Indexed OCR Text
Pages 1-20
شَجُ الْعَلَامَةِ الرَّدَقَانِي
المتوفى سنة ١١٢٢ هـ.
اعلى
المواهب المدنيّة بالريح المحمديّة
للعَلَّامَة القسطَلاني
المتوفى سنة ٩٢٣ هـ.
ضبطَهَ وَصَحْهُ
محمد عبدالعزيز الخالد
الجزء التاسع
دار الكتب العلمية
بيروت - لبنان
جميع الحقوق محفوظة
جميع حقوق الملكية الأدبية والفنية محفوظة لدار الكتب
العلمية بيروت - لبنان ويحظر طبع أو تصوير أو ترجمة
أو إعادة تنضيد الكتاب كاملا" أو مجزأ أو تسجيله على أشرطة
كاسيت أو إدخاله على الكمبيوتر. أو برمجته على اسطوانات
ضوئية إلا بموافقة الناشر خطياً".
Copyright C
All rights reserved
Exclusive rights by DAR al-KOTOB al-
ILMIYAH Beirut - Lebanon. No part of this
publication may be translated, reproduced,
distributed in any form or by any means, or
stored in a data base or retrieval system,
without the prior written permission of the
publisher.
الطّبعَة الأولى
١٤١٧ هـ - ١٩٩٦ مـ
دار الكتب العلمية
بيروت - لبنان
: رمل الظريف، شارع البحتري، بناية ملكارت
العنوان
تلفون وفاكس: ٢٦٤٣٩٨ - ٣٦٦١٣٥ - ٦٠٢١٣٣ (١ ٩٦١) ..
صندوق بريد: ٩٤٢٤ - ١١ بيروت - لبنان
1
DAR al-KOTOB al-ILMIYAH
Beirut - Lebanon
Address : Ramel al-Zarif, Bohtory st., Melkart bldg., 1st Floore.
Tel. & Fax : 00 (961 1) 60.21.33 - 36.61.35 - 36.43.98
P.O.Box : 11 - 9424 Beirut - Lebanon
بِالله ◌ِالرَ الشَّمُ
النوع العاشر
في إزالة الشبهات عن آيات
وردت في حقه عليه الصلاة والسلام متشابهات
قال الله تعالى: ﴿ووجدك ضالاً فهدى﴾ [الضحى/٧].
اعلم أنه قد اتفق العلماء على أنه عَِّ ما ضل لحظة واحدة قط، وهل هو
جائز عقلاً على الأنبياء - صلوات اللَّه وسلامه عليهم أجمعين - قبل النبوة.
قالت المعتزلة: هو غير جائز عقلاً لما فيه من التنفير.
وعند أصحابنا: أنه جائز في العقول، ثم يكرم اللَّه من أراده بالنبوة، إلا أن
الدليل السمعي قام على أن هذا الجائز لم يقع لنبي، قال الله تعالى: ﴿ما ضل
(النوع العاشر)
(في إزالة الشبهات:) جمع شبهة، وهي ما يرى دليلاً، وليست بدليل، لفساد القيا أو
لغير ذلك (عن آيات وردت في حقه عليه الصلاة والسلام، متشابهات،) محتملات، لا يتضح
مقصودها لإِجمال أو مخالفة ظاهر، إلا بالفحص والنظر، أو دل القاطع على أن ظاهرها غير مراد،
ولم يدل على المراد، وتطلق المتشابهات أيضًا على ما استأثر اللّه بعلمه، وليس بمراد هنا.
(قال الله تعالى: ﴿ووجدك ضالاً فهدى﴾) [الضحى/٧]، أي: منها هذه الآية، لأن
القواطع دلت على أن ظاهرها ليس بمراد، وأفاد هذا بنقل الإِجماع، بقوله: (اعلم أنه قد اتفق
العلماء على أنه عَِّ ما ضل لحظة واحدة (قط؛) بأن ظن بالله ما هو محال عليه، (وهل
هو،) أي الضلال المفهوم من قوله: ما ضل، (جائز عقلاً على الأنبياء صلوات الله وسلامه
عليهم أجمعين قبل النبوة، قالت: المنزلة هو غير جائز عقلاً لما فيه،) أي: تجويز تلبسهم به
وظهوره عليهم، (من التنفير) عن اتباعهم بعد الوحي وإجابتهم للإِيمان والطاعة، ولا يخفى أن
هذه علة باردة، فالتنفير فعل المنفر، وأي فعل في تجويز العقل، فالتجويزات العقلية لا يلزم منها
شىء البتة، فالعقل يجوز انقلاب البحر دمًا والحجر ذهبًا، ونحو ذلك قرره شيخنا، (وعند
أصحابنا) أهل السنّة (أنه جائز في العقول،) وهو أبلغ في اتباعهم، لأنه حيث جاز عقلاً، ولم
يقع علم أنهم مصطفون عند اللّه صادقون فيما أخبروا به عنه (ثم يكرم اللّه من أراده بالنبوة)
بالعصمة من ابتدائه إلى منتهاه فحذف صلة يكرم ولذا عدل عن أن يقول ثم يكرمهم (إلا أن
الدليل السمعي، قام على أن هذا الجائز لم يقع لنبي) من الأنبياء أصلاً (قال اللّه تعالى:
﴿ما ضل صاحبكم، وما غوى﴾. [النجم/٢]، (قاله الإِمام فخر الدين) الرازي: ويقال عليه الآية
٤
النوع العاشر في إزالة الشبهات عن آيات وردت في حقه
صاحبكم وما غوى﴾ [النجم/٢] قاله الإمام فخر الدين.
وقال الإمام أبو الفضل اليحصبي في ((الشفاء)): والصواب أنهم معصومون
قبل النبوة من الجهل باللّه تعالى وصفاته، والتشكيك في شىء من ذلك، وقد
تعاضدت الأخبار والآثار عن الأنبياء بتنزيههم عن هذه النقيصة منذ ولدوا، ونشأتهم
على التوحيد والإيمان، بل على إشراق أنوار المعارف، ونفحات ألطاف السعادة،
في حق نبينا، فكيف صح جعلها دليلاً على جميع الأنبياء إذ لا يلزم من نفي ذلك عنه نفيه
عنهم، ثم هي إنما سيقت في مقام نفي ما نسبه المشركون إليه، وكان بعد النبوة، والجواب: أما
الأول، فالعلة في نفي الضلال العصمة لإِكرام اللّه تعالى له بالنبوة، وهذه العلة يشاركه فيها جميع
الأنبياء، فالآية نص فيه وقياس في باقيهم، وأما الثاني، فالأفعال بمنزلة النكرات والنكرة، نعم فكأنه
قال: ما صدر منه ضلال لا قبل النبوة ولا بعدها.
(وقال الإِمام أبو الفضل) عياض (اليحصبي،) العلم الشهير (في الشفاء:) وأما عصمتهم
من هذا الشىء قبل النبوة، فللناس فيه خلاف، (والصواب،) أي: القول الموافق للواقع، وللأدلة
الدالة على أن خلافة خطأ من قائله؛ (أنهم معصومون،) محفوظون، مصونون (قبل النبوة من
الجهل باللّه تعالى)، أي: بوجود ذاته (وصفاته)، فلا يجهلون شيئًا منها (و) معصومون أيضًا من
(التشكيك) لأنفسهم (في شىء من ذلك).
وفي نسخة: أو التشكيك بالعطف بأو الفاصلة، أي: لا يقع في نفسهم شك في الذات
ولا في صفة من صفاتها، لأن فطرتهم جبلت على التوحيد والإيمان، وأما قوله: ﴿ما كنت تدري
ما الكتاب ولا الإِيمان﴾، فالمراد به ما لا يعلم بالوحي، كوجوب الصلاة ونحوه من فروع
الشريعة، (وقد تعاضدت،) أي: تفوت مأخوذ من العضد، وهو ما بين المرفق إلى الكتف، ولكون
عمل الإِنسان واعتماده بذلك، قيل: عضدته بمعنى قويته، قاله الراغب.
