Indexed OCR Text

Pages 201-220

٢٠٠
قال: دخلتُ المدينة فأتيت قبر النبي ◌َل﴿ فزرته، وجلست بحذائه،
فجاء أعرابي فزارَهُ، ثم قال: يا خير الرسل، إنَّ الله أنزل عليك كتاباً صادقاً
قال فيه: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ◌َظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ جَآءُوَكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللَّهَ وَأَسْتَغْفَرَ
لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللَّهَ تَوَابًا رَّحِيمًا لِمَّـ
، وإني جِئْتُكَّ مُستغفراً ربك من
ذنوبي، مُستشفعاً فيها بك، وفي رواية: وقد جئتك مستغفراً من ذنبي،
مُستشفعاً بك إلى ربي، ثم بكى وأنشد يقول:
فَطابَ من طيبهِنَّ القَاعُ والأُكمُ
ياخير من دُفِنت بالقَاعِ أَعظُمُهُ
فيه العَقافُ وفيه الجُودُ والحَرمُ
نفسي الفِدَاءُ لقبرٍ أنت سَاكِنُهُ
ثم استغفر وانصرف.
فَرقدتُ، فرأيتُ النبيِ نَّه في نومي وهو يقول: ((الحق الرجل، وَبَشِّرُهُ
أنَّ الله قد غفر له بشفاعتي)). فاستيقظت، فخرجت أطلبه؛ فلم أجده.
وقد نَظَمَ أبو الطيّب أحمد بن عبد العزيز بن محمّد المقدسي(١) رحمه
الله تعالى - وسأله بعضهم الزيادة على هذين البيتين وتضمينهما - فقال
= لهذه القصة ما نصه: ((ولا يصلح الاحتجاج بمثل هذه الحكاية، ولا الاعتماد على
مثلها عند أهل العلم، وبالله التوفيق) انتهى.
والجواب عليه قولنا: هل كُلّ من ذكرها مُحتجّاً بها عند مناسبة ذكرها ممن
ذكرناهم؛ ليسوا من أهل العلم؟! فَصحّ القول عليه: إنَّ هذا الكلام منه تَعصبٌ
وحمية، وليس نقداً علمياً مؤصّلاً، باعثه فيه هوى النّفس، والنّصرة بغير حَقِّ.
(١) هو: الفقيه الواعظ، إمام جامع الرَّافِقة، قال عنه الحافظ ابن عساكر: قدم دمشق
غير مرّة، وكان شيخاً مستوراً، له ديوان شعر حسن، توفي سنة ٥٢٩هـ ((مختصر تاريخ
دمشق)) ٣: ١٥٧ (١٨١)، وليست ترجمته بالجزء المطبوع من ((تاريخ دمشق)).
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٢٠١
ورواها ابن عساکر رحمه الله عنه -:
أقولُ والدّمْعُ من عَيني مُنسجِم
والناس يَغْشونَهُ بَاكِ وَمُنقطعٌ
فما تَمالكتُ أن نَادِيْتُ من حَرقٍ
باخير من دُفنت بالقَاعِ أَعظُمه
نَفسي الفِداء لقبرٍ أنت سَاكِنْهُ
وفيه شَمسُ النُّقى والدِّين قد غَربت
حاشا لوجهك أن يَبلىْ وقد هُدِيت
وأن تَمَسَّكَ أيدي التُّربِ لامةٌ
لِفِيتَ رَبّكَ والإسلامِ صَارِمهُ
فَقُمت فيه مَقام المرسلين إلى
لئن رأيناهُ قبراً إنَّ بَاطِنَهُ
طَافِت به من نَواحيهِ مَلائكةٌ
لمّا رَأبت چِدار القبر یُستلَمُ
مِن المَهابَةِ أو دَاعٍ فَمُلتزِمُ
في الصَّدرِ كادت لها الأحشاءُ تَضطَرِمُ :
فطابَ من طِيبهنَّ القَاعُ والأَكمُ
فيه العَقافُ وفيه الجُود والكرمُ
من بعد ما أَشرقت من نُورِها الظُّلمُ
في الشّرق والغَرب من أنواره الأممُ
وأنت بين السموات العُلَىْ عَلمُ
مَاضٍ وقد كان بحرُ الكُفرِ يَلتطِمُ
أن عزَّ فهو على الأديانِ یَحتكِمُ
[روضةٌ من رِیاض الخُلُد ◌َبتسمُ
تَغشاهُ في کلٌّ ما يَومٍ وتَزدحِمُ
لا تمشٍ إلّ علىُ خَدّي لك القَدمُ
لو كُنتِ أَبصرتهُ حیاً لَقُلت له:
هَدى به الله قَوماً قال قائلهم
ببطن يثرب لما ضمّه الرَّجَمُ:
حيٌّ وَنعبدُهُ ما أَورق السَّلِمُ
إن ماتَ أحمدُ فالرحمن خَالِقهُ
قال الجوهري رحمه الله: ((الرَّجَم)) : - بالتحريك - القبر.
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٢٠٢
الباب الرابع
في نُصوص العلماء على استحباب زيارة قبر سيدنا
رسول الله وَله، وبيان أنّ ذلك مُجمعٌ عليه بين المسلمين
قال القاضي عياض رحمه الله: ((وزيارة قبره صلّى الله عليه وآله
وسلم، سُنَّةٌ [من سُنَنْ] المسلمين مُجمَعٌ عليها، وفَضيلةٌ مُرغّبٌ فيها))(١).
وقال القاضي أبو الطيّب(٢): ((ويُستحب أن يزور النبي ◌َّ بعد أن يَحُجَّ
ویعتمر».
وقال المَحامِلي(٣) في ((التجريد)): ((وَيُستَحبُّ للحاج إذا فرغ من مكة،
أن يزور قبر النبي (وَلّ)).
