Indexed OCR Text

Pages 161-180

١٦١
الفصل الثاني في حكم الصلاة عليه والتسليم فريضة وسنية
الملائكة الاستغفار.
وقال الضحاك بن مزاحم: صلاة اللَّه رحمته، وفي رواية عنه: مغفرته، وصلاة
الملائكة الدعاء. أخرجهما إسمعيل القاضى عنه، وكأنه يريد الدعاء بالغفرة ونحوها.
وقال المبرد: الصلاة من اللَّه الرحمة ومن الملائكة رقة تبعث على استدعاء
الرحمة.
وتعقب: بأن اللَّه غاير بين الصلاة والرحمة في قوله سبحانه: ﴿أولئك
عليهم صلوات من ربهم ورحمة﴾ [البقرة/١٥٧] وكذلك فهم الصحابة المغايرة
من قوله تعالى: ﴿صلوا عليه وسلموا تسليمًا﴾ حتى سألوه عن كيفية الصلاة
عليه مع تقدم ذكر ((الرحمة)) في تعليم السلام، حيث جاء بلفظ: السلام عليك أيها
مات قبيل الخمسين ومائة بأرض الهند قاله الحافظ.
(قال: صلاة اللّه مغفرته، وصلاة الملائكة الاستغفار،) کقوله: ﴿ویستغفرون للذین
آمنوا﴾ [غافر/٧]، وحديث: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، (وقال الضحاك بن مزاحم) الهلالي، أبو
القسم أو أبو محمد الخراساني، صدوق، كثير الإِرسال، روى له أصحاب السنن، مات بعد
المائة: (صلاة اللّه رحمته، وفي رواية عنه: مغفرته وصلاة الملائكة الدعاء، أخرجهما
إسمعيل) بن إسحق بن إسماعيل بن حماد بن زيد البصري، ثم البغدادي (القاضي،) بها نحو
خمسين سنة الإِمام، الحافظ، الفقيه، المالكي، صاحب التصانيف، شيخ الإِسلام بالعراق، وثناء
الناس عليه كثير، ولد سنة تسع وتسعين ومائة، ومات فجأة سنة اثنتين وثمانين ومائتين، (عنه)
أي: عن الضحاك، (وكأنه يريد الدعاء بالمغفرة ونحوها،) فيوافق قول غيره: الصلاة من
الملائكة الاستغفار.
(وقال المبرد: الصلاة من اللّه الرحمة،) أي: الأنعام، أو إرادته، لأن المعنى الحقيقي
للدعاء لا يتصور في حق اللّه تعالى، فأريد به لازمه وغايته، (ومن الملائكة رقة،) شفقة ومحبة
(تبعث على استدعاء الرحمة) من اللّه، أي: طلبها والدعاء بها، (وتعقب) تفسيره الصلاة من اللَّه
بالرحمة، (بأن اللّه غاير بين الصلاة والرحمة في قوله سبحانه: ﴿أولئك عليهم صلوات من
ربهم ورحمة﴾) [البقرة/١٥٧]، وأجيب بأن الصلاة الرحمة المقرونة بالتعظيم، فهي أخص من
مطلق الرحمة، وعطف العام على الخاص كثير مستعمل، (وكذلك فهم الصحابة المغايرة من
قوله تعالى: ﴿صلوا عليه وسلموا تسليمًا﴾، حتى سألوه عن كيفية الصلاة عليه،) لفظ
مولد نسب لكيف اسم الاستفهام لأن من شأنها أن يسأل بها عن مثله (مع تقدم ذكر الرحمة

١٦٢
الفصل الثاني في حكم الصلاة عليه والتسليم فريضة وسنية
النبي ورحمة الله وبركاته، وأقرهم النبي عَّ له، فلو كانت الصلاة بمعنى الرحمة لقال
لهم، لقد علمتم ذلك في السلام.
وجوّز الحليمي أن تكون الصلاة بمعنى السلام عليه، وفيه نظر.
وقيل: صلاة اللَّه على خلقه تكون خاصة وتكون عامة، فتكون صلاته على
أنبيائه هي ما تقدم من الثناء والتعظيم، وصلاته على غيرهم الرحمة، فهي التي
وسعت كل شىء.
وحكى القاضي عياض، عن بكر القشيري أنه قال: الصلاة على النبي عَّه.
من اللَّه تشريف وزيادة تكرمة، وعلى من دون النبي رحمة. وبهذا يظهر الفرق بين
النبي عَّه وبين سائر المؤمنين حيث قال تعالى في سورة الأحزاب: ﴿إن اللَّه
وملائكته يصلون على النبي﴾، وقال قبل ذلك في السورة المذكورة: ﴿هو الذي
في تعليم السلام حيث جاء بلفظ السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، وأقرهم
النبي عَّةُ، فلو كانت الصلاة بمعنى الرحمة، لقال لهم: لقد علمتم ذلك في السلام،)
والجواب: ما قد علم، فسؤالهم دل على أن الصلاة أخص من مطلق الرحمة، (وجوز الحليمي
أن تكون الصلاة بمعنى السلام عليه، وفيه نظر،) لأن اللّه تعالى أخبر بأنه صلى على نبيه
وأمر المؤمنين بالصلاة والسلام عليه، فدل على تغايرهما، وفي أن معنى السلام السلامة
لك ومعك، أو من أسماء الله، أي: السلام على حفظك ورعايتك متول له وكفيل به، أو
بمعنى المسالمة له والانقياد، كما قال: ﴿فلا وربك لا يؤمنون﴾ [النساء/٦٥]، إلى قوله:
﴿ويسلموا تسليمًا﴾ أقوال في الشفاء ليس فيها ما يصلح تفسير للصلاة مع ملاحظة
معناها اللغوي.
(وقيل: صلاة الله على خلقه تكون خاصة وتكون عامة، فتكون صلاته على أنبيائه
هي ما تقدم من الثناء والتعظيم، وصلاته على غيرهم الرحمة، فهي التي وسعت:) عمت (كل
شىء) في الدنيا، وهذا يشبه الجمع بين القولين.
(وحكى القاضي عياض، عن بكر) بن العلاء (القشيري،) نسبة لقشير بالتصغير قبيلة
البصري ثم المصري؛ (أنه قال الصلاة على النبي عٍَّ من اللّه تشريف وزيادة تكرمه،) أي:
تكريم (بضم الراء) كمكرمة، كما ضبطه التسلماني وغيره، وهما مصدران، (وعلى من دون
النبي رحمة) لاحتياجهم إليها، إذ لا يخلو غير الأنبياء من نوع تقصير، (وبهذا يظهر الفرق بين
النبي عَّ وبين سائر المؤمنين، حيث قال تعالى في سورة الأحزاب: ﴿إن الله وملائكته

