Indexed OCR Text

Pages 461-480

حدثنا أبو بكر (١) قال: حدثنا سفيان(٢) قال: حدثني طلحة بن يحيى
قال: حدثتني جدتي سُعدى بنت عوف المُرية قالت: دخلت(٣) على طلحة بن
عبيد الله يوماً [وهو] حائر فقلت له: مالي أراك حائراً أرابك شيء من أهلك(٤)
فَنُعتبك؟ فقال: ما رابني منك ريب ولنعم حليلةُ المرء المسلم أنت، إلا أنه
اجتمع في بيت المال مال كثير غمني(٥). قالت: فقلت: وما يمنعك منه.
أرسل إلى قومك واقسمه بينهم. قالت: فأرسل إلى قومه فقسمه بينهم. قالت
سعدى: فسألت الخازن: كم كان؟ قال أربع مائة ألف. ثم رجع إلى حديث
(«قبيصة بن جابر قال: وصحبت معاوية بن أبي سفيان فما رأيت رجلاً أثقل
حلماً ولا أبطأ جهلاً ولا أبعد أناة منه. وصحبت عمرو بن العاص فما رأيت
رجلاً أنصع - أو قال: أبين - طرفاً ولا أحلم جليساً منه، وصحبت زياداً فما
رأيت رجلاً أخصب رفيقاً ولا أكرم جليساً ولا أشبه سريرة بعلانية منه.
وصحبت المغيرة بن شعبة فلو أن مدينة لها ثمانية أبواب لا يخرج من باب منها
إلا بمكر لخرج من أبوابها كلها))(٦).
(١) هو الحميدي.
(٢) هو ابن عيينة .
(٣) في الأصل ((دخل)).
(٤) في الأصل ((ارابك مذ ارتابت)) والتصحيح من ابن سعد ١٥٧/٣.
(٥) في الأصل ((عصني)) والتصحيح من ابن سعد ١٥٧/٣.
(٦) ابن حجر: تهذيب التهذيب ٣٤٥/٨ مع تقديم وتأخير في أسماء من
صحبهم ويذكر ((أكثر)) بدل ((أثقل)) ويحذف ((ولا أبطأ جهلاً ولا أبعد
أناة) ويذكر ((أتم)) بدل ((أنصع)) ويحذف ((ولا أحلم جليساً منه)) ويحذف
((أخصب رفيقاً)) ((ولا أشبه سريرة بعلانية منه)). والذهبي: سير ٣٢/١
مختصراً وفیه ((خائر)) بدل (حائر)).
- ٤٥٨ -

((قال أبو بكر وسمعت سفيان يُسأل عن حديث عبدالملك هذا:
أسمعته عن عبدالملك؟ قال: لم أسمعه كله. ثم سمعت سفيان يحدث عن
عبد الملك عن قبيصة بن جابر قال: صحبت طلحة بن عبيدالله فما رأيت رجلاً
أعطى لجزيل مال من غير مسألة منه(١) وذكر أنه سمعه من عبدالملك فظننت
أن لم یکن سمعه کله.
حدثنا إبراهيم بن المنذر حدثني سفيان عن حمزة(٢) عن كثير(٣) عن ١٣٨ ب
المطلب بن عبد الله قال قال المغيرة بن شعبة: أنا أول من رشافى الإِسلام؛ كنت
آتي فأجلس بالباب فانتظر الدخول على عمر بن الخطاب فقلت ليرفأ حاجبه:
خذ هذه العمامة فإن عندي أختاً لها لتلبسها، فكان يدخلني حتى أجلس وراء
الباب فمن رآني قال إنه ليدخل على عمر في ساعة ما يدخل عليه فيها أحد ..
حدثني أبو جعفر أحمد بن يحيى الأودي قال: حدثنا أبو نعيم قال:
حدثنا يونس عن أبي إسحق عن المغيرة بن شعبة قال: قال رجل: أصلح الله
الأمير إن آذنك يعرف رجالاً فيؤثرهم بالأذن. قال: عذره الله والله إن المعرفة
لتنفع عند الكلب العقور والجمل الصؤول. قال: بله(٤) من الرجل الحر ذي
الحسب والله إن كنا لنصانع في إذن عمر بن الخطاب.
((حدثنا زيد بن المبارك الصنعاني - وكان من الخيار - قال: حدثنا وكيع
(١) ابن حجر: الإصابة ٢٢١/٢.
(٢) هو حمزة بن المغيرة المخزومي (تهذيب التهذيب ٣٣/٣).
(٣) هو كثير بن زيد (تهذيب التهذيب ١٧٨/١٠ و٤١٣/٨).
(٤) في الأصل ((بل)).
- ٤٥٩ -

قال حدثنا أبو العميس(١) عن القاسم بن عبدالرحمن عن ابن مسعود: أنه لما
أتى أرض الحبشة أخذ بشيء فتعلق به، فأعطى دينارين حتى خلي
سبيله . ))(*)
وحدثنا وكيع قال حدثنا سفيان(٢) عن عثمان(٣) عن مجاهد قال: أجعل
مالك جنة(٤) دون دينك.
((حدثنا زيد ثنا عبدالملك بن عبدالرحمن عن محمد بن سعيد عن أبيه
عن وهب بن منبه قال: ليست الرشوة التي يأثم فيها صاحبها بأن يرشو فيدفع
عن ماله ودمه إنما الرشوة التي يأثم فيها أن ترشو لتُعطى ماليس لك))(٥).
حدثنا الحجاج ثنا حماد قال: أخبرنا زيد بن أسلم عن أبيه قال: كان
عمر إذا بعثني إلى بعض ولده قال لا تعلمه لم أبعث إليه مخافة أن يلقنه
الشيطان كذبة. قال: فجاءت امرأة لعبدالله بن عمر ذات يوم فقالت: إن
١٣٩ أ أبا عيسى لا ينفق علي ولا يكسوني. فقال: ويحك من أبو عيسى؟ قالت:
ابنك عبدالرحمن. قال: وهل لعيسى من أب! فبعثني إليه وقال: لا تخبره.
قال: فأتيته وعنده ديك ودجاجة هنديان، فقلت: أجب أباك أمير المؤمنين قال:
وما يريد مني؟ قلت: إنه نهاني أن أخبرك، لا أدري قال: فإني أعطيك الديك
والدجاجة على أن تخبرني. قال: فاشترطت عليه أن لا يخبر عمر، فأخبرته،
(١) هو عتبة بن عبدالله المسعودي الهذلي (تهذيب التهذيب ١٨٨/١٢).
(*) البيهقي: السنن ١٣٩/١٠.
(٢) هو الثوري.
(٣) هو عثمان بن المغيرة الثقفي (تهذيب التهذيب ١٥٥/٧).
(٤) وقاية.
(٥) البيهقي: السنن ١٣٩/١٠.
- ٤٦٠ -
:

