Indexed OCR Text

Pages 361-380

٣٦٠
خلقت الجنة والنار، ولقد خَلقتُ العرش على الماء فاضطرب، فكتبت
علیه لا إله إلاّ الله؛ فسكن)).
قال الحاكم: هذا حديثٌ حَسنُ صحیح الإسناد، ولم يُخرِجاه، انتهى
ما قاله الحاکم.
والحديث المذكور، لم يقف عليه ابن تيمية بهذا الإسناد، ولا بَلغهُ أنَّ
الحاكم صَحّحه، فإنه قال - أعني ابن تيمية - : ((أما ما ذكرهُ في قصة آدم
من تَوسُّله، فليس له أصلٌ، ولا نقله أحدٌ عن النبي ◌َّ بإسناد يَصلُحُ
للاعتماد عليه، ولا الاعتبار، ولا الاستشهاد))(١).
(١) ذكر ابن تيمية في ((الفتاوى الكبرى)) ٢: ١٥٠ حديث سيدنا ميسرة الفجر
رضي الله عنه، وحديث سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وعقبهما بقوله: ((فهذا
الحدیث یؤيد الذي قبله، وهما كالتفسير للأحاديث الصحیحة)». فهل هذا إلاَّ من باب
الاستشهاد، والاعتبار اللذين ینکرهما.
وللحديث شواهد منها: ما رواه الإمام الآجري في ((كتاب الشريعة)) ٢: ٢٤٦
(١٠٠٦) من حديث عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه قال: من الكلمات التي تاب
الله بها على آدم عليه السلام، قال: اللَّهُمَّ إني أسألُكَ بحق محمد صلى الله عليه وسلم
عليك. قال الله عز وجل: يا آدم، وما يدريك بمحمد؟ قال: يا رب، رفعت رأسي
فرأيت مكتوباً على عرشك: لا إله إلاَّ الله محمد رسول الله، فعلمت أنه أكرم خلقك
علیك))، انتهى.
وحديث ميسرة الفجر رضي الله عنه، رواه: الإمام أبو الحسن ابن بشران، ومن
طريقه رواه الإمام ابن الجوزي في ((الوفا بأحوال المصطفى صلى الله عليه وسلم)) ١ :
٣٣، والإمام أبو عبد الله ابن النعمان المراكشي في ((مصباح الظلام في المستغيثين
بخير الأنام في اليقظة والمنام)» ص٢٦، وقال الإمام الصالحي في ((سُبل الهدى
=
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٣٦١
ثم ادّعى ابن تيمية أنه كذبٌ، وأطال الكلام في ذلك جداً، بما لا
حاصل تحته بالوهم والتَّخَرُّص، ولو بلغه أنَّ الحاكم صَحّحهُ؛ لما قال
ذلك، أو التعرض للجواب عنه، وكأني به إن بلغه بعد ذلك؛ يَطعنُ في
عبدالرحمن بن زيد بن أسلم، راوي الحديث.
ونحن نقول : قد اعتمدنا في تصحيحه على الحاكم، وأيضاً عبد
الرحمن بن زيد بن أسلم لا يَبلُغ في الضعف إلى الحَدِّ الذي ادّعاه(١)،
= والرشاد)) ١: ٨٦: ((سندہ جید)).
ونَصُّه: قال ميسرة الفجر رضي الله عنه: قلت: يا رسول الله، مَتَى كنت نبياً؟،
قال صلى الله عليه وسلم: ((لما خلق الله الأرض واستوى إلى السماء فسواهنّ سبع
سموات، وخلق العرش؛ كتب على ساق العرش : محمد رسول الله، خاتم الأنبياء.
وخلق الجنة التي أسكنها آدم وحواء، فكتب اسمي على الأبواب، والأوراق،
والقباب، والخيام، وآدم بين الروح والجسد.
فلما أحياه الله تعالى؛ نظر إلى العرش فرأى اسمي، فأخبره الله تعالى: إنه سيّد
ولدك. فلما غَرَّهُما الشيطان؛ تابا واستشفعا باسمي إليه))، انتهى.
وللحديث شواهد أخر، ينظر: ((سُبل الهُدى والرشاد)» للإمام الصالحي ١: ٨٥
وما بعدها.
فظهر بذلك: صدق قول المؤلف أوّل هذا الباب، أنّه لم يُعْرَفْ إنكارٌ للتوسل
والتشفع والاستغاثة بالنبي صلى الله عليه وسلم؛ حتى جاء ابن تيمية في القرن السابع
فأحدث هذه الفتنة التي شركَ بسببها أكثر الأمة الإسلامية، وبدّع، ولا حول ولا قوة
إلاَّ بالله العلي العظيم.
(١) ذكر الإمام المِزّي في ((تهذيب الكمال)) ٤: ٤٠٤ في ترجمة عبد الرحمن بن
زيد، أنَّ الإمام أحمد ضعَّف أمره قليلاً، وعن ابن أبي حاتم أنه قال عنه: ليس بالقوي
=
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٣٦٢
وكيف يَحِلُّ لِمُسلمٍ أن يتجاسر على منع هذا الأمر العظيم الذي لا يَردّهُ
عَقلٌ ولا شرع، وقد ورد فيه هذا الحديث؟.
وسنزيد هذا المعنىُ صِحّةً وتثبيتاً بعد استيفاء الأقسام.
وأما ما ورد من توسل نوح، وإبراهيم عليهما السلام، وغيرهما من
الأنبياء، فذكره المفسرون(١)، واكتفينا عنه بهذا الحديث لجودته،
= في الحديث، كان في نفسه صالحاً، وفي الحديث واهياً.
وقال الإمام ابن عدي في ((الكامل)) ٤: ١٥٨٥: ((وهو ممن احتمله الناس وصدقه
بعضهم، وهو ممن یکتب حديثه)».
