Indexed OCR Text

Pages 401-420

٤٠٠
رَجَلُ ضَرْبٌ جَعْدٌ كأنه من رجال شنؤة، وإذا عيسى ابن مريم قَائمٌ يُصَلّي
أَقربُ الناس به شبهًا عروة بن مسعود الثقفي، وإذا إبراهيم قَائمٌ يُصَلّي أَشبهُ
الناس به صاحبكم - يعني نفسه - فحانت الصلاة فَأممتهم، فلما فَرغتُ من
الصلاة، قال قائل: يا محمد، هذا مَالِكٌ صاحب النار فَسلِّم عليه، فالتفتُّ
إليه فبدأني بالسلام».
وفي حديث آخر: (١) إنَّ رسول الله وَّل مرّ بوادي الأزرق فقال: ((كأني
أنظرُ إلى موسى هابطاً من الثنية وله جُؤَّارٌ إلى الله بالتلبية، ثم أتى على ثَنية
هَرَشى فقال : كأني أنظرُ إلى يونس بن مَتّى على ناقة حمراء جَعْدةٍ عليه
جُبة من صوف، خِطَامُ ناقته خُلْبةٌ وهو يُلِي)).
وفي حديث آخر: (٢) ((كأني أنظر إلى موسى واضعاً أُصبعيه في أذنيه)).
وهذه الأحاديث كُلها في ((الصحيح))، وقد تقدّم في موسى، وعيسى
وجميع الأنبياء عليهم السلام المذكورين، شيء كثير من صفات الأجسام،
وكذلك صلاتهم قياماً، وَإِمامةُ النبي ◌َّ بهم.
ولا يقال: إنَّ ذلك رُؤْيَا المنام، وأنَّ قوله: ((أُراني)) فيه إشارة إلى
النوم، لأنَّ الإسراء وما اتفق فيه؛ كان يَقظةً على الصحيح الذي عليه
جمهور السلف والخلف.
ولو قيل: بأنه نَومٌ، فَرُؤيا الأنبياء عليهم السلام حَقٌّ وقوله: ((أُراني))،
لا دلالةَ فيه على المنام، بدليل قوله: ((رأيتني في الحِجْر))، وكان ذلك في
(١) المصدر السابق ١: ١٥٢ حديث (١٦٦).
(٢) المصدر السابق ١ : ١٥٢ حديث (١٦٦).
﴿المكتبة التخصصية للرد على الوهابية﴾

٤٠١
اليقظة كما يَدُلّ عليه بقية الكلام، وقال تعالى: ﴿فَلَا تَكُنْ فِ مِرْيَتِ مِّن
لِّقَآيَةٍ﴾ [السجدة: ٢٣].
وفي ((صحيح مسلم))(١): كان قتادة رضي الله عنه يُفَسّرُها: نّبيّ الله وَله.
قد لَقي موسى عليه السلام.
وقد قيل في قوله تعالى: ﴿وَمَثَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَا﴾: أنَّ
النبي ◌ِّر سألهم ليلة الإسراء(٢).
قال القاضي عياض رحمه الله(٣).
فإن قيل: يَحُجُّونَ وَيُلَبُّون وهم أموات(٤)، وهم في الدار الآخرة؛
وليست دار عمل؟ !.
فاعلم [وفقك الله]: أنَّ للمشايخ - وفيما ظهر لنا عن هذا - أجوبةٌ:
أحدها : [أنَّا إذا قلنا] إنهم كالشهداء؛ بل أفضل منهم، والشهداء
أحياءٌ عند ربهم، فلا يَبعُدُ أن يَحُجّوا وَيُصلَّوا كما ورد في الحديث الآخر،
وأن يتقربوا إلى الله تعالى بما استطاعوا [وكتب لهم]، لأنهم [بَعْدُ] وإن
كانوا قد تُوُفّوا(٥)؛ فهم في هذه الدنيا التي هي دار العمل، حتى إذا فَنِيت
مُدَّتها وتعقبها الآخرة التي هي دار الجزاء؛ انقطع العمل.
(١) ١ : ١٥٢.
(٢) تنظر أقوال المفسرين في ((جامع البيان)) للإمام الطبري ١١ : ١٩٢.
(٣) «إكمال المُعْلم بفوائد مسلم» ١ : ٥١٦.
(٤) نَصُّ العبارة في ((إكمال المُعْلم)): ((فإن قيل: كيف يتوجه ما ذكر من حَجّهم
وتلبيتهم وهم أموات ... )).
(٥) في ((إكمال المُعْلم)): ((وإن كانوا في الأخرى ... )).
﴿المكتبة التخصصية للرد على الوهابية﴾