فأعطاني الديك والدجاجة. فلما جئت عمر قال: أخبرته؟ فوالله ما استطعت
أن أقول لا ، فقلت: نعم. قال: أرشاك؟ قلت: نعم. قال: وما أرشاك؟ قلت:
ديكاً ودجاجة. فقبض على يدي بيساره وجعل يصعني(١) بالدرة وجعلت
أنزو(٢). فقال: إنك لجليد. ثم قال: أيكنى بأبي عيسى وهل لعيسى من
أب(٣) !!
حدثنا أحمد بن يونس قال: حدثنا زهير قال: حدثنا محمد بن إسحق
قال: حدثني مكحول عن غُضيف بن الحارث عن أبي ذر قال: سمعت
رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن الله تعالى وضع الحق على لسان
عمر يقول به(٤).
حدثنا أحمد بن عبدالله بن يونس - كوفي - حدثنا مندل عن محمد بن
عجلان عن سعد بن إبراهيم عن أبي سلمة عن عائشة قالت: قال رسول
الله صلی الله علیه وسلم: کان یکون في الأمم محدثون فإن يك في أمتي أحد
منهم فعمر.
٨
حدثنا عبيدالله بن موسى عن إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي أن
(١) يحركني.
(٢) أثب.
(٣) يريد عيسى بن مريم عليه السلام.
(٤) أخرجه ابن ماجة من طريق ابن إسحق أيضا (سنن ٤٠/١).
- ٤٦١ -

علياً قال: ما كنا نبعد أن السكينة تنطق على لسان عمر.
((حدثنا عبيدالله ثنا أبو إسرائيل، كوفي، عن الوليد بن العيزار عن
عمرو بن ميمون عن علي قال: ما كنا ننكر ونحن متوافرون أصحاب رسول
الله صلى الله عليه وسلم أن السكينة تنطق على لسان عمر))(١).
حدثنا أبو عبدالرحمن (٢) قال: حدثنا حيوة(٣) عن بكر بن عمرو المعافري
١٣٩ ب عن مشرح بن هاعان(٤) المعافري عن عقبة بن عامر الجهني أن رسول الله
صلى الله عليه وسلم قال: لو كان بعدي نبي لكان عمر بن الخطاب(٥).
حدثنا أحمد بن عبدالله حدثنا أبو بكر بن عياش عن عاصم عن زِرٌ
قال: كان عبد الله (٦) يخطب ويقول: إني لأحسب عمر بين عينيه ملك يسدده
ويقوِّمه وإني لأحسب الشيطان يفرق من عمر أن يُحدث حدثاً فيرده.
حدثنا عبيدالله بن موسى عن شيبان عن الأعمش عن شقيق قال:
قال عبدالله: والله لو أن علم عمر وُضع في كفة ميزان وجعل علم أحياء أهل
(١) البيهقي: دلائل النبوة ٦ /٣٧٠ وقال: تابعه زربن حبيش والشعبي عن علي،
وابن كثير: البداية والنهاية ٢٠١/٦ لكنه يذكر ((عمر) بدل ((عمرو)) وإنما هو
عمرو بن ميمون الأودي (تهذيب التهذيب ١٠٩/٨).
(٢) هو عبدالله بن يزيد العدوي المقرىء القصير (تهذيب التهذيب
٨٣/٦).
(٣) حيوة بن شريح.
(٤) في الأصل ((بها عان)) والتصويب من مسند أحمد ١٥٤/٤ وتهذيب
التهذيب ١٥٥/١٠.
(٥) أخرجه أحمد من هذا الوجه (المسند ١٥٤/٤).
(٦) هو ابن مسعود الصحابي الجليل.
- ٤٦٢ -

الأرض في الكفة الأخرى لترجح علم عمر مذ ذهب - يعني يوم ذهب بتسعة
أعشار العلم.
(حدثنا أبو صالح قال: حدثني موسی بن علي عن أبيه: أن عمر بن
الخطاب خطب الناس بالجابية فقال: من أراد أن يسأل عن القرآن فليأت أُبي
ابن كعب، ومن أراد أن يسأل عن الفرائض فليأت زيد بن ثابت، ومن أراد
أن يسأل عن الفقه فليأت معاذ بن جبل، ومن أراد أن يسأل عن المال
فليأتني، فإن الله جعلني له خازناً وقاسمً)(١) وإني باديء بأزواج رسول الله
صلى الله عليه وسلم فمعطيهم، والمهاجرين الأولين أنا وأصحابي أخرجنا من
مكة من ديارنا وأموالنا، ثم الأنصار الذين تبوءوا الدار والإِيمان من قبلهم،
ثم قال: فمن أسرع إلى الهجرة أسرع به العطاء، ومن أبطأ عن الهجرة أبطأ
به العطاء فلا يؤمنَّ رجل إلا مناخ راحلته .
حدثنا عبدالله بن عثمان حدثنا عبدالله أخبرنا سعيد بن يزيد قال:
سمعت الحارث بن يزيد الحضرمي يحدث عن علي بن رباح عن ناشرة بن
سمي اليزني قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول يوم الجابية وهو يخطب
الناس: إن الله جعلني خازناً لهذا المال وقاسماً له، ثم قال: بل الله يقسمه
وإني باديء بأهل النبي صلى الله عليه وسلم ثم أشرفهم ففرض لأزواج النبي
صلى الله عليه وسلم عشرة آلاف إلا جويرية وصفية وميمونة. وقالت عائشة: ١٤٠ أ
إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعدل بيننا فعدل بينهن عمر، ثم
قال: إني بادىء بأصحابي المهاجرين الأولين فإنا أُخرجنا من ديارنا ظلماً
وعدواناً ثم أشرفهم. ففرض لأصحاب بدر منهم خمسة آلاف ولمن شهد بدراً
من الأنصار أربعة آلاف، وفرض لمن شهد الحديبية ثلاثة آلاف وقال: من
أسرع في الهجرة أسرع به العطاء، ومن أبطأ في الهجرة أبطأ به العطاء فلا
٦٠٥٠٠
(١) البيهقى: السنن ٢١٠/٦.
- ٤٦٣ -
......-*

