Indexed OCR Text

Pages 261-280

٢٦١
الفصل الثالث في ذكر أخبار دالة على محبة أصحابه عليه الصلاة والسلام
ولي كل مؤمن. وطرق هذا الحديث كثيرة جدًا، استوعبها ابن عقدة في كتاب
مفرد له، وكثير من أسانيدها صحاح وحسان.
وعاد من عاداه، وأحب من أحبه وأبغض من أبغضه، وانصر من نصره واخذل من خذله، وأدر
الحق معه حيث دار))، وزعم بعض: أن زيادة اللهم وال الخ ...... موضوعة، مردود بأن ذلك جاء
من طرق، صحح الذهبي كثيرًا منها.
(وقول عمر) مخاطبًا لعلي: (أصبحت مولي كل مؤمن، أي ولي كل مؤمن،) أي
ناصره، فلا حجة فيه لزعم أن الخلافة له دون غيره لأن مولى مشترك بين معان منها: الناصر
والمحبوب، ونحن وهم متفقون على صحة إرادة كل منهما بخلافه، بمعنى الإمام، فلا يعهد لغة
ولا شرعًا.
وروى الدارقطني عن سعد، قال: لما سمع أبو بكر وعمر ذلك قالا: أمسيت يا ابن
أبي طالب مولى كل مؤمن ومؤمنة، وأخرج أيضًا أنه قيل لعمر: إنك تصنع بعلي شيأ لا تصنعه
بأحد من الصحابة، قال: إنه مولاي.
وفي تفسير الثعلبي عن ابن عيينة أن النبي عٍَّ لما قال ذلك، طار في الآفاق، فبلغ
الحرث بن النعمان، فأتى رسول اللَّه عَّه، فقال: يا محمد أمرتنا عن اللَّه بالشهادتين، فقبلنا،
وبالصلاة والزكاة والصيام والحج، فقبلنا، ثم لم ترضي حتى رفعت بضبعي ابن عمك تفضله
علينا، فهذا شىء منك أم من اللَّه؟، فقال: والذي لا إله إلا هو إنه من اللَّه، فولى وهو يقول: اللهم
إن كان ما يقول محمد حقًّا، فامطر علينا حجارة من السماء، أو ائتنا بعذاب أليم، فما وصل إلى
راحلته حتى رماه اللَّه بحجر، فسقط على هامته، فخرج من دبره، فقتله.
(وطرق هذا الحديث كثيرة جدًا، استوعبها ابن عقدة،) حافظ العصر، المحدث البحر،
أبو العباس أحمد بن سعيد الكوفي، مولى بني هاشم، أبوه نحوي صالح، يلقب عقدة، سمع، ابنه
أممًا لا يحصون، وكتب العالي والنازل حتى عن أصحابه، وكان إليه المنتهى في الحفظ وكثرة
الحديث، وعنه أحفظ مائة ألف حديث بأسانيدها، وأجبت في ثلاثمائة ألف حديث من حديث
أهل البيت وبني هاشم ألف، وجمع وحدث عند الدارقطني، وقال: أجمع أهل الكوفة على انه
لم ير بها من زمن ابن مسعود إلى زمنه أحفظ منه، ولد سنة تسع وأربعين ومائتين، ومات في ذي
القعدة سنة.
(في كتاب مفرد له، وكثير من أسانيدها صحاح وحسان،) وهو متواتر، رواه ستة عشر
صحابيًا، وفي رواية لأحمد انه سمعه من النبي صَّةٍ ثلاثون صحابيًا، وشهدوا به لعلي لما نوزع
أيام خلافته، فلا التفات إلى من قدح في صحته، ولا لمن رده؛ بأن عليًا كان باليمن لثبوت
رجوعه منها وإدراكه الحج معه عَّه.

٢٦٢
الفصل الثالث في ذكر أخبار دالة على محبة أصحابه عليه الصلاة والسلام
وروي عَّ له قال: ((من آذى عليًا فقد آذاني)). أخرجه أحمد.
وأخرج المخلص الذهبي: من أحب عليًا فقد أحبني.
وقد ذكر النقاش: أن قوله تعالى: ﴿إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات
سيجعل لهم الرحمن ودًا﴾ [مريم/٩٦] نزلت في علي.
وقال محمد بن الحنفية: لا تجد مؤمنًا إلا وهو يحب عليًا وأهل بيته.
وقال أبو حيان في ((البحر)): ومن الغريب ما أنشدنا الإمام اللغوي رضي
وأخرج ابن عقدة عن زر بن حبيش قال: قال علي من ههنا من أصحاب محمد؟، فقام اثنا
عشر رجلاً، فشهدوا أنهم سمعوا رسول اللَّه عَّهُ يقول: ((من كنت مولاه فعلي مولاه)).
(وروي) عن عمرو بن شاس الأسلمي، وكان من أصحاب الحديبية، قال: خرجت مع
علي إلى اليمن، فجفاني في سفري، فقدمت المدينة، فاستظهرت شكايته بالمسجد، فبلغ
النبي (عَّ)، فقال: يا عمرو، واللَّه لقد آذينني، فقلت: أعوذ باللَّه أن أوذيك، (فقال: من آذى عليًا
فقد آذاني،) فال ذلك ثلاثًا، وكان الصحابة يعرفون له ذلك، أخرج الدارقطني عن عمر أنه سمع
رجلاً يقع في علي، فقال: ويحك أتعرف عليًا، هذا ابن عمه، وأشار إلى قبره عَّهِ، واللَّه ما آذيت
إلا هذا في قبره، وفي رواية إنك انتقصته، فقد آذيت هذا في قبره، (أخرجه أحمد) برجال
الصحيح، والبخاري في تاريخه، وابن حبان والحاكم وصححاه، وأقره الذهبي، فما كان ينبغي
تعبير المصنف بروى.
(وأخرج المخلص) (بضم الميم وفتح المعجمة وكسر اللام الثقيلة أبو طاهر محمد بن
عبد الرحمن (الذهبي،) والطبراني بسند حسن، عن أم سلمة، مرفوعًا: ((من أحب عليًا فقد
أحبني،) ومن أحبني فقد أحب اللَّه، ومن أبغض عليًا فقد أبغضني، ومن أبغضني فقد
أبغض اللَّه))، هذا تمام الحديث.
(وقد ذكر النقاش) المقوى، المفسر، الحافظ المشهور، مر بعض ترجمته: (إن قوله
تعالى: ﴿إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا﴾ [مريم: ٩٦]، نزلت
في علي، وقال محمد بن الحنفية:) خولة بنت جعفر وهو ابن علي بن أبي طالب: (لا تجد
مؤمنًا إلا وهو يحب عليًا وأهل بيته،) وفي مسلم عن علي: والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إنه
لعهد النبي عٍَّ، أن لا يحبك إلا مؤمن، ولا يبغضك إلا منافق، وله شاهد من حديث أم سلمة
عند أحمد.
(وقال أبو حيان في البحر:) تفسيره الكبير: (ومن الغريب ما أنشدنا الإمام اللغوي

٢٦٣
الفصل الثالث في ذكر أخبار دالة على محبة أصحابه عليه الصلاة والسلام
الدين أبو عبد الله محمد بن علي بن يوسف الأنصاري الشاطبي لزبينا بن إسحق
النصراني الرسعني.
عدي وتيم لا أحاول ذكرهم بسوء ولكني محب لهاشم
وما يعتريني في علي ورهطه إذا ذكروا في اللَّه لومة لائم
وأهل النهي من أعرب وأعاجم
يقولون ما بال النصاري بحبهم
سرى في قلوب الخلق حتى البهائم
فقلت لهم إني لأحسب حبهم
وقالت عائشة رضي اللَّه عنها: كانت فاطمة أحب الناس إلى رسول
اللَّه عَّهِ، وزوجها علي أحب الرجال إليه، رواه الترمذي.
وفي البخاري: ((إن فاطمة بضعة مني، فمن أغضبها أغضبني)).
و ((البضعة)) بفتح الموحدة، وحكي ضمها وكسرها أيضًا، وبسكون
رضي الدين أبو عبد الله محمد بن علي بن يوسف الأنصاري الشاطبي لزبيتا،) بزاي،
فموحدة، فتحتية، فنون، فألف (ابن إسحق النصراني الرسعني:) (بفتح الراء وسكون السين
وفتح العين المهملتين ونون) نسبة إلى مدينة رأس عين بديار بكر، يخرج منها ماء دجلة، كما في
اللباب:
(عدي وتسيم لا أحاول ذكرهم بسوء ولكني محب لهاشم
وما يعتريني في علي ورهطه إذا ذكروا في اللَّه لومة لائم
يقولون ما بال النصارى بحبهم وأهل النهي من أعرب وأعاجم
فقلت لهم إني لأحسب حبهم سرى في قلوب الخلق حتى البهائم)
عدي قبيلة الفاروق، وتيم قبيلة الصديق، ومعنى الأبيات ظاهر، (وقالت عائشة رضي اللّه
عنها: كانت فاطمة أحب الناس إلى رسول اللَّه عَّه، وزوجها علي أحب الرجال إليه،) على
معنى من أحب، أو من حيث أن اللَّه جعل ذريته منها، (رواه الترمذي) محمد بن عيسى.
(وفي البخاري) ومسلم، عن المسور بن مخرمة: أن عليًا خطب بنت أبي جهل، فسمعت
بذلك فاطمة، فأتت رسول اللَّه عَّله، فقالت: يزعم قومك أنك لا تغضب لبناتك، وهذا علي
ناكح بنت أبي جهل، فقام عَّله، فسمعته حين تشهد يقول: أما بعد، إني أنكحت أبا العاص بن
الربيع، فحدثني وصدقني، (وإن فاطمة بضعة مني، فمن أغضبها أغضبني).
وفي رواية لهما: واني أكره أن يسوءها، واللَّه لا تجتمع بنت رسول اللَّه ◌َّه وبنت
عدو اللَّه عند رجل واحد، فترك علي الخطبة، (والبضعة بفتح الموحدة) على الرواية، (وحكي)