٤٠٢
والوجه الثاني: أنَّ عمل الآخرة ذِكرٌ وَدُعَاء، قال الله تعالى: ﴿دَعْوَئِهُمْ
فِيَهَا سُبْحَكَ اللَّهُمَّ﴾ [يونس: ١٠].
الثالث: أن تكون [هذه] رُؤَيا مَنام، في غير ليلة الإسراء.
الرابع: أنه ◌َ* أُرِيَ حالهم التي كانت في حياتهم، وَمُثَلُوا له في حال
حياتهم كيف كانوا، أو كيف كان حَجُّهم وَتَلبيتهم.
الخامس: أن يكون أُخْبِرَ عما أُوحي إليه وَّر من أمرهم وما كان
منهم؛ وإن لم يرهم رؤية عین.
هذا كلام القاضي(١).
والوجه ((الأول)) و((الثاني)) يَلزمُ منهما الحياة، و((الثالث)) لا يأتي في
ليلة الإسراء، و(الرابع)) و((الخامس)) إنما يأتيان في الحج والتلبية
ونحوهما؛ وأما فيما حصل ليلة الإسراء؛ فلا.
والجواب الصحيح في الصلاة أَحدُ جوابين:
إما أن نَقُول : البرزخُ يَنسحِبُ عليه حُكْم الدنيا في استكثارهم من
الأعمال وزيادة الأُجور، وهو الجواب ((الأول)) الذي ذكرهُ القاضي.
وإما أن تَقُول: إن المُنقطع في الآخرة إنما هو التَّكليف، وقد تحصُّل
الأعمال من غير تكليفٍ، على سبيل التَّلذُذِ بها والخضوع لله تعالى، ولهذا
إنهم يُسَبِّحُون وَيَدعُون، وَيَقرؤُن القرآن.
وانظر إلى سجود النبي ◌ٍَّ وقت الشفاعة، أليس ذلك عبادةٌ وعملاً؟.
(١) لم يلتزم المؤلف إيراد نصَّ عبارة القاضي عياض رحمهما الله، واقتصر على
إیراد الشاهد من قوله. فلیعلم ذلك.
﴿المكتبة التخصصية للرد على الوهابية﴾

٤٠٣
وعلى كِلاَ الجوابين : لا يَمتنعُ حُصول هذه الأعمال في مدة البرزخ،
وقد صَحَّ عن ثابت البناني التابعي أنه قال: اللهم إن كُنت أعطيت أحداً أن
يُصَلّي في قبره، فأعطني ذلك.
فَرُئي بعد موته يُصَلّي في قبره (١).
وتكفي رُؤية النبي ◌َِّ لموسى عليه السلام قائماً يُصلّي في قبره، ولأنَّ
النبي ◌َّ﴾ وسائر الأنبياء عليهم السلام، لم يُقْبضُوا حتى يُخَيروا بين البقاء
في الدنيا وبين الآخرة؛ فاختاروا الآخرة، ولا شك أنهم لو بَقُوا في الدنيا؛
لازدادوا من الأعمال الصالحة، ثم انتقلوا إلى الجنة.
فلو لم يَعلمُوا أنَّ انتقالهم إلى الله أكملُ؛ لما اختاروا، ولو كان
انتقالهم من هذه الدار يُفَوِّتُ عليهم زيادةٌ فيما يُقرِّب إلى الله؛ لما اختاروه.
فهذه نُبذَةٌ من الأحاديث الصحيحة الدَّالةِ على حياة الأنبياء عليهم
الصلاة والسلام.
والكتاب العزيز يَدُلّ على ذلك أيضاً، قال تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ
قُتِلُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءُ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩]، وإذا
ثَبَت ذلك في الشهيد؛ ثبت في حَقِّ النبي ◌َّهِ بِوُ جُوهِ:
أحدها: أَنَّ هذه رُتبةٌ شَرِيفةٌ أُعطيت للشهيد كَرَامةً له، ولا رُتبةَ أعلىُ
من رُتَبةِ الأنبياء، ولا شك أنَّ حال الأنبياء أعلىُ وَأكملُ من حَالِ جميع
(١) رواه بسنده الإمام ابن أبي الدنيا في ((التهجد وقيام الليل)) ص٢٣٣ (١٥٤)
ص٤٤٤ (٤١٤)، والإمام يعقوب الفسوي في ((المعرفة والتاريخ)) ٢: ٩٩، والإمام
البيهقي في ((شعب الإيمان)» ٣: ١٥٦/١٥٥ (٣١٨٩ - ٣١٩١)، والإمام أبو نعيم في
((حلية الأولياء)) ٢: ٣١٩ وذكره الإمام الذهبي في ((سير أعلام النبلاء)) ٢٢٢:٥.
﴿المكتبة التخصصية للرد على الوهابية﴾

٤٠٤
الشهداء، فَيستحيلُ أن يَحصل كمالٌ للشهداء؛ ولا يحصل للأنبياء، لا
سيما هذا الكمال الذي يُوجِبُ زيادة القُربِ والزلفى والنعيم، والأُنس
بالعلي الأعلى.
الثاني: أنَّ هذه الرُّتبةَ حصلت للشهداء أجراً على جهادهم، وبذلهم
أنفسهم لله تعالى، والنبي وَّل هو الذي سَنَّ لنا ذلك ودعانا إليه، وهدانا له
بإذن الله تعالى وتوفيقه، وقد قال وَّهَ: ((من سَنَّ سُنَّةً حسنةً، فله أجرها
وَأجرُ من عَمِل بها إلى يوم القيامة، ومن سَنَّ سُنَّةً سيئةً، فعليه وِزْرُهَا وَوِزْرُ
من عَمِل بها إلى يوم القيامة))(١) .
وقال ◌َّ: «من دعا إلى هُدىً، كان له من الأجر مثل أُجُورٍ من يَتبعه
لا ينقص ذلك من أُجُورهم شيئاً، ومن دعا إلى ضلالةٍ، كان عليه من الإثم
مثل آثام من يَتبعه؛ لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً)(٢).
والأحاديث الصحيحة في ذلك كثيرةٌ مَشهورةٌ .
فكل أجرٍ حصل للشهيد؛ حصل للنبي وَّ لِسننهِ مثله، والحياة أجرٌ
فيحصل للنبي وَ﴿ مثلها؛ زيادةً على مَالَهُ صلى الله عليه وسلم من الأجر
الخاص من نفسه على هدايته للمهتدي، وعلى مَالَهُ من الأجور على
حسناته الخاصة من الأعمال والمعارف والأحوال، التي لا تَصِلَ جميع
(١) رواه الإمام مسلم في ((صحيحه)) (كتاب الزكاة) ((باب الحث على الصدقة))
٢: ٧٠٤ حديث (١٠١٧)، وفي (كتاب العلم) ((باب من سَنّ في الإسلام سنّة حسنة))
٤: ٢٠٥٩ حديث (١٠١٧). ورواه غيره أيضاً.
(٢) المصدر السابق (كتاب العلم) ((باب من سنّ في الإسلام سنّة حسنة)» ٤:
٢٠٦٠ حديث (٢٦٧٤).
﴿المكتبة التخصصية للرد على الوهابية﴾