فعليه؛ يكون الحُكْمُ على الرجل أنه لا يبلغ في الضعف حدّ الترك، كما قال
الإمام المؤلف.
(١) لقد أَلَّفَ الإمام أبو عبد الله محمد بن موسى بن النعمان المزالي المراكشي
المتوفّى سنة ٦٨٣هـ، كتاباً عظيماً جمع فيه ما تَفّرِقَ في الكتب في ذِكْرٍ من استغاث،
أو تَوسَّلَ بالنبي صلى الله عليه وسلم من لدن سيدنا آدم عليه السلام وحتى عصر
المؤلف، وعنوانه: ((مصباح الظلام في المستغيثين بخير الأنام عليه الصلاة والسلام في
اليقظة والمنام))، وقد أشاد به جمعٌ من العلماء، ونقلوا عنه في كتبه مستشهدين بما
أورده، أو مستحسنين له، ومنهم الإمام الطَّوفي الحنبلي في كتابه ((الإشارات الإلهية))
ص٣: ٩١ حيث قال: ((وقد صَنّف الشيخ أبو عبد الله ابن النعمان كتاباً سَمّاهُ: ((مصباح
الظلام في المستغيثين بخير الأنام)»، واشتهر هذا الكتاب، وأجمع أهل عصره على
تلقیه منه بالقبول، وإجماع أهل کل عصر حُجّة ... إلخ)) انتھی.
وهذا القول منه جاء ضمن تقرير حجّة الإمام شمس الدّين الجزري على ابن
تيمية في قوله: ((لا يستغاث برسول الله وَل))، وقد ذكر أنه نقل كلام الإمام الجرزي
وزاد عليه.
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٣٦٣
وتصحيح الحاكم له، ولا فرق في هذا المعنى بين أن يُعبّر عنه بلفظ:
((التوسل)) أو ((الاستغاثة))(١)، أو ((التشفع))، أو ((التَّجَوُّ))، والدّاعي بالدعاء
(١) هذا القول بعدم الفرق بين هذه الألفاظ، وأنّ معناها والمراد منها واحد،
مجمعٌ عليه إلاَّ عند ابن تيمية، فهو يفرِّق بين الألفاظ، وَيُجِيزُ بعضاً، ولا يُجِيزُ آخر،
وينازع فيها نزاعاً لفظياً.
ففي ((البداية والنهاية)) للإمام ابن كثير رحمه الله تعالى - وهو تلميذ ابن تيمية -
ذكر ج١٤ : ص ٤٧ ما نصه: ((فَعُقِدَ له مجلس وادّعى عليه ابن عطاء بأشياء، فلم يثبت
عليه منها شيء، لكنه قال: لا يستغاث إلاَّ بالله، لا يستغاث بالنبي صلى الله عليه
وسلم استغاثة بمعنى العبادة، ولكن يتوسل به، ويستشفع به إلى الله ... )).
ونقل هذا النَّصّ أيضاً الإمام ابن رجب الحنبلي في ((الذيل على طبقات الحنابلة))
٣٢٩:٢ وفيه قول ابن تيمية بالتوسل والتشفع بالنبي صل﴾.
واستعمال لفظة: ((الغوث)) معروفة قديماً، ومستعملة في مخاطبة النبي صلى الله
عليه وسلم بعد موته، دونما إنكار ممن رواها من أئمة الدّين من المُحَدِّثين، وغيرهم.
ففي ((شعب الإيمان)) ٣: ٤٩٥ للإمام البيهقي رحمه الله تعالى، رَوى عن الإمام
الحاكم بسنده إلى محمد بن إسحاق الثقفي، قال: سمعت أبا إسحاق القرشي يقول:
كان عندنا رجل بالمدينة، إذا رأى منكراً لا يمكنه أن يغيره، أتى القبر فقال:
ألا يا غوثنا لو تعلمونا
أيا قبر النبي وصاحبيه
انتھی منه.
وكذا ذكره الإمام السخاوي في ((الابتهاج بأذكار المسافر والحاج)) ص١٣٨،
وَصَدّرَهُ بقوله: ((وإن اطلعت على منكر لا تستطيع إزالته، فَنَادِ كما كان بعض السلف
يفعل ... ))، وذكر الأبيات السابقة.
وأبو إسحاق القرشي، هو: مَولى عبد الله بن الحارث بن نوفل الهاشمي، رَوى عن
=
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٣٦٤
المذكور وما في معناه؛ مُتُوسّلٌ بالنبي ◌َِّ، لأنه جعله وَسيلةً لإجابة الله
دعاءه، ومُستغیثٌ به.
والمعنى: أنه استغاث الله به على ما يقصده، فـ ((الباء)) هاهنا للسَببية،
وقد ترد للتعدية، كما يقول: من استغاث بك، فأغثه، ومستشفعٌ به،
وَمُتَجوَّهُ بِهِ، وَمُتُوجَهٌ، فإنَّ التّجوُهُ والتَّوجُه؛ راجعان إلى معنى واحد.
فإن قلت : المُتَشفَّعُ بالشخص: من جاء به ليشفع له، فكيف يصحُّ أن
يُقال: يَتَشفَّعُ به.
قُلْتُ: ليس الكلام في العبارة، وإنما الكلام في المعنى، وهو سؤال
الله تعالى بالنبي ولو كما ورد عن آدم عليه السلام، وكما يفهمه الناس من
ذلك، وإنما يفهمون من التَّشفُع، والتَوسُّل، والاستغاثة، والتّجوُه ذلك،
ولا مانع من إطلاق اللغة هذه الألفاظ على هذا المعنى.
