Indexed OCR Text
Pages 201-220
٢٠١ الفصل الثاني في حكم الصلاة عليه والتسليم فريضة وسنية ضعيف، لكن ورد ما يشهد لذلك في الصحيحين كحديث: إن آل أبي فلان ليسوا لي بأولياء، إنما وليي اللَّه وصالح المؤمنين. انتهى ملخصًا. وقد استدل العلماء بتعليمه عَّ لأصحابه هذه الكيفية بعد سؤالهم عنها، بأنها أفضل كيفيات الصلاة عليه، لأنه لا يختار لنفسه إلا الأشرف الأفضل. ويترتب على ذلك: أنه لو حلف أن يصلي على النبي عَّةٍ أفضل الصلاة، الآية، فإن التقوى أصل كل عبادة ووصية اللّه لأهل الكتب بأسرها. قال الحافظ: وهذا أولى الأقوال في باب الصلاة عليه وعلى آله، بخلاف باب الصدقة، (وإسنادهما،) أي: تمام والديلمي (ضعيف،) لأن فيه نوح بن أبي مريم، ضعيف جدًا. وقال البيهقي: حديث لا يحل الاحتجاج به، (لكن ورد ما يشهد لذلك،) يقويه، بحيث يصلح للحجة، وعبارة السخاوي أسانيده كلها ضعيفة، لكن شواهده كثيرة (في الصحيحين، كحديث) عمرو بن العاصي: سمعت النبي ◌َّ﴾. يقول: (إن آل أبي فلان،) كناية عن اسم علم، جزم الدمياطي بأن المراد آل أبي العاصي بن أمية، وفي سراج المريدين لابن العربي آل أبي طالب، وأيده الحافظ بحديث أبي نعيم، أن لبني أبي طالب رحما الحديث، (ليسوا لي بأولياء،) وفي رواية: ليسوا بأوليائي. قال ابن التين: المراد من لم يسلم منهم، فهو من إطلاق الكل وإرادة البعض، وحمله الخطابي على ولاية القرب والاختصاص لا ولاية الدين، (إنما وليي اللّه) (بشد الياء مضاف لياء المتكلم المفتوحة) (وصالح المؤمنين:) من صلح منهم، أي: أسلم وعمل صالحًا. وقيل: من برىء من النفاق، وقيل: الصحابة، وهو واحد أريد به الجمع، كقولك: لا تقتل هذا الصالح من الناس، تريد الجنس، وقيل: أصله صالحو، فحذفت الواو من الخط موافقة للفظ، وقال الطيبي: المعنى لا أوالي أحد بالقرابة، وإنما أحب اللّه لحقه الواجب على العباد، وأحب صالح المؤمنين لوجه اللّه، وأوالي من أوالي بالإِيمان والصلاح، سواء كان من ذوي رحمي أم لا، ولكن أراعي لذوي رحمي حقهم بصلة الرحم، يعني لقوله في بقية الحديث: ولكن لهم رحم أبلها ببلالها، بفتح الهمزة وضم الموحدة واللام المشددة، قال البخاري: يعني أصلها بصلتها. (انتهى ملخصًا) هذا المبحث. (وقد استدل العلماء بتعليمه عَ لّ لأصحابه هذه الكيفية بعد سؤالهم عنها، بأنها أفضل كيفيات الصلاة عليه، لأنه لا يختار لنفسه إلا الأشرف الأفضل، ويترتب على ذلك) كثرة الثواب، و(أنه لو حلف أن يصلي على النبي عَّ أفضل الصلاة، فطريق البر أن يأتي بذلك، ٢٠٢ الفصل الثاني في حكم الصلاة عليه والتسليم فريضة وسنية فطريق البر أن يأتي بذلك، هكذا صوبه النووي في ((الروضة))، بعد ذكر حكاية الرافعي عن إبراهيم المروزي أنه قال: يبرأ إذا قال: كلما ذكره الذاكرون، وكلما سها عن ذكره الغافلون. قال النووي: وكأنه أخذ ذلك من كون الشافعي ذكر هذه الكيفية - يعني في خطبة ((الرسالة)) له - ولكن بلفظ ((غفل)) بدل ((سها)). وقال الأذرعي: ((إبراهيم)) المذكور كثير النقل من تعليقه القاضي حسين، ومع ذلك فالقاضي قال في طريق البر أن يقول: اللهم صل على محمد كما هو أهله ويستحقه، وكذا نقله البغوي في تعليقه. ولو جمع بينها فقال ما في الحديث، وأضاف إليه أثر الشافعي، وما قاله هكذا صوبه النووي في الروضة،) ووجهه السبكي؛ بأن من أتى بها فقد صلى على النبي عَّه. الصلاة المطلوبة بيقين، وكان له الجزاء الوارد في أحاديث الصلاة بيقين، وكل من جاء بلفظ غيرها، فهو من إتيانه بالصلاة المطلوبة في شك، لأنهم قالوا: كيف نصلي عليك؟، قال قولوا: فجعل الصلاة عليه منهم هو قول هذا. انتهى. (بعد ذكر حكاية الرافعي عن إبراهيم المروزي، أنه قال: يبرأ إذا قال: كلما ذكره الذاكرون، وكلما سها عن ذكره الغافلون، قال النووي: وكأنه،) أي: المروزي (أخذ ذلك من كون الشافعي ذكر هذه الكيفية، يعني في خطبة الرسالة له، ولكن بلفظ غفل بدل سها،) وإن اتحد معناهما، وأوثر على سكت، لأن الساكت قد يكون ذاكرًا بقلبه، والساهي والغافل لم يذكر قلبه ولا لسانه، وظاهر سياق الرسالة أن ضمير ذكره وغفل عنه راجع إلى الله. قال الأذرعي: وهو الوجه. قال غيره: لأن اللّه تعالى هو الذي يوصف بكثرة الذكر عادة، وبغفلة الذاكر عنه، وإن كان الكل صحيحًا، والمعنى لا يختلف، ولو استحضر المصلي الأمرين جميعًا لكان حسنًا، قاله في الدر المنضود. (وقال الأذرعي:) (بفتح أوله والراء بينهما معجمة ساكنة نسبة إلى أذرعات، بكسر الراء ناحية بالشام) (إبراهيم المذكور، كثير النقل من تعليقة القاضي حسين، ومع ذلك فالقاضي قال في طريق البر: أن يقول اللهم صلٍ على محمد، كما هو أهله ويستحقه). (وكذا نقله البغوي في تعليقه) عن القاضي: (ولو جمع بينها،) أي: الثلاثة، (فقال: ما في الحديث) النبوي، (وأضاف) ضم (إليه أثر الشافعي،) أي: المأثور عنه أنه قاله في خطبة الرسالة لا الأثر بالمعنى المصطلح عليه، لأن الشافعي لم ينقله أثرًا، إنما قاله في الخطبة من نفسه. قال النووي: ولعل الشافعي أول من استعمل تلك الكيفية، (وما قاله القاضي حسين، لكان ٢٠٣ الفصل الثاني في حكم الصلاة عليه والتسليم فريضة وسنية القاضي حسين لكان أشمل. ولو قيل: إنه يعمد إلى جميع ما اشتملت عليه الروايات الثابتة فيستعمل منها ذكرًا يحصل به البر لكان حسنًا. وعن ابن مسعود، أن رسول اللَّه عَ لَّم قال: إذا تشهد أحدكم في الصلاة فليقل: اللَّهم صل على محمد وعلى آل محمد، وارحم محمدًا وآل محمد محمد، كما صليت وباركت وترحمت على إبراهيم إنك حميد مجيد، رواه الحاكم. صَ دٍ، كما وقد يستدل بهذا الحديث من ذهب إلى جواز الترحم على النبي عدّي هو قول الجمهور، ويعضده قول الأعرابي: اللهم ارحمني ومحمدًا ولا ترحم معنا أحدًا، فقال له رسول اللَّه عَ ظَلّ: لقد تحجرت واسعًا. أشمل، ولو قيل: أنه يعمد) بكسر الميم، يقصد (إلى جميع ما اشتملت عليه الروايات الثابتة) عنه عَله، (فيستعمل منها ذكرًا يحصل به البر، لكان حسنًا،) فلا يقتصر على واحدة بعينها. (وعن ابن مسعود أن رسول اللّه عٍَّ قال: إذا تشهد أحدكم في الصلاة،) سمي تشهدًا لاشتماله على النطق بشهادة الحق تغليبًا لها على بقية أذكاره لشرفها، (فليقل: اللهم صلٍ على محمد، وعلى آل محمد، وارحم محمدًا وآل محمد كما صليت وباركت وترحمت على إبرهيم، إنك حميد مجيد، رواه الحاكم) في المستدرك، واغتر قوم بتصحيحه، فوهموا، لأنه من رواية يحيى بن السباق، وهو مجهول عن رجل مبهم، قاله المصنف في المقصد التاسع. (وقد يستدل بهذا الحديث