يؤمنَ رجل إلا مناخ راحلته(٥).،، وإني أعتذر إليكم من خالد بن الوليد إني أمرته
أن يجبس هذا المال على ضعفة المهاجرين، فأعطى ذا البأس وذا الشرف
وذا اللسان فنزعته وأمرتُ أبا عبيدة بن الجراح. فقام أبو عمر بن حفص بنِ
المغيرة فقال: والله ما اعتذرت يا عمر بن الخطاب، لقد نزعت غلاماً
استعمله رسول الله صلى الله عليه وسلم، وغمدت سيفاً سله رسول الله
صلى الله عليه وسلم، ووضعت لواءاً نصبه رسول الله صلى الله عليه وسلم
وقطعت الرحم، وحسدت ابن العم. فقال عمر بن الخطاب: إنك قريبُ
القرابة حديث السن مغضب في ابن عمك .
((حدثني سعيد بن كثير بن عفير المصري قال: حدثني ابن لهيعة أن يزيد
ابن أبي حبيب حدثه: أن أباه أبا الخير حدثه: أن عبد العزيز بن مروان قال
لكريب بن أبرهة: أحضرت عمر بن الخطاب بالجابية؟ قال: لا. قال:
فمن(١) يحدثنا عنها؟ قال كريب: إن بعثت إلى سفيان بن وهب الخولاني
حدثك عنها. فأرسل إليه فقال: حدثني عن خطبة عمر بن الخطاب يوم
الجابية؟ قال سفيان: إنه لما اجتمع الفيءُ أرسل أمراء الأجناد إلى عمر بن
الخطاب أن يقدم بنفسه، فقدم، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعدُ فإن
هذا المال نقسمه على من أفاء الله عليه بالعدل إلا هذين الحيين من لحم
وجُذام فلا حق لهم فيه. فقام إليه أبو حديدة(٢) الأجذمي فقال: ننشدك الله
يا عمر في العدل. فقال عمر: العدل أريد، أنا أجعل أقواماً أنفقوا في الظّهر
١٤٠ ب وشدوا العرض وساحوا في البلاد مثل قوم مقيمين في بلادهم؟ ولو أن الهجرة
(*) أخرجه إلى هنا البيهقي عن الفسوي وفيه ((يلومن)) بدل ((يؤمَنَّ)) (السنن
٣٤٩/٦).
(١) في الأصل ((فما)).
(٢) في الأصل ((أبو حذيرة)) والتصويب من ابن عساكر: تاريخ مدينة دمشق
٥٥٥/١ - ٥٥٦ وابن حجر: الاصابة ٤٨/٢٤. وفي السنن الكبرى
للبيهقي ٣٤٦/٦ «أبو حدیر».
- ٤٦٤ -

كانت بصنعاء أو بعدن ما هاجر إليها من لخم ولا جذام أحد. فقام أبو حديدة
فقال: إن الله وضعنا من بلاده حيث شاء وساق إلينا الهجرة في بلادنا فقبلناها
ونصرناها، أفذلك يقطع حقنا يا عمر؟ فقال: لكم حقكم مع المسلمين. ثم
قسم فكان للرجل نصف دينار فإذا كانت معه امرأته أعطاه ديناراً، ثم دعا
ابن قاطورا صاحب الأرض فقال: أخبرني ما يكفي الرجل من القوت في
الشهر وفي اليوم؟ فأتى بالمدي والقسط(١) فقال: يكفيه هذا المديان في الشهر
وقسط زيت وقسط خل. فأمر عمر بمدين من قمح فطحنا ثم عجنا ثم خبزا
ثم أدمھما بقسطین زیت ثم اجلس علیھما ثلاثین رجلاً فکان کفاف شبعهم ،
ثم أخذ عمر المدين بيمينه والقسط بيساره ثم قال: اللهم لا أُحل لأحد أن
ينقصها بعدي، اللهم فمن نقصهما فانقص من عمره))(٢) فغضب عبدالعزيز
وقال: إنك شيخ قد خرفت. قال سفيان: قد اعتذر الله إليَّ في العمر، ثم قال
عمر بن الخطاب: هل من شراب؟ فقال: عندنا العسل وعندنا شراب
نشربه من العنب، فدعا به عمر فأتي به وهو مثل الطلاء - طلاء(٣) الإِبل
- فأدخل عمر فيه أصبعه ثم قال: ما أرى بهذا بأساً.
حدثنا عبدالله بن عثمان حدثنا عبد الله بن المبارك أخبرنا عبيدالله بن
[عبدالله بن] موهب قال: سمعت أبا هريرة يقول: قدمت على عمر بن
الخطاب من عند أبي موسى الأشعري بثمان مائة ألف درهم فقال لي: بماذا
(١) القسط: مكيال يسع نصف صاع.
(٢) ابن عساكر: تاريخ مدينة دمشق ٥٥٥/١ - ٥٥٦ لكنه يذكر ((قاطور)).
بدل ((قاطورا)) ويحذف ((ثم خبزا))، ويذكر ((ينقصهما)) بدل ((وينقصها)»
((ونقصهما)) بدل ((نقصها)) . وابن حجر: إصابة ٤٨/٤ من طريق ابن
عساكر أيضاً إلى قوله ((في العدل)) ولم يتمها. ووقع فيه تصحيفات حيث
ذكر ((عقبة)) بدل ((كثير) و((نبهان)) بدل («مروان» والبيهقي : السنن
٣٤٦/٦ وكنز العمال ٤ /٥٢٥ كلاهما عن الفسوي.
1-
(٣) وهو القطران الذي يطلى به البعير.
- ٤٦٥ -