وقال التلمساني: أي قوى بعضها بعضًا، تفاعل من اثنين لقيام كل واحد من الأخبار مع
صاحبه حتى حصلت القوة التامة بذلك (الأخبار والآثار،) بمعنى، وقيل: الخبر المرفوع والأثر،
قول الصحابي ومن دونه، والمراد بها ما اشتهر من أحوالهم وصفاتهم المأثورة، المعروفة عند كل
أحد، (عن الأنبياء) كلهم والمرسلين بأسرهم، وليس المراد أنه نقل عنهم، بل عرف عنهم وفي
حقهم، فلم يصب من قدر، وعن غيرهم (بتنزيههم،) أي: تبرئتهم (عن هذه النقيصة،) بصاد
مهملة، أي: الصفة المنقصة لمن اتصف بها (منذ ولدوا) إلى آخر عمرهم، (ونشأتهم) بالجر
عطف على تنزيههم، أي: وبنشأتهم، أي: ابتداء خلقهم لا زمن شبابهم، كما توهم (على
التوحيد،) وهو عدم الشرك (والإِيمان) باللّه وبكل ما يجب الإِيمان به، (بل) للانتقال على سبيل
٥
النوع العاشر في إزالة الشبهات عن آيات وردت في حقه
ولم ينقل أحد من أهل الأخبار أن أحدًا نبىء واصطفي ممن عرف بكفر وإشراك
قبل ذلك، ومستند هذا الباب النقل.
ثم قال: وقد استبان بما قررناه ما هو الحق من عصمته علي عن الجهل
باللَّه وصفاته، أو كونه على حالة تنافي العلم بشىء من ذلك كله جملة بعد النبوة
عقلاً وإجماعًا، وقبلها سمعًا ونقلاً، ولا بشىء مما قرره من أمور الشرع وأداه عن
ربه من الوحي قطعًا، عقلاً وشرعًا، وعصمته عن الكذب وخلف القول منذ نبأه اللَّه
الترقي (على إشراق،) أي: شدة ظهور (أنوار المعارف) في أحوالهم وأقوالهم: أي: معرفة ذات
اللّه وصفاته، وكل ما يتعلق به، (ونفحات:) جمع نفحة، وهي الروائح الطيبة التي تفوح (ألطاف
السعادة،) أي: كونهم سعداء الدارين، فشبه ما يلوح منهم من أماراتها برائحة طيب، يعبق، فيملأ
الكون، (ولم ينقل أحد من أهل الأخبار) عن أحد غيره (أن أحدًا نبىء،) بهمز آخره، أي: صيره
اللّه نبيًا (واصطفىء) أي: اصطفاه اللّه واختاره (ممن عرف بكفر وإشراك،) عطف خاص على
عام (قبل ذلك،) أي: نبوته واصطفائه، (ومستند) اسم مفعول، أي: ما يستند إليه ويعلم به (هذا
الباب،) أي: باب معرفة أحوال الأنبياء، (النقل) عن الأخبار والآثار، ويؤيده العقل الدال على أنه
تعالى لا يختار من خلقه لنبوته إلا من كان كذلك، فليس المراد الحصر، وقد عقبه عیاض بما
يدل على موافقة العقل للنقل، (ثم قال) بعد كلام طويل في الأجوبة عن آيات وأحاديث: ليس
المراد ظاهرها.
(وقد استبان،) أي: تبين: والسين للتأكيد لا الطلب، ولأن ما يثبت من شأنه أن يناقش فيه
(بما قررناه،) الباء للسببية، فإذا تأملته بأن لك (ما هو الحق من عصمته عَّه عن الجهل باللّه
وصفاته؛) بأن ينفي وجود ذاته، أو يتردد فيه، أو ينفي شيئًا من صفاته، أو يعتقد شيئًا منها على
خلاف حقيقته، وكذا سائر الأنبياء، (أو) استبان لك عصمته من (كونه،) أي: وجوده وخلقه،
كسائر الأنبياء (على حالة تنافي العلم بشىء من ذلك،) أي: ذاته وصفاته (كله جملة،)
فلا يجهل شيئًا من ذلك أصلاً لا سيما (بعد النبوة عقلاً) وشرعًا لقضائه بحيازته جميع الشرف
والكمال، لأنه تعالى لا يصطفي إلا من هو كذلك، (وإجماعًا) من كل المسلمين (وقبلها سمعًا
ونقلاً في الأحاديث الصحيحة، والجمع بينهما للتوكيد، والمنصوبات تمييز، (ولا بشىء) عطف
على قوله بشىء قبله، أي: ولا كونه على حالة تنافي العلم بشىء (مما قرره من أمور الشرع،)
الذي أمر بتبليغه، (وأداه:) أوصله وبلغه (عن ربه من الوحي قطعًا) مقطوعًا به، متيقنًا بلا خلاف
(عقلاً وشرعًا،) لأنه منافٍ لإِرساله به وأمره بتبليغه، فكيف يجوز عليه جهل شىء منه، فالأنبياء
معصومون من ذلك لدلالة المعجزات على علمهم وصدقهم فيما بلغوه عن اللّه، وإلا كان افتراء
٦
النوع العاشر في إزالة الشبهات عن آيات وردت في حقه
وأرسله، قصدًا أو غير قصدًا، واستحالة ذلك عليه شرعًا وإجماعًا، ونظرًا وبرهانًا،
وتنزيهه عنه قبل النبوة قطعًا، وتنزيهه عن الكبائر إجماعًا، وعن الصغائر تحقيقًا،
وعن استدامة السهو والغفلة، واستمرار الغلط والنسيان عليه فيما شرعه للأمة،
وعصمته في كل حالاته من رضا وغضب، وجد ومزح، ما يجب لك أن تتلقاه
باليمين، وتشد عليه يد ضنين، فإن من يجهل ما يجب للنبي عَّهِ، أو يجوز أو
على اللّه، وهو باطل عقلاً وشرعًا، (وعصمته) بالجر عطف على عصمته الأولى (عن الكذب)
لمنافاة المعجزة له، (وخلف القول) لئلا يتهم في تبليغه (منذ نبأه اللّه وأرسله،) فلم يصدر عنه
شىء منه، وهو مستحيل (قصدًا) بأن يقول ما يخالف ما أرسل به اختيارًا (أو غير قصدًا،)
فلا يقع ذلك منه سهوًا ونسيانًا، وإليه ذهب أبو إسحق الإِسفرايني، وجوزه الباقلاني لعدم منافاته
للمعجزة، لأنه لا يقر عليه، (واستحالة ذلك) الكذب والخلف (عليه شرعًا وإجماعًا ونظرًا
وبرهانًا).
وفي نسخة: أو قبل قوله نظرًا وهي أحسن، لأن المعنى أن استحالة ذلك شرعًا وإجماعًا
مما دل عليه النظر، والدليل العقلي (وتنزيهه))) أي: تبرئته (عنه قبل النبوة قطعًا) لتواتره، فكان
يسمى الأمين، لأنه مأمون قولاً وفعلاً، (وتنزيهه عن الكبائر إجماعًا) لرفعة قدره عنها، (وعن
الصغائر تحقيقًا) إثباتًا بالدلائل المفيدة لذلك، فالتحقيق إثبات المسألة بدليلها، أو أمرًا محققًا،
ولتجويز بعضهم لها لم يقل إجماعًا أو قصدًا بقرينة قوله: (وعن استدامة السهو والغفلة) عطف
تفسير لبعد ساحة التبليغ عنها، فإن وقع نبه عليه بسرعة، ولله در القائل:
يا سائلي عن رسول اللّه كيف سها والسهو من كل قلب غافل لاهي
قد غاب عن كل شىء سره فسها عما سوى اللّه فالتعظيم لله
(و) عن (استمرار الغلط والنسيان عليه) حفظًا له بإيقاظ قلبه وتنبهه (فيما شرعه للأمة،)
لأن استمراره منافٍ لتشريعه له، (وعصمته) بالجر، ويجوز رفعه خبره كائنة (في كل حالاته من
رضا وغضب وجد) (بكسر الجيم ضد الهزل، (ومزح،) فإن مزح لا يقول إلا حقًّا (ما يجب
لك) بدل من قوله ما هو الحق، ويجوز أن ما لتأكيد القلة في الحالات الأربع، ويجب مستأنف،
ولفظ الشفاء: فيجب عليك (أن تتلقاه،) أي: تأخذه وتعلمه (باليمين،) أي: بالقبول واليمن
والبركة، لأنه يؤخذ بها ما ينتفع به لسهولة العمل بها عادة، والعرب تقول لها يتمدح به أخذه
باليمين، قال الشماخ:
إذا ما راية رفعت لمجد تلقاها عرابة باليمين
(وتشد عليه يد لضنين) البخيل وزناً، ومعنى من الضنة، وهي شدة البخل، أي تحرص
٧
النوع العاشر في إزالة الشبهات عن آيات وردت في حقه
يستحيل عليه، ولا يعرف صور أحكامه لا يأمن أن يعتقد في بعضها خلاف ما هي
عليه، ولا ينزهه عما لا يجوز أن يضاف إليه، فيهلك من حيث لا يدري، ويسقط
في هوة الدرك الأسفل من النار، إذ ظن الباطل به واعتقاده ما لا يجوز عليه يحل
صاحبه دار البوار.