من ذهب إلى جواز الترحم على النبي عَّه، كما هو قول الجمهور) من العلماء، وإنما أتى بقد وإن كان نصّا في الجواز لضعف الحديث، ولذا احتاج إلى قوله: (ويعضده:) يقويه (قول الأعرابي،) المختلف في أنه الأقرع بن حابس التميمي، أو ذو الخويصرة اليماني، أو عيينة بن حصن، أو ذو الخويصرة التميمي، وهو غير اليماني حسين، قال: لما دخل المسجد بعد أن صلى ركعتين، كما في رواية الترمذي وغيره: (اللهم ارحمني ومحمدًا،) يعني النبي عَّهِ، (ولا ترحم معنا أحدًا،) فلم ينكر عليه الدعاء بالرحمة، وإنما أنكر التخصيص، (فقال له رسول اللّه عَّله: لقد تحجرت واسعًا،) أي: ضيقت من رحمة اللّه ما وسعته، إذ خصصتني وخصصت نفسك بها دون غیرنا، مع أنها وسعت کل شیء، فهو تحجر، تفعل من الحجر وهو المنع، هكذا فسره الجمهور، زاد في رواية الترمذي وغيره: فلم يلبث أن بال في المسجد. وللدارقطني عن ابن مسعود، جاء إعرابي، شيخ كبير، فقال: يا محمد متى الساعة؟، قال: ما أعددت لها، قال: لا والذي بعثك بالحق ما أعددت لها من كثير صلاة ولا صيام، إلا أني ٢٠٤ الفصل الثاني في حكم الصلاة عليه والتسليم فريضة وسنية وحكى القاضي عياض عن جمهور المالكية منعه قال: وأجازه أبو محمد بن أبي زید. انتهى. وسيأتي ما في ذلك من البحث إن شاء اللَّه تعالى في المقصد التاسع عند الكلام على التشهد. وعن سلامة الكندي أن عليًا كان يعلم الناس هذا الدعاء - وفي لفظ: يعلم الناس الصلاة على رسول اللَّه عَّهِ - فيقول: اللهم داحي المدحوات، وبارىء المسموكات، اجعل شرائف صلواتك، ونوامي بركاتك، ورأفة تحننك، على محمد أحب اللّه ورسوله، قال: فإنك مع من أحببت، قال: فذهب، فأخذه البول في المسجد، فمر عليه الناس، فأقاموه، فقال مَّهِ: دعوه عسى أن يكون من أهل الجنة، وصبوا على بوله الماء، ولذا تطرف من قال: هو السائل والقائل والبائل، لكن هنيئًا له الجنة. (وحكى القاضي عياض عن جمهور المالكية منعه، قال: وأجازه أبو محمد بن أبي زيد،) قال عياض: ولم يأتِ به حديث صحيح، وحجته قوله: السلام عليك أيها النبي ورحمة اللّه وبر كاته. (انتهى). وقد شددوا النكير على أبي محمد، (وسيأتي ما في ذلك من البحث إن شاء الله تعالى في المقصد التاسع عند الكلام على التشهد) بما منه الانتصار لابن أبي زيد، بما حاصله أن الإنكار عليه إن كان لأجل أنه لم يصح في أحاديث الصلاة بعد التشهد فمسلم، وإلا فدعوى أنه لا يقال: وارحم محمدًا ممنوعة لثبوت ذلك في عدة أحاديث، أصحها في التشهد: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته. (وعن سلامة) بن قيصر (الكندي) بكسر الكاف وإسكان النون نسبة إلى كندة قبيلة باليمن، الحضرمي، التابعي، ذكره ابن حبان في الثقات، وقال: يروى عن علي وعنه نوح بن قيس (أن عليًا) أمير المؤمنين (كان يعلم الناس هذا الدعاء، وفي لفظ يعلم الناس الصلاة عدى رسول اللّه صَّةٍ، فيقول: اللهم داحي المدحوات،) أي: باسط الأرضين، اسم فاعل من دحا، كقوله تعالى: ﴿والأرض بعد ذلك دحاها﴾ [النازعات/٣٠]، أي: بسطها ووسعها، لأنها خلقت أولاً ربوة، ثم بسطت ومهدت، وروي المدحيات بالياء، يقال: يدحو ويدحي (بالواو والياء)، وفيه إطلاق داحي على اللّه، فهو حجة لمن قال: الأسماء ليست توقيفية، ويكفي ورود مادتها، كدحا، (وبارىء) (بالهمز اسم فاعل من برأ بمعنى خلق على غير مثال، أي: ميز وأفرز) (المسموكات،) أي: المرفوعات، يعني السموات. وروى سامك بدل بارىء، ومعناه، رافع، وأسقط من الرواية هنا، وجبار القلوب على ٢٠٥ الفصل الثاني في حكم الصلاة عليه والتسليم فريضة وسنية عبدك ورسولك، الفاتح لما أغلق، والخاتم لما سبق، والمعلن الحق بالحق، والدامغ لجيشات الأباطيل، كما حمّل فاضطلع بأمرك بطاعتك، مستوفزًا في مرضاتك، واعيًا لوحيك، حافظًا لعهدك، ماضيًا على نفاذ أمرك، حتى أورى قبسًا فطرتها شقيها وسعيدها، (اجعل شرائف صلواتك) أفضلها وأعلاها، جمع شريفة، أي: عالية، رفيعة المقدار من الشرف، وأصله ما علا من الأرض على غيره، (ونوامي بركاتك،) أي: ما زاد إلى غير نهاية من خيراتك من إضافة الصفة لموصوفها، أي: بركاتك النامية، أي: الزائدة، (ورأفة،) أشد رحمة (تحننك،) شفقتك ورحمتك ولطفك، نازلة متوالية (على محمد عبدك،) قدمه لشرف العبودية على غيرها، بدلالتها على القرب، (ورسولك) لجميع العالمين، (الفاتح لما أغلق) (بضم الهمزة وكسر اللام) من الشرائع، فبينه لأن اللّه أنزل عليه وحيه، فبينه وشرحه، وفتح المغلق منه، وبسط ما انبهم، فأوضحه وفتح مشكله؛ أو فاتح أبواب السعادات الدنيوية والأخروية، واستبعد تفسيره بأنه أول الناس خلقًا وآخرهم بعثًا، (والخاتم لما سبق) من النبوة والرسالة، فلا نبي بعده ولا رسول، أو من الشرع والإِسلام، ولا حاجة لتفسيره بالأنبياء والرسل، المحوج لجعل ما بمعنى من، (والمعلن) اسم فاعل، أي: المظهر (الحق،) بالنصب مفعوله، والجر بإضافته، وليس النصب بنزع الخافض لتعدي معلن بنفسه (بالحق،) أي: الدين والشرع، فأقيم الظاهر مقام الضمير، أو الحق الثاني اللّه عزّ وجلّ، فهو من أسمائه، أي: بمعونة اللّه وتأييده، (والدامغ:) الدافع والمزيل، مستعار من دمغه إذا كسر دماغه، قاله الراغب. (لجيشات:) جمع جيشة المرة من جاش إذا فار وارتفع، أي: ارتفاعات (الأباطيل،) وعلوها جمع باطل على غير قياس، وقياسه بطيل وأبطول، وقيل: جمع أبطولة أو إبطالة، ولم يسمع، وفيه استعارة وتمثيل لما ظهر من الكفر والفساد بأمر علا، وألقي عليه صخرة رضته، وألصق بتراب الذلة وتفسير الجيشات بالأجناد لا ينبغي، (كما حمل) (بضم الحاء وكسر الميم المشددة والكاف) للتشبيه أو للتعليل، أو بمعنى على، والأول أظهر، فهو متعلق بما قبله أو خبر مبتدأ مقدر، أي: هذه الحالة المذكورة ثابتة له، كما ثبت تحمله أعباء الرسالة، (فاضطلع) (بضاد معجمة وطاء مهملة)، أي: قوي على حمله (بأمرك)، أي: بسبب امتثاله لا لغرض آخر، أو أريد بالأمر تيسيره وإعانته (بطاعتك)، بدل مما قبله، أو متعلق به، وفي نسخة: إطاعتك باللام، أي: فيما كلفته به (مستوفزًا) (بالفاء والزاي حال من الضمير في حمل أو اضطلع، أي: مستعجلاً جادًّا غير متوانٍ فيما أمرته به، (في مرضاتك،) أي: رضاك، وفي ظرفية أو للتعليل. زاد في بعض نسخ الشفاء: بغير نكل في قدم ولا وهن في عزم، أي: بغير جبن في إقدامه، ولا ضعف في عزيمته، (واعيًا) بالواو، حافظًا، ضابطًا (لوحيك،) الذي أوحيته إليه، لم يشغله عنه ما لقيه من المشاق في تبليغه، (حافظًا لعهدك) أي: متمسكًا، مداومًا على