قدمت؟ قلت: قدمت بثمان مائة ألف درهم. قال: ألم أقل إنك تهامي أحمق،
إنما قدمت بثمانين ألف درهم فكم ثمان مائة ألف درهم! فعددت مائة ألف
ومائة ألف حتى عددت ثمان مائة ألف ، فقال: أطيِّب ويلك ؟ قال : نعم .
قال: فبات عمر لیلته أرقاً، حتى إذا نودي بصلاة الصبح قالت له امرأته : یا
١٤١ أ أمير المؤمنين ما نمت الليلة؟ قال: كيف ينام عمر بن الخطاب وقد جاء الناس
مالم يكن يأتيهم مثله منذ كان الاسلام، فما يؤمن عمر لو هلك وذلك المال
عنده فلم يضعه في حقه، فلما صلى الصبح اجتمع إليه نفر من أصحاب
رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لهم: إنه قد جاء الناس الليلة ما لم يأتهم
مثله منذ كان الاسلام، وقد رأيت رأياً فأشيروا عليَّ، رأيت أن أكيل للناس
بالمكيال. فقالوا: لا تفعل يا أمير المؤمنين إن الناس يدخلون في الاسلام
ويكثر المال ولكن أعطهم على كتاب، فكلما كثر الناس وكثر المال أعطيتهم
عليه. قال فأشيروا عليَّ بمن أبدأ منهم؟ قالوا: بك يا أمير المؤمنين إنك وليّ
ذلك. ومنهم من قال: أمير المؤمنين أعلم. قال: لا . ولكني أبدأ برسول الله
صلى الله عليه وسلم ثم الأقرب فالأقرب إليه، فوضع الديوان على ذلك.
قال عبيدالله: بدأ بهاشم والمطلب فأعطاهم جميعاً ثم أعطى بني عبد شمس
ثم بني نوفل بن عبد مناف، وإنما بدأ ببني عبد شمس لأنه كان أخا هاشم
لأمه. قال عبيدالله: فأول من فرق بين بني هاشم والمطلب في الدعوة
عبدالملك(١)؛ قدم عليه عبدالله بن قيس بن مخرمة أخو بني المطلب فقال له
عبدالملك: أقد رضيت يا أبا عبدالله أن تدعى بغير أبيك فتجيب؟ قال: ومن
يدعوني بغير أبي؟ قال: أليس يُدعى بنو هاشم ولا يُدعى بنو المطلب
فتجيب. فقال: أمر صنعه رسول الله صلى الله عليه وسلم فكيف لي بذلك؟
قال: تسألني أن أفرقكم على عريف فأفعل. فلما أذن للناس قام عبدالله بن
(١) أخرجه إلى هنا البيهقي عن الفسوي والزيادة منه (السنن ٣٦٤/٦).
- ٤٦٦ -

قيس فقال: يا أمير المؤمنين إنا أصبحنا ليس لنا عريف إنما يُدعى بنو هاشم
فنجيب، فاجعل لنا عريفاً؟ فكتب له أن يُفرقوا على عريف ويكون ذلك إلى
عبدالله بن قيس يليها ويوليها من أحبَّ.
((حدثنا إبراهيم بن محمد الشافعي قال: حدثني جدي محمد بن علي
عن زيد بن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هاشم والمطلب
کهاتین، وضم أصابعه وشبك بين أصابعه، لعن الله من فرق بينهما ربونا
صغاراً وحملناهم كباراً.))(١)
١٤١ ب
حدثنا قبيصة بن عقبة قال: سمعت سفيان يقول: من قدَّم علياً على
أبي بكر وعمر فقد زرى(٢) على المهاجرين والأنصار وأخاف أن لا ينفعه مع
ذلك عمل.
حدثنا عبدالعزیز بن عمران قال: ثنا أسد بن موسى حدثنا يوسف بن
عمرو قال: سئل مالك بن أنس عن علي وعثمان؟ قال: ما أدركت أحداً
اقتدى به إلا وهو يقدم أبا بكر وعمر ويُمسك عن علي وعثمان.
حدثنا إبراهيم بن المنذر قال: حدثنا معن بن عيسى عن خارجة بن
عبدالله بن سليمان عن نافع عن ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه
وسلم قال: إن الله جعل الحق على قلب عمر وعلى لسانه(٣)، وما نزل بالناس
أمر قط فقالوا فيه بالرأي فقال فيه عمر إلا جاء القرآن بما قال فيه عمر.
حدثنا أبو صالح قال: حدثني معاوية بن صالح عن ربيعة بن يزيد
(١) البيهقي: السنن ٣٦٥/٦.
(٢) زَری: عاب.
(٣) أخرجه ابن المقريء عن الفسوي في معجمه ٢٧ أمن طريق آخر عن
نافع عن ابن عمر وهو في جامع الترمذي ٦١٧/٥.
- ٤٦٧ -