١٦٣
الفصل الثاني في حكم الصلاة عليه والتسليم فريضة وسنية
يصلي عليكم وملائكته﴾ [الأحزاب/٤٣]، ومن المعلوم أن القدر الذي يليق
بالنبي عَّه من ذلك أدفع مما يليق بغيره. والإجماع منعقد على أن في هذه الآية
من تعظيم النبي عَِّ والتنويه به ما ليس في غيرها.
وقال الحليمي في ((الشعب))، معنى الصلاة على النبي عَّةٍ. تعظيمه، فمعنى
قولنا: اللهم صل على محمد، عظم محمدًا، والمراد تعظيمه في الدنيا بإعلاء
ذكره وإظهار دينه وإبقاء شريعته، وفي الآخرة بإجزال مثوبته، وتشفيعه في أمته،
وإبداء فضيلته بالمقام المحمود وعلى هذا فالمراد بقوله تعالى: ﴿صلوا عليه﴾
ادعوا ربكم بالصلاة عليه. انتهى.
ولا يعكر عليه عطف آله وأزواجه وذريته عليه، فإنه لا يمتنع أن يدعي لهم
بالتعظيم إذ تعظيم كل أحد بحسب ما يليق به.
وما تقدم عن أبي العالية أظهر، فإنه يحصل به استعمال لفظ الصلاة بالنسبة
إلى اللَّه، وإلى ملائكته وإلى المأمورين بذلك بمعنى واحد، ويؤيده أنه لا
يصلون على النبي﴾، وقال قبل ذلك في السورة المذكورة: ﴿هو الذي يصلي عليكم
وملائكته) ليخرجكم من الظلمات إلى النور﴾ [الأحزاب/٤٣]، (ومن المعلوم أن القدر الذي
يليق بالنبي عَّ من ذلك أرفع مما يليق بغيره،) فاتضح الفرق بين الصلاتين، (والإِجماع
منعقد على أن في هذه الآية من تعظيم النبي عَّه والتنويه به ما ليس في غيرها).
(وقال الحليمي في) كتاب (الشعب،) أي: شعب الإيمان: (معنى الصلاة على
النبي عَّ تعظيمه، فمعنى قولنا: اللهم صلٍ على محمد، عظم محمدًا) تعظيمًا لائقًا به،
(والمراد: تعظيمه في الدنيا بإعلاء ذكره وإظهار دينه وإبقاء شريعته، وفي الآخرة بإجزال
مثوبته:) تكثير ثوابه (وتشفيعه في أمته وإبداء،) إظهار (فضيلته بالمقام المحمود،) الذي
یحمده فيه الأولون والآخرون، (وعلى هذا، فالمراد بقوله تعالى: ﴿صلوا عليه﴾، ادعوا ربكم
بالصلاة عليه. انتهى).
(ولا يعكر عليه عطف آله وأزواجه وذريته عليه) في حديث أبي حميد، أنهم قالوا: یا
رسول اللّه كيف نصلي عليك، فقال: قولوا اللهم صلي على محمد وآله وأزواجه وذريته، (فإنه
لا يمتنع أن يدعى لهم بالتعظيم،) لأنهم لذلك أهل، (إذ تعظيم كل أحد بحسب ما يليق به،)
فلهم تعظيم دون تعظيمه، (و) لكن (ما تقدم عن أبي العالية أظهر) من كلام الحليمي، (فإنه
يحصل به استعمال لفظ الصلاة بالنسبة إلى اللّه وإلى ملائكته وإلى المأمورين بذلك،) أي:

١٦٤
الفصل الثاني في حكم الصلاة عليه والتسليم فريضة وسنية
خلاف في جواز الترحم على غير الأنبياء، واختلفوا في جواز الصلاة على غير
الأنبياء، ولو كان معنى قولنا: اللهم صل على محمد: ارحم محمدًا، أو ترحم على
محمد، جاز لغير الأنبياء، وكذا لو كان بمعنى البركة، وكذلك الرحمة، لسقط
الوجوب في التشهد عند من يوجبه بقول المصلي في التشهد: السلام عليك أيها
النبي ورحمة الله وبركاته.
ويمكن الانفصال عنه بأن ذلك وقع بطريق التعبد فلا بد من الاتيان به، ولو
سبق الاتيان بما يدل عليه.
فإن قيل: في أي وقت وقع الأمر بالصلاة عليه عَ لِّ؟
فالجواب- كما قاله أبو ذر الهروي -: أنه وقع في السنة الثانية من الهجرة،
المؤمنين (بمعنى واحد، ويؤيده أنه لا خلاف في جواز الترحم على غير الأنبياء،) لفظة غير
ثابتة في النسخ الصحيحة، منها: مقروءة على المصنف، وحذفها يفسد المعنى الذي هو اتفق
على جواز الترحم على من عدا الأنبياء.
(واختلفوا في جواز الصلاة على غير الأنبياء) على ثلاثة أقوال، (ولو كان معنى قولنا:
اللهم صل على محمد، ارحم محمد، أو ترحم على محمد، جاز) لفظ صل (لغير الأنبياء)
باتفاق، لأَن معناهما واحد، فلما اختلف ،في ذلك، علم أنهما ليسا بمعنى، (وكذا لو كان) لفظ
الصلاة (بمعنى البركة، وكذلك) لو كان معنى (الرحمة) معنى الصلاة (لسقط الوجوب في
التشهد عند من يوجبه،) كالشافعي، (يقول المصلي في التشهد: السلام عليك أيها النبي
ورحمة الله وبركاته،) لسبق الإتيان بمعناه، مع أنه لم يسقط، (ويمكن الانفصال) الجواب (عنه،)
أي: المذكور من قوله بمعنى البركة، وكذلك الرحمة؛ (بأن ذلك وقع بطريق التعبد) بلفظ
الصلاة، (فلا بدّ من الإتيان به، ولو سبق الإتيان بما يدل عليه،) ولم يجب عن قوله، لو كان
معنى اللهم صل على محمد ... الخ.
وأجاب شيخنا: بأنهم كثيرًا ما يستعملون في المتساويين العطف التفسيري، فيمكن
الحمل عليه هنا، لأنه لما خفي معنى الصلاة فسرها بالرحمة إيضاحًا، (فإن قيل: في أي: وقت
وقع الأمر بالصلاة عليه عَّة) في الآية، (فالجواب كما قاله،) الكاف بمعنى على أو اللام، أو
الكلام من حيث صدوره عن المشبه غيره من حيث صدوره عن المشبه به، فلا يرد حيث كان
لغيره، فلم نسبه لنفسه (أبو ذر الهروي) الإمام العلامة، الحافظ عبد بلا إضافة، ابن أحمد بن
محمد الأنصاري، المالكي، شيخ الحرم، سمع ابن حمويه والدارقطني وغيرهما، وله تصانيف،
وكان زاهدًا، عابدًا، ورعًا، عالمًا، حافظًا، كثير الشيوخ، مات في شوال سنة أربع وثلاثين

١٦٥
الفصل الثاني في حكم الصلاة عليه والتسليم فريضة وسنية
وقيل ليلة الإسراء، وقيل: إن شهر شعبان شهر الصلاة عليه عَّةٍ، لأن آية الصلاة -
يعني ﴿إن اللَّه وملائكته يصلون على النبي﴾ نزلت فيه. والله أعلم.
قال الحليمي: والمقصود بالصلاة عليه عَ لَّه التقرب إلى الله تعالى بامتثال
أمره، وقضاء بعض حق النبي عَ ◌ّه علينا.
وتبعه ابن عبد السلام، فقال في الباب الثامن من كتابه المسمى ((بشجرة
المعارف)): ليست صلاتنا على النبي عَّهِ شفاعة له، فإن مثلنا لا يشفع لمثله،
ولكن اللَّه أمرنا بمكافأة من أحسن إلينا، ولم يحسن إلينا أحد مثل إحسانه فإن
عجزنا عنه كافأناه بالدعاء، فأرشدنا اللَّه - لما علم عجزنا عن مكافأة نبينا - إلى
الصلاة عليه.
وذكر نحوه عن الشيخ أبي محمد المرجاني.
وأربعمائة، (أنه وقع في السنة الثانية من الهجرة، وقيل: في ليلة الإسراء،) وكان بمكة،
وفي وقته خلاف مر، (وقيل: إن شهر شعبان شهر الصلاة عليه عٍَّ، لأن آية الصلاة، يعني
﴿إن الله وملائكته يصلون على النبي﴾، نزلت فيه)،) فينبغي الإكثار منها في شعبان، (والله
أعلم).
ثم بين فائدة مستقلة ليست مبينة لشىء مما ترجم به، بقوله: (قال الحليمي، والمقصود
بالصلاة عليه عَّ هِ التقرب إلى الله تعالى بامتثال أمره،) وفي نسخة: أوامره بالجمع، (وقضاء
بعض حق النبي عَّهِ علينا، وتبعه) العلامة الحافظ عز الدين (بن عبد السلام، فقال في الباب
الثامن من كتابه المسمى بشجرة المعارف: ليست صلاتنا على النبي عَِّ شفاعة له، فإن
مثلنا لا يشفع لمثله،) بل هو الشفيع لنا، (ولكن اللّه أمرنا بمكافأة من أحسن إلينا) على إحسانه
بمثله أو خير منه، (ولم يحسن إلينا أحد مثل إحسانه، فإن عجزنا عنه كافأناه بالدعاء،) كما
قال علآ في حديث: ومن صنع إليكم معروفًا فكافؤه، فإن لم تجدوا ما تكافؤنه فادعوا له حتى
تروا أنكم قد كافأتموه، رواه أحمد وأبو داود والنسائي، وصححه ابن حبان والحاكم عن ابن
عمر، (فأرشدنا اللّه لما علم عجزنا) (بفتح اللام وشد الميم)، أي: لما تعلّق علمه بعجزنا، أو
بكسر اللام وخفة الميم، أي: لعلمه تعالى الأزلي بعجزنا (عن مكافأة نبينا إلى الصلاة عليه،)
وطلبها منه تعالى لقصورنا عن المجازاة، فأحالها على اللّه، ونعم المجازي هو.
(وذكر نحوه عن الشيخ أبي محمد) عبد الله بن محمد القرشي، (المرجاني،) الإِمام،
القدوة، الواعظ، المفسر، أحد الأعلام في الفقه والتصوف، مات بتونس سنة تسع وتسعين