(١) ((الشفا بتعريف حقوق المصطفى وت ير)) ٢: ٨٣.
(٢) هو: القاضي أبو الطيب، طاهر بن عبد الله بن طاهر الطبري، ولد سنة
٣٤٨هـ. قال عنه الإمام الذهبي في (سير أعلام النبلاء)) ١٧: ٦٦٨ (٤٥٩): ((الإمام
العلامة، شيخ الإسلام))، وقال الإمام الخطيب في ((تاريخ بغداد)) ٩: ٣٥٩: ((كان أبو
الطيب الطبري ثقة، صادقاً ديناً عارفاً بأصول الفقه وفروعه، محققاً في علمه ... )).
وقال الإمام أبو إسحاق الشيرازي في ((طبقات الفقهاء)) ص١٢١: ((ولم أر فيمن
رأيت أكمل اجتهاداً وأشد تحقيقاً وأجود نظراً منه))، انتهى. توفي سنة ٤٥٠ هـ.
(٣) هو: الإمام أحمد بن محمد بن أحمد الضَّبي المحاملي، ولد سنة ٣٦٨ هـ:
قال عنه الإمام الذهبي في (سير أعلام النبلاء)) ١٧: ٤٠٣ (٢٦٦): ((الإمام الكبير،
شيخ الشافعية)). وكتابه عنوانه (التجريد في الفروع)). توفي سنة ٤١٥ هـ.
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٢٠٣
وقال أبو عبد الله الحسين بن الحسن الحليمي في كتابه المُسمّى بـ
((المنهاج في شعب الإيمان))(١) في (تعظيم النبي (وَلّ) فذكر جُملةً من
ذلك، ثم قال: ((وهذا كان من الذين رُزِقُوا مُشاهَدَتَه وَصُحبَتَه، فأما اليوم؛
فمن تعظیمه زيارته)».
وقال الماوردي في ((الحاوي))(٢): ((أما زيارة قبر النبي ◌َّةٍ؛ فَمأمورٌ بها
ومَندوبٌ إليها)).
وذكر الماوردي في ((الأحكام السلطانية))(٣) باباً في الولاية على
الحجيج قال: (([وهذه الولاية] [على] الحج ضربان:
أحدهما: [أن تكون] على تسيير الحجيج. والثاني: على إقامة الحج.
فأما الأول: فَشرطُ المُتُولي أن يكون مُطاعاً، ذا رأي وشجاعة وهيبة
وهداية، و[الذي] عليه في هذه الولاية عشرة أشياء - فذكرها -. ثم قال:
فإذا قَضى الناس حَجّهم، أمهلهم الأيام التي جرت عادتهم بها، فإذا
رجعوا، سار بهم على طريق المدينة [لزيارة قبر] رسول الله وير، ليجمع
لهم بين حَجِّ بيت الله تعالى، وزيارة قبر رسول الله وَّر، رعايةٌ لِحُرمتِهِ،
وقياماً بِحُقوق طاعته، وذلك وإن لم يكن من فُروضِ الحج؛ فهو من
مَندُوباتِ الشّرِعِ المُستحبَّة، وعبادات الحَجِيج المُستحسنة)).
وقال صاحب(٤) ((المهذَّب)): ((وَيُستحبُّ زيارة قبر رسول الله وَلَ)).
(١) ٢: ١٣٠، ووقع فيه بلفظ: ((ورثوا))، بدل: ((رزقوا)).
(٢) ٤ : ٢١٤.
(٣) ص ١٠٨ - ١٠٩، وسيأتي التعريف به.
(٤) هو: الإمام القدوة المجتهد، شيخ الإسلام، أبو إسحاق إبراهيم بن علي بن
=
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٢٠٤
وقال القاضي حسين(١): ((إذا فرغ من الحج، فالسُّنّة أن يقف بالمُلتزم
ويدعو، ثم يشرب من ماء زمزم، ثم يأتي المدينة ويزور قبر النبي ◌َّ)).
وقال الرُّوَيَاني(٢): ((يُستَحبُّ إذا فرغ من حَجِّهِ أن يزور قبر النبي ◌َّ).
ولا حاجة إلى تَتُّع كلام الأصحاب في ذلك، مع العلم بإجماعهم
وإجماع سائر العلماء علیه.
والحنفية قالوا: إنّ زيارة قبر النبي ◌َّل﴿ من أفضل المَنْدُوبات
والمُستَحبّات، بل تَقربُ من درجة الواجبات.
ممن صرَّح بذلك منهم: أبو منصور محمد بن مُكْرم الكرماني في ((مناسكه(٣)،
= يوسف الفيروزأبادي الشيرازي، ولد سنة ٣٩٣هـ. قال عنه الموفق الحنفي فيما نقله
عنه الإمام الذهبي: ((أبو إسحاق أمير المؤمنين في الفقهاء)). (سير أعلام النبلاء) ١٨ :
٤٥٢ (٢٣٧) والنصُّ في («المُهذَّب)) له ٢: ٨٠٩: وقد فصّل بين استحباب زيارة القبر
الشريف، واستحباب الصلاة في المسجد النبوي الشريف.
(١) هو: الإمام العلامة، القاضي شيخ الشافعية، أبو علي الحسين بن محمد بن
أحمد المروزي، قال عنه الإمام الرافعي: كان يقال له: حَبْرُ الأمة. توفي سنة ٤٦٢ هـ.
(طبقات الشافعية الكبرى) ٤: ٣٥٦ (٣٩٣).