وقد استدل بعض الأئمة على عصمتهم من الصغائر، بالمصير إلى امتثال
على حفظ ما ذكر من تنزيه قدره عما ذكر، كحرص البخيل على ما في يده لشدة بخله وخوفه
من ذهابه، وفيه مع اليمين مراعاة النظير، وفسر بالقوة ولا يناسب هنا، (فإن من يجهل ما يجب
للنبي عَّ) اعتقاده، (أو يجوز أو يستحيل عليه،) أي: يمتنع في حقه شرعًا وعقلاً وعادة،
(ولا يعرف صور أحكامه،) أي: الحكم المتصور في حقه من وجوب وجواز وحرمة، (لا يأمن
أن يعتقد في بعضها خلاف ما هي عليه،) فيقع فيما لا يجوز اعتقاده، (ولا ينزهه عما لا يجوز
أن يضاف،) أي: ينسب (إليه) ويوصف به، (فيهلك،) أي: يقع في أمر هو سبب هلاكه في
الدارين (من حيث لا يدري) لجهله، (ويسقط في هوة) (بضم الهاء وشد الواو)، وهو العميق،
كالبئر (الدرك) (بفتحتين)، وقد تسكن الراء ما ينزل به إلى (الأسفل) من دركات المنازل (من
النار) أي: نار جهنم، فالتعريف للعهد، وهي هنا مجاز عن محلها، ويستعمل كثيرًا بهذا المعنى،
وهو عبارة عن عقابه أشد العقاب في الآخرة بسبب ما ذكر، ولذا علله بقوله: (إذ ظن الباطل
به)) أي: ما لا يصح في حقه (واعتقاده) على طريق الجزم (ما لا يجوز عليه) شرعًا وعقلاً،
(يحل) (بضم الياء وكسر الحاء وشد اللام)، وفاعله ضمير ما ذكر من الظن والاعتقاد، أي: يحل
(صاحبه،) أي: ذلك الاعتقاد (دار البوار) (بفتح الموحدة) الهلاك، يعني جهنم، وهو من
أسمائها، أي: يجعله حالاً فيها، وضبط البرهان يحل، بفتح أوله وضم ثانيه، وصاحبه فاعل، وهو
جائز أيضًا، وطلب الرواية في مثل هذا عناء بلا طائل، فنطق عياض بأحد الضبطين لا يمنع الثاني،
فهو کلام لا حدیث یمنع بغیر ما روی به.
قال: في الشفاء: ولهذا احتاط، على الرجلين اللذين رأياه ليلاً في المسجد مع صفية،
فقال لهما: إنها صفية، ثم قال: إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، وإني خشيت أن
يقذف في قلوبكما شيئًا فتهلكا، ثم قال بعد طول جوز جماعة من السلف وغيرهم من الفقهاء
والمحدثين والمتكلمين الصغائر على الأنبياء، وذهب طائفة إلى الوقف، وذهب المحققون من
الفقهاء والمتكلمين إلى عصمتهم منها كالكبائر، ثم قال بعد كلام قليل ما حكاه المصنف،
بقوله: (وقد استدل بعض الأئمة على عصمتهم من الصغائر بالمصير إلى امتثال أفعالهم،)
أي: فعل مثلها اقتداء بهم، فلو وقع ذلك منهم، أو جاز فعله الناس، وظنوه شرعًا، فلذا عصموا
٨
النوع العاشر في إزالة الشبهات عن آيات وردت في حقه
أفعالهم واتباع آثارهم وسيرتهم مطلقًا. وجمهور الفقهاء على ذلك من أصحاب
ملك والشافعي وأبي حنيفة من غير التزام قرينة بل مطلقًا عند بعضهم، وإن اختلفوا
في حكم ذلك، فلو جوزنا عليهم الصغائر لم يمكن الاقتداء بهم في أفعالهم، إذ ليس
كل فعل من أفعاله يتميز مقصده من القربة والإباحة والحظر والمعصية. انتهى.
واختلف في تفسير هذه الآية على وجوه كثيرة:
أحدها: أي وجدك ضالاً عن معالم النبوة. وهو مروي عن ابن عباس
منها، لأن ذنب العظيم عظيم، وإن قل، (واتباع آثارهم وسيرتهم مطلقًا،) سواء كانت ضرورية أم
جبلية، كالقيام والقعود، والأكل والشرب، فإنا نتأسى بهم، وفيه، وإن كان مباحًا، لأن الأصل في
أفعالهم أنها حسنة شرعية، فيتبعون في كل ما صدر منهم، لأن الأصل أرجح من الظاهر،
(وجمهور الفقهاء على ذلك،) أي: اتباع آثارهم مطلقًا إن لم يعلم أنه خصوصية لهم (من
أصحاب،) أي: كبار مذهب (لملك والشافعي، وأبي حنيفة، من غير التزام) قيام (قرينة) تدل
على أنه فعله للتشريع والاقتداء به فيه، (بل) يقتدي بفعله (مطلقًا) من غير التزام قرينة المشروعية
(عند بعضهم، وإن اختلفوا) بعد القول (في حكم ذلك،) فذهب كثير من الفقهاء والمحدثين
وأكثر الشافعية إلى استحباب اتباعه في الأمور الجبلية، كغيرها.
وذهب جماعة إلى أنه مباح أحسن من غيره، وحكى أبو الفرج، وابن خويز منداد عن
ملك، الوجوب، وبه قال أكثر أصحابنا، وأكثر أهل العراق، وابن سريج والأصطخري، وابن خيران
عن الشافعية، هذا ملخص ما حذفه المصنف من الشفاء قبل قوله: (فلو جوزنا عليهم) فعل
(الصغائر لم يمكن الاقتداء بهم في أفعالهم) مطلقًا، كما أمرنا به، (إذ ليس كل فعل من
أفعاله،) كغيره منهم (يتميز مقصده،) أي: ما قصده به (من القربة،) بأن يكون واجبًا أو مندوبًا،
(والإِباحة) بأن لا يترتب عليه ثواب، ولا عقاب، أو مدح، أو ذم، (والحظر) بالمشالة، أي: المنع
شرعًا، لكونه محرمًا أو مكروهًا، أو خلاف الأولى، فقوله: (والمعصية) تفسير، أو يخص
المعصية بالحرام، والحظر بخلاف الأولى والمكروه. (انتهى) ما نقله عن عياض.
وقال عقبة: ولا يصح أن يؤمر المرء بامتثال أمر لعله معصية، لا سيما على من يرى تقديم
الفعل على القول إذا تعارضا، وما كان ينبغي للمصنف حذف هذا، لأنه من جملة الدليل وما
كان يزيد به الكتاب، (واختلف في تفسير هذه الآية على وجوه كثيرة).
(أحدها: أي: وجدك ضالاً عن معالم النبوة،) أي: مظانها وهي ما أنزل عليه من القرآن
وغيره، وما ظهر عليه من الآيات، فالمعالم: جمع معلم مظنة الشىء وما يستدل به عليه، كما
في القاموس.
٩
النوع العاشر في إزالة الشبهات عن آيات وردت في حقه
والحسن والضحاك وشهر بن حوشب، ويؤيده قوله تعالى: ﴿ما كنت تدري ما
الكتاب ولا الإيمان﴾ [الشورى/٥٢] أي ما كنت تدري قبل الوحي أن تقرأ
القرءان، ولا كيف تدعو الخلق إلى الإيمان، قاله السمرقندي وقال بكر القاضي: ولا
الإيمان الذي هو الفرائض والأحكام، فقد كان عليه الصلاة والسلام قبل مؤمنًا
بتوحيده، ثم نزلت الفرائض التي لم يكن يدريها قبل، فازداد بالتكاليف إيمانًا،
وسيأتي آخر هذا النوع مزيد لذلك إن شاء اللَّه.