١٦٦
الفصل الثاني في حكم الصلاة عليه والتسليم فريضة وسنية
وقال ابن العربي: فائدة الصلاة على النبي عَّه ترجع إلى الذي يصلي عليه،
لدلالة ذلك على نصوح العقيدة وخلوص النية، وإظهار المحبة، والمداومة على
الطاعة والاحترام للواسطة الكريمة معَ له.
واختلف في حكم الصلاة عليه - صلوات اللَّه وسلامه عليه - على أقوال.
أحدها: أنها تجب في الجملة من غير حصر، لكن أقل ما يحصل به
الإجزاء مرة.
الثاني: يجب الإكثار منها، من غير تقييد بعدد، قاله القاضي أبو بكربن
بكير من المالكية، وعبارته- كما قاله القاضي عياض -: افترض اللَّه تعالى على
وستمائة.
(وقال ابن العربي) محمد الإِمام، الحافظ، الفقيه: (فائدة الصلاة على النبي عدّ له ترجع
إلى الذي يصلى عليه، لدلالة ذلك على نصوح العقيدة،) أي: خلصوها من الريبة والشك،
(وخلوص النية وإظهار المحبة،) لأن من أحب شيئًا أكثر ذكره، (والمداومة على الطاعة)
المأمور بها في القرءان (والاحترام) التعظيم (للواسطة الكريمة) المبلغ لذلك (عَّة، واختلف في
حكم الصلاة عليه صلوات الله وسلامه عليه على أقوال) عشرة، (أحدها: أنها تجب في
الجملة،) أي: إجمالاً (من غير حصر) في عدد ولا وقت، مع القدرة على ذلك، كما قال
عياض، فإن عجز سقط كسائر الواجبات، (لكن أقل ما يحصل به الأجزاء مرة) واحدة في
العمر، وعبر بالاستدراك لدفع ما يتوهم من قوله بغير حصر، أنها لا تكفي، وأنه لا بدّ من قدر بعد
کثیرًا عرفًا.
قال عياض: الواجب مرة كالشهادة له بالنبوة، وما عدا ذلك مندوب مرغب فيه من سنن
الإِسلام وشعار أهله، انتهى.
فاستظهار وقوع ما زاد عليها واجبًا، كفرض الكفاية ممنوع، فهذا واجب عيني.
(الثاني: يجب الإكثار منها من غير تقييد بعدد، قاله القاضي أبو بكر) محمد بن
أحمد بن عبد الله (بن بكير،) بالتصغير، التميمي، البغدادي، هذا هو المشهور في اسمه ونسبه،
وقيل، اسمه أحمد بن محمد بن بكير، وقيل: محمد بن بكير، لا غيره (من المالكية،) تفقه
بإسطعيل القاضي، وهو من كبار أصحابه الفقهاء الثقات، له أحكام القرءان، وكتاب الرضاع،
وكتاب في الخلاف، وكان فقيهًا، جدليًا، ولي القضاء، وتوفي سنة خمسين وثلاثمائة، (وعبارته
كما قاله،) نقله (القاضي عياض) عنه: (افترض اللّه تعالى،) أي: فرض، لكن فيه زيادة تأكید

١٦٧
الفصل الثاني في حكم الصلاة عليه والتسليم فريضة وسنية
خلقه أن يصلوا على نبيه عٍُّ ويسلموا تسليمًا، ولم يجعل ذلك لوقت معلوم،
فالواجب أن يكثر المرء منها ولا يغفل عنها.
الثالث: يجب كلما ذكر، قاله الطحاوي وعبارته: يجب كلما سمع ذكر
النبي عَّهِ من غيره أو ذكره بنفسه وجماعة من الحنفية، والحليمي، وجماعة من
الشافعية، وقال ابن العربي: من المالكية إنه الأحوط، وكذا قاله الزمخشري. واستدلوا
لذلك بحديث: من ذكرت عنده فلم يصل علي فمات فدخل النار فأبعده الله. أخرجه ابن
حبان من حديث أبي هريرة. وحديث: رغم أنف من ذكرت عنده فلم يصل علي. رواه
الترمذي من حديث أبي هريرة، وصححه الحاكم. وحديث: شقي عبد
لزيادة بنائه (على خلقه) جميعًا، (أن يصلوا على نبيه عَّهُ ويسلموا تسليمًا،) كما روي عن
ابنَ عباس من فرض الصلاة والسلام؛ فهذان إمامان من المالكية ابن بكير وعياض، قائلان بوجوب
السلام كالصلاة، ولذا قال الرضاع، كما نقل الخطاب: الظاهر من الآية فرضية السلام، وما نقل
عن بعض المغاربة من التوقف في وجوبه لا أصل له، والحق أنه كالصلاة. انتهى.
قال بعضهم: وينبغي ذكره مع مصدره المؤكد امتثالاً للأمر، (ولم يجعل ذلك) الفرض
(لوقت معلوم،) اللام للتأقيت والظرفية، نحو: جئت لخمس خلون من الشهر، وقوله تعالى:
﴿أقم الصلاة لدلوك الشمس﴾ [الإسراء/٧٨]، (فالواجب أن يكثر المرء) الإِنسان ولو امرأة تغليبًا
(منها) من الصلاة بما يعد عرفًا كثرة، (ولا يغفل عنها) بتركها، وفي إفهامه تكثيرها، في كل يوم
وليلة، (الثالث يجب كلما) بالنصب ظرف (ذكر، قاله الطحاوي) أحمد بن محمد بن سلامة،
(وعبارته: يجب كلما سمع ذكر النبي عَُّ من غيره أو ذكره بنفسه،) وظاهره ذكر بالإِسم
الظاهر، أو الضمير في صلاة أو غيرها، (وجماعة من الحنفية والحليمي وجماعة من
الشافعية،) كأبي إسحق، وأبي حامد الإِسفراييني، وجمع من المالكية، منهم: الطرطوشي
والفا كهاني.
(وقال ابن العربي: من المالكية أنه الأحوط) لامتثال الأمر، (وكذا قاله الزمخشري،
واستدلوا لذلك بحديث من ذكرت عنده، فلم يصلٍ عليّ، فمات) تاركًا للصلاة عليّ،
والتعقيب عرفي، كتزوج فولد له، (فدخل النار) عقوبة له على ترك الصلاة، (فأبعده الله) عن
رحمته ونعیم جنته.
(أخرجه ابن حبان من حديث أبي هريرة،) ورواه أيضًا بلفظ آخر هو وابن خزيمة
وغيرهما، عن أبي هريرة، أن رسول اللّه عٍَّ صعد المنبر فقال: آمين، آمين، آمين، فقيل: إنك