٤٠٥
الأُمّة إلى عَرْفِ نَشرِها، ولا يبلغون مِعشَار عُشْرِها.
وهكذا نقول : جميع حسناتنا وأعمالنا الصالحة، وعبادات كُلِّ مسلمٍ
مُسطّرٌ في صحائف نبينا محمد بَّه؛ زيادةً على مَالَهُ من الأَجر، ويَحصُلُ
له صلى الله عليه وسلم من الأُجورِ بِعَدد أمته أضعافاً مضاعفةٌ؛ لا
يَحْصُرُها إلاَّ الله تعالى، وَيَقصُرُ العقل عن إِدراكها، فإنَّ كُلَّ مُهتدٍ وعَامل
إلى يوم القيامة يحصُلُ له أجر، وَيَتجدّدُ لشيخه في الهداية مثل ذلك
الأجر، ولشيخ شيخه مِثْلاهُ، وللشيخ الثالث أربعة، وللرابع ثمانية،
وهكذا يُضعّفُ في كُلُّ مَرتبةٍ بعدد الأجور الحاصلة بعده، إلى أن تنتهي
إلى النبي گلله.
فإذا فُرِضَت المراتب عشرةً بعد النبيِ ◌ّر، كان للنبي ◌َّ من الأجر
أَفٌ وأربعة وعشرون، فإذا اهتدى بالعاشر حادي عشر؛ صار أجرُ
النبي ◌َ ل* ألفين وثمانية وأربعين، وهكذا كلما ازداد واحدٌ يَتضاعَفُ ما كان
قبله أبداً إلى يوم القيامة، وهذا أمرٌ لا يَحصُرُه إلاَّ الله تعالى، وَيَقصُر العقل
عن کُنْه حقيقته.
فكيف إذا أُخِذَ مع كثرةِ الصحابة، وكثرة التابعين، وكَثْرةِ المسلمين
في كُلِّ عصر. فكُلّ واحدٍ من الصحابة يَحصُل له بعدد الأُجُورِ التي تَتَرتَّبُ
على فِعله إلى يوم القيامة.
وكُلُّ ما يَحصُل لجميع الصحابة؛ حاصلٌ بِجُمْلَتهِ للنبيِ وَّهِ، وبهذا
يظهر رُجحَان السلف على الخلف، فإنه كلما ازداد الخَلفُ؛ ازداد أجرُ
السلف وتضاعف بالطريق الذي نَبّهنَا عليه.
ومن تأمّل هذا المعنىُ وَرُزقَ التوفيق؛ انبعثت هِمْتُهُ إلى التعلیم،
وَرَغِب في نشره، ليتضاعف أجرهُ في حياته وبعد موته على الدوام،
﴿المكتبة التخصصية للرد على الوهابية﴾

٤٠٦
وَيَكُفّ عن إحداث البدع والمظالم من المُكُوس وغيرها، فإنها تُضَاعفُ
عليه بالطريق التي ذكرناها؛ مادام يُعْمَلُ بها.
فليتأمل المُسلِمُ هذا المعنى، وسعادة الهادي إلى الخير، وشقاوة
الدَّاعِي إلى الشر.
الثالث: أنَّ النبي ◌َِّ شهيدٌ، فإنه صلى الله عليه وسلم لما سُمَّ بخبير
وأكل من الشّاةِ المسمومة، وكان ذلك سُمّاً قاتلاً من ساعته، مات منه بِشْرُ
ابن البراء رضي الله عنه، وبقي النبي وَّ، وذلك مُعجِزةً في حقه؛ صار
أَلمُ السُّم يتعاهده إلى أن مات به صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي مات
فيه (١): ((ما زالت أكلةُ خيبر تُعَاودني، حتى كان الآنَ أوانُ قطعت أَبهري)) .
قال العلماء : فَجمعَ الله له بذلك بين النبوة والشهادة، وتكون الحياة
الثانية للشهيد ألاَّ تختص بمن قتل في المعركة، فإنَّا إنما اشترطنا ذلك في
الأحكام الدنيوية، كالغُسل والصلاة، أما الآخرة فلا، وهذا لاشك فيه
بالنسبة إلى النبي ◌ُالو.
أما غيره، وغير شهداء المعركة؛ ممن شّهِدَ له الشرع بالشهادة
كالمَطِعُون، والمَبطُون، والغَريق ونحوهم، فهل نَقُول: إنَّ الحياة الثانية
للمقتولين في سبيل الله تَثبتُ لهم، هذا يحتاج إلى توقيف.
والشهيد ((فَعِيلٌ)) إما بمعنى الفاعل، أو بمعنى المفعول، وقد اختُلفَ
(١) قد ورد مصرحاً به في رواية السيدة عائشة رضي الله عنها عند الإمام
البخاري في ((صحيحه)) ٣: ١٨١ (٤٤٢٨) من قوله { ل: ((يا عائشة، ما أزال أجد ألم
الطعام الذي أكلت بخيبر، فهذا أوان وجدت انقطاع أَبْهَري من ذلك السُّمّ)).
وله ألفاظ أخرى، منها ما ذكره المؤلف رحمه الله تعالی.
﴿المكتبة التخصصية للرد على الوهابية﴾