= أبي هريرة رضي الله عنه. كذا عرّفه الإمام المزّي في ((تهذيب الكمال)) ٨: ٢٣٠ (٧٨٠٠).
والشِّعْرُ المذكور، هو الصحابي الجليل النابغة الجعدي، وهو من مُعَمَّري
الصحابة رضوان الله عليهم، حيث عاش مئة وثمانين سنة، وقيل مئتين وعشرين سنة،
وقد دعا له النبي بَله بقوله: ((لا يُفَضِّضُ الله فَاكَ))، وشعره هذا قاله بعد أن ضربه
سيدنا أبو موسى الأشعري أسواطاً في أبيات غيرها ذكرها الإمام ابن عبد البر في
(الاستيعاب)) ٣: ٥٨٦ (حاشية الإصابة). ففي هذا: أنَّ هذا الشعر قيل في عهد
الصحابة وسمعوه، ورُوي عن النابغة في حياتهم، ثم ذكره الأئمة ممن ذكرنا؛ ولم
نجد منهم استنكاراً ولا قذفاً ولا اتهاماً بالشرك للصحابة رضي الله عنهم، نعوذ بالله
من الهوى المُضلّ، وقف رحمك الله تعالى على فعل السلف من الصحابة رضي الله
عنهم، لا السلف الذين يُذْكَرُونَ ولا نعرف من هم.
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٣٦٥
والمقصود : جوازُ أن يسأل العبد الله تعالى بمن يقْطَع أنَّ له عند الله
قدراً ومرتبة، ولاشك أنَّ النبي ◌َِّ له عند الله قدرٌ عَلِيٌّ، ومَرتبةٌ رفيعة،
وجاهٌ عظيم، وفي العادة أنَّ من كان له عند الشخص قدرٌ بحيث إذا شفع
عنده؛ قَبِلَ شفاعته. فإذا انتسب إليه شخص في غيبته وتوسل بذلك وتشفع
به؛ فإنّ ذلك الشخص یجیب السائل إكراماً لمن انتسب إليه وتشفع به؛
وإن لم يكن حاضراً ولا شافعاً.
وعلى هذا التّوسّلُ بالنبي ◌َّر قبل خَلْقه، ولسنا في ذلك سائلين غير
الله تعالى، ولا داعين إلاَّ إياه، وقد يكون ذكر المحبوب أو العظيم، سبباً
للإجابة كما في الأدعية الصحيحة المأثورة: ((أسألك بكُلّ اسم هو لك،
وأسألك بأسمائك الحسنى، وأسألك بأنك أنت الله، وأعوذ برضاك من
سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وبك منك)).
وحديث ((الغار)) الذي فيه الدعاء بالأعمال الصالحة، وهو من
الأحاديث الصحيحة المشهورة، فالمسئول في هذه الدعوات كلها؛ هو الله
وحده لا شريك له، والمسئول به مُختلف، ولم يوجب ذلك إشراكاً، ولا
سؤال غير الله.
كذلك السؤال بالنّبيِ وَّ ليس سؤالاً للنبي وَلَّ، بل سُؤالٌ لله به، وإذا
جاز السؤال بالأعمال وهي مَخلوقةٌ؛ فالسؤال بالنبي وَّر أولى، ولا يسمع
الفرق بأنَّ الأعمال تقتضي المُجازاة عليها، لأنَّ استجابة الدعاء لم يكن
عليها، وإلاَّ لما حصلت بدون ذكرها، وإنما كانت على الدعاء بالأعمال،
وليس هذا المعنى مما تختلفُ فيه الشرائع حتى يقال: إنَّ ذلك شَرع من
قبلنا، فإنه لو كان ذلك مما يُخِلّ بالتوحيد؛ لم يجيء في مِلّةٍ من المِلَّلِ،
فإنَّ الشرائع كلها مُتّفقَة على التوحيد. وليت شعري! ما المانع من الدعاء
بذلك؟ فإنّ اللفظ يقتضي أنَّ للمسئول به قراراً عند المسئول، وتارة يكون
﴿المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٣٦٦
المسئول به أعلى من المسئول، أما البارئ سبحانه وتعالى كما في قوله:
((من سألكم بالله فأعطوه))، وفي الحديث الصحيح(١) في حديث أبرص،
وأقرع، وأعمى: ((أسألك بالذي أعطاك اللون الحسن، والجلد الحسن))،
الحدیث - وهو مشهور ۔۔
وأما بعض البشر؛ - وَيَحتَمِلُ أن يكون من هذا القسم - قول عائشة
لفاطمة رضي الله عنهما: ((أسألك بمالي عليك من الحق))، وتارةً يكون
المسئول أعلى من المسئولِ به، كما في سؤال الله تعالى بالنبي وَّ، فإنه
لاشك أنَّ للنبي وَِّ قَدراً عنده، ومن أنكر ذلك فقد كفر.
فَمتى قال: أسألك بالنبي ◌َّ، فلا شك في جَوازِهِ، وكذا إذا قال:
بِحَقِّ مُحمدٍ صلى الله عليه وسلم، والمراد بالَحقِّ: الرُّتبة والمنزلة، والحق
الذي جعله الله على الخلق، أو الحق الذي جعله الله بفضله له عليه، كما
في الحديث الصحيح(٢) قال: ((فما حَقُّ العباد على الله؟)).
وليس المراد بالحق: الواجب، فإنه لا يَجِبُ على الله شيء، وعلى
هذا المعنىُ يُحمَلُ ما ورد عن بعض الفقهاء في الامتناع من إطلاق هذه
اللفظة.
(١) ((البخاري)) (كتاب الأنبياء) ((باب حديث أبرص وأعمى وأقرع في بني
إسرائيل)) ٢: ٤٩٤ حديث (٣٤٦٤). ((مسلم)) (كتاب الزهد والرقائق) ٤: ٢٢٧٥
حديث (١٠).