١٦٨
الفصل الثاني في حكم الصلاة عليه والتسليم فريضة وسنية
ذكرت عنده فلم يصل علي أخرجه الطبراني من حديث جابر. لأن الدعاء بـ
((الرغم والإبعاد والشقاء)) يقتضي الوعيد، والوعيد على الترك من علامات الوجوب.
ومن حيث المعنى: إِن فائدة الأمر بالصلاة عليه مكافأته على إحسانه، وإحسانه
مستمر، فتأكد مكافأته إذا ذكر.
صعدت المنبر، فقلت: آمين، آمين، آمين، فقال: إن جبريل أتاني، فقال: من أدرك شهر رمضان،
فلم يغفر له، فدخل النار، فأبعده اللّه، قل: آمين، فقلت: آمين، ومن أدرك أبويه أو أحدهما، فلم
يبرهما، فمات فدخل النار، فأبعده اللّه، قل: آمين، فقلت: آمين، ومن ذكرت عنده، فلم يصلٍ
عليك، فمات، فدخل النار، فأبعده اللّه، قل: آمين، فقلت: آمين.
(وحديث رغم أنف،) (بكسر الغين وتفتح، قيل: وهو أفصح، أي: لصق بالتراب، وهو
كناية عن غاية الذل والهوان (من) لفظ الحديث: رجل (ذكرت عنده،) فأبدله بمن، لإِفادة أن
رجل وصف طردي، والمراد رجل أو امرأة، (فلم يصلٍ عليّ،) أي: لحقه ذل وخزى جزاء له
على ترك تعظيمي، أو خاب وخسر من قدر أن ينطق بأربع كلمات توجب له عشر صلوات من
اللّه، ورفع عشر درجات، وحط عشر سيئات، فلم يفعل، لأن الصلاة عبارة عن تعظيمه، فمن
عظمه عظمه اللّه، ومن تركه أهانه وحقر شأنه.
قال الطيبي: الفاء استبعادية كثم في قوله تعالى: ﴿ثم أعرض عنها﴾ [السجدة/٢٢]،
والمعنى بعيد من العاقل، أن يتمكن من إجراء كلمات معدودة على لسانه، فيفوز بما ذكر، فلم
يغتنمه حتى يموت، فحقيق أن يذله اللّه، وتعقب بأن جعلها للتعقيب أولى، ليفيد ذم التراخي عن
تعقيب الصلاة عليه بذكره.
(رواه الترمذي،) وقال: حسن غريب (من حديث أبي هريرة،) بزيادة ورغم أنف رجل
دخل عليه رمضان، ثم انسلخ قبل أن يغفر له: ورغم أنف رجل أدرك عنده أبواه الكبر فلم
يدخلاه الجنة، (وصححه الحاكم) بعد أن رواه مطولاً، كذلك قال الحافظ، وله شواهد.
(وحديث: شقي عبد ذكرت عنده فلم يصلٍ عليّ،) حيث أحرم نفسه الثواب الجزيل،
(أخرجه الطبراني من حديث جابر، لأن الدعاء بالرغم والإِبعاد والشقاء يقتضي الوعيد،
والوعيد على الترك من علامات الوجوب،) لأن المستحب لا يتوعد على تركه، إذ لا عقاب
فيه، وهذه أدلة من حيث اللفظ، (و) استدلوا لذلك (من حيث المعنى، أن فائدة الأمر بالصلاة
عليه مكافأته على إحسانه، وإحسانه مستمر) حتى باستغفاره لنا في قبره، (فتتأكد مكافأته إذا
ذکر).

١٦٩
الفصل الثاني في حكم الصلاة عليه والتسليم فريضة وسنية
واستدلوا أيضًا: بقوله تعالى: ﴿لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء
بعضكم بعضًا﴾ [النور/٦٣] فلو كان إذا ذكر لا يصلي عليه كان كآحاد الناس.
وأجاب من لم يوجب ذلك بأجوبة، منها:
أنه قول لا يعرف عن أحد من الصحابة ولا التابعين، فهو قول مخترع.
ولو كان على عمومه للزم المؤذن إذا أذن أن يصلي، وكذا سامعه،
وللزم القارىء إذا مر بآية فيها ذكره عليه الصلاة والسلام في القرءان، وللزم الداخل
في الإسلام إذا تلفظ بالشهادتين ولكان في ذلك من المشقة والحرج ما جاءت
الشريعة المطهرة السمحة بخلافه، ولكان الثناء على اللَّه كلما ذكر أحق بالوجوب،
ولم يقولوا بوجوبه.
(واستدلوا أيضًا بقوله تعالى: ﴿لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضًا﴾)
[النور/٦٣]، فلو كان إذا ذكر لا يصلى عليه كان كآحاد الناس،) لأن عدم الصلاة حينئذٍ
إعراض، وقد نهينا عن الإعراض عنه عند ذكره، كما دلت عليه الآية الشريفة، وإن كان فيها
تفاسير تقدمت في المتن.
(وأجاب: من لم يوجب ذلك بأجوبة، منها: أنه قول لا يعرف عن أحد من الصحابة
ولا التابعين، فهو قول مخترع) مبتدع وأجيب؛ بأن القائلين بالوجوب من أئمة النقل، فكيف
يسعهم خرق الإجماع على أنه لا يكفي في الرد عليهم كونه لم يحفظ عن صحابي ولا تابعي،
وإنما يتم الرد إن حفظ إجماع مصرح بعدم الوجوب كلما ذكر، وأنى به، (ولو كان على عمومه
للزم المؤذن إذا أذن أن يصلي)، لأنه ذكره في الأذان، (وكذا سامعه، وللزم القارىء إذا مر
بآية فيها ذكره عليه الصلاة والسلام في القرءان) أن يصلي عليه، (وللزم الداخل في
الإِسلام إذا تلفظ بالشهادتين، ولكان في ذلك من المشقة والحرج ما جاءت الشريعة
المطهرة، السمحة) السهلة (بخلافه) ﴿يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر﴾ [البقرة: ١٨٥]، ﴿ما
جعل عليكم في الدين من حرج﴾ [الحج: ٧٨].
وأجيب؛ بأنه مخصوص بما لم يكن في الصلاة ونحوها، على أنه يمكنهم التزام ذلك ولا
كبير حرج فيه، (ولكان الثناء على اللّه كلما ذكر أحق بالوجوب،) لأن حق اللّه آكد، (ولم
يقولوا بوجوبه،) أي: الثناء على الله.
وأجيب بأن جمعًا صرحوا بالوجوب في حقه تعالى أيضًا، وبالفرق بأن حق اللّه غير مطلق،
وعظمته لا تتوقف على ذكرها وأن هذا حق العبد، وذاك حق اللّه، وهو مبني على المسامحة

١٧٠
الفصل الثاني في حكم الصلاة عليه والتسليم فريضة وسنية
وقد أطلق القدوري وغيره من الحنفية: أن القول بوجوب الصلاة عليه كما ذكر
مخالف للإجماع المنعقد قبلٍ قائله، لأنه لا يحفظ على أحد من الصحابة أنه
خاطب النبي عَِّ فقال: يا رسول اللَّه ◌َ له، ولأنه لو كان كذلك لما تفرغ لعبادة
أخرى.
وأجابوا عن الأحاديث: بأنها خرجت مخرج المبالغة في تأكيد ذلك وطلبه،
وفي حق من اعتاد ترك الصلاة عليه ديدنا. وبالجملة: فلا دلالة على وجوب تكرار
ذلك بتكرار ذكره عَّه في المجلس الواحد، انتهى ملخصًا، والله أعلم.
الرابع: في كل مجلس مرة ولو تكرر ذكره مرارًا في المجلس. حكاه
الزمخشري.
الخامس: في كل دعاء، حكاه أيضًا.
دون المشاحة، وزعم أنه حق اللّه أيضًا لأمره به، ناشىء من عدم، فهم المراد بحق اللّه، (و) لكن
(قد أطلق القدوري وغيره من الحنفية؛ أن القول بوجوب الصلاة عليه كلما ذكر مخالف
للإجماع المنعقد قبل قائله،) فهو محجوج به، (لأنه لا يحفظ عن أحد من الصحابة، أنه
خاطب النبي عَِّ فقال: يا رسول اللّه صلى الله عليك،) وذلك أقوى الأدلة على عدم
الوجوب.
وأجيب بأنه ورد في عدة طرق عن جماعة من الصحابة أنهم قالوا: يا رسول اللّه صلى اللّه
عليك، (ولأنه لو كان كذلك لما تفرغ لعبادة أخرى،) لكثرة ذكره عَّه.
وأجيب بمنع ذلك، بل يمكن التفرغ لعبادات أخر، (وأجابوا عن الأحاديث) السابقة (بأنها
خرجت مخرج المبالغة في تأكيد ذلك وطلبه،) فلا تدل على الوجوب، (وفي حق من اعتاد
ترك الصلاة عليه ديدنا،) أي: عادة مستمرة.
وأجيب بأن حمل الأحاديث على ما ذكر لا يكفي إلا مع بيان سنده، ولم يبينوه
(وبالجملة، فلا دلالة على وجوب تكرار ذلك بتكرار ذكره عَّةٍ في المجلس الواحد،)
وقيل: إنه مبني على أن الأمر يفيد التكرار، وهو ضعيف. (انتهى ملخصًا واللّه أعلم) بالحق من
ذلك.
(الرابع) تجب (في كل مجلس مرة، ولو تكرر ذكره مرارًا في المجلس، حكاه
الزمخشري).
(الخامس: في كل دعاء، حكاه) الزمخشري (أيضًا،) وكأن قائله تعلق بحديث:

١٧١
الفصل الثاني في حكم الصلاة عليه والتسليم فريضة وسنية
السادس: أنها من المستحبات، وهو قول ابن جرير الطبري، وادعى الإجماع
على ذلك، واحتج على ذلك مع ورود صيغة الأمر بذلك، بالاتفاق من جميع
المتقدمين والمتأخرين من علماء الأمة، على أن ذلك غير مستلزم فرضيتها حتى
يكون تارك ذلك عاصيًا، فدل على أن الأمر فيه للندب، ويحصل الامتثال لمن قاله
ولو كان خارج الصلاة.
قال في فتح الباري: وما ادعاه من الإجماع معارض بدعوى غيره الإجماع
على مشروعية ذلك في الصلاة، إما بطريق الوجوب، وإما بطريق الندب، ولا يعرف
عن السلف لذلك مخالف، إلا ما أخرجه ابن أبي شيبه والطبراني عن إبراهيم
النخعي أنه كان يرى أن قول المصلي في التشهد: السلام عليك أيها النبي ورحمة
اللَّه وبركاته مجزىء عن الصلاة، ومع ذلك: إنما ادعى إجزاء السلام عن الصلاة.
السابع: تجب في العمر مرة في الصلاة أو غيرها، ككلمة التوحيد، قاله أبو
لا تجعلوني كقدح الراكب، إلى أن قال: ولكن اجعلوني في أول الدعاء وأوسطه وآخره.
(السادس: أنها من المستحبات، وهو قول) المجتهد المطلق محمد (بن جرير
الطبري، وادعى الإجماع على ذلك،) وحمل عليه الآية، (واحتج على ذلك مع ورود صيغة
الأمر بذلك بالاتفاق،) متعلق باحتج (من جميع المتقدمين والمتأخرين من علماء الأمة، على
أن ذلك غير مستلزم فرضيتها حتى يكون تارك ذلك عاصيًا، فدل) هذا الاتفاق (على أن الأمر
فيه للندب، ويحصل الامتثال لمن قاله، ولو كان خارج الصلاة).
وفي الشفاء حمل الأئمة والعلماء الأمر على الوجوب وأجمعوا عليه.
وحمله الطبري على الندب، وادعى الإجماع، ولعله فيما زاد عليّ مرة.
(قال في فتح الباري: وما ادعاه من الإِجماع معارض بدعوى غيره الإِجماع على
مشروعية ذلك في الصلاة، إما بطريق الوجوب،) كما يقول الشافعي، (وإما بطريق الندب،)
كما يقول غيره، (ولا يعرف عن السلف لذلك محالف، إلا ما أخرجه ابن أبي شيبة)
عبد الله بن محمد بن إبراهيم، وهو أبو شيبة (والطبراني، عن إبراهيم النخعي، أنه كان يرى: أن
قول المصلي في التشهد: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته مجزىء عن
الصلاة) عليه عَّهُ بعد تمام التشهد: (ومع ذلك، إنما ادعى) النخعي (إجزاء السلام عن
الصلاة،وذلك لا ینفي مشروعيتها ندبًا أو وجوبًا.
(السابع، تجب في العمر مرة في الصلاة أو غيرها، ككلمة التوحيد، قاله أبو بكر

١٧٢
الفصل الثاني في حكم الصلاة عليه والتسليم فريضة وسنية
بكر الرازي من الحنفية.
الثامن: تجب في الصلاة من غير تعيين المحل، ونقل ذلك عن أبي جعفر
الباقر.
التاسع: تجب في التشهد، وهو قول الشعبي وإسحق بن راهويه.
العاشر: تجب في القعود آخر الصلاة، بين قول التشهد وبين سلام التحلل،
قاله الشافعي ومن تبعه.
واستدل لذلك بما رواه أصحاب السنن، وصححه الترمذي وابن خزيمة
والحاكم عن أبي مسعود البدري: أنهم قالوا يا رسول اللَّه: أما السلام عليك فقد
عرفناه، فكيف نصلي عليك إذا نحن صلينا عليك في صلاتنا فقال: قولوا اللَّهم
صل على محمد وعلى آل محمد .. الحديث. ومعنى قولهم: أما السلام عليك
فقد عرفناه، هو الذي في التشهد، الذي كان قد علمهم إياه كما يعلمهم السورة
الرازي) أحمد بن علي بن حسين الإِمام، الحافظ، محدث نيسابور، (من) أئمة (الحنفية)، سمع أبا
حاتم وعثمن الدارمي، وعنه أبو علي وأبو أحمد الحاكم، قال ابن عقدة: كان من الحفاظ، مات
سنة خمس عشرة وثلاثمائة.
(الثامن: تجب في الصلاة من غير تعيين المحل، ونقل ذلك عن أبي جعفر الباقر،)
(بالقاف)، لأنه بقر العلم، وهو محمد بن علي بن الحسين.
(التاسع: تجب في التشهد،) صادق بالأول والأخير، (وهو قول الشعبي) عامر بن
شراحيل التابعي، (وإسحق بن راهويه) أحد الأئمة.
(العاشر: تجب في القعود آخر الصلاة بين قول التشهد وبين سلام التحلل) الذي هو
الأول، (قاله الشافعي ومن تبعه، واستدل لذلك بما رواه أصحاب السنن، وصححه الترمذي
وأبن خزيمة والحاكم عن أبي مسعود) عقبة بن عمرو بن ثعلبة الأنصاري، (البدري،) الصحابي،
الجليل، مات قبل الأربعين، وقيل: بعدها، (أنهم،) أي: الصحابة، وسمي منهم أبي، وبشير بن
سعد، وزيد بن خارجة، وطلحة، وأبو هريرة، وعبد الرحمن بن بشير، (قالوا: يا رسول اللّه، أما
السلام عليك فقد عرفناه، فكيف نصلي عليك إذا نحن صلينا عليك في صلاتنا، فقال:
قولوا اللهم صلٍ على محمد وعلى آل محمد، الحديث) يأتي تمامه في صفة الصلاة،
(ومعنى قولهم: أما السلام عليك فقد عرفناه هو الذي في التشهد الذي كان قد علمهم إياه،
كما يعلمهم السورة من القرءان، وفيه: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته).

١٧٣
الفصل الثاني في حكم الصلاة عليه والتسليم فريضة وسنية
من القرءان. وفيه: السلام عليك أيها النبي ورحمة اللَّه وبركاته، ورواه الشافعي في
مسنده عن أبي هريرة بمثله.
وقد احتج بهذه الزيادة جماعة من الشافعية، منهم ابن خزيمة، والبيهقي،
لإيجاب الصلاة عليه عَّم ويأتي أنه ليس فيه على تسليمه ما يدل على كونه قبل
السلام.
وقال الشافعي في الأم: فرض اللَّه الصلاة على رسوله عَ له بقوله: ﴿إِن
الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا
تسليمًا﴾ ولم يكن فرض الصلاة عليه في موضع أولى منه في الصلاة، ووجدنا
الدلالة عن النبي عَّله بذلك: أخبرنا إبراهيم بن محمد، حدثنا صفوان بن سليم عن
أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة أنه قال: يا رسول اللَّه، كيف نصلي
عليك - يعني في الصلاة - قال: تقولون اللهم صل على محمد وعلى آل محمد
كما صليت على إبراهيم الحديث. أخبرنا إبراهيم بن محمد، قال حدثني سعيد بن
إسحق بن كعب بن عجرة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن كعب بن عجرة عن
(ورواه الشافعي في مسنده عن أبي هريرة بمثله))) أي: حديث أبي مسعود، (وقد احتج
بهذه الزيادة،) يعني قوله في صلاتنا (جماعة من الشافعية، منهم ابن خزيمة والبيهقي لإِيجاب
الصلاة عليه عٌَّ) قبل السلام، (ويأتي أنه ليس فيه، على تسليمه ما يدل على كونه قبل
السلام).
(وقال الشافعي في الأم: فرض اللّه الصلاة على رسوله عَُّ، بقوله: ﴿إن الله وملائكته
يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما﴾، ولم يكن فرض الصلاة
عليه في موضع أولى،) أحق (منه في الصلاة، ووجدنا الدلالة عن النبي عَله، بذلك أخبرنا
إبراهيم بن محمد) بن أبي يحيى الأسلمي أبو إسحق المدني، متروك، مات سنة أربع وثمانين،
وقيل: سنة إحدى وتسعين ومائة، قال: (حدثنا صفوان بن سليم) (بضم السين)، المدني، العابد،
الثقة، المفتي (عن أبي سلمة) إسمعيل، أو عبد الله، أو اسمه، كنيته (ابن عبد الرحمن) بن عوف
الزهري، المدني، الثقة، كثير الحديث، (عن أبي هريرة أنه قال: يا رسول اللّه كيف نصلي
عليك، يعني في الصلاة، قال: تقولون: اللهم صلٍ على محمد، وعلى آل محمد كما
صليت على إبراهيم، الحديث) ترك بقيته، لأن مقصوده منه قوله: يعني الصلاة، قال الشافعي:
أيضاً (أخبرنا إبراهيم بن محمد) السابق فيما قبله، (قال: حدثني سعيد بن إسحق بن كعب بن

