Indexed OCR Text

Pages 521-540

٥٢١
النوع الثامن فيما تتضمن الأدب معه عَاللّه.
فمن الأدب أن لا يتقدم بين يديه بأمر ولا نهي، ولا إذن ولا تصرف حتى
يأمر هو وينهى ويأذن كما أمر اللَّه بذلك في هذه الآية، وهذا باق إلى يوم القيامة
لم ينسخ. فالتقدم بين يدي سنته بعد وفاته كالتقدم بين يديه في حياته، لا فرق
بينهما عند ذي عقل سليم.
قال مجاهد: لا تفتاتوا على رسول اللَّه عَ له بشىء، حتى يقضيه اللَّه على
لسانه.
وتقدم واستبداد بالأمر، وإقدام على فعل غير ضروري بلا مشاورة، (فمن الأدب أن لا يتقدم بين
يديه،) أي: عنده، سواء كان تجاهه، أو عن يمينه، أو يساره، أو خلفه (بأمر ولا نهي ولا إذن
ولا تصرف،) ويداوم على ذلك (حتى يأمر هو، وينهي ويأذن كما أمر اللّه بذلك في هذه؛
الآية).
وظاهر هذا؛ أنه من قدم لازمًا بمعنى تقدم، وفي الأنوار، أي: لا تقدموا أمرًا، فحذف
المفعول ليذهب الوهم إلى كل ما لا يمكن أو تركه، لأن المقصود نفي التقدم رأسا، أو
لا تتقدموا منه مقدمة الجيش لمتقدمهم، ويؤيده قراءة يعقوب: لا تقدموا، وفي ابن عطية: قال ابن
زيد: معنى لا تقدموا لا تمشوا بين يدي رسول اللّه، وكذلك بين يدي العلماء، فإنهم ورثة الأنبياء،
هذا ظاهر في أن معناه التقدم الحسي.
(وهذا) النهي عن التقدم (باقيٍ إلى يوم القيامة لم ينسخ،) سواء كان التقدم حقيقة أو
حكمًا، (فالتقدم بين يدي سنّته،) الواردة عنه بإسناد صحيح أو حسن، ولا معارض راجح (بعد
وفاته، كالتقدم بين يديه في حياته،) لقوله تعالى: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه
فانتهوا﴾ [الحشر/٧]، (لا فرق بينهما عند ذي عقل سليم،) وقد علم التقدم أعم من كونه
حقيقة أو حكمًا، فلا يرد أنه ينتهي بوفاته عَله، فيتعذر النسخ بوفاته الانقطاع الوحي فلا يحسر.
بل لا يصح تفريعه على ما قبله.
(قال مجاهد:) عند البخاري في تفسير لا تقدموا، (لا تفتاتوا،) أي: لا تسبقوا (بشىء
على رسول اللّه عَّه)) بل أمهلوا وامتنعوا عن العمل فيه بشىء (حتى يقضيه الله على لسانه)
فاعملوا به، فالغاية لمقدر.
قال الزركشي: الظاهر أن هذا التفسير على قراءة ابن عباس ويعقوب (بفتح التاء والدال)،
والأصل لا تتقدموا، فحذف إحدى التاءين.
قال الدماميني: بل هو متأت على القراءة المشهورة أيضًا، فإن قدم بمعنى تقدم.

٥٢٢
النوع الثامن فيما تتضمن الأدب معه
وقال الضحاك: لا تقضوا أمرًا دون رسول الله
وقال غيره: لا تأمروا حتی یأمر، ولا تنهوا حتی ینھی.
وانظر أدب الصديق - رضي اللَّه عنه - معه عليه الصلاة والسلام في الصلاة.