(٢) هو: الإمام العلامة، فخر الإسلام، أبو المحاسن عبد الواحد بن إسماعيل
الرُّوياني الطبري، ولد سنة ٤١٥هـ، كان يقول: لو احترقت كتب الشافعي، لأمليتها
من حفظي. توفي شهيداً سنة ٥٠١هـ (سير أعلام النبلاء) ١٩: ٢٦٠ (١٦٢)، والنّصُّ
في «بحر المذهب) له ٥: ٢٨٥.
(٣) وعنوانه: ((المسالك في المناسك))، ونَصُّ عبارته فيه ٢: ١٠٥٨ : ((وزيارة النبي
وَي* العربي القرشي المدني الهاشمي .... فإنها مستحبة مندوبة، قريبة من الواجب في حَقِّ
من كان له سعةٌ وقُدرٌ .... ))، انتهى منه.
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٢٠٥
وعبد الله بن محمود بن بلدجي في ((شرح المختار))(١).
وفي ((فتاوى أبي الليث السمر قندي)) (٢) في (باب آداب الحج): ((رَوى
الحسن بن زياد، عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى أنه قال: الأَحسنُ للحاج
أن يبدأ بمكة، فإذا قضى نُسكَه مَرّ بالمدينة، وإن بدأ بها جاز، فيأتي قريباً
من قبر رسول الله وَّرٍ فَيَقُوم بين القبر والقبلة، فيستقبل القبلة، فيصلي
على النبي ◌َّه، وعلى أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، وَيَترحَّم عليهما)).
وقال أبو العباس السَّروجي(٣) في ((الغاية)): ((إذا انصرف الحاج
والمعتمرون من مكة، فَليتوجَّهُوا إلى طيبة مدينة رسول الله ربَّته، وزيارة
قبره، فإنها من أنجح المساعي.
وكذلك نصَّ عليه الحنابلة أيضاً :
قال أبو الخطاب محفوظ بن أحمد بن الحسن الكلوذاني الحنبلي(4)
(١) هو: الإمام أبو الفضل عبد الله بن محمود بن مودود الموصلي، ولد سنة
٥٩٩هـ، قال عنه أبو العلاء: كان شيخاً فقيهاً، عالماً فاضلاً، مدرساً عارفاً بالمذهب.
وعنوان كتابه: ((الاختيار لتعليل المختار)) ونصُّ عبارته: (( ... إذ هي من أفضل
المندوبات والمستحبات، بل تقرب من درجة الواجبات ... إلخ))، انتهى منه. وترجمته
في ((الجواهر المضية في طبقات الحنفية)) ٢: ٣٤٩ (٣٧٨).
١
(٢) الورقة [٤٩/ب]، مخطوط مكتبة عارف حكمت.
(٣) هو: الإمام قاضي القضاة، أحمد بن إبراهيم بن عبد الغني السَّروجي، ولد
سنة ٦٠٧ هـ أو ٦٠٩ هـ، كان مشاركاً في علوم كثيرة، توفي سنة ٧١٠هـ. (الجواهر
المضية) ١: ١٢٣ (٦٦).
(٤) هو: الإمام العلامة، شيخ الحنابلة، ولد سنة ٤٣٢ هـ، وكان الإمام الكيا الهَرَآسي
إذا رأى أبا الخطاب مُقْبِلاً قال: ((جاء الجبل)). (سير أعلام النبلاء) ١٩: ٣٤٨ (٢٠٦).
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٢٠٦
في كتاب ((الهداية))(١) في آخر (باب صفة الحج): ((وإذا فرغ من الحج؛
استحِبَّ له زيارة قبر النبي ◌َّر، وقبر صاحبيه)).
وقال أبو عبد الله محمّد بن عبد الله بن الحسين بن أحمد بن القاسم
ابن إدريس السّامري في كتاب ((المُستوعب)) (٢) (باب زيارة قبر النبي (وَليّ):
((وإذا قَدِمَ مدينة الرسول وَّه؛ استحِبَّ له أن يغتسل لدخولها، ثم يأتي
مسجد الرسول عليه السّلام، ويُقدِّم رِجله اليُمنى في الدخول، ثم يأتي
حائط القبر، فيقف ناحية ويجعل القبر تلقاء وجهه، والقبلة خلف ظهره،
والمنبر عن يساره - وذكر كيفية السلام والدعاء إلى آخره - ومنه: ((اللهم
إنك قُلتَ في كتابك لنبيك عليه السلام: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ◌َظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ
جَآءُولَ﴾ الآية، وإني قد أتيتُ نبيك مُستغفراً، فأسألك أن تُوجِبَ لي
المغفرة؛ كما أوجبتها لمن أَتاهُ في حياته. اللهم إني أتوجه إليك بنبيك
صلى الله عليه وسلام)). وذكر دُعاءً طويلاً.
ثم قال: وإذا أراد الخروج، عاد إلى قبر رسول الله (وَل﴿ فودَّع)).
وانظر هذا المُصَنِّف من الحنابلة الذين الخَصمُ مُتَمذهِبٌ بمذهبهم، كيف
نَصَّ على التَّوجُّهِ بالنبي ◌ِ(٣).
(١) ص١٩٨.
(٢) ١ : ٦٠٥ / ٦٠٦.
(٣) وممن قال بسنّية زيارة قبر النبي ◌َّر من فقهاء الحنابلة، الإمام ابن حمدان
صاحب ((الرعايتين)) وهو ابن عمِّ ابن تيمية، قال في ((الرعاية الصغرى)) ١: ٢٤٧:
«وَتُسَنُّ المجاورة بمكة، وزيارة قبر النبي ◌َّژ، وقبري صاحبيه رضي الله عنهما)).