(٢) ((البخاري)) (كتاب اللباس) ((باب إرداف الرجل خلفه)) ٤: ٨٤ حديث
(٥٩٦٧). ((مسلم)) (كتاب الإيمان) ((باب الدليل على أنَّ من مات على التوحيد دخل
الجنة قطعاً)) ١: ٥٨ حديث (٤٨ / ٤٩/ ٥٠).
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٣٦٧
الحالة الثانية: التوسل به بذلك النوع بعد خَلْقِهِ وَلّ في مدة حياته.
فمن ذلك: ما رواه أبو عيسى الترمذي في ((جامعه)) (١) في (كتاب
الدعوات) قال: حدثنا محمود بن غيلان، ثنا عثمان بن عمر، ثنا شعبة،
عن أبي جعفر، عن عمارة بن خزيمة بن ثابت، عن عثمان بن حُنيف
رضي الله عنه: أنَّ رجلاً ضرير البصر أتى النبي ◌َّه فقال: ادع الله أن
يعافيني.
قالَ وَله: ((إن شئت دعوتُ، وإن شئت صبرتَ فهو خيرٌ لك)).
قال: فادعه.
قال: فَأمرهُ أن يَتوضّأْ فَيُحْسِنَ وضوءه، ويدعو بهذا الدعاء: ((اللهم إني
أسألك وَأتوجّهُ إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، يا محمد، إني تَوجّهتُ
بك إلى ربي في حاجتي لتُقضى لي، اللهم شَفَّعهُ فِيَّ)).
قال الترمذي: هذا حَديثٌ حَسنٌ صحيح غريب، لا نعرفه إلاَّ من هذا
الوجه من حديث أبي جعفر الخَطمي.
ورواه النسائي في ((اليوم والليلة))(٢) عن محمود بن غيلان بإسناده
نحوه.
وعن محمد بن معمر، عن حبان، عن حماد، عن أبي جعفر، عن
عمارة بن خزيمة، عن عثمان بن حنيف، نحوه.
(١) ٥: ٥٣١ حديث (٣٥٧٨).
(٢) ((السنن الكبرى)) ٦: ١٦٨/ ١٦٩ حديث (١٠٤٩٤ / ١٠٤٩٥ / ١٠٤٩٦).
وكذا رواه الإمام ابن السُّني في ((عمل اليوم والليلة)) حديث (٦٢٨).
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٣٦٨
وعن زكريا بن يحيى، عن ابن مُثنى، عن معاذ بن هشام، عن
أبيه، عن أبي جعفر.
وعن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، عن عمه عثمان، بنحوه.
وأخرجه ابن ماجه في (الصلاة)(١) عن أحمد بن منصور بن سيار، عن
عثمان بن عمر، بإسناده نحوه.
وَرُوّيناهُ في ((دلائل النبوة)) (٢) للحافظ أبي بكر البيهقي، ثم قال
البيهقي: زاد محمد بن يونس في روايته فقال: ((فقام وقد أبصر)).
قال البيهقي(٣): وَرُوّيناهُ في ((كتاب الدعوات)) بإسناد صحيح، عن
روح بن عبادة، عن شعبة قال: ففعل الرجل؛ فَبَراً(٤).
قال: وكذلك رواه حماد بن سلمة، عن أبي جعفر الخَطمي.
ثم رَوى بإسناده عن روح بن القاسم، عن أبي جعفر المديني - وهو
الخطمي -، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، عن عمه عثمان بن حنيف،
فذكره.
وفي آخره: ((يا محمد، إني أتوجّهُ بك إلى ربي؛ فَيُجّ عن بصري،
اللهم شَفّعُهُ فِيَّ، وشفعني في نفسي)).
(١) ((سنن ابن ماجه)) (كتاب إقامة الصلاة) ((باب ماجاء في صلاة الحاجة)) ١:
٤٤١ حدیث (١٣٨٥).
(٢) ٦ : ١٦٦.
(٣) ((دلائل النبوة)) ٦: ١٦٧.
(٤) ((الدعوات الكبير)) ١: ١٥١ حديث (٢٠٤).
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٣٦٩
قال عثمان: فوالله ما تَفرّقنا ولا طال الحديث، حتى دخل الرجل
وكأنه لم يكن به ضُرٌّ قط(١).
وسنذكر هذا الحديث أيضاً في ((التوسل بالنبي وَ ليل بعد موته)) من طريق
الطبراني، والبيهقي، وقد كفانا الترمذي، والبيهقي رحمهما الله بتصحيحهما
مَؤُنَةَ النظر في تصحيح هذا الحديث(٢)، وناهيك به حُجّةً في المقصود.
فإن اعترض مُعترضٌ: بأنَّ ذلك إنما كان؛ لأنَّ النبي ◌َّر شفع فيه،
فلهذا قال له أن يقول: «إني توجهت إليك بنبيك)).
قُلْتُ: الجواب من وجوه:
أحدها : سيأتي أنَّ عثمان بن حنيف وغيره، استعملوا ذلك بعد موته
(١) ورواه أيضاً: الإمام أحمد في ((المسند)) ٥: ١٢٧ / ١٢٨ حديث (١٦٧٨٩/
١٦٧٩٠)، والإمام الحاكم في ((المستدرك)) ١: ٤٥٨ حديث (١١٨٠)/ ص ٧٠٠
حديث (١٩٠٩)/ ص٧٠٧ - ٧٠٨ حديث (١٩٢٩ / ١٩٣٠)، والإمام ابن خزيمة في
((صحيحه)) ٢: ٢٢٥ حديث (١٢١٩).