٢٦٤
الفصل الثالث في ذكر أخبار دالة على محبة أصحابه عليه الصلاة والسلام
المعجمة، أي قطعة لحم.
واستدل به السهيلي على أن من سبها فإنه يكفر.
وفي الترمذي من حديث أسامة بن زيد - وقال حسن غريب - إنه معَّ له قال
في حسن وحسين: ((اللَّهم إني أحبهما فأحبهما، وأحب من يحبهما)).
وخرجه مسلم من حديث أبي هريرة في الحسن خاصة، وزاد أبو حاتم فما
كان أحد أحب إلي من الحسن بعد ما قال عَ ◌ّه ما قال.
وفي حديث أبي هريرة عند الحافظ السلفي قال: ما رأيت الحسن بن علي
بناي دموعًا، وذلك أن رسول اللَّهُ عَِّ خرج يومًا وأنا في المسجد
فأخذ بيدي واتكأ علي حتى جئنا سوق قينقاع، فنظر فيه ثم رجع حتى جلس في
من حيث اللغة (ضمها وكسرها أيضًا، وبسكون المعجمة، أي قطعة لحم، واستدل به
السهيلي على أن من سبها، فإنه يكفر) ووجهه أنها تغضب ممن سبها وقد سوى بين غضبها
وغضبه، ومن أغضبه عَِّ يكفر، وفي هذا التوجيه نظر لا يخفى، قاله الحافظ، ومر شرح
الحديث في المقصد الثاني.
وفي الخصائص، (وفي الترمذي من حديث أسامة بن زيد، وقال) الترمذي: (حسن
غريب) من جهة تفرد الراوي به، فلا ينافي قوله حسن، (أنه عَّةٍ قال في حسن وحسين،) لفظ
الترمذي عن أسامة، قال: رأيت النبي عَ﴾ وحسن وحسين على وركيه، فقال: هذان ابناي وابنا
بنتي، (اللهم إني أحبهما) (بضم الهمزة والموحدة)، (فأحبهما) (بفتح الهمزة وكسر الحاء وفتح
الموحدة المشددة)، (وأحب من يحبهما،) وفيه إشعار بأنه عَِّ ما كان يحب إلا اللَّه وفي اللَّه،
ولذلك رتب محبة اللَّه على محبته، وفي ذلك أعظم منقبة للحسنين.
(وخرجه مسلم) في الفضائل (من حديث أبي هريرة في الحسن خاصة،) فقال عن
النبي عٍَّ أنه قال للحسن: اللهم إني أحبه فأحبه، وأحب من يحبه، (وزاد أبو حاتم) في روايته
عن أبي هريرة، (فما كان أحد أحب إلي من الحسن بعد ما قال عَّالِ ما قال) فيه: اللهم إني
أحبه .... الخ.
(وفي حديث أبي هريرة عند الحافظ السلفي) (بكسر السين وفتح اللام)، (قال:
ما رأيت الحسن بن علي قط إلا فاضت عيناي دموعًا،) لتذكري ما فعله جده معه، (وذلك أن
رسول اللَّه عَِّ خرج يومًا وأنا في المسجد فأخذ بيدي واتكأ علي).
وفي مسلم: خرجت مع رسول اللَّه عَّله في طائفة من النهار، لا يكلمني ولا أكلمه

٢٦٥
الفصل الثالث في ذكر أخبار دالة على محبة أصحابه عليه الصلاة والسلام
المسجد ثم قال: ادع ابني، قال: فأتي الحسن بن علي يشتد حتى وقع في
حجره، فجعل رسول اللَّه عَّه يفتح فمه، ثم يدخل فمه في فمه ويقول: اللّهم إني
أحبه فأحبه وأحب من يحبه، ثلاث مرات.
وفي الترمذي من حديث أنس، أنه عَِّ كان يشمهما ويضمهما إليه، قد
قال عَّلهُ: ((من أحبني وأحب هذين وأباهما وأمهما كان معي في درجتي يوم
القيامة، رواه أحمد، وقال الترمذي: كان معي في الجنة، وقال: حديث غريب.
وليس المراد بالمعية هنا المعية من حيث المقام، بل من جهة رفع الحجاب،
وتقدم نحوه في قوله تعالى: ﴿فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين﴾
والصديقين﴾ [النساء/٦٩] في المقصد السادس.
(حتى جئنا سوق) بني (قينقاع) (بفتح القاف وإسكان التحتية وتثليث النون)، (فنظر فيه، ثم
رجع حتى جلس في المسجد،) وفي مسلم: ثم انصرف حتى جاء خباء فاطمة، فقال: أثم
لكع، أثم لكع حتى جاء، يعني حسنًا، وظننا أنه إنما تحبسه أمه لأن تغسله وتلبسه سخابًا، فكأنه
مر على خبائها، أي حجرتها، وسأل عنه بقوله: لكع، أي صغير، ثم رجع، فجلس في المسجد،
(ثم قال) لأبي هريرة: (ادع ابني) لما استبطأ مجيئه، فدعاه، (قال: فأتى الحسن بن علي
يشتد،) يسرع في مشيه (حتى وقع في حجره) عَّه، فلم يلبث أن جاء يسعى حتى اعتنق كل
واحد منهما صاحبه، (فجعل رسول اللّه عَّةٍ يفتح فمه، ثم يدخل فمه في فمه) لتحصل له
بركته، (ويقول: اللهم إني أحبه، فأحبه وأحب من يحبه ثلاث مرات،) قال: ذلك، (وفي
الترمذي من حديث أنس: أنه عٍَّ كان يشمهما،) أي الحسنين، (ويضمهما إليه،) وقد قال
ريح الولد من ريح الجنة، رواه الطبراني والبيهقي وغيرهما، فقيل: يحتمل أن ذلك في ولده،
خاصة فاطمة وابنيها، لأن في ولدها ريح ثمار الجنة، ويحتمل عمومه في كل ولد صالح
للمؤمن، وهذا أظهر، (وقد قال عٍَّ: من أحبني وأحب هذين،) وأشار إلى حسن وحسين،
(وأباهما) عليًا، (وأمهما) فاطمة الزهراء، (كان معي في درجتي،) بدل من معي، أي في منزلتي
ورتبتي (يوم القيامة، رواه أحمد) والترمذي، كلاهما من حديث علي، وهذا لفظ أحمد، (وقال
الترمذي) في روايته: (كان معي في الجنة، وقال حديث غريب، وليس المراد بالمعية هنا
المعية من حيث المقام،) لأنه لا يساويه أحد في مقامه، (بل من جهة رفع الحجاب، وتقدم
نحوه في قوله تعالى: ﴿فأولئك مع الذين أنعم اللَّه عليهم من النبيين والصديقين﴾
[النساء: ٦٩]، في المقصد السادس).