وكذا قال الإمام سراج الدِّين الحسين بن يوسف الحنبلي المتوفي سنة ٧٣٢هـ
=
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٢٠٧
= في كتابه «الوجيز في الفقه) ٢: ٣٨٤، والإمام تقي الدِّين أبو بكر الجُرَاعي الحنبلي
المتوفّى سنة ٨٨٣هـ في كتابه ((غاية المطلب في معرفة المذهب)) ص٢١٤ حيث قال:
(وتستحب زيارة قبره وَ له، وقبر صاحبه، فيسلم عليه مستقبلاً له لا القبلة، ثم يستقبلها
ویجعل الحجرة عن يساره ... )) انتهى.
ومن فقهاء الحنابلة وعمدة المتأخرین، الإمام محمد بن أحمد البُهُوتي له کتاب
((بغية الناسك في أحكام المناسك)) جعل خاتمة كتابه ثلاثة فصول، الفصل الأول: في
زيارته * وما يتعلق بها فقال ص١٣٨ : ((يستحب لمن قضى مناسكه وأراد الرجوع
إلى وطنه أن يقصد المدينة المنورة البهية على مشرفها أفضل الصلاة وأزكى التحية
ليزور المسجد الشريف النبوي، والقبر الكريم المصطفوي .... إلخ)».
وفي ص١٣٩ قال: (( ... فيقف قبالة وجهه # مستدبر القبلة، ويستقبل جدار
الحجرة ... إلخ)».
وقال ص١٤٢: (( ... ويدعو، ويكون من دعائه: اللهم إني أتيت قبر نبيك محمد
﴾ متقرباً إليك بزيارته، متوسلاً إليك به ... إلخ)).
تنبيه : حرّف مُحَقّق الكتاب عنوان هذا الفصل في فهرس الموضوعات ص١٩٨
حيث أثبته بلفظ: الفصل الأول في زيارة المسجد النبوي والسلام على رسول الله ومثله.
مع أنَّ المؤلف أثبت العنوان بلفظ: الفصل الأول في زيارته چي وما يتعلق به.
وكذا فعل مُحَقِّق كتاب ((صلة الناسك)) لابن الصلاح حيث بدّل عنوان الباب
الخامس فجعله بلفظ: الباب الخامس في زيارة المسجد النبوي الشريف والسلام على
رسول الله وَ* وما يتصل به، مع أنَّ العنوان كما أثبته المؤلف بلفظ: الباب الخامس في
زيارة قبر رسول الله ﴾ وما يتصل بذلك.
فانظر رحمك الله إلى هذا التحريف والتبديل ممن يحملون الشهادات العالمية
- الدكتوراة - لكن لا يتحملون أداء الأمانة العلمية، فليت من كتب عن تحريف
النصوص، يُدرج مثل هذه التحريفات خدمة للحقِّ والإنصاف.
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٢٠٨
وكذلك أبو منصور الكرماني(١) من الحنفية قال: ((إن كان أحدٌ أوصاك
بتبليغ السّلام تقول: السلام عليك يا رسول الله من فُلان ابن فُلان،
يَستشفعُ بك إلى ربك بالرحمة والمغفرة؛ فاشفع له)).
وسنعقد لذلك باباً في هذا الكتاب إن شاء الله تعالى.
وقال نجم الدِّين بن حمدان الحنبلي(٢) في ((الرعاية الكُبرىَ)): ((وَيُسنُ
لمن فرغ من نُسكِهِ، زيارة قبر النبي ◌َّه وقبر صاحبيه رضي الله عنهما، وله
ذلك بعد فراغ حجِّهِ، وإن شاء قبل فراغه)).
وقد عقد ابن الجوزي في كتابه المُسمّى ((مُثير العَزم الساكن إلى أشرف
الأماكن)) (٣) باباً في (زيارة قبر النبي وَليتر)، وذكر فيه حديث ابن عمر،
وحديث أنس رضي الله عنهما.
وقال الشيخ مُوفق الدِّين بن قدامة المقدسي في كتابه ((المُغْنِي))(٤) .
وهو من أعظم كتب الحنابلة التي يعتمدون عليها -: (فصل): ((يستحب
زيارة قبر النبي ◌َّير)). وذكر حديث ابن عمر رضي الله عنهما من طريق
الدارقطني، ومن طريق سعيد بن منصور، عن حفص.
(١) ((المسالك في المناسك)) للإمام الكرماني ٢: ١٠٧٦.
(٢) هو: الإمام الفقيه الأصولي، أحمد بن حمدان بن شبيب الحراني الحنبلي،
ولد سنة ٦٠٣ هـ. قال عنه الإمام ابن رجب الحنبلي ((ذيل طبقات الحنابلة)) ٢: ٢٧٢:
((انتهت إليه معرفة المذهب، ودقائقه وغوامضه)). توفي سنة ٦٩٥هـ، وتقدم في
الهامش ص٢٠٦ النقل عن كتابه ((الرعاية الصغرى)).
(٣) ٢: ٢٩٥.
(٤) ٣: ٥٩٩ (٢٧٤٨).
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٢٠٩
وحديث أبي هريرة رضي الله عنه من طريق أحمد: ((مَا مِن أحدٍ يُسلِّمُ
عليَّ عند قبري».
وكذلك نصَّ عليه المالكية، وقد تقدَّم حِكايةُ القاضي عياض
الإجماع.
وفي كتاب ((تهذيب الطالب)) لعبد الحق الصّقلي، عن الشيخ أبي
عمران المالكي(١): أنّ زيارة قبر النبي * * واجبة، قال عبد الحق: ((يعني
من السنن الواجبة)».
وقال عبد الحق أيضاً في هذا الكتاب: ((رأيتُ في بعض المسائل التي سُئل
عنها الشيخ أبو محمد ابن أبي زيد، قيل له في رجل استؤجر بمال ليحُجَّ به،
وشرطوا عليه الزيارة، لم يستطع تلك السّنة أن يزور؛ لعذر منعه من ذلك؟.