ما عاهدته عليه من ٢٠٦ الفصل الثاني في حكم الصلاة عليه والتسليم فريضة وسنية لقابس آلاء اللَّه، يصل بأهله أسبابه، به هديت القلوب، بعد خوضات الفتن والإثم، وأنهج موضحات الأعلام، ونائرات الأحكام، ومنيرات الإسلام، فهو أمينك المأمون، وخازن علمك المخزون، وشهيدك يوم الدين، وبعيثك نعمة ورسولك بالحق الإِيمان والإِخلاص في طاعتك، أو امتثال أمرك ونهيك، كما قال: وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت (ماضيًا،) مجتهدًا، مستمرًا (على نفاذ أمرك) (بذال معجمة من أنفذ). كذا أمضاه وبلغ أقصاه، (حتى أورى،) أضاء وأنار (قبسًا) (بفتحتين) شعلة من نار، استعير ذلك لإظهار الحق (لقابس:) طالب نور الحق والهداية التي هي من (آلاء اللّه:) بالمد جمع إلى بالقصر مع الفتح والكسر، أي: نعم (يصل) من الوصل (بأهله،) أي: بأهل ذلك القبس (أسبابه:) جمع سبب، وهو ما يوصل به إلى الشىء، والجملة صفة قبس (به هديت) (بضم الهاء وكسر الدال) أرشدت (القلوب) الضالة عن طريق الحق في ظلمة الجهل (بعد خوضات،) جمع خوضة الدخول في الماء، ويستعار للدخول في كل أمر يذم (الفتن:) جمع فتنة ما يفتن به الإِنسان من المحن، ويقال: هي العذاب؛ ويقال: أيضًا الحروب، وتطلق على الكفر، وبه فسروا ﴿الفتنة أشد من القتل﴾،) وهو المراد هنا، أي: بعد كفرهم (و) وقوعهم في مهاوي (الإِثم، وأنهج) (بالنون)، أي: بين وسهل وأوضح، وفي نسخة: بالموحدة أي: أنار وأشرق (موضحات الأعلام:) جمع علم، بمعنى علامة ما يهتدى به، وسقط من أكثر نسخ الشفاء أبهج (بالباء أو النون)، وكذا سقط في أصل عياض لصحة الكلام بدونه، فموضحات، بفتح الضاد اسم مفعول هديت بحذف الخافض، أي: إلى موضحات، أو نصب حال من القلوب، أي: حال كونها موضحات، وجوز رفعه خبر مبتدأ مقدر، هو ضمير القلوب، أي: ظاهرة أدلة هدايتها، ويجوز كسر الضاد: جمع موضحة اسم فاعل من الإيضاح الكشف والبيان، أي: صارت القلوب بما رزقت من الهداية منشورات، أو ناشرات لها الأعلام، بمعنى الألوية، (وناثرات:) جمع نائرة من النور الضياء، أي: مضيآت (الأحكام) الشريعة من حلال وحرام وغيرهما، (ومنيرات) من أنار المتعدى، أي: مظهرات ومضيئات (الإِسلام) الدين، أو الاستسلام والانقياد لأمر اللّه. ثم المعنى على سقوط لفظ أنهج ظاهر، لأن مآله أنه هديت به القلوب للأدلة الدالة على ما هديت له من أحكام الشريعة، ولما يظهر الدين ويؤيده من نصره، أما على رواية إثباتها، فمعناه أنه ظاهر في نفسه لمن له بصيرة ونفس قدسية، وإظهاره بالنسبة لغيرهم، أو إظهار إشاعته وانتشاره حتى يصل إلى أقصى الأرض، فتدين له الملوك والجبابرة، (فهو أمينك) على وحيك وأسرارك التي أطلعته عليها، (المأمون) الذي ارتضيته لحفظها، أو خلقته حفيظًا عليها، كما أشار له بقوله: (وخازن علمك المخزون) في خزائن ملكوتك وكنوز عرشك، حتى أنزلته له ٢٠٧ الفصل الثاني في حكم الصلاة عليه والتسليم فريضة وسنية رحمة، اللَّهم افسح له في عدنك، وآجزه مضاعفات الخير من فضلك، مهنئات له غير مكدرات، من فوز ثوابك المحلول، وجزيل عطائك المعلول، اللهم أعل على وائتمنته عليه دون غيره، وأمرته بإيصاله لمن يليق به، (وشهيدك) فعيل بمعنى فاعل صيغ للمبالغة (يوم الدين) يوم القيامة على الأنبياء وأممهم، أي: بتصديقهم على تبليغهم، (وبعيثك) فعيل بمعنى مفعول، أي: مبعوثك الذي بعثته (نعمة) مفعول لأجله، أي: ليكون رحمة للعالمين، (ورسولك بالحق،) الثابت في نفس الأمر، (رحمة) عامة لجميع خلقك مفعول له أيضًا. وقد يفرق بين رحمة ونعمة بأنها ما حصل به من الخير والبركة ليمنه والرحمة هدايتهم بسببه، التي كانت سببًا لخلوصهم من الكفر والضلال، ليدفع التكرار، (اللهم إفسح:) وسع (له في عدنك) (بالنون) بخط عياض، قبلها دال ساكنة، اسم للجنة مطلقًا، كقوله: جنات عدن مفتحة، ومعناه: دار الخلود من عدن أقام، ويكون اسمًا أيضًا لجنة مخصوصة بها، عرفها لهم، والمراد طلب بهجة مقامه وزيادة حسنة وشرف منظره، لأن سعة المنزل أمر مستحسن، ولذا قيل: أحسن المنازل ما سافر فيه النظر، وإلا فسعة الجنة أمر معلوم. ورواه العزفي (بزاي وفاء)، عن عياض: عدلك بلام بدل النون، أي: وسع له في رضاك، وجزائك له ما يليق به، (وآجزه): (بهمزة وصل وجيم ساكنة وزاي مكسورة ثلاثي من جزى)، قال تعالى: ﴿وجزاهم بما صبروا﴾ [الإنسان/١٢]، هكذا روي في الأصول المعتمدة، وصوبه السخاوي، وضبط في كثير من الأصول (بهمزة قطع مفتوحة وكسر الجيم) من الجائزة، وهي العطية، أو من الأجزاء بمعنى الكفاية أبدلت همزته الأخيرة، ثم عومل معاملة المعتل كارم، أي: أكفه عمن سواك، وروي (براء مفتوحة). قال السخاوي: وأظنه تصحيفًا (مضاعفات الخير:) زياداته التي لا تنحصر مما لا عين رأت ولا أذن سمعت، (من فضلك،) لأنه لا يجب عليك شىء، فهو رد على المعتزلة، (مهنآت له:) جمع مهنأة (بشد النون والهمز اسم مفعول من الهنىء)، وهو السائغ، وكل ما أتى من غير تتغيص، وهو حال من مضاعفات (غير مكدرات،) أي: منغصات حال، أو صفة مهنآت مؤكدة (من فوز) (بفاء وزاي منقوطة) عند الأكثرين، وهو الظفر بنيل البغية، ولبعضهم براء مهملة بمعنى سريع عاجل، كما قيل: أهنأ البر عاجله مستعار من فارت القدر إذا غلت (ثوابك،) غطائك (المحلول) (بحاء مهملة) من حل إذا نزل، أي: الكائن في الجنة، أو الذي أوصلته له، فصار صفة له، حالاً فيه، أو المستوجب (بفتح الجيم)، أي: الذي استوجبه واستحقه من حل إذا وجب، قيل: وهو بعيد متكلف، (وجزيل،) أي: كثير وعظيم (عطائك؛) إحسانك وإنعامك (المعلول:) المضاعف من العلل، وهو الشرب مرة بعد نهل، وهو الشرب مرة، فشبه عطاءه ٢٠٨ الفصل الثاني في حكم الصلاة عليه والتسليم فريضة وسنية بناء الناس بناءه، وأكرم مثواه لديك ونزله، وأتمم له نوره، واجزه من ابتعاثك له مقبول الشهادة، مرضى المقالة، ذا منطق عدل، وخطة فصل، وبرهان عظيم. حديث موقوف، لكن قال الحافظ بن كثير: في سنده نظر، قال: وقال شيخنا الحافظ أبو الحجاج المزي: سلامة الكندي هذا ليس بمعروف، ولم يدرك عليًّا، كذا قال. وقوله: ((داحي المدحوات)): أي باسط الأرضين، وكل شىء بسطته ووسعته بمنهل عذب يرده العطاش، كما تريد مرارًا، والمراد أنه كثير لا ينقطع، (اللهم أعل) (بقطع الهمزة)، أي: اجعلہ عالیًا رفيعًا (على بناء) (بموحدة ونون) (الناس،) وروی البانین: جمع بانٍ (بناءه) (بموحدة ونون)، أي: اجعل مقامه في الجنة فوق كل مقام، أو اجعل مقداره أرفع من كل مقدار، أو ذاته أشرف من جميع الذوات، لأن الذات