أن تقدمٍ بين يديه كيف تأخر فقال: ما كان لابن أبي قحافة أن يتقدم بين يدي
رسول اللَّه عَظله، كيف أورثه مقامة والإمامة بعده، فكان ذلك التأخر إلى خلفه، وقد
أومأ إليه أن أثبت مكانك، سعيًا إلى قدام بكل خطوة إلى وراء مراحل إلى قدام
قال الجوهري: وقدم بين يديه، أي: تقدم، (وقال الضحاك:) أي: (لا تقضوا أمرًا دون
رسول اللّه،) أي: دون أمره (عَّه)) بل انتظروا أمره، (وقال غيره: لا تأمروا حتى يأمر، ولا تنهوا
حتى ينهي،) فأمروا حينئذٍ بأمره ونهيه، (وانظر أدب الصديق رضي اللّه عنه معه عليه الصلاة
والسلام في الصلاة،) أي: فيما فعله فيها؛ (أن تقدم بين يديه،) أن مصدرية (بفتح الهمزة
وتقدير اللام) أي: لأن تقدم علة لقوله: (كيف تأخر) مقدم عليه، أي: انظر كيف تأخر لتقدمه
الحاصل بين يديه، أي: في غيبته عَّله، فقدم بعد إحرام أبي بكر، وفي نسخة: إذ لكن إصلاحًا
ولا حاجة إليه، فإن بهذا التقدير کإذ.
روى ملك والشيخان من طريقه، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد؛ أنه عَّ ل ذهب إلى
بني عمرو بن عوف وحانت الصلاة، فجاء المؤذن إلى أبي بكر، فقال: أتصلي للناس؟، فأقيم،
قال: نعم، فصلى أبو بكر، فجاء رسول اللّه والناس في الصلاة، فتخلص حتى وقف في الصف،
فصفق الناس، وكان أبو بكر لا يلتفت في صلاته، فلما أكثر الناس من التصفيق، التفت أبو بكر
فرأى رسول اللّه عَ طله فأشار إليه أن أمكث مكانك فرفع أبو بكر يديه وحمد اللّه على ما أمر به
عٍَّ من ذلك ثم استأخر حتى استوى في الصف، وتقدم عَّة، فصلى بالناس، ثم انصرف،
فقال: يا أبا بكر ما منعك أن تثبت إذ أمرتك، (فقال:) أبو بكر (ما كان لابن أبي قحافة) (بضم
القاف وخفة الحاء المهملة) عثمن بن عامر أسلم في الفتح، ومات سنة أربع عشرة في خلافة
عمرو، عبر بذلك دون أن يقول: ما كان لي أو لأبي بكر تحقيرًا لنفسه (أن يتقدم).
وفي رواية: أن يصلي (بين يدي رسول اللّه،) وفي رواية: أن يؤم النبي (صَُّ)) ففيه إن
من أكرم بكرامة، تخير بين القبول والترك إذا فهم أن الأمر ليس على اللزوم، وكان القرينة التي
بينت ذلك لأبي بكر أنه عَّه شق الصفوف حتى انتهى إليه، ففهم أن مراده أن يؤم الناس، وأن
أمره إياه بالاستمرار في الإِمامة من باب الإكرام والتنويه بقدره، فسلك هو طريق الأدب، ولذا لم
يرد عَّ له اعتذاره (كيف أورثه مقامه والإمامة) الخلافة (بعده، فكان) بمعنى صار (ذلك التأخر
إلى خلفه، والحال أنه (قد أوماً:) أشار (إليه أن أثبت مكانك).

٥٢٣
النوع الثامن فيما تتضمن الأدب معه مَّد.
تنقطع فيها أعناق المطي.
ومن الأدب معه عَّ أن لا ترفع الأصوات فوق صوته، كما قال تعالى:
﴿يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول
كجهر بعضكم لبعض﴾ [الحجرات/٢].
قال الرازي: أفاد أنه ينبغي أن لا يتكلم المؤمن عنده معلّله كما يتكلم العبد
عند سيده، لأن العبد داخل في قوله تعالى: ﴿كجهر بعضكم لبعض﴾ لأنه
للعموم، فلا ينبغي أن يجهر المؤمن للنبي عَّه كما يجهر العبد للسيد، وإلا كان
قد جهر له كما يجهر بعضكم لبعض.
