Indexed OCR Text
Pages 481-500
٤٨١ ذكر طبه عَ لَّهِ من العذرة [ذكر طبه عَّهِ من العذرة] وهي - بضم المهملة وسكون الذال المعجمة - وجع في الحلق يعتري الصبيان غالبًا، وقيل: هي قرحة تخرج بين الأذن والحلق، أو في الخرم الذي ينزل بين الأنف والحلق، وهو الذي يسمى سقوط اللهاة، وقيل: هو اللهاة والمراد وجعها سمي باسمها، وقيل: هو موضع قريب من اللهاة، واللهاة - بفتح اللام - اللحمة التي في أقصى الحلق. وفي البخاري، من حديث أم قيس بنت محصن الأسدية - أسد خزيمة - وهي من الأدوية لعيني، فلا تزداد إلا رمدًا، فسل العلماء هل يعرفون حديثًا في ذلك؟، قال: فمضيت إلى أحمد بن حنبل، فسألته، فقال: روى شهر بن حوشب عن عبد الرحمن بن غنم، عن أبي هريرة: أن النبي عَّلِ قال: ((الكمأة من المن، وماؤها شفاء للعين)، قال: فرجعت إلى المتوكل، فأخبرته، فقال: ادع لنا يوحنا بن ماسويه، فدعوته، فقال له المتوكل: كيف يستخرج ماء الكمأة؟، قال: أنا أستخرج ذلك، فأخذ الكمأة، فقشرها ثم سلقها، فأنضجت أدنى النضج، ثم شقها وأخرج ماءها بالميل، فكحل به عين المتوكل، فبرأت في الدفعة الثانية، فعجب يوحنا، وقال: أشهد أن صاحبكم كان حكيمًا، يعني النبي عَّه. ذكر طبه عليه من العذرة (وهي بضم) العين (المهملة وسكون الذال المعجمة: وجع في الجلق يعتري الصبيان غالبًا،) قيل: سميت بذلك، لأنها تخرج غالبًا عند طلوع العذرة، وهي خمسة كواكب تحت الشعرى العبور، ويقال لها أيضًا: العذارى، وطلوعها يقع في وسط الحر. (وقيل: هي قرحة تخرج بين الأذن والحلق، أو) تخرج (في الخرم الذي ينزل من الأنف والحلق،) عبارة غيره، أو في الخرم الذي بين الأنف والحلق، (وهو الذي يسمى سقوط اللهاة). (وقيل: هو اللهاة) نفسها، (والمراد وجعها، سمي باسمها) تسمية للحال باسم المحل، (وقيل: هو موضع قريب من اللهاة، واللهاة: (بفتح اللام) اللحمة التي في أقصى الحلق،) ويجمع على لهى ولهيات، مثل حصاة وحصى وحصيات، وعلى لهوات أيضًا، على الأصل كما في المصباح. (وفي البخاري) ومسلم وأبي داود وابن ماجه، (من حديث أم قيس،) يقال: اسمها آمنة (بنت محصن) (بكسر الميم وسكون الحاء وفتح الصاد المهملتين ونون) (الأسدية، أسد ٤٨٢ ذكر طبه عَ لِّ من العذرة أخت عكاشة، أنها أتت رسول اللَّه عَِّ بابن لها قد أعلقت عليه من العذرة، فقال النبي علَةٍ: («علام تدغرون أولادكن بهذا العلاق؟ عليكم بهذا العود الهندي فإن فيه سبعة أشفية منها ذات الجنب يريد الكست وهو العود الهندي. خزيمة) بن مدركة بن الياس بن مضر، احترازًا عن أسد ربيعة وغيره، وتلو هذا البخاري: وكانت من المهاجرات الأول، اللاتي بایعن النبي ێ، (وهي اخت عكاشة) (بالتشديد) ابن محصن، أحد من يدخل الجنة بغير حساب (أنها أتت رسول اللّه عَالله بابن لها). قال الحافظ: لم أعرف اسمه، (قد أعلقت،) وفي رواية: علقت (بشد اللام بدون ألف)، وصوب الحافظ وغيره الأول، وهما في البخاري، أما مسلم، فإنما فيه أعلقت بالألف، وهما بمعنى: لكن اللغويون إنما يقولون: أُعلقت، أفاده عياض (عليه). وفي رواية للبخاري، عنه: وصوب ابن الأعرابي عليه، وهو ما في مسلم، وقال الخطابي: المحدثون يقولون عليه والصواب عنه، أي دفعت عنه، ومعنى أعلقت عليه أو ردت عليه العلوق، أي ما عذبته به (من العذرة). وقال النووي: أي عالجت رفع لهاته بإصبعها، وقال عياض: فسره سفين برفع الحنك بالإصبع، وأبو عبيد برفع اللهاة وكل متقارب، (فقال النبي عَّةُ: علام) بدون ألف بعد الميم، وفي رواية: بالألف، أي لأي شيء (تدغرن أولادكن بهذا العلاق) (بكسر العين وفتحها)، وفي رواية: الإعلاق، وهما بمعنى، ولكن أهل اللغة إنما يذكرون الإعلاق رباعي، وتفسيره غمز العذرة، قاله عياض، أي لأنه مصدر أعلقت. وقال القرطبي: هو الأشهر لغة، حتى زعم بعضهم أنه لا يجوز العلاق، وقال ابن الأثير: يجوز على أن العلاق اسم المصدر الذي هو الإعلاق، كما قالوا في العطاء أنه اسم المصدر الذي هو الإعطاء، قال القرطبي: والرواية في العلاق (بكسر العين). انتهى. وضبطه النووي بفتحها، فهما روايتان، وفي الكلام معنى الإنكار، أي على أي شىء تعالجن هذا الداء بهذه الآفة والمداواة الشنيعة، فلا تفعلن ذلك، ولكن (عليكم) (بالميم)، ورواه الكشميهني: عليكن (بالنون)، وهما باعتبار الأشخاص والأنفس، قاله المصنف: (بهذا العود الهندي،) يعني: استعملوه على ما يأتي بيانه، (فإن فيه سبعة أشفية:) جمع شفاء، أي أدوية، (منها ذات الجنب،) أي الألم العارض فيه من رياح غليظة مؤذية، وتسمى الشوصة، وقال الترمذي: هي السل. قال القرطبي: وفيه بعد، والمعروف الأول، وفي الرواية للشيخين: فإن فيه سبعة أشفية من سبعة أدواء، منها: ذات الجنب، يسعط به من العذرة، ويلد به من ذات الجنب، أي بأن يصب الدواء في أحد شقي الفم، ويسعط ابتداء كلام بيان لصفة التداوي، (يريد) عَّد (الكست) ٤٨٣ ذكر طبه عَّهِ من العذرة وقوله: ((تدغرن)) خطاب للنسوة، وهو بالغين المعجمة والدال المهملة، والدغر: غمز الحلق. عن جابر بن عبد الله قال: دخل رسول اللَّه مَّم على عائشة وعندها صبي يسيل منخراه دمًا، فقال: ما هذا؟ به العذرة، أو وجع في رأسه، فقال: ويلكن لا تقتلن أولادكن، أيما امرأة أصاب ولدها عذرة أو وجع في رأسه فلتأخذ قسطًا هنديًا فلتحله (بضم الكاف وسكون السين المهملة والتاء المثناة آخره)، وفي الطريق الآتي: (بالقاف، ثم السين، ثم الطاء، وهما لغتان)، (وهو العود الهندي). قال ابن العربي: القسط نوعان: هندي، وهو أسود، وبحري، وهو أبيض؛ والهندي أشدهما حرارة، وقال القرطبي: البحري الأبيض أحد نوعي العود الهندي، قال الحافظ: كذا وقع الاقتصار في الحديث من السبعة على اثنين، فإما أن يكون ذكر السبعة، فاختصر الراوي، أو اقتصر عليه السلام على الاثنین، لوجودهما حينئذٍ دون غيرهما. وقد ذكر الأطباء: من منافع القسط أنه يدر الطمث والبول، ويقتل ديدان الأمعاء، ويدفع السم وحمى الربع والورد، ويسخن المعدة ويحرك شهوة الجماع، ويذهب الكلف طلاء، فذكروا أكثر من سبعة. وأجاب بعض الشراح بأن السبعة علمت بالوحي، وما زاد عليها