(٢) وصححه غيرهما: مما نقله الإمام ابن ماجه في ((السنن)) ١ : ٤٤٢ عن أبي"
إسحاق قال: ((هذا حديث صحيح))، والإمام ابن خزيمة بذكره له في ((صحيحه)) ٢:
٢٢٥ حديث (١٢١٩)، والإمام الحاكم في ((المستدرك)) ١: ٤٥٨ / ٧٠٠ / ٧٠٧/
٧٠٨. ونقل السيد عبد الله الغماري رحمه الله تعالى في ((مصباح الزجاجة في فوائد
صلاة الحاجة)) ص ٢٢ موافقة تصحيح الحديث للحافظ أبي عبد الله المقدسي في
((المختارة))، والحافظ عبد الغني المقدسي في ((كتاب النصيحة)) ص١٠٦ / ١٠٧،
والإمام النووي في ((الأذكار» ص٣١١ (٥٣٩)، وابن تيمية في غير موضع من كتبه،
والحافظ السخاوي في ((القول البديع)) ص ٤٣٤، والحافظ السيوطي في ((الخصائص
الكبرى)» ٢: ٢٠١.
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٣٧٠
صلى الله عليه وسلم، وذلك يدلّ على أنهم لم يفهموا اشتراط ذلك.
الثاني: أنه ليس في الحديث أنَّ النبي ◌َّ بِيَّن له ذلك.
الثالث: أنه ولو كان كذلك، لم يَضُرَّ في حصول المقصود، وهو جواز
التوسل إلى الله تعالى بغيره، بمعنى السؤال بها كما عَلّمَهُ النبي ◌ََّ، وذلك
زيادة على طلب الدعاء منه، فلو لم يكن في ذلك فائدة؛ لما عَلّمهُ
النبي وَلّ وأرشده إليه، ولقال له: إني قد شَفعتُ فيك، ولكن لعله وَالّ
أراد أن يَحصُلَ من صاحب الحاجة؛ التَوجُه بِذُلِّ الافتقار والانكسارِ،
والاضطرار، مستعيناً بالنبي ◌َّلتر؛ فيحصل كمال مقصوده.
ولا شك أنَّ هذا المعنى حاصلٌ في حضرة النبي ◌َِّ وغيبته، في حياته
وبعد وفاته، فإنّا نَعلمُ شفقته صلى الله عليه وسلم على أمته، ورأفته بهم،
ورحمته لهم، واستغفاره لجميع المؤمنين وشفاعته، فإذا انضم إليه تَوجُّهُ
العبد به؛ حصل هذا الغرض الذي أرشد النبي ◌َّ الأعمى إليه.
الحالة الثالثة: أن يُتُوسَّلُ بذلك بعد موته ◌َ ◌ّهِ.
لما رواه الطبراني رحمه الله في ((المعجم الكبير))(١) في ترجمة عثمان
ابن حنيف، وذلك في الجزء الخمسين، فإنّ أول الجزء الخمسين من اسمه
طفيل، وآخره: ((وجعلني إمامهم وأنا أصغرهم))، قبل ترجمة عثمان بن
طلحة رضي الله عنه.
(١) ٩: ٣٠ حديث (٨٣١٠)، وكذا رواه في ((المعجم الصغير)) ١: ١٨٣
وصححه الطبراني وليس من عادته أن ينصّ على صحة حديث أو ضعفه، بل لعل هذا
الحديث هو الحديث الوحيد الذي نَصَّ على صحته. وتنظر طُرُقُ هذا الحديث في
ترجمة عثمان بن حنيف في ((معرفة الصحابة)) للإمام أبي نعيم ٤: ١٩٥٩.
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٣٧١
قال في هذا الجزء الخمسين: حدثنا طاهر بن عيسى بن قيرس
المصري المقرىء، ثنا أصبغ بن الفرج، ثنا ابن وهب، عن أبي سعيد
المكي، عن روح بن القاسم، عن أبي جعفر الخطمي المديني، عن أبي
أمامة بن سهل بن حنيف، عن عمه عثمان بن حُنَيف رضي الله عنه:
أنَّ رجلاً كان يَخْتَلِفُ إلى عثمان بن عفان رضي الله عنه في حاجة له،
فكان عثمان لا يلتفت إليه، ولا ينظر في حاجته، فلقي ابن حنيف فشكى
ذلك إليه، فقال له عثمان بن حنيف: ايت الميضأة فتوضأ، ثم ايت
المسجد فَصلُّ فيه ركعتين ثم قل: ((اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبينا
محمد رَّ نبي الرحمة، يا محمد، إني أتوجّه بك إلى ربك؛ فيقضي لي
حاجتي))، وتَذكُر حاجتك، وَرُحْ حتى أروح معك.
فانطلق الرجل فصنع ما قاله له، ثم أتى باب عثمان بن عفان رضي الله
عنه، فجاء البَوّاب حتى أخذ بيده فأدخله على عثمان بن عفان، فأجلسه
معه على الطَّنْفَسة، فقال: حاجتك؟، فذكر حاجته وقضاها له.
ثم قال له: ما ذكرت حاجتك حتى كان الساعة، وقال: ما كانت لك
من حاجة؛ فاذكرها.
ثم إنَّ الرجل خرج من عنده فلقي عثمان بن حنيف، فقال له: جزاك
الله خيراً، ما كان يَنظُر في حاجتي ولا يلتفت إليّ حتى كَلّمتَهُ فِيَّ.
فقال عثمان بن حنيف رضي الله عنه: والله ماكَلّمتُهُ، ولكني شَهدتُ
رسول الله # وأتاه ضرير، فشكى إليه ذهاب بصره، فقال له النبي مَل:
((أو تَصْبر))، فقال: يا رسول الله، إنه ليس لي قَائِدٌ وقد شقّ عَليَّ.