٢٦٦
الفصل الثالث في ذكر أخبار دالة على محبة أصحابه عليه الصلاة والسلام
وفي حديث أبي زهير بن الأرقم رجل من الأزد أنه عَّه وقال في الحسن:
من أحبني فليحبه، فليبلغ الشاهد الغائب.
وقي البخاري: هما ريحانتاي من الدنيا.
وكان عليه الصلاة والسلام يمص لسان الحسن أو شفتيه، رواه أحمد.
وعن عقبة بن الحرث قال: رأيت أبا بكر، حمل الحسن وهو يقول: بأبي
شبيه بالنبي، ليس شبيهًا بعلي. وعلي يضحك.
وقال بعضهم: إن كان المراد باللفظ الأول ظاهره أنه معه في الحشر، فهو كناية عن
سلامته، من هو له، وإن كان المراد الآخرة مطلقًا فالمراد رفع الحجاب وقربه منه.
(وفي حديث أبي زهير بن الأرقم رجل) صوابه إسقاط أداة الكنية؛ وأن يقول عن رجل
(من الأزد انه عَّةٍ، وقال في الحسن: من أحبني فليحبه، فليبلغ الشاهد الغائب،) أخرجه
الحاكم عن زهير بن الأرقم قال: قام الحسن بن علي يخطب، فقام رجل من أزد شنوأة، فقال:
أشهد لقد رأيت رسول اللَّه عَّله واضعه في حبوته، وهو يقول: من أحبني فليحبه، وليبلغ الشاهد
الغائب، ولولا كرامة رسول اللَّه عَِّ ما حدثت به أحدًا، فالصحابي إنما هو هذا الرجل المبهم،
فأما زهير بن الأرقم بقاف فميم فراء، فكنيته، كما في التقريب أبو كبير، تابعي معروف، وفي
الإصابة: أنه أرسل حديثًا، فذكره بعضهم في الصحابة، فغلط.
(وفي البخاري،) عن ابن عمر: وسأله رجل عن المحرم يقتل الذباب، فقال: أهل العراق
يسألون عن الذباب، وقد قتلوا ابن ابنة رسول اللَّه عَلّه: (هما ريحانتاي من الدنيا).
قال الحافظ: كذا الأكثر بالتثنية، ولأبي ذر ريحاني بالافراد والتذكير شبههما بذلك، لأن
الولد يشم ويقبل.
وفي الترمذي: إن الحسن والحسين هما ريحانتي، وفي الطبراني عن أبي أيوب دخلت
على رسول اللَّه عَّةِ والحسن والحسين يلعبان بين يديه، فقلت: أتحبهما يا رسول اللَّه، قال:
وكيف لا وهما ريحانتاي من الدينا أشمهما، (وكان عليه الصلاة والسلام يمص لسان الحسن،
أو شفتيه) ليصل ريقه بريقه، فيصل جوفه، فتعود بركته عليه، (رواه أحمد) بن حنبل.
(وعن عقبة) (بالقاف) (ابن الحرث) بن عامر بن نوفل بن عبد مناف النوفلي، المكي،
صحابي من مسلمة الفتح، بقي إلى بعد الخمسين، (قال: رأيت أبا بكر،) والحال إنه قد (حمل
الحسن) (بفتح الحاء) على عنقه، (وهو يقول:) والجملتان حاليتان، أي حاملاً وقائلاً شعرًا من
مجز، والكامل لا الرجز وقيل: رجز مخروم، أفديه (بأبي،) وهو (شبيه بالنبيّ) عَّلِ، فشبيه خبر

٢٦٧
الفصل الثالث في ذكر أخبار دالة على محبة أصحابه عليه الصلاة والسلام
وعن محمد بن سيرين عن أنس: كان - يعني الحسين - أشبههم برسول
اللَّهِ سَلِّ. رواهما البخاري.
وعنده عن الزهري عن أنس قال: لم يكن أحد أشبه بالنبي عَّه من
الحسن بن علي وهذا قد يعارضه قول علي في صفة النبي عَّه: لم أر قبله ولا
بعده مثله، أخرجه الترمذي في الشمائل كما تقدم في المقصد الثالث، وأجيب:
بأنه يحمل النفي على عموم الشبه، والإثبات على معظمه.
مبتدأ محذوف، وفيه إشعار بعلية الشبه للفدية أو التقدير، هو مقدي بأبي، شبيه، فيكون خبر بعد
خبر، قاله الطيبي، وجعله قسمًا، وأنه لم يلغه النهي بعيد جدًا، (ليس) هو (شبيهًا بعلي،) كذا
رواه أبو الوقت بالنصب، ولغيره شبيه بالرفع.
قال ابن مالك: بناء على أن ليس حرف عطف، كما يقول الكوفيون، فيكون مثل
لا، ويجوز أن يكون شبيه اسم ليس، وخبرها ضمير متصل، حذف استغناء بنيته عن لفظه،
والتقدير ليس شبيه، ونحوه قوله عَبه في خطبته يوم النحر: أليس ذو الحجة في حذف الضمير
المتصل خبرًا لكان وأخواتها، وعند أحمد: كانت فاطمة ترقص الحسن وتقول: ابني شبيه بالنبي،
لیس شبيهًا بعلي.
قال الحافظ: وفيه إرسال، فإن كان محفوظًا، فلعلها تواردت في ذلك مع أبي بكر، أو
تلقي ذلك أحدهما من الآخر، أو عرف أبو بكر أن فاطمة كانت تقول ذلك، فتابعها على تلك
المقالة (وعلي يضحك) من فعل أبي بكر وقوله هذا سرور، أو عجبًا، لأن الغالب أن كل أحد يشابه
أباه، لكنه جذبه عرقه لرسول اللَّه عَّل، ولذا سماه ابنه، وجعل نسبه منه، کذا قيل.
(وعن محمد بن سيرين عن أنس:) أتى عبيد الله بن زياد برأس الحسين، فجعل في
طست، فجعل ينكث، وقال: في حسنه شىء، فقال أنس: (كان يعني الحسين أشبههم
برسول اللَّه عَِّ)) وكان مخضوبًا بالوسمة، (رواهما البخاري) في المناقب، (وعنده)) أي
البخاري في مناقيبهما أيضًا، (عن الزهري، عن أنس قال: لم يكن أحد أشبه،) أي أكثر شبهًا
(بالنبي ◌َّ من الحسن بن علي،) فتعارضت الروايتان عن أنس، (وهذا،) أي المذكور من
الروايتين، ونظم الصديق (قد يعارضه قوله علي في صفة النبي عَّه، لم أر قبله ولا بعده، مثله
أخرجه الترمذي في الشمائل، كما تقدم في المقصد الثالث،) لأنه يفيد أن لا مشابهة بيئه
وبين أحد، فيشمل الحسنين وغيرهما، وما قبله يفيد انهما شبيهان به.
(وأجيب: بأنه يحمل النفي) في قول علي (على عموم الشبه) التام، بحيث يماثله أحد
بجميع صفاته الظاهرة، (والإثبات) من أنس والصديق (على معظمه) إلا في جميعه، (وقول

٢٦٨
الفصل الثالث في ذر أخبار دالة على محبة أصحابه عليه الصلاة والسلام
وقو أنس: لم يكن أحد أشبه بالنبي عَّه من الحسن بن علي قد يعارضه
رواية ابن سيرين عنه السابقة كان الحسين - يعني بالياء - أشبههم بالنبي عَ لّ ويمكن
الجمع بأن يكون أنس قا ما وقع في رواية الزهري عنه في حياة الحسن، لأنه يومئذٍ
كان أشد شبهًا بالنبي عَّ من أخيه الحسين. وأما ما وقع في رواية ابن سيرين فكان
بعد ذلك، أو المراد بمن فضل عليه الحسين في الشبه، كان من عدا الحسن:
ويحتمل أن يكون كل منهما كان أشد شبهًا به في بعض أعضائه، فقد روى الترمذي
وابن حبان من طريق هانىء بن هانىء الهمداني عن علي قا : الحسن أشبه رسو
اللَّه عَِّ ما بين الرأس إلى الصدر، والحسين أشبه النبي عَّ ما كان أسفل من ذلك.
وقد عدوا من كان له شبه بالنبي عٍَّ سوى الحسن والحسين، جعفر بن
أبي طالب، وقد قا عليه الصلاة والسلام لجعفر أشبهت خلقي وخلقي قا
أنس: لم يكن أحد أشبه بالنبي معٍَّ من الحسن) (بفتح الحاء) (ابن علي، قد يعارضه رواية
ابن سيرين) عنه (السابقة) قريبًا جدًا: (إن الحسين، يعني بالياء أشبههم بالنبي عَلّه، ويمكن
الجمع)، كما قا الحافظ: (بأن يكون أنس) قا ما وقع في رواية (الزهري، عنه في حياة
الحسن) (بالفتح)، (لأنه يومئذ ان أشد شبهًا بالنبي عَّلِ من أخيه الحسين) (بالضم)،.
(وأما ما وقع في رواية ابن سيرين) عنه، (فكان بعد ذلك،) كما هو ظاهر من سياقه،
كما في الفتح، أي أنه قا ذلك بعد قتل الحسين، كما مر في سياق الحديث، وذلك بعد موت
الحسن بزمان، (أو المراد بمن فضل) أنس (عليه الحسين في الشبه،) بقوله كان أشبههم
برسو اللَّه عَّه، (ان من عدا الحسن،) فكأنه قا : إلا الحسن، فهو أشبه به من الحسين،
وهذا بمعنى ما قبله لوقوعه بعد موت الحسن كما عرفت، وقد رأيته في الفتح، والمراد بالواو،
فجعله جوابًا واحدًا، (ويحتمل) في الجمع أيضًا، (أن يكون ـل منهما ان أشد شبهًا به في
بعض أعضائه فقد روى الترمذي وابن حبان من طريق هانىء بن هانىء الهمداني)
(- السكون)، الكوفي، مستور، تابعي، روى له أصحاب السنن الأربعة (عن علي، قال: الحسن
أث به رسول اللَّه عَ لّه ما بين الرأس إلى الصدر،) أي فيما بين الرأس والصدر، (والحسين أشبه
النبي عَّ ل) في (ما ـان أسفل من ذلك،) فيجوز بحذف في في الموضعين، وبقية كلام
الحافظ وقع في رواية الاسماعيلي عن الزهري عن أنس: كان الحسن أشبههم وجهًا بالنبي عَّهِ،
وهو يؤيد حديث علي هذا، (وقد عدوا من ان له شبه بالنبي عَّ سوى الحسن والحسين)
جماعة من الهاشميين وغيرهم، فمن بني هاشم (جعفر بن أبي طالب).
(وقد قال عليه الصلاة والسلام لجعفر أشبهت خلقي) (بفتح فسكون) (وخلقي)