٤٠٧
في سَبب هذه التسمية، فَنُعَلَ عن النَّضر بن شُميل(١): أنَّ الشهيد هو الحَيُّ،
لأَنَّ كُلَّ من كان حياً كان شاهداً، أو مُشاهداً للأحوال، والشهيد حَيٌّ بعد
أن صار مقتولاً، واستدل بالآية.
فعلى مقتضى هذا القول: كُلَّ من ورد الشرع بأنه شَهيدٌ؛ ثبت له هذا
الوصف، وهو گونهُ حياً.
وقيل : - على كونه فَاعِلاً - : إنه شَهيدٌ على الأمم الخالية يوم القيامة،
أو: إنه شاهدَ لطف الله ورحمته.
وقيل - على كونه بمعنى مفعول -: إنَّ ملائكة الرحمة يَحْضُرونَهُ
ويرفعُون رُوحه إلى منازل القدس.
وَكُلُّ هذه المعاني مَوجُودةٌ في حَقِّ النبي ◌ََّ .
وقيل في سبب التسمية غير ما ذكرنا.
واعلم: أنه لابُدّ من تفسير الحياة التي نُشْبِتُها للنبي وَّ، والحياة التي
تُثْبِتُها للشهيد، وحياة سائر الموتى أيضاً.
فأمّا النبي ◌َّهِ: فَعَدّ صاحب ((التلخيص))(٢) من الشافعية في خصائصه:
أَنَّ مَالَهُ بعد موته قَائِمٌ على نفقته وَمُلکهِ.
(١) هو: العلامة الإمام الحافظ، النّضر بن شميل بن خرشة المازني البصري،
ولد سنة ١٢٢ هـ، قال عنه الإمام ابن المبارك: ((كان النضر إماماً في العربية
والحديث)). توفي سنة ٢٠٣ هـ. ((سير أعلام النبلاء)) ٩: ٣٢٨ (١٠٨).
(٢) هو: إمام عصره، أبو العباس أحمد بن محمد ابن القاص، توفي سنة
٣٣٥ هـ. ((طبقات الشافعية الكبرى)) ٣: ٥٩ (١٠٥).
﴿المكتبة التخصصية للرد على الوهابية﴾

٤٠٨
وقال إمام الحرمين رحمه الله تعالى(١) - عنه صلى الله عليه وسلم -: إنّ
ما خَلّفهُ بَقي على ما كان في حياته، فكان يُنفِقُ أبو بكر رضي الله عنه منه
على أهله وخَدمهِ، وكان يَرى أنه بَاقٍ على مُلْكِ رسول اللهِ وَه، فإنَّ
الأنبياء أحياء.
واعلم: أنَّ هذا القول يقتضي إثبات الحياة في أحكام الدنيا، وذلك
زائدٌ على حياة الشهيد، والقرآن العزيز ناطقٌ بموته صلى الله عليه وسلم
قال تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ قَّيِّتُونَ﴾، وقال صلى الله عليه وسلم: ((إني
مقبوضٌ))، وقال الصديق رضي الله عنه بأنَّ محمداً فَّهِ قد مات، وأجمع
المسلمون على إطلاق ذلك.
فالوجه إذا ثبت القول المذكور أن يقال: إنَّ ذلك موتٌ غير مستمر،
وإنه أُحييَ بعد الموت، ويكون انتقال المُلْكِ ونحوه مشروطاً بالموت
المستمر، وإلاَّ فالحياة الثانية حياةٌ أُخرويةٌ، ولا شك أنها أَعلىُ وأكملُ من
حياة الشهيد، وهي ثابتةٌ للروح بلا إشكال.
والجسد قد ثبت أنَّ أجساد الأنبياء لا تَبلىُ، وعَودُ الروح إلى البدن
سنذكره في سائر الموتى فضلاً عن الشهداء، فضلاً عن الأنبياء، وإنما
النظرُ في استمرارها في البدن، وفي أنَّ البدن يصيرُ حياً بها كحالته في
الدنيا، أو حَيّاً بدونها، وهي حيث شاء الله تعالى، فإنَّ مُلازمَةَ الحياة
للروح أمرٌ عادي لا عقلي، فهذا ما يجوّزه العقل، فإن صحَّ به سمعٌ؛
اتّبع، وقد ذكرناه عن جماعة من العلماء.
(١) هو: الإمام شيخ الإسلام، أبو المعالي عبد الملك بن عبد الله بن يوسف
الجويني، توفي سنة ٤٧٨ هـ. ((طبقات الشافعية الكبرى)) ٥: ١٦٥ (٤٧٥).
﴿المكتبة التخصصية للرد على الوهابية﴾

٤٠٩
ويشهد له : صلاة موسى عليه السلام في قبره، فإنّ الصلاة تستدعي
جسداً حياً، وكذلك الصفات المذكورة في الأنبياء عليهم السلام ليلة
الإسراء؛ كُلها صِفاتُ الأجسام، ولا يلزمُ من كونها حياةً حَقِيقيةً أن تكون
الأبدان معها كما كانت في الدنيا من الاحتياج إلى الطعام والشراب،
والامتناع عن النُّفوذِ في الحجاب الكثيف، وغير ذلك من صفات الأجسام
التي نشاهدها، بل قد يكون لها حكمٌ آخر، فليس في العقل ما يَمنعُ من
إثبات الحياة الحقيقية لهم.
وأما الإدراكات كالعلم والسماع؛ فلا شك أنَّ ذلك ثابتٌ، وَسنذكُر
ثُبُوته لسائر الموتى؛ فكيف بالأنبياء عليهم السلام.
﴿المكتبة التخصصية للرد على الوهابية﴾