فقال له النبي ◌َّ: «ائتِ الميضاة فتوضأ ثم صَلَّ ركعتين، ثم ادع بهذه
الدعوات)) .
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٣٧٢
قال ابن حنيف: فوالله ما تفرقنا وطال بنا الحديث، حتى دخل علينا
الرجل كأنه لم یکن به ضَررٌ قط.
حدثنا إدريس بن جعفر العطار، ثنا عثمان بن عمر بن فارس، ثنا
شعبة، عن أبي جعفر الخطمي، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، عن
عمه عثمان بن حنيف رضي الله عنه، عن النبي ◌َّ، نحوه.
ورواه البيهقي بإسناده عن أبي جعفر المديني، عن أبي أمامة بن سهل
ابن حنيف: أنَّ رجلاً كان يَختلِفُ إلى عثمان بن عفان رضي الله عنه،
فذكره بنحو ما سبق.
رواه من طريقين، أحدهما: عن عبد الملك بن أبي عثمان الزاهد،
أخبرنا أبو بكر محمد بن علي بن إسماعيل الشاشي القفال، أنا أبو عَروبة،
ثنا العباس بن الفرج، ثنا إسماعيل بن شبيب، ثنا أبي، عن روح بن
القاسم، عن أبي جعفر(١).
والاحتجاج من هذا الأثر؛ بفهم عثمان رضي الله عنه، ومن حضره؛
الذين هُم أعلَمُ بالله ورسوله وََّ، وَفِعْلِهِم.
النوع الثاني : التوسل به، بمعنى طلب الدعاء منه، وذلك في
أحوال:
إحداها: في حياته وَّ، وهذا مُتَواترٌ والأخبار طافحةٌ به، ولا يمكن
(١) ((دلائل النبوة)) ٦: ١٦٧ / ١٦٨. والطريق الآخر: ((عن أبي علي بن الحسن
ابن أحمد بن إبراهيم بن شاذان، أنبأنا عبد الله بن جعفر بن درستويه، حدثنا يعقوب
ابن سفيان، حدثنا أحمد بن شبيب بن سعيد. فذكره بطوله، وقال: وهذه زيادة
ألحقتها في شهر رمضان أربع وأربعین)، انتهى منه.
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٣٧٣
حصرها، وقد كان المسلمون يَفْزِعُونَ إليه، ويستعينون به في جميع ما
نابهم كما في ((الصحيحين)) (١): أنَّ رجلاً دخل المسجد يوم جمعة
ورسول الله وَّجم قائمٌ يخطب، فاستقبل رسول الله و لتر قائماً، قال: يارسول
الله، هلكت الأموال وانقطعت السُّبل، فادع الله تعالى يُغِيثنا.
فرفع رسول الله وَّي يديه ثم قال: ((اللهم أغثنا، اللهم أغثنا»، فطلعت
من ورائه سحابة مثل التّرس، فلما توسطت السماء انتشرت ثم أمطرت.
قال: فلا والله ما رأينا الشمس سَبْتاً، الحديث.
وَروى البيهقي في ((دلائله))(٢) عن أبي وجزة يزيد بن عبيد السُّلَمي
رضي الله عنه، قال: لما قفل رسول الله ◌َ ليل من غزوة تبوك، أتاه وفد بني
فَزاره - إلى أن قال -: فقالوا: يا رسول الله، أسنتت بلادنا وأجدبت جنابنا،
وعريت عيالنا، وهلكت مواشينا، فادع ربك أن يُغيثنا، وتَشفّع لنا إلى
ربك، ویشفعُ ربك إليك.
فقال رسول الله وَلّ: ((سبحان الله! ويلك، إن أنا شَفعتُ إلى ربي،
فمن ذا الذي يشفع ربنا إليه؟، لا إله إلاَّ هو العظيم، وَسِعَ كرسيه السموات
والأرض، وهو یٹطُّ من عظمته وجلاله)).
وذكر بقية الحديث، إلى أن قال: فقام رسول الله وَالر فصعد المنبر
- وفيه كان مما حُفِظَ من دعائه -: ((اللهم اسق بلدك وبهيمتك، وانشر
(١) ((البخاري)) (كتاب الاستسقاء) ((باب الاستسقاء في المسجد الجامع)) ١:
٣١٩ حديث (١٠١٣)، ((مسلم)) (كتاب صلاة الاستسقاء) ((باب الدعاء في الاستسقاء)»
٢ : ٦١٢ حديث (٨٩٧).
(٢) ٦ : ١٤٣.
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٣٧٤
رحمتك، وأحي بلدك الميت))، وذكر دُعاءً وحديثاً طويلاً.
وفي ((سنن أبي داود))(١) في (كتاب السُّنة) عن جبير بن مطعم رضي
الله عنه قال: أتى رسول الله وَل﴿ أعرابي فقال: يا رسول الله، جهدت
الأنفس وضاعت العيال، ونهكت الأموال، وهلكت الأنعام فاستسق الله
لنا، فإنَّا نستشفع بك على الله، ونستشفع بالله عليك.
قال رسول الله وَجّ: ((ويحك، أتدري ما تقول؟ إنه لا يُستشفَعُ بالله
على أحدٍ من خلقه، شَأنُ الله أعظم من ذلك)).
وذكر حديث الأطيط، وفي إسناده محمد بن إسحاق وعنعنته، فإن
ثَبت؛ فهو مُوافقٌ لمقصودنا، فإنه لم يُنكِر الاستشفاع به، وإنما أنكرَ
الاستشفاع بالله.
ولعل سبب ذلك : أنَّ شأن الشافع أن يتواضعَ للمَشفُوعِ عنده.
وَرُوي عن أنس بن مالك رضي الله عنه(٢) قال: جاء أعرابي إلى رسول
الله وَّ فقال: يا رسول الله، أتيناك وما لنا صبي يَصطَبح، ولا بعير يئط،
وأنشد.