٢٦٩
الفصل الثالث في ذكر أخبار دالة على محبة أصحابه عليه الصلاة والسلام
الترمذي حديث حسن صحيح. وابنه عبد الله بن جعفر وقثم بن العباس بن عبد
المطلب. وأبو سفين بن الحرث بن عبد المطلب. ومسلم بن عقيل بن أبي طالب
ومن غير بني هاشم: السائب بن يزيد المطلبي، الجد الأعلى للإمام الشافعي.
وعبد الله بن عامر بن كريز - بضم الكاف وفتح الراء ...
وكابس بن ربيعة بن عدي رجل من أهل البصرة، وجه إليه معوية، وقبله بين
عينيه وأقطعه قطيعة، وكان أنس إذا رآه بکی.
(وقد قال عليه الصلاة والسلام لجعفر أشبهت خلقي) (بفتح فسكون) (وخلقي)
(بضمتين وضم فسكون)، أي أشبه خلقك خلقي وخلقك خلقي.
(قال الترمذي: حديث حسن صحيح،) وهو في البخاري وغيره من حديث البراء، (وابنه
عبد الله بن جعفر) الجواد ابن الجواد، (وقثم) بمنع الصرف للعلمية، والعدل التقديري عن قائم،
أي معط (ابن العباس بن عبد المطلب، وأبو سفين بن الحرث بن عبد المطلب، ومسلم بن
عقيل بن أبي طالب؛ ومن غير بني هاشم السائب بن يزيد،) بتحتية قبل الزاي، كذا في
النسخ، كالفتح، والذي في الإصابة السائب بن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد
مناف (المطلبي، الجد الأعلى للإمام الشافعي).
ذكر الخطيب بلا إسناد أن السائب أسلم يوم بدر، وكان صاحب راية بني هاشم مع
المشركين، فأسر، فقدى نفسه وأسلم، ويقال؛ إنه كان ممن يشبه النبي عَّهُ. انتهى باختصار،
(وعبد الله بن عامر بن كريز، بضم الكاف وفتح الراء) وسكون التحتية وزاي منقوطة) ابن
ربيعة بن حبيب بن عبد شمس بن عبد مناف القرشي العبشمي، ولد على عهده عَّهِ، وأتى به إليه
وهو صغير، فقال: هذا شبهنا، وجعل يتفل عليه ويعوذه، فجعل يبلع ريق النبي عَّةٍ، فقال عٍَّ:
انه لمسقي، فكان لا يعالج أرضًا إلا ظهر له الماء، حكاه ابن عبد البر، مات سنة سبع أو ثمان
وخمسين، وله أخبار في الجود كثيرة، (وكابس) (بكاف فألف فموحدة فسين مهملة)، وصحف
من قال بتحتية، وقول القرطبي المحفوظ عابس بالعين، تعقب بأن الصحيح خلافه (ابن ربيعة بن
عدي رجل من أهل البصرة،) وهو من بني سلمة بن لؤي، (وجه إليه معوية وقبل بين عينيه)
لشبهه بالمصطفى، (وأقطعه قطيعه، وكان أنس) بن ملك (إذا رآه بكى) شوقًا له عليه السلام.
قال الشفاء: بلغ مطوية أن كابس بن ربيعة يشبه النبي عَّةٍ، فلما دخل عليه من باب الدار
قام عن سريره وقبل بين عينيه، واقطعه المرغاب لشبهه صورة النبي عَّة، والمرغاب (بكسر الميم
وسكون الراء وغين معجمة فألف فموحدة) اسم أرض بمرو أو قرية بهراة كانت ذات غلة كثيرة،

٢٧٠
الفصل الثالث في ذكر أخبار دالة على محبة أصحابه عليه الصلاة والسلام
فهؤلاء عشرة، ونظمهم شيخ الإسلام والحفاظ أبو الفضل بن حجر فقال:
شبه النبي لعشر سائب وأبي سفين والحسنين الطاهرين هما
وجعفر وابنه ثم ابن عامر هم ومسلم كابس يتلوه مع قثما
وعدهم بعضهم: سبعة وعشرين. وممن كان يشبهه فاطمة ابنته، وإبراهيم ولده.
وولد جعفر، عبد الله - السابق - وأخوه عون. وكان يشبهه أيضًا من أهل البيت غير
هؤلاء: إبراهيم بن الحسين بن الحسن بن علي بن أبي طالب ويحيى بن القاسم بن
محمد بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وكان يقال له:
الشبيه. قال الشريف محمد بن أسعد النسابة في الزورة الأنيسة لمشهد السيدة نفيسة أنه
(فهؤلاء عشرة ونظمهم شيخ الإسلام والحفاظ أبو الفضل بن حجر، فقال) في الفتح:
سائب وأبي سفين والحسنين الطاهرين هما
(شبه النبي لعشر سائب وأبي
وجعفر وابنه ثم ابن عامرهم ومسلم كابس يتلوه مع قشما)
ثم قال بعد أن ذكر أنه وجد غير هذه العشرة مما بلغ بتحريره خمسة عشر قال: وقد
غيرت بيتي هكذا:
شبه النبي ليه سائب وأبي سفين والحسنين الخال أمهما
وجعفر ولديه وابن عامر كا بس ونجلي عقيل بية قثما
فقوله: ليه، بالياء والهاء، وهما في الحساب بخمسة عشر، وأما اللام الداخلة على ذلك،
فمتعلق بالخبر، أي شبه النبي كائن ليه، ومراده بنجلي عقيل ابنه مسلم السابق وحفيده قُسم بن
عبد الله بن محمد بن عقيل الآتي، (وعدهم بعضهم سبعةٍ وعشرين،) ونوزع في ذلك، (وممن
كان يشبهه فاطمة ابنته وإبراهيم ولده وولد جعفر عبد اللَّه السابق، وأخوه عون،) وأما أخوهما
محمد بن جعفر فشبيه أبي طالب، كما في الحديث المرفوع، فقول محمد بن حبيب: أنه كان
يشبه المصطفى غلط، (وكان يشبهه أيضًا من أهل البيت غير هؤلاء) ممن هو متأخر عنهم
(إبراهيم بن الحسين بن الحسن،) الذي في الفتح إبراهيم بن عبد الله بن الحسن بن الحسن (بن
علي بن أبي طالب،) فسقط من قلم المصنف عبد اللَّه، وزاد ياء في الحسن، فإنه ممن وافق
اسمه اسم أبيه.
وفي التقريب عبد الله بن الحسن بن الحسن بن الهاشمي المدني، ثقة جليل القدر،
(ويحيى بن القسم بن محمد بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن
أبي طالب، وكان يقال له الشبيه،) وسبب تلقيبه بذلك، كما (قال الشريف محمد بن أسعد

٢٧١
الفصل الثالث في ذكر أخبار دالة على محبة أصحابه عليه الصلاة والسلام
كان ليحيى هذا موضع خاتم النبوة شامة قدر بيضة الحمام، تشبه خاتم النبوة،
وكان إذا دخل الحمام ورآه الناس صلوا على النبي صَ لّه وازدحموا عليه يقبلون
ظهره تبركًا، ولذا وصف بالشبيه. وقُسم بن عبد الله بن محمد بن عقيل بن أبي
طالب.
وعلي بن علي بن نجاد بن رفاعة الرفاعي، شيخ بصري من أتباع التابعين.
والمراد بالشبه هنا، الشبه بالبعض، وإلا فتمام حسنه عَّ له منزه عن شريك، كما
قال الأبوصيري - رحمه اللّه - وأجاد:
منزه عن شريك في محاسنه فجوهر الحسن فيه غير منقسم
كما أشرت إليه في المقصد الثالث.
وقد أطلت المقال، وإنما جرني إلى ذلك ذكر حمل الصديق الحسن بن
النسابة في الزورة الأنيسة لمشهد السيدة نفيسة: أنه كان ليحيى هذا موضع خاتم النبوة،
شامة قدر بيضة الحمام تشبه خاتم النبوة، وكان إذا دخل الحمام ورآه الناس صلوا على
النبيٍ عَّةٍ، وازدحموا عليه يقبلون ظهره تبركًا، ولذا وصف بالشبيه) لشبهه، (وقسم بن
عبد الله بن محمد بن عقيل بن أبي طالب،) فكل هؤلاء مذكور في كتب الأنساب، أنه كان
يشبهه عليه السلام، كما في الفتح (وعلي بن علي بن نجاد) (بنون وجيم خفيفة)، كما في
التقريب (ابن رفاعة، الرفاعي) بالفاء نسبة إلى جده رفاعة المذكور (شيخ بصري) لا بأس به،
روى له أصحاب السنن (من أتباع التابعين،) يوافقه قول التقريب من السابقة، يعني: كبار أتباع
التابعين، ويخالفه قوله في الفتح أنه تابعي صغير، وكان عابدًا ذكر ابن سعد أنه كان يشبه
النبي عَّ.
زاد الحافظ والمهدي، الذي يخرج في آخر الزمان جاء أنه يشبه النبي ويواطىء اسمه اسم
النبي عَّ. واسم أبيه، وذكر ابن يونس في تاريخ مصر عبد الله بن أبي طلحة الخولاني، وأنه
شهد فتح مصر، وأمره عمر أن لا يمشي إلا مقنعًا، لأنه كان يشبه النبي عَ له، قال: وكان له عبادة
وفضل، (والمراد بالشبه هنا الشبه بالبعض وإلا فتمام حسنه عَُّ منزه عن شريك، كما قال
الأبوصيري،) صوابه البوصيري (رحمه الله: وأجاد):
(منزه عن شريك في محاسنه فجوهر الحسن فيه غير منقسم)
(كما أشرت إليه في المقصد الثالث، وقد أطلت المقال، وإنما جرني إلى ذلك
ذكر حمل الصديق الحسن بن علي على عاتقه المشعر بالإكرام من أفضل البشر بعد

٢٧٢
الفصل الثالث في ذكر أخبار دالة على محبة أصحابه عليه الصلاة والسلام
علي على عاتقه، المشعر بالإكرام من أفضل البشر بعد النبيين، لأهل البيت
المحمدي، وحملهم على الأعناق، لا سيما مع قوله - رضي اللَّه عنه - لقرابة
رسول اللَّه عَُّلِّ أحب إلي أن أصل من قرابتي، فلما تضمن الحديث الشبه الكريم
جرني الكلام إليه، وهذا وقع لي كثيرًا في هذا المجموع بل في غالبه لكنه لا
يخلو عن فرائد الفوائد.
وقد روي أنه عَُّلِّ قال: العباس بن عبد المطلب مني وأنا منه، لا تؤذوا
العباس فتؤذوني، من سب العباس فقد سبني. أخرجه البغوي في معجمه.
وقال عَّ ◌ُلِّ للعباس أيضًا: والذي نفسي بيده لا يدخل قلب رجل الإيمان
حتى يحبكم لله ولرسوله، ثم قال: يا أيها الناس، من آذى عمي فقد آذاني، فإنما
النبيين) بإجماع أهل السنة، وإلزامًا للشيعة بما صح عن علي كرم الله وجهه، أن أبا بكر أفضل
منه (لأهل البيت المحمدي، وحملهم على الأعناق:) جمع عنق وهو والعاتق متقاربان، فلا
مخالفة بين هذا وقوله قبله على عاتقه، (لا سيما مع قوله رضي اللَّه عنه لقرابة رسول اللّه عٍَّ:
أحب إلي أن أصل من قرابتي،) ومر شرحه، (فلما تضمن الحديث،) أي قول أبي بكر
بأبي شيبة بالنبي (الشبه الكريم، جرني الكلام إليه) إلى ذكر من كان يشبهه، (وهذا وقع لي
كثيرًا في هذا المجموع) المواهب، (بل في غالبه، لكنه لا يخلو عن فرائد): جمع فريدة
درة ثمينة تحفظ في ظرف على حدة لنفاستها وإضافتها إلى (الفوائد) من إضافة المشبه به
للمشبه، كلجين الماء، والمعنى: أنها تشتمل على فوائد تشبه في النفاسة اللآلىء النفيسة.
(وقد روي أنه عَّ قال: العباس بن عبد المطلب مني وأنا منه،) لأننا من أصل واحد
وهو الجد، (لا تؤذوا العباس) بشىء من الأذى، ولو قل (فتؤذوني).
زاد في حديث آخر: ومن آذاني فقد آذى اللَّه فعليه لعنة اللَّه، ملء السماء وملء الأرض،
رواه أبو نعيم وغيره: ((من سب العباس فقد سبني)) أخرجه،) أبو القسم عبد الله محمد بن
عبد العزيز، (البغوي) الكبير، ثم البغدادي أحد الحفاظ، متقدم على محيي السنة البغوي بزمان
(في معجمه،) أي كتابه المؤلف في معرفة الصحابة،
وروى الترمذي، وقال: حسن غريب، وصححه الحاكم من حديث ابن عباس: ((العباس
مني وأنا منه))، (وقال عَِّ للعباس أيضًا،) لما دخل عليه مغضبًا، فقال: ما أغضبك؟، قال: يا
رسول اللَّه ما لنا ولقريش، إذا تلاقوا بينهم تلاقوا الوجوه ببشر، وإذا لقونا بغير ذلك، فغضب معَّه
حتى احمر وجهه، ثم قال: (والذي نفسي بيده لا يدخل قلب رجل) وصف طردي، فالمراد
. ما يشمل الأنثى (الإيمان) الكامل (حتى يحبكم) معاشر آل البيت، أو الخطاب للعباس، والجمع

٢٧٣
الفصل الثالث في ذكر أخبار دالة على محبة أصحابه عليه الصلاة والسلام
عم الرجل صنو أبيه. رواه الترمذي وقال: حسن صحيح.
وفي قوله: ((لا يدخل قلب رجل الإيمان حتى يحبكم)) الإشارة إلى الإيمان
الحقيقي المنجي، وهو التصديق القلبي، وبين المحبة والإيمان ارتباط من جهة أن
المحبة ميل القلب إلى المحبوب، والإيمان التصديق القلبي، فيجتمعان في القلب،
وجعلهما متلازمين، فيلزم من نفي أحدهما نفي الآخر، ثم علل هذه المحبة بكونها
لله ورسوله، فلا عبرة بمحبة تكون لغير ذلك، ثم جعل أذاه كأذى نفسه، لأنه
عضوه وعصبه، ثم عظم مقامه بتنزيله منزلة الأب، فكما أنه يجب على الولد تعظيم
والده والقيام بحقوقه فكذلك عمه، فقال: (فإنما عم الرجل صنو أبيه)) وهو بكسر
الصاد المهمة وسكون النون، أي: مثل أبيه، قال ابن الأثير: وأصله أن تطلع
نخلتان من عرق واحد، يريد أن أصل العباس وأصل أبي واحد، انتهى.
وجلله عليه الصلاة والسلام وبنيه بكساء ثم قال: اللهم اغفر للعباس وولده
للتعظيم (للَّه ولرسوله، ثم قال: ((يا أيها الناس من آذى عمي فقد آذاني، فإنما عم الرجل صنو
أبيه))، رواه الترمذي) والنسائي وأحمد عن عبد المطلب بن ربيعة بن الحرث بن عبد المطلب
الصحابي، ابن الصحابي .
(وقال) الترمذي: حديث (حسن صحيح،) وصححه الحاكم، ومر الحديث في الأعمام،
(وفي قوله: لا يدخل قلب رجل الإيمان حتى يحبكم، الإشارة إلى الإيمان الحقيقي
المنجي) من عذاب الخلد، (وهو التصديق القلبي،) لأنه إذا عري عنه لا يكون إيمانًا، (وبين
المحبة والإيمان ارتباط من جهة أن المحبة ميل القلب إلى المحبوب، والإيمان التصديق
القلبي، فيجتمعان في القلب، وجعلهما متلازمين، فيلزم من نفى أحدهما نفي الآخر،) فهذا
سر تعبيره بذلك دون أن يقول: لا يؤمن رجل حتى يحبكم، (ثم علل هذه المحبة بكونها اللّه
ورسوله، فلا عبرة بمحبة تكون لغير ذلك) من نحو جاه ومال، (ثم جعل أذاه کأذى نفسه،
لأنه عضوه وعصبه، ثم عظم مقامه بتنزيله منزلة الأب) في الشفقة والتعظيم، (فكما أنه يجب
على الولد تعظيم والده والقيام بحقوقه، فكذلك عمه،) وإن كان دون الأب في ذلك، (فقال:
فإنما عم الرجل صنو أبيه، وهو بكسر الصاد المهملة وسكون النون، أي مثل أبيه،) أي
شريكه في الخروج من أصل واحد، وهو الجد.
(قال ابن الأثير: وأصله أن تطلع نخلتان من عرق واحد،) ومنه قوله تعالى: ﴿صنوان﴾
[الرعد: ٤]، (يريد أن أصل العباس وأصل أبي واحد)، هو عبد المطلب. (انتهى. وجلله)
(بالجيم)، أي العباس، أي غطاه وستره النبي (عليه الصلاة والسلام، و) جلل (بنيه بكساء،)

٢٧٤
الفصل الثالث في ذكر أخبار دالة على محبة أصحابه عليه الصلاة والسلام
مغفرة ظاهرة وباطنة لا تغادر ذنبًا إلا سترته اللهم احفظه في ولده رواه الترمذي وقال:
حسن غريب. وبين ابن السري في روايته: أن بنيه الذين جللوا بالكساء كانوا ستة:
الفضل وعبد اللَّه وعبيد اللَّه وقثم ومعبد وعبد الرحمن. قال: وغطاهم بشملة له
سوداء مخططة بحمرة وقال: اللهم إن هؤلاء أهل بيتي وعترتي فاسترهم من النار
كسترهم بهذه الشملة، قال: فما بقي في البيت مدرة ولا باب إلا أمن.
وروى أنه عَّ قال لعقيل بن أبي طالب: إني أحبك حبين، حبًا لقرابتك
مني، وحبًا لما كنت أعلم من حب عمي لك، قال الطبري: أخرجه أبو عمر،
ولأحمد وغيره: أن أصحاب الكساء علي وفاطمة وابناهما، وجمع للتعدد، (ثم قال: اللهم اغفر
للعباس وولده،) ذكورهم وإناثهم، وقوله في رواية: أنت وبنوك تغليب، (مغفرة ظاهرة،) تضبط
جوارحهم عن المعاصي، وتجللها بما يجملهم من النور المشاهد، (وباطنة) بأن تصون أسرارهم
من نحو كبر وغل وحسد، هكذا فسرهما شيخنا في الأعمام جزمًا، وهو أحسن من قوله هنا:
د ل المراد بالظاهرة الذنوب التي ظهرت عليه، بأن عرف صدورها منه وبالباطنة مغفرة ذنوب
صدرت منه ولم يطلع عليها أحد؛ (لا تغادر) (بمعجمة، ثم مهملة) أي لا تترك (ذنبًا إلا سترته)
بعدم وقوعه، أو العقاب عليه، (اللهم احفظه في ولده، رواه الترمذي وقال: حسن غريب)، عن
ابن عباس قال: قال عَّ إذا كان غداة الاثنين فائتني أنت وولدك حتى أدعو لكم بدعوة
ينفعك اللَّه بها وولدك، فغدا وغدونا معه، فألبسنا كساء، ثم قال: اللهم اغفر، فذكره، (وبين
ابن السري) (بفتح السين وكسر الراء) (في روايته أن بنيه،) أي العباس، (الذين جللوا بالكساء
كانوا ستة: الفضل وعبد الله وعبيد الله) (بضم العين) (وقثم ومعبد وعبد الرحمن،) وهم
لأم الفضل، وفيهم يقول القائل:
ما أنجبت نجيبة من بعل كستة من بطن أم الفضل
(قال: وغطاهم بشملة له سوداء مخططة بحمرة، وقال: اللهم إن هؤلاء أهل بيتي
وعترتي،) أي من، فليس المراد التخصيص، فلا ينافي قوله ذلك لغيرهم، (فاسترهم من النار،)
امنعهم من دخولها وارتكاب ما يوجب عذابها، فهو مجاز عن ذلك، إذ الستر ما يمنع المستور
ويحجبه، وشبه بعد التجوز قوله: (كسترهم،) أي كستري إياهم، كما ورد بهذا اللفظ (بهذه
الشملة) التي هي الكساء، سمي شملة، لأنه يشتمل به، فليس المراد الشملة العرفية الآن التي
تلف على الرأس، (فما بقي في البيت مدرة ولا باب إلا أمن،) أي قال: آمين معجزة.
(وروي أنه عَّ قال لعقيل بن أبي طالب: إني أحبك حبين، حبًّا لقرابتك مني،) لأنك
ابن عمي، (وحبًا لما كنت أعلم من حب عمي لك،) زيادة على باقي أولاده.

٢٧٥
الفصل الثالث في ذكر أخبار دالة على محبة أصحابه عليه الصلاة والسلام
والبغوي.
وروى الدارقطني أنه عَّه قال يوم حنين: أبو سفين بن الحرث خير أهلي، أو
من خير أهلي.
وأخرج الحاكم وصححه عن أبي سعيد: أن رسول اللَّه عَ لِّ قال: لا يبغضنا
أهل البيت أحد إلا أدخله اللَّه النار. واعلم أنه قد اشتهر أربعة ألفاظ يوصفون بها:
الأولى: آله عليه الصلاة والسلام. والثانية: أهل بيته. والثالثة: ذو القربى. والرابعة:
عترته.
فأما الأولى: فذهب قوم إلى أنهم هم أهل بيته، وقال آخرون هم الذين
حرمت عليهم الصدقة وعوضوا عنها خمس الخمس، وقال قوم من دان بدينه وتبعه
فیه.
(قال الطبري:) محب الدين: (أخرجه أبو عمر) بن عبد البر، (والبغوي) أبو القسم في
معجمه، والغرض منه تأنيسه لئلا يتوهم أنه لتأخر إسلامه، لكونه في فتح مكة، أو قبله بيسير، أنه
لا منزلة عنده له، وليس فيه أنه أحب إليه من علي وجعفر.
(وروى الدارقطني أنه عَّ قال يوم حنين): المذكورة في التنزيل (أبو سفين بن الحرث)
ابن عبد المطلب: (خير أهلي، أو من خير أهلي،) بالشك من الراوي، والمعنى على اللفظ
الثاني، قال ذلك لأنه ثبت يوم حنين.
(وأخرج الحاكم وصححه عن أبي سعيد) الخدري: (أن رسول اللَّهُ عٍَّ قال:
لا يبغضنا) (بضم أوله وكسر ثالثه المعجم) (أهل البيت أحد إلا أدخله اللَّه النار،) جزاء القبيح
ما اقترف.
(واعلم أنه قد اشتهر أربعة ألفاظ يوصفون بها،) أي يوصف بها أهله، اللفظة (الأولى:
آله عليه الصلاة والسلام، والثانية أهل بيته، والثالثة ذو القربى، والرابعة عترته،) (بكسر العين
وسكون الفوقية)؛ (فأما الأولى فذهب قوم إلى أنهم هم أهل بيته،) الذين يقوم بأمرهم من نفقة
و کسوة، وإن لم يكونوا من بني هاشم، کزوجاته.
(وقال آخرون: هم الذين حرمت عليهم الصدقة،) أي الزكاة، وهم بنو هاشم على قول
لملك أو وبنو المطلب على قول الشافعي؛ (وعوضوا عنها خمس الخمس،) وعلى هذا فلا
يدخل من هو من غير نبيهما، وإن كان من أقاربه، ولا زوجاته عَّة، (وقال قوم: من دان) آمن
وتعبد (بدينه، وتبعه فيه) عطف تفسير. (وأما اللفظة الثانية، وهي أهل بيته، فقيل: من ناسبه

٢٧٦
الفصل الثالث في ذكر أخبار دالة على محبة أصحابه عليه الصلاة والسلام
وأما اللفظة الثانية، وهي أهل بيته، فقيل: من ناسبه إلى جده الأدنى، وقيل
من اجتمع معه في رحم، وقيل من اتصل به بنسب أو بسبب.
وأما اللفظة الثالثة: وهي ذو القربى، فروى الواحدي في تفسيره بسنده عن
ابن عباس قال: لما نزل قوله تعالى: ﴿قل لا أسألكم عليه أجرًا إلا المودة في
القربى﴾ [الشورى/٢٣] قالوا: يا رسول اللَّه، من هؤلاء الذين أمرنا اللَّه بمودتهم؟
قال: ((علي وفاطمة وابناهما)).
إلى جده الأدنى) الأقرب عبد المطلب، فمن ناسبه فيمن فوقه، كإخوته المشاركين للمصطفى
في الانتساب إلى هاشم، وكالمطلب ونوفل وعبد شمس، المشاركين في عبد مناف ليسوا من
أهل بيته على هذا.
(وقيل: من اجتمع معه في رحم،) أي قرابة من جهة أبيه أو أمه، (وقيل: من اتصل به
بنسب،) أي بسببه، (أو بسبب) كأصحابه؛ (وأما اللفظة الثالثة وهي ذو القربى، فروى
الواحدي في تفسيره بسنده،) ومن قبله ابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه، كلهم بإسناد فيه
مقال، (عن ابن عباس، قال: لما نزل قوله تعالى: ﴿قل لا أسألكم عليه أجرًا إلا المودة في
القربى﴾ [الشورى: ٢٣] قالوا: يا رسول اللَّه من هؤلاء الذين أمرنا اللَّه بمودتهم؟، قال: علي
وفاطمة وابناهما) الحسن والحسين، اللذان سيولدان بعد، لأن الآية مكية؛ وفي تفسير ابن عطية
اختلف في معناها، فقال ابن عباس وغيره: نزلت بمكة، ومعناها استكفاف شر الكفار ودفع أذاهم،
أي ما أسألكم على القرءان والدين والدعاء إلى اللَّه إلا أن تودوني لقرابة بيني وبينكم فتكفوا عني
أذا كم.
قال ابن عباس وابن إسحق وقتادة: لم يكن في قريش بطن إلا ولرسول اللَّه عَ لّم فيه سبب
أو صهر، فالآية على هذا استعطاف ودفع أذى، وطلب سلامة منهم، وذلك كله منسوخ بآية
السيف، ويحتمل على هذا التأويل؛ أن معنى الآية استدعاء نصرهم؛ أي لا أسألكم غرامة ولا شيئًا
إلا أن تودوني لقرابتي منكم وأن تكونوا أولى بي من غيركم.
وقال مجاهد: المعنى إلا أن تصلوا رحمي باتباعي، وقال ابن عباس أيضًا: ما يقتضي أنها
مدنية، وسببها أن قومًا من شباب الأنصار فاخروا المهاجرين، ومالوا بالقول على قريش، فنزلت
الآية في ذلك على معنى: فتراعوني، لا تودوني في قرابتي وتحفظوني فيهم، وقال: هذا المعنى
في الآية على ابن الحسين، واستشهد بالآية حين سبق إلى الشام أسيرًا، وهو تأويل ابن جبير
وعمرو بن شعيب، وعلى هذا التأويل قال ابن عباس: قيل: من قرابتك الذين أمرنا بمودتهم، قال:
علي وفاطمة وابناهما، وقيل: هم ولد عبد المطلب.

٢٧٧
الفصل الثالث في ذكر أخبار دالة على محبة أصحابه عليه الصلاة والسلام
وأما اللفظة الرابعة: وهي عترته، فقيل: العشيرة، وقيل الذرية. فأما العشيرة
فهي الأهل الأدنون، وأما الذرية: فنسل الرجل، فأولاد بنت الرجل ذريته، ويدل عليه
قوله تعالى: ﴿ومن ذريته داود﴾ إلى قوله: ﴿وعيسى﴾ [الأنعام/٨٤ - ٨٥]، ولم
يتصل عيسى بإبراهيم إلا من جهة أمه مريم.
فهذه الذرية الطاهرة، قد خصوا بمزايا التشريف، وعموا بواسطة السيدة فاطمة
بفضلة ضيف، وألبسوا رداء الشرف، ومنحوا بمزيد الإكرام والتحف.
وقد وقع الاصطلاح على اختصاصهم من بين ذوي الشرف كالعباسيين
والجعافرة بالشطفة الخضراء، لمزيد شرفهم.
قال ابن عطية: وقريش كلها عندي قربى وإن كانت تتفاضل، وقد روي مرفوعًا: ((من مات
على حب آل محمد مات شهيدًا، ومن مات على بغضهم لم يشم رائحة الجنة)).
وقال ابن عباس أيضًا: جمعت الأنصار للنبي مَّةِ مالاً وساقته إليه، فرده إليهم ونزلت
الآية، وقال أيضًا: معنى الآية مودة الطاعة والتزلف إلى اللَّه، كأنه قال: إلا أن تودوني، لأني
أقربكم من اللَّه، وأريد هدايتكم، وأدعوكم إليها.
وقال الحسن البصري: معناها إلا أن تتوددوا إلى اللَّه بالتقرب إليه، وقيل: معناها إلا أن
تتوددوا بعضكم لبعض، وتصلوا قراباتكم، فالآية على هذا أمر بصلة الأرحام.
وذكر النقاش عن ابن عباس ومقاتل الكلبي والسدي، أنها منسوخة بقوله تعالى: ﴿قل
ما سألتكم من أجر فهو لكم﴾ [سبأ: ٤٧] والصواب أنها محكمة، وعلى كل قول، فالاستثناء
منقطع، وإلا بمعنی لکن، انتھی.
(وأما اللفظة الرابعة، وهي عترته، فقيل: العشيرة وقيل الذرية، فأما العشيرة فهي الأهل
الأدنون،) أي الأقربون، (وأما الذرية فنسل الرجل) ذكورًا وإناثًا، (فأولاد بنت الرجل ذريته،
ويدل عليه قوله تعالى: ﴿ومن ذريته داود﴾ [الأنعام: ٨٤]الآية إلى قوله: وعيسى، و) وجه
الدلالة أنه (لم يتصل عيسى بإبراهيم إلا من جهة أمه مريم،) إذ لا أب له بناءً على أن ضمير
ذريته لإبراهيم، كما قال جماعة، وقال آخرون: إنه لنوح، والدلالة قائمة أيضًا، إذ لم يتصل به إلا
بواسطة أمه مريم على أنه: من كان من ذرية إبراهيم هو من ذرية نوح، لأنه جده الأعلى، (فهذه
الذرية) النبوية (الطاهرة قد خصوا بمزايا التشريف وعموا،) أي شملوا (بواسطة السيدة فاطمة
بفضل ضيف) زائد على من سواهم (وألبسوا رداء الشرف، ومنحواء) أي خصوا (بمزيد الإكرام
والتحف:) جمع تحفة (، وقد وقع الاصطلاح على اختصاصهم من بين ذوي الشرف،
كالعباسيين) ذرية العباس، (والجعافرة) ذرية جعفر بن أبي طالب (بالشطفة الخضراء لمزيد

٢٧٨
الفصل الثالث في ذكر أخبار دالة على محبة أصحابه عليه الصلاة والسلام
والسبب في ذلك - كما قيل- أن المأمون أراد أن يجعل الخلافة في بني
فاطمة فاتخذ لهم شعارًا أخضر وألبسهم ثيابًا خضرًا- لكون السواد شعار العباسيين،
والبياض شعار سائر المسلمين في جمعهم ونحوها، والأحمر مختلف في كراهته،
والأصفر شعار اليهود بآخرة. ثم انثنى عزمه عن ذلك، ورد الخلافة لبني العباس،
فبقي ذلك شعار الأشراف العلويين من الزهراء، لكنهم اختصروا الثيب إلى قطعة
من ثوب أخضر توضع على عمائمهم شعارًا لهم ثم انقطع ذلك إلى أواخر القرن
الثامن.
قال في حوادث سنة ثلاث وسبعين وسبعمائة من ((أنباء الغمر بأبناء العمر)):
وفيها أمر السلطان الأشراف أن يمتازوا عن الناس بعصائب جمع عصابة خضر على
العمائم، ففعل ذلك بمصر والشام وغيرهما، وفي ذلك يقول الأديب أبو عبد الله بن
شرفهم والسبب في ذلك، كما قيل: أن المأمون) عبد اللَّه الخليفة العباسي بن لهرون الرشيد
(أراد أن يجعل الخلافة في بني فاطمة) حبًّا في علي الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر
الصادق بن محمد الباقر بن علي بن الحسين، فعهد المأمون إليه بالخلافة من بعده بعدما أراد أن
يخلع نفسه ويفوضها إليه في حياته، فمنعه بنو العباس، فمات قبله، فأسف عليه، (فاتخذ لهم
شعارًا أخضر وألبسهم ثيابًا خضرًا،) عطف تفسير، (لكون السواد شعار العباسيين، والبياض
شعار سائر المسلمين في جمعهم ونحوها، والأحمر مختلف في كراهته،) وجوازه وحرمته
على ما سبق في اللباس، (والأصفر شعار اليهود بأخرة) (بفتحتين، أي: بأخرة الأمر)، (ثم انثنى
عزمه عن ذلك) بموت علي الرضا قبله سنة ثلاث ومائتين، ولم يكمل خمسين سنة (ورد
الخلافة لبني العباس) برجوعه عن العزم الأول، لأنها لم تخرج عنهم، (فبقي ذلك شعار
الأشراف العلويين) أولاد علي (من الزهراء) فاطمة، (لكنهم اختصروا الثياب إلى قطعة من
ثوب أخضر توضع على عمائمهم،) هي المسماة بالشطفة (شعارًا لهم، ثم انقطع ذلك إلى
أواخر القرن الثامن،) ولم يبين مبدأ انقطاعه، ومات المأمون في رجب سنة ثمانية عشر ومائتين
(قال في حوادث سنة ثلاث وسبعين وسبعمائة من إنباء) ،بكسر الهمزة وإسكان النون وموحدة،
أي أخبار (الغمر) (بضم الغين المعجمة وإسكان الميم وبالراء)، أي الذين لم يجربوا الأمور،
هذا أصله استعمل في من لم يشتغل بعلم التواريخ، وما قد كان (بأبناء) (بفتح الهمزة
وسكون الياء وبنون جمع ابن) (العمر) (بضم المهملة وسكون الميم اسم كتاب للحافظ
ابن حجر)، (وفيها أمر السلطان) شعبان (الأشراف) جمع شريف، (أن يمتازوا عن الناس
بعصائب: جمع عصابة خضر على العمائم ففعل ذلك بمصر والشام وغيرهما، وفي ذلك

٢٧٩
الفصل الثالث في ذكر أخبار دالة على محبة أصحابه عليه الصلاة والسلام
جابر الأندلسي.
جعلوا لأبناء الرسول علامة إن العلامة شأن من لم يشهر
نور النبوة في كريم وجوههم يغني الشريف عن الطراز الأخضر
وللأديب شمس الدين الدمشقي رحمه الله:
أطراف تيجان أتت من سندس خضر بأعلام على الأشراف
والأشرف السلطان خصهمو بها شرفًا ليفرقهم من الأطراف
والأشرف هو شعبان بن حسن بن الناصر محمد بن الناصر.
وأما أصحابه رضوان اللَّه عليهم، فقال الله سبحانه وتعالى: ﴿محمد رسول
اللَّه والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم﴾ [الفتح/٢٩]، إلى آخر
السورة.
لما أخبر اللَّه سبحانه وتعالى أن سيدنا محمدًاً عَّ له رسوله حقًا من غير شك
يقول الأديب أبو عبد اللَّه) محمد (بن جابر الأندلسي،) نزيل حلب الأعمى، شارح الألفية،
الشهير بالأعمى والبصير:
(جعلوا لأبناء الرسول علامة إن العلامة شأن من لم يشهر
نور النبوة في كريم وجوههم يغني الشريف عن الطراز الأخضر)
يعني جعلوا تلك العلامة ليعرف أن لابسها من أبناء فاطمة، فيميزون عن غيرهم من الآل،
وما علموا أنهم لا حاجة لهم فيها، لأن نور النبوة يميزهم عما عداهم. (وللأديب شمس الدين)
محمد بن إبراهيم (الدمشقي رحمه اللَّه،) وهو من أحسن ما قيل في ذلك:
(أطراف تيجان أتت من سندس خضر بأعلام على الأشراف
والأشرف السلطان خصهمو بها شرفًا ليفرقهم من الأطراف)
وقال في ذلك جماعة من الشعراء ما يطول ذكره، (والأشرف هو شعبان بن حسن بن
الناصر) أي محمد بن قلاون ولي وعمره عشر سنين في شعبان سنة أربع وستين وسبعمائة، فبقي
إلى أن خنق في سنة ثمان وسبعين وسبعمائة، فهذا ما أراده مما يتعلق بآلة عَّله، (وأما أصحابه رضوان اللّه
عليهم، فقال اللَّه سبحانه وتعالى) في الثناء على نبينا وعليهم: (﴿محمد رسول الله
والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم﴾ [الفتح: ٢٩] إلى آخر السورة. لما أخبر اللَّه
سبحانه وتعالى أن سيدنا محمدًا عَّهُ رسوله حقًا من غير شك ولا ريب، قال:) جواب لما،

٢٨٠
الفصل الثالث في ذكر أخبار دالة على محبة أصحابه عليه الصلاة والسلام
ولا ريب، قال: محمد رسول اللَّه، وهذا مبتدأ وخبر. وقال البيضاوي وغيره: جملة
مبينة للمشهود به، يعنى قوله تعالى: ﴿هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين
الحق﴾ إلى قوله: ﴿وكفى بالله شهيدًا﴾ [الفتح/٢٨]، قال: ويجوز أن قوله
((رسول اللَّه)) صفة، و ((محمد)) خبر محذوف انتهى.
وهذه الآية مشتملة على كل وصف جميل.
وفي نسخة بحذف، قال علي: إن لما ظرف لقال في قوله، فقال اللَّه سبحانه: أي قال حين أُخبر،
فلا جواب لها، ومقول القول (محمد رسول اللَّه، وهذا مبتدأ وخبر) عند الجمهور، استوفى فيه
تعظيم منزلته عدّ له، ورجحه ابن عطية.
(وقال البيضاوي وغيره: جملة) خبرية (مبينة للمشهود به،) أي للرسول الذي شهد الله
بأن أرسله، (يعني قوله تعالى: ﴿هو الذي أرسل رسوله﴾)، ملتبسًا (بالهدى ودين الحق،
ليظهره على الدين كله، (إلى قوله: ﴿وكفى باللّه شهيدًا﴾﴾ [النساء: ٧٩]، أي شاهدًا عندكم
بهذا الخبر، ومعلمًا به، أو شاهدًا على هؤلاء الكفار المنكرين أمره عَّم، الرادين في صدره،
ومعاقبًا لهم بحكم الشهادة، فالآية على هذا وعيد للكفار الذين شاحوا في أن يكتب محمد
رسول اللَّه، فرد اللَّه عليهم بها، وقوله: والذي معه ابتداء خبره أشداء، ورحماء خبر ثان، فعلى
هذا اختص النبي عَّ ◌ُلّه بوصفه وهؤلاء بوصفهم، قاله ابن عطية. (قال) البيضاوي: (ويجوز
أن قوله رسول اللَّه صفة) لمحمد، (و) قوله: (محمد خبر محذوف،) أي هو أو مبتدأ، والذين
معه معطوف عليه، وخبرهما أشداء على الكفار. (انتهى) قول البيضاوي بما زدته، وحكاه
ابن عطية عن قوم من المتأولين، وزاد: ورحماء خبر بعد خبر، وعلى هذا اشترك الجميع في
الشدة والرحمة، والأول عندي أرجح، لأنه خبر مضاد لقول الكفار، لا يكتب محمد رسول اللَّه.
انتھی.
(وهذه الآية) هو الذي أرسل رسوله بالهدى (مشتملة على كل وصف جميل) له من
حيث الأمر والنهي، وغيرهما مما يؤيد رسالته كالإخبار بالغيب والشفاعة العظمى، والإخبار
بالجنة والنار وما فيها للطائع والعاصي، ولواء الحمد وغير ذلك، فلا يرد أن الآية لا تشمل جميع
الصفات، إذ لا تعرض فيها للشفاعة ونحوها، وفي نسخة بحذف كل، وفي ابن عطية: الآية
تعظيم لأمره عَّه وإعلام بأنه يظهره على جميع الأديان، ورأى بعضهم أن لفظ يظهره يقتضي
محو غيره به، فقال: هذا الخبر يظهر الموجود عند نزول عيسى، فإنه لا يبقى في وقته دين غير
الإسلام، وهو قول الطبري والثعلبي، ورأى قوم أن الإظهار هو الإعلام، وهو موجود الآن، فإن دين