بالتجربة، فاقتصر على ما هو بالوحي لتحققه، وقيل: ذكر ما يحتاج إليه دون غيره، لأنه لم يبعث بتفاصيل ذلك، قلت: ويحتمل أن تكون السبعة أصول صفة التداوي به، لأنها إما طلاء أو شرب أو تكميد أو تنطيل أو تبخير أو سعوط أو لدود؛ فالطلاء يدخل في المراهم ويخل بالزيت ويلطخ، وكذلك التكميد والشرب يسحق ويجعل في عسل أو ماء أو غيرهما، وكذا التنطيل والسعوط يسعط في زيت ويقطر في الأنف، وكذا الدهن والتبخير واضح، وتحت كل واحد من السبعة منافع لأدواء مختلفة، ولا يستغرب ذلك ممن أوتي جوامع الكلم. (وقوله: تدغرن خطاب للنسوة، وهو بالغين المعجمة،) المفتوحة مضارع دغر، كمنع، (والدال المهملة،) قال القرطبي: لا يجوز غيره، (والدغر غمز الحلق،) قال القرطبي: والمراد به هنا رفع الحنك، وأصله الدفع، ونهى عن ذلك لما فيه من تعذيب الصبي، ولعله يزيد في وجعه. (و) أخرج أحمد وأصحاب السنن، (عن جابر بن عبد الله، قال: دخل رسول اللَّه عَّ. على عائشة وعندها صبي) صغير، (يسيل منخراه دمًا، فقال: ما هذا) الذي بهذا الصبي، (قالوا: به العذرة أو وجع في رأسه، فقال: ويلكن) كلمة تقال لمن وقع في هلكة، ولا يترحم ٤٨٤ ذكر طبه عَ لّهِ من العذرة بماء ثم تسعطه إياه. فأمرت عائشة فصنع ذلك للصبي فبرأ. الحديث. وفي القسط تجفيف يشد اللهاة ويرفعها إلى مكانها، وكانوا يعالجون أولادهم بغمز اللهاة، وبالعلاق: وهو شىء يعلقونه على الصبيان، فنهاهم عَّ له عن عليه بخلاف ويح، (لا تقتلن أولادكن،) أي لا تفعلن ما يكون سببًا لقتلهم، (أيما امرأة،) بزيادة ما لإفادة التعميم، (أصاب ولدها عذرة أو وجع في رأسه، فلتأخذ قسطًا) (بضم القاف وبالطاء). قال البخاري: وهو الكست، يعني بالكاف والفوقية، قال: مثل الكافور والقافور، ومثل كشطت وقشطت، وقرأ عبد الله بن مسعود: قشطت. قال القرطبي: وهذا من التعاقب بين الحرفين، (هنديًا) يجلب من الهند، وهو نوعان: أسود وأبيض، ويقال له: بحري، وهو المراد هنا لحديث زيد بن أرقم: ((تداووا من ذات الجنب بالقسط البحري والزيت))، هذا مفاد كلام القرطبي، وفي شرح المصنف البحري: ما يجلب من اليمن، ومنه ما يجلب من المغرب، وزاد بعضهم: ثالثًا، يسمى بالقسط المر، وهو كثير ببلاد الشام، خصوصًا السواحل، قال في نزهة الأفكار: وأجودها البحري، وخياره الأبيض الخفيف، الطيب الرائحة، وبعده الهندي، وهو أسود خفيف، وبعده الثالث: وهو ثقيل، ولونه كالخشب البقس، ورائحته ساطعة، وأجود ذلك كله ما كان جديدًا، ممتلئًا غير متآكل بلدغ اللسان، وكل دواء مبارك نافع، (فلتحله بماء،) أي تحكه على حجر بالماء، كذا في المرقاة. وقال القرطبي: أي يدق ناعمًا، (ثم تسعطه) (بفتح التاء والعين وبضم العين من سعط، كمنع ونصر، وبضم التاء وكسر العين من أسعط)، (إياه)،) أي تصبه في أنفه. قال القرطبي: وهل يسعط به مفردًا أو مع غيره، يسأل عن ذلك أهل المعرفة والتجربة، ولا بد من النفع به إذ لا يقول عَّله إلا حقًّا (فأمرت عائشة، فصنع ذلك للصبي فبرأ، الحديث ... ) قال في المرقاة: وقد حصل هذا المرض لولدي، وألح به، فأرادوا أن يغمزوا حلقه على طريقة النساء، فمنعتهن من ذلك تمسكًا بالحديث، واستعملت له القسط، فشفي منه سريعًا، ولم يعاوده بعد ذلك، ووصفته لجماعة فبرؤوا منه، مصداق قوله عَّهُ: (وفي القسط تجفيف يشد اللهاة ويرفعها إلى مكانها، وكانوا يعالجون أولادهم بغمز اللهاة وبالعلاق) (بكسر العين وفتحها) (وهو شيء يعلقونه على الصبيان،) كالعوذة، وهذا بيان لمراده هنا، وإلا فالعلاق لغة ما يعلق به الشيء، ثم تفسيره مخالف لقوله في شرح البخاري: أعلقت عليه من العذرة، أي رفعت حنكه بإصبعها، ففجرت الدم، وفي الفتح والنهاية وغيرهما أنه كانت عادة النساء إذا أصاب الصبي العذرة، تعمد المرأة إلى خرقة تفتلها فتلاً شديدًا وتدخلها في أنفه، وتطعن ذلك ٤٨٥ ذكر طبه عَيْءٍ من العذرة ذلك وأرشدهم إلى ما هو أنفع للأطفال وأسهل عليهم. والسعوط: ما يصب في الأنف. وقد استشكل معالجتها - أي العذرة - بالقسط مع كونه حارًا، والعذرة إنما تعرض في زمن الحر بالصبيان، وأمزجتهم حارة، لاسيما وقطر الحجاز حار؟ وأجيب: بأن مادة العذرة دم يغلب عليه البلغم، وفي القسط تجفيف للرطوبة وقد يكون نفعه في هذا الداء بالخاصية، وأيضًا فالأدوية الحارة قد تنفع من الأمراض الحارة بالعرض كثيرًا، بل وبالذات أيضًا، وقد ذكر ابن سينا في معالجة سقوط اللهاة بالقسط مع الشب اليماني، على أنا لو لم نجد شيئًا من التوجيهات لكان أمر المعجزة خارجًا عن القواعد الطبيعية. الموضع، فينفجر منه دم أسود، وربما أقرحه، وذلك الطعن يسمى دغرًا، فمعنى تدغرن أولادكن؛ أنها تغمز حلق الولد بإصبعها، فترفع ذلك الموضع وتكبسه بهذا العلاق. زاد في النهاية: وكانوا بعد ذلك يعلقون عليه علاقًا، كالعوذة، (فنهاهم عَّ عن ذلك وأرشدهم إلى ما هو أنفع للأطفال وأسهل عليهم،) فإنه يصل إلى العذرة فيقضها، لأنه حار يابس، (والسعوط) (بفتح السين وضم العين المهملتين) (ما يصب في الأنف،) أما بضم السين، فالفعل الذي هو صب الدواء في الأنف. (وقد استشكل معالجتها أي العذرة بالقسط مع كونه حارًا) يابسًا، (والعذرة إنما تعرض في زمن الحر بالصبيان وأمزجتهم حارة، لا سيما وقطر الحجاز حار،) فكيف يعالج الشيء بما يقويه. (وأجيب: بأن مادة العذرة:) أصلها الذي تولدت منه (دم يغلب عليه البلغم، وفي القسط تجفيف للرطوبة) البلغمية، (وقد يكون نفعه في هذا الداء،) أي المرض (بالخاصية) وإن كان حارًا، (وأيضًا فالأدوية الحارة قد تنفع من الأمراض الحارة بالعرض كثيرًا، بل وبالذات أيضًا). (وقد ذكر ابن سينا في معالجة سقوط اللهاة بالقسط:) الباء زائدة، ولم تقع في الفتح (مع الشب اليماني، على أنا لو لم نجد شيئًا من التوجيهات لكان أمر المعجزة خارجًا عن القواعد الطبيعية،) أي لكان الشفاء مع وجود سبب منعه أمرًا خارقًا للعادة. وقال النووي: اعترض من في قلبه مرض، فقال: أجمع الأطباء على أن مداواة ذات الجنب بالقسط خطر جدًا، لفرط حرارته. ٤٨٦ ذكر طبه عَل لداء استطلاق البطن [ذكر طبه مَِّ لداء استطلاق