قال: ويؤيد ما ذكرناه قوله تعالى: ﴿النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم)
[الأحزاب/٦]، والسيد ليس أولى عند عبده من نفسه، حتى لو كانا في مخمصة
وفي رواية: فأشار إليه يأمره أن يصلي، وأخرى: فدفع في صدره ليتقدم، فأبى (سعيًا) خبر
كان (إلى قدام،) أي: كان في المعنى شروعًا وعملاً في طلب التقدم عبد اللّه بسبب أدبه مع
نبيه، فنال (بكل خطوة إلى وراء) فهو متعلق بمقدر (مراحل،) مفعول المقدر (إلى قدام تنقطع
فيها أعناق المطيء) ولا توصل إليها، (ومن الأدب معه عليه؛ أن لا ترفع الأصوات فوق
صوته،) لأنه يدل على قلة الاحتشام وترك الاحترام، ومن خشي قلبه ارتجف وضعفت حركته
الدافعة، فلا يخرج منه الصوت بقوة، ومن لم يخف بالعكس، (كما قال تعالى: ﴿يا أيها الذين
آمنوا لا ترفعوا أصواتكم﴾،) إذا نطقتم (﴿فوق صوت النبي﴾») إذا نطق، (﴿ولا تجهروا له
بالقول﴾،) إذا ناجیتموه، (﴿ کجھر بعضكم لبعض﴾) بل دون ذلك إجلالاً له.
قال المصنف: وليس المراد بنهي الصحابة عن ذلك؛ أنهم كانوا مباشرين ما يلزم منه
الاستخفاف والاستهانة، فكيف وهم خير الناس، بل المراد؛ أن التصويت بحضرته مباين لتوقيره
وتعزیره.
(قال الرازي: أفاد أنه ينبغي أن لا يتكلم المؤمن عنده عَّي. كما يتكلم العبد عند
سیده،) بل يكون صوته دون صوته مع سيده، (لأن العبد داخل في قوله: ﴿ کجھر بعضكم
لبعض﴾) [الحجرات/٢]، (لأنه للعموم،) فيشمل ذلك، (فلا ينبغي أن يجهر المؤمن
للنبي ◌ّ، کما يجهر العبد للسید، وإلا كان قد جهر له كما يجهر بعضكم لبعض،) فيدخل
في النهي، (قال: ويؤيد ما ذكرناه قوله تعالى: ﴿النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم﴾)
[الأحزاب/٦] الآية، (والسيد ليس أولى عند عبده من نفسه حتى لو كانا في مخمصة:)

٥٢٤
النوع الثامن فيما تتضمن الأدب معد مز كله.
ووجد العبد ما لو لم يأكله لمات لا يجب عليه بذله لسيده، ويجب البذل
للنبي عَّه، ولو علم العبد أن بموته ينجو سيده لا يلزمه أن يلقي نفسه في التهلكة
لإنجاء سيده، ويجب لإنجاء النبي عَُّّه، فكما أن العضو الرئيس أولى بالرعاية من
غيره، لأن عند خلل القلب مثلاً لا يبقى لليدين والرجلين استقامة، فلو حفظ
الإنسان نفسه وترك النبي عَّة لهلك هو أيضًا بخلاف العبد والسيد، انتهى.
إذا كان رفع الأصوات فوق صوته موجبًا لحبوط الأعمال فما الظن برفع
الآراء ونتائج الأفكار على سنته وما جاء به.
واعلم أن في الرفع والجهر استخفافًا قد يؤدي إلى الكفر المحبط، وذلك
إذا انضم إليه قصد الإهانة وعدم المبالاة.
مجاعة، (ووجد العبد ما لو لم يأكله لمات، لا يجب عليه بذله لسيده، ويجب البذل
للنبي عَّه، ولو علم العبد أن بموته ينجو سيده، لا يلزمه أن يلقي نفسه في التهلكة) أي:
الهلاك لإِنجاء سيده، (ويجب لإِنجاء النبي عَّد) على كل أحد، (فكما أن العضو الرئيس
أولى بالرعاية من غيره،) بقاء الاستئناف، وعلل الأولوية بقوله: (لأن عدد خلل القلب مثلاً
لا يبقى اليدين والرجلين استقامة،) حذف المشبه، أي: كذلك تجب رعايته عَّه وفداؤه على
المؤمنين بأنفسهم، إذ لو لم يدفع الهلاك عنه وقدم غيره لهلك ذلك الغير، وأشار إلى هذا المعنى
بقاء التعليل، فقال: (فلو حفظ الإِنسان نفسه وترك النبي ◌َ ◌ُّ لهلك هو أيضًا،) ويحتمل أن
الفاء زائدة، والمعنى أن رعايته وتقديمه على النفس مشبهة بالعضو الرئيس في رعايته وتقديمه على
بقية الأعضاء، (بخلاف العبد والسيد. انتهى،) كلام الرازي.