٤١٠
الفصل الثاني
في الشهداء
أجمع العلماء على إطلاق لفظ: ((الحياة)) على الشهيد؛ كما نطق به
القران، ولكن اختلفوا: هل هي حياة حقيقية، أو مجازية؟
وعلى تقدير كونها حقيقية، هل هي الآن، أو يوم القيامة؟
وعلى تقدير كونها الآن : هل هي للروح، أو للجسد؟
فهذه أربعة أقوال لا خامس لها، أضعفها قول من قال: إنَّ المراد أنهم
يصيرون أحياء يوم القيامة، وليس المراد أنهم أحياءٌ الآن، وهذا قولٌ بَاطلٌ
بوجوه:
منها: قوله تعالى: ﴿وَلَكِن لَّا يَشْعُونَ﴾، فهذا خطابٌ للمؤمنين بأنهم لا
يشعرون بحياة من قُتِل في سبيل الله، وكلّ المؤمنين يَشعُرُونَ ويعلَمُونَ
بحياتهم يوم القيامة، وإنما الغريب الذي لا يُشْعَر به حياتهم الآن.
ومنها: قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ﴾ [آل
عمران: ١٧٠]، والمراد: إخوانهم الذين في الدنيا، ولم يموتوا بعد.
ومنها : الأحاديث الصحيحة: عن ابن عباس رضي الله عنهما قال:
قال رسول الله وَله: ((لما أُصِيبَ إخوانكم بِأُحدٍ، جعل الله أرواحهم في
جَوفٍ طَيرٍ خُضٍ تَرد أنهار الجنة، تأكُل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل من
ذهب معلقة في ظِلُّ العرش، فلما وجدوا طِيبَ مأكلهم ومشربهم
﴿المكتبة التخصصية للرد على الوهابية﴾

٤١١
وَمَقِيلهم، قالوا: من يُبلِّغُ إخواننا عنَّا أنّا أحياءٌ في الجنة نُرزَق؟، لئلا
يزهدوا في الجهاد، ولا ينكلوا عن حرب، فقال الله تعالى: أنا أُبَلِغْهُم
عنكم، فأنزل الله عز وجل: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَنَا﴾
ج
الآية)).
رواه: أبو داود، وأخرجه الحاكم في ((صحيحه))(١).
وفي ((صحيح مسلم))(٢) عن مسروق قال: سألنا عبد الله بن مسعود
رضي الله عنه عن هذه الآية: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَنَا بَلّ
أَحْيَآءُ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾.
فقال: أَمَا إنّا قد سألنا عن ذلك، فقال: ((أَرواحُهم في جَوفٍ طَيٍ
خُضرٍ لها قناديل مُعلقّة بالعرش، تَسرحُ من الجنة حيث شاءت، ثم تأوي
إلى تلك القناديل. فاطلع إليهم ربهم اطلاعةً فقال : هل تشتهون شيئاً؟ .
قالوا : أيُّ شيءٍ نشتهي ونحن نَسرحُ من الجنة حيث شئنا؟!، فَيُفْعَلُ
ذلك بهم ثلاث مرات. فلما رأوا أنهم لم يُتركُوا من أن يُسْأَلُوا، قالوا: يا
رب، نريد أن تَرُدّ أرواحنا في أجسادنا حتى نُقَتل في سبيلك مرةً أُخرى.
فلما رأی أن لیست لهم حاجة؛ ثُرِكُوا)).
وهذان الحدیثان صریحان في أنَّ ذلك حصل فيما مضى.
(١) (سنن أبي داود)) ((باب في فضل الشهادة)) ٣: ٢٢٢ حديث (٢٥١٢).
((المستدرك)» للإمام الحاكم ٢: ٩٧ حديث (٦٩/٢٤٤٤). وقال: ((هذا حديث صحيح
على شرط مسلم ولم يخرجاه)).
(٢) (كتاب الإمارة) ((باب بيان أن أرواح الشهداء في الجنة)) ٣: ١٥٠٢ حديث
(١٨٨٧).
﴿المكتبة التخصصية للرد على الوهابية﴾