عن أبي إدريس الخولاني(*) عن يزيد بن عميرة الزبيدي أنه لما حضر معاذ بن
جبل الموتُ قيل له: يا أبا عبد الرحمن أوصنا؟ قال: اجلسوني، قال: إن العلم
والايمان مكانهما من ابتغاهما وجدهما، إن العلم والإيمان مكانهما فمن ابتغاهما
وجدهما، فالتمسوا العلم عند أربعة رهط: عند عويمر أبي الدرداء وعند
سلمان الفارسي وعند عبدالله بن مسعود وعند عبدالله بن سلام الذي كان
هودیاً فأسلم، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إنه عاشرُ
عشرةٍ في الجنة(١) .
[أخبار سعيد بن المسيب](٢)
حدثني محمد بن أبي زكير قال: أخبرنا ابن وهب قال: سمعت مالكاً
وسئل عن سعيد بن المسيب هل أدرك عمر؟ قال: لا ولكنه ولد في زمان عمر
فلما كبر أكب على المسألة عن شأنه وأمره حتى كأنه رآه. قال مالك: بلغني أن
عبدالله بن عمر كان يُرسل إلى ابن المسيب يسأله عن بعض شأن عمر وأمره.
حدثنا أبو نعيم قال: حدثنا مسعر عن سعد بن إبراهيم [عن أبيه](٣)
عن سعيد بن المسيب قال: ما بقي أحد أعلم بقضاء رسول الله صلى الله
١٤٢ أُ عليه وسلم ولا أبي بكر وعمر مني.
حدثني عبدالعزيز بن عبدالله الأويسي قال: حدثنا مالك بن أنس أنه
بلغه أن سعيد بن المسيب قال: إن كنتَ لأسير في طلب الحديث الواحد
(*) عائذ الله بن عبدالله (تهذيب التهذيب ٨٥/٥).
(١) وقعت هذه الرواية ضمن ترجمة عمر رض ولا صلة لها به. وأوردها
الذهبي في ترجمة سلمان (سير ٥٤٤/١).
(٢) ليس في الأصل، وقد وردت ترجمة سعيد بن المسيب بعد ترجمة عمر بن
الخطاب مباشرة رغم أنه تابعي وبعد ترجمته ترد أخبار صحابة أيضاً،
ولا أعلم أن كان ذلك بسبب وقوع الاضطراب في ترتيب المادة أم لوجود
صلة بين ترجمة عمر وترجمة سعيد بن المسيب من حيث أن سعيداً كان
أعلم الناس بعمر وهديه .
(٣) ساقطة في الأصل وانظر ابن سعد ٨٩/٥.
:
- ٤٦٨ -

مسيرة الليالي والأيام(١). قال مالك: وكان سعيد بن المسيب يختلف إلى أبي
هريرة بالشجرة))(٢).
حدثني محمد بن أبي زكير قال ابن وهب وأخبرني مالك أن القاسم بن
محمد كان يُسأل عن الشيء فيقول للذي يسأله: من سألت؟ فيقول الرجل :
سألت عروة بن الزبير وسألت فلاناً وسألت فلاناً فيقول له القاسم: هل
سألت سعيد بن المسيب؟ فيقول: نعم. فيقول: ما قال؟ فيقول: قال كذا
وكذا. فيقول له القاسم: فأطعه فذلك سيدنا وأعلمنا. ثم ذكر مالك فضل
القاسم فقال: وكان القاسم من فقهاء هذه الأمة .
حدثنا سعيد بن منصور حدثنا عبدالعزيز بن محمد قال: أخبرني
موسى بن أبي معبد قال: جئت القاسم وسالم أسألهما عن شيء فقالا لي:
أذهب إلى سعيد بن المسيب فسله ثم أئتنا فأخبرنا. فذهبت إلى سعيد، ثم
أتيت القاسم وسالم فأخبرتهما فقالا : ذاك رأينا .
((حدثنا عبدالعزيز بن عمران قال: حدثنا عبدالله بن وهب قال:
أخبرني أسامة بن زيد أن نافعاً حدثه: أن سعيد بن المسيب سُئل عن مسألة
فأجاب فيها، فأخبر ابن عمر بجوابه، فعجب ابن عمر من فتيا ابن المسيب،
ثم قال ابن عمر: أليس قد أخبرتكم عن هذا الرجل - يريد ابن المسيب - وهو
والله أحد المفتين))(٣).
حدثني عبدالعزيز بن عمران وزيد بن بشر قالا: أبنا ابن وهب قال:
حدثني محمد بن سليمان المرادي عن شيخ من أهل المدينة يقال له أبو إسحق
(١) انظر في ابن سعد أيضا ٨٩/٥ والذهبي: سير ٢٢٢/٤.
(٢) الخطيب: الرحلة في طلب الحديث ص ٥٨ ولم يذكر ((مسيرة)) وقال
الخطيب بعد الشجرة ((هو ذو الحليفة)).
(٣) الخطيب: الفقيه والمتفقه ١ / ١٧٠ لكنه يذكر ((فأعجب)) بدل ((فعجب)).
- ٤٦٩ -

قال: كنت أرى الرجل في ذلك الزمان وإنه ليدخل المسجد يسأل عن الشيء
من فقه، قال زيد: فيدفعه الناس من(١) مجلس إلى مجلس حتى يرفع - قال
زيد: حتى يدفع - إلى مجلس ابن المسيب .
١٤٢ ب
حدثنا محمد بن أبي زكير قال: أخبرنا ابن وهب قال: حدثني مالك:
أن سعيداً كان يلزم سعد بن أبي وقاص وأبا هريرة. قال ابن(٢) وهب: سمعت
مالكاً يقول: بلغني أنه كان يقال لسعيد راوية ابن عمر(٣).
«حدثني محمد بن أبي ز كير قال: أخبرنا ابن وهب قال: حدثني مالك
قال: كان سعيد بن المسيب رجلاً يصوم، فدخل عليه رجل وهو يأكل خبزاً
وسلقاً فقال له: تعال فكل. قال: فسأله الرجل عن شيء، قال مالك:
ظننت أنه من أمر القضاء. فقال له سعيد: أراك أحمق، اذهب إلى القاضي
الذي أجلس لهذا أتراني كنت أشغل نفسي بهذا، أو قال: بك.))(٤)
حدثني زيد بن بشر وعبدالعزيز قالا : أخبرنا ابن وهب قال: حدثني
ابن أبي الزناد قال: كان سعيد بن المسيب وهو مريض يقول: أقعدوني فإني
أعظم أن أحدث حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا مضطجع، في
حدیث ذكره .
حدثنا زيد بن بشر قال: أخبرني ابن وهب قال: سمعت الليث
يقول: حدثني یحیی بن سعید .
[و] حدثنا أبو صالح قال: حدثني الليث عن يحيى بن سعيد أن ابن
(١) في الأصل (عن).
(٢) في الأصل (أبو).
(٣) في ابن سعد ٨٩/٥ ويضيف ((قال ليث: لأنه كان أحفظ الناس لأحكامه
وأقضيته)) ولا يذكر سنده إلى مالك. وانظر ص ٤٧٠ من كتاب المعرفة
والتاريخ .
(٤) البيهقي: السنن ٩٧/١٠.
:
............
- ٤٧٠ -