١٧٤
الفصل الثاني في حكم الصلاة عليه والتسليم فريضة وسنية
النبي عَِّ أنه كان يقول في الصلاة: اللَّهم صل على محمد وعلى آل محمد كما
صليت على إبراهيم وآل إبراهيم. الحديث.
قال الشافعي: فلما روي أن النبي عَّهِ كان يعلمهم التشهد في الصلاة،
وروي أنه علمهم كيف يصلون عليه في الصلاة، لم يجز أن يقول: التشهد في
الصلاة واجب والصلاة عليه فيه غير واجبة.
وقد تعقب بعض المخالفين هذا الاستدلال من أوجه:
أحدها: ضعف إبرهیم بن محمد بن أبي یحیی، والكلام فيه مشهور.
الثاني: على تقدير صحته فقوله في الأول: يعني في الصلاة، لم يصرح
بالقائل ((يعني)) .
عجرة) بضم العين وسكون الجيم، (عن عبد الرحمن بن أبي ليلى) الأنصاري، المدني، ثم
الكوفي، تابعي كبير، ثقة من رجال الجميع، مات بوقعة الجماجم سنة ثلاث وثمانين، قيل: إنه
غرق، (عن كعب بن عجرة، عن النبي عَّ أنه كان يقول في الصلاة: اللهم صلٍ على
محمد وآل محمد، كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم، الحديث) الآتي قريبًا، والغرض منه
هنا قوله في الصلاة، (قال الشافعي فلما روي أن النبي عَّه كان يعلمهم التشهد في
الصلاة. وروي أنه علمهم كيف يصلون عليه في الصلاة، لم يجز أن يقول التشهد
في الصلاة واجب، والصلاة عليه فيه غير واجبة،) بل سنة، أو مستحبة، لأنه تحكم،
وهذا بناء على مذهبه أن التشهد واجب، أما على مذهب غيره أنه سنة فمتجه، بل
لا يتأتى الاستدلال بذلك إن سلم الأعلى من يقول بوجوب التشهد.
(وقد تعقب بعض المخالفين هذا الاستدلال من أوجه، أحدها: ضعف) شيخه في
الحديثين المذكورين (إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى، والكلام فيه) لأصحاب الحديث
(مشهور). فقال الإِمام أحمد: هو قدري، معتزلي، جهمي، كل بلاء فيه. وقال يحيى القطان: إنه
كذاب، وقال البخاري: جهمي، تركه ابن المبارك والناس، وقال ابن عبد البر: مجمع على
تجریحه، وضعفه، غر الشافعي منه حذقه ونباهته، فروی عنه.
(الثاني: على تقدير صحته، فقوله في الأول، يعني في الصلاة، لم يصرح بالقائل،

١٧٥
الفصل الثاني في حكم الصلاة عليه والتسليم فريضة وسنية
الثالث: قوله في الثاني: ((أنه كان يقول في الصلاة)) وإن كان ظاهره أنه في
الصلاة المكتوبة، لكنه يحتمل أن يكون المراد بقوله في الصلاة، أي في صفة
الصلاة عليه، وهو احتمال قوي، لأن أكثر الطرق عن كعب بن عجرة يدل على أن
السؤال وقع عن صفة الصلاة لا عن محلها.
الرابع: ليس في الحديث ما يدل على تعيين ذلك في التشهد، خصوصًا
بينه وبين السلام.
وقد أطنب قوم من متأخري المالكية وغيرهم في التشنيع على الشافعي في
اشتراطه ذلك في الصلاة وزعم أنه تفرد بذلك.
وحكى الإجماع على خلافه، منهم أبو جعفر الطبري والطحاوي وابن المنذر
والخطابي.
يعني) حتى يعلم هل هو ممن يقبل تفسيره أم لا، (الثالث: قوله في) الحديث (الثاني أنه كان
يقول في الصلاة، وإن كان ظاهره أنه في الصلاة المكتوبة، لكنه يحتمل أن يكون المراد
بقوله في الصلاة، أي: في صفة الصلاة عليه،) إذا أرادوها في صلاة أو غيرها، كسماع ذكره،
فلا دلالة فيه على المدعي، (وهو احتمال قوي، لأن أكثر الطرق عن كعب بن عجرة يدل
على أن السؤال وقع عن صفة الصلاة، لا عن محلها،) وفي نسخة: في صفة، أي: في بيان
السؤال عن صفة، وعن أظهر.
(الرابع:) على تقدير التغاضي عن هذا كله، وتسليم أن المراد في الصلاة، (ليس في
الحديث ما يدل على تعيين ذلك في التشهد،) لأنه صادق بغيره، فهو مجمل، وهو كافٍ في
ترك الاستدلال به، (خصوصًا بينه وبين السلام،) الذي هو المدعي وجوبه بعد تسليم أن المراد،
في التشهد، ولقوة هذه الأوجه سلمها الحافظ، لأنه شأن المنصفين.
(وقد أطنب قوم من متأخري المالكية وغيرهم في التشنيع)، أي: الرد، وأصل معناه
التقبيح (على الشافعي في اشتراطه ذلك في الصلاة، و) أطنبوا في (زعم)،) بفتح الزاي
وسكون العين، والجر مصدر، (أنه تفرد بذلك))) فلم يقله أحد قبله، (وحكي الإجماع على
خلافة، منهم، أبو جعفر) محمد بن جرير (الطبري) المجتهد، (والطحاوي) أحد أئمة الحنفية
والحفاظ، (وابن المنذر) أبو بكر محمد بن إبراهيم النيسابوري، الحافظ، الحجة، المجتهد.
وقيل: إنه شافعي، مات بمكة سنة تسع أو عشر وثلاثمائة، (والخطابي) أحمد (بفتح
فسكون) بن محمد بن إبراهيم بن خطاب البستي (بضم الموحدة)، الحافظ، الفقيه، الشافعي،

