(٣). روينا عن أبي بكر الشافعي ، حدثنا إسحاق بن الحسن بن ميمون الحربي ، حدثنا عبد الله بن رجاء ، حدثنا سعيد بن سَلمة بن أبي الحسام ، حدثنا محمد بن المنكدر ؛ أنه سمع ربيعة بنَ عَبَّاد أو عِباد الدؤلي يقول: رأيتُ رسولَ الله عَّهِ يطوفُ على الناس في منازلهم(٤) قبل أن يهاجرَ إلى المدينة، يقول: (( يا أيها الناسُ إن الله يأمركم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً)). قال: ووراءه رجل يقول: يا أيها الناس إن هذا يأمركم أن تتركوا دينَ آبائكم . فسألت من هذا الرجل ؟ فقيل : أبو لهب(٥) . (١) (( أنهدُ فتَى)): أقوى وأجلد (٢) ((فَحَقِبَ الأمرُ)): اشتد . (٣) السيرة النبوية ؛ لابن هشام ٢٦٢/١ - ٢٦٩ . (٤) ((في. منازلهم)): يعني في منازل القبائل في المواسم. (٥) رواه الحاكم في ((المستدرك)) ١٥/١ وصححه، وأقره الذهبي، وهو عند الإمام أحمد في ((المسند)) ٤٩٢/٣ ٠ - ١٩٠ - قال ابن إسحاق : ثم إن الوليد بن المغيرة اجتمع إليه نفر من قريش وكان ذا سن فيهم ، وقد حضر الموسمَ فقال لهم: يا معشر قريش إنه قد حضرَ هذا الموسم وإن وفود العرب ستقدم عليكم ، وقد سمعوا بأمر صاحبكم هذا فأجمِعوا فيه رأياً ولا تختلفوا فيكذب بعضكم بعضاً . قالوا : فأنتَ يا أبا عبد شمس فقل ، وأقم لنا رأياً نقول فيه . قال : بل أنتم فقولوا أسمع . قالوا : نقول كاهن . قال : والله ما هو بكاهن ، لقد رأينا الكهان فما هو بزمزمة الكاهن ولا بسجعه . قالوا فنقول : مجنون . قال والله ما هو بمجنون ، لقد رأينا الجنون وعرفناه فما هو بحَنِقه ولا تخالجه ولا وسوسته . قالوا : فنقول شاعر . قال : ما هو بشاعر ، لقد عرفنا الشعر كلَّه رَجَزَهَ وهَزَجه وقريضه ومقبوضَه ومبسوطه ، فما هو بالشعر . قالوا : فنقول : ساحر . قال : ما هو بساحر ، قد رأينا السُّحار وسحرهم، فما هو بنفثه ولا تُقَدِه . قالوا : فما تقول يا أبا عبد شمس ؟ قال : والله إن لقوله لحلاوة ، وإن أصله لعَذْق وإن فرعَه لجَنَاة ، وما أنتم بقائلين من هذا شيئاً إلا أعرف أنه باطل ، وإن أقرب القول فيه لأن تقولوا ساحر ، جاء بقول هو سحر يُفرِّق به بين المرء وأبيه وبین المرء وأخيه وبين المرء وزوجه وبين المرء وعشيرته . فتفرقوا عنه بذلك ، فجعلوا يجلسون بسبل الناس حين قدموا الموسم لا يمر بهم أحد إلا حذَّروه إياه ، وذكروا له أمرَه ، وصدرتٍ العربُ من ذلك الموسم بأمر رسول اللّه عَ له فانتشرَ ذكْرُه في بلاد العرب كلِّها(١). ، قوله : لعَذْق بفتح العين المهملة وسكون الذال إستعارة من النخلة التي ثبت أصلُها وهو العَذْق . ورواية ابن هشام : لغَدِق بغين معجمة وكسر الدال المهملة من الغَدَق ، وهو الماء الكثير . قال السهيلي: ورواية ابن إسحاق أفصح لأنها استعارة تامة تُشبِّه آخرَ الكلام بأوله . (١) السيرة النبوية؛ لابن هشام ٢٧٠/١ - ٢٧٢ - ١٩١ - ذكرُ مَا لَفِيَ رسولُ الله عز لته من أذی قومِه وصبرِه وما مَنَّ الله