المسيب يسمى راوية عمر بن الخطاب لأنه كان أحفظ الناس لأحكامه
وأقضیته(١).
حدثني ابن بكير قال: حدثني الليث عن جعفر بن ربيعة قال: قلت
لعراك بن مالك: من أفقه أهل المدينة؟ قال: أما أعلمهم بقضايا رسول الله
صلى الله عليه وسلم وقضايا أبي بكر وعمر وعثمان وأفقههم فقهاً وأعلمهم بما
مضى من أمر الناس فسعيد بن المسيب، وأما أغزرهم حديثاً فعروة بن الزبير
ولا تشأ أن تفجر من عبيدالله بن عبدالله بحراً إلا فجرته. قال: ثم يقول
لك عراك: وأعلمهم عندي جميعًا ابن شهاب فإنه جمع علمهم جميعًا إلى علمه.
حدثنا علي بن الحسن(٢) العسقلاني قال: حدثنا أبو عبد الرحمن عبدالله
ابن المبارك قال: كان فقهاء أهل المدينة الذين كانوا يصدرون عن رأيهم
سبعة: سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار وسالم بن عبدالله والقاسم بن ١٤٣ أ
محمد وعروة بن الزبير وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة وخارجة بن زيد بن
ثابت . قال : وكانوا إذا جاءتهم المسألة دخلوا جميعًا فنظروا فيها ، ولا
يقضي القاضي حتى ترفع إليهم فينظرون فيها فيصدرون .
حدثنا ابن بكير قال: قال الليث قال ابن شهاب: ما صبر أحدٌ على
العلم صبري ولا نشره أحد نشري، فأما عروة فكان بئراً لا تكدره الدِّلاء،
وأما سعيد بن المسيب فنصب نفسه للناس فذهب ذكره كل مذهب.
حدثني ابن بكير قال: سمعت الليث قال: كان أبناء أصحاب النبي صلى
الله عليه وسلم يجالسون سعيد بن المسيب فلا يسأل(٣) أحد منهم عن شيء
(١) ابن سعد ٨٩/٥.
(٢) سماه ابن حجر ((حفص)) معتمداً على الإِمام البخاري (تهذيب التهذيب
٣٠٩/٧).
(٣) فى الأصل ((يسله)).
- ٤٧١ -

إلا أن يسأل(١) عن شيء فيحدثهم به.
حدثني ابن بكير قال: سمعت مالكاً يقول: سئل سعيد بن المسيب
عن مسألة فقيل له: إن الحسن قال فيها كذا وكذا فقال: احتوشه نساجو أهل
العراق فأفسدوه .
حدثني ابن بكير قال: سمعت الليث يقول: دخل علي بن الحسين
على طارق(٢) فقال طارق: لُأرسلن إلى سعيد بن المسيب فأما أن يبايع وإما
أن أضرب عنقه. قال: فانصرف ومر بأبي بكر بن عبدالرحمن فأخبره، فذهبا
إلى سعيد بن المسيب فقالا له: تبايع؟ قال: لا ألعب بديني كما(٣) لعبتها
بدينكما. قالا له: فاخرج إلى البادية لعله ينساك. فقال: لا . فقالا: فتجلس
في بيتك. فقال: أسمع المنادي يدعو إلى الفلاح فما أجيبه! قالوا: فتحول عن
موضعك فإنه مقابل بابه فإذا خرج راك. قال: أتحول لمكان غيره (٤) هذا موضع
نحن نجلس فيه منذ كذا وكذا. فلما خرج طارق تبعه عمرو بن عثمان فقال
له: جزاك الله خيراً فيما فعلت وخاصة في شيخنا سعيد. فقال: والله ما ذكرته
وقال: [وما](٥) انفلت مني إلا لنسيان .
حدثنا زيد بن بشر وأبو الطاهر ويونس بن عبدالأعلى قالوا: أخبرنا ابن
وهب قال: حدثني مالك عن ابن شهاب أنه كان يجالس عبدالله بن ثعلبة
ابن صعير وكان يتعلم منه الأنساب وغير ذلك، فسأله يوماً عن شيء من الفقه
فقال: إن كنت تريد هذا فعليك بهذا الشيخ سعيد بن المسيب. قال ابن
١٤٣ ب
(١) في الأصل ((سأل)).
(٢) هو طارق بن عمرو مولى عثمان بن عفان (تاريخ خليفة بن خياط
٢٦٥/١).
(٣) في الأصل ((لما)).
(٤) في الأصل ((غير) وقد وردت بعد ((هذا)) فقدمتها.
(٥) الزيادة يقتضيها السياق.
- ٤٧٢ -