٤١٢
وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: لقيني رسول الله وَل﴾. فقال:
((يا جابر، مالي أراك منكسراً؟!)) قلت: يا رسول الله، استُشهِدِ أبي، قُتِلَ يوم
أُحدٍ وترك عيالاً وعليه دين، قال: ((أَفلا أُبَشِّرُك بما لقي الله عزَّ وجل به أَبَاك
؟)) قلتُ: بلى يا رسول الله، قال: ((إنَّ الله ما كلَّمَ أحداً قطُّ إلاَّ من وراء
حجاب، وأحيا أباك وكلَّمهُ كِفَاحاً، فقال له: يا عبدِي تَمَنَّ عَليَّ أُعطِكَ؟
فقال : يا رب، تُحيِيني فَأُقتلَ فيك مرةً ثانية :
قال الله عز وجل : قد سبق مني أنهم لا يرجعون)).
قال: وأنزلت هذه الآية: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَتًا﴾،
رواه الترمذي، وقال: حسن غريب من هذا الوجه (١).
وقوله: (أحيا أباك)) يقتَضي تَجدُّدَ حياة، والروحُ باقية لم تَمت، فإما
أن يُحمَل على الجسد، وإما على أنَّ مُفَارقتها الجسد حياةٌ لها.
ومنها: ما سنذكره في سائر الموتى، وأنهم مُنْقَسِمُونَ في القبور إلى
مُنَعّمٍ وَمُعذب.
فثبتَ بهذه الوُجُوهِ: أنَّ الحياة حَاصلةٌ للشهيد الآن، ولكن مِنَ الناس مَنْ
قال: إنها حَيَاةٌ مجازيةٌ، ثم سلكوا في وَجه المجاز وُجُوهَاً، إمّا لأنهم في حُكْمٍ
الله مستحقون للنعيم في الجنة، أو لأنَّ ثناءهم بَاقٍ، أو غير ذلك من وُجُوه
المجازات وكلها ضَعيِفةٌ، لأنها عُدُولٌ عن الحقيقة إلى المجاز بغير دليل.
فلم يَبَق إلاَّ أنها حَيَاةٌ حَقِيقيةٌ الآن، وأنَّ الشهداء أحياءٌ حَقِيقةً، وهو
قول جمهور العلماء.
(١) (كتاب تفسير القرآن) ((باب سورة آل عمران)) ٥: ٢١٤ حديث (٣٠١٠).
﴿المكتبة التخصصية للرد على الوهابية﴾

٤١٣
لكن هل ذلك للرُوحِ فقط، أو للجسد معها؟
فيه قولان :
أحدهما: للروح فقط، لما ذكرناهُ من حديث ابن عباس، وابن
مسعود رضي الله عنهم، وأنَّ الروح في أجواف طَيرٍ خُضرٍ، وحَياةُ الجسد
إنما تكون بِعَودِ الروح إليه.
والثاني: للجسد معاً، وَسَنذكُر مثل ذلك في سائر الموتى، وإثبات
حياتهم في قبورهم، وأنَّ عذاب القبر ونَعِيمهُ للجسد والروح جميعاً، وإذا
كان نَعِيمُ غير الشهيد كذلك؛ فَنعيمُ الشهيد أَتمَّ وأولى وأكمل.
وذكر القرطبي(١): أنَّ أجساد الشهداء لا تبلى، وقد صحَّ عن جابر
رضي الله عنه، أنّ أباه، وعمرو بن جموح رضي الله عنهما وهما مِمّن
استشهد بأُحدٍ وَدُفنا في قَبْرٍ واحد، حَفَر السيل قبرهما فَوُجِدا لم يَتغيّرا،
وكان أحدُهما قد جُرحَ فَوضع يده على جُرحه، فَدُفن وهو كذلك،
فأُميطت يده عن جُرحه ثم أرسلت، فرجعت كما كانت، وكان بين ذلك
وبين أُحدٍ؛ سِتٌّ وأربعون سنة.
ولما أجرى معاوية رضي الله عنه العين التي استنبطها بالمدينة، وذلك
بعد أُحدٍ بنحو من خمسين سنة، ونقلَ الموتى، أصابت المِسحَاةُ قَدم
حمزة رضي الله عنه، فَسَالَ منه الدم، وَوُجد عبد الله بن حَرامٍ كأنما دُفنَ
بالأمس.
وَروى كافة أهل المدينة أنَّ جِدارَ قبر النبي وَلِّ لما انهدم أيام الوليد،
(١) ((التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة)) ١: ٢٥٦ وما بعدها. ولم يلتزم
المؤلف إيراد نصِّ عبارة الإمام القرطبي.
﴿المكتبة التخصصية للرد على الوهابية﴾

٤١٤
بدت لهم قَدمُ عمر بن الخطاب رضي الله عنه؛ وكان قتل شهيداً.
ولا حاجة إلى الإكثار من ذلك، فقد صحّ أنَّ الأنبياء عليهم السلام لا
تأكُل الأرض أجسادهم، وَوردَ مثله في الشهداء، ويعني بالشهيد: من قَاتل
لتكون كلمة الله هي العليا، فلا يَرِدُ علينا أنّا قد نرى من يُقاتل وتأكله
الأرض، لكن بقاء الجسد لا يَدُل على حياته، والكلام هنا إنما هو في
الحياة.
وقد صحَّ في الشهداء أنهم يقولون: نُريد أن تُردَّ أرواحنا إلى أجسادنا،
وهذا يَرُدُّ قول من يقول: إنَّ جسد الشهيد حَيٌّ بروحه كما كان في الدنيا،
اللَّهُمَّ إلاَّ أن يقال: إنه حَيُّ بغير تلك الروح، نوعاً من الحياة مُخَالفاً للحياة
الدنيوية.
وقد جاء في أرواح الشهداء: «إنها في أجواف طَيرٍ تَسرحُ من الجنة
حیث شاءت، ثم تأوي إلى قناديل تحت العرش)).
فمن العلماء من قال: أرواح الشهداء في أجواف طير في الجنة،
وأرواح غيرهم من المؤمنين في قبورهم، وممن ذكر ذلك القرطبي في
(«التذكرة»(١).
ومنهم من طَعن في الحديث وقال: إنه لم يَصحّ كونها في حواصل
طير، وزعم أنها بذلك تكون مَحبُوسّة، نُقِلَ ذلك عن أبي الحسن القابسي
وغيره من المالكية(٢)، وهو مَردودٌ، لأنَّ الحديث صحيح.
(١) ١ : ٢٤٣.
(٢) ذكر الإمام القرطبي في ((التذكرة)) ١ : ٢٤٨ قول الإمام أبي الحسن القابسي
فقال: ((وقال أبو الحسن القابسي: أنكر العلماء قول من قال: ((في حواصل طير))، لأنها
=
﴿المكتبة التخصصية للرد على الوهابية﴾

٤١٥
ومنھم من أَوّلَ : «في» بمعنى: ((علی)).
ومنهم من قال : إنها ليست في طَيرٍ، ولكنها نَفسُ الطير، لقوله
صلى الله عليه وسلم: ((إنما نسمةُ المؤمن طائر تَعْلَقُ)).
ومنهم من يقول: أرواح الشهداء مختلفةٌ، منها: ما هو طائر تَعْلَقُ من
شجر الجنة، ومنها : ما هو في حواصل طيرٍ خُضر، ومنها : ما تأوي إلى
قناديل تحت العرش، ومنها: ما هو في حواصل طَيرٍ بِيض، ومنها : ما هو
في حواصل طير كالزرازير، ومنها : ما هو في أشخاص وصور من صور
الجنة، ومنها : ما هو في صور تُخلَق لهم من ثواب أعمالهم، ومنها : ما
يسرح ويتردد إلى جُنَّتها يَزُورها، ومنها: ما يَتلقّى أرواح الموتى.
وممن سِوَىُ ذلك ما هو في كَفالةِ ميكائيل ، ومنها : ما هو في كفالة
آدم، ومنها : ما هو في كفالة إبراهيم عليهم الصلاة والسلام.
قال القرطبي رحمه الله تعالى: وهذا قَولٌ حَسنٌ، فإنه يَجمعُ الأخبار
حتى لا تَدافَع، والله تعالى [بغيبه] أعلم [وأحكم] (١).
= رواية غير صحيحة، لأنها إذا كانت كذلك، فهي محصورة، مُضَيّقٌ عليها)).
وَبَيّنَ الإمام القرطبي بأنها رواية صحيحة في ((صحيح مسلم))، وذكر أنه يحتمل
أن تكون ((في)) بمعنى ((على))، فيكون المعنى: أرواحهم على جوف طير أخضر.
واستشهد بقوله تعالى: ﴿وَلَأُصَلِيْنَّكُمْ فِ جُذُوعِ النَّخْلِ ﴾ أي: على جذوع النخل.
وقال أيضاً: ((وجائز أن يُسمىُ الظَّهرُ جوفاً، إذ هو محيط به ومشتمل عليه. ثم قال
عقبه: قال أبو محمد عبد الحق: وهو حسنٌ جید)). انتهى منه.
(١) ((التذكرة)) ١: ٢٤٩.
﴿المكتبة التخصصية للرد على الوهابية﴾

٤١٦
الفصل الثالث
في سائر الموتى في السماع والكلام والإدراك والحياة
وَعودِ الروح إلى الجسد
أما السّماعُ، والكلام : فَرواهُما البخاري رحمه الله تعالى.
أخبرنا بجميع ((صحيح البخاري)) أبو الحسن علي بن محمد بن هارون
بقراءتي عليه غير مَرّةٍ بالقاهرة، وفاطمة بنت البطائحي بقراءتي عليها بسفح
قاسيون ظاهر دمشق، وأبو العباس أحمد بن أبي طالب، ووزيرة بنت عمر
ابن أسعد بن مَنْجا قراءةً عليها وأنا أسمع وآخرون، قال الأربعة
المذكورون: أنا الحسين بن المبارك بن يحيى بن الزبيدي، قال الأول: وأنا
حاضر، وقال الثلاثة: ونحن نسمع، قال: أنا أبو الوقت عبد الأول بن
عيسى قراءةً عليه وأنا أسمع، أنا جمال الإسلام أبو الحسن عبد الرحمن
ابن محمد بن المظفر الداودي، أنا أبو محمد عبد الله بن أحمد بن
حَمُّويه، أنا أبو عبد الله محمد بن يوسف بن مطر الفِرَبَري، ثنا الإمام أبو
عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري، قال: ثنا عياش، ثنا عبد الأعلى،
ثنا سعيد .
وبه قال: وقال لي خليفة: حدثنا ابن زريع، ثنا سعيد، عن قتادة، عن
أنس رضي الله عنه، عن النبي وَّ قال: ((العبد إذا وُضع في قبره، وتولَّى
﴿المكتبة التخصصية للرد على الوهابية﴾

٤١٧
وَذهبَ عنه أصحابه، حتى إنه يسمعُ قَرع نِعَالهم، أَتاهُ ملكان فأقعداه،
فيقولان له: ما كنت تَقُول في هذا الرجل محمد؟، فيقول: أشهد أنه عبدُ
الله ورسوله، فيقال: انظر إلى مقعدك من النار، أبدلكَ الله به مقعداً من
الجنة .
قال الذى وَلّ: فيراهما جميعاً.
وأما الكافر، أو المنافق فيقول: لا أدري، كنت أقول ما يقول الناس،
فيقال : لا دريت ولا تليت، ثم يُضْربُ بمطرقةٍ من حَديدٍ ضَرَبَةً بين أذنيه،
فيصيح صيحةً يسمعها من يليه إلاَّ الثقلين))(١) .
وَرَوى ((مسلم)) (٢) رحمه الله من حديث أسماء رضي الله عنها قريباً
منه، وفيه: ((وأما المنافق، أو المُرتاب))، قال الراوي: لا أدري أيَّ ذلك
قالت أسماء رضي الله عنها.
وفي ((الترمذي))(٣): أنَّ الملكين يقولان للمؤمن: نَمْ كَنومةِ العروس،
لا يُوقِظهُ إلاَّ أحَبُّ أهله إليه.
وبالإسناد إلى ((البخاري)) (٤) قال: حدثنا عبد العزيز بن عبد الله، ثنا
الليث، عن سعيد المقبري، عن أبيه، أنه سمع أبا سعيد الخدري رضي
الله عنه يقول: إِنَّ رسول الله وَّه قال: ((إذا وُضِعَت الجنازة واحتملها الرجال
(١) (كتاب الجنائز) ((باب الميت يسمع خفق النّعال)) ٤١٠:١ حديث (١٣٣٨).
(٢) (كتاب الكسوف) ((باب صلاة الكسوف)) ٦٢٤:٢ حديث (٩٠٥).
(٣) (كتاب الجنائز) ((باب ما جاء في عذاب القبر)) ٣٨٣:٣ حديث (١٠٧١).
(٤) (كتاب الجنائز) ((باب حمل الرجال الجنازة دون النساء)) ١: ٤٠٤ حديث
(١٣١٤).
﴿المكتبة التخصصية للرد على الوهابية﴾

٤١٨
على أعناقهم، فإن كانت صالِحة قالت: قدِّمُوني، وإن كانت غير صالحةٍ
قالت : يا ويلها، أين يذهبون بها، يسمعُ صوتها كُلّ شيء إلّ الإنسان،
ولو سمعه صعِق)».
وبالإسناد إلى ((البخاري))(١) قال: حدثنا عبد الله بن يوسف، ثنا
الليث، ثنا سعيد، فذكر بمثله. وقال: ((قالت لأهلها: يا ويلها)) وقال: ((ولو
سَمع الإنسان لصعِقَ)).
فانظر هذه الأحاديث الصحيحة التي لاَ مِريةً فيها، وتأكيد الكلام بما
لا يَحْتَمِلُ المجاز، وهو قوله: ((يسمع صوتها كلّ شيء إلاَّ الإنسان)).
ولولا هذا؛ لأمكن أن يُحمَل على القول بلسان الحال، لكن بعد هذا
لا يَسُوغ هذا الحمل.
وأيضاً: فإنَّ لسان الحال معلومٌ عند الإنسان، فلاشك في حصول
كلام حقيقي، هذا ونحن نُشاهد على أعناق الرجال ميتاً.
ومن الأحاديث الصحيحة المتفق عليها: نداؤه ◌َّ أهل القَلِيب،
وقوله: ((ما أنتم بأسمع لما أَقولُ منهم))(٢).
وأما الإدراك: فَيدل له مع ذلك الأحاديث الواردة في عذاب القبر،
وهي أحاديث صحيحة متفقٌ عليها رواها: البخاري، ومسلم، وغيرهما،
(١) (كتاب الجنائز) ((باب قول الميت وهو على الجنازة: قدِّموني)) ٤٠٥:١
حديث (١٣١٦).
(٢) رواه الإمام البخاري في ((صحيحه)) (كتاب المغازي) ((باب قتل أبي جهل))
٨٦:٣ حديث (٣٩٧٦)، والإمام مسلم (كتاب الجنة وصفة نعيهما) ((باب عرض مقعد
الميت من الجنة، أو النار)) ٢٢٠٢:٤ حديث (٧٦). ورواه غيرهما.
﴿المكتبة التخصصية للرد على الوهابية﴾

٤١٩
وأجمع عليها وعلىْ مَدلولها أهل السُّنة، والأحاديث في ذلك مُتَواترةٌ.
ومن أحسنها: ما رواه أبو داود الطيالسي(١): أخبرنا أبو العباس أحمد
ابن محمد الدشتي بقراءتي عليه بالشام في سنة سبع وسبع مئة ، قال: أنا
الحافظ ابن خليل، أنا اللبان، أنا الحداد، أنا أبو نعيم، أنا ابن فارس، ثنا
يونس بن حبيب، ثنا أبو داود الطيالسي، ثنا الأسود بن شيبان، عن بحر
ابن مرار البكراوي، عن أبي بَكْرةَ رضي الله عنه قال:
بينا أنا أمشي مع رسول الله وَ لَّ، ومعي رجلٌ، ورسول الله وَل يمشي
بيننا، إذا أتى على قبرين، فقال رسول الله وَ لجر ((إنّ صاحبي هذين القبرين
لَيَعُذْبان الآن في قبورهما، فأيكما يأتيني من هذا النَّخل بِعَسيبٍ)).
فاستبقت أنا وصاحبي فسبقته، وكسرت من النخل عَسيباً، فأتيت به
النبي ◌ِّ، فَشقّه نصفين من أعلاه، فوضع على أحدهما نصفاً، وعلى
الآخر نصفاً وقال: ((إنه يُهَوَّنُ عليهما مادام فيهما من بُلُولَتِهما شيء، إنهما
يعذبان في الغيبة والبول».
قال الطيالسي: ورَوى هذا الحديث مسلم بن إبراهيم، عن الأسود،
عن مجزأة، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة رضي الله عنه.
هكذا نقلته من ((مسند أبي داود الطيالسي)) التي هي أَصلُ سماعي،
وهي بخط ابن خليل، وأصل الحديث ثَابتٌ في ((الصحيحين))(٢)، وفي
(١) ((مسند أبي داود الطيالسي)) ٢: ١٩٨ حديث (٩٠٨).
(٢) (البخاري)) (كتاب الجنائز) ((باب الجريدة على القبر)) ٤١٨:١ حديث
(١٣٦١)، و (كتاب الأدب) ((باب الغيبة)) حديث (٦٠٥٢)، و((باب النميمة))
٤: ١٠٠-١٠١ حديث (٦٠٥٥).
=
﴿المكتبة التخصصية للرد على الوهابية﴾