به من حمایته له أخبرنا الإمام أبو عبد الله محمد بن إبراهيم المقدسي ، وأبو محمد عبد العزيز بن عبد المنعم الحَرّاني قراءة عليهما وأنا حاضر ، فالأول قال : أخبرنا أبو اليُمْن الكِندي ، والثاني قال : أخبرنا أبو علي بن أبي القاسم البغدادي ، قالا : أخبرنا محمد بن عبد الباقي ، أخبرنا ابن حَسنُون ، أخبرنا أبو القاسم السَّاج هو موسى بن عيسى بن عبد الله ، حدثنا محمد ابن محمد بنُ سليمان ، حدثنا أبو طاهر أحمد بن عمر بن السّرّح ، حدثنا عبد الله بن وهب ، قال : أخبرني الليث بن سعد ، عن إسحاق بن عبد الله ، عن أبان بن صالح ، عن علّ بن عبد الله بن عباس ، عن أبيه ، عن العباس بن عبد المطلب قال : كنتُ يوماً في المسجد فأقبل أبو جهل فقال: إن الله علّي إن رأيتُ محمداً أن أطأَّ على عنقه، فخرجتُ إلى رسول الله عَ لَّلِ حتى دخلتُ عليه فأخبرته بقول أبي جهل، فخرج غضبانَ حتى دخلَ المسجدَ ، فعجلَ أن يدخلَ من الباب ، فاقتحم من الحائط . فقلت هذا يوم شر نبشته ، فدخل رسولُ اللّه ◌َ الَلِ فقرأ: ﴿ اقرأ باسمٍ ربِّك الذي خلق ﴾ [ العلق: ١ ] حتى بلغ شأن أبي جهل ﴿ كَلَّا إن الإِنسانَ لَيَطغى. أن رآهُ استغنى﴾ [العلق: ٦ - ٧] قال: فقال إنسانٌ لأبي جهل : يا أبا الحكم ؟ هذا محمد . فقال أبو جهل : ألا ترون ما أرى ؟ والله لقد سدَّ أفق السماء علَّ، فلما بلغ رسولُ اللهِ عَ ◌ّلِ آخر السورة سجد(١). قرأتُ على الإِمام الزاهد أبي إسحاق إبراهيم بن علي بن أحمد بسفح قاسيون ، أخبركم أبو البركات داود بن أحمد بن محمد البغدادي قراءة عليه وأنت تسمع ، فأقر به ، أخبرنا أبو الفضل محمد بن عمر بن يوسف ، أخبرنا أبو الغنائم عبد الصمد بن علي بن محمد بن (١) هذا الحديث ليس في الكتب الستة، كما ذكر في نور النبراس لوحة ١٨٤/١. وفي إسناده إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة المتوفى سنة ١٤٤ هـ، متروك، لا يُحتج بحديثه. تهذيب التهذيب ٢٤٠/١ - ٢٤١ . - ١٩٢ - المأمون ، أخبرنا الشيخ أبو الحسن علي بن عمر بن أحمد الدارقطني ، حدثنا أبو عبد الله الحسين بن محمد بن سعيد البزَّاز ، ومحمد بن هارون الحضرمي قالا : حدثنا محمد بن منصور الطوسي ، حدثنا أبو أحمد الزبيري ، حدثنا عبد السلام هو ابن حرب ، عن عطاء بن السائب ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال: لما نزل ﴿ تبت يدا أبي لهب﴾ جاءت امرأة أبي لهب إلى النبي عَّ له ومعه أبو بكر رضي الله عنه، فلما رآها قال: يا رسول الله إنها امرأة بَذِّية(١)، فلو قمتَ لا تؤذيك، قال: (( إنها لن تراني . فجاءت فقالت : يا أبا بكر صاحبك هجاني . قال : لا ، وما يقول الشعر . قالت : أنت عندي تُصَدَّقُ وانصرفت . قلت : يا رسول الله! لَمْ تركَ؟ قال: لا ، لم يزل مَلَكٌ يَسترني منها بجناحه ))(٢) . قرأتُ على أبي عبد الله محمد بن عثمان بن سلامة بدمشق ، أخبرك أبو القاسم الحسن ابن علي بن الحسين بن الحسن بن محمد بن البُنّ الأسدي قراءةً عليه وأنت تسمع ، فأقر به : أخبرنا جدي ، أخبرنا القاسم بن أبي العلاء ، أخبرنا أبو محمد بن أبي نصر ، أخبرنا خيثمة ، حدثنا هلال يعني ابن العلاء الرّقي ، حدثنا سعيد بن عبد الملك ، حدثنا محمد ابن سلمة ، عن أبي عبد الرحيم ، عن زيد هو ابن أبي أُنيسة ، عن أبي إسحاق ، عن عمرو ابن ميمون الأُؤْدي، حدثنا عبد الله بن مسعود، قال: كنا مع رسول الله عَ لّه في المسجد الحرام، ورُفقة من المشركين من قريش، ونبي الله عَ ◌ّهِ يُصلي وقد نُحر قبلَ ذلك جزور ، وقد بقي فرثه (٣) وقذره ، فقال أبو جهل : ألا رجلٌ يقوم إلى هذا القذر يُلقيه على محمد . ونبي الله عَّ ساجد، إذ انبعث أشقاها، فقام فألقاها عليه . قال عبد الله: فهبنا أن نلقيّه عنه، حتى جاءت فاطمة رضي الله عنها فألقته عنه ، فقام فسمعته يقول ، وهو قائم يُصلّي: ((اللهم اشدد وطأتك على مضر، سنين كسني يوسف ، عليك بأبي الحكم بن هشام - وهو أبو جهل - وعتبة بن ربيعة ، وشيبة بن ربيعة ، والوليد بن عتبة ، وعقبة (١) ((بذية)): من البذاء، وهو الفحش في القول. (٢) ذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد ٥ ١٤٤/٧ وقال: رواه أبو يعلى والبزار بنحوه ، وقال البزار : إنه حسن الإِسناد . قلت : ولكن فيه عطاء بن السائب وقد اختلط . (٣) (( فرثه)): الفرث: ما في الكرش من طعام متحول ؛ كما هو مشاهد في كروش الذبائح . - ١٩٣ - ابن أبي معيط ، وأمية بن خلف ورجل آخر . ثم قال: رأيتهم من العام المقبل صرعى بالطوّي طوي بدر، صرعى بالقَلِيب))(١). وأخبرنا ابن الواسطي(٢) فيما قرأت عليه، أخبرنا ابن ملاعب أخبرنا الأرموي ، أخبرنا ابن المأمون ، أخبرنا الدارقطني ، حدثنا أبو بكر محمد بن أحمد بن صالح الأزدي ، حدثنا الزبير بن بكار ، حدثني أبو يحيى هارون بن بكر بن عبد الله الزهري ، عن عبد الله بن سلمة ، عن عبد الله بن عروة بن الزبير ، عن أبيه عروة بن الزبير ، قال : حدثني عمرو بن عثمان بن عفان ، عن أبيه عثمان بن عفان ، قال : أكثر ما نالت قريش من رسول الله عَّ الله أني رأيته يوماً - قال عمرو: فرأيت عيني عثمان بن عفان زرفتا من تذكر ذلك :- قال عثمان بن عفان : كان رسول الله ټپلہے يطوف بالبيت ويدُه في يد أبي بكر، وفي الحِجْر ثلاثة نفر جلوس : عقبة بن أبي معيط ، وأبو جهل بن هشام ، وأمية بن خلف ، فمر رسولُ الله عَ ل فلما حاذاهم أسمعوه بعض ما يكره ، فعُرِف ذلك في وجه النبي ێٍ ، فدنوت منه حتى وَسَطْتُه ؛ فكان بيني وبين أبي بكر ، وأدخل أصابعه في أصابعي حتى طفنا جميعاً ، فلما حاذاهم قال أبو جهل : والله لا نصالُحك ما بلّ بحّ صوفة ، وأنت تنهى أن نعبد ما كان يعبد آباؤنا. فقال رسول الله عَ لِّ: أنا ذلك. ثم مضى عنهم، فصنعوا به في الشوط الثالث مثل ذلك ، حتى إذا كان في الشوط الرابع ناهضوه ، ووثب أبو جهل يُريد أن يأخذ بمجامع ثوبه ، فدفعتُ في صدره ، فوقع على استه، ودفع أبو بكر أمّةَ بن خلف، ودفع رسولُ الله عَ لِ عقبة بن أبي معيط، ثم انفرجوا عن رسول الله عَّه وهو واقف ، ثم قال: أما والله لا تنتهون حتى يَحلَّ بكم عقابه عاجلاً. قال (١) قال سبط ابن العجمي: الحديث أخرجه البخاري (٢٤٠) ومسلم (١٧٩٤) والنسائي ١٦١/١ - ١٦٢، من طريق أبي إسحاق، والمؤلف ذكره من الطريق التي ذكره منها من باب التنوع في الروايات ، وإلا فلو رواه من هذه الكتب التي هو فيها وقع له بعلو هذه الطريق التي ذكرها ، والله أعلم . نور النبراس لوحة ١٨٥/١ . (٢) ابن الواسطي : هو الإمام العلامة ، أبو إسحاق ، تقي الدين ، إبراهيم بن علي بن أحمد الواسطي ، من أعيان الحنابلة ، سمع الكثير بدمشق، وتوفي بها سنة ٦٩٢ هـ. نور النبراس لوحة ١٨٥/١. - ١٩٤ _ عثمان: فوالله ما منهم رجل إلا وقد أخذه أفكل(١) وهو يرتعد، فجعلَ رسولُ الله عَّله} يقول : بئس القوم أنتم لنبيكم ، ثم انصرف إلى بيته وتبعناه خلفه ، حتى انتهى إلى باب بيته ووقف على السدة(٢) ، ثم أقبل علينا بوجهه ، فقال : أبشروا فإن الله عز وجل مظهرٌ دينه، ومتمّ كلمتَه ، وناصرٌ نبيّه ، وإن هؤلاء الذين ترون مما يذبحِ الله بأيديكم عاجلاً ، ثم انصرفنا إلى بيوتنا ، فوالله لقد رأيتهم قد ذبحهم الله بأيدينا . ( خبر إسلام حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه ) ومن ذلك خبر إسلام حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه : روينا عن ابن إسحاق : حدثني رجلٌ من أسلم ، وكان واعية ، أن أبا جهل مر برسول الله عَ ل عند الصفا فآذاه وشتمه، ونال منه بعضَ ما يُكره ، من العيب لدينه والتضعيف لأمره، فلم يكلّمْه رسول الله عَّهِ، ومولاةً لعبد الله بن جُدْعان في مسكن لها تسمعُ ذلك ، ثم انصرفَ عنه ، فعمدَ إلى نادي قريش فجلس معهم ، فلم يلبث حمزةُ بن عبد المطلب أن أقبل متوشحاً سيفه راجعاً من قَنَصٍ(٣) له، وكان صاحبَ قَنَصِ يرميه ويخرج له ، وكان إذا رجع من قَنَصه لم يصل إلى أهله حتى يطوفَ بالكعبة، وكان إذا فعل ذلك لم يمّ على نادٍ من قريش إلا وقف وسلَّمَ وتحدَّث معهم، وكان أعزّ فتى في قريش وأشدَّه شكيمةً ، فلما مَرَّ بالمولاة وقد رجع رسولُ الله عَلِ إلى بيته . قالت له : يا أبا عمارة ، لو رأيتَ ما لقي ابن أخيك محمدٌ آنفاً من أبي الحكم بن هشام ، وجده ها هنا جالساً فآذاه وسبّه وبلغ منه ما يكره ، ثم انصرف عنه ولم يكلّمه محمد . فاحتمل حمزةَ الغضبُ لما أراد الله به من كرامته ، فخرج يسعى ولم يقف على أحد مُعِدّاً لأبي جهل إذا لقيه أن (١) (( أَفْكَل)): بفتح الهمزة، وسكون الفاء، وفتح الكاف: الرعدة، ولا فعل له ، يُقال: أخذه أفكلّ: إذا ارتعدّ من برد أو خوف ، وهو مصروف ، لأنه ليس بعلم ولا صفة . (٢) (( السُّدة)): مدخل باب الدار الذي يكون مرتفعاً كالعتبة . (٣) ((قَنَص)): القَنَص: بفتح القاف والنون ، الصيد. - ١٩٥ - يقع به ، فلما دخل المسجد نظر إليه جالساً في القوم فأقبلَ نحوه ، حتى إذا قام على رأسه ، رفع القوسَ فضربه بها ، فشجه شَجةً منكرة ، ثم قال: أتشتمُه ؟ فأنا على دينه ، أقول ما يقول، فَرُدَّ علَّ ذلك إن استطعتَ . فقامت رجالٌ من بني مخزوم إلى حمزةً لينصروا أبا جهل ، فقال أبو جهل : دعوا أبا عمارة فإني والله قد سببتُ ابن أخيه سباً قبيحاً . وتمَّ حمزةُ على إسلامه، وعلى ما تابع عليه رسول الله عَ ◌ّه من قوله . فلما أسلم حمزة علمت قريش أن رسولَ الله عَّلِ قد عَزَّ وامتنعَ ، وأن حمزةَ سيمنعه، فكفُّوا عن بعض ما كانوا ينالون منه (١) . وروينا عن ابن إسحاق قال : حدثني يزيد بن أبي زياد ، عن محمد بن كعب القرظي ، قال : حُدِّثْتُ أن عتبة بن ربيعة - وكان سيداً - قال يوماً وهو جالس في نادي قريش، والنبي عَ ◌ّ جالس في المسجد وحده: يا معشر قريش ألا أقوم إلى محمد فأكلمه وأعرضً عليه أموراً لعله يقبل بعضها ، فنعطيه أيَّها شاء ويكفّ عنا ، وذلك حين أسلم حمزة ، ورأوا أصحاب رسول الله عَّلِ يكثرون ويزيدون، فقالوا: بلى يا أبا الوليد، فقم إليه فكلّمه ، فقام إليه عتبةُ حتى جلس إلى رسول الله عَ له، فقال: يا ابن أخي، إنك منا حيثُ قد علمتَ من السِّطَةِ(٢) في العشيرة ، والمكانِ في النسب وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم فَرَقتْ به جماعتهم وسفَّهتْ به أحلامهم ، وعِبْتَ به آلهتهم ودينهم ، وكفّرتَ به من مضى من آبائهم ، فاسمع مني أعرض عليك أموراً تنظر فيها لعلك تقبل منا بعضها . قال : فقال له رسول الله ٹے : قل يا أبا الوليد أسمع. قال : يا ابن أخي إن كنتَ إنما تُريد بما جئتَ به من هذا الأمر مالاً جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالاً ، وإن كنت تريد به شرفاً سودناك علينا حتى لا نقطع أمراً دونك، وإن كنتَ تريد ملكاً مَلَّكْنَاكَ علينا ، وإن كان هذا الذي يأتيك رَئِيّاً(٣) تراه لا تستطيع ردَّه عن نفسك طلبنا لك الطب، وبذلنا فيه أموالنا ، حتى نبرئك منه ، فإنه ربما غلب التابع على الرجل حتى يُداوى منه ، أو كما قال له . حتى إذا فرغ عتية ورسولُ الله عَ لَه يسمع منه، قال: أقد فرغتَ يا أبا الوليد ؟ (١) السيرة النبوية؛ لابن هشام ٢٩١/١ - ٢٩٢. (٢) (( السِّطة)): مصدر فعلُهُ وَسَطَ، كوصفه صفةً، وهي في النسب أشرف ما يكون من المراتب. (٣) ((رَئِيّاً)): على وزن فعيل، وقد تكسر راؤه، وهو التابع من الجن. - ١٩٦ - قال : نعم . قال: فاسمع مني. قال: أفعل. قال: ﴿ بسم الله الرحمن الرحيم . حمّ . تنزيل من الرحمن الرحيم . كتابٌ فُصِلَّتْ آياتهُ قرآناً عربياً لقوم يعلمون . بشيراً ونذيراً فأعرضَ أكثرُهم فهم لا يَسمعون﴾ [فصلت: ١ - ٤]. ثم مضى رسول الله عَّ اه فيها يقرأها عليه ، فلما سمعها عتبةُ منه ، أنصتَ لها ، وألقى يديه خلف ظهره معتمداً عليها يسمعُ منه، ثم انتهى رسول الله عَ لَّه إلى السجدة منها، فسجدَ . ثم قال: قد سمعتَ يا أبا الوليد ما سمعتَ فأنت وذاك. فقام عتبةُ إلى أصحابه، فقال بعضُهم لبعض يحلفُ بالله: لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به ، فلما جلس إليهم قالوا : ما وراءَك يا أبا الوليد ؟ قال : ورائي أني سمعتُ قولاً والله ما سمعتُ مثله قط ، والله ما هو بالشعر ولا بالسحر ، ولا بالكهانة ، يا معشر قريش أطيعوني واجعلوها بي ، خَلَّوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه ، فاعتزلوه ، فوالله ليكوننَّ لقوله الذي سمعت منه نباً ، فإن تصبْه العربُ فقد كُفيتموه بغير كم ، وإن يظهر على العرب فمُلْكُه ملكُكُم ، وعُزُّه عزّكم ، وكنتم أسعدَ الناس به . قالوا : سحركَ والله يا أبا الوليد بلسانه . قال : هذا رأيي فيه فاصنعوا ما بدا لكم(١) . وروينا عن الطبراني ، حدثنا القاسم بن عيَّش بن حمّاد أبو محمد الجُهني الحذاء المَوْصلي ، حدثنا محمد بن موسى الحرشي ، حدثنا أبو خلف عبد الله بن عيسى الخزاز ، حدثنا داود بن أبي هند عن عكرمة، عن ابن عباس ؛ أن قريشاً دعتْ رسولَ الله عز له} إلى أن يُعطوه مالاً فيكون أغنى رجل بمكة ، ويزوّجوه ما أراد من النساء . فقالوا : هذا لك عندنا يا محمد وكفّ عن شتم آلهتنا ولا تذكرها بسوء ، فإن لم تفعل فإنا نعرضُ عليك ◌َصْلَةٌ واحدة ولك فيها صلاح . قال : ما هي ؟ قالوا : تعبدُ آلهتنا سنةً - اللات والعزى - ونعبدُ إلَهك سنة. قال: ((حتى أنظر ما يأتيني من ربِي)). فجاء الوحيّ من عند الله عزَّ وجلَّ من اللوح المحفوظ: ﴿قُلْ يا أيُّها الكافرون. لا أَعبدُ ما تَعبدون﴾ [ الكافرون: ١ - ٢] السورة وأنزل الله عز وجل ﴿قل أفغيرَ الله تَأْمُرُونِّي أعبدُ أَيُّها الجاهلون﴾ ﴿بلِ اللهَ فاعبد وكنْ من الشاكرين﴾(٢) [ الزمر: ٦٤ و ٦٦]. (١) السيرة النبوية؛ لابن هشام ٢٩٣/١ - ٢٩٤. (٢) رواه الطبراني وابن جرير الطبري وابن أبي حاتم ، وفيه أبو خلف عبد الله بن عيسى الخزاز: ضعيف . نور النبراس لوحة ١٨٨/١، وانظر السيرة الشامية؛ للصالحي ٥٥٩/٢ . - ١٩٧ - وروينا من طريق الترمذي ، حدثنا عبد بن حُميد ، أخبرنا عبد الرزاق ، عن معمر ، عن عبد الكريم الجزري ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ﴿سندعُ الزبانية﴾ قال : قال أبو جهل: لئن رأيتُ محمداً يُصلِّي لأَطَأن على عنقه. فقال رسولُ اللهِ عَ له: ((لو فعلَ. لأخذته الملائكةُ عَيَاناً))(١) قال : حدثنا أبو سعيد الأشج ، حدثنا أبو خالد ، عن داود بن أبي هند ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال: كان النبيّ ◌َ ◌ّهِ يُصلّي، فجاءَ أبو جهل، فقال: ألم أنهكَ عن هذا؟ فانصرفَ النبّيِّ عَ لِّ، فزبَرَه، فقال أبو جهل: إنك لتعلم ما بها نادٍ أكثُرُ مني . فأنزلَ الله تعالى: ﴿ فليدعُ ناديَه. سندعُ الزبانية ﴾ [العلق: ١٧ - ١٨ ] قال ابن عباس : والله لودعا ناديَه لأخذته زبانيةُ الله(١). وروينا عن ابن عباس ، من طريق محمد بن إسحاق ، اجتماعَ قريش وعرضهم على النبّ : عَّ الله ما عرضوا عليه من أموالهم وغير ذلك، وقوله عليه الصلاة والسلام: ما جئت بما جئتكم به أطلب أموالكم ، ولا الشرف فیکم ، ولا الملك علیکم ، ولکن الله بعثني إلیکم رسولاً ، وأنزل علَّ كتاباً ، وأمرني أن أكونَ لكم بشيراً ونذيراً ، فَلَّغتكم رسالاتِ رِّي ونصحتُ لکم ، فإن تقبلوا مني ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة ، وإن ترُّوه علّي أُصبر لأمر الله حتى يحكمَ الله بيني وبينكم، أو كما قال ◌َ له. فقالوا له: فسلْ ربَّك أن يُسيِّرُ عنا هذه الجبال التي قد ضيَّقُتْ علينا، وليبسطْ علينا بلادنا، وليخرقْ فيها أنهاراً جأنهار الشام والعراق ، وليبعثْ لنا مَنْ مضى من آبائنا ، وليكنْ فيمن يبعث لنا منهم قصّ بن كلاب ، فإنه كان شيخ صدق ، فنسألهم عما تقول أحقّ هو أم باطل ؟ . وفيه : قالوا له : سلْ ربَّك أن يبعثَ معك مَلَكاً يُصدقك بما تقول ويراجعنا عنك، واسألْه فليجعل لنا جناناً وقصوراً وكنوزاً من ذهب وفضة يُغنيكَ بها عما تراك تبتغي، فإنك تقومُ بالأسواق وتلتمسُ المعاش . وذكر قولهم: فأسقطِ السماءَ علينا كِسفاً كما زعمتَ أن ربَّك إن شاء (١) رواه الترمذي في كتاب التفسير ( باب ومن سورة اقرأ باسم ربك) رقم /٣٣٤٦/، وقال: حسن غريب صحيح ، وهو عند الإمام أحمد في المسند رقم /٣٠٤٥/٥/٢٣٢١/ بتحقيق الشيخ أحمد شاكر ، وقال : إسناده صحيح . - ١٩٨ - فعَلَ . وقال قائلهم : نحن نعبدُ الملائكة ، وهي بناتُ الله . وقال قائلهم: لن نؤمن لك حتى تأتي بالله والملائكة قبيلاً . وقال : إنه قد بلغنا أنك إنما يعلِّمُكَ هذا رجلٌ باليمامة يقال له الرحمن، وإنا والله لن نؤمن بالرحمن أبداً. فلما قالوا له ذلك. قام رسول الله عَ لاله عنهم ومعه عبد الله بن أبي أمية المخزومي وهو ابن عمته عاتكة بنت عبد المطلب ، فقال : والله لا نؤمن بك أبداً حتى تتخذ إلى السماء سلماً ، ثم ترقى فيه وأنا أنظر إليك حتى تأتيها ثم تأتي معك بصكٌّ معه أربعة من الملائكة يشهدون لك كما تقول ، وايم الله أن لو فعلت ذلك ما ظننت أني أصدقك . وقال أبو جهل : يا معشر قريش إني أعاهد الله لأجلسنَّ له غداً بحجر ما أطيق حمله أو كما قال ، فإذا سجد في صلاته فضختُ به رأسه ، فأسلموني عند ذلك أو امنعوني ، فليصنع بعد ذلك بنو عبد مناف ما بدا لهم . قالوا : والله لا نسلمك لشيء أبداً فامض لما تريد، فلما أصبح أبو جهل أخذ حجراً كما وصف، ثم جلس لرسول الله عَ له ينتظره، وغدا رسولُ الله عَّلِ كما كان يغدو، فلما سجد رسولُ الله ◌َّهِ احتمل أبو جهل الحجر ثم أقبل نحوَه حتى إذا دنا منه رجع منهزماً منتقعاً لونه مرعوباً قد يبست يداه على حجره ، حتى قذف الحجر من يده ، وقامت إليه رجال من قريش ، فقالوا له : مالك يا أبا الحكم ؟ قال : قمت إليه لأفعل ما قلتُ لكم البارحة ، فلما دنوتُ منه عرض لي دونه فحلٌ من الإِبل لا والله ما رأيت مثل هامته ولا قصَرته(١) ولا أنيابه بفحل قط ، فهمَّ بي أن يأكلني (٢). قال ابن إسحاق: فُذكر لي أن رسول الله عَ لّه قال : ذلك جبريل لودنا لأخذه . وذُكِرَ في الخبر بعثُ قريش النضر بن الحارث بن كَلَّدَة(٣) ، وبعثوا معه عقبة بن أبي معيط إلى أحبار يهود وقالوا لهما : سلاهم عن محمد وصفا لهم صفته ، وأخبراهم بقوله فإنهم أهل الكتاب الأول ، وعندهم علم ليس عندنا من علم الأنبياء ، فخرجا حتى قدما (١) ((قَصْرَته)): القَصْرَة: أصل العنق. (٢) السيرة النبوية؛ لابن هشام ٢٩٥/١ - ٢٩٩. (٣) كَلَدة : بفتح الكاف واللام ، كطبقة ورقبة . - ١٩٩ - المدينة ، وسألا أحبار يهود ، فقالت لهما : سلوه عن ثلاث ، فإن أخبر كم بهن فهو نبِّ مرسل ، وإن لم يفعل فالرجل متقوّل . سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر الأول : ما كان من أمرهم ؟ فإنه قد كان لهم حديث عجيب . وسلوه عن رجل طوّاف قد بلغ مشارق الأرض ومغاربها . ما كان نبؤه ؟ وسلوه عن الروح : ما هو ؟ فإذا أخبركم بذلك فاتّبعوه فإنه نبي وإن لم يفعل فهو رجل متقول . فأقبل النضرُ وعقبة فقالا: قد جئناكم بفصل ما بينكم وبين محمد ، فجاؤوا رسولَ الله عَّم فيما يذكرون ، فقال عليه الصلاة والسلام: أخبركم غداً، ولم يستثن .. فانصرفوا ، فمکثَ رسولُ الله ګ﴾ فیما یذکرون خمس عشرة ليلة لا يُحدِثُ الله إليه في ذلك وحياً ، ولا يأتيه جبريل حتى أرجف أهل مكة وقالوا: وعدنا محمد غداً واليوم خمس عشرة ليلة قد أصبحنا منها لا يخبرنا بشيء مما سألناه عنه. حتى أحزن رسولَ الله عَ ليه مُكْثُ الوحي عنه، وشقّ عليه ما يتكلم به أهل مكة ، ثم جاءه جبريلُ من الله بسورة أصحاب الكهف، قال ابن إسحاق: فُذكِرَ لي أنَّ رسولَ الله عَ لَّه قال: لقد احتبست عني يا جبريل، فقال ﴿ وما نتنزلُ إلا بأمرٍ رَبِّك﴾ [ مريم: ٦٤] الآية. وافتح السورة بحمده وذكر نبوة رسوله عليه الصلاة والسلام ، وفيها ذكرُ الفتية الذين ذهبوا وهم أصحاب الكهف ، وذكرُ الرجل الطّاف وهو ذو القرنين ، وقال فيما سألوه عنه من الروح ويسألونكَ عن الروح قل الروحُ من أمر ربِّي وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً ﴾ [ الإسراء: ٨٥ ] الحديث(١) بطوله وأنا اختصرته. قال: وحُدثت عن ابن عباس أنه قال: لما قدم رسولُ الله عَ لِ المدينة، قالت أحبارٌ يهود : يا محمد أرأيتَ قولك ﴿وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً ﴾ [الإسراء: ٨٥] إيانا تريد أم قومك ؟ قال : كُلَّاً. قالوا : فإنك تتلو فيما جاءك أنا قد أوتينا التوراة فيها بيان كل شيء. فقال رسول الله عَ له: إنها في علم الله قليل، وعندكم من ذلك ما يكفيكم لو أقمتموه. قال: فأنزل الله عليه فيما سألوه عنه من ذلك ﴿ولو أنَّما في الأرضِ من شجرةٍ أقلام والبحرُ يمدُّه من بعدِه سبعةُ أبحرٍ ما نَفِدَتْ كلماتُ الله إنَّ اللهَ عزيز حكيم ﴾ (١) السيرة النبوية؛ لابن هشام ٣٠٠/١ - ٣٠٨. : - ٢٠٠ -