شهاب: فجالسته سبع حجج وأنا لا أظن أن أحداً عنده علم غيره. وقال:
إن فتيا ابن شهاب ووجهة ما كان يأخذ به إلى قول سالم بن عبدالله وسعيد
ابن المسيب .
حدثنا زيد بن بشر الحضرمي حدثنا ضمام عن بعض أهل المدينة قال :
لما كانت بيعة سليمان بن عبدالملك مع بيعة الوليد كره سعيد بن المسيب أن
يبايع بيعتين، فكتب صاحب المدينة إلى عبدالملك بن مروان يخبره أن سعيد
ابن المسيب كره أن يبايع لهما جميعًا. فكتب عبد الملك إلى صاحب المدينة: وما
كان حاجتك إلى رفع هذا عن سعيد بن المسيِّب، ماكنا نخاف منه. فأما إذا
ظهر ذلك وانتشر في الناس فادعه إلى ما دخل فيه من دخل في هذه البيعة،
فإن أبى فاجلده مائة سوط، واحلق رأسه ولحيته، وألبسه ثياباً من شعر،
وأوقفه على الناس في سوق المسلمين لئلا يجترىء علينا غيره. فلما علم من(١)
كان من قريش سألوا الوالي أن لا يعجل عليه حتى يخوفوه بالقتل فعسى أن
يجيب، فأرسلوا مولى له كان في الحرس فقالوا: اذهب فأخفهُ بالقتل وأخبره
أنه مقتول لعل ذلك يخيفه حتى يدخل فيما دخل فيه الناس. فجاءه مولاه
- وهو على مسجده يصلي - فبكى المولى، فقال له سعيد: ما يبكيك ويحك؟
قال: يبكيني ما يراد بك، قد جاء كتاب فيك إن لم تبايع قتلت، فجئتك
لتتطهر وتلبس ثيابًا طاهرة وتفرغ من عهدك. قال: ويحك قد وجدتني أصلي
على مسجدي، فتراني كنت أصلي ولست بطاهر وثيابي غير طاهرة، وأما ما
ذكرت من العهد فإني أضلَّ ممن أرسلك إن كنت بتُ ليلة ولم أفرغ من ١٤٤ أَ
عهدي، فإذا شئت فإني لم أكن لأبايع بیعتین في الإِسلام بعد حديث سمعته
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: إذا كانتا بيعتين فأقيلوا الحدثى
(١) في الأصل ((ما)).
- ٤٧٣ -

منهما. فانطلق معه(١). فلما أتی الوالي دعوه فأبى أن يجيب. فأمره بلبس ثياب
من شعر، وأمره بالتجريد فجلد مائة سوط، وحلق رأسه ولحيته ووقف فقال:
لو كنت أعلم أنه ليس شيء إلا هذا ما نزعت ثيابي طائعاً ولا أجبتُ إلى ذلك.
فقال ضمام: فبلغني أن هشام بن إسماعيل كان إذا خطب الناس يوم الجمعة
يحول إليه سعيد بن المسيب وجهه ما دام يذكر الله حتى إذا رفع يمدح عبد الملك
ويقول فيه ما يقول أعرض عنه سعيد بوجهه فلما فطن له هشام أمر حرسياً أن
يحصب وجهه إذا تحول عنه، ففعل ذلك به، فقال سعيد لهشام - وأشار إليه
بيده فقال - هي ثلاث تحل . فما مَّ به إلا ثلاثة أشهر حتى عزل هشام .
حدثنا محمد بن أبي زكير قال: أخبرنا ابن وهب قال: حدثني مالك
قال: ضُرب سعيد بن المسيب مائة وأدخل في ثياب من شعر. قال مالك:
وقال عمر بن عبدالعزيز: ما أغبطُ رجلاً لم يصبه في هذا الأمر أذى. قال ابن
وهب: وحدثني مالك: بلغني أن ابن المسيب لما جلس بعث إليه أهله بطعام
صنعوه له فلما أتى به قال سعيد: لا أذوقه، انظروا الأقراص الأربعة التي
كنت آكلهم بالزيت في البيت فابعثوا بهن إليّ. قال مالك: وكان معه رجل
في السجن فبعث إليه أهله بألوان من الطعام، فقال له سعيد: إن أنت تريد
أن تجلس هاهنا كُف هذا عنك.
حدثنا الحجاج ثنا حماد عن علي بن زيد قال: قلت لسعيد بن المسيب
يزعم قومك أنه إنما منعك من الحج أنك جعلت لله عليك إذا رأيت الكعبة
أن تدعوا على بني مروان؟ قال: ما فعلتُ وما أصلي لله صلاة إلا دعوتُ الله
١٤٤ ب عليهم، وإني قد حججتُ واعتمرت بضعاً وعشرين مرة.
حدثنا محمد بن أبي زكير قال: أخبرنا ابن وهب قال: سمعت مالكاً
يحدث: أن غلاماً من العمال بعث إلى سعيد بن المسيب بخمسة آلاف درهم،
(١) في الأصل ((معهما)).
- ٤٧٤ -
... .

فقال له الرسول: بعث بهذا إليك - أصلحك الله - لتُنفقها وتجعلها في
حاجتك. قال: وسعيد جاد مجد يحاسب غلاماً له في نصف درهم يدعيه قِبَلَهُ
والغلام يقول: ليس لك عندي شيء. قال سعيد للرسول: اذهب إلى
عملك، ثم عرضها عليه الرسول أيضاً، فقال: اغرب عني. وأبى أن
يأخذها منه. [و] وكِّله إنسان في تركة أن يأخذها، فقال له ابن المسيب: هذا
النصف درهم أحب إليّ منها .
حدثنا سليمان بن حرب قال: حدثنا سلام بن مسكين عن عمران بن
عبدالله(١) الخزاعي قال: قدم الوليد بن عبدالملك المدينة فأقام، فأرسل رسولاً
إلى سعيد بن المسيب أن يأتيه، فجاءه الرسول فقال: إن أمير المؤمنين يدعوك
فأجب. فقال له: قل له ليس لي إليك حاجة وحاجتك عندي غير مقضية.
فرجع الرسول، فقال: اذهب فقل له: إنما أكلمك في حاجة. فجاء الرسول
فقال: إنما يريدك في حاجة. فقال: ليس لي إليه حاجة، وحاجته عندي غير
مقضية. فقال: يرسل إليك أمير المؤمنين وتقول هذا القول فلو أنه قد تقدم
إليَّ فیك لحملت إليه رأسك(٢).
حدثنا أبو صالح قال: حدثني الليث بن سعد قال: قلت ليحيى بن
سعيد أن ابن شهاب قال: وجدتُ عروة بن الزبير بحراً لا تكدره الدلاء،
وأما سعيد بن المسيب فكان ينصب نفسه للناس. فقال يحيى: أما أعلمهم
بالسنن وأقضية عمر فابن المسيب وأما أكثرهم حديثاً فعروة بن الزبير.
((حدثنا أبو صالح قال: حدثني الليث عن يحيى بن سعيد قال: كان
(١) في الأصل ((عبيد)) والتصحيح من ابن سعد ٩٥/٥ وتهذيب التهذيب
١٣٤/٨.
(٢) أورد ابن سعد هذه الرواية على أنها وقعت لسعيد مع عبدالملك بن مروان
(الطبقات الكبرى ٩٥/٥).
- ٤٧٥ -