قال: يَردُّ من الأجرة بقدر مسافة الزيارة.
قال الحاکي عنه ذلك.
وقال غيره من شيوخنا: علیه أن يرجع ثانیاً حتی یزور.
قال عبد الحق: انظر، إن استُؤْجِرَ للحجِّ لسنةٍ بعينها، فها هنا يَسقطُ
من الأجرة ما يخصُّ الزّيارة، وإن استُؤجِرٍ على حجّةٍ مضمونة في ذمته،
فهاهنا يرجع ويزور، وقد اتفق النقلان)).
(١) هو: الإمام الكبير، العلامة، عالم القيروان، أبو عمران موسى بن عيسى بن
أبي حاج يَحُجّ، البربري الفاسي. قال عنه القاضي عياض نقلاً عن حاتم بن محمد:
((كان أبو عمران من أعلم الناس وأحفظهم، جمع حفظ المذهب المالكي إلى حفظ
حديث النبي ◌َّل﴿ ومعرفة معانيه)). توفي سنة ٤٣٠هـ. ترجمته في ((ترتيب المدارك))
للقاضي عياض ٧: ٢٤٣.
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٢١٠
وعبد الحق هذا هو: عبد الحق بن محمد بن هارون التّميمي
القروي، صقلي تفقه بشيوخ القيروان، وتفقه بالصقليين أيضاً، منهم: أبو
عمران وغيره، وحجَّ ولقي عبد الوهاب رحمه الله تعالى، وحجّ ثانياً فلقي
إمام الحرمين فباحثه في أشياء، وسأله عن مسائل أجابه عنها، وكان مَليح
التأليف، ألّفَ كُتباً كثيرة في مذهب مالك رحمه الله تعالى، تُوفّي
بالإسكندرية سنة ست وستين وأربع مئة.
وهذا الفَرعُ الذي ذكرهُ في الاستئجار على الزيارة، فَرِعٌ حسن.
والذي ذَكرَهُ أصحابنا: أنّ الاستئجار على الزيارة لا يصحّ، لأنّه عَمَلٌ
غير مضبوط، ولا مُقُدّرٌ بشرع، والجِعالةُ إن وقعت على نفس الوقوف؛ لم
يصح أيضاً، لأنّ ذلك ممّا لا يصحّ فيه النّيابة عن الغير، وإن وقعت
الجِعالةُ على الدّعاء عند قبر النبي وَّر؛ كانت صحيحة، لأنّ الدّعاء ممّا
يصحّ النيابة فيه، والجهل بالدعاء لايُبطلها.
قال ذلك الماوردي في ((الحاوي)) في (كتاب الحج)(١).
وبقي قِسمٌ ثَالثٌ لم يَذكرهُ الماوردي، وهو: إبلاغ السّلام، ولا شكّ
في جواز الإجارة والجعالة عليه، كما كان عمر بن عبد العزيز يفعل.
والظاهر: أنّ مُرادَ المالكية هذا، وإلاَّ فَمُجرّد الوقوف من الأجير لا
يحصِّل للمستأجر غرضاً.
وسيأتي في كتاب ابن المَوّاز من نَصِّ مَالكٍ رحمه الله تعالى، ما
يقتضي أنه يقف ويدعو عند قبر النبي ◌ّ، كما يفعل عند وداع البيت.
(١) ٤ : ٢٧٦.
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٢١١
وفي كتاب ((النوادر)) (١) لابن أبي زيد - بعد أن حكى في زيارة القبور
من كلام ابن حبيب (٢)، ومن ((المجموعة)) عن مالك رحمه الله تعالى، ومن
كلام ابن القُرْطي - بإسكان الراء والطاء المهملة -، ثم قال عَقيبه -: ((ويأتي
قبور الشهداء بِأُحدٍ وَيُسلِّم عليهم؛ كما يُسلِّم على قبره وََّ، وعلى
ضجیعیه)).
وفيه أيضاً من كلام ابن حبيب: ((ويدل على التسليم على أهل القبور،
ما جاء من السُّنة في التسليم على النبي ◌َّر، وأبي بكر وعمر رضي الله
عنهما مقبورین)».
وقال أبو الوليد محمّد بن رُشد المالكي في شرح ((العُتْبية)) المُسمّىُ
بكتاب ((البيان والتحصيل))(٣) في كتاب ((الجامع)) في (سلام الذي يمرّ بقبر
النبي ◌َّه): وَسُئل مالك رحمه الله تعالى عن المار بقبر النبي وَّر، أترى أن
يُسلَّمَ كلّما مرّ به؟.
قال: نعم، أرى ذلك عليه أن يُسلِّم عليه؛ إذا مرّ به، وقد أكثر
الناس من ذلك، فأمّا إذا لم يمرّ به؛ فلا أرى ذلك، قال رسول الله
وَّر: ((اللهم لا تجعل قبري وثناً يُعبد. اشتدّ غضب الله على قومٍ
اتّخذوا قبور أنبيائهم مساجد)»، فقد أكثر الناس من هذا، فإذا لم يمُرّ
(١) ((النوادر والزيادات)) ١: ٦٦٥.
(٢) هو: عبد الملك بن حبيب بن سليمان السُّلمي، قال عنه الإمام ابن الفرضي
في («تاريخ العلماء)) ١: ٣١٣: ((كان حافظاً للفقه على مذهب المدنيين، نبيلاً فیه))،
توفي سنة ٢٣٨هـ.
(٣) ١٨ : ٤٤٤.
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٢١٢
عليه؛ فهو في سَعةٍ من ذلك.
قال: وَسُئل عن الغريب يأتي قبر النبي ◌َّ كلّ يوم؟
فقال: ما هذا من الأمر، ولكن إذا أراد الخروج.
قال محمّد بن رُشد: المعنى في هذا: أنه إنما يَلزمهُ أن يُسلّمَ عليه
كلّما مرّ به متى ما مرّ، وليس عليه أن يمرّ به لِيُسلّمَ عليه؛ إلّ للوداع عند
الخروج، وَيُكره له أن يُكثرَ المرور به والسّلام عليه، والإتيان كلّ يوم
إليه؛ لئلا يجعل القبر بفعله ذلك كالمسجد الذي يُؤتى كلَّ يوم للصلاة
فيه، وقد نَهىُ رسول الله وَليّر عن ذلك لقوله: ((اللهم لا تجعل قبري وثناً
يُعبد، اشتد غضب الله علی قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد»، انتهى كلام
ابن رُشد (١).
وانظر كيف جعل عليه أن يأتيه للوداع، وبطريق الأولى للسلام، وإنما
كراهته الإكثار لما ذكره، وأصل الاستحباب متفق عليه.
وقد رَوى القاضي عياض في ((الشفا))(٢) قال: ((ثنا القاضي أبو عبد الله
(١) وذكر الإمام ابن رشد في ((البيان والتحصيل)) ١٨: ١٠٨ في السلام على
النبي ◌َ ◌ّ ما نصه: ((وسئل مالك عن السلام على النبي عليه السلام؟.
فقال: إذا دخل وخرج، وفیما بین ذلك ۔ یرید في الأيام -)».
(٢) ٢: ٤٠ / ٤١. وروى هذه المناظرة أيضاً: الإمام ابن بشكوال في ((القربة
لرب العالمين)) ص٨٤ (٨٤)، والإمام أبو الحسن علي بن فهر في كتابه ((فضائل
مالك)) بإسناد حسن، كما ذكر ذلك الإمام الزرقاني في ((شرح المواهب اللدنية)) ٤:
٥٨٠.
وقد أنكر ابن تيمية هذه القصة وزعم أنها مكذوبة، كما صرح بذلك في كتاب
=
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٢١٣
محمد بن عبد الرحمن الأشعري، وأبو القاسم أحمد بن بقي، وغير واحد
فيما أجازونيه، قالوا: ثنا أحمد بن عمر بن دلهاث، ثنا علي بن فِهر، ثنا
محمد بن أحمد بن الفرج، ثنا عبد الله بن المنتاب، ثنا يعقوب بن إسحاق
ابن أبي إسرائيل، ثنا ابن حُميد قال :
ناظر أبو جعفر أمير المؤمنين، مالكاً في مسجد رسول الله وَله، فقال
له مالك رحمه الله: يا أمير المؤمنين، لا ترفع صوتك في هذا المسجد،
فإنّ الله تعالى أَدَّبَ قوماً فقال: ﴿لَا تَرْفَعُواْ أَصْوَتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ الآية،
ومدَح قوماً فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَتَهُمْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ الآية، وذمّ
قوماً فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَآءِ الْمُجُرَتِ﴾ ، الآية.
= ((المناسك)) ص٩٤ وغيره من كتبه. وقد ردّ على زعمه هذا كلّ من: الإمام عِزُّ الدِّين
ابن جماعة حيث قال في «هداية السالك)» ٣: ١٣١٨: ((رواه الحافظان ابن بشکوال،
ثم القاضي عياض في ((الشفا)) رحمهما الله تعالى، ولا يلتفت إلى قول من زعم أنه
موضوع لهواه الذي أرداه»، انتهى منه.
وقال الإمام الخفاجي في ((نسيم الرياض في شرح الشفا)) ٣: ٣٩٨ ما نصه: ((والله
درّهُ حيث أوردها بسند صحيح، وذكر أنه تلقاها عن عدّة من ثقات مشايخه، فقوله -
يعني ابن تیمیة ۔ إنها كذب، محضٌ ومجازفة من ترهاته»، انتهى.
وقال الإمام الزرقاني في شرحه على ((المواهب اللدنية)) ٨: ٣٠٤ عقب ذكره
لقول الإمام القسطلاني أنه رأى في منسك الشيخ تقي الدين ابن تيمية تكذيباً هذه
القصة ما نصه: ((هذا تهور عجيب، فإنَّ الحكاية رواها أبو الحسن علي بن فهر في
كتابه ((فضائل مالك)) بإسناد حسن لا بأس به، وأخرجها القاضي عياض في ((الشفا)»
من طريقه عن شيوخ عدة ثقات من مشايخه، فمن أين أنها كذب؟ وليس في إسنادها
وضّاع ولا کذاب»، انتھی منه.
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٢١٤
وإنّ حُرمتَهُ وَّهِ ميتاً كَحُرمته حيّاً.
فاستکان لها أبو جعفر.
وقال: يا أبا عبد الله، أَستقبلُ القبلة وأدعو، أم أستقبلُ
رسول الله وَل﴾؟.
فقال: ولم تَصرِفُ وجهك عنه؛ وهو وسيلَتُكَ ووسيلة أبيك آدم عليه
السلام إلى الله تعالى يوم القيامة، بل استقبله واستشفع به؛ فيُشفعكَ الله
تعالى، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ◌َظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآءُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ
اللَّهَ﴾ ، الآية.
فانظر هذا الكلام من مالك رحمه الله، وما اشتمل عليه من الزيارة
والتوسل بالنبي وَلّ، وحُسن الأدب معه.
وقال القاضي عياض: ((قال ابن حبيب: ويقول إذا دخل مسجد
الرسول صَلّى الله عليه وسلم ((بسم الله، وسَلامٌ على رسول الله. السلام
علينا من ربنا، وصلّى الله وملائكته على محمد، اللهم اغفر لي ذنوبي
وافتح لي أبواب رحمتك وجنتك، واحفظني من الشيطان الرجيم.
ثم اقصد إلى الروضة وهي مابين القبر والمنبر، فاركع فيها ركعتين قبل
وقوفك بالقبر، ثم تقف بالقبر مُتُواضعاً مُتُواقراً، فَتُصلّ عليه، وتُثني بما
يَحْضُرُكَ، وتُسلّمَ على أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، وتدعو لهما، ولا
تدع أن تأتي مسجد قباء، وقبور الشهداء.
وقال مالك رحمه الله في كتاب محمد (١): ((وَيُسلِّم على النبي ◌َّ إذا
(١) يعني: ((البيان والتحصيل)) للإمام محمد بن رشد، وقد تقدّم هامش ص٢١٢ نقله.
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٢١٥
دخل وخرج - يعني من المدينة -، وفيما بين ذلك)).
وقال محمد: ((وإذا خرج، جعل آخر عهده الوقوف بالقبر، وكذلك
من خرج مسافراً)).
وقال مالك رحمه في ((المبسوط)): ((وليس يَلزَمُ من دخل المسجد
وخرج منه من أهل المدينة الوقوف بالقبر، وإنما ذلك للغُرباء».
وقال فيه أيضاً: ((لا بأس لمن قَدِمَ من سَفرٍ، أو خرجَ إلى سفرٍ؛ أن
يقف على قبر النبي ◌ّ﴿ فَيُصَلِي عليه، ويدعو له، ولأبي وبكر وعمر رضي
الله عنهما.
فقيل له: فإنّ ناساً من أهل المدينة لا يَقْدَمُونَ من سفر ولا يريدونه،
يفعلون ذلك في اليوم مرّة أو أكثر، وربما وقفوا في الجمعة، أو في الأيام
المرّة أو المرتين، أو أكثر عند القبر، فُيُسلّمون ويدعون ساعة؟.
فقال: لم يَبلُغني هذا عن أحدٍ من أهل الفقه ببلدنا، وتركه واسع، ولا
يُصلِحُ آخر هذه الأمّة؛ إلاّ ما أصلح أوّلها، ولم يبلغني عن أوّل هذه الأمّة
وصدرها؛ أنهم كانوا يفعلون ذلك، وَيُكْرِهُ إلاّ لمن جاء من سفر، أو
أراده)).
قال ابن القاسم رحمه الله: ((وَرأيتُ أهل المدينة إذا خرجوا منها، أو
دخلوها؛ أتوا القبر فسلّموا.
قال: وذلك رأيٌ.
قال الباجي رحمه الله: فَفرقٌ بين أهل المدينة والغرباء، لأنّ الغرباء
قصدوا لذلك، وأهل المدينة مُقيمون بها، لم يقصدوها من أجل القبر،
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٢١٦
ولا التسليم)). انتهى ما حكاه القاضي عياض(١).
وانظر قول الباجي له: ((إنّ الغرباء قصدوا لذلك))، ودلالته على أنّ
الغرباء قصدوا المدينة من أجل القبر، والتسليم.
والمُتلخّص من مذهب مالك رحمه الله : أنّ الزيارة قُربةٌ، ولكنه على
عادته في سدِّ الذرائع؛ يكرهُ منها الإكثار الذي قد يُفضي إلى مَحذور،
والمذاهب الثلاثة يقولون باستحبابها، واستحباب الإكثار منها، لأنَّ الإكثار
من الخير خير، وكلهم مُجمِعون على استحباب الزيارة.
وفي (كتاب النوادر)) (٢): ((ويأتي قبور الشهداء بأُحدٍ وَيُسلّم عليهم؛
كما يُسلّم على قبر النبيّ ◌َّر، وعلى ضجيعيه)).
وقال أبو محمد عبد الكريم بن عطاء الله بن عبد الرحمن بن محمد بن
عيسى بن الحسن المالكي(٣) في ((مناسكه)) التي التزم فيها مشهور مذهب
مالك: (((فصل): إذا كَمُل لك حجّك وَعُمرتك على الوجه المشروع، لم
يبق بعد ذلك إلاّ إتيان مسجد رسول الله وَلير، للسلام على النبي ◌َّر،
والدعاء عنده، والسّلام على صاحبيه، والوصول إلى البقيع وزيارة ما فيه
من قبور الصحابة والتابعين، والصلاة في مسجد الرسول وَّ؛ فلا ينبغي
للقادر على ذلك تر کە)».
(١) ((الشفا بتعريف حقوق المصطفى مط :)) ٢: ٨٦ /٨٨ بتصرف.
(٢) ١ : ٦٥٦.
(٣) قال عنه العلامة محمد مخلوف في ((شجرة النور الزكية)) ص ١٦٧ (٥٢٤):
العالم الجليل، («الإمام المحقق المؤلف المدقق، الفقيه الأصولي المتفنن، المحرر
المتقن))، توفي سنة ٦١٢هـ.
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٢١٧
وقال العَبدي(١) في ((شرح الرسالة)): ((وأما النَّذرُ للمشي إلى المسجد
الحرام، والمشي إلى مكة له أصل في الشرع. وهو الحج والعمرة، وإلى
المدينة لزيارة قبر النبي وق لي؛ والنبي ور أفضل من الكعبة ومن بيت
المقدس، وليس عنده حج ولا عمرة. فإذا نذر المشي إلى هذه الثلاثة
لزمه، فالكعبة مُتُفقٌ عليها، ويختلف أصحابنا وغيرهم في المسجدين
الآخرین».
قُلْتُ: الخِلافُ الذي أشار إليه في نذر إتيان المسجدين؛ لا في الزيارة.
فهذه نُقُولُ المذاهب الأربعة(٢)، وكذلك غيرهم من الصّحابة والتابعين ومن
بعدهم، فقد صحَّ من وُجوهٍ كثيرة عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه
كان يأتي القبر فُيُسلِّم على النبي ◌َّ.
أنا عبد المؤمن بن خلف، أنا إبراهيم بن أبي الخير، وأبو عبد الله
محمد بن المُنى - منفردين في الرحلة الأولى -، قالا: أنا شُهدة، أنا
(١) لم أتحقق من هو، ففي تراجم المالكية غير واحد بهذه النِّسبة. ونصُّ عبارته
هذه، أوردها الإمام ابن الحاج في كتابه «المدخل» ٢٥٦ وعقبه بقوله: ((وهذا الذي
قاله، مُسلّمٌ صحيح لا يرتاب فيه إلاَّ مشرك، أو معاندٌ لله ولرسوله ێ))، انتهى منه.
(٢) نقل الإمام ابن الحاج المالكي المتوفّى سنة ٧٣٧هـ عن الإمام يحيى بن
هبيرة الحنبلي المتوفّى سنة ٥٦٠هــ اتفاق الأئمة مالك، والشافعي، وأبي حنيفة،
وأحمد بن حنبل رحمهم الله تعالى على أنَّ زيارة النبي ◌ِّ مستحبة.
وقد طبع كتاب الإمام ابن هبيرة الحنبلي بعنوان ((الفقه على المذاهب الأئمة
الأربعة)) والنصُّ فيه ١: ٣٣٩: ((واتفقوا على استحباب زيارة قبر المصطفى وَلقر،
وصاحبيه المدفونين عنده: أبي بكر، وعمر معه رضي الله عنهما، وندبوا لذلك)»،
انتھی منه.
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٢١٨
الحسن بن أحمد بن سلمان، أنا الحسن بن أحمد بن شاذان، أنا دعلج،
أنا محمد بن علي بن زيد الصائغ، ثنا سعيد بن منصور، ثنا مالك بن
أنس، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما: أنه كان يأتي القبر؛ فَيُسَلِّمُ
على النبي ◌َّر، وعلى أبي بكر وعمر رضي الله عنهما(١).
قال دعلج: هذا الحديث في ((الموطأ)) عن عبد الله بن دينار، عن ابن
عمر رضي الله عنهما، أنا به : إسحاق بن النحاس من طريق آخر إلى
سعید ابن منصور، ثنا مالك(٢) به.
وَرُوِيَ عن ابن عون قال: ((سأل رجل نافعاً: هل كان ابن عمر يُسلِّمُ
على القبر؟
قال: نعم، لقد رأيته مئة مرة، أو أكثر من مئة مرة، كان يأتي القبر
فَيقوم عنده فيقول: السّلام على النبي، السّلام على أبي بكر، السّلام على
أبي(٣)).
((وفي ((الموطأ)) من رواية يحيى بن يحيى الليثي، عن ابن عمر رضي
الله عنهما: ((كان يقف على قبر النبي ◌َّه فيُصلّ على النبي وَلّ، وعلى أبي
(١) رواه الإمام البيهقي في ((شعب الإيمان)) ٣: ٤٩٠ (٤١٦١) من طريق أيوب،
عن سعيد بن منصور.
(٢) ((الموطأ)) رواية يحيى الليثي ((باب ما جاء في الصلاة على النبي ◌َّ)
ص١٠٤ (٧٤).
(٣) ذكره القاضي عياض في ((الشفا)) ٢: ٨٦. وروى نحوه: الإمام ابن أبي شيبة
في ((المُصنَّف)) ٣: ٢٩ (١١٧٩٢). ورواه من طُرُقِ القاضي إسماعيل في ((فضل الصلاة
على النبي (وَلَ)) ص ٩٠ / ٩١/ ٩٢.
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية

٢١٩
بکر وعمر رضي الله عنهما».
وعند ابن القاسم، والقعنبي: ويدعو لأبي بكر وعمر رضي الله عنهما.
قال مالك في رواية ابن وهب: يَقُول المُسلِّم: السلام عليك أيها النبي
ورحمة الله وبر كاته.
قال في ((المبسوط)): وَيُسلِّم على أبي بكر وعمر رضي الله عنهما.
قال القاضي أبو الوليد الباجي: وعندي أنه يَدعُو للنبي _ بلفظ
الصلاة، ولأبي بكر وعمر رضي الله عنهما؛ كما في حديث ابن عمر رضي
الله عنهما من الخلاف(١)).
وقال عبد الرزاق في ((مُصَنِّفهِ)): (باب السلام على قبر النبي ◌َِّيرٍ)(٢)
- وَرَوى فيه آثاراً -، منها - بإسناد صحيح -: أنّ ابن عمر رضي الله عنهما
كان إذا قَدِمَ من سفر؛ أتى قبر النبي ◌َّه فقال: السّلام عليك يا رسول الله،
السّلام عليك يا أبا بكر، السّلام عليك يا أبتاه.
ورَوى عبد الرزاق في هذا الباب أيضاً: ((أنّ سعيد بن المسيب رضي
الله عنه، رَأى قوماً يُسلِّمون على النبي ◌َّه فقال: ما مكث نبيٌّ في الأرض
أكثر من أربعين يوماً)(٣).
ثم رَوى عبد الرزاق فيه قوله وَله: «مَررتُ بموسى ليلة أُسريَ بي،
(١) من قوله: ((وفي ((الموطأ)) .... إلخ)) كلام القاضي عياض في ((الشفا)) ٢: ٨٦.
(٢) ٣: ٥٧٦ (٦٧٢٤).
(٣) المصدر السابق ٣: ٥٧٦ (٦٧٢٥). وعزاه الإمام البيهقي في ((حياة الأنبياء))
ص٧٦ (٥) إلى الإمام الثوري في ((الجامع)).
المكتبة التخصصية للرد على الوهابية