١٧٦
الفصل الثاني في حكم الصلاة عليه والتسليم فريضة وسنية
وحكى القاضي عياض في الشفاء مقالاتهم. وقد عاب عليه غير واحد،
وقالوا: كان ينبغي سكوته عنها، لأن مبنى تأليفه ((الشفاء)) على كمال المبالغة في
تعظيمه غَيَّةٍ، وأداء حقوقه، والقول بوجوب الصلاة عليه في الصلاة من غرض
المبالغة في تعظيمه، وقد استحسن هو القول بطهارة فضلاته، مع أن الإكثر على
خلافه، لكنه استجاده لما فيه من الزيادة في تعظيمهٍ، وكيف ينكر القول بوجوب
الصلاة عليه وهي من جنس الصلاة ومقتضياتها، وإذا شرع السلام فيها على نفس
المصلي وعلى عباد اللَّه الصالحين، فكيف لا تجب الصلاة على سيد المرسلين؟
وقد انتصر جماعة كثيرة من العلماء الأعلام للشافعي، كالحافظ عماد
الدين بن كثير، والعلامة ابن القيم، وشيخ الإسلام والحفاظ أبي الفضل بن حجر،
وتلميذه شيخنا الحافظ وغيرهم ممن يطول عدهم.
تقدم بعض تراجمهم غير مرة.
(وحكى القاضي عياض في الشفاء: مقالاتهم، وقد عاب عليه غير واحد، وقالوا: كان
ينبغي سكوته؛ عنها) بأن يترك نقل مقالة هؤلاء، (لأن مبنى تأليفه الشفاء على كمال المبالغة
في تعظيمه عَّهِ وأداء حقوقه، والقول بوجوب الصلاة عليه في الصلاة من غرض المبالغة
في تعظيمه، وقد استحسن، هو) أي: عياض (القول بطهارة فضلاته) عَّة، (مع أن الأكثر
على خلافه، لكنه استجاده،) عده جيدًا حسنًا، (لما فيه من الزيادة في تعظيمه).
قال شيخنا: فيما أملأني مثل هذا لا يسمى عيبًا، ولا يعترض به، لأن مراد عياض كغيره
من العلماء بيان الحق، لينظر الواقف عليه الأقوال والأدلة، وليس فيه شىء بنا في تعظيمه عَّه،
فإن عظمته وكرامته لم تتوقف على هذه المسألة، وأما ذكره لمسألة الفضلة، فلأنه مذهبه
كالشافعي، فهو الحق عنده، (وكيف ينكر القول بوجوب الصلاة عليه) في الصلاة، (وهي من
جنس الصلاة ومقتضياتها،) لأنها أقوال وأفعال، وهي من الأقوال، وهذا اعتراض ساقط، لأنه إنما
أنكر الوجوب فقط، لأنه لا يثبت إلا بدليل خاص، (وإذا شرع السلام فيها على نفس
المصلي، وعلى عباد الله الصالحين، فكيف لا تجب الصلاة على سيد المرسلين،) فيه
نظر، إذ لا تلازم بينهما، وأيضًا، فمشروعية السلام على من ذكر سنة عند كثير من المخالفین،
وكذلك الصلاة.
(وقد انتصر جماعة كثيرة من العلماء الأعلام للشافعي، كالحافظ عماد الدين ابن
كثير، والعلامة ابن القيم، وشيخ الإِسلام، والحفاظ أبي الفضل) أحمد بن علي (بن حجر،
وتلميذه شيخنا الحافظ) السخاوي في القول البديع، (وغيرهم ممن يطول عدهم،) كالقطب

١٧٧
الفصل الثاني في حكم الصلاة عليه والتسليم فريضة وسنية
واستدلوا لذلك بأدلة نقليه ونظرية، ودفعوا دعوى الشذوذ، فنقلوا القول
بالوجوب عن جماعة من الصحابة، منهم ابن مسعود، وأبو مسعود والبدري
وجابر بن عبد اللَّه، ونقله أصحاب الشافعي عن عمر بن الخطاب، وابنه عبد اللَّه،
ومن التابعين: الشعبي، فيما رواه البيهقي كما سيأتي، وأبو جعفر الباقر، ومقاتل.
وأخرج الحاكم - باسناد قوي - عن ابن مسعود قال: يتشهد الرجل ثم يصلي
على النبي عَّه ثم يدعو لنفسه. قال الحافظ ابن حجر: وهذا أقوى شىء يحتج به
للشافعي، فإن ابن مسعود ذكر أن النبي عَّه. علمهم التشهد في الصلاة، وأنه قال:
ثم ليتخير من الدعاء ما شاء، فلما ثبت عن ابن مسعود الأمر بالصلاة قبل الدعاء،
دل على أنه اطلع على زيادة ذلك بين التشهد والدعاء، واندفعت حجة من تمسك
بحديث ابن مسعود في دفع ما ذهب إليه الشافعي وادعى مثل ما ذكره القاضي
الخيضري في تأليف له في ذلك، سماه زهر الرياض في رد شناعة عياض، وقفت عليه، وأكثره
قابل للرد، (واستدلوا لذلك بأدلة نقلية ونظرية، ودفعوا دعوى الشذوذ، فنقلوا القول بالوجوب
عن جماعة من الصحابة، منهم: ابن مسعود) عبد اللّه الهذلي، (وأبو مسعود) عقبة بن عمرو
الأنصاري، البدري، لأنه شهد بدراً، ولأنه نزلها (وجابر بن عبد الله) الصحابي ابن الصحابي،
(ونقله أصحاب الشافعي،) أي: مقلد ومذهبه، (عن عمر بن الخطاب وابنه عبد الله، ومن
التابعين الشعبي) بالموحدة عامر، (فيما رواه البيهقي، كما سيأتي، وكذلك أبو جعفر)
محمد (الباقر) من التابعين، (ومقاتل) من اتباع التابعين.
(وأخرج الحاكم بإسناد قوي عن ابن مسعود، قال: يتشهد الرجل،) وصف طردي،
والمراد المصلي ذكرًا أو أنثى، (ثم يصلي على النبي عَّةِ، ثم يدعو لنفسه) بما شاء.
(قال الحافظ ابن حجر: وهذا أقوى شىء يحتج به للشافعي، فإن ابن مسعود ذكر أن
النبي عٍَّ علمهم التشهد في الصلاة، وأنه قال: ثم ليتخير من الدعاء ما شاء، فلما ثبت
عن ابن مسعود الأمر بالصلاة قبل الدعاء، دل على أنه اطلع على زيادة، ذلك بين التشهد
والدعاء،) ولا دلالة على اطلاعه، لأنه لم يرفعه، لا صريحًا ولا حكمًا، فهو من اجتهاده، وليس
بحجة لمخالفة غيره من الصحابة له، بل قول الصحابي ليس بحجة عند الشافعي مطلقًا، وبتسليم
اطلاعه، فلا يقتضي الوجوب الذي هو محل النزاع، (واندفعت حجة من تمسك بحديث ابن
مسعود في دفع ما ذهب إليه الشافعي،) ولا اندفاع بذلك لما علمته، (وادعى مثل ما ذكره
القاضي عياض،) حيث (قال) في الشفاء: (وهذا تشمد ابن مسعود الذي علمه له النبي عَ له.

١٧٨
الفصل الثاني في حكم الصلاة عليه والتسليم فريضة وسنية
عياض قال: وهذا تشهد ابن مسعود الذي علمه له النبي عَّةٍ ليس فيه ذكر الصلاة
عليه.
وفي جزء الحسن بن عرفة، مرفوعًا وأخرجه المعمري في عمل اليوم وليلة
عن ابن عمر- بسند جيد - قال: لا تكون صلاة إلا بقراءة وتشهد وصلاة عليّ.
وأخرج البيهقي في الخلافيات - بسند قوي - عن الشعبي، وهو من كبار
التابعين، قال: كنا نُعلم التشهد، فإذا قال: وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، يحمد
ربه ويثني عليه ثم يصلي على النبي عَّه ثم يسأل حاجته.
وفي حديث أبي جعفر، عن ابن مسعود، مرفوعًا: من صلى صلاة لم يصل
ليس فيه ذكر الصلاة عليه،) وكذلك كل من روى التشهد عن النبي عليه، كأبي هريرة وابن
عباس وجابر وابن عمر وأبي سعيد وأبي موسى وابن الزبير، لم يذكروا فيه صلاة على النبي عَّ.
اهــ
(وفي جزء الحسن بن عرفة) بن يزيد العبدي، أبي علي البغدادي، صدوق، حافظ، مات
سنة سبع وخمسين ومائتين، وقد جاوز المائة، (مرفوعًا، وأخرجه المعمري،) بفتح الميمين
بينهما عين ساكنة، ثم راء، الحافظ، العلامة البارع، الحسن بن علي بن شبيب البغدادي، قيل له
المعمري، لأن جده لأمه سفين المعمري كان صاحب معمر، أو لأنه عني بجمع حديثه.
قال الخطيب: كان من أوعية العلم، يذكر بالفهم ويوصف بالحفظ، وفي حديثه غرائب
وأشياء ينفرد بها، وقال الدارقطني: صدوق، حافظ، جرحه موسى بن لهرون لعداوة بينهما، وأنكر
عليه أحاديث، فأخرج أصوله بها، ثم ترك روايتها، مات في المحرم سنة خمس وتسعين ومائتين.
(في) كتاب (عمل يوم وليلة، عن ابن عمر، بسند جيد،) أي: مقبول، (قال: لا تكون صلاة
إلا بقراءة وتشهد وصلاة علي،) بشد ياء المتكلم عَّةٍ، وهذا لا دلالة فيه على الوجوب،
لاحتمال أن معناه لا تكون صلاة مجزئة أو كاملة، وهو أقرب لأحاديث التشهد التي ليس فيها
صلاة.
(وأخرج البيهقي في الخلافيات، بسند قوي عن الشعبي، وهو من كبار التابعين،
قال: كنا نعلم) (بضم النون وشد اللام) (التشهد، فإذا قال: وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله
يحمد ربه ويثني عليه، ثم يصلي على النبي عَّةٍ، ثم يسأل حاجته،) وليس في تعليمهم
ذلك ما يدل على الوجوب إذ التعليم للصفة الشاملة للاستحباب بدليل سؤال الحاجة، بل
لا دلالة فيه على وجوب أصل التشهد.
(وفي حديث أبي جعفر) محمد الباقر (عن ابن مسعود مرفوعًا، من صلى صلاة لم

١٧٩
الفصل الثاني في حكم الصلاة عليه والتسليم فريضة وسنية
فيها علي وعلى أهل بيتي لم تقبل منه. قال الدارقطني: الصواب أنه من قول أبي
جعفر محمد بن علي بن الحسين: لو صليت صلاة لم أصل فيها على النبي عَ له.
ولا على أهل بيته لرأيت أنها لا تتم، لكن راويه عن أبي جعفر جابر الجعفي وهو ضعيف.
كذا في الشفاء.
وقد وافق الشافعي من فقهاء الأمصار أحمد في إحدى الروايتين عنه، وعمل
به أخيرًا، كما حكاه عنه أبو زرعة الدمشقي، فيما ذكره الحافظ ابن كثير،
وأوجب إسحق بن راهويه الإعادة مع تعمد تركها دون النسيان، والمشهور عند
أحمد أنها تبطل بتركها عمدًا وسهوًا، وعليه أكثر أصحابه، حتى إن بعض أئمة
الحنابلة أوجب أن يقال في الصلاة عليه: عَّة، كما علمهم أن يقولوا لما سألوا،.
كما ذكره ابن كثير، ووافق الخرقي إسحق في التقييد بالعمد دون النسيان.
يصلٍ فيها عليّ) (بشد الياء) (وعلى أهل بيتي لم تقبل منه،) وهذا بفرض ثبوته لا دليل فيه
على الوجوب، إذ عدم القبول لا يقتضي البطلان، فكيف وقد (قال الدارقطني،) معللاً لهذا
الحديث، (الصواب أنه من قول أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين) بن علي بن أبي
طالب، بلفظ، (لو صليت صلاة لم أصلٍ فيها على النبي عَّه، ولا على أهل بيته لرأيت
أنها لا تتم، لكن) هذا لا يصح عن الباقر أيضًا.
فإن (راويه عن أبي جعفر) محمد الباقر (جابر) بن يزيد بن الحرث (الجعفي،) الكوفي،
(وهو ضعيف،) رافضي، مات سنة سبع وعشرين ومائة، وقيل: سنة اثنتين وثلاثين، (كذا في
الشفاء) لعياض، ولا وجه لذكره بصيغة التبري، (وقد وافق الشافعي من فقهاء الأمصار أحمد
في إحدى الروايتين، عنه وعمل به أخيرًا، كما حكاه عنه) تلميذه (أبو زرعة) عبد الرحمن بن
عمرو بن عبد الله بن صفوان النضري (بالنون) (الدمشقي،) الحافظ، شيخ الشام، روى عن أبي
مسهر وأبي نعيم وأحمد وخلق، وعنه أبو داود والطحاوي وغيرهما.
قال أبو حاتم: صدوق، ثقة، مات سنة إحدى وثمانين ومائتين، وله تصانيف (فيما ذكره
الحافظ ابن كثير، وأوجب إسحق بن راهويه الإِعادة مع تعمد تركها دون النسيان،) قيل:
كان يراها واجبًا غير شرط، وقيل: له قولان: (والمشهور عند أحمد أنها تبطل بتركها عمدًا
وسهوًا، وعليه أكثر أصحابه حتى أن بعض أئمة الحنابلة أوجب أن يقال فى الصلاة عليه
عٍَّ، كما،) أي: مثل الذي (علمهم أن يقولوا لما سألوا، كما ذكره ابن كثير، ووافق
الخرقي:) بكسر الخاء المعجمة وفتح الراء وقاف نسبة إلى بيع الخرق والثياب أبو القسم،
عمر بن الحسين بن عبد الله بن أحمد البغدادي، شيخ الحنابلة، الفقيه، صاحب المختصر، وكان

١٨٠
الفصل الثاني في حكم الصلاة عليه والتسليم فريضة وسنية
والخلاف أيضًا عند المالكية كما ذكره ابن الحاجب في سنن الصلاة، ثم
قال: على الصحيح، فقال شارحه ابن عبد السلام: يريد أن في وجوبها قولين، وهو
ظاهر كلام الإمام ابن المواز وبه صرح عنه ابن القصار، وعبد الوهاب، كما في
الشفاء بلفظ: إنه يراها فريضة في الصلاة كقول الشافعي، قال: وحكى أبو يعلى
له تصانيف كثيرة، أودعها ببغداد وسافر، فاحترقت، (إسحق) بن راهويه (في التقييد بالعمد دون
النسيان) مخالفًا لأكثر الحنابلة، (والخلاف أيضًا عند المالكية، كما ذكره ابن الحاجب في
سنن الصلاة، ثم قال: على الصحيح، فقال شارحه) العلامة محمد (بن عبد السلام) التونسي،
قاضيها الفقيه، المالكي المشهور، شيخ الإِمام محمد بن عرفة، (يريد أن في وجوبها قولين،
وهو،) أي: الوجوب (ظاهر كلام الإِمام ابن المواز) محمد بن إبراهيم بن زياد الإسكندري، كان
راسخًا في الفقه والفتيا، مجتهدًا في المذهب، له ترجيحات وأقوال ومصنفات، وانتهت إليه
رياسة المالكية بمصر في زمنه.
وروى عن أصبغ وعبد اللّه بن عبد الحكم، وابن الماجشون وغيرهم، ولد في رجب سنة
ثمانين ومائة، ومات في ذي القعدة سنة تسع وستين ومائتين، وقيل: سنة إحدى وثمانين، (وبه
صرح عنه ابن القصار) أبو الحسن علي بن أحمد البغدادي، قاضيها الفقيه، الأصولي النظار،
صاحب تصانيف.
قال أبو ذر: هو أفقه من رأيت من المالكية، وكان ثقة، قليل الحديث، مات سنة ثمان
وتسعين وثلاثمائة، (وعبد الوهاب) بن علي بن نصر أبو محمد البغدادي، أحد الأعلام وأئمة
المالكية المجتهدين في المذهب، له أقوال وترجيحات، تفقه على ابن القصار وابن الجلاب،
وإليه انتهت رياسة المذهب.
قال الخطيب: لم أرّ أفقه منه في المالكية، ولي قضاء داريا، وتحول إلى مصر لضيق حاله
ببغداد، فأكرم بها، وتمول وسعد جدًا، فأدركه الموت، فصار يقول في مرضه: لا إله إلا اللّه،
عندما عشنا متنا، مات بمصر في شعبان سنة، اثنتين وعشرين وأربعمائة عن ستين سنة (كما في
الشفاء،) عنهما (بلفظ: إنه،) أي: ابن المواز (يراها فريضة في الصلاة، كقول الشافعي،)
فظاهره أنه يرى بطلانها بتركها، ولفظ ابن المواز: الصلاة.
على النبي عَ له فريضة في الصلاة (قال) عياض: قال ابن أبي زيد: يريد ليست من فرائض
الصلاة، أي: بل فرض في الجملة لا تبطل بتركها، وقاله محمد بن عبد الحكم وغيره، وحكي
ابن القصار وعبد الوهاب ابن المواز ... الخ.
قال عياض، عقب هذا في بعض نسخ الشفاء، (وحكى أبو يعلى) أحمد بن محمد