عبدالله بن عمر إذا سئل عن الشيء يشكل عليه قال: سلوا سعيد بن المسيب
فإنه قد جالس الصالحين))(١).
حدثنا محمد بن أبي زكير قال: أخبرنا ابن وهب قال: حدثني مالك:
١٤٥ أ أن رجلاً جاء إلى سعيد بن المسيب وهو مريض فسأله عن حديث وهو
مضطجع فجلس فحدثه، فقال له الرجل: وددت أنك لم تتعنَّ. فقال: إني
كرهت أن أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا مضطجع. قال:
وكان سعيد لا يبالي من خالفه في الناس لعلمه.
حدثني سعيد بن أسد قال: حدثنا ضمرة عن رجاء بن جميل الأيلي
قال: قال عبدالرحمن بن عبدالقاري لسعيد بن المسيب حين قدم للبيعة للوليد
وسليمان المدينة من بعد أبيهما: إني مشير عليك بخصال ثلاث. قال: وما
هن؟ [قال](٢): يغير لك مقامك فإنك تقوم حيث يراك هشام بن إسماعيل.
قال: ما كنت لأترك مقاماً أقومُه منذ أربعين سنة. قال: أو تخرج معتمراً.
قال: ما كنت لأنفق مالي وأجهد بدني في شيء ليس فيه نية. قال: فما الثالثة؟
فقال: تبايع. قال: أرأيت إن كان الله أعمى قلبك كما أعمى بصرك فما
عليّ. قال: وكان أعمى. قال رجاء: فدعاه هشام إلى البيعة، فأبى، فكتب
فيه إلى عبدالملك. فكتب إليه عبد الملك: مالك ولسعيد، ما كان علينا منه شيء
نكرهه، فأما إذا فعلت فاضربه ثلاثين سوطاً والبسه ثياباً من شعر وأوقفه
للناس لئلا يقتدي به الناس. فدعاه هشام، فأبى عليه فقال: لا أُبايع
لاثنين. فضربه ثلاثين سوطاً وألبسه ثياباً من شعر وأوقفه للناس. قال رجاء:
فحدثني بعض الأيليين الذين كانوا في الشرط بالمدينة قال: علمنا أنه لا يلبس
(١) الخطيب: الفقيه والمتفقه ١٧٠/١ وأورد هذه الرواية أيضا ابن سعد
١٠٤/٥.
(٢) الزيادة يقتضيها السياق.
- ٤٧٦ -

التَبَّان طائعاً. قال: فقلنا له: يا أبا محمد إنه القتل فاستر به عورتك. قال:
فلبسه. قال: فلما ضرب ثلاثين علم أنا خدعناه. قال فقال: يا نصحة أهلاً
- ثلاثًا - لولا ظننت أنه القتل لما لبسته .
حدثنا أبو زيد عبدالرحمن بن أبي الغمر(١) قال: أخبرنا ابن القاسم(٢)
عن مالك قال: دخل نافع بن جبير بن مطعم على سعيد بن المسيب وهو
مريض ولم يُطعم منذ ثلاثة أيام. قال: فكلِّمه. فقال له سعيد بن المسيب:
وكيف يأكل إنسان وهو على مثل هذه الحال. قال: إنه لا بد لصاحب الدنيا
ما كان فيها أن يطعم. قال: فما زال حتى حسا حسواً، ثم قال له: سل ١٤٥ ب
العافية، فإني أظن الشيطان قد كان يغيظه مجلسك من المسجد. فقال ابن
المسيب: اللهم سلمني وسلم مني(٣).
حدثنا يونس بن عبد الأعلى قال: أخبرني أشهب صاحب مالك قال:
قال مالك: كان سعيد بن المسيب عالماً بالبيوع، فقيل له: فسليمان بن يسار؟
قال: لم أسمع. وسليمان فيها يعلم ، وقد كان علم وسمع . قال مالك: ومات
(١) هو الفقيه المصري (تهذيب التهذيب ٢٤٩/٦).
(٢) في الأصل ((أبو القاسم)) وإنما هو عبدالرحمن بن القاسم بن خالد العتقي
المصري الفقيه (تهذيب التهذيب ٢٥٢/٦).
(٣) وقعت بعد هذه الرواية ثلاث روايات تتعلق بترجمة عمر بن عبد العزيز ولا
صلة لها بترجمة سعيد بن المسيب وقد تكررت اثنتان منها في ترجمة عمر بن
عبدالعزيز فحذفتها هنا، وأعدت الرواية الثالثة في موضعها الصحيح،
وهذه الروايات الثلاث هي خبر تذكيره زوجته فاطمة بحلاوة عيشهم
بدابق. وعطاؤه الناس عطاء العامة وتفرقهم عنه وتقريبه العلماء وقول
عمر ((لقد أصبحت ومالي في الأمور هذه .... )) انظر ترجمة عمر بن
عبدالعزيز.
- ٤٧٧ -