بناء اللّه، كما ورد وصحح في بعض النسخ، ثناء بمثلثة، أي: إجعل مدحه فوق ما يثني به الناس عليه، فإنهم لا يقدرون على أدائه حق الأداء، (وأكرم مثواه) مقامه (لديك) عندك، أي: اجعله حسنًا مرضيًا، (ونزله) (بضم النون وسكون الزاي وضمها)، وهو القرى المعد للضيف إذا نزل، والمراد ثوابه وأجره وحسن استعارته، ذكره بعد المثوى، فإنه كرم على كرم، (وأتهم له نوره:) اجعله تامًا كاملاً، كائنًا في جميع جهاته وحواسه وقلبه، كما ورد في دعائه، (وأجزه) (بهمزة وصل أو قطع على ما سبق) (من ابتعاثك:) افتعال من البعث بموحدة ومثلثة، أي: بعثك بالنبوة والرسالة (له) متعلق به لا تعليلية متعلقة بأجزه، كما زعم، أي: كافئه على ما قام به من أمور الرسالة، (مقبول الشهادة) في المحشر للأنبياء، وعلى الأمم نصب على الحال (مرضى المقالة،) أي: القول ثمة من الشهادة والشفاعة، (ذا منطق) نطق (عدل) معتدل مستقيم، أي: ما يقوله بعد الشفاعة من حمده بمحامد لا تضاهى، وهو حال أيضًا، (وخطة) (بضم المعجمة وشد المهملة) الأمر والشأن الجزل، (فصل) فاصل بين الحق والباطل، (وبرهان،) دليل (عظيم) قوي قاطع، (حديث موقوف) على على، لم يرفعه. رواه الطبراني، (لكن قال الحافظ بن كثير في سنده نظر، قال: وقال شيخنا الحافظ أبو الحجاج) يوسف (المزي) (بكسر الميم والزاي نسبة إلى المزة قرية بدمشق) (سلامة الكندي: هذا ليس بمعروف، ولم يدرك عليًا،) فهو منقطع، وعبر عنه السخاوي بمرسل بناءً على أنه سقط منه راوٍ. (كذا قال:) تبرأ منه، لأن ابن حبان عرفه وذكره في كتاب الثقات، وقال: إنه يروي عن علي، وعنه نوح بن قيس، وتكلم المصنف على بعض غريبه، على عادتهم، فقال: (وقوله داحي المدحوات، أي: باسط) إشارة إلى أن داحي اسم فاعل (الأرضين) السبع، (وكل شىء بسطته ٢٠٩ الفصل الثاني في حكم الصلاة عليه والتسليم فريضة وسنية فقد دحوته. ((وبارىء المسموكات)): أي خالق السموات، وكل شىء رفعته وأعليته فقد سمکته. ((والدامغ لجيشات الأباطيل): أي المهلك لما نجم وارتفع منها وفار. وأصل ((الدمغ)) من الدماغ، دمغه: أصاب دماغه، و((جيشات)) من جاش إذا ارتفع. (واضطلع)): افتعل من الضلاعة، وهي القوة. ((وأورى قبسًا لقابس)): أي أظهر نورًا من الحق لطالبه. ((وآلاء اللَّه): نعم الله. ((ويصل بأهله): أي بأهل ذلك القبس وهو الإسلام والحق أسبابه، وأهله ووسعته فقد دحوته). قال تعالى: ﴿والأرض بعد ذلك دحاها﴾، أي: بسطها ووسعها، وكانت مخلوقة قبل السماء من غير دحو، فلا تنافي بين هذه الآية وبين ما في سورة فصلت (وبارىء المسموكات، أي: خالق) إشارة إلى أن بارىء اسم فاعل من برأ، بمعنى خلق (السموات،) تفسير المسموكات، (وكل شىء رفعته وأعليته فقد سمكته،) وسمك بمعنى رفع وارتفع متعدٍ ولازم، (والدامغ لجيشات الأباطيل، أي: المهلك) بيان للدامغ (لما نجم وارتفع) عطف تفسير (منها،) أي: الأباطيل، (وفار) بيان لجيشات، (وأصل الدمغ من الدماغ،) يقال: (دمغه، أصاب دماغه:) کسره. قال تعالى: ﴿بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه﴾ [الأنبياء/١٨]، (وجيشات من جاش إذا ارتفع،) فالمعنى المذهب لفوران الباطل وظهوره، (واضطلع) بزنة (افتعل من الضلاعة، وهي القوة) وأصلها قوة، الأضلاع، فالمعنى أنه عَّ حمل ثقل ما حمل من القيام بأمر الله وحقوق النبوة، فحمل ذلك واجتهد وقوي عليه، وقام به أتم قيام، (وأورى قبسًا لقابس، أي: أظهر نورًا من الحق لطالبه،) وأصل أوری قدح الزناد لخروج النار شررًا توقد منه، والقبس ما يتناول من الشعلة. قال تعالى: ﴿أو آتيكم بشهاب قبس﴾ [النمل/٧]، والاقتباس طلبه، ثم استعير ذلك لإِظهار الحق وما يهتدي به الناس، وفي المثل ما كل قادح زنده يوري، (وآلاء اللّه) (بالمد) (نعم اللّه) الإلهية، وسعادة الدارين بواسطته، (و) قوله: (يصل بأهله، أي: بأهل ذلك القبس،) فضمير أهله عائد له، (وهو،) أي: القبس (الإِسلام، والحق أسبابه، وأهله المؤمنون). ٢١٠ الفصل الثاني في حكم الصلاة عليه والتسليم فريضة وسنية المؤمنون. (وبه هديت القلوب بعد خوضات الفتن والإثم)»: أي هديت بعد الكفر والفتن لموضحات الأعلام. (ونائرات)) و ((منيرات)): الواضحات، يقال: نار الشىء، وأنار إذا وضح. ((وشهيدك يوم الدين)): يريد الشاهد على أمته يوم القيامة. ((وبعيئك نعمة): أي مبعوثك، فعيل بمعنى مفعول. ((وافسح له)): أي وسع. ((وفي عدنك)): أي في جنتك جنة عدن. ((والمعلول)): من العلل وهو الشرب، يريد أن إعطاءه مضاعف، كأنه يعل به عباده، أي: يعطيهم عطاء بعد عطاء. (وأعل على بناء الناس)) وفي رواية: البانين، أي ارفع فوق عمل العاملين عمله. ((واكرم مثواه)): أي منزله. ((ونزله)): رزقه. ((والخطة)): بضم الخاء المعجمة، وفي التلمساني، ومعناه: نعم اللّه تصل، أي: النعم أسبابه، وهو ما يتوصل به بأهله، وهاء أسبابه، إما للّه أو لرسوله، وكذا هاء أهله، ومعناه: أسباب اللّه، بأهل اللّه أو أسباب رسول اللّه، بأهل رسول اللّه وهو أولى، لأن المقام له، ويجوز أن يكون آلاء اللّه هو محمد عَّه، لأن النعمة العظمى، بل النعمة كلها، ومعناه محمد نعمة اللّه، تصل أسبابه بأهله، أو معناه النعمة الإِسلام، تصل أسبابه، وهم القرابة، وهي قرابة محمد عَّه بأهله، أي: بأهل اللّه، وذلك أن نعمة اللّه وهي الإِسلام وصلت قرابته عَّله بأهل اللّه ومعناه ألحقت القرابة بالأهل. انتهى. (وبه هديت القلوب بعد خوضات الفتن والإِثم، أي: هديت بعد الكفر) تفسير للإِثم بدليل قوله: (والفتن،) أي: المحن والحروب، وفسر غيره الفتن بالكفر، كقوله تعالى: ﴿والفتنة أشد من القتل﴾) [البقرة/١٩١]، (لموضحات الأعلام،) بمعنى الألوية استعارة للهداية، (ونائرات) الأحكام، (ومنيرات الواضحات، يقال: نار الشىء:) لازم (وأنار) متعد (إذا وضح). وفي القاموس: النور: الضوء أيًا كان، أو شعاعه نار نورًا وأنار واستنار ونور وتنور، (وشهيدك يوم الدين يريد الشاهد على أمته يوم القيامة.) قال تعالى: ﴿وجئنا بك (وبعیثك نعمة﴾، أي: مبعوثك فعیل بمعنی مفعول، وافسح له، أي: وسع في عدنك، أي: في جنتك جنة عدن) من عدن، بمعنى: أقام (والمعلول من العلل) (بفتحتين)، (وهو الشرب) الثاني بعد الأول، (يريد أن إعطاءه مضاعف؛ كأنه يعل به عباده، أي: يعطيهم عطاء بعد عطاء،) إلى ما لا نهاية له، (وأعل على بناء الناس). ٢١١ الفصل الثاني في حكم الصلاة عليه والتسليم فريضة وسنية الأمر والقصة. ((والفصل)): القطع. وعن ابن مسعود قال: إذا صليتم على رسول اللَّه عَظُلِّ فأحسنوا الصلاة عليه، فإنكم لا تدرون لعل ذلك يعرض عليه، فقالوا له: علمنا، قال: قولوا اللهم اجعل صلواتك وبركاتك ورحمتك على سيد المرسلين، وإمام المتقين، وخاتم النبيين محمد عبدك ورسولك، إمام الخير، ورسول الرحمة، اللهم ابعثه مقامًا محمودًا، يغبطه فيه الأولون والآخرون، اللهم صلى على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد. وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وآلإبراهيم إنك حميد مجيد حديث موقوف، رواه ابن ماجه. (وفي رواية: البانين) بدل الناس: جمع بانٍ (أي: ارفع فوق عمل العاملين عمله وأكرم مثواه، أي: منزله ونزله رزقه،) وأصل معناه القرى المعد للضيف إذا نزل، (والخطة بضم الخاء المعجمة) وبطاء مهملة (الأمر والقصة والفصل) بصاد مهملة (القطع،) أي: بين الحق والباطل بتمييزه (وعن ابن مسعود، قال: إذا صليتم على رسول اللّه عَ لَّهِ فأحسنوا الصلاة عليه) أي: اقصدوا أحسنها وقولوه (فإنكم لا تدرون) ما يترتب على صلاتكم أو أنها تبلغه أم لا، (لعل ذلك) المذكور من الصلاة (يعرض عليه،) لأن جميع أعمال أمته تعرض عليه، والصلاة من أحسنها، فينبغي تحري أحسنها ليزيد سروره بذلك، قال: (فقالوا له علمنا قال: قولوا: اللهم اجعل صلواتك وبركاتك ورحمتك،) المراد بجعلها إنزالها، فلذا عداه بعلى، فقال: (على سيد المرسلين وإمام المتقين، وخاتم النبيين محمد) (الجر بدل مما قبله) (عبدك ورسولك إمام الخير،) المقتدى به في كل خير، أو إمام الأخيار (ورسول الرحمة) للعالمين. وفي مسلم: أنا نبي الرحمة، (اللهم ابعثه مقامًا محمودًا) يحمده فيه جميع الخلائق، وهو مقام الشفاعة العظمى والتنكير للتعظيم، (يغبطه فيه الأولون والآخرون،) أي: يتمنون نيل مثله من غير زواله عنه، وهذا هو الفرق بين الغبطة والحسد، وقد يراد بالغبطة لازمها، وهي المحبة والسرور لما رأوه فقط، وهو اللائق بالأنبياء الكمل، فإن من تمنى مقام غيره الذي خصه الله به، كأنه يقول: هلاسًا، ويثنى به في مقامه، ففيه اعتراض خفي، (اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم،) أي: كما تقدمت منك الصلاة عليه وعلى آله، فنسألك الصلاة على محمد، وآله بطريق الأولى، لأن الذي يثبت للفاضل يثبت للأفضل بالأولى، فليس التشبيه من إلحاق الكامل بالأكمل، بل من باب التهييج ونحوه، كما مر في الأجوبة، وهذا من محاسنها، (إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم، إنك حميد مجيد، حديث موقوف، رواه ابن ماجه) والبيهقي والديلمي، وتمام في ٢١٢ الفصل الثاني في حكم الصلاة عليه والتسليم فريضة وسنية وعن رويفع بن ثابت الأنصاري أن رسول اللَّه عَّه قال: من صلى على محمد، وقال: اللهم أنزله المقعد الصدق المقرب عندك يوم القيامة، وجبت له شفاعتي. رواه الطبراني. قال ابن كثير: وإسناده حسن ولم يخرجوه. وعن طاوس: سمعت ابن عباس يقول: اللهم تقبل شفاعة محمد الكبرى، وارفع درجته العليا، وأعطه سؤله في الآخرة والأولى، كما آتيت إبراهيم وموسى. رواه إسمعيل القاضي. قال ابن كثير: وإسناده جيد قوي صحيح. وعن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه عَ ظله: من سره أن يكتال بالمكيال فوائده والدارقطني، (وعن رويفع) (ضم الراء وفتح الواو وسكون الياء وبالفاء والعين، تصغير رافع (ابن ثابت) بن السكن بن عدي بن حارثة (الأنصاري،) المدني، صحابي، سكن مصر، وولي أمرة برقة، ومات بها سنة ست وخمسين؛ (أن رسول اللّه عَ لّه قال: من صلى على محمد، وقال: اللهم أنزله المقعد الصدق المقرب عندك،) وهو أعلى المنازل (يوم القيامة وجبت له شفاعتي،) ثبتت وحقت. (رواه الطبراني، قال ابن كثير: وإسناده حسن ولم يخرجوه،) أي: أصحاب السنن ونحوهم، ولا يضر ذلك إسناده. (وعن طاوس) بن كيسان: (سمعت ابن عباس يقول:) إذا صلى على النبي عَِّ، (اللهم تقبل شفاعة محمد الكبرى) يوم القيامة لفصل القضاء، إذا قيل له: اشفع تشفع، ودعاؤه بذلك لنيل الثواب، وإن كانت محققة له، كما في قوله: (وارفع درجته:) منزلته (العليا) في الجنة، (وأعطه سؤله)،) أي: مسؤله ومطلوبه (في الآخرة) ونجاة أمته وشفاعاته العديدة، (والأولى) الدنيا لتقدمها، كإعلاء كلمة الله ونصره، ونصر أمته وسعة ملكهم، وأن لا يسلط عليهم أعداءهم ولا يستأصلهم ولا يهلكهم بسنّة عامة ونحوه مما ورد في الأحاديث، (كما آتيت إبراهيم وموسى) ما سألاه، (رواه إسماعيل) بن إسحق (القاضي) أحد الحفاظ الأعلام. (قال ابن كثير وإسناده جيد،) أي: مقبول (قوي) في ذلك، فهو (صحيح) ومطابقته لترجمة صفة الصلاة عليه مع أنه لا ذكر لها فيه من حيث أن المراد بالصلاة الدعاء، وهذا دعاء فيه تعظيم وثناء عليه بما يليق به، وفي بعض النسخ تأخير هذا الأثر بعد قوله. (وعن أبي هريرة، قال: قال رسول اللّه: مَّ من سره،) أي: أفرحه (أن يكتال له بالمكيال الأوفى) الزائد على غيره، أي: من أحب أجرًا لا يساويه فيه غيره، أو أحب أن يصلي أحسن صلاة، وأعظمها (إذا صلى علينا أهل البيت)، فعبر بالمكيال عن ذلك استعارة تبعية مصرحة، أو شبه الأجر بما يشترى من حبوب وتمر، وشبه ذكره وآله باكتياله، لاستيفائه على طريقة ٢١٣ الفصل الثاني في حكم الصلاة عليه والتسليم فريضة وسنية وأزواجه أمهات المؤمنين وذريته وأهل بيته كما صليت على إبراهيم إنك حميد مجید، رواه أبو داود. وأما المواطن التي يشرع فيها الصلاة عليه على فمنها: التشهد الأخير، وهي واجبة فيه، كما قدمنا، وفي وجوبها في التشهد الأول قولان، أظهرهما المنع، لبنائه على التخفيف، بل هي سنة، وفي استحباب الصلاة على الآل في التشهد الأول القولان، وفي وجوبها في الأخير رأيان: أصحهما المنع، بل هي سنة تابعة، وأقلها اللَّهم صل على محمد، وكذا: صلى اللَّه المكنية، والأجر لظهور تأديته في قوة المذكور، ووجه الشبه: إن ما به البقاء هو استيفاء الشىء وحيازته، والمراد الترغيب في الصلاة عليهم بهذه الألفاظ، (فليقل: اللهم صلٍ على محمد النبي الأمي، وأزواجه أمهات المؤمنين، وذريته وأهل بيته، كما صليت على إبراهيم إنك حميد مجيد،) فضل هذه الصلاة لشمولها ولتعظيمه بوصف النبوة التي هي أقرب منزلة، وبالأمية التي هي من أجل آياته، ووصف أزواجه بما يحبه، وذكر صلاة اللّه على أبيه إبراهيم، وختمها بالثناء على الله. (رواه أبو داود،) وفي الشفاء، وكان الحسن البصري يقول: من أراد أن يشرب بالكاس الأوفى من حوض المصطفى، فليقل: اللهم صل على محمد وعلى آله وأصحابه وأولاده وذريته وأهل بيته وأصهاره وأنصاره وأشياعه ومحبيه وأمته، وعلينا معهم أجمعين يا أرحم الراحمين. (وأما المواطن:) جمع وطن مكان الإِنسان عبر به مجازًا عن المواضع (التي يشرع فيها،) يطلب وجوبًا أو ندبًا (الصلاة عليه عَّةٍ،) ولم يذكر السلام للاقتصار على الصلاة في الأحاديث التي أوردها، أو للخلاف في أفراد الصلاة عنه، (فمنها التشهد الأخير، وهي واجبة فيه،) أي: عقبه، لأنها ليست من مسمى التشهد، کما یعلم من أحاديثه، (کما قدمنا) عن الشافعية سنّة، أو مستحبة عند غيرهم. (وفي وجوبها في التشهد الأول قولان: أظهرهما المنع) للوجوب (لبنائه على التخفيف، بل هي سنّة،) لأنه نفسه سنّة، وتعقبه شيخنا باقتضائه أن أحد قولي الشافعي وجوبها بحيث يأثم بتركها، وليس كذلك، فإن القولين كما في المنهاج وغيره، إنما هما في أنها سنّة في الأول، لأنه سنّة، أو ليست سنّة أصلاً لبنائه على التخفيف، أظهرهما الأول قياسًا على الأخير، أي: على وجوبها فيه لوجوبه، قال في تقريره: ولم نرَ أحدًا نقل القول بوجوبها، إذ الأول سنّة باتفاق. (وفي استحباب الصلاة على الآل في التشهد الأول القولان،) صوابه وجهان: أي: ٢١٤ الفصل الثاني في حكم الصلاة عليه والتسليم فريضة وسنية على محمد، وأقلها على الآل: وآله. وقال في ((الكفاية)) بإعادة على. ومنها: خطبتا الجمعة، وكذا غيرها من الخطب، فلا تصح خطبتا الجمعة إلا بها، لأنها عبادة، وذكر اللَّه فيها شرط، فوجب ذكر الرسول عَ لِّ فيها كالأذان والصلاة، وهذا مذهب الشافعي وأحمد. ومنها: عقب إجابة المؤذن، لما رواه الإمام أحمد عن عبد الله بن عمرو بن العاصي، أن رسول اللَّه عَلِ قال: إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا علي، فإنه من صلى علي واحدة صلى اللَّه عليه بها عشرًا، ثم سلوا اللَّه لي مخرجان على القولين، لأن اصطلاح الشافعية أن القول لنص الإِمام والوجه لغيره. (وفي وجوبها) على الآل (في الأخير رأيان) للنووي، فرجح في الروضة، أنهما قولان للشافعي، ورجح في شرح المهذب أنهما وجهان لغيره، (أصحهما المنع) للوجوب، (بل هي سنّة تابعة، وأقلها اللهم صلٍ على محمد، وكذا صلى اللّه على محمد، وأقلها: على الآل وآله،) كما في الروضة وأصلها، وهو يتناول الواجبة، والمندوبة في التشهدين على ما تقدم. (وقال) ابن الرفعة (في الكفاية،) وعلى آله (بإعادة على،) فإن أسقطها لم يأتِ بالأقل، لكن في المنهاج وشرحه: وأكمل من قوله وآله أن يقال: وعلى آله، وهو يفيد أنه لا خلاف في الاكتفاء في أداء السنّة بقوله وآله من غير ذكر على كذا في الشرح والمصنف عزا للكفاية، ولیس فيما رده به حكاية اتفاق، إنما هو المعتمد، (ومنها خطبتا الجمعة، وكذا غيرها من الخطب خطبتا العيدين والكسوف والاستسقاء، وخطب الحج الأربع، (فلا تصح خطبتا الجمعة إلا بها،) خصها لوجوبها لصحة الجمعة، وإلا فباقيها لا تصح إلا بها بمعنى أنها سنّة فيها كهي، (لأنها عبادة، وذكر اللّه فيها شرط) للصحة، (فوجب ذكر الرسول عَّهِ فيها، كالأذان والصلاة، وهذا مذهب الشافعى وأحمد) ومذهب الجمهور والاستحباب فقط، (ومنها: عقب إجابة المؤذن) بعد فراغه من أذانه، فلو ترك إجابته لم تسن له الصلاة، وهو مقتضى كلام الروض، لكن في الرملي ظاهر أن كلا من الإجابة والصلاة على النبي عَبد والدعاء سنّة مستقلة، فلو ترك بعضها سن له أن يأتي بالباقي، (لما رواه الإمام أحمد عن عبد الله بن عمرو بن العاصي،) الصحابي، ابن الصحابي، (أن رسول اللّه عَّذ قال: إذا سمعتم المؤذن، فقولوا مثل ما يقول) استحبابًا عند الجمهور، لحديث في مسلم دل على صرف الأمر عن الوجوب، الذي قال به الحنفية والظاهرية وابن وهب وجماعة من السلف. قال الكرماني: وفي تعبيره بالمضارع إشعار بأنه يجيبه بعد كل كلمة مثلها، وللنسائي عن أم حبيبة: كان عَّ يقول مثل ما يقول المؤذن حتى يسكت، ويستثنى من ذلك الحيعلتان، فيقول بدلهما لا حول ولا قوة إلا بالله، كما في ٢١٥ الفصل الثاني في حكم الصلاة عليه والتسليم فريضة وسنية الوسيلة، فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد اللَّه، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل اللَّه لي الوسيلة حلت عليه الشفاعة. وأخرجه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي من حديث كعب بن علقمة، وذكره بلفظ (والرجاء» وإن كان حديث عمر عند مسلم، ومغوية عند البخاري وغيره، ثم المماثلة في القول لا في صفته، فلا يطلب برفع الصوت المطلوب من المؤذن، لأن قصده الأعلام وقصد السامع الذكر، فيكفي السر أو الجهر بلا رفع صوت، نعم لا يكفي إجراؤه على قلبه بدون لفظ الظاهر الأمر بالقول، (ثم صلوا عليّ، فإنه من صلى على واحدة صلى اللّه عليه بها عشرًا،) أي: رحمه وضاعف أجره بشهادة من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها، وفائدة ذكره وإن كانت كل حسنة كذلك، أنه سبحانه لم يجعل جزاء ذكره، إلا ذكره فكذلك جعل ذكر نبيه ذكر من ذكره، ولم يكتف بذلك، بل زاد، كما في حديث أنس عند أحمد والنسائي، وصححه ابن حبان والحاكم، وحط عنه عشر خطيئات، ورفع له عشر درجات. قال الطيبي: الصلاة من العبد التعظيم للنبي عَيْدٍ ومن اللّه على العبدان، كانت بمعنى الغفران، فيكون من باب المشاكلة من حيث اللفظ، وإن كانت بمعنى التعظيم، فیکون من الموافقة لفظًا ومعنى، وهذا هو الوجه لئلا يتكرر معنى الغفران مع قوله: وحط عنه عشر خطيئات جمع خطيئة، وهي الذنب، (ثم سلوا الله لي الوسيلة،) فعيلة من وسل إذا تقرب، وتطلق على المنزلة العلية، كما قال: (فإنها منزلة في الجنة،) وهي علم على أعلى درجة في الجنة، على أنه يمكن رده إلى الأول، فالواصل إلى تلك المنزلة قرب إلى الله، فتكون كالقربة التي يتوسل بها. وفي المسند عن أبي سعيد مرفوعًا: الوسيلة درجة عند الله، ليس فوقها درجة، فسلوا اللّه لي الوسيلة، ولابن أبي حاتم عن علي، أنه قال على منبر الكوفة: إن في الجنة لؤلؤتين بيضاء وصفراء، فالبيضاء واسمها الوسيلة لمحمد وأهل بيته، والصفراء لإبراهيم وأهل بيته. قال ابن كثير: أثر غريب. وأمر أمته أن يسألوها له لينالوا بالدعاء الزلفى وزيادة الإِيمان، وأيضًا فإن اللّه قدرها له بأسباب، منها دعاء أمته له بها لما نالوا على يده من الهدى والإيمان. انتھی من المقصد الأخیر ملخصًا. (لا تنبغي:) لا تكون (إلا لعبد) واحد عظيم جليل، فالتنوين والتنكير للتعظيم (من عباد اللّه) الاشراف المقربين، فالإضافة لاختصاصهم بالشرف والقرب من سيدهم، (وأرجو أن أكون، أنا) تأکید للضمير المستتر في اکون و (هو) خبر وضع بدل إياه، ويحتمل أن يكون تأکیدًا، بل مبتدأ وخبر، والجملة خبر أكون، ويمكن أن هو وضع موضع اسم الإِشارة، أي: أكون أنا ذلك، قاله الأبي: (فمن سأل اللّه لي الوسيلة حلت عليه الشفاعة) ونعم هذا الجزاء. ٢١٦ الفصل الثاني في حكم الصلاة عليه والتسليم فريضة وسنية متحقق الوقوع أدبًا وإرشادًا منه وتذكيرًا بالخوف، وتفويضا إلى اللَّه تعالى بحسب مشيئته، وليكون الطالب للشىء بين الخوف والرجاء. وقوله: ((حلت عليه الشفاعة)) أي وجبت، وقيل: غشيته ونزلت به. تنبيه: قال شيخنا فى ((المقاصد الحسنة)): حديث ((الدرجة الرفيعة)) المدرج فيما يقال بعد الأذان، لم أره في شىء من الروايات، وأصل الحديث عند أحمد والبخاري والأربعة عن جابر مرفوعًا: من قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه (وأخرجه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي،) كلهم (من حديث كعب بن علقمة) بن كعب المصري التنوخي، صدوق، مات سنة سبع وعشرين ومائة، وقيل: بعدها، أي: عن عبد الرحمن بن جبير، عن عبد الله بن عمرو بن العاصي. قال عياض: كان بعض من رأيناه من المحققين يقول: إنما هذا لمن فعل ذلك محبة وأداء لحقه عَّه من التعظيم والإِجلال، لا لمن قصد الثواب أو ختم دعاءه بالصلاة عليه، وفيما قاله نظر. انتهى. قال الحافظ: وهو تحكم غير مرضي، ولو كان أخرج الغافل اللاهي، لكان أشبه، (وذكره بلفظ الرجاء، وإن كان متحقق الوقوع) بوعد من لا يخلف الميعاد، وهبة الكريم الجواد (أدبًا) معه (وإرشادًا،) تعليمًا (منه) لأمته، (وتذكيرًا) لهم (بالخوف) من اللّه تعالى، (وتفويضًا إلى اللّه تعالى بحسب مشيئته، وليكون الطالب للشىء بين الخوف والرجاء) بأن لا يقطع بأحدهما وإن كان الأولى تقديم الرجاء على الخوف عند جمع، أو الخوف على الرجاء عند آخرين، أو الخوف حال الصحة، والرجاء حال المرض عند بعض. وقال القرطبي: هذا الرجاء قبل علمه أنه صاحب المقام المحمود، ومع ذلك فإن الله يزيده بدعاء أمته له رفعة، كما يزيدهم بصلاتهم عليه، (وقوله: حلت عليه الشفاعة، أي: وجبت) وثبتت، كماصرح به في عدة روايات وصوبه عياض، (وقيل: غشيته ونزلت به،) نقله عياض عن المهلب، وقال الصواب: وجبت من حل يحل، بالكسر إذا وجب، وأما حل يحل (بالضم)، فمعناه نزل، زاد الحافظ: ولا يجوز أن يكون حلت من الحل، لأنها لم تكن قبل ذلك محرمة. (تنبيه: قال شيخنا) السخاوي (فى المقاصد الحسنة حديث الدرجة الرفيعة المدرج فيما يقال بعد الأذان،) أي: الملحق لا بقید کونه من قول، راوٍ بلا ظهور فصل فجرده عن بعض معناه الاصطلاحي، بدليل قوله: (لم أره في شىء من الروايات،) إذ لو كان بمعناه لوجد في بعضها، (وأصل الحديث عند أحمد، والبخاري والأربعة) أصحاب السنن، (عن جابر ٢١٧ الفصل الثاني في حكم الصلاة عليه والتسليم فريضة وسنية الدعوة التامة والصلاة والقائمة، آت محمد الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته، حلت له شفاعتي يوم القيامة قال: وكأن من زادها اغتر بما وقع في بعض نسخ ((الشفاء)) من حديث جابر المشار إليه، لكن مع زيادتها في هذه مرفوعًا: من قال حين يسمع النداء) الأذان سمي نداء، لأنه دعاء إلى الصلاة. قال الحافظ: واللام للعهد، أو التقدير من قال حين يسمع نداء المؤذن، وظاهره أن يقول هذا الذكر حال سماع الأذان، ولا يتقيد بفراغه، لكن يحتمل أن المراد من النداء تمامه، إذ المطلق يحمل على الكامل، ويؤيده حديث عبد الله بن عمر. وعند مسلم بلفظ: قولوا مثل ما يقول، ثم صلوا عليّ، ثم سلوا اللّه لي الوسيلة. ففي هذا أن ذلك يقال عند فراغ الأذان: (اللهم رب هذا الدعوة) بفتح الدال (التامة،) أي: التوحيد لقوله تعالى ﴿دعوة الحق﴾ [الرعد / ١٤]، ووصفت بالتامة، لأن الشرك نقص،إذ التامة التي لا يدخلها تغيير ولا تبديل، بل هي باقية إلى يوم النشور، أو لأنها هي التي تستحق صفة التمام وما سواها بمعرض الفساد، أو لأن فيها إثم القول، وهو لا إله إلا اللّه. وقال الطيبي: من أوله إلى قوله محمد رسول اللّه هي الدعوة التامة (والصلاة القائمة) المعهودة، المدعو إليها حينئذٍ، وهذا أظهر، أو الحيعلتان، أو المراد بالصلاة الدعاء، وبالقائمة الدائمة من قولهم: قام على الشىء إذا داوم، عليه وعلى هذا، فقوله: والصلاة القائمة بيان للدعوة التامة، (آتٍ محمد الوسيلة) تقدم بيانها، ووجه تخصيص الدعاء له بعد الأذان أنه لما كان دعاء إلى الصلاة، وهي مقربة إلى اللّه ومعراج المؤمنين، وهي مما من اللّه به علينا بإرشاده وهدايته، ناسب أن يجازى على ذلك بالدعاء المقرب إلى اللّه ورفعة المنزلة، فإنا لجزاء من جنس العمل (والفضيلة). قال الحافظ: أي: المرتبة الزائدة على سائر الخلائق، ويحتمل أن تكون منزلة أخرى أو تفسيرًا للوسيلة، (وابعثه مقامًا محمودًا،) أي: يحمد القائم فيه، وهو يطلق في كل ما يجلب الحمد من أنواع الكرامات، ونصب على الظرفية، أي: ابعثه يوم القيامة، فأقمه مقامًا، أو على أنه مفعول به، أو ضمن أبعثه معنى أقمه، ومعنى ابعثه أعظه، ويجوز أن يكون حالا، أي: ابعثه ذا مقام محمود. قال النووي: ثبتت الرواية بالتنكير، وكأنه حكاية اللفظ القرآن. وقال الطيبي: إنما نكره، لأنه أفخم وأجزل، كأنه قيل: مقامًا، أي: مقام محمودًا بكل لسان قلب، وقد جاء في هذه الرواية بعينها بالتعريف عند النسائي وابن خزيمة وابن حبان والطبراني والطحاوي والبيهقي، وفيه تعقب على من أنكر ذلك، كالنووي (الذي وعدته،) زاد في رواية ٢١٨ الفصل الثاني في حكم الصلاة عليه والتسليم فريضة وسنية النسخة المعتمدة علم عليها كاتبها بما يشير إلى الشك فيها، ولم أرها في سائر نسخ الشفاء، بل في الشفاء عقد لها فصلاً في مكان آخر ولم يذكر فيه حديثًا صريحًا، وهو دليل يغلطها. انتهى واللَّه أعلم. ومنها: أول الدعاء وأوسطه وآخره، لما روي أحمد من حديث جابر: أن رسول اللَّه ◌َ} قال: ((لا تجعلوني كقدح الراكب، فإن الراكب يملأً قدحه ثم يضعه ويرفع متاعه، فإن إحتاج إلى شراب شربه، أو الوضوء توضأ، وإلا اهراقه، ولكن اجعلوني في أول الدعاء وأوسطه وآخره. البيهقي: إنك لا تخلف الميعاد قال الطيبي: المراد بذلك قوله تعالى: ﴿عسى أن يبعثك ربك مقامًا محمودًا﴾ [الإسراء/ ٤٧٩) وأطلق عليه الوعد، لأن عسى من اللّه واقع، كما صح عن ابن عيينة وغيره، والموصول ما بدل، أو عطف بيان، أو خبر مبتدأ محذوف، وليس صفة للنكرة، وعلى رواية المقام المحمود بالتعريف يصح وصفه بالموصول، (حلت له شفاعتي يوم القيامة،) اللام بمعنى بدليل الرواية السابقة. وفي رواية الطحاوي: وجبت، واستشكل جعل ذلك ثوابًا لقائل ذلك مع ما ثبتت أن الشفاعة للمذنبين، وأجيب بأن له شفاعات أخرى، کإدخال الجنة بغير حساب ورفع الدرجات، فیعطی کل احد ما يناسبه. انتهى. (قال) في المقاصد: (وكأن من زادها،) أي: الدرجة الرفيعة (اغتر بما وقع في بعض نسخ الشفاء من حديث جابر، المشار إليه،) يعني هذا المذكور، (لكن مع زيادتها في هذه النسخة المعتمدة) لهذا المغتر بها، (علم عليها كاتبها بما يشير إلى الشك فيها،) فكيف يعتمد عليها، (ولم أرها في سائر نسخ الشفاء) المعتمدة، (بل في الشفاء عقد لها فصلاً في مكان آخر، ولم يذكر فيه حديثًا صريحًا، وهو دليل يغلطها. انتهى). لكن عند ابن أبي عاصم بسند فيه المسعودي، وهو ثقة: اللهم صلٍ على محمد وأبلغه الدرجة والوسيلة في الجنة، فقد وردت بمعناها، (والله أعلم)، ويأتي إن شاء اللّه في العاشر الخلاف في المقام المحمود، والمشهور أنه الشفاعة، (ومنها: أول الدعاء وأوسطه،) وهو ما بعد الأول وقبل الآخر، لا خصوص أن ما قبله مساوٍ لما بعده في القدر، (وآخره لما روي أحمد من حديث جابر أن رسول اللّه عَآي قال: لا تجعلوني كقدح الراكب،) قيل: وما قدحه يا رسول اللّه، قال: (فإن الراكب يملأ قدحه) (بفتحتين) إناء صغير للشرب، (ثم يضعه) عنده (ويرفع متاعه) على رحلته، (فإن احتاج إلى شراب،) أي: شرب ماء (شربه،) أي: ماء قدحه، ٢١٩ الفصل الثاني في حكم الصلاة عليه والتسليم فريضة وسنية ومنها: وهو من آكدها، عقب دعاء القنوت، لما رواه أحمد وأهل السنن، وابن جرير وابن حبان والحاكم، من حديث أبي الجوزاء، عن الحسن بن علي قال: علمني رسول اللَّه عَّه كلمات أقولهن في الوتر: ((اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولني فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت، وقتي شر ما قضيت، فإنك تقضي ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت تباركت ربنا وتعاليت)). وزاد النسائي في سنته: وصلى اللَّه على النبي، (أو الوضوء توضأ) (بالهمز وتبدل ألفًا) (وإلا) يحتج لشرب أو وضوء (هراقه) (بفتح الهمزة وسكون الهاء)، أي: طرح ماءه على الأرض لاستغنائه عنه. قال ابن الأثير: وغيره معناه: لا تؤخروني في الذکر وتجعلوا ذکري تبعًا لکم، بل اعتنوا به، فقدموه ووسطوه واختموا به، كما قال: (ولكن اجعلوني،) أي: ذكرى بالصلاة على (في أول الدعاء وأوسطه وآخره،) ففيه تشبيه تمثيلي بليغ لتأخير ذكره عن الدعاء، كما أن الراكب يبدأ بحمل متاعه وقدحه على الأرض، لا ينظر له، ثم يأخذ ما فيه، أو بريقه ويعلقه في آخر رحله خلفه، وهذا کقول حسان يهجو: فأنت هجين نيط في آل هاشم كما نيط خلف الراكب القدح الفرد (ومنها: وهو من آكدها عقب دعاء القنوت لما رواه أحمد وأهل السنن وابن جرير وابن حبان والحاكم من حديث أبي الجوزاء) (بالجيم والزاي) أوس بن عبد اللّه الربعي (بفتح الموحدة)، البصري، ثقة يرسل كثيرًا، مات سنة ثلاث وثمانين، (عن الحسن بن علي) ختم خلافة النبوة، (قال: علمني رسول اللّه عَبيه كلمات أوقولهن في الوتر: اللهم إهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عفيت، وتولني فيمن توليت وبارك لي فيما أعطيت،) بلفظ الإفراد في الجميع. وفي رواية للبيهقي: اللهم اهدنا، بالجمع في الجميع، وجملت على الإِمام لحديث أبي داود والترمذي، وحسنه مرفوعًا: لا يؤم عبد قومًا فيخص نفسه بدعوة دونهم، فإن فعل فقد خانهم. (وقني شر ما قضيت). قال العلامة الشهاب القرافي: معناه: إن اللّه تعالى يقدر المكروه بعدم دعاء العبد، فإذا استجاب دعاءه لم يقع المقضي بفوات شرطه، وليس هو ردًّا للقضاء المبرم، ومنه: صلة الرحم تزيد في العمر والرزق. انتهى. (فإنك) (بالفاء) (تقضي ولا يقضى عليك، وأنه) (بالواو)، وفي رواية بدونها (لا یذل من واليت). زاد الطبراني في الكبير عن حديث الحسن بن علي نفسه: (ولا يعز من عادیت، ٢٢٠ الفصل الثاني في حكم الصلاة عليه والتسليم فريضة وسنية وسيأتي في المقصد التاسع البحث في ذلك إن شاء اللّه تعالى. ومنها: أثناء تكبيرات العيدين، لما روى إسمعيل القاضي أن ابن مسعود وأبا موسى وحذيفة، خرج عليهم الوليد بن عقبة فقال: إن هذا العيد قد دنا، فكيف التكبير فيه؟ فقال عبد اللَّه: تبدأ فتكبر تكبيرة تفتتح بها الصلاة، وتحمد ربك وتصلي على النبي عَّ ثم تدعو وتكبر، وتفعل مثل ذلك، ثم تكبر وتفعل مثل ذلك، ثم تكبر وتفعل مثل ذلك، ثم تقرأ ثم تكبر وتركع، ثم تقوم فتكبر وتحمد ربك وتصلي على النبي عَّهِ، ثم تدعو وتكبر وتفعل مثل ذلك. فقال حذيفة وأبو موسى: صدق أبو عبد الرحمن. قال ابن كثير: إسناده صحيح. ومنها: عند دخول المسجد والخروج منه، لما رواه أحمد عن فاطمة قالت: (تباركت،) زاد في رواية ربنا، أي: كثر خيرك وزاد عن كل شىء، (وتعاليت) في ذاتك وصفاتك، وتنزهت عما لا يليق بك. (وزاد النسائي في سننه) في روايته لهذا الحديث: (وصلى اللّه على النبي، وسيأتي في المقصد التاسع البحث في ذلك إن شاء اللّه تعالى) بأن زيادة النسائي هذه غريبة غير ثابتة لأجل عبد اللّه بن علي، لأنه غير معروف، وعلى تقدير أنه عبد الله بن علي بن الحسن فمنقطع، لأنه لم يسمع من جده الحسن، فالزيادة ليست بحسنة لانقطاعها، أو جهالة راويها، ولم تجيء من وجه آخر يجبرها، فهي شاذة. انتهى، أي: ضعيفة. (ومنها: أثناء تكبيرات العيدين لما روى إسمعيل القاضي أن ابن مسعود وأبا موسى وحذيفة) رضي اللّه عنهم (١رج عليهم الوليد بن عقبة) (بالقاف) ابن أبي معيط بن أبي عمرو بن أمية القرشي، الأموي، أخو عثمن لأمه، وله صحبة، وعاش إلى خلافة معوية وكان أمير الكوفة من قبل عثمن، فشرب، فعزله وحده، (فقال: إن هذا العيد قد دنا،) أي: قرب، (فكيف التكبير فيه؟، فقال عبد اللّه) بن مسعود: (تبدأ فتكبر تكبيرة تفتتح بها الصلاة، وتحمد ربك وتصلي على النبي ◌َّله، ثم تدعو وتكبر وتفعل مثل ذلك، ثم تكبر وتفعل مثل ذلك، ثم تكبر وتفعل مثل ذلك، ثم تقرأ:) فاقتصر للعيد على ثلاث تكبيرات بعد الإِحرام، وقال به أهل الكوفة، وذكر أنه يفصل بين كل تكبيرة بالحمد والصلاة، والمقرر عند الشافعية والمالكية خلاف ذلك؛ وأنه لا صلاة على المصطفى فيها، (ثم تكبر وتركع، ثم تقوم) الركعة الثانية (فتكبر وتحمد ربك وتصلي على النبي عَّة، ثم تدعو وتكبر وتفعل مثل ذلك) الذي قلته لك في الركعة الأولى، (فقال حذيفة وأبو موسى: صدق أبو عبد الرحمن،) كنية عبد الله بن مسعود (قال ابن کثیر: إسناده صحيح،) وهو موقوف ليس له حكم الرفع، فهو اجتهاد.