وقد شُغلت ◌ُم الصّبي عن الطَّفْلِ
أتيتك والعذراء تَدمي لِبانُها
من الجوع ھَونا مايمر ولا يحلي
وألقى بكفيه الفتى لاستكانةٍ
(١) ٥ : ٢٣٧ حديث (٤٦٩٣).
(٢) رواه: الإمام البيهقي في ((دلائل النبوة)) ٦: ١٤٠ / ١٤٢، والإمام ابن النعمان في
((مصباح الظلام)) ص٤٦، وذكره: الإمام ابن كثير في («البداية والنهاية)) ٦: ٩٤، والإمام
الصالحي في ((سبل الهدى والرشاد)» ٩: ٤٤٠، وعزاه للإمامين البيهقي، وابن عساكر.
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٣٧٥
سوى الحنظل العامي والعِلْهَزُ الفِسلِ
ولا شيء مما يأكل الناس عندنا
وأين فِرارُ الناس إلاَّ إلى الرُّسُلِ
وليس لنا إلاَّ إليك فِرَارنا
فقام رسول الله پژ یجر رداءه حتی صعد المنبر، فرفع یدیه، ثم قال:
((اللهم اسقنا))، وذكر الدعاء - إلى أن قال : فما رَدّ النبي ◌َّر يده حتى
التقت السماء بأرواقها، وجاء أهل البِطَانة يَضجُّونَ: الغَرق الغَرق.
فقال النبي وَله: ((حوالينا ولا علينا))، فانجاب السحاب عن المدينة
حتى أحدق بها كالإكيل، وضحك النبي ◌َ لر حتى بدت نواجذه.
ثم قال: (لله دَرُّ أبي طالب، لو كان حياً قَرّت عيناه، من يُنشدنا قوله؟))
فقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: يا رسول الله، كأنك تُريد قوله:
ثِمالُ اليتامىُ عِصمةٌ لِلأَراملِ
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه
١
فهم عنده في نعمة وتواصل
يَطوف به الهلاك من آل هاشم
ولما نُطاعن دونه ونُناضلِ
كذبتم وبيت الله نبزى محمداً
ونَذهل عن أبنائنا والحلائل
ونُسلِمه حتى نُصرع حوله
فقال رسول الله وَيقر: ((أجل))، فقام رجل من كِنَانةَ فقال:
سقينا بوجه النبي المطر
لك الحمد والحمد ممن شكر
إليه وأشخص منه البصر
دعا الله خالقه دعوة
وأسرع حتى رأينا الدَّرر
فلم يك إلاَّ كما ساعة
أغاث به الله عليا مضر
دفاق العَزَالي جَمُّ البعاق
طالب أبيضٌ ذو غرر
فكان كما قال عمه أبو
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٣٧٦
ومن يكفر الله يلقى الغِيَر
فمن يشكر الله يلقى المزيد
فقال رسول الله وَ له: ((إن يكُ شاعرٌ أحسن؛ فقد أحسنت)).
والأحاديث والآثار في ذلك أكثر من أن تحصر، ولو تتبعتها لوجدت
منها ألوفاً، ونصُّ قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ◌َظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَاءُوَكَ
فَأَسْتَغْفَرُواْ اللّهَ وَأَسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾ الآية، صريحٌ في ذلك.
وكذلك يجوز وَيْحُسنُ مثل هذا التوسل بمن له نِسبةٌ من النبي ◌َِّر،
كما كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه إذا قحط؛ استسقى بالعباس بن
عبد المطلب رضي الله عنه ويقول: اللهم إنَّا كُنَّا إذا قحطنا، توسلنا إليك
بنبينا فتسقينا، وإنَّا نتوسل إليك بعم نبينا محمد بَله فاسقنا.
قال: فيسقون.
رواه ((البخاري)»(١) من حديث أنس رضي الله عنه. واستسقى به عام
الرمادة فسقوا (٢).
وفي ذلك يقول عباس بن عتبة بن أبي لهب:
بعمي سقى الله الحجاز وأهله
عشية يستسقي بشيبته عمر
واستسقى حمزة بن القاسم الهاشمي ببغداد فقال: اللهم إنَّا من ولد
(١) (كتاب الاستسقاء) ((باب سؤال الناس الإمام الاستسقاء إذا قحطوا)) ٣١٨:١
حديث (١٠١٠)، وفي (كتاب فضائل الصحابة) ((باب ذكر العباس بن عبد المطلب
رضي الله عنه)) ٣: ٢٤ حديث (٣٧١٠).
(٢) رواه بسنده الحافظ ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) ٢٦: ٣٦١، ومن طريقه
الإمام أبو عبد الله ابن النعمان في ((مصباح الظلام)) ص٤٩.
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٣٧٧
ذلك الرجل الذي استسقى بشيبته عمر بن الخطاب رضي الله عنه؛ فسقوا،
فما زال يتوسل بهذه الوسيلة حتى سقوا (١).
وَرُويَ أنه لما استسقى عمر بالعباس رضي الله عنهما وفرغ عمر رضي
الله عنه من دعائه، قال العباس رضي الله عنه: اللهم إنه لم ينزل من السماء
بلاءٌ إلاَّ بذنب، ولا يُكشفُ إلاَّ بتوبة، وقد توجّهَ بي القوم إليك لمكاني
من نبيك ◌َّ#، وهذه أيدينا إليك بالذنوب، ونواصينا بالتوبة - وذكر دعاء -
فما تَمّ كلامه؛ حتى ارتجّت السماء بمثل الجبال(٢).
وكذلك يجوز مثل هذا التوسل بسائر الصالحين، وهذا شيء لا يُنكِرِهُ
مسلمٌ، بل مُتْديّنٌ بملَّةٍ من الملَل.