البطن] في الصحيحين من حديث سعيد بن أبي عروبة أبي المتوكل عن أبي سعيد الخدري: أن رجلاً أتى النبي عَِّ فقال: إن أخي يشتكي بطنه - وفي رواية: استطلق بطنه - فقال: اسقه عسلاً، فسقاه فقال: إني سقيته فلم يزده إلا استطلاقًا، قال المازري: وقد كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه، فقد ذكر جالينوس؛ أن القسط ينفع من وجع الصدر، وذكر بعض قدماء الأطباء أنه يستعمل لجذب الخلط من باطن البدن إلى ظاهره، وهذا يبطل ما زعمه المعترض الملحد. انتهى. والمازري أطال النفس في ذكر منافع القسط التي تطابق عليها الأطباء في كتبهم، ثم قال: فأنت ترى هذه المنافع التي ذكرها الأطباء، فتعلم أنه ممدوح شرعًا وطبًا. ذكر طبه علّية نداء استطلاق البطن (في الصحيحين) والترمذي والنسائي، كلهم في الطب، (من حديث سعيد بن أبي عروبة، عن أبي المتوكل) علي بن داود، ويقال بن دوآد (بضم الدال بعدها واو فهمزة)، الناجي (بنون وجيم)، البصري، ثقة، من رجال الجميع وأوساط التابعين، مات سنة ثمان ومائة، وقيل: قبلها، (عن أبي سعيد) سعد بن ملك (الخدري))) الصحابي ابن الصحابي: (أن رجلاً أتى النبي عَّة، فقال: إن أُخي،) قال الحافظ: لم أقف على اسم واحد منهما (يشتكي بطنه))) أي وجع بطنه من إسهال حصل له من تخمة. (وفي رواية) للشيخين أيضًا من حديث قتادة، عن أبي المتوكل، عن أبي سعيد، فقال: إن أخي (استطلق) (بفتح الفوقية واللام) (بطنه) (بالرفع، وضبطه في الفتح مبنيًّا للمفعول، أي تواتر إسهال بطنه) قال المصنف: وكذا قال القرطبي في المفهم، هو بضم التاء مبنيًا للمفعول، فهو الرواية الصحيحة، فيكون أصله استطلق هو بطنه، فالسين زائدة لا للطلب. قال الحافظ: استطلق، بضم المثناة وسكون الطاء المهملة وكسر اللام، بعدها قاف، أي كثر خروج ما فيه، يريد الإسهال، ولمسلم من طريق سعيد بن أبي عروبة: قد عرب بطنه، بمهملة، فراء مكسورة، فموحدة، أي فسد هضمه لاعتلال المعدة، ومثله ذرب (بذال معجمة بدل العين؟ وزنًا ومعنى؛ (فقال: اسقه عسلاً) صرفًا أو ممزوجًا، وعند الإسمعيلي: اسقه العسل، واللام عهدية، والمراد عسل النحل، لكونه المشهور عندهم، قاله الحافظ: أي عند النحاة الذي هو الإشارة إلى معهود في الذهن، لا عند البيانين؛ أنه الإشارة إلى حصة غير معينة، لأنه حينئذٍ لا يفيد أنه النحل إلا أن يراد النحل، ويراد بالحصة باعتبار القدر منه، (فسقاه) العسل فلم ينجع، ٤٨٧ ذكر طبه عَ لداء استطلاق البطن فقال: صدق اللّه وكذب بطن أخيك. وفي رواية لمسلم فقال له ثلاث مرات، ثم جاء الرابعة فقال: اسقه عسلاً، فقال: سقيته فلم يزده إلا استطلاقًا، فقال: صدق اللَّه وفي رواية أحمد عن يزيد بنٍ لهرون فقال في الرابعة: اسقه عسلاً، قال فأظنه، قال: فسقاه فبرأ، فقال رسول اللَّه عَ لّه: صدق اللَّه وكذب بطن أخيك. قال الخطابي وغيره: أهل الحجاز يطلقون الكذب في موضع الخطأ، يقال: كذب سمعك، أي زل فلم يدرك حقيقة ما قيل له، فمعنى: كذب بطن أخيك، فأتى النبي عَّه، (فقال: إني سقيته) العسل، (فلم يزده إلا استطلاقًا) بعد السقي، ففي السياق حذف مستفاد من هذا، (فقال: صدق الله) في قوله: فيه شفاء للناس، (وكذب) أخطأ (بطن أخيك،) حيث لم يصلح لقبول الشفاء، لكثرة المادة الفاسدة التي فيه، ولذا أمره بمعاودة شرب العسل لاستفراغها، فلما كرر ذلك برأ، كما في الرواية الأخرى أنه سقاه الثانية والثالثة، فإن ما ساقه المصنف، لفظ رواية قتادة عن أبي المتوكل، التي ذكرها بقوله: وفي رواية استطلق بطنه ففيها اختصار عند البخاري. أما رواية سعيد بن أبي عروبة، عن أبي المتوكل التي صدر بها، فهي تامة، ولفظها: فقال: إن أخي يشتكي بطنه، فقال: اسقه عسلاً، ثم أتى الرجل الثانية، فقال: اسقه عسلاً، ثم أتاه الثالثة، فقال: اسقه عسلاً، ثم أتاه، فقال: فعلت، فلم يبرأ، فقال: صدق اللَّه وكذب بطن أخيك، فسقاه فبرأ؛ فبين أن قوله: صدق اللَّه إنما كان بعد أن جاء ثلاث مرات. (وفي رواية لمسلم: فقال له ثلاث مرات:) إني سقيته، فلم يزده إلا استطلاقًا، (ثم جاء الرابعة، فقال: اسقه عسلاً، فقال: سقيته، فلم يزده إلا استطلاقًا،) لجذبه المادة، وكونه أقل من كميته، (فقال: صدق اللَّه) وكذب بطن أخيك. (وفي رواية أحمد، عن) شيخه (يزيد بن لهرون) السلمي، مولاهم الواسطي بإسناده، (فقال في الرابعة: اسقه عسلاً، قال: فأظنه قال: فسقاه فبرأ) (بفتح الراء والهمز بوزن قرأ)، وهي لغة أهل الحجاز، وغيرهم يقولها (بكسر الراء بوزن علم، كما في الفتح، (فقال رسول اللَّه عَ له: صدق اللَّه وكذب بطن أخيك،) انفي هاتين الروايتين؛ أنه قال ذلك بعد الرابعة. قال الحافظ: والأرجح أنه قاله بعد الثالثة، وفي رواية: فسقاه فعافاه اللَّه سبحانه. (قال الخطابي وغيره: أهل الحجاز يطلقون الكذب) الذي هو الإخبار، بخلاف الواقع عمدًا، أو سهوًا، أو جهلاً، لكن لا إثم فيهما، إنما هو في العمد (في موضع الخطأ،) الذي هو خلاف الصواب قولاً أو فعلاً، (يقال: كذب سمعك، أي زل، فلم يدرك حقيقة ما قيل له) بل ٤٨٨ ذكر طبه عَّهِ لداء استطلاق البطن أي لم يصلح لقبول الشفاء بل ذل عنه. وقال الإمام فخر الدين الرازي: لعله عَّه علم بنور الوحي أن ذلك العسل سيظهر نفعه بعد ذلك، فلما لم يظهر نفعه في الحال مع كونه عليه الصلاة والسلام كان عالمًا سيظهر نفعه بعد ذلك كان جاريًا مجرى الكذب، فلهذا أطلق عليه هذا اللفظ. وقد اعترض بعض الملحدة فقال: العسل مسهل، فكيف يوصف لمن وقع به الإسهال؟ وأجيب: بأن ذلك جهل من قائله، بل هو كقوله تعالى: ﴿بل كذبوا بما لم أدرك الحكم على خلاف ما ألقي إليه وليس هو حقيقة الكذب، إذ الإخبار فيه بخلاف الواقع، فهو دليل على إطلاق الكذب في موضع الخطأ. زاد عياض: وكذا يقولون كذب بصرك إذا لم يدرك ما رأى، قال الشاعر: كذبتك عينك أم رأيت بواسط غلس الظلام من الرباب خيالا (فمعنى كذب بطن أخيك، أي لم يصلح لقبول الشفاء، بل ذل عنه،) قال بعضهم فيه: إن الكذب قد يطلق على عدم المطابقة في غير الخبر. قال في المصابيح: هو على سبيل الاستعارة التبعية، وفيه إشارة إلى تحقق نفع هذا الدواء، (وقال الإمام فخر الدين الرازي: لعله عٍَّ علم بنور الوحي،) كأنه لم يقل بالوحي، لأنه ينشأ عنه أنوار تشرق في صدره، بل في جميع بدنه، يظهر بها من المعاني اللطيفة والأسرار الخفية ما تقصر العبارة عن بيانه، (أن ذلك العسل سيظهر نفعه بعد ذلك، فلما لم يظهر نفعه في الحال، مع كونه عليه الصلاة والسلام كان عالمًا؛ بأنه سيظهر نفعه بعد ذلك، کان جاريًا مجرى الكذب) بحسب ظاهر الحال، وإلا فإذا كان الغرض علمه بالوحي أنه لا يصلح الآن، وإذا كرر صلح، يكون البرء متوقفًا على تكرر السقي، فهو متوقع، (فلهذا أطلق عليه هذا اللفظ،) أي كذب. (وقد اعترض بعض الملحدة) هذا الحديث، (فقال: العسل مسهل:) (بضم، فسكون) من أسهل، أي مطلق للبطن، (فكيف يوصف لمن وقع به الإسهال،) مع أنه يزيده، وقد يؤدي إلی هلاکه. (وأجيب: بأن ذلك جهل من قائله))) لأنه أطلق في محل التقييد، (بل هو كقوله تعالى: ﴿بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه﴾) [يونس: ٣٩]، وجه الشبه أن هؤلاء بادروا إلى إنكار نفع ٤٨٩ ذكر طبه عَ لّهِ لداء استطلاق البطن يحيطوا بعلمه﴾ [يونس/٣٩] فقد اتفق الأطباء على أن المرض الواحد يختلف علاجه باختلاف السن والعادة والزمان والغذاء المألوف، والتدبير وقوة الطبيعة، وعلى أن الإسهال يحدث من أنواع: منها الهيضة التي تنشأ عن تخمة، واتفقوا على أن علاجها بترك الطبيعة وفعلها، فإن احتاجت إلى مسهل أعينت ما دام بالعليل قوة، فكأن هذا الرجل كان استطلاق بطنه من تخمة أصابته فوصف له عَ ◌ّه. العسل لدفع الفضول المجتمعة في نواحي المعدة من أخلاط لزجة تمنع استقرار الغداء فيها، وللمعدة خمل كخمل المنشفة، فإذا علقت بها الأخلاط اللزجة أفسدتها وأفسدت الغذاء الواصل إليها، فكان دواؤها باستعمال ما يجلو تلك الأخلاط، ولا شىء في ذلك مثل العسل، لاسيما إن مزج بالماء الحار، وإنما لم العسل من الإسهال، كما أن المشركين بادروا إلى إنكار كون القرآن منزلاً من عند اللَّه، لعدم وصولهم إلى فهم معانيه وما يراد به؛ (فقد اتفق الأطباء على أن المرض الواحد يختلف علاجه باختلاف السن) لمن قام به، فليس علاج الشيخ كعلاج الصبي، (والعادة،) أي ما يعتاد له فعله من مشي وركوب وسهر ونوم ولبس وغير ذلك، (والزمان،) فليس دواؤه في نحو الصيف، كدوائه في نحو الشتاء، (والغذاء المألوف،) إذ قد يحدث المرض بمخالفته، فعلاجه برده إلى المألوف، (والتدبير،) أي التأمل في صفة استعمال الدواء بمعرفة قدره وصفة تركيبه وغير ذلك، ككونه يستعمل بعد غليه بالنار، أو تسخينه فقط، بحيث يزول برده، أو باردًا، (وقوّة الطبيعة) على القدر الذي يجعل من الدواء لها؛ (و) اتفقوا (على أن الإسهال يحدث من أنواع، منها: الهيضة،) أي المرض الناشىء من اجتماع فضول في المعدة، هذا المراد هنا بدليل قوله: (التي تنشأ عن تخمة) (بوزن رطبة)، أي فساد المعدة من الأخلاط المجتمعة فيها كما يأتي. (واتفقوا على أن علاجها بترك الطبيعة وفعلها)، فلا يستعمل لها قابض لئلا تحتبس تلك الفضول، فيتولد منها مزيد الضرر، (فإن احتاجت إلى مسهل أعينت ما دام بالعليل قوة)، وحبسه عنه ضرر واستعجال مرض، (فكان هذا الرجل، كان استطلاق بطنه من تخمة أصابته، فوصف له عَّة العسل لدفع الفضول المجتمعة في نواحي المعدة، من أخلاط لزجة) (بزاي وجيم)، أي متعلقة بها (تمنع استقرار الغذاء فيها، وللمعدة خمل) (بكسر المعجمة وميم ساكنة)، (كخمل المنشفة:) (بكسر الميم اسم آلة) (فإذا علقت بها الأخلاط اللزجة أفسدتها، وأفسدت الغذاء الواصل إليها، فكان دواؤها باستعمال ما يجلو:) يزيل (تلك الأخلاط، ولا شيء في ذلك) نافع (مثل العسل، لا سيما إن مزج بالماء الحار، وإنما لم يفسده في أول ٤٩٠ ذكر طبه عب لداء استطلاق البطن يفسده في أول مرة لأن الدواء يجب أن يكون له مقدار وكمية بحسب الداء، إن قصر عنه لم يدفعه بالكلية، وإن جاوزه أوهى القوة وأحدث ضررًا آخر، فكأنه شرب منه أولاً مقدارًا لا يفي بمقاومة الداء، فأمره بمعاودة سقيه، فلما تكررت الشربات برأ بإذن اللَّه تعالى. وفي قوله عَّ لّهِ: ((كذب بطن أخيك)) إشارة إلى أن هذا الدواء نافع، وأن بقاء الداء ليس لقصور الدواء في الشفاء، ولكن لكثرة المادة الفاسدة، فمن ثم أمره بمعاودة شرب العسل لاستفراغها. وقال بعضهم: إن العسل تارة يجري سريعًا إلى العروق وينفذ معه جل الغذاء ويدر البول فيكون قابضًا، وتارة يبقى في المعدة فيهيجها بلذعة لها حتى يدفع الطعام ويسهل البطن فيكون مسهل، فإنكار وصفه بالمسهل مطلقًا قصور من المنكر. مرة، لأن الدواء يجب أن يكون له مقدار وكمية بحسب الداء:) المرض (إن قصر عنه) (بفتحتين مخففًا)، كعقد، ومشددًا، أي عجز، كما في القاموس: (لم يدفعه بالكلية وإن جاوزه، أو هي) أضعف (القوة، وأحدث ضررًا آخر، فكأنه،) أي الرجل (شرب منه أولاً مقدارًا لا يفي بمقاومة الداء، فأمره بمعاودة سقيه، فلما تكررت الشربات برأ بإذن الله تعالى) (بزنة قرأ) لغة أهل الحجاز ولغة غيرهم، كعلم) والسياق في المرض، أما من الدين، فبالثاني فقط. (وفي قوله عَّة: وكذب بطن أخيك إشارة إلى أن هذا الدواء نافع، وأن بقاء الداء ليس لقصور الدواء في الشفاء، ولكن لكثرة المادة الفاسدة، فمن ثم أمره بمعاودة شرب العسل لاستفراغها،) فشفي لما استفرغت. (وقال بعضهم:) هو صاحب كتاب المائة في الطب، كما في الفتح: (إن العسل تارة يجري سريعًا إلى العروق وينفذ معه جل الغذاء) أكثره (ويدر البول فيكون قابضًا، وتارة يبقى في المعدة فيهيجها بلذعه لها) (بذالّ معجمة وعين مهملة)، أي يؤثر فيها كتأثير النار أما بمهملة فمعجمة، فلذوات السموم، كالعقرب، (حتى يدفع الطعام ويسهل البطن، فيكون مسهل، فإنكار وصفه،) أي العسل (بالمسهل مطلقًا قصور من المنكر). وقال القرطبي في المفهم: اعترض بعض زنادقة الأطباء هذا، فقال: أجمع الأطباء على أن العسل مسهل، فكيف يوصف لمن به الإسهال، وهذا كلام جاهل، بدليل صدق النبي وبصناعة الطب التي ينتمي إليها، أما الأول، فلأن من علم صدقه بدليل المعجزة، حقه إذا وجد ٤٩١ ذکر طبه مع لداء استطلاق البطن وقال ابن الجوزي: في وصفه عَّ العسل لهذا المسهل أربعة أقوال: أحدها: أن حمل الآية على عمومها في الشفاء أولى، وإلى ذلك أشار بقوله تعَّةٍ: صدق اللَّه، أي في قوله: ﴿فيه شفاء للناس﴾ فلما نبه على هذه الحكمة تلقاها بالقبول فشفي بإذن اللَّه تعالى. الثاني: أن الوصف المذكور على المألوف من عادتهم من التداوي بالعسل في الأمراض كلها. الثالث: أن الموصوف له ذلك كان به هيضة، كما تقدم تقريره. من كلامه ما يقصر عن إدراكه أن يعلم أن القول حق في نفسه، وينسب القصور إلى نفسه، ثم إن كان الصادق بين كيفية العمل بذلك الشيء، فليبحث عنه، فإذا انكشف له، علم أن ذلك هو الذي أراد الصادق، وهذا إنما يخاطب به علماء الطب المسلمون؛ وأما بيان جهله بصناعة الطب، فإنه حاد في النقل، حيث أطلق في محل التقييد، ونقل إجماعًا لا يصح، وبيان ذلك ما قاله الإمام المازري: الأشياء التي يفتقر فيها إلى تفصيل، قلما يوجد فيها مثل ما يوجد في صناعة الطب، فإن المريض المعين يجد الشيء دواء له في ساعة، ثم يصير داء له في الساعة التي تليها، العارض يعرض له من غضب يحمي مزاجه، فينتقل علاجه إلى شيء آخر بسبب ذلك، وذلك مما لا يحصى كثرة؛ وقد يكون الشىء شفاء في حالة، وفي شخص، فلا يطلب الشفاء به في سائر الأحوال، ولا في كل الأشخاص، والأطباء مجمعون على أن العلة الواحدة يختلف علاجها باختلاف السن، فذكر نحو ما في المصنف، ثم قال: وبه علم جهالة المعترض، ولسنا نستدل على صدقه عَّ بصدق الأطباء، بل لو كذبوه كذبناهم وكفرناهم، وإنما خرجنا على ما يصح من قواعدهم، لأنه عٍَّ لا يكذب، وبينا به جهالة المعترض بالصفة التي ينتمي إليها. انتهى. (وقال ابن الجوزي في وصفه عَّةِ: العسل لهذا المسهل) (بضم، فسكون، ففتح)، أي الشخص المسهل (أربعة أقوال، أحدها: إن حمل الآية على عمومها في الشفاء أولى) بالقبول، (وإلى ذلك أشار، بقوله عَّ: صدق اللَّه، أي في قوله: فيه شفاء للناس، فلما نبه على هذه الحكمة، تلقاها) المسهول (بالقبول، فشفي بإذن الله تعالى). (الثاني: إن الوصف المذكور على المألوف من عادتهم،) أي العرب (من التداوي بالعسل في الأمراض کلها،) وهذا ضعیف کما يأتي، بل باطل، إذ لو كان كذلك ما حسن استدلاله عَلّه، بقوله: صدق الله. (الثالث: إن الموصوف له ذلك كان به هيضة، كما تقدم تقريره،) وهو وجيه، واقتصر عليه المازري وغيره. ٤٩٢ ذكر طبه مَُّلِ لداء استطلاق البطن الرابع: يحتمل أن يكون أمره بطبخ العسل قبل شربه، فإنه يعقد البلغم، فلعله شربه أو لا بغير طبخ، انتهى. والثاني والرابع ضعيفان. ويؤيد الأول حديث ابن مسعود: عليكم بالشفاءين العسل والقرءان أخرجه ابن ماجه والحاكم مرفوعًا، وأخرجه ابن أبي شيبة والحاكم أيضًا موقوفًا، ورجاله رجال الصحيح. وأثر علي: إذا اشتكى أحدكم فليستوهب من امرأته شيئًا من صداقها درهمًا فليشتر به عسلاً، ثم يأخذ ماء السماء، فيجمع هينًا مريئًا مباركًا، أخرجه (الرابع:) يحتمل (أن يكون أمره بطبخ العسل قبل شربه، فإنه يعقد البلغم، فلعله شربه أولاً بغير طبخ. انتهى. والثاني والرابع ضعيفان،) قد علم ضعف الثاني، ولعل وجه الرابع احتياجه إلى قرينة تدل عليه، أو أن القرينة دلت على خلافه. (ويؤيد الأول حديث ابن مسعود: عليكم،) أي الزموا التداوي (بالشفاءين: العسل:) لعاب النحل، أو طل خفي يقع على الزهر وغيره، فتلقطه النحل، وقيل: بخار يصعد في الجو، فيستحيل ويغلظ بالليل، ويقع عسلاً، فتجنيه النحل وتغتذي به، فإذا شبعت جنت منه مرة أخرى، ثم تذهب به إلى بيوتها وتضعه فيها، لأنها تدخر لنفسها غذاءها، وقيل: إنها تأكل من الأزهار الطيبة والأوراق العطرة، فيقلب اللَّه تلك الأجسام في داخل أبدانها عسلاً، ثم إنها تقىء ذلك، فهو العسل، وأصلحه الربيعي، ثم الصيفي، وأما الشتائي فردىء، وما يؤخذ من الجبال والشجر أجود مما يؤخذ من الخلايا، وهو بحسب مرعاه، ومن العجب أن النحل يأكل من جميع الأزهار، ولا يخرج منه إلا حلو، مع أن أكثر ما يجنيه مر، وله زهاء مائة اسم (والقرآن،) جمع في هذا الحديث بين الطب البشري والإلهي، وبين الفاعل الطبيعي والروحاني، وطب الأجساد وطب الأرواح، والسبب الأرضي والسماوي، ﴿وننزل من القرآن ما هو شفاء﴾. (أخرجه ابن ماجه والحاكم، مرفوعًا) عن النبي عَّه، وقال الحاكم: إنه على شرط الشيخين، (وأخرجه ابن أبي شيبة والحاكم أيضًا، موقوفًا) على ابن مسعود (ورجاله رجال الصحيح،) وقال البيهقي في الشعب الصحيح، موقوف على ابن مسعود، (و) يؤيده أيضًا (أثر علي) كرم الله وجهه: (إذا اشتكى،) أي مرض (أحدكم، فليستوهب:) يطلب (من امرأته) أن تهبه (من صداقها درهمًا، فليشتر به عسلاً، ثم يأخذ ماء السماء،،) أي المطر، (فيجمع) دواء (هنيئًا مريئًا مباركًا،) لبركته من العسل الذي فيه شفاء للناس، ومن ماء السماء الذي قال تعالى فيه: ﴿ونزلنا من السماء ماءً مباركًا﴾ [ق: ٩]. (أخرجه ابن أبي حاتم في التفسير بسند حسن،) عن علي موقوفًا عليه، (وروينا عنه،) ٤٩٣ ذكر طبه عَ ل لداء استطلاق البطن ابن أبي حاتم في التفسير بسند حسن. وروينا عنه رضي اللَّه تعالى عنه أنه قال: إذا أراد أحدكم الشفاء فليكتب آية من كتاب اللَّه في صحيفة وليغلسها بماء السماء وليأخذ من امرأته درهمًا عن طيب نفس منها، فليشتر به عسلاً فليشربه فإنه شفاء. قال الحافظ ابن كثير، بعد أن ذكره، أي من وجوه: قال اللَّه تعالى: ﴿وننزل من القرءان ما هو شفاء﴾ [الإسراء/٨٢] وقال: ﴿ونزلنا من السماء ماء مباركًا﴾ [ق/٩]، وقال: ﴿فإن طبن لكم عن شىء منه نفسًا فكلوه هنيئًا مريئًا﴾ [النساء/٤] وقال في العسل: ﴿فيه شفاء للناس﴾ [النحل/٦٩]. أي عن علي (رضي اللَّه تعالى عنه أنه قال: إذا أراد أحدكم الشفاء، فليكتب آية من كتاب اللَّه))) أي آية كانت (في صحيفة، وليغسلها بماء السماء، وليأخذ من امرأته درهمًا،) من صداقها، كما في الرواية قبلها، فيحمل المطلق على المقيد، (عن طيب نفس منها،) فإن خلا عن ذلك لم يفد، (فليشتر به عسلاً فليشربه، فإنه شفاء). (قال الحافظ ابن كثير بعد أن ذكره،) أي أثر علي، (أي) إنه شفاء (من وجوه) أربعة: الأول: (قال اللَّه تعالى: ﴿وننزل من القرآن ما هو شفاء﴾ [الإسراء: ٨٢]، وقال: ﴿ونزلنا من السماء ماءً مباركًا﴾ [ق: ٩]،) كثير البركة، وهذا الوجه الثاني، (وقال: ﴿فإن طبن لكم عن شىء منه نفسًا﴾ [النساء: ٤]،) تمييز محول عن الفاعل، أي إن طابت أنفسهن عن شيء من الصداق فوهبنه لكم، (فكلوه هنيئًا) طيبًا (مريئًا،) محمود العاقبة، لا ضرر فيه، وهذا الوجه الثالث. (وقال في العسل: ﴿فيه شفاء للناس﴾ [النحل: ٦٩]،) وهذا رابع الوجوه، وضمير فيه للعسل، وقول مجاهد للقرآن. صحيح في نفسه، لكن ليس هو الظاهر من سياق الآية، لأنها إنما فيها ذكر العسل، ولم يتابع مجاهد على قوله هذا، ثم قيل: المراد بالآية الخصوص، أي شفاء من بعض الأدواء، ولبعض الناس، قال القرطبي: لأن شفاء نكرة في سياق الثبوت، فلا تعم، وجعلها بعض أهل الصدق على العموم، فكانوا يستشفون به في كل الأمراض لصدق القرآن، وكان ابن عمر لا يشتكي قرحة ولا شيئًا إلا جعل عليه العسل، فقيل له في ذلك، فقال: أليس الله تعالى يقول: ﴿فيه شفاء للناس﴾ [النحل: ٦٩]، ومرض عوف بن لملك الأشجعي، الصحابي، فقال: ائتوني بماء، فإن اللَّه تعالى يقول: ﴿ونزلنا من السماء ماءٌ مباركًا﴾ [ق: ٩]، ثم قال: ائتوني بعسل، وتلا الآية، ثم قال: ائتوني بزيت، وتلا من شجرة مباركة، فخلط ذلك بعضه ٤٩٤ ذكر طبه مَّهِ من ييس الطبيعة [ذكر طبه معَ ◌ّه من ييس الطبيعة] بما يمشيه ويلينه روى الترمذي وابن ماجه في سننه من حديث أسماء بنت عميس قالت: قال رسول اللَّه عَّله بماذا كنت تستمشين؟ قالت: بالشبرم، قال: حار حار ثم قالت: استمشيت بالسنى فقال النبي عَّةٍ: لو أن شيئًا كان فيه شفاء من الموت لكان في السنى. قال أبو عيسى هذا حديث غريب، وقد ذكره البخاري في ببعض، وشربه فعوفي. وعن أبي وجزة (بجيم وزاي)، أنه كان يكتحل بالعسل ويتداوى به، وهذا عمل بمطلق القرآن، وأصله صدق النية واللَّه أعلم. ٠ قال ابن بطال: يؤخذ من قوله: ((صدق اللَّه وكذب بطن أخيك))، الألفاظ لا تحمل على ظاهرها، إذ لو كان كذلك لبرأ العليل من أول شربة، فلما لم يبرأ إلا بعد التكرار، دل على أن الألفاظ تفتقر إلى معانيها. قال الحافظ: ولا يخفى تكلف هذا الانتزاع. نعم يؤخذ منه أن الذي يجعل اللَّه فيه الشفاء قد يتخلف لتتم المدة التي قدر اللَّه تعالى فيها الداء، أي المرض. ذكر طبه عليه من يبس الطبيعة وهي المزاج المركب من الأخلاط، والإضافة لامية (بما يمشيه،) أي اليبس، أي يسهله (ويلينه) تليينًا دون الإسهال، فالعطف مغاير لا تفسير، وعدل عن وصف الطبيعة بالتمشية، لأن الذي يتصف بها، إنما هو يبسها لا نفسها الذي هو المزاج، ثم الطب الدواء النافع، فذكره النهي عن الشبرم تبعًا للإقرار على السنى، أو أراد بالطب ما يشمل دفع المضرة. (روى الترمذي وابن ماجه في سننه،) وأحمد والحاكم (من حديث أسماء بنت عميس) (بمهملتين مصغر)، (قالت: قال) لي (رسول اللَّه عَّهِ: بماذا،) أي بأي دواء (كنت تستمشين،) أي تطلبين مشي بطنك، أي إخراج ما فيه، (قالت: بالشبرم) (بضم الشين المعجمة والراء، بينهما موحدة ساكنة، وآخره ميم)، وقد يفتح أوله، (قال: حار حار،) أي شديد الحرارة، فالثاني تأكيد لفظي، ويحتمل أن الثاني، (بجيم وشد الراء اتباع لحار بمهملتين)، كما في النهاية، يقال: حار جار، ويقال حار يار بمثناة تحتية على الاتباع أيضًا، (ثم قالت: استمشيت بالسنى) (بفتح السين والنون والقصر)، وقد يمد لا تحصى منافعه، (فقال النبي عَ لِ: ((لو أن شيئاً كان فيه شفاء من الموت لكان في السنى»،) مبالغة في كثرة منافعه. (قال أبو عيسى) الترمذي: (هذا حديث غريب،) وصححه الحاكم وأقره الذهبي، (وقد ٤٩٥ ذكر طبه عَِّ من بيس الطبيعة تاريخه الكبير من حديث أسماء بنت عميس مثل ما ذكره الترمذي. وذكر أبو محمد الحميدي في كتاب ((الطب)) النبوي له أنه عَِّ قال: إياكم والشبرم فإنه حار حار، وعليكم بالسنى فتداووا به، فلو دفع الموتَ شىء لدفعه السنی. وحكى عبد الحق الإشبيلي في كتاب ((الطب)) له أن المحاسبي ذكر في كتابه المسمى بـ ((المقصد والرجوع إلى اللَّه تعالى)) أن النبي عَّ شرب السنى بالتمر. وفي سنن ابن ماجه، من حديث عمرو بن بكر عن إبراهيم بن أبي عبلة قال: سمعت عبد الله بن حرام، وكان ممن صلى مع رسول اللَّه عَليهِ القبلتين يقول ذكره،) أي رواه (البخاري في تاريخه الكبير من حديث أسماء بنت عميس، مثل ما ذكره الترمذي،) أي بلفظه، (وذكر أبو محمد) اسمه محمد بن أبي نصر فتوح (الحميدي،) الحافظ صاحب الجمع بين الصحيحين (في كتاب الطب النبوي له؛ أنه عَّ. قال: إياكم والشبرم،) أي احذروا استعماله، (فإنه حار حار، وعليكم بالسنى، فتداووا به، فلو دفع الموت شيء لدفعه السنی،) لكنه لا يدفعه، فلا يدفعه السنی. (وحكى عبد الحق الإشبيلي) (بكسر الهمزة والموحدة وسكون الشين المعجمة والتحتية قبل اللام نسبة إلى إشبيلية)، من أمهات بلاد الأندلس، حافظ كبير، مصنف، ففيه، (في كتاب الطب، له أن المحاسبي) (بكسر السين) الحرث بن أسد (ذكر في كتابه، المسمى بالمقصد والرجوع إلى اللَّه تعالى: أن النبي عَّ شرب السنى بالتمر،) أي وضعهما في الماء وشربه، كما يفيده شرب، أي ليبس الطبيعة، كما هو ظاهر السياق، وبوضعهما في الماء يندفع اجتماع حارين، المنهي عنه عند الأطباء لضرره. (وفي سنن ابن ماجه) والحاكم، كلاهما في الطب (من حديث عمرو بن بكر عن إبراهيم بن أبي عبلة) (بفتح المهملة وسكون الموحدة)، واسمه شمر (بكسر المعجمة) ابن يقظان الشامي، يكنى أبا إِسمعيل، تابعي صغير، ثقة، من شيوخ ملك ورجال الصحيحين، مات سنة اثنتين وخمسين ومائة، (قال: سمعت عبد الله بن حرام،) كذا في النسخ، وصوابه كما في الإصابة والتقريب عبد الله بن أم حرام، وهو عبد الله بن عمرو، وقيل: ابن كعب الأنصاري، نزل بيت المقدس، وهو آخر من مات من الصحابة بها، وزعم ابن حبان أن اسمه سمعون، له هذا الحديث: (وكان ممن صلى مع رسول اللَّه عَّه القبلتين))) أي إليهما، وفي نسخة: للقبلتين، ٤٩٦ ذكر طبه معَِّ من بيس الطبيعة سمعت رسول اللَّه عَ لّه يقوله: ((عليكم بالسنى والسنوت فإن فيهما شفاء من كل داء إلا السام)، قيل: يا رسول اللَّه وما السام؟ قال: ((الموت)). قالوا: والشبرم: قشر عرق شجرة، وهو حار يابس في الدرجة الرابعة، وهو من الأدوية التي منع الأطباء من استعمالها لخطرها وفرط إسهالها. وأما السنى: فهو نبت حجازي، وأفضله المكي، وهو دواء شريف مأمون الغائلة، قريب من الاعتدال، حار يابس في الدرجة الأولى، يسهل الصفراء والسوداء، ويقوي جرم القلب، وهذه فضيلة شريفة، ومن خاصيته النفع من الوسواس أي: الكعبة وبيت المقدس، (يقول: سمعت رسول اللَّه عَ لُه يقول: عليكم بالسنى والسنوت). قال ابن الأثير: يروى (بضم السين والفتح) أفصح، وفي الدر (بفتح السين) أفصح من ضمها، قال ابن الجوزي: (وبضم النون)، وفي القاموس: السنوت كتنور وسنور، (فإن فيهما شفاء من كل داء إلا السام) (بمهملة من غير همز)، (قيل: يا رسول اللَّه، وما السام؟، قال: الموت،) فيه: أن الموت داء من جملة الأدواء، وقال الشاعر: كذاك الموت ليس له دواء قال الحاكم: حديث صحيح، ورده الذهبي بأن عمرو بن بكر اتهمه ابن حبان، وقال ابن عدي: له مناكير، (قالوا: والشبرم قشر عرق شجرة،) وفي النهاية حب يتداوى به، وقيل: هو الشيخ، وفي القاموس الشبرم، كقنفذ، ويفتح: شجر ذو شوك، يقال: ينفع من الوباء ونبات آخر له حب كالعدس، وأصل غليظ ملآن لبنًا، والكل مسهل، واستعمال لبنه خطر، وإنما يستعمل أصله مصلحًا؛ بأن ينقع في الحليب يومًا وليلة، ويجدد اللبن ثلاث مرات، ثم يجفف وينقع في عصير الهندباء والرازيانج، ويترك ثلاثة أيام، ثم يجفف ويعمل منه أقراص مع شيء من التربذ والهليلج والصبر؛ فإنه دواء فائق، (وهو حار يابس في الدرجة الرابعة، وهو من الأدوية التي منع الأطباء من استعمالها، لخطرها وفرط إسهالها،) وإنما أجازوه بالتدبير الذي رأيته عن القاموس، ولم يكتف بقوله: إياكم والشبرم، قصدًا للجمع بين السنة وبين ما تطابقت عليه الأطباء، ولدفع توهم أنه أريد بالحديث نهي أهل الحجاز لحرارة أرضهم. (وأما السنى، فهو نبت حجازي، أفضله المكي، وهو دواء شريف مأمون الغائلة،) أي الفساد، أي لا ضرر فيه، (قريب من الاعتدال، حار يابس في الدرجة الأولى، يسهل الصفراء والسوداء،) زاد القاموس: والبلغم، وزاد غيره: والدم، فهو موافق للأخلاط الأربعة، بعضها بالطبع، وبعضها بالخاصية على زعم الأطباء، (ويقوي جرم القلب، وهذه فضيلة شريفة، ومن خاصيته النفع من الوسواس السوداوي،) أي الناشىء من غلبة خلط السوداء يقبض. ٤٩٧ ذكر طبه عَُّلِّ من بيس الطبيعة السوداوي. قال الرازي: السنى والشاهترج يسهلان الأخلاط المحترقة وينفعان من الجرب والحكة، والشربة من كل واحد منهما من أربعة دراهم إلى سبعة دراهم. وأما السنوات، فقيل هو العسل، وقيل: رب عكة السمن يخرج خطوطًا سودًا على السمن، وقيل: حب يشبه الكمون وليس به، وقيل: هو الكمون الكرماني، وقيل: إنه الرازيانج، وقيل: إنه الشبت، وقيل: إنه العسل الذي يكون في زقاق السمن. قال بعض الأطباء: وهذا أجدر بالمعنى وأقرب إلى الصواب، أي: يخلط السنى مدقوقًا بالعسل المخالط للسمن، ثم يلعق فيكون أصلح من استعماله مفردًا، لما في العسل والسمن من إصلاح السنى وإعانته على الإسهال. (قال الرازي: والسني والشاهترج:) (بشين معجمة وجيم) بالفارسية ملك البقول، ويسميه أهل مصر هاتراج، (يسهلان الأخلاط المحترقة، وينفعان من الجرب،) بفتحتين خلط غليظ يحدث تحت الجلد من مخالطة البلغم الملح للدم، يكون معه بثور، وربما حصل معه هزال لكثرته، (والحكة) (بكسر الحاء داء يكون بالجسد)، وفي كتب الطب: هي خلط رقيق يحدث تحت الجلد، ولا يحدث منه مدة، بل شيء كالنخالة، وهو سريع الزوال، (والشربة من كل واحد منهما من أربعة دراهم إلى سبعة دراهم،) باختلاف الأمزجة، ولا يزاد على سبعة. (وأما السنوت، فقيل: هو العسل) النحل، (وقيل: هو رب عكة السمن، يخرج خطوطًا سودًا على السمن،) فتلك الخطوط هي السنوت، (وقيل: حب يشبه الكمون، وليس به،) أي وليس هو الكمون، (وقيل: هو الكمون الكرماني) (بكسر الكاف عند الأكثر، وصحح ابن السمعاني فتحها وسكون الراء فيهما)، (وقيل: إنه الراز يانج، وقيل: إنه الشبت) (بفوقية) المعروف، (وقيل: إنه العسل الذي يكون في زقاق السمن:) (بكسر الزاي) السقاء الذي يجعل فیه. (قال بعض الأطباء: وهذا) القول الأخير (أجدر بالمعنى وأقرب إلى الصواب) في تفسير قوله: عليكم بالسني والسنوت، (أي يخلط السنى) حال كونه (مدقوقًا بالعسل،) متعلق بيخلط، (المخالط للسمن، ثم يلعق فيكون أصلح من استعماله،) أي السني (مفردًا لما في العسل والسمن من إصلاح السني وإعانته على الإسهال،) لأن رطوبتهما تقاوم اليبس الذي ٤٩٨ ذكر طبه =َّهِ للمفؤود وهو الذي أُصيب فؤاده [ذكر طبه عَ لّهِ للمفؤود] وهو الذي أصيب فؤاده بمرض، فهو يشتكيه كالمبطون. روى أبو داود عن سعد قال: مرضت مرضًا، فأتاني رسول اللَّه عٍَّ يعودني، فوضع يده بين ثدييَّ حتى وجدت بردها على فؤادي، فقال: إنك رجل مفؤود، فائت الحرث بن كلدة من ثقيف فإنه رجل متطبب، فليأخذ سبع تمرات من عجوة المدینة فليجأهن بنواهن ثم لیلد بهن الفؤاد. في السنی فتصلحه. ذكر طبه علَّة للمفؤود وهو الذي أصيب فؤاده أي قلبه (بمرض، فهو يشتكيه كالمبطون، روى أبو داود) من طريق مجاهد، (عن سعد) ابن أبي وقاص، أحد العشرة، (قال: مرضت مرضًا، فأتاني رسول اللّه عَّ﴾ يعودني:) يزورني، فوضع يده على ثديي:) تثنية ثدي (حتى وجدت بردها على فؤادي:) قلبي، (فقال: إنك رجل مفؤود،) أي تشتكي فؤادك، (فائت الحرث بن كلدة) (بفتح الكاف واللام)، ابن عمور الثقفي، طبيب العرب، ذكره في الإصابة في القسم الأول، وقال: روى ابن إسحق لما أسلم أهل الطائف، تكلم نفر منهم في العبيد الذين نزلوا إلى النبي عَّله، فأعتقهم، فقال: أولئك عتقاء اللَّه، وكان ممن تكلم فيهم الحرث بن كلدة، قال غيره: وكان فيهم الأزرق مولى الحرث، ثم ذكر حديث أبي داود هذا، ثم قال: وقال ابن أبي حاتم: لا يصح إسلامه، وهذا الحديث يدل على جواز الاستعانة بأهل الذمة في الطب، قلت: وجدت له رواية في أمالي المحاملي. وفي التصحيف للعسكري من طريق شريك، عن عبد الملك بن عمير، عن الحرث بن كلدة، وكان أطب العرب، وكان يجلس في مقناة له، فقيل: له في ذلك، فقال: الشمس تثقل الريح وتبلي الثوب وتخرج الداء الدفين. قال العسكري: المقناة (بالقاف والنون) الموضع الذي لا تصيبه الشمس، وقوله: تثفل، بمثلثة وفاء مكسورة، أي تغيره، وروى الحربي في غريب الحديث، وعبد الملك بن حبيب في كتاب الطب النبوي، له أن عمر سأل الحرث بن كلدة: ما الدواء؟، قال: الازم، يعني الحمية، وروى أنه لما احتضر اجتمع الناس إليه، فقالوا: أوصنا، فقال: لا تتزوجوا إلا شابة، ولا تأكلوا الفاكهة إلا نضيجة، ولا يتعالجن أحدكم ما احتمل بدنه الداء، وعليكم بالنورة في كل شهر، فإنها مذهبة للبلغم، ومن تغدى فلينم بعده، ومن تعشى فليمش أربعين خطوة. انتهى ببعض اختصار (من ثقيف، فإنه رجل متطبب، فليأخذ سبع تمرات من عجوة المدينة،) أي التمر ٤٩٩ ذكر طبه عَطِّ للمفؤود وهو الذي أُصيب فؤاده وهذا الحديث من الخطاب العام الذي أريد به الخاص، كأهل المدينة ومن جاورهم. والتمر لأهل المدينة كالحنطة لغيرهم. و(اللدود)): ما يسقاه الإنسان من أحد جانبي الفم. وفي التمر خاصية عجيبة لهذا الداء، سيما تمر المدينة، ولاسيما العجزة، وفي كونها سبعًا خاصية أخرى تدرك بالوحي. وفي الصحيحين من تصبح بسبع تمرات عجوة من تمر العالية لم يضره المسمى بذلك، (فليجأهن) (بفتح الفاء وسكون اللام وفتح التحتية والجيم والهمز وضم الهاء وشد النون)، أي فليدقهن، وبه سميت الوجيئة، وهو تمر يبل بلبن، ثم يدق حتى يلتئم، كما في النهاية، وفي نسخة: فليحلهن، أي ينقعهن في الماء (بنواهن،) ليخرج خاصيته، ولكنها تصحيف مخالف للنهاية، (ثم ليلد بهن الفؤاد). وفي رواية ابن منده: مرض سعد، فعاده النبي عَّهِ، فقال: إني لأرجو أن يشفيك اللّه، ثم قال للحرث بن كلدة: عالج سعدًا مما به، فذكر الحديث، فكان سعدًا لما أتى الحرث جاء به إلى النبي عَّةٍ، أو لقيه من غير مجىء، فقال له: عالج إلى آخره، فلا خلف، ثم حاصله؛ أنه عَِّ وصف الدواء، وإنما أمر الحرث بصنعه وتركيبه فقط. (وهذا الحديث من الخطاب العام، الذي أريد به الخاص، كأهل المدينة ومن جاورهم، والتمر لأهل المدينة،) لكونه غذاءً لهم، (كالحنطة لغيرهم،) كأن الخطاب العام مأخوذ من قوله: فإنه رجل متطبب، ثم وصف له الدواء، فيفيد عمومه، حتى كأنه قيل: هذا دواء لكل مفؤود، مع أن المراد مفؤود خاص، كالمدني، وإلا فليس في الحديث خطاب عام البتة، لأنه إنما وصفه لشخص مدني في مرضه، (واللدود) (بفتح اللام ومهملتين) (ما،) أي الدواء الذي (يسقاه الإنسان من أحد جانبي الفم،) أي يصب من أحد جانبي فم المريض، وبضم اللام الفعل، كما في الفتح وغيره، زاد في المفهم، أو أدخل من هناك بإصبع (وفي التمر خاصية عجيبة لهذا الداء، سيما تمر المدينة، ولا سيما العجوة:) نوع من أجود تمر المدينة. قال القزاز: إنه مما غرسه النبي عَّه بيده الكريمة، (وفي كونها سبعًا، خاصية أخرى تدرك بالوحي) لا بغيره، إذ لا مدخل للعقل في ذلك .. (وفي الصحيحين:) البخاري في الأطعمة والطب، ومسلم في الأطعمة، وأبو داود في الطب، والنسائي في الوليمة، كلهم من حديث عامر بن سعد، عن أبيه سعد بن أبي وقاص، قال: قال رسول اللَّه عَّله: (من تصبح) (بفوقية مفتوحة وصاد مهملة وموحدة مشددة)، أي أكل صباحًا قبل أن يأكل شيئًا، وأصل الصبوح والاصطباح تناول الشراب صبحًا، ثم استعمل في الأكل، لأن ٥٠٠ ذكر طبه عَّ للمفؤود وهو الذي أصيب فؤاده ذلك اليوم سم ولا سحر. شرب اللبن عند العرب بمنزلة الأكل، زاد في رواية للشيخين: كل يوم (بسبع) (بجر) سبع بالموحدة، رواه أبو ذر (تمرات عجوة) (بتنوينهما مجرورین)، فالثاني عطف بيان أو صفة، ورواه الأكثر سبع بدون باء، وتمرات بالتنوين، وعجوة (بالنصب عطف بيان أو صفة)، وروى تمرات عجوة، بإضافة تمرات لتاليه من إضافة العام للخاص (من تمر العالية،) أي القرى التي في الجهة العالية من المدينة، وهي جهة نجد، (لم يضره) (بضم الضاد المعجمة وشد الراء) من الضرر، وفي رواية: يضره (بكسر الضاد وسكون الراء) من ضاره يضيره ضيرًا إذا أضره، (ذلك اليوم سم) (بتثليث السين)، (ولا سحر،) وفي رواية: بتقديم سحر على سم، وفي أخرى: لم يضره سم ولا سحر ذلك اليوم إلى الليل. قال المصنف: ومفهومه أن السر الذي في أكل العجوة من دفع ضرر السم والسحر يرتفع إذا دخل الليل. قال الحافظ: ولم أقف في شيء من الطرق على حكم من تناول ذلك أول الليل، هل يكون كمن تناوله أول النهار حتى يندفع عنه ضرر السم والسحر إلى الصباح؟، قال: والذي يظهر خصوصية ذلك بالتناول أول النهار، لأنه حينئذٍ يكون الغالب أن تناوله على الريق، فيحتمل أن يلحق به من تناوله أول الليل على الريق، كالصائم. قال تلميذه شيخنا الحافظ السخاوي: وقع في حديث الباب من رواية فليح، عن عامر بن سعد، قال: وأظنه قال: وإن أكلها حين يمسي لم يضره شيء حتى يصبح، رواه أحمد في مسنده؟ بل وقع عند الطبراني في الأوسط من حديث أبي طوالة، عن أنس، عن عائشة مرفوعًا: ((من أكل سبع تمرات من عجوة المدينة في يوم)) ... الحديث، وفيه: ومن أكلهن ليلاً لم يضره. انتهى. ثم قوله: من تمر العالية، ثبت في بعض طرق حديث سعد، وسقط من أكثرها، وفي مسلم عن عائشة، مرفوعًا: ((إن في عجوة العالية شفاء، وإنها ترياق أول البكرة))، ورواه أحمد، بلفظ: في عجوة العالية أول البكرة على ريق النفس شفاء من كل سحر أو سم. وفي أبي داود عن جابر وأبي سعيد، والنسائي عن جابر، مرفوعًا: ((العجوة من الجنَّة، وهي شفاء من السم)، أي: وذلك ببركة دعوته عٍَّ لتمر المدينة، لا لخاصية في التمر، ثم هل ذلك خاص بزمنه عَل أو عام؟، قولان رجح بعضهم الأول، وقال الخطابي: وصف عائشة ذلك بعده ێ یرد قول من قال: إن ذلك خاص بزمنه. نعم، من جربه وصح معه عرف استمراره، وإلا فهو مخصوص بزمانه، وأما التخصيص بالسبع، فقال النووي: لا يعقل معناه، كأعداد الصلوات ونصب الزكاة. وقال القرطبي: الشفاء بالعجوة من باب الخواص التي لا تدرك بقياس ظني، قال: ومن