(إذا كان رفع الأصوات فوق صوته موجبًا لحبوط الأعمال،) أي: فسادها وهدرها
مصدر لحبط من باب فرح، وفي لغة من باب ضرب، وبها قرىء شاذًا، كما قال تعالى: ﴿أن
تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون﴾، أي: خشية ذلك بالرفع والجهر المذكورين، (فما الظن برفع
الآراء:) جمع رأي، (ونتائج الأفكار) ما يظهر لها تشبيهًا بنتائج الحيوان، وهو ما يلده (على
سنّته وما جاء به).
(وأعلم أن في الرفع والجهر استخفافًا) بحسب الصورة (قد يؤدي إلى الكفر
المحبط، وذلك إذا انضم إليه قصد الإِهانة وعدم المبالاة،) وإلا فالرفع والجهر لا يلزمهما
الاستخفاف.

٥٢٥
النوع الثامن فيما تتضمن الأدب معه عَ ◌ّ
وروي أن أبا بكر رضي الله عنه، لما نزلت هذه الآية قال: والله يا رسول اللَّه
لا أكلمك إلا كأخي السرار، وقد روى وأن عمر كان إذا حدثه حدثه كأخي
السرار ما كان يسمع النبي عَّ حديثه بعد هذه الآية حتى يستفهمه.
وقد روي أن أبا جعفر أمير المؤمنين ناظر مالكًا في مسجد رسول اللَّه عَّه.
فقال له ملك: يا أمير المؤمنين، لا ترفع صوتك في هذا المسجد، فإن اللَّه عز
وجل أدب قومًا فقال: ﴿لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي﴾ الآية ومدح قومًا
(وروي أن أبا بكر رضي الله عنه لما نزلت هذه الآية، قال: والله يا رسول الله
لا أكلمك إلا كأخي) أي: أي: صاحب (السرار) (بكسر السين مصدر سارة)، أي: الكلام
الخفي الذي يراد كتمه.
وفي البخاري عن ابن أبي مليكة: كاد الخيران أن يهلكا أبا بكر وعمر، رفعا صوتهما
عند النبي ◌َُّ حين قدم عليه، ركب بني تميم فأنزل الله: ﴿يا أيها الذين ءامنوا لا ترفعوا
أصواتكم﴾.
قال: ابن الزبير: فكان عمر لا يسمع رسول اللّه عَّ بعد هذه الآية حتى يستفهمه، ولم
یذ کر ذلك عن أبيه، يعني أبا بكر.
(وقد روى؛ أن عمر كان إذا حدثه حدثه كأخي السرار، ما كان يسمع النبي
حديثه بعد) نزول (هذه الآية حتى يستفهمه،) وفي الاعتصام من البخاري؛ فكان عمر بعد ذلك
إذا حدثه يحدثه كأخي السرار، لا يسمعه حتى يستفهمه، ففي تعبيره بروي في هذا شىء، وفيهما
وفي غيرهما نزل؛ ﴿إن الذين يغضون﴾.
(وقد روي) فيما أسنده القاضي عياض من طريق أبي الحسن علي بن فهرأي، مؤلف
فضائل لملك بسنده؛ (أن أبا جعفر المنصور عبد اللّه بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس،
(أمير المؤمنين،) ثاني الخلفاء من بني العباس، ولي الخلافة اثنتين وعشرين سنة، وكان محدثًا،
فقيهًا، بليغًا، حافظًا للقرآن والسنّة، جماعًا للأموال، فلذا لقب أبا الدوانيق، مات سنة ثمان
وخمسين ومائة بقرب مكة محرمًا بالحج وله ثلاث وستون سنة، (ناظر) مفاعلة من النظر، بمعنى
الفكر، لا لأن كلا منهما ينظر في كلام من يجادله (مالكًا) الإِمام في مسئلة فرفع صوته (في
مسجد رسول اللّه عَة) ولم يذكروا ناظره فيه لأنه لا يترتب عليه فائدة هنا، (فقال له أملك: يا
أمير المؤمنين لا ترفع صوتك في هذا المسجد، فإن اللّه عزّ وجلّ أدب قومًا، فقال:
﴿لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي﴾) [الحجرات/٢] الآية).
روى ابن جرير عن قتادة، قال: كانوا يجهرون له بالكلام ويرفعون أصواتهم، فنزلت:

٥٢٦
النوع الثامن فيما تتضمن الأدب معه
فقال: ﴿إِن الذين يغضون أصواتهم﴾ الآية، وذم قومًا فقال: ﴿إن الذين ينادونك
من وراء الحجرات﴾ الآية. وإن حرمته ميتا كحرمته حيًّا، فاستكان لها أبو جعفر.
ومن الأدب معه أن لا يجعل دعاؤه كدعاء بعضنا بعضًا، قال تعالى: ﴿لا
تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضًا﴾ [النور/٦٣] وفيه قولان
للمفسرین.
أحدهما: لا تدعوه باسمه كما يدعو بعضكم بعضًا، بل قولوا: يا نبي اللَّه
يا رسول اللَّه مع التوقير والتواضع، فعلى هذا: المصدر مضاف إلى المفعول، أي
دعاءكم الرسول.
(ومدح قومًا) كالعمرين وثابت بن قيس وغيرهم، (فقال: ﴿إن الذين يغضون أصواتهم﴾)
[الحجرات/٣] (الآية، وذم قومًا،) أي: بني تميم (فقال: ﴿إن الذين ينادونك من وراء
الحجرات﴾) أي: حجرات نسائه بأن أتوهه حجرة حجرة، فنادوه أو تفرقوا عليها متطلبين له،
لأنهم لم يعلموه بأيها مناداة الإِعراب، بغلظة وجفاء أكثرهم، لا يعلقون محلك الرفيع وما يناسبه
من التعظيم، إذ العقل يقتضي حسن الأدب، وفيه تسلية وتلميح بالصفح عنهم (الآية، وإن حرمته
ميتًا كحرمته حيًّا،) إذ هو حي في قبره، فيجب أن يراعى بعد مماته ما كان له في حياته،
(فاستكان:) خضع وذل (لها،) لهذه المقالة والموعظة.
وفي نسخة له، أي: للملك أي: لقوله (أبو جعفر) المنصور، لوضوح استدلاله، (ومن
الأدب معه أن لا يجعل دعاؤه كدعاء بعضنا بعضًا.
(قال تعالى: ﴿لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضًا﴾) [النور/٦٣]، بأن
تنادوه باسمه، بل قولوا: يا نبي الله يا رسول اللّه بلين وتواضع وخفض صوت.
روى أبو نعيم في الدلائل عن ابن عباس، قال: كانوا يقولون: يا محمد يا أبا القسم فأنزل
الله ﴿لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضًا﴾، فقالوا: يا نبي الله يا رسول الله،
(وفيه قولان للمفسرين).
(أحدهما: لا تدعوه،) وفي نسخة تدعونه على أنه خبر بمعنى النهي (باسمه، كما يدعو)
ينادي (بعضكم بعضًا، بل قولوا: يا نبي الله يا رسول الله).
وهذا ما دل عليه سبب النزول المذكور (مع التوقير) الإجلال (والتواضع) وخفض
الصوت لآية الحجرات، (فعلى هذا) القول (المصدر مضاف إلى المفعول، أي: دعاءكم
الرسول،) أي: نداءكم له، (والثاني: أن المعنى لا تجعلوا دعاءه لكم بمنزلة دعاء بعضكم

٥٢٧
النوع الثامن فيما تتضمن الأدب معه عزّ.
والثاني: أن المعنى: لا تجعلوا دعاءه لكم بمنزلة دعاء بعضكم بعضًا، إن شاء
أجاب وإن شاء ترك، بل إذا دعاكم لم يكن لكم بد من إجابته، ولم يسعكم
التخلف عنها البتة، فإن المبادرة إلى إجابته واجبة، والمراجعة بغير إذنه محرمة،
فعلى هذا: المصدر مضاف إلى الفاعل، أي دعاءه إياكم، وقد تقدم في الخصائص
من المقصد الرابع عن مذهب الشافعي أن الصلاة لا تبطل بإجابته ،
ومن الأُدب معه عَ لِ أنهم إذا كانوا معه على أمر جامع من خطبةٍ أو جهاد،
أو رباط، لم يذهب أحد مذهبًا في حاجة له حتى يستأذنه، كما قال اللَّه تعالى:
﴿إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع لم
يذهبوا حتى يستأذنوه﴾ [النور/٦٢]. فإذا كاند هذا مذهبًا مقيدًا لحاجة عارضة لم
بعضًا، إن شاء أجاب، وإن شاء ترك، بل إذا دعاكم لم يكن لكم بد:) فراق ومحالة (من
إجابته، ولم يسعكم التخلف عنها البتة) (بقطع الهمزة)، (فإن المبادرة إلى إجابته واجبة،
والمراجعة بغير إذنه محرمة،) أي: الرجوع عن تمام ما ندب إليه، لقوله تعالى: ﴿استجيبوا لله
وللرسول إذا دعاكم﴾ [الأنفال/٢٤]، (فعلى هذا المصدر) في دعاء الرسول (مضاف إلى
الفاعل، أي: دعاءه إياكم) ولو في الصلاة.
(وقد تقدم في الخصائص من المقصد الرابع عن مذهب الشافعي،) وهو المعتمد في
مذهب ملك (أن الصلاة لا تبطل بإجابته معَّله)) وقال جماعة: تجب الإِجابة، وتبطل الصلاة،
(ومن الأدب معه عَّةٍ أنهم إذا كانوا معه على أمر جامع من خطبة أو جهاد أو رباط).
وفي الإكليل قال ابن أبي مليكة: الآية في الجهاد والجمعة والعيدين، وقال عطاء: أمر
عام، وقال مقاتل: طاعة يجتمعون عليها.
أخرجها ابن أبي حاتم: (لم يذهب أحد مذهبًا في حاجة) عرضت (له حتى يستأذنه،
كما قال اللّه تعالى: ﴿إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع
لم يذهبوا حتى يستأذنوه﴾﴾ [النور/٦٢]، ففيه وجوب استئذانه قبل الانصراف عنه في كل أمر
يجتمعون عليه.
قال الحسن: وغيره عَُّّ من الائمة مثله في ذلك لما فيه من أدب الدين وأدب النفس.
قال ابن الفرس: ولا خلاف في الغزو أنه يستأذن إمامه إذا كان له عذر يدعوه إلى
الانصراف، واختلف في صلاة الجمعة، إذا كان له عذر كالرعاف وغيره، وقيل: يلزمه الاستئذان،
سوءا كان إمامه الأمير أم غيره، أخذًا من الآية، (فإذا كان هذا مذهبًا)، أي: سببًا يقصد، مقيدًا

٥٢٨
النوع الثامن فيما تتضمن الأدب معه عزام
يوسع لهم فيه إلا بإذنه، فكيف بمذهب مطلق في تفاصيل الدين، أصوله وفروعه،
ودقيقه وجليله، هل يشرع الذهاب إليه بدون استئذانه؟ ﴿فاسئلوا أهل الذكر إن
كنتم لا تعلمون﴾ [النحل/٤٣].
ومن الأدب معه عَِّ أنه لا يستشكل قوله، بل تستشكل الآراء بقوله، ولا
يعارض نصه بقياس، بل تهدر الأقيسة وتلقى لنصوصه، ولا يحرف كلامه عن
حقيقته لخيال مخالف، يسميه أصحابه معقولاً، نعم هو مجهول وعن الصواب
معزول، ولا يتوقف قبول ما جاء به على موافقة أحد، فكل هذا من قلة الأدب
معه، ◌َهُ وهو عين الجراءة عليه.
ورأس الأدب معه عَّه كمال التسليم له والانقياد لأمره، وتلقي خبره بالقبول
والتصديق دون أن يحمله معارضة خيال باطل يسميه صاحبه آراء أذهانهم، فيوحد
التحكيم والتسليم والانقياد والإذعان، كما وحد المرسل بالعبادة والخضوع والذل
لحاجة عارضة، لم يوسع لهم فيه إلا بإذنه، فكيف بمذهب مطلق في تفاصيل