فإن قيل، لم تَوِسّل عمر بن الخطاب بالعباس رضي الله عنهما، ولم
يتوسل بالنبي وَّةٍ، أو بقبره؟
قُلْنا: ليس في توسله بالعباس رضي الله عنه إنكارٌ للتوسل بالنبي وَلَّه
أو بالقبر، وقد رُوِيَ عن أبي الجوزاء قال:
قحط أهل المدينة قحطاً شديداً، فشكوا إلى عائشة رضي الله عنها
فقالت: فانظروا قبر النبي وَلير، فاجعلوا منه كُوىّ إلى السماء، حتى لا
يكون بينه وبين السماء سقفٌ.
ففعلوا، فمطروا حتى نبت العشب، وَسَمِنت الإبل حتى تَفَتَّقَتْ من
(١) رواها الإمام الخطيب في ((تاريخ بغداد)) ٨: ١٨٢ بسنده من طريقين.
(٢) ذكره الإمام ابن النعمان المراكشي في ((مصباح الظلام)) ص ٥٠ وقال:
((وروينا عن أبي صالح ... ))، فذكره.
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٣٧٨
الشحم، فَسُمِّي: عام الفتق(١).
ولعل توسل عمر بالعباس رضي الله عنهما لأمرين: أحدهما : ليدعو
كما حكينا من دعائه. والثاني : أنه من جُملةٍ من يستسقي وَيَنتفعُ بالسُّقْيا
وهو محتاجٌ إليها، بخلاف النبي ◌َّ﴿ في هذه الحالة، فإنه مُستغنٍ عنها،
فاجتمع في العباس رضي الله عنه: الحاجة، وَقُربهُ من النبي ◌َِّ، وسِنُّهُ،
والله تعالى يستحي من ذي الشَيبةِ الْمسلم، فكيف من عَمِّ نبيه وَّ،
ويجيب دعاء المضطر؛ فلذلك استسقى عمر رضي الله عنه بشيبته.
فإن قال المُخَالف: أنا لا أمنع التوسل والتشفعِ لما قَدّمتُم من الآثار
والأدلة، وإنما أمنع إطلاق النَّجوُهِ والاستغاثة، لأنَّ فيهما إيهام أنَّ الُمتَجوّهَ
به، والمستغاثَ به؛ أعلى من المتجَّوهِ عليه والمستغاثِ عليه.
قُلْنَا: هذا لا يَعتقده مُسلمٌ، ولا يدل لفظ التَّجَوهُ والاستغاثة عليه،
فإنَّ التَّجُوهَ من الجَاهِ والوجَاهةِ، ومعناه: علو القدر والمنزلة، وقد يُتوسّل
بذي الجاه إلى من هو أعلى جاهاً منه، والاستغاثة طلب الغوث.
فالمستغيث يطلب من المستغاث به أن يحصل له الغوث من غيره،
وإن كان أعلى منه، فالتوسل والتَّشفعُ والتَّجوُه والاستغاثة بالنبي ◌َّله
وسائر الأنبياء والصالحين؛ ليس لها معنى في قلوب المسلمين غير ذلك،
ولا یقصدُ بها أحدٌ منهم سواه.
فمن لم ينشرح صدره لذلك؛ فَليبك على نفسه، نسأل له العافية.
(١) رواه الإمام الدارمي في ((السنن)) (باب ما أكرم الله تعالى نبيه صلى الله عليه
وسلم بعد موته) ص٥٨ حديث (٩٣).
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٣٧٩
وإذا صَحّ المعنى؛ فلا عليك في تَسميته: توسلاً، أو تشفُّعاً، أو
تجوُّهاً، أو استغاثة، ولو سُلّمَ أنَّ لفظ: ((الاستغاثة)) يستدعي النصر على
المستغاث منه، فالعبدُ يستغيث على نفسه، وهواه، والشيطان، وغير
ذلك، مما هو قاطعٌ له عن الله تعالى بالنبي وَّر، وغيره من الأنبياء
والصالحين، متوسلاً بهم إلى الله تعالى؛ ليعينه على من استغاث منه من
النفس وغيرها .
والمستَغاثُ به في الحقيقة: هو الله تعالى، والنَّبِيُّ وَّهِ وَاسطةٌ بينه
وبین المستغيث.
الحالة الثانية : بعد موته صلى الله عليه وسلم في عرصات القيامة،
بالشفاعة منه صلى الله عليه وسلم، وذلك مما قام الإجماع عليه، وتواترت
الأخبار به.
وسنذكر تفاصيل الشفاعة المُجمَعِ عليها، والمُخْتَلفِ فيها في هذا
الكتاب إن شاء الله تعالى .
الحالة الثالثة : المتوسطة في مُدّةِ البرزخ ، وقد ورد في هذا النوع فيها
أيضاً:
أخبرنا أبو بكر بن يوسف بن عبد العظيم المعروف بابن الصنّاج
بقراءتي عليه في (المجلدة الحادية عشر) من ((دلائل النبوة)) للبيهقي(١)،
(١) ((دلائل النبوة)) ٧: ٤٧. ورواه: الإمام أبو بكر بن أبي خيثمة في ((تاريخه)) ٢:
٨٠ (١٨١٨)، والإمام ابن أبي شيبة في ((المُصنَّف)) ٦: ٣٥٩ (٣١٩٩٣)، والإمام ابن
عساكر في ((تاريخ دمشق)) ٤٤: ٣٤٥ من طريق الإمام البيهقي، ٤٨٩:٥٦، من طريق
الإمام أبي خيثمة. وقال الحافظ ابن كثير في ((البداية والنهاية)) ١٠ : ٧٤ عقب ذكره هذا
=
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية