Indexed OCR Text

Pages 321-340

٣٢١
الفصل الثالث في ذكر أخبار دالة على محبة أصحابه عليه الصلاة والسلام
من ذرية علي أو لغير ذلك من المعاني فلا امتناع فيه واللّه أعلم. انتهى.
وقد روى الطبري في (الرياض)) وعزاه للملاء في ((سيرته)) عن أنس مرفوعًا،
إن اللَّه افترض عليكم حب أبي بكر وعمر وعثمن وعلي كما افترض الصلاة
والزكاة والصوم والحج، فمن أنكر فضلهم فلا تقبل منه الصلاة ولا الزكاة ولا
الصوم ولا الحج.
وأخرج الحافظ السلفي في (مشيخته)) من حديث أنس مرفوعًا: حب أبي
بكر واجب على أمتي.
وأخرج الأنصاري عنه أن رسول اللَّه عَّمِ قال: يا أبا بكر، ليت أني لقيت
من ذرية علي، أو لغير ذلك من المعاني، فلا امتناع فيه واللَّه أعلم. انتهى) جواب الولي بن
العراقي.
(وقد روى الطبري) الحافظ محب الدين المكي (في الرياض) النضرة في فضائل
العشرة، (وعزاه للملاء) (بفتح الميم وشد اللام) عمر الموصلي، كان يملأ من بئر بجامع
الموصل احتسابًا، وكان إمامًا عظيمًا، زاهدًا، ناسكًا، وكان السلطان نور الدين الشهید یشهد
قوله، ويقبل شفاعته لجلالته (في سيرته عن أنس، مرفوعًا: ((إن الله افترض عليكم حب
أبي بكر وعمر وعثمن وعلي، كما افترض الصلاة والزكاة والصوم والحج))،) فحبهم فرض
عين على كل أحد كما أفاده التشبيه (فمن أنكر فضلهم فلا تقبل منه الصلاة ولا الزكاة ولا
الصوم ولا الحج) أي لا ثواب له في فعل ذلك، وإن سقط عنه الطلب.
(وأخرج الحافظ) أبو طاهر أحمد بن محمد بن أحمد بن إبراهيم، الأصبهاني، (السلفي)
(بكسر السين وفتح اللام وبالفاء) نسبة إلى جده أحمد لقبه سلفة، أي غليظ الشفة، كان حافظًا،
ناقدًا، متقنًا، دينًا، خيرًا، أوحد زمانه في علوم الحديث، روى عنه الحفاظ، مات سنة ست
وسبعين وخمسمائة (في مشيخته) التي سمعها من خلائق بعدة مدائن (من حديث أنس،
مرفوعًا: ((حب أبي بكر واجب على أمتي)،) ولابن عدي عن أنس، رفعه: ((حب أبي بكر وعمر
إيمان، وبغضهما نفاق)).
وأخرج أحمد، وصححه الحاكم وغيره عن أبي عبيد اللّه الجدلي، قال: دخلت على
أم سلمة، فقالت: أيسب رسول اللَّه عَّم فيكم، فقلت: سبحان اللَّه، قالت سمعته يقول من سب
عليًا فقد سبني، ومن سبني فقد سب اللّه.
(وأخرج الأنصاري عنه،) أي عن أنس رضي اللَّه عنه (أن رسول اللَّه عَظّم قال: يا أبا بكر

٣٢٢
الفصل الثالث في ذكر أخبار دالة على محبة أصحابه عليه الصلاة والسلام
إخواني فقال أبو بكر: يا رسول اللَّه، نحن إخوانك، قال: لا، أنتم أصحابي،
إخواني الذين لم يروني، وصدقوا بي وأحبوني، حتى إني لأحب إلى أحدهم من
ولده ووالده، قالوا: يا رسول اللَّه، أما نحن إخوانك؟ قال: لا، أنتم أصحابي، ألا
تحب يا أبا بكر قومًا أحبوك بحبي إياك؟ قال: فأحبهم ما أحبوك بحبي إياك.
ليت إني لقيت،) وفي رواية: رأيت (إخواني) في الحياة الدنيا، ويحتمل تمني لقائهم بعد
الموت، قاله عياض، وقال غيره: لعله عَّ أراد أن ينقل أصحابه من علم اليقين، إلى عين اليقين
ويراهم هو ومن معه، (فقال أبو بكر: يا رسول اللَّه نحن إخوانك قال: لا أنتم أصحابي،) حمل
الباجي الأخوّة على الإيمان، ولا شك أن الصحبة أخص، فقال: لم ينف أخوّتهم، بل ذكر مرتبتهم
الزائدة بالصحبة واختصاصهم بها، وإنما منع أن يسموا إخوانًا، لأن التسمية والوصف على سبيل
المدح يجب أن تكون بأفضل الصفات، وللصحابة بالصحبة درجة لا يلحقهم فيها أحد، فيجب
اُن یوصفوا بها. انتھی.
وقبله عياض، ثم النووي، وزاد: فهؤلاء أخوة صحابة، والذين لم يأتوا أخوة ليسوا صحابة،
وحملها ابن عبد البر على أخوة العلم والقيام بالحق عند قلة القائمين به، المقول فيهم، وهو
يخاطب أصحابه للعامل منهم أجر سبعين منكم وغير ذلك مما وصفهم به، ورأى أن هذه الأخوّة
أخص من مطلق الصحبة.
قال الأبي: ولا يبعد كل من الحملين (إخواني الذين لم يروني وصدقوا بي وأحبوني
حتى إني لأحب إلى أحدهم من ولده ووالده،) فإن قيل أن أريد تمني لقائهم وهو حي، فهم
حينئذٍ في علم اللَّه لا وجود لهم في الخارج، والمعدوم لا يرى، أجيب بأن اللقاء كالرؤية بمعنى
العلم، وهو يتعلق بالمعدوم، أو هو لقاء ورؤية تمثيل، تمني أن يمثلوا له كما مثلت له الجنة في
عرض الحائط، وإن هذا من رؤية الكون، وزوى الأرض له حتى رأى مشارقها ومغاربها كرامة
من اللَّه له، وإن كان المراد تمني لقائهم بعد الموت يلزم منه تمنيه، وقد قال: ((لا يتمنين أحدكم
الموت».
وأجيب بمنع الملزومية وإن سلمت، فالمنع لما قال لضر نزل به، قال الأبي: وهذا كله
على أنه تمن حقيقي، وقد لا يكون حقيقيًّا، وإنما هو تشريف لقدر أولئك الإخوان، (قالوا: يا
رسول اللَّه أما) (بفتح الهمزة وخفة الميم استفتاح) (نحن إخوانك،) كأنهم سألوه بعد سؤال
الصديق، وجوابه له بالتعميم زيادة في الاستثبات، ولذا أجابهم بما أجاب به، حيث (قال: لا أنتم
أصحابي ألا) (بالفتح والتخفيف حرف استفتاح) (تحب يا أبا بكر قومًا أحبوك بحبي إياك،)
أي بسببه، (قال: فأحبهم ما أحبوك بحبي إياك) أمر له بذلك صريحًا بعد حثه عليه وفيه، وفي

٣٢٣
الفصل الثالث في ذكر أخبار دالة على محبة أصحابه عليه الصلاة والسلام
فمحبة من أحبه الرسول عليه الصلاة والسلام كآل بيته وأصحابه رضي اللَّه
عنهم علامة على محبة الرسول اللَّه عَلّهِ، كما أن محبته عليه الصلاة والسلام
علامة على محبة اللَّه تعالى. وكذلك عداوة من عاداهم وبغض من أبغضهم
وسبهم. فمن أحب شيئًا أحب من يحب، وأبغض من يبغض، قال تعالى: ﴿لا
تجد قومًا يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حادَّ اللَّه ورسوله﴾ [المجادلة/
٢٢] فحب آل بيته عَّله وأصحابه وأولاده وأزواجه من الواجبات المتعينات،
وبغضهم من الموبقات المهلكات.
ومن محبتهم وجوب توقيرهم، وبرهم والقيام بحقوقهم، والاقتداء بهم بأن
إثبات الأخوة لهؤلاء دليل على علو رتبتهم، وأنهم حازوا فضيلة الآخرية، كما حاز الصحابة
فضيلة الأولية، وهم الغرباء المقول فيهم: بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبا فطوبى للغرباء،
والخلفاء المدعو لهم بقوله: رحم الله خلفائي والقابضون على دينهم عند الفتن، المشار إليهم
بقوله: القابض على دينه كالقابض على الجمر، وهم المؤمنون بالغيب، إلى غير ذلك مما لا
يعسر على الفطن استخراجه من الأحاديث، (فمحبة من أحبه الرسول عليه الصلاة والسلام
كآل بيته وأصحابه رضي اللَّه عنهم علامة على محبة الرسول عَّهِ، كما أن محبته عليه
الصلاة والسلام علامة على محبة اللَّه تعالى،) وتقدم ذلك مبسوطًا؛ (وكذلك عداوة من
عاداهم وبغض من أبغضهم و) بغض من (سبهم، فمن أحب شيئًا أحب من يحب) ذلك
الشىء، فالمفعول مقدر، (وأبغض من يبغض،) لأن هواه مع حبه.
(قال تعالى: ﴿لا تجد قومًا يؤمنون بالله واليوم الآخر يوآدون﴾) [المجادلة: ٢٢]
يصادقون (﴿من حاد الله ورسوله،) ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم﴾
[المجادلة: ٢٢]، (فحب آل بيته عَّله وأصحابه وأولاده، وأزواجه من الواجبات المتعينات)
على كل أحد، (وبغضهم من الموبقات المهلكات) وقد قال عَّهِ: ((حب أبي بكر وعمر من
الإيمان، وبغضهما كفر، وحب الأنصار من الإيمان، وبغضهم كفر، وحب العرب من الإيمان،
وبغضهم كفر، ومن سب أصحابي فعليه لعنة اللَّه، ومن حفظني فيهم فأنا أحفظه يوم
القيامة)).
أخرجه ابن عساكر عن جابر، بلفظه: وأبو نعيم والديلمي، عنه بلفظ: ((ومن حفظني فيهم،
فلا لعنه اللَّه)) ولهذا شواهد كثيرة.
(ومن محبتهم وجوب توقيرهم:) تعظيمهم وموالاتهم ونصرهم بكل ما يليق بهم قولاً
وفعلاً، (وبرهم) باحسان طاعتهم وتحري محابهم، وانزال كل منهم منزلته، فقوله: (والقيام

٣٢٤
الفصل الثالث فى ذكر أخبار دالة على محبة أصحابه عليه الصلاة والسلام
يمشي على سنتهم وآدابهم وأخلاقهم، والعمل بأقوالهم مما ليس للعقل فيه مجال،
وحسن الثناء عليهم بأن يذكروا بأوصافهم الجميلة على قصد التعظيم. فقد أثنى
عليهم اللَّه تعالى في الكتاب المجيد، ومن أثنى اللَّه عليه فهو واجب الثناء،
والاستغفار لهم، قالت عائشة: أمروا أن يستغفروا لأصحاب رسول اللَّه عَّ فسبوهم
رواه مسلم وغيره وفائدة المستغفر لهم عائدة عليه.
قال سهل بن عبد الله التستري: لم يؤمن بالرسول عَّله من لم يوقر أصحابه
ولم يعزَّ أوامره.
ومما يجب أيضًا: الإمساك عما شجر بينهم، أي وقع بينهم من الاختلاف،
والإضراب عن أخبار المؤرخين وجهلة الرواة، وضلال الشيعة والمبتدعين، القادحة
بحقوقهم والاقتداء بهم، بأن يمشي على سننهم،) أي طريقتهم (وآدابهم وأخلاقهم والعمل
بأقوالهم مما ليس للعقل فيه مجال،) لأنه في حكم المرفوع إلى النبي عَّله، فإنهم على هدى
أضاءت في مشكاتهم الأنوار النبوية، (وحسن الثناء عليهم بأن يذكروا بأوصافهم الجميلة على
قصد التعظيم، فقد أثنى عليهم) مدحهم اللَّه تعالى (في الكتاب المجيد) في غير ما آية،
(ومن أثنى اللَّه عليه، فهو واجب الثناء والاستغفار لهم،) أي طلب المغفرة لهم من اللَّه بنحو:
رضي اللَّه عنهم.
(قالت عائشة: أمروا أن يستغفروا لأصحاب رسول اللَّه عَّله) بالاستغفار، (فسبوهم،)
فخالفوا الأمر، فوقعوا في الخبال، (رواه مسلم وغيره، وفائدة المستغفر لهم عائدة عليه،)
لأنهم مغفور لهم مبشرون بالجنة كلهم، كما مر تقريره.
(قال سهل بن عبد الله التستري:) (بضم الفوقية وإسكان المهملة وفتح الفوقية الثانية)،
وحكي ضمها، وبالراء نسبة إلى تستر بلد بالأهواز، أو بخوزستان، صالح، زاهد، عابد، عالم،
ورع، صاحب كرامات مر غير مرة، (لم يؤمن بالرسول عَّه) إيمانًا كاملاً، (من لم يوقر
أصحابه) بتعظيمهم وحبهم (ولم يعز،) أي يبجل ويعظم (أوامره)،) بأن لم يمتثلها واجبة أو
مندوبة، (ومما يجب أيضًا الإمساك،) أي السكوت، يقال: أمسك عن ذكره إذا سكت، وهو
مجاز صار حقيقة فيه (عما،) أي عن كل أمر (شجر بينهم، أي وقع بينهم من الاختلاف،)
مأخوذ من الشجر المختلف، المتداخل أغصانه بعضها في بعض، وفي حديث: ((إياكم وما شجر
بين أصحابي))، (والإضراب) الترك والإعراض (عن أخبار المؤرخين) التي نقلوها، عنهم فإنها
تورث تنقيص بعضهم (وجهلة الرواة) الذين رووا قصصًا باطلة تؤدي لسوء الظن ببعضهم

٣٢٥
الفصل الثالث في ذكر أخبار دالة على محبة أصحابه عليه الصلاة والسلام
في أحد منهم، قال عَّهِ إذا ذكر أصحابي فأمسكوا، وأن يلتمس لهم فيما نقل من
ذلك فيما كان بينهم من الفتن أحسن التأويلات، ويخرج لهم أصوب المخارج، إذ
هم أهل ذلك كما هو مشهور في مناقبهم، ومعدود في مآثرهم، مما يطول إيراد
بعضه.
وما وقع بينهم من المنازعات والمحاربات فله محامل وتأويلات، فسبهم
والطعن فيهم إذا كان مما يخالف الأدلة القطعية كفر، كقذف عائشة رضي اللَّه
عنها، وإلا فبدعة وفسق. قال عليه الصلاة والسلام: يا أيها الناس احفظوني في
(وضلال) (بضم الضاد وشد اللام جمع ضال) (الشيعة) الذين شايعوا، أي تابعوا عليًا رضي اللّه
عنه، وبالغوا فيه، وقالوا: إن الخلافة له ولأولاده دون غيرهم، وافتروا أخبارًا باطلة، وهو من إضافة
الصفة للموصوف، أي الشيعة الضالة، وهي صفة كاشفة معرفة لا مقيدة، فلا يتوهم أن منهم فرقة
غير ضالة، أو هي مقيدة للمعطوف والمعطوف عليه، أعني قوله: (والمبتدعين،) فإن البدعة
أقسام، والمراد ابتداع العقائد الفاسدة، كالخوارج وبعض المعتزلة، (القادحة) بالقاف صفة إخبار
أي الذامة والمنقصة بذكر ما يؤدي إليه (في أحد منهم) أي الصحابة. (قال عَّ إذا ذكر
أصحابي) بما شجر بينهم من الحروب والمنازعات، (فأمسكوا) وجوبًا عن الخوض في ذكرهم
بما لا يليق، فإنهم خير الأمة، وهذا صدر حديث تمامه: ((وإذا ذكرت النجوم فأمسكوا، وإذا ذكر
القدر فأمسكوا))، رواه الطبراني عن ابن مسعود وعن ثوبان، وابن عدي عن ابن عمر وسنده
ضعيف، كما قال العراقي، وقال ابن رجب: روي من وجوه في أسانيدها كلها مقال، وقال غيره:
إنه حسن لاعتضاده بشواهده، (وأن يلتمس،) أي يطلب، وأصله إدراك ظاهر البشرة، فعبر به عن
مطلق الطلب (لهم فيما نقل من ذلك فيما كان بينهم من الفتن أحسن التأويلات،) لأنها أمور
وقعت باجتهاد منهم، لا لأغراض نفسية ومصالح دنيوية، كما يظن الجهال، فهم مأجورون
أصابوا أو أخطأوا، (ويخرج) (بضم أوله مجهول) (لهم أصوب المخارج،) بأن يحمل على أمر
يخرجه عن عده عيبًا إلى إلحاقه بالمحاسن، (إذ هم أهل ذلك،) أي مستحقون لحمل ما صدر
منهم على أمور حسنة محمودة، (كما هو مشهور في مناقبهم ومعدود في مآثرهم مما يطول
إيراد بعضه، وما وقع بينهم من المنازعات والمحاربات فله محامل وتأويلات،) وهو أن كلا
أداه اجتهاده إلى أن الحق ما فعله فتعين عليه، وإن كان أخطأ كمطوية مع علي، فإنه مصيب
باتفاق أهل الحق، ومعوية مأجور وإن أخطأ، (فسبهم والطعن فيهم إذا كان مما يخالف الأدلة
القطعية كفر، كقذف عائشة رضي اللَّه عنها) بما برأها اللَّه منه في القرءان (وإلا فبدعة وفسق.).
قال عياض: ذهب الجمهور إلى أنه يعزر، وعن بعض المالكية يقتل، وخص ذلك بعض

٣٢٦
الفصل الثالث في ذكر أخبار دالة على محبة أصحابه عليه الصلاة والسلام
أختاني وأصهاري وأصحابي، لا يطالبنكم اللَّه بمظلمة أحد منهم، فإنها ليست مما
يوهب. رواه الخِلَعي.
وقال عليه الصلاة والسلام: اللَّه اللَّه في أصحابي، لا تتخذوهم غرضًا
بعدي، فمن أحبهم فقد أحبني، ومن أبغضهم فقد أبغضني، ومن آذاهم فقد آذاني،
ومن آذاني فقد آذى اللَّه، ومن آذى اللَّه فيوشك أن يأخذه. رواه المخلص الذهبي.
الشافعية بالخلفاء الأربعة، وقواه السبكي في حق من كفر الشيخين، وكذا من كفر من صرح
النبي عَّله بإيمانه أو تبشيره بالجنة، إذا تواتر الخبر بذلك عنه، لما تضمنه من تكذيبه عَّه.
(قال عليه الصلاة والسلام: يا أيها الناس احفظوني في أختاني:) جمع ختن
(بفتحتين) كل من كان من قبل المرأة كالأب والأخ، وعند العامة ختن الرجل زوج بنته، وكل
شىء من قبل الزوج حمو، فالمراد من بينه وبينه علاقة بسبب تزويجه، أو التزوج منه،
(وأصهاري:) جمع صهر.
قال الجوهري: أهل المرأة عند الخليل، قال: ومن العرب من يجعل الصهر من الأحماء
والأختان جميعًا. (وأصحابي) تعميم بعد تخصيص لإفادة التعميم في الأمر بالتنصيص. (لا
يطالبنكم اللَّه) معاشر الناس أجمعين (بمظلمة) (بفتح اللام وكسرها) وهو أكثر وأشهر (أحد
منهم،) أي المذكورين، وهي ما تؤخذ ظلمًا وجورًا، فيطالب به ويشكي ممن أخذه، (فإنها
ليست مما يوهب،) لأنها حق العباد.
وفي الحديث: ((ذنب لا يغفر، وذنب لا يترك، وذنب يغفر، فأما الذي لا يغفر فالشرك
باللَّه، وأما الذي يغفر فذنب العبد بينه وبين اللَّه، وأما الذي لا يترك فظلم العباد بعضهم بعضًا)»،
رواه الطبراني في الكبير والصغير عن سلطن.
وفي الأوسط عن أبي هريرة، كلاهما مرفوعًا، وهذا ونحوه معناه الوعيد الشديد، فلا ينافي
قوله تعالى: ﴿ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ [النساء: ٤٨]، وتعسف من قال: إنه في حق
الصحابة باب من أبواب الشرك، لأن مبغضهم مبغض للَّه ورسوله، لأن اللَّه فضلهم وأثنى عليهم،
وجعلهم وزراء رسوله وأنصار دينه، وبغض من هذه صفته بغض لمن هو معه، وهو بغض لمن
أرسله، فلا يوهب، والله لا يغفر أن يشرك به، (رواه الخلعي) (بكسر الخاء المعجمة وفتح
اللام) أبو الحسن علي بن الحسين الموصلي نسبة إلى بيع الخلع، لأنه كان يبيعها لملوك مصر،
وولد بها في محرم سنة خمس وأربعمائة، وكان فقيهًا، شافعيًا، صالحًا، له كرامات وتصانيف
وروايات متسعة، ولي قضاء مصر يومًا واحدًا، ثم استعفى واختفى بالقرافة، ومات بمصر في ذي
الحجة سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة، وهذا بعض أخرجه الطبراني وابن منده، وأورده في الشفاء

٣٢٧
الفصل الثالث في ذكر أخبار دالة على محبة أصحابه عليه الصلاة والسلام
وهذا الحديث - كما قال بعضهم - خرج مخرج الوصية بأصحابه على طريق
التأكيد والترغيب في حبهم، والترهيب عن بغضهم، وفيه إشارة إلى أن حبهم من
عن خالد بن سعيد بن العاصي أن النبي ◌َّ لما قدم من حجة الوداع صعد المنبر، فحمد الله
وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس إني راض عن أبي بكر، فاعرفوا له ذلك، أيها الناس إني راض عن
عمر وعن عثمن وعن علي وعن طلحة والزبير وسعد وسعيد وعبد الرحمن بن عوف، فاعرفوا
ذلك لهم، أيها الناس إن اللَّه قد غفر لأهل بدر والحديبية، أيها الناس احفظوني في أصحابي
وأصهاري وأختاني، لا يطلبنكم أحد منهم بمظلمة، فإنها مظلمة لا توهب في القيامة غدًا.
(وقال عليه الصلاة والسلام: اللَّ اللَّه) (بالنصب على التحذير بعامل يجب حذفه)، قال
الطيبي: أي اتقوا اللَّه، ثم اتقوا اللَّه (في) حق (أصحابي،) لا تنقصوا من حقهم ولا تسبوهم، أو
التقدير أذكركم اللَّه في حق أصحابي وتعظيمهم. انتهى.
وكرره للتأكيد والحث على الكف عن التعرض لهم بمنقص، (لا تتخذوهم غرضًا:)
(بمعجمتين) هدفًا ترمونهم بقبيح الكلام، کما یرمی الهدف بالسهام (بعدي،) أي بعد وفاتي،
والظرف متعلق بالفعل، لا صفة غرضًا، والخطاب لمن بعده، (فمن أحبهم) وصان أعراضهم (فقد
أحبني) .
لفظ الترمذي: فبحبي أحبهم، أي فبسبب حبه إياي أو حبي إياهم، أي إنما أحبهم لحبه
إياي، أو لحبي إياهم، (ومن أبغضهم فقد أبغضني) .
لفظ الترمذي: فيبغضي أبغضهم، أي فبسبب بغضه إياي، (ومن آذاهم) بما يسوءهم (فقد
آذاني، ومن آذاني فقد آذى اللَّه،) وذلك لا يضره، يا عبادي إنكم إن تبلغوا ضري فتضروني،
فإنما آذى نفسه، كما قال: (ومن آذى اللَّه فيوشك أن يأخذه) يهلكه ويستأصله بعذابه، ويأخذه
أخذ عزيز مقتدر، (رواه المخلص) (بشد اللام المكسورة) أبو طاهر محمد بن عبد الرحمن
(الذهبي،) وأبعد المصنف التجعة، فقد رواه الترمذي في المناقب من حديث عبد الله بن مغفل،
وفيه عبد الرحمن بن زياد ضعيف في الحفظ، وفي الميزان في الحديث اضطراب، (وهذا
الحديث كما قال بعضهم خرج مخرج الوصية بأصحابه على طريق التأكيد والترغيب في
حبهم والترهيب عن بغضهم،) ووجه الوصية نحو البعدية، وخص الوعيد بها لما اطلع عليه مما
سيكون بعده من ظهور البدع وإيذاء بعض أصحابه زعمًا من المؤذي حب بعض آخر منهم، وهذا
من باهر آياته، وقد كان حريصًا على حفظهم والشفقة عليهم في حياته.
روى البيهقي عن ابن مسعود، قال: خرج علينا رسول اللَّه عَّهِ، فقال: ((ألا لا يبلغني أحد
منكم عن أحد من أصحابي شيئًا، فإني أحب أن أخرج إليهم وأنا سليم الصدر))، (وفيه إشارة

٣٢٨
الفصل الثالث في ذكر أخبار دالة على محبة أصحابه عليه الصلاة والسلام
الإيمان، وبغضهم كفر، لأنه إذا كان بعضهم بعضًا له كان كفرًا بلا نزاع، للحديث
السابق: لن يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه.
وهذا يدل على كمال قربهم منه بتنزيلهم منزلة نفسه، حتى كان أذاهم واقع
عليه وواصل إليه عَِّ. و((الغرض)): الهدف الذي يرمى فيه.
فهو نهي عن رميهم مؤكدًا ذلك بتحذيرهم اللَّه منه، وما ذاك إلا لشدة
الحرمة.
وروي مرفوعًا: من سب أحدًا من أصحابي فاجلدوه. أخرجه تمام في فوائده.
وقال لملك بن أنس وغيره - فيما ذكره القاضي عياض - من أبغض الصحابة فليس
له في فيء المسلمين حق. قال: ونزع بآية الحشر ﴿والذين جاؤا من بعدهم﴾ الآية.
إلى أن حبهم من الإيمان،) لأنه يحب اللَّه ورسوله، وذلك أصل الإيمان، (وبغضهم كفر، لأنه إذا
كان بغضهم بغضًا له)، أي سببه بغضه له (كان كفرًا بلا نزاغ للحديث السابق: لن يؤمن
أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه،) أما إذا لم يكن سببه ذلك، فلا يكون كفرًا، (وهذا)
الحديث (يدل على كمال قربهم منه، بتنزيلهم منزلة نفسه حتى كان أذاهم واقع عليه
وواصل إليه،) بقوله: ومن آذاهم فقد آذاني (عَّ، والغرض) كما قال الجوهري وغيره: (الهدف
الذي يرمى فيه) بالسهام، وهذا في الحسي، وما هنا معنوي، (فهو نهي عن رميهم) بقبيح
الكلام، وإسناد أمور قبيحة لهم، (مؤكدًا ذلك بتحذيرهم اللَّه،) أي عقوبته (منه،) أي من أجل
رمي أصحابه، لأن نصب اللَّه على التحذير بعامل واجب الحذف لقيام التكرير مقامه، ولولاه
حسن إظهاره، قاله ابن لملك، وقيل: يجوز إظهاره مع قبحه: ((وما ذاك إلا لشدة الحرمة،) لأنه
تهديد عظيم مشعر بتناهي المنهي عنه في القبح، (وروي مرفوعًا: ((من سب أحدًا من أصحابي
فاجلدوه))،) تعزيزَاء ولا يقتل خلافًا لبعض المالكية والشافعية.
(أخرجه تمام في فوائده) الحديثية، وأخرجه الطبراني في الثلاثة عن علي مرفوعًا: ((من
سب الأنبياء قتل، ومن سب أصحابي جلد)).
قال في اللسان: رواته كلهم ثقات إلا عبيد الله بن محمد العمري، شيخ الطبراني، فله
مناكير، منها هذا الحديث.
(وقال لملك بن أنس) الإمام، (وغيره فيما ذكره القاضي عياض) في الشفاء: (من أبغض
الصحابة) وسبهم، كما في الشفاء، فسقط من قلم المصنف، (فليس له في فيء المسلمين
حق،) عقوبة له على بغضه، والفيء ما نيل من الكفار بعدما تضع الحرب أوزارها، ويطلق على

٣٢٩
المقصد الثّامن في طبه عٍَّ لذوي الأمراض والعاهات
المقصد الثّامن
في طبه عاية لذوي الأمراض والعاهات
صِّى الله
وتعبيره الرؤيا وإنبائه بالأنباء المغيبات
ما يشمل الغنيمة، ولذا قيل: إنهما كالفقير والمسكين إذا افترقا، اجتمعاًوإذا اجتمعا افترقا، فيعاقب
المبغض بمنع نصيبه من غنيمة أو فيء.
وقال التلمساني: أراد لملك بذلك أنه قد خرج عن المسلمين، أي لأن الفيء إنما يكون
للمسلمين.
(قال) عياض: (ونزع) (بنون وزاي منقوطة وعين مهملة)، أي استدل واحتج ملك (بآية،
الحشر: ﴿والذين جاؤوا من بعدهم﴾) [الحشر: ١٠] ووجه الاستدلال أنه جعل ما أفاء اللَّه على
رسوله حقًّا للمهاجرين والأنصار، والذين جاؤوا من بعدهم مقيدًا، بقوله: ﴿يقولون ربنا اغفر لنا
ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاًّ للذين آمنوا﴾، فالجملة حال، أي القائلين
ذلك، فهو شرط في استحقاقهم الفيء، فمن أبغضهم وسبهم لا حق له فيه، ولله الحمد والمنة،
يا ربنا لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك ولعظيم سلطانك، ونسألك إتمام النعمة بالإتمام،
وأفضل الصلاة والسلام على محمد خير الأنام.
(المقصد الثامن)
(في طبه عَّ) (بكسر الطاء اسم مصدر من طبه طبًا بالفتح) إذا داواه، والمراد بيان أنه
كان يصف ما يتداوى به من الأمراض البدنية والقلبية (لذوي الأمراض) (بفتح الهمزة جمع
مرض بالفتح).
قال البيضاوي: هو حقيقة فيما يعرض للبدن، فيخرجه عن الاعتدال الخاص به، ويوجب
الخلل في أفعاله، ومجاز في الأعراض النفسانية التي تخل بكمالها، كالجهل وسوء العقيدة،
والحسد والضغينة، وحب المعاصي، لأنها مانعة من نيل الفضائل، أو مؤدية إلى زوال الحياة
الحقيقية الأبدية، زاد في نسخة: والأعراض: (بفتح الهمزة) ما ينشأ عن المرض من الآلام
والأورام، وأكثر النسخ بحذفها، وهو المطابق لما مر في الديباجة، فمراده بالمرض ما يشمل ما
نشأ عنه، (والعاهات،) أي الآفات: جمع عامة في تقدير فعله (بفتح العين) (وتعبيره،) أي
تفسيره (الرؤيا) مصدر عبر بالتشديد للمبالغة، وأنكرها الأكثرون وقالوا: المسموع التخفيف،
كقوله تعالى: تعبرون، لكن أثبتها الزمخشري اعتمادًا على بيت أنشده المبرد:
رأيت رؤيا ثم عبرتها وكنت للأحلام عبارا

٣٣٠
المقصد الثّامن في طبه عَّ لذوي الأمراض والعاهات
اعلم أنه لا سبيل لأحد إلى الإحاطة بنقطة من بحار معارفه، أو قطرة مما
أفاضه اللَّه عليه من سحائب عوارفه، وأنت إذا تأملت ما منحه اللَّه تعالى به من
جوامع الكلم، وخصه به من بدائع الحكم، وحسن سيره، وحكم حديثه، وإنبائه
بأنباء القرون السالفة والأمم البائدة، والشرائع الدائرة، كقصص الأنبياء مع قومهم،
وخبر موسى مع الخضر، ويوسف مع إخوته، وأصحاب الكهف، وذي القرنين،
وأشباه ذلك، وبدء الخلق، وأخبار الدار الآخرة، وما فى التوراة والإنجيل والزبور
وصحف إبراهيم وموسى، وإظهار أحوال الأنبياء وأممهم، وأسرار علومهم
ومستودعات سيرهم، وإعلامه بمكتوم وإعلامه شرائعهم، ومضمنات كتبهم وغير
وتبعه في القاموس، (وإنبائه بالأنباء،) أي إخباره بالأخبار (المغيبات:) الأمور التي ستقع
قبل وقوعها بإلهام أو وحي، (اعلم أنه لا سبيل،) لا طريق (الأحد) توصله (إلى الإحاطة بنقطة
من بحار معارفه،) أي إلى حقيقة شىء من معارفه التي هي كالبحار، لأنه إنما يحيط من الأشياء
بالظواهر، ولا يصل عقل إلى حقيقة البواطن وإضافة البحار إلى المعارف من إضافة المشبه به
للمشبه، (أو قطرة مما أفاضه اللَّه عليه من سحائب عوارفه،) إذ لا طريق إلى شىء من الحقائق
التي أوتيها، فالمراد منه، كالمراد مما قبله، (وأنت إذا تأملت ما منحه اللَّه تعالى به،) أي أعطاه
وضمنه معنى خص، فعداه بالباء (من جوامع الكلم،) أي الكلم الجوامع للمعاني الكثيرة في
ألفاظ قليلة، كما قال عَِّ: ((أوتيت جوامع الكلم))، واختصر لي الكلام اختصارًا، (وخصه به من
بدائع الحكم) التي لم يسبق بها، (وحسن سيره:) جمع سيرة، (وحكم حديثه وإنبائه بأنباء)
إخباره بأخبار (القرون السالفة) الأمم الماضية التي لم يصل علمها إلينا إلا منه عَّه، وهو بهذا
المعنى يخالف المغيبات بتفسيره المتقدم، فهما متغايران (والأمم البائدة،) أي الهالكة (والشرائع
الدائرة،) أي التي نسيت وترك العمل بها، حتى كأنها محيت، بحيث لم يبق لها أثر، (كقصص
الأنبياء مع قومهم، وخبر موسى) الكليم بن عمران (مع الخضر،) المختلف في نبوته، وصحح
جمع نبوته (ويوسف) نبي اللَّه (مع إخوته،) وليسوا بأنبياء على الصحيح، (وأصحاب الكهف:)
الغار في الجبل، مر لي الإلمام بشىء من قصتهم في المقصد الأول، (وذي القرنين) اسمه
الصعب، والأصح أنه كان رجلاً صالحًا لا نبيًا، كما قيل، وهو الأكبر، وذو القرنين الأصغر اسمه
الإسكندر كافر، والحق أن الذي في القرءان هو الأول، وإليه أشار البخاري بذكره قبل إبراهيم ومر
بسط ذلك في الأول (وأشباه ذلك، وبدء الخلق وأخبار الدار الآخرة وما في التوراة:) كتاب
موسى (والإنجيل:) كتاب عيسى، (والزبور:) كتاب داود، (وصحف إبراهيم) العشرة، (و)
صحف (موسى) غير التوراة، (وإظهار أحوال الأنبياء وأممهم، وأسرار علومهم ومستودعات:)

٣٣١
المقصد الثامن في طبه عَّةٍ لذوي الأمراض والعاهات
ذلك مما صدقه فيه العلماء بها، ولم يقدروا على تكذيب ما ذكر منها، بل أذعنوا
لذلك فضلاً عما أضافه من العلم ومحاسن الآداب والشيم، والمواعظ والحكم،
والتنبيه على طرق الحجج العقليات، والرد على فرق الأمم ببراهين الأدلة
الواضحات، إلى فنون العلوم التي اتخذ أهلها كلامه فيها قدوة، وإشاراته حجة،
كاللغة والمعاني والبيان والعربية، وقوانين الأحكام الشرعية، والسياسات العقلية،
محفوظات (سيرهم، وإعلامه بمكتوم شرائعهم ومضمنات كتبهم، وغير ذلك مما صدقه فيه
العلماء بها) من أخبارهم، (ولم يقدروا على تكذيب ما ذكر منها،) لحقيتها وثبوتها عندهم،
(بل أذعنوا) أي انقادوا (لذلك) ولم يستعصوا، (فضلاً:) زيادة (عما أضافه من العلم،) وانتصابه
على المصدر.
قال أبو حيان: لم أظفر بنص على أن مثل هذا التركيب من كلام العرب (ومحاسن
الأدب) رياضة النفس ومحاسن الأخلاق.
قال أبو زيد الأنصاري: الأدب يقع على كل رياضة محمودة يتخرج بها الإنسان في
فضيلة من الفضائل، وقال نحوه الأزهري: فالأدب اسم لذلك، والجمع آداب، كسبب وأسباب،
(والشيم) (بكسر المعجمة وفتح الياء) جمع شيمة، كسدرة وسدر الطبيعة التي خلق عليها
الإنسان (والمواعظ،) أي أمور الترغيب والترهيب، (والحكم:) جمع حكمة، أي جوامع الكلم
المحكمة، المرشدة لتكميل النفوس بالملكات الفاضلة، (والتنبيه على طرق الحجج
العقليات،) أي الإرشاد إلى نصب الأدلة العقلية، وكيفية إلزام الخصم بها، نحو: لو كان فيهما
آلهة إلا اللَّه لفسدتا، قل: يحييها الذي أنشأها أول مرة، أوليس الذي خلق السموات والأرض
بقادر على أن يخلق مثلهم، (والرد على فرق الأمم) الضالة من عباد الكواكب وغيرهم
(ببراهين الأدلة الواضحات،) الظاهرات لسهولة ألفاظها، بحيث يفهمها كل من يسمعها،
ويحفظها لقلتها، مع دلالتها على معانيها المبهمة الكثيرة، فليس فيها اختصار مخل، ولا عبارة
مغلقة (إلى فنون)) أي أنواع (العلوم،) متعلق بقوله، أو لا إضافة (التي اتخذ أهلها كلامه فيها
قدوة) (مثلثة القاف)، (و) اتخذوا (إشاراته حجة) على ما يستنبطونه منها، (كاللغة والمعاني
والبيان والعربية) (من عطف الكل على بعض أجزائه أو العام على الخاص)، فإنهم قسموه إلى
اثني عشر قسمًا: لغة وصرف واشتقاق ونحو ومعان وبيان وعروض وقافية وخط وقرض الشعر
وإنشاء الرسائل والخطب والمحاضرات، ومنه التواريخ.
قال السيوطي: والمراد بالمحاضرات ما تحاضر به صاحبك من نظم أو نثر أو حديث أو
نادرة أو مثل سائر، وأما البديع، فجعلوه ذيلاً لا قسمًا برأسه، وقد يطلق علم العربية، ويراد به

٣٣٢
الفصل الأول في طبه عَّة ◌ٍ لذوي الأمراض والعاهات
ومعارف عوارف الحقائق القلبية، إلى غير ذلك من ضروب العلوم، وفنون المعارف
الشاملة لمصالح أمته، كالطب والعبارة والحساب وغير ذلك مما لا يعد ولا
يحد ... قضيتَ بأن مجال هذا الباب في حقه عليه الصلاة والسلام ممتد، تنقطع
دون نفاده الأدلاء، وأن بحر علمه ومعارفه زاخر لا تكدره الدلاء.
وهذا المقصد - أعزك اللَّه - يشتمل على ثلاثة فصول:
الفصل الأول
لذوي الأمراض والعاهات
في طبه عايشة
اعلم أنه عٍَّ كان يعود من مرض أصحابه، حتى لقد عاد غلامًا
النحو فقط، (وقوانين الأحكام الشرعية،) أي قواعدها التي يستخرج منها أحكام جزئيات
موضوعاتها (والسياسات العقلية،) أي الآداب والتدبيرات المستفادة من العقل، (ومعارف
عوارف الحقائق القلبية) هي عشر مقامات، ينزلها السائرون إلى اللّه تعالى، سميت حقائق لأن
المنازل منازل تحقيق، من جهة أن السائرين فيها، إلى اللَّه عند نزولهم فيها وتحققهم بها يظهر
لهم حقيقة كل شىء وسره عند إتمامها، فتظهر لهم الحقائق كما هي عليه في حضرة العلم، بلا
تغيير ولا تبديل، وأول هذه المقامات العشرة المكاشفة، ثم المشاهدة، ثم المعاينة، ثم الحياة، ثم
القبض، ثم البسط، ثم السكر، ثم الصحو، ثم الاتصال، ثم الانفصال، قاله في لطائف الأعلام في
إشارات أهل الإلهام، (إلى غير ذلك من ضروب العلوم،) أي أصنافها، (وفنون المعارف
الشاملة لمصالح أمته، كالطب والعبارة) (بكسر العين مصدر عبر الرؤيا مخففًا فسرها)
(والحساب، وغير ذلك مما لا يعد ولا يحد،) لعدم إمكان واحد منهما، (قضيت) جواب قوله
أولاً، وأنت إذا تأملت، أي حكمت، (بأن مجال) (بجيم)، أي ميدان (هذا الباب،) أي امتداد
الفكر (في حقه عليه الصلاة والسلام) ممتد متسع جدًا، (تنقطع دون نفاده) (بدال مهملة)،
أه، فراغه (الأدلاء:) جمع دليل، وهو ما يفيد المعنى ويحصله، (وأن بحر علمه ومعارفه زاخر)
(بـ اي وٍخاء معجمتين)، أي ممتلىء طافح (لا تكدره الدلاء:) جمع دلو، (وهذا المقصد
أعزك الله يشتمل على ثلاثة فصول:) الطب والتعبير والإنباء بالمغيبات.
(الفصل الأول)
(في طبه عَِّ لذوي الأمراض والعاهات: اعلم) قبل الشروع في المقصود، (أنه عَّه.
كان يعود من مرض أصحابه) العظيم منهم وغيره، والمراد بالأصحاب هنا مطلق الاجتماع ولو
كفارًا، لئلا يخرج من عادهم وهم كفار، كأبي طالب وابن أبي المنافق والغلام، فإنه كان حين

٣٣٣
الفصل الأول في طبه عَّةٍ لذوي الأمراض والعاهات
كان يخدمه من أهل الكتاب، وعاد عمه وهو مشرك، وعرض عليهما الإسلام،
فأسلم الأول وكان يهوديًا، كما روى البخاري وأبو داود من حديث أنس: أن
غلامًا من اليهود كان يخدم النبي عَّهُ فمرض فعاده النبي عَّهِ فقعد عند رأسه،
فقال: أسلم، فنظر إلى أبيه وهو عنده فقال: أطع أبا القسم فأسلم، فخرج
النبي عَّه وهو يقول: الحمد لله الذي أنقذه من النار.
عيادته يهوديًا، كما أفاده بقوله: (حتى لقد عاد غلامًا كان يخدمه من أهل الكتاب، وعاد عمه)
أبا طالب، (وهو مشرك، وعرض عليهما الإسلام، فأسلم الأول وكان يهوديًا،) ولم يسلم
الثاني، والله يهدي من يشاء، (كما روى البخاري) في الجنائز والجهاد والطب، (وأبو داود،)
وكذا النسائي (من حديث أنس) بن لملك (أن غلامًا من اليهود) .
قال الحافظ: لم أقف في شىء من الطرق الموصولة على تسميته إلا أن ابن بشكوال ذكر
أن صاحب العتبية حكى عن زياد شيطون أن اسم هذا الغلام عبد القدوس، وهو غريب ما وجدته
عند غيره، ووقع للمصنف في الطب أن اسمه عبدوس، وهو تصحيف، (كان يخدم النبي عَّه،
فمرض، فعاده النبي عَّله، فقعد عند رأسه، فقال: أسلم، فنظر إلى أبيه وهو عنده،) لفظ
البخاري، وفي رواية أبي داود: عند رأسه أخرجه عن سليمن بن حرب شيخ البخاري فيه، وكذا
للإسمعيلي عن أبي خليفة عن سليمان (فقال أطع أبا القسم،) لتحققه صدقه وإن كان يهوديًا،
(فأسلم) في رواية النسائي عن إسحق بن راهويه عن سليمن المذكور، فقال: أشهد أن لا إله
إلا اللَّه، وأن محمدًا رسول اللَّه، (فخرج النبي عَّ وهو يقول: الحمد لله الذي أنقذه من
النار) في رواية أبي داود وأبي خليفة: أنقذه بي من النار، وفي الحديث جواز استخدام المشرك
وعيادته، إذ مرض، وفيه حسن العهد، وفيه استخدام الصغير وعرض الإسلام على الصبي، ولولا
صحته منه ما عرضه عليه، وفي قوله: أنقذه بي من النار دلالة على صحة إسلامه، وعلى أن
الصبي إذ عقل الكفر ومات عليه؛ أنه يعذب. انتهى.
ووجه صحة إسلام الصبي ظاهر من عرضه عليه، كما قال، ولأن الغلام الابن الصغير
وإطلاقه على الرجل مجاز، كما في المصباح وغيره، ولا يرده قول القاموس الغلام الطار الشارب،
والكهل ضد أو من حين يولد إلى أن يشب لما علم من استعماله المجازات كثيرًا، وتجويز أن
المراد بالغلام الصغير لا بقيد كونه صبيًا، وقد يشعر به قوله: أنقذه من النار ممنوع، فالأصل
الحقيقة، وقد فهمها منه البخاري، فترجم عليه في الجنائز باب: إذا أسلم الصبي، فمات هل
يصلى عليه وهل يعرض على الصبي الإسلام؟، وترجم في الجهاد باب، كيف يعرض الإسلام
على الصبي؟ نعم دلالته على أن الصبي إذا عقل الكفر ومات عليه أنه يعذب، لعله كان قبل أن

٣٣٤
الفصل الأول في طبه عَِّ لذوي الأمراض والعاهات
وكان عٍَّ يدنو من المريض، ويجلس عند رأسه، ويسأله عن حاله ويقول:
كيف تجدك؟
وفي حديث جابر عند البخاري ومسلم والترمذي وأبي داود، قال: مرضت
فأتاني رسول اللَّه عَِّ يعودني وأبو بكر، وهما ماشيان، فواجداني أغمي علي،
فتوضأ النبي عَّه ثم صب وضوأه علي فأفقت، فإذا النبي عَّهِ، وعند أبي داود:
فنفخ في وجهي فأفقت. وفيه: أنه معٍَّ قال: يا جابر لا أراك ميتًا من وجعك هذا.
وفي حديث أبي موسى عند البخاري مرفوعًا: أطعموا الجائع، وعودوا
المرضى، وفكوا العاني.
يعلم عَّ بأنه لا يعذب، وأنه في الجنة، كما هو الأصح من عشرة أقوال، (وكان عَِّ يدنو:)
يقرب (من المريض ويجلس عند رأسه) تواضعًا وشفقة على خلق اللَّه، (ويسأله عن حاله،
ويقول: كيف تجدك،) أي كيف تجد نفسك على أي حالة.
(وفي حديث جابر) بن عبد اللَّه الأنصاري (عند البخاري) في التفسير والطب والفرائض،
(ومسلم والترمذي وأبي داود، قال: مرضت، فأتاني رسول اللَّه عَّ يعودني وأبو بكر)
الصديق عام حجة الوداع، (وهما ماشيان، فوجداني أغمي علي،) وفي رواية: لا أعقل شيئًا،
(فتوضأ النبي عٍَّ) الوضوء الشرعي، (ثم صب وضوأه)، أي الماء الذي توضأ به (علىٍ،
فأفقت) من ذلك الإغماء، (فإذا النبي عَّه) موجود عندي، وبقية الحديث، فقلت: يا رسول الله
كيف أصنع في مالي؟، فلم يجبني بشىء حتى نزلت آية الميراث.
(وعند أبي داود: فنفخ في وجهي فأفقت، وفيه أنه عَِّ قال: يا جابر لا أراك ميتًا من
وجعك هذا،) وفيه علم من أعلام النبوة، فإنه مات بالمدينة بعد سنة سبعين من الهجرة، عن أربع
وتسعين سنة، وفيه أن وضوء العائد للمريض إذا كان إمامًا في الخير يتبرك به، وإن صبه ماء
وضوئه يرجى نفعه، وقيل: كان مرض جابر الحمى المأمور بإبرادها بالماء، وصفة ذلك أن يتوضأ
الرجل المرجو خيره وبركته ويصب فضل وضوئه عليه، قاله ابن بطال وغيره؛ وظاهر السياق وقوع
الإغماء حال مجيئهما، وقيل: دخولهما عليه، ولا تتوقف مشروعية العيادة على علم المريض
بالعائد، لأن وراء ذلك جبر خاطر أهله، وما يرجى من بركة دعاء العائد ووضع يده على المريض،
والمسح على جسده والنفث عليه عند التعويذ.
(وفي حديث أبي موسى) عبد اللَّه بن قيس الأشعري، (عند البخاري) في الطب،
(مرفوعًا:) اختصار لقوله: قال رسول اللَّه عَّ﴾ (أطعموا الجائع، وعودوا المرضى، وفكوا
العاني) (بعين مهملة ونون مكسورة خفيفة، أي خلصوا الأسير بالفداء) وجمع المرضى لكثرة

٣٣٥
الفصل الأول في طبه عَّةٍ لذوي الأمراض والعاهات
وعنده من رواية البراء: أمرنا عَّه بسبع، وذكر منها عيادة المريض.
وعند مسلم: خمس تجب للمسلم على المسلم، فذكرها منها.
قال ابن بطال: يحتمل أن يكون الأمر على الوجوب، يعني الكفاية، كإطعام
الجائع وفك الأسير، ويحتمل أن يكون على الندب على التواصل والألفة.
وعند الطبري: يتأكد في حق من ترجی بركته، ويسن في من يراعى حاله،
ويباح فيما عدا ذلك.
أنواع المرض واختلافها وأفراد الجائع والعاني، لأن كلاً منهما صفة واحدة وإن كثرت أفرادهما،
(وعنده) أي البخاري، وكذا عند مسلم (من رواية البراء) بن عازب: (أمرنا) رسول اللَّه (عٍَّ بسبع، وذكر
منها عيادة المريض)، أي زيارته، ولفظه: أمرنا بسبع، ونهانا عن سبع، أمرنا بعيادة المريض
واتباع الجنائز وتشميت العاطس ورد السلام وإجابة الداعي وإبرار القسم ونصر المظلوم، ونهانا
عن خواتم الذهب وعن الحرير والاستبرق والديباج والميثرة الحمراء والقسي وآنية الفضة والميثرة
(بكسر الميم وسكون التحتية وفتح المثلثة بلا همز)، وقال النووي: بالهمز، وهي وطاء كانت
النساء تصنعه لأزواجهن في السروج، يكون من الحرير والديباج وغيرهما، والنهي واقع على ما هو
من الحرير والقسي (بفتح القاف وكسر السين المهملة المشددة) ثياب تنسب إلى القس بساحل
بحر مصر، وفي أبي داود؛ أنها ثياب من الشام، أو من مصر مصبغة فيها أمثال الأترج.
(وعند مسلم) في كتاب الأدب من صحيحه، عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه عَّه.
(خمس تجب للمسلم على المسلم،) أي تطلب طلبًا مؤكدًا يقرب من الواجب، (فذكرها
منها،) ولفظه خمس تجب للمسلم على أخيه المسلم: رد السلام وتشميت العاطس وإجابة
الدعوة وعيادة المريض واتباع الجنائز، وله وجه آخر حق المسلم على المسلم ست، فذكر
الخمسة، وزاد: وإذا استنصحك فانصح له، وليس المراد الحصر، ففي حديث آخر: للمسلم
على المسلم ثلاثون حقًّا.
(قال ابن بطال: يحتمل أن يكون الأمر) في قوله: وعودوا المرضى محمولاً (على
الوجوب، يعني:) وجوب (الكفاية، كإطعام الجائع وفك الأسير،) المذكورين معه، (ويحتمل
أن يكون) محمولاً (على الندب) حثّا (على التواصل والألفة) (بضم الهمزة) الأنس والمحبة
والاجتماع، (وعن الطبري: يتأكد) فعل العيادة، أو هو بفوقيتين، فلا يقدر فعل (في حق من
ترجى بركته،) لينال منها المريض، (ويسن في) حق (من يراعي حاله،) أي المريض، بتعهده
فيما يحتاج إليه، كشراء دواء وتهيئة حاجته منه، (ويباح فيما عدا ذلك،) المذكور من الحالين،

٣٣٦
الفصل الأول في طبه عَّ لذوي الأمراض والعاهات
وهو فرض كفاية عند الحنفية، كما قال أبو الليث في ((مقدمته)).
واستدل بعموم قوله: ((عودوا المرضى)) على مشروعية العيادة في كل مرض،
لكن استثنى بعضهم: الأرمد، وردًّ: بأنه قد جاء فى عيادة الأرمد بخصوصها
حديث زيد بن أرقم، قال: عادني رسول اللَّه عَّه من وجع كان بعيني، رواه أبو
داود وصححه الحاكم.
وأما ما أخرجه البيهقي والطبراني مرفوعًا: ثلاثة ليس لهم عيادة، الرمد
والدمل والضرس، فصحح البيهقي أنه موقوف علی یحیی ابن أبي كثير.
ويؤخذ من إطلاقه أيضًا عدم التقييد بزمان يمضي من ابتداء مرضه. وهو قول
وقد تجب، كأن علم به ضررًا يزول بعيادته، وتحرم إن أدت إلى ضر يلحقه، كتضرره بدخوله
عليه، أو رؤية محارمه، وتكره إن ترتب على دخوله أمر يكرهه المريض، (وهو فرض كفاية عند
الحنفية، كما قال أبو الليث) أحمد بن عمر بن محمد بن أحمد بن إسمعيل النسفي، الفقيه،
الواعظ، مات سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة (في مقدمته) المشهورة، (واستدل بعموم قوله:
عودوا المرضى على مشروعية العيادة في كل مرض، لكن استثنى بعضهم الأرمد،) أي وجع
العين، (ورد بأنه قد جاء في عيادة الأرمد بخصوصها حديث زيد بن أرقم) بن زيد الأنصاري،
الخزرجي، مات سنة ست أو ثمان وستين، (قال: عادني رسول اللَّه عَّم من وجع كان بعيني)
(بشد الياء على التثنية)، قاله ابن رسلان، (رواه أبو داود) سليمن بن الأشعث، (وصححه
الحاكم) محمد بن عبد اللَّه النيسابوري.
(وأما ما أخرجه البيهقي) في الشعب، (والطبراني) في الأوسط، وابن عدي من حديث
مسلمة بن علي الخشني، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي جعفر، عن أبي هريرة،
(مرفوعًا: ثلاثة ليس لهم عيادة،) أي لا تندب عيادتهم، لا إنها لا تجوز في رواية ثلاث: لا
يعاد صاحبهن (الرمد،) أي وجع العين، (والدمل:) (بضم الدال وفتح الميم مثقلة ومخففة)
الخراج الصغير، وإن تعدد، (والضرس،) أي الذي به وجع الضرس وغيره من الأسنان، وفي
رواية: وصاحب الضرس وصاحب الدمل، (فصحح البيهقي أنه موقوف على يحيى ابن
أبي كثير) لأنه أخرجه من طريق هقل، عن الأوزاعي، عن يحيى ابن أبي كثير، وجعله من قوله
لم يجاوزوه، قال: أعني البيهقي، وهو الصحيح، فقد قال زيد بن أرقم: رمدت، فعادني
النبي عَّله، فإن ثبت النهي أمكن أن يقال: إنها لكونها من الآلام التي لا ينقطع صاحبها غالبًا
بسببها، وقال الحافظ: تصحيحه وقفه لا يوجب الحكم بوضعه، إذ مسلمة، وإن كان ضعيفًا لم
يخرج بكذب، فجزم ابن الجوزي بوضعه، وهم، (ويؤخذ من إطلاقه،) أي قوله: عودوا المرضى

٣٣٧
الفصل الأول في طبه عٍَّ لذوي الأمراض والعاهات
الجمهور، وجزم الغزالي في ((الأحياء)): بأنه لا يعاد إلا بعد ليال ثلاث، واستند إلى
حديث أخرجه ابن ماجه عن أنس: كان النبي عٍَّ لا يعود مريضًا إلا بعد ثلاث.
وهذا حديث ضعيف تفرد به مسلمة بن علي، وهو متروك، قال أبو حاتم هو
حديث باطل.
(أيضًا عدم التقييد بزمان يمضي من ابتداء مرضه، وهو قول الجمهور) من العلماء، زاد
الحافظ: وإنها لا تتقيد بوقت دون وقت، لكن جرت العادة بها طرفي النهار، (وجزم الغزالي
في الإحياء، بأنه لا يعاد إلا بعد ليال ثلاث، واستند إلى حديث أخرجه ابن ماجه) في الجنائز
من سننه، وابن أبي الدنيا في المرض والكفارات، والبيهقي في الشعب، كلهم من حديث
مسلمة بن علي، قال: حدثنا بن جريج عن حميد الطويل، (عن أنس: كان النبي عٍَّ لا يعود
مريضًا إلا بعد ثلاث) من الأيام تمضي من ابتداء مرضه، قيل: ومثل العيادة تعهده وتفقد أحواله،
قال الزركشي: وهذا يعارضه أنه عاد زيد بن أرقم في رمده قبلها. انتهى.
ويمكن أن ذلك أغلب أحواله، فلا معارضة إن صح الخبر، (و) لكن (هذا حديث ضعيف)
جدًا، (تفرد به مسلمة) بفتح الميمين (ابن علي) بضم العين مصغرًا، وكان يكره تصغير اسمه،
وإنما صغر في أيام بني أمية مراغمة من الجهلة، كما في التبصير، وهو الخشني (بضم الخاء
وفتح الشين المعجمتين)، الدمشقي، مات قبل سنة تسعين ومائة، (وهو متروك))) أي تركوا الرواية
عنه لضعفه، وما روي له إلا ابن ماجه.
(قال أبو حاتم: هو حديث باطل) موضوع، ونقله الذهبي في الميزان وأقره، وأورده
ابن الجوزي في الموضوعات، وتعقبوا بأنه ضعيف فقط لا موضوع؛ فإن مسلمة لم يجرح
بكذب، كما قاله الحافظ، فلا التفات لمن غر بزخرف القول، فقال: هو موضوع، كما قال
الذهبي وغيره، لكنه إذا راج على البيهقي وابن ماجه، فلا ملام على من راج عليه بعدهما، فهذا
كلام فارغ لا يتمشى على القواعد، فإن المدار على الإسناد، فإن تفرد به كذاب أو وضاع،
فحديثه موضوع، وإن كان ضعيفًا فالحديث ضعيف فقط، ودعوى رواجه غير مسموعة، لأن دأب
المحدثين إذا أبرزوا الحديث بسنده، فقد برؤوا من عهدته، على أن مسلمة لم يتفرد به، كما
زعم المصنف، فقد أخرجه أبو يعلى في مسنده من حديث عباد بن كثير، عن ثابت عن أنس،
قال: كان النبي عَِّ إذا فقد الرجل من إخوانه ثلاثة أيام سأل عنه، فإن كان غائبًا عاله، وإن كان
شاهدًا ازاره، وإن كان مريضًا عاده، وعباد ضعيف.
وأخرج الديلمي من حديث أبي عصمة عن عبد الرحمن بن الحرث، عن أبيه، عن أنس،
رفعه: ((المريض لا يعاد حتى يمرض ثلاثة أيام))، وأبو عصمة ضعيف، فقد تابع عباد مسلمة في
شيخ شيخه حميد، في روايته عن أنس، وتابعه أيضًا الحرث في روايته عن أنس، فأين التفرد وله

٣٣٨
الفصل الأول في طبه عَّ لذوي الأمراض والعاهات
ولا نطيل بإيراد ما ورد في فضل العبادة خوف الملل، ويكفي حديث أبي
هريرة، مما حسنه الترمذي مرفوعًا: من عاد مريضًا ناداه مناد من السماء: طبت
وطاب ممشاك، وتبوأت من الجنة منزلاً، وهذا لفظ ابن ماجه.
وفي سنن أبي داود عن أنس مرفوعًا: من توضأ فأحسن الوضوء، وعاد أخاه
المسلم محتسبًا، بُوعِدَ من جهنم مسيرة سبعين خريفاً.
وفي حديث أبي سعيد عن ابن حبان في صحيحه مرفوعًا: خمس من
شاهد من طريق آخر، رواه الطبراني في الأوسط من طريق نصر بن حماد، وأبو الحرث الوراق عن
روح بن جناح، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة أن النبي عَِّ قال: لا يعاد
المريض إلا بعد ثلاث، ونصر ضعيف.
قال ابن عدي: ومع ذلك، فيكتب حديثه، قال السخاوي: وهذه الطرق يتقوى بعضها
. مض، ولذا أخذ بمضمونها جماعة، فقال النعمان بن أبي عياش الزرقي، أحد التابعين الفضلاء، من
أداء الصحابة، فيما أخرجه في الشعب، وابن أبي الدنيا: عيادة المريض بعد ثلاث.
وقال الأعمش عند البيهقي: كنا نقعد في المجلس، فإذا فقدنا الرجل ثلاثة أيام سألنا عنه،
فإن كان مريضًا عدناه، وهذا يشعر باتفاقهم على هذا، وليس في صريح الأحاديث ما يخالفه، وما
رواه الطبراني، عن ابن عباس: عيادة المريض أول يوم سنة، فما كان بعد ذلك فتطوع، ورواه
البزار بلفظ، وما زاد بعد ذلك فنافلة، فيحتمل أن مزاده أول مرة؛ وقوله سنة يريد سنة النبي عليه.
على الصحيح، (ولا نطيل بإيراد ما ورد في فضل العبادة خوف الملل، ويكفي حديث
أبي هريرة) عند الترمذي وابن ماجه، (مما حسنه الترمذي مرفوعًا،) أي قال: قال عَلّهِ: (من
عاد مريضًا،) زاد في رواية الترمذي: أو زار أخًا له في اللَّه، (ناداه مناد من السماء: طبت وطاب
ممشاك وتبوأت،) أي سكنت (من الجنة منزلاً،) نسب السكنى إليه مبالغة، لأنه جزاء لفعله،
(وهذا لفظ ابن ماجه،) وكذا هو لفظ الترمذي، لكن بالزيادة بالمذكورة، ورواه ابن حبان بلفظ:
أن النبي عَّه قال: إذا عاد الرجل أخاه، أو زاره، قال اللَّه: طبت وطاب ممشاك، وتبوأت منزلاً
في الجنة.
(وفي سنن أبي داود عن أنس، مرفوعًا: من توضأ فأحسن الوضوء،) بفعل سننه وفضائله
وتجنب مكروهاته، (وعاد أخاه المسلم محتسبًا) أجره على اللَّه، (بوعد من جهنم مسيرة
سبعين خريفاً،) أي عامًا، ويحتمل أن المراد التكثير.
(وفي حديث أبي سعيد) سعد بن ملك الخدري، (عن ابن حبان في صحيحه،) برجال

٣٣٩
الفصل الأول في طبه عٍَّ لذوي الأمراض والعاهات
علمهن في يوم كتبه اللَّه من أهل الجنة: من عاد مريضًا، وشهد جنازة وصام يومًا،
وراح إلى الجمعة وأعتق رقبة.
وعند أحمد عن كعب مرفوعًا: من عاد مريضًا، خاض في الرحمة، فإذا
جلس عنده استنقع فيها. زاد الطبراني: وإذا قام من عنده فلا يزال يخوض فيها
حتی پرجع من حيث خرج.
ولم يكن عَّ يخص يومًا من الأيام بعيادة المريض، ولا وقتًا من الأوقات،
وترك العيادة يوم السبت مخالف للسنة، ابتدعه يهودي طبيب لملك قد مرض
وألزمه بملازمته، فأراد يوم الجمعة أن يمضي لسبته فمنعه، فخاف على استحلال
سبته، ومن سفك دمه، فقال: له إن المريض لا يدخل عليه يوم السبت، فتركه
ثقات، (مرفوعًا: خمس) من الخصال (من علمهن في يوم،) أي يوم جمعة، (كتبه اللَّه)) أي
قدر أوامر الملائكة أن تكتب له أنه (من أهل الجنة،) وهذا علامة على حسن الخاتمة، وبشرى
له بذلك: (من عاد مريضًا،) أي زاره في مرضه، ولو أجنبيًّا، (وشهد جنازة،) أي حضرها وصلى
عليها، (وصام يومًا،) وفي رواية أبي يعلى: وصام يوم الجمعة، أي تطوعًا، (وراح إلى الجمعة)
إلى محل صلاتها، (وأعتق رقبة،) أي خلصها من الرق لوجه اللَّه، وظاهره أنه لا يكتب له ذلك
إلا بفعل الخمس في يوم واحد يكون يوم جمعة، أي جمعة كانت، وعند أحمد عن معاذ
مرفوعًا: خمس من فعل واحدة منهن كان ضامنًا على اللَّه، من عاد مريضًا، أو خرج مع جنازة، أو
خرج غازيًا، أو دخل على إمامه يريد تعزيزه وتوقيره، أو قعد في بيته وسلم الناس، منه وسلم من
الناس.
(وعند أحمد عن كعب) بن لملك، (مرفوعًا) عن النبي عَّهِ: (من عاد مريضًا خاض في.
الرحمة) حال ذهابه لح يادته، (فإذا جلس عنده استقع فيها،) أي شملته وعمت جميع أجزائه،
(زاد الطبراني) في روايته لهذا الحديث: (وإذا قام من عنده، فلا يزال يخوض فيها حتى
يرجع من حيث خرج،) أي حتى يعود إلى مكانه الذي جاء منه للعيادة، فأفاد الحديث خوضه
فيها ذاهبًا وراجعًا، والاستنفاع مدة جلوسه عنده، (ولم يكن عَّهُ يخص يومًا من الأيام بعيادة
المريض، ولا وقتًا من الأوقات،) ولكن جرت العادة بها طرفي النهار، كما مر عن الحافظ،
ومن آدابها عدم تطويل الجلوس عنده، فربما شق على المريض أو على أهله، (وترك العيادة يوم
السبت مخالف للسنة ابتدعه يهودي طبيب لملك) سلطان (قد مرض، وألزمه بملازمته، فأراد
يوم الجمعة أن يمضي لسبته، فمنعه، فخاف على استحلال سبته) إن جاء، (ومن سفك دمه)

٣٤٠
الفصل الأول في طبه ◌َِّ لذوي الأمراض والعاهات
الملك، ثم أشيع ذلك، وصار كثير من الناس يعتمده.
ومن الغريب ما نقله ابن الصلاح عن الفراوي: أن العيادة تستحب في الشتاء
ليلاً، وفي الصيف نهارًا، ولعل الحكمة في ذلك أن المريض يتضرر بطول الليل
في الشتاء، وبطول النهار في الصيف، فيحصل له بالعيادة استرواح.
وينبغي اجتناب التطبب من أعداء الدين، من يهودي ونحوه، فإنه مقطوع
بغشه سيما إن كان المريض كبيرًا في دينه أو علمه، خصوصًا إن كان هذا العدو
يهوديًا، لأن قاعدة دينهم: أن من نصح مسلمًا فقد خرج عن دينه، وأن من استحل
السبت فهو مهدر الدم عندهم، حلال لهم سفك دمه، ولا ريب أن من خاطر
بنفسه يخشى عليه أن يدخل في عموم النهي فيمن قتل نفسه بشىء.
وقد كثر الضرر في هذا الزمن بأهل الذمة، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي
العظيم، واللَّه تعالى يرحم القائل:
إن لم يجىء، (فقال له: إن المريض لا يدخل عليه يوم السبت فتركه الملك، ثم أشيع
ذلك، وصار كثير من الناس يعتمده،) ويعتقد أنه يضر المريض.
(ومن الغريب ما نقله ابن الصلاح عن الفراوي:) بضم الفاء نسبة إلى فراوة بلدة قرب
خوارزم (أن العيادة تستحب في الشتاء ليلاً، وفي الصيف نهارًا، ولعل الحكمة في ذلك)
إن صح (أن المريض يتضرر بطول الليل في الشتاء، وبطول النهار في الصيف، فيحصل له
بالعيادة استرواح،) أي راحة في نفسه بالزيادة (وينبغي اجتتاب التطبب من أعداء الدين، من
يهودي ونحوه) نصراني، (فإنه مقطوع بغشه) للمسلمين، (سيما إن كان المريض كبيرًا في
دينه أو علمه،) فإنهم يتقربون بالسعي في فقد المسلمين له، (خصوصًا إن كان هذا العدو
يهوديًا، لأن قاعدة دينهم) الباطل؛ (أن من نصح مسلمًا فقد خرج عن دينه،) وقد حكي أن
الإمام المازري مرض، فكان يطبه يهودي، فقال له يومًا: يا سيدي مثلي يطب مثلكم، وأي قربة
أجدها أتقرب بها في ديني مثل أن أفقدكم للمسلمين، فشفي وقرأ الطب، فكان يفزع إليه فيه،
كما يفزع إليه في الفقه رحمه اللَّه، (وإن من استحل السبت، فهو مهدر الدم عندهم، حلال
لهم سفك دمه،) والمسلمون يستحلونه، فيعملون فيه ما يرى اليهودي تحريمه، (ولا ريب أن
من خاطر بنفسه يخشى عليه أن يدخل في عموم النهي فيمن قتل نفسه بشىء، وقد كثر
الضرر في هذا الزمن بأهل الذمة، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، واللَّه تعالى يرحم
القائل:)