الثاني: من معنى قوله تعالى: ضالاً ما روي مرفوعًا مما ذكره الإمام فخر الدين
الرازي أنه عليه الصلاة والسلام قال: ضللت عن جدي عبد المطلب وأنا صبي
وزاد المصنف في معالم الشفاء: لعله إشارة إلى أن النبوة نفسها الأخبار بها كأن قيل له:
أنت نبي، أو وجد ما يدل على اتصافه بالنبوة من غير وحي بشرع لا يفيد هداية وإنما يفيدها
الآثار الآتية من الشرع التي يعمل بها وإن لم يؤمر بتبليغها قرره شيخنا، (وهو مروي عن
ابن عباس، والحسن) البصري (والضحاك، وشهر بن حوشب،) وقال به ابن جرير: لأن الضلال
لغة العدول عن الاستقامة وضده الهداية، فكل عدول ضلال سواء كان عمدًا أم لا فمعناه غير
مهتدٍ لما سبق لك من النبوة فهداك إليها، كقوله: ﴿فعلتها إذًا وأنا من الضالين﴾ [الشعراء/٢٠]،
(ويؤيده قوله تعالى: ﴿ما كنت تدري ما الكتاب، ولا الإيمان)) [الشورى/٥٢] الآية، (أي: ما
كنت تدري قبل الوحي أن تقرأ القرآن،) أي: لا تعرف قراءته ولا دراسته (ولا كيف تدعو
الخلق إلى الإِيمان،) قيل وهذا في غاية البعد، لأنه تقدير بلا قرينة تدل عليه ووجه بأن تعريف
الإِيمان عهدي والمراد إيمان أمته أي: لا تدري كيف يؤمن قومك، وبأي طريق يدخلون في الإِيمان
وبعده لا يخفي، (قاله السمرقندي) الإِمام أبو الليث الحنفي.
(وقال بكر) بن العلاء (القاضي) القشيري، المالكي: (ولا الإِيمان الذي هو الفرائض
والأحكام) الشرعية التي كلف بها علمًا وعملاً (فقد كان عليه الصلاة والسلام قبل) أي: قبل
النبوة (مؤمنًا بتوحيده،) أي: بأنه منفرد بالألوهية لا شريك له، (ثم نزلت الفرائض التي لم يكن
يدريها قبل فازداد بالتكليف،) أي: بسبب ما كلف به من الفرائض (إيمانًا، وسيأتي آخر هذا
النوع مزيد لذلك إن شاء اللّه،) فإنه ذكر هنا للتأكيد.
(الثاني: من معنى قوله تعالى: ﴿ضالاً﴾ ما روي مرفوعًا مما ذكره الإمام فخر الدين
الرازي) مما يفد أنه على حقيقته، فإنه يقال ضل الرجل الطريق، وضل عنه، زال عنه فلم يهتد
إليه، فهو ضال، وذلك (أنه عليه الصلاة والسلام، قال: ضللت) بفتح اللام من باب ضرب لغة
١٠
النوع العاشر في إزالة الشبهات عن آيات وردت في حقه
حتى كاد الجوع يقتلني فهداني اللَّه.
الثالث: يقال: ضل الماء في اللبن إذا صار مغمورًا، فمعنى الآية: كنت
مغمورًا بين الكفار بمكة فقواك اللَّه حتى أظهرت دينه.
الرابع: أن العرب تسمي الشجرة الفريدة في الفلاة ضالة، كأنه تعالى يقول:
كانت تلك البلاد كالمفازة ليس فيها شجرة تحمل ثمر الإيمان بالله تعالى ومعرفته
إلا أنت، فأنت شجرة فريدة في مفازة الحمد.
الخامس: قد يخاطب السيد، والمراد قومه، أي وجد قومك ضالين فهداهم
بك وبشرعك.
نجد وهي الفصحى، وبها جاء القرآن في قوله: ﴿قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي﴾ [سبأ)
٥٠]، وفي لغة لأهل العالية من باب تعب، أي: تهت وغبت (عن جدي عبد المطلب) وأصل
الضلال الغيبة ومنه، قيل للحيوان الضائع: ضالة (وأنا صبي حتى كاد) قارب (الجوع يقتلني
فهداني الله) وردني إليه.
وفي سيرة ابن إسحق زعموا أن أمه السعدية لما قدمت به مكة ضل منها في الناس فأنت
جده فأخبرته فقام عندالكعبة، فدعا اللّه أن يرده فوجده ورقة بن نوفل ورجل آخر من قريش، فأتيا
به إلى عبد المطلب، فأخذه على عنقه وطاف وعوذه ودعا له، ثم أرسله إلى آمنة.
ويروى أن عبد المطلب تصدق بألف ناقة كوماء وخمسين رطلاً من ذهب وجهز حليمة
أفضل الجهاز.
(الثالث: يقال ضل الماء في اللين إذا صار مغمورًا) من تقديم الدليل على المدلول،
وإذا كان كذلك، (فمعنى الآية كنت مغمورًا بين الكفار بمكة، فقواك اللّه حتى أظهرت دينه
الرابع أن العرب تسمى الشجرة الفريدة في الفلاة) الأرض لا ماء فيها، والجمع فلا مثل حصًا
وحصاة وجمع الجمع أفلاء مثل سبب وأسباب (ضالة، كأنه تعالى يقول: كانت تلك البلاد)
مكة وما حولها، (كالمفازة) الموضع المهلك مأخوذ من فوز بالتشديد إذا مات لأنها مظنة
الموت.
وقيل: من فازا، إذا نجا وسلم، سميت به تفاؤلاً بالسلامة (ليس فيها شجرة تحمل ثمر
الإِيمان باللّه تعالى ومعرفته إلا أنت، فأنت شجرة فريدة في مفازة الحمد،) ولم يذكر
الجوهري واتباعه هذا وما قبله من معاني ضل، لكن اللغة واسعة (الخامس قد يخاطب السيد
والمراد قومه) لاستحالة وصف السيد، بذلك الوصف أو باستعمال اسمه في اسم قومه مجازًا،
(أي: وجد قومك ضالين فهداهم بك وبشرعك،) عطف تفسير لقوله بك، المعبر به عن ذاته،
١١
النوع العاشر في إزالة الشبهات عن آيات وردت في حقه
السادس: أي محبًا لمعرفتي، وهو مروي عن ابن عطاء، والضال: المحب،
كما قال تعالى: ﴿وإنك لفي ضلالك القديم﴾ [يوسف/٩٥] أي محبتك القديمة،
ولم يريدوا هنا في الدين، إذ لو قالوا ذلك في نبي اللَّه لكفروا.
السابع: أي وجدك ناسيًا فذكرك، وذلك ليلة المعراج نسي ما يجب أن
يقال بسبب الهيبة، فهداه اللَّه تعالى إلى كيفية الثناء حتى قال: لا أحصي ثناء
عليك.
الثامن: أي وجدك بين أهل الضلال فعصمك من ذلك وهداك للإِيمان وإلى
إرشادهم.
وأسند الهداية إليها مبالغة في مدحه حتى كأن ذاته نور يهتدي به بمجرد رؤيته عَّه، وجعله
شرعه لظهوره على يديه ومجيئه به.
(السادس:) ضالاً، (أي: محبًا لمعرفتي،) فهداك بأنوار الهداية والعناية، (وهو مروي
عن) أبي العباس أحمد (بن عطاء) الأدمي، بفتحتين ، الصوفي، له لسان في فهم القرآن يختص
به، ولما كان هذا خلاف المشهور لغة بينه ابن عطاء نفسه، بقوله: (والضال المحب كما
(قال تعالى و) عن أخوة يوسف خطابًا لأبيهم: (﴿إِنك لفي ضلالك القديم﴾) [يوسف/٩٥] الآية،
(أي: محبتك القديمة) ليوسف لا تنساه، وهذا منقول عن قتادة وسفين، فلا يضر عدم وجوده في
الصحاح واتباعه، فاللغة واسعة (ولم يريدوا هنا) في هذه الآية ضلالة (في الدين؛) بأن يعتقدوا
خطأه في دينه باعتقاده خلافه، أو إصراره على ما ينافيه، (إذ لو قالوا ذلك في نبي الله) يعقوب
(لكفروا،) بنسبته إلى ما لا يجوز عليه وتحقيره، لكن عدم إرادة ذلك لا يستلزم حمله على
المحبة، لجواز أن يريدوا لفي تحيرك عما يوصلك إلى العلم بحال يوسف أو نحو ذلك.
وفي الأنوار: لفي ذهابك عن الصواب قديمًا بالإفراط في محبة يوسف وإكثار ذكره
والتوقع للقائه.
(السابع: أي: وجدك ناسيًا فذكرك، وذلك ليلة المعراج نسي ما يجب أن يقال
بسبب الهيبة) من اللّه تعالى، (فهداه اللّه تعالى إلى كيفية)) أي: صفة (الثناء) الذي فضل به
الأنبياء (حتى قال: لا أُحصى ثناء،) أي: لا أستوعب ولا أبلغ الواجب في الثناء (عليك) أنت،
كما أثنيت على نفسك.
(الثامن: أي: وجدك بين أهل الضلال، فعصمك) عن الانتظام في سلكهم والتلبس بشىء
من ضلالهم، كعبادة الأصنام (من ذلك)) أي: الضلال وموافقة أهله فيه، (وهداك للإِيمان) به
ومعرفته، إذ جعله فطرة لك وأودع فيك ما يرشدك له بعقلك السليم، ثم أرشدك له بالوحي،
١٢
النوع العاشر في إزالة الشبهات عن آيات وردت في حقه
التاسع: أي وجدك متحيرًا في بيان ما أنزل إليك، فهداك لبيانه، كقوله:
{وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم﴾ [النحل/٤٤] وهذا مروي عن
الجنيد.
العاشر: عن علي أمير المؤنين أنه عَّه قال: ما هممت بشىء مما كان أهل
الجاهلية يعملون به غير مرتين، كل ذلك يحول اللَّه بيني وبين ما أريد، ثم ما
هممت بعدهما بشىء حتى أكرمني اللَّه برسالته. قلت ليلة لغلام من قريش كان
يرعى غنما بأعلى مكة: لو حفظت لي غنمي حتى أدخل مكة فأسمر بها كما
(وإلى إرشادهم) أفعال من الرشد ضد الغي وهو قريب من الهداية، كما قاله الراغب، وأفاد
بقوله: فعصمك أنه من قبل الشرع ولم يستفد هذا من الخامس، فبهذا غايره ولا يرد أن قوله فيه
فهداهم بشرعك يفيد عصمته لاستحالة أن يهديهم مع موافقتهم، لأن شرعه متأخر، فقد كان
بينهم قبله أربعين سنة، ثم هذا التأويل مروي عن السدي وغير واحد، كما قال عياض: فالضلال
بمعناه المشهور، وليس متصفًا به، ولكونه بين أهله أطلق عليه مجاز العلاقة المجاورة.
(التاسع: أي: وجدك متحيرًا) واقعًا في الحيرة (في بيان ما أنزل إليك) من القرآن،
(فهداك لبيانه) بإظهاره وبيان ما خص من معانيه في حال تبليغه لأمته، (كقوله: ﴿وأنزلنا إليك
الذكر) القرآن لما فيه من التذكير والمواعظ (لتبين للناس ما نزل إليهم﴾) [النحل/٤٤] الآية،
مما خفي عليهم، فالضلال التحير فيما شق عليه في ابتداء أمره، (وهذا مروي عن الجنيد) أبي
القسم بن محمد النهاوندي، شيخ المشايخ، العلم المشهور رحمه اللّه.
(العاشر: عن علي أمير المؤمنين أنه عَِّ قال): ما هممت بفتح الميم الأولى بابه
نصر، وهو أول العزم (بشىء مما كان أهل الجاهلية يعملون) ضمنه معنى يتمسكون، فعداه
(به) أو الباء زائدة في المفعول (غير مرتين، كل ذلك يحول:) يحجز ويمنع (اللّه بيني وبين ما
أريد) من ذلك، (ثم ما هممت بعدهما بشىء حتى أكرمني اللّه برسالته) وبين المرتين، فقال:
رقمت ليلة لغلام من قريش كان يرعى غنمًا بأعلى مكة) لبعض قريش: أود (لو حفظت لي
غندي،) فلو للتمني ما لها جواب أو محذوف، أي: لكان ذلك جميلاً منك (حتى أدخل مكة)
وصريحه أنه رعاها قبل البعثة. ويؤيده حديث أبي هريرة عند البخاري مرفوعًا: ما بعث اللّه نبيًا إلا
رعى الغنم، فقال أصحابه: وأنت؟، قال: كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة.
وفي رواية ابن ماجه: كنت أرعاها لأهل مكة بالقراريط، قال المصنف: كغيره، والحكمة
في إلهامهم ذلك قبل النبوة ليحصل لهم التمرن برعيها على ما يكلفونه من القيام بأمر أمتهم.
انتھی.
١٣
النوع العاشر في إزالة الشبهات عن آيات وردت في حقه
يسمر الشباب، فخرجت حتى أتيت أول دار من دور مكة سمعت عزفًا بالدفوف
والمزامير فجلست أنظر إليهم فضرب اللَّه على أذني فنمت، فما أيقظني إلا مسّ
الشمس، ثم قلت ليلة أخرى مثل ذلك فضرب اللَّه على أذني فما أيقظني إلا مسّ
الشمس، ثم ما هممت بعدهما بسوء حتى أكرمني اللَّه برسالته.
فزعم أن رعيهم لها إنما كان بعد البعثة تهور، وتمسكه لذلك بالحديث المذكور أعجب،
منشؤه عدم الوقوف على شىء، (فأسمر بها) (بضم الميم)، أي: أتحدث.
قال المجد: وسمر سمر، أو سمورًا لم يتم، والسمر محركة الليل وحديثه، وفي خطبته:
إذا ذكر المصدر، فالفعل بزنة كتب، (كما يسمر) (بفتح أوله وضم الميم) يتحدث (الشباب،
فخرجت حتى أتيت أول دار من دور مكة سمعت عزفًا) (بمهملة وزاي وفاء بزنة فلس)، أي:
لعبًا من باب التجريد، استعمل العزف في مطلق اللعب من استعمال المطلق في مقيده، فعلق به
قوله: (بالدفوف:) جمع دف، آلات يضرب بها، وإلا فالعزف اللعب بالدف (بضم الدال
وفتحها)، (والمزامير:) جمع مزمار (بكسر الميم)، (فجلست أنظر إليهم، فضرب اللّه على
أذني،) أي: بعث عليهما النوم، (فنمت)،) فلم أسمع شيئًا، (فما أيقظني الإ مس الشمس،) أي:
حرها، (ثم قلت ليلة أخرى مثل ذلك، فضرب اللّه على أذني، فما أيقظني الإ مس
الشمس،) فلم أسمع شيئًا، (ثم ما هممت بعدهما بسوء حتى أكرمني اللّه برسالته،) فكأنه
عبر بضالاً عن هذا الهم مرتين، وأنه هداه بصرفه عن ذلك، بإلقاء النوم عليه، إشارة إلى عنايته به
من صغره ومنعه من سماع لغط الجاهلية ولعبهم وغنائهم، وإن لم يكن ذلك حينئذٍ ضلالاً، لأنه
صانه من قبل البعثة عما يخالف الشرع.
وقيل: معناه وجدك ضالاً لم يعرفك أحد بالنبوة حتى أظهرك اللّه، فهدى بك السعداء.
وقيل: وجدك ضالاً بين مكة والمدينة فهداك إلى المدينة وقيل: وجدك قائمًا بأعباء الرسالة
وتبليغها، فهدي بُ ضالاً.
وعن جعفر بن محمد: وجدك ضالاً عن محبتي لك في الأزل، أي: لا تعرفها، فمننت
عليك بمعرفتي.
وقيل: ناسيًا فهداك، كقول موسى ﴿وأنا من الضالين﴾ [الشعراء/٢٠] وقوله تعالى: ﴿أن تضل
إحداهما﴾ [البقرة: ٢٨٢]، أي: تنسی.
وقرأ الحسن بن علي: ﴿ووجدك ضالاً فهدى﴾ أي: اهتدى بك، حكاها في الشفاء، ثم
قال: لا أعلم أحدًا من المفسرين، قال: فيها ضالاً عن الإِيمان، وقد قال ابن عباس: لم يكن له
ضلالة معصية انتهى.
١٤
النوع العاشر في إزالة الشبهات عن آيات وردت في حقه
وأما قوله تعالى: ﴿ووضعنا عنك وزرك الذي أنقض ظهرك﴾ [الشرح/ ٢-
٣].
فقد احتج بها جماعة من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين المجوزين للصغائر
على الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - وبظواهر كثيرة من القرءان والحديث، إن
التزموا ظواهرها أفضت بهم - كما قال القاضي عياض - إلى تجويز الكبائر، وخرق
الإجماع، وما لا يقول به مسلم، فكيف وكل ما احتجوا به منها مما اختلف
المفسرون في معناه، وتقابلت الاحتمالات في مقتضاه. وجاءت أقاويل فيها للسلف
وفي الكشاف من قال: إنه كان على أمر قومه أربعين سنة، أن أراد خلوه عن الأمور
السمعية فنعم، وإن أراد على كفرهم ودينهم، فمعاذ اللّه، فإنه عَّه وسائر الأنبياء معصومون قبل
النبوة وبعدها عن الكبائر والصغائر البتة، فما بالك بالكفر والجهل باللّه، ما كان لنا أن نشرك بالله
من شىء وكفى نقيصة عند الكفار أن يسبق منه كفر انتهى.
(وأما قوله تعالى:) قسيم لمقدر أول النوع، أي: منها ما ذكره بقوله: قال اللّه تعالى:
(﴿ووضعنا﴾) خططنا (﴿عنك وزرك الذي أنقض﴾) أثقل (﴿ظهرك﴾) [الانشراح/٢]، (فقد
احتج بها جماعة من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين)،، أي: علماء الكلام الباحثين عن
العقائد، سموا بذلك لأن مسألة كلام اللّه من أجل مباحثة، أو لكثرة دور الكلام فيه بين السلف
(المجوزين) بلا واو في نسخ، وهي ظاهرة، وفي نسخة بالواو كأكثر الأصوليين (للصغائر على
الأنبياء عليهم الصلاة والسلام) حيث أبقوها على ظاهرها أن الوزر هو الإِثم، (وبظواهر كثيرة
من القرآن والحديث،) أتى بظواهر إشارة إلى أنها ليست بحجة في الباطن (إن التزموا
ظواهرها،) بأن قالوا: بلزوم اعتقاد الظاهر منها (أفضت بهم) أوصلتهم، (كما قال القاضي
عياض: إلى تجويز، الكبائر) عليهم عمدًا، (وخرق الإِجماع،) أي: مخالفة ما أجمع عليه
الناس من قولهم: خرق المفازة إذا قطعها، فأريد به لازمه وهو المجاوزة (وما لا يقول به
مسلم،) أي: أفضت بهم إلى رأي: لم يقله أحد من المسلمين، لأن الآيات والأحاديث التي
احتجوا بها، كما تشمل الصغيرة تشمل الكبيرة من حيث أنها إثم وذنب، وتشمل كل ما أجمع
على أنه لا يقع منهم، مع أنهم لا يقولون بجواز وقوع الكبيرة منهم عمداً، إذ لم يقله إلا
الحشوية، ولا عبرة بهم ولا بجواز خرق الإِجماع، وأما سهوا فأجازه بعضهم، واختلف في أن
امتناعه سمعي أو عقلي، كما مر، (فكيف) يسوغ لهم الاحتجاج بتلك الظواهر، (وكل ما
احتجوا به منها مما اختلف المفسرون في معناه،) فطرقته الاحتمالات فسقطت به الدلالات،
(وتقابلت:) تخالفت وتعارضت (الاحتمالات في مقتضاه) من تجويز وقوع ما خرج به عن
١٥
النوع العاشر في إزالة الشبهات عن آيات وردت في حقه
بخلاف ما التزموه في ذلك. فإذا لم يكن مذهبهم إجماعًا، وكان الخلاف فيما
احتجوا به قديمًا، وقامت الدلائل على خطأ قولهم، وصحة غيره، وجب تركه
والمصیر إلی ما صح، انتھی.
وقد اختلف في هذه الآية:
فقال أهل اللغة: الأصل فيه أن الظهر إذا أثقله الحمل سمع له نقيض، أي
صوت كصوت المحامل والرحال، وهذا مثل لما كان يثقل على رسول اللَّه عَلَه
من أقداره.
وقيل: المراد منه تخفيف أعباء البنوة التي يثقل الظهر القيام بأمرها، وحفظ
موجباتها، والمحافظة على حقوقها، فسهل اللَّه تعالى ذلك عليه، وحط عنه ثقلها
صلاحيته للحجة، (وجاءت أقاويل:) جمع أقوال، جمع قول، فهو جمع الجمع، (فيها للسلف
بخلاف ما التزموه في ذلك) الذي استدلوا به، (فإذا لم يكن مذهبهم) في تجويزها عليهم
(إجماعًا،) أي: مجمعًا عليه لكثرة من خالفهم، (وكان الخلاف فيما احتجوا به قديمًا)
لا حادثًا بعد انعقاد الإِجماع حتى يكون خلافًا لا يعتد به، (وقامت الدلائل على خطأ قولهم)
بتجويزها عليهم، (وصحة غيره) في عدم الجواز (وجب تركه والمصير إلى ما صح) من عدم
التجويز، إذ العبرة بالأدلة لا بكثرة القائلين. (انتهى) كلام عياض. متعه اللّه برؤيته في الرياض.
(وقد اختلف في هذه الآية، فقال أهل اللغة: الأصل فيه أن الظهر إذا أثقله الحمل
سمع له نقيض، أي: صوت كصوت المحامل والرحال،) وكلما حملته ثقيلاً، فإنه ينتقض
تحته.
قال عباس بن مرداس:
وأنقض ظهري ما تطوقت منهم وكنت عليهم مشفقًا متحننا
قاله ابن عطية، وصدر بقوله: أي: هزيلاً من الثقل، (وهذا مثل لما كان يثقل على
رسول اللّه ◌ٍَّ من أقداره،) أي: من مقادير ما كلفه، (وقيل: المراد منه تخفيف أعباء)
(بالفتح) أثقال (النبوة) جمع عبء (بالكسر)، ويفتح الثقل من كل شىء تنزيلاً للمعقول منزلة
المحسوسات (التى يثقل الظهر القيام بأمرها،) فهو مجاز عن أتعاب صاحبه، بحيث يصير
كالحامل على ظهره ما يثقل عليه، بحيث تناله مشقة عظيمة من ذلك، وفسر القيام بقوله:
(وحفظ موجباتها، والمحافظة على حقوقها فسهل اللّه تعالى ذلك عليه، وحط) تفسير.
لوضع (عنه ثقلها) بفتح القاف (بأن يسرها عليه حتى تيسرت له،) وهذا عزاه عياض
١٦
النوع العاشر في إزالة الشبهات عن آيات وردت في حقه
بأن يسرها عليه حتى تيسرت له.
وقيل: الوزر ما كان يكرهه من تغييرهم لسنة الخليل، وكان لا يقدر على
منعهم إلى أن قواه اللَّه وقال له: ﴿اتبع ملة إبراهيم﴾ [النحل/١٢٣].
وقيل: معناه عصمناك عن الوزر الذي أنقض ظهرك لو كان ذلك الذنب
حاصلاً، فسمى العصمة ((وضعًا)) مجازًا، ومن ذلك ما في الحديث أنه عليه الصلاة
والسلام حضر وليمة فيها دف ومزامير قبل البعثة فضرب اللَّه على أذنه فما أيقظه
إلا حر الشمس من الغد.
وقيل: ثقل شغل سرك وحيرتك وطلب شريعتك، حتى شرعنا لك ذلك.
وقيل معناه: خففنا عليك ما حملت بحفظنا لما استحفظت وحفظ عليك،
ومعلى أنقض آي كاد ينقضه. قال القاضي عياض: فيكون المعنى على قول من
للماوردي والسلمی.
(وقيل: الوزر ما كان يكرهه من تغييرهم لسنة الخليل) لطريقة إبراهيم، (وكان لا يقدر
على منعهم إلى أن قواه اللّه، وقال له: ﴿اتبع ملة إبراهيم﴾) في التوحيد، والدعوة برفق ونحو
ذلك، فالوزر على هذه الأقوال الثلاثة مجاز بمعنى الثقل.
(وقيل: معناه عصمناك،) أي: منعناك وحفظناك (عن) ملابسة (الوزر الذي أنقض ظهرك
لو كان ذلك الذنب حاصلاً، فسمي العصمة وضعًا مجازًا).
(ومن ذلك ما في الحديث؛ أنه عليه الصلاة والسلام حضر وليمة فيها دف ومزامير
قبل البعثة) ليلة إحدى المرتين السابقتين لقوله هناك غير مرتين، (فضرب اللّه على أذنه) بالإفراد
على إرادة الجنس، (فما أيقظه) نبهه (الإ حر الشمس من الغد).
(وقيل) معناه (ثقل شغل سرك،) أي: قلبك أو خواطر قلبك، (وحيرتك:) تحيرك في
ابتداء أمرك (وطلب شريعتك) (بالرفع) أي: طلبك من اللّه ما يثبت بالوحي، لتعمل به (حتى
شرعنا لك ذلك) بالوحي فاطمأن قلبك وذهبت حيرتك حكي معناه القشيري، كما في الشفاء.
(وقيل معناه خففنا عنك ما حملت،) أي: كلفت حمل أثقاله من دعوة الخلق وتبليغ
أمانة الرسالة التي لم تطق حملها الجبال، (بحفظنا لما استحفظت،) أي: نحن حفظنا ما أمرناك
بحفظه عليك مما عسر عليك القيام به، وجعلنا لك قوة وصبرًا، صير أثقاله خفيفة، (وحفظ
عليك،) أي: منع عن الضياع منك، فأديته على أتم وجه يمكن إداؤه به، ودفع ما ورد عليه أنه إذا
خففها لم تنقض ظهره، بقوله: تبعًا لعياض، (ومعنى أنقض) ظهره على هذا، (أي: كاد،) أي:
١٧
النوع العاشر في إزالة الشبهات عن آيات وردت في حقه
جعل ذلك لما قبل النبوة: اهتمام النبي عَّه بأمور فعلها قبل نبوته وحرمت عليه
بعد النبوة فعدها أوزارًا وثقلت عليه وأشفق منها.
وقيل: إنها ذنوب أمته صارت عليه كالوزر، فأمنه اللَّه من عذابهم في العاجل
بقوله: ﴿وما كان اللَّه ليعذبهم وأنت فيهم﴾ [الأنفال/٣٣] ووعده الشفاعة في
الآجل.
وأما قوله تعالى: ﴿ليغفر لك اللَّه ما تقدم من ذنبك وما تأخر﴾ [الفتح/
٢].
فقال ابن عباس: أي أنك مغفور لك غير مؤاخذ بذنب أن لو كان.
قرب (ينقضه)) أي: يعيه ويثقله، ولم ينقضه بالفعل، ويجوز إبقاؤه على ظاهره، وأنه أنقضه
بالفعل، لكنه خفف عنه، فكأنه لم ينقضه.
(قال القاضي عياض،) مبينًا وجه دفع ما ذكره لما تمسكوا به: (فيكون المعنى) لوضعنا
عنك إلى آخره (على قول من جعل ذلك) الوضع مصروفًا (لما قبل النبوة، اهتمام النبي عَّه)
خبر يكون (بأمور فعلها قبل نبوته،) أي: اعتناءه ببيان اللّه لحكمها حتى لا يكون عنده هم وغم
(وحرمت عليه بعد النبوة،) ولم يكن مكلفًا بها قبلها، (فعدها أوزارًا) بعدما حرمت باعتبار ما
بعد النبوة، (وثقلت عليه، وأشفق:) خاف (منها) من المؤاخذة بها لشدة مراقبته وخشيته للّه،
فمعنى وضعها على هذا، إعلامه بعدم المؤاخذة بها؛ وأنها ليست وزرًا عليه يخافه، لأنه لم يكن
مكلفًا بتركها.
(وقيل: إنها ذنوب أمته صارت عليه كالوزر،) بجعل المعقول كالمحسوس، (فأمنه اللّه
من عذابهم في العاجل بقوله: ﴿وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم﴾) [الأنفال/٣٣]، (ووعده
الشفاعة في الآجل،) بنحو قوله: ﴿ولسوف يعطيك ربك فترضى﴾ [الضحى/٥]، وقيل: خططنا
عنك ثقل أيام الجاهلية، حكاه مكي، (وأما قوله تعالى: ﴿ليغفر لك اللّه ما تقدم من ذنبك وما
تأخر﴾) [الفتح/٢]، (فقال ابن عباس:) في إزالة الشبهة عن ظاهره المقتضي وقوع ذنوب من
عليه بغفرانها، مع أنه لا ذنب، (أي: إنك مغفور لك غير مؤاخذ بذنب، أن لو كان،) أي: وجد
فهي تامة، فهو على طريق الفرض تطمينًا له، فلم يرد أنه وقع ذنب غفر، بل لو فرض وقوعه وقع
مغفورًا.
وأخرج ابن المنذر، عن ابن عباس: أن النبي عٍَّ لما أمر أن يقول: ﴿وما أدري ما يفعل
بي ولا بكم﴾، سر بذلك الكفار، فأنزل ﴿اللّه ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر﴾.
١٨
النوع العاشر في إزالة الشبهات عن آيات وردت في حقه
وقال بعضهم: أراد غفران ما وقع وما لم يقع، أي أنك مغفور لك.
وقيل: المراد ما كان عن سهو وغفلة وتأويل، حكاه الطبري واختاره
القشيري.
وقيل: ما تقدم لأبيك آدم عليه السلام، وما تأخر من ذنوب أمتك، حكاه
السمرقندي والسلمي عن ابن عطاء.
(وقال بعضهم: أراد غفران ما وقع) قبل النبوة مما لا يؤاخذ به، لأنه لا شرع يلتزم
أحكامه، ولا يصح أن المراد من الصغائر عند مجوزها، لأن السياق في دفع شبهة من جعل هذه
الآية دليلاً على وقوع الصغائر، (وما لم يقع) بفرض وقوعه، (أي: إنك مغفور لك) في الحالين،
فغاير كلام ابن عباس، لأنه فرض وتقدير لا غير، وهذا على تجويز الوقوع، لكن إن وقع مغفورًا
فهو كغيره من الأنبياء، إن وقع منهم لم يؤاخذوا به قطعًا بخلاف الأمة فتحت المشيئة.
(وقيل: المراد) بما تقدم (ما كان) وقع منه (عن سهو وغفلة، و) المراد بما تأخر، ما صدر
عن (تأويل،) أي: بيان لمعنى يحتمله النص فيحمله عليه باجتهاده، ثم تبين له أن الصواب أو
الأولى خلافه، لأن التأويل بيان ما يؤل إليه فيناسب ما تأخر، كما في شرح الشفاء، فلا حاجة
لجعل الواو بمعنى، أو (حكاه الطبري) محمد بن جرير، (واختاره القشيري) عبد الكريم بن
هوازن، ولعل المراد بغفران الثلاثة، مع أن آحاد الأمة لا يؤاخذ بها عدم المؤاخذة باللوم على
سبب الغفلة والسهو والنسبة إلى التقصير، بسبب التأويل المبني على شبهة لو فرض وقوعها
بخلاف غيره، فمؤاخذ بذلك.
(وقيل: ما تقدم لأبيك آدم عليه السلام، وما تأخر من ذنوب أمتك،) فاللام للتعليل،
أي: غفر لآدم لأجلك لما توسل بك، ولكونك في صلبه، ولأمتك لدعائك، ولأنك رحمة لهم،
(حكه السمرقندي والسلمى) (بضم ففتح) (عن) أحمد (بن عطاء) الأدمي، وحكاه الثعلبي عن
عطاء الخراساني.
قال السيوطي: وهو ضعيف، أما أولاً فلأن آدم نبي معصوم لا ينسب إليه ذنب البتة، فهو
تأويل يحتاج إلى تأويل. انتهى.
وتأويله، بأن المراد بتقدير أنه ذنب، أو سماه ذنًا مجازًا وإن كان في الحقيقة ليس بذنب
من باب حسنات الأبرار سيآت المقربين، قال: وأما ثانيًا، فلأن نسبة ذنب الغير إلى غير من صدر
منه بكاف الخطاب لا يليق، وأما ثالثًا، فلأن ذنوب الأمة كلها لم تغفر بل منهم من يغفر له،
ومنهم من لا یغفر له. انتھی.
١٩
النوع العاشر في إزالة الشبهات عن آيات وردت في حقه
وقيل: المراد أمته.
وقيل: المراد بالذنب ترك الأولى، كما قيل: حسنات الأبرار سيآت
المقربين، وترك الأولى ليس بذنب، لأن الأولى وما يقابله مشتركان في إباحة
الفعل.
وقال السبكي: قد تأملتها - يعني الآية - مع ما قبلها وما بعدها فوجدتها لا
تحتمل إلا وجهًا واحدًا، وهو تشريف النبي عَّم من غير أن يكون هناك ذنب،
والجواب عن الثاني: أن اللام في الآية للتعليل، كما قلنا لا للتعدية، وعن الثالث: بأن من
لا يغفر له يخفف عنه بالنسبة لما يؤاخذ به غيره على ذلك الذنب من بقية الأمم، فكأنه غفر له،
(وقيل: المراد أمته،) أي: يغفر اللّه لأمتك ما صدر ويصدر، فالمراد بخطابه خطاب أمته وإضافة
الذنب له لأدنى ملابسة، لأنه يسوءه ما يسوءهم وهو الشفيع لهم، قال شيخنا: والمراد بالمغفرة
على هذا ما رفع العذاب عنهم مطلقًا بالعفو، فلا يعاقبهم على شىء، أو بتخفيفه عنهم، وذلك في
حق من عذب للتطهير مما اقترفه، وقال غيره: المراد أن رحمة اللّه لهذه الأمة أكثر من غيرها.
(وقيل: المراد بالذنب ترك الأولى،) وعد ذنبًا لرفعة مقامه ونزاهته، فلا يفعله كما
لا يفعل الذنب الحقيقي، نعم إن كان القصد من فعل خلاف الأولى، أو المكروه بيان أنه جائز
لا إثم فيه، فعله وجوبًا إن تعين طريقًا للتعليم، فيثاب عليه ثواب الواجب، (كما قيل،) قائله سعيد
الخراز.
رواه عنه ابن عساكر في ترجمته (حسنات الأبرار سيآت المقربين،) لأنه كلما ارتقى
درجة عدمًا قبلها سيئة، (وترك الأولى ليس بذنب، لأن الأولى وما يقابله مشتر كان في إباحة
الفعل،) وما أبيح ليس بذنب، فأطلق عليه اسمه مجازًا.
وفي التحفة: استغفرك، أطلب منك المغفرة، أي: ستر ما صدر مني من نقص ذنبًا كان أو
غير ذنب، فهي لا تستدعي سبق ذنب خلافًا لمن زعمه.
قال شيخنا: فلا حاجة إلى الاعتذار عن تسمية خلاف الأولى ذنبًا تعلقت به المغفرة، وفيه
نظر لتصريح الآية بلفظ ذنب، فحمله على خلاف الأولى يحتاج للاعتذار، ولفظ أستغفرك ليس
فيه من ذنبي، فإنما يتأتى ما قال: لو قيل ليغفر لك فقط.
(وقال السبكي) في تفسيره: (قد تأملتها، يعني الآية) بذهني (مع ما قبلها،) وهو: ﴿إِنا
فتحنا لك فتحًا مبينًا﴾، (وما بعدها،) وهو: ﴿ويتم نعمته عليك﴾، إلى قوله: ﴿نصرًا عزيزًا﴾،
(فوجدتها لا تحتمل إلا وجهًا واحدًا، وهو تشريف النبي عَّهِ من غير أن يكون هناك ذنب،)
حاشى للّه، (ولكنه أريد أن يستوعب في الآية جميع أنواع النعم من اللّه على عباده
٢٠
النوع العاشر في إزالة الشبهات عن آيات وردت في حقه
ولكنه أريد أن يستوعب في الآية جميع أنواع النعم - من اللَّه على عباده - الأخروية،
وجميع النعم الأخروية شيآن: سلبية وهي غفران الذنوب، وثبوتية وهي لا تتناهى، أشار
إليها بقوله: ﴿ويتم نعمته عليك﴾ [الفتح/٢]، وجميع النعم الدنيوية شيآن: دينية أشار
إليها بقوله: ﴿ويهديك صراطًا مستقيمًا﴾ [الفتح/٢]، ودنيوية وهي قوله: ﴿وينصرك
اللَّه نصرًا عزيزًا﴾ [الفتح/٣]، فانتظم بذلك تعظيم قدر النبي عَّه بإتمام أنواع نعم اللَّه
تعالى عليه المتفرقة في غيره، ولهذا جعل ذلك غاية للفتح المبين الذي عظمه وفخمه
الأخروية،) صفة النعم (وجميع النعم الأخروية) إظهار في مقام الإِضمار ليتبين غاية البيان،
(شيآن سلبية، وهي غفران الذنوب،) أي: من حيث هي، وإن لم يكن للمخاطب ذنب، لأنه لو
لم يذكر غفرانها لكان فيه ترك استيعاب جميع أنواع النعم، (وثبوتية، وهي لا تتناهى، أشار
إليها) إلى الثبوتية، (بقوله: ﴿ويتم نعمته عليك﴾، وجميع النعم الدنيوية شيآن: دينية أشار
إليها بقوله: ﴿ويهديك صراطًا﴾) طريقًا ((مستقيمًا﴾) [الفتح/٢] الآية، يثبتك علیه، وهو دین
الإِسلام، (ودنيوية،) وإن كانت هناك المقصود بها الدين.
هذا أسقطه من السبكي قبل قوله، (وهي قوله: ﴿وينصرك الله نصرًا عزيزًا﴾) [الفتح/٣]
الآية، لا ذل معه، وقدم الأخروية على الدنيوية وقدم في الدنيوية الدينية على غيرها تقديمًا للأهم
فالأهم، هكذا في تفسير السبكي قبل قوله: (فانتظم بذلك تعظيم قدر النبي عَّه بإتمام أنواع
نعم اللّه تعالى عليه، المتفرقة في غيره)،) ثم يحتمل رجوع جوابه بآخرة الأمر إلى قول ابن
عباس: أن لو كان ضرورة الخطاب والإِضافة في الآية، والأظهر أن مراد السبكي أن المعنى
منعك من الذنب فلا تواقعه، إذ الغفر الستر والغطاء، وعلى هذا فلا حاجة إلى تقدير أن لو كان.
وقد قال العلامة البرماوي في شرح البخاري: المعنى والله أعلم، أي: حال بينك وبين
الذنوب فلا تأتيها؛ لأن الغفر الستر، وهو إما بين العبد والذنب، وإما بين الذنب وبين عقوبته،
فاللائق بالأنبياء الأول، وبأممهم الثاني. انتهى.
ونحوه قول بعض المحققين: المغفرة هنا كناية عن العصمة، فمعنى ليغفر لك اللّه ما
تقدم من ذنبك وما تأخر، ليعصمك فيما تقدم من عمرك وفيما أخر منه.
قال السيوطي: وهذا القول في غاية الحسن، وقد عد البلغاء من أساليب البلاغة في القرآن؛
أنه يكنى عن التخفيفات بلفظ المغفرة والعفو والتوبة، كقوله تعالى عند نسخ قيام الليل: ﴿علم
أن لن تحصوه فتاب عليكم فاقرؤوا ما تيسر منه﴾، وعند نسخ تقديم الصدقة بين يدي النجوى
﴿فإذا لم تفعلوا وتاب اللّه عليكم﴾ [المجادلة/١٣]، وعند نسخ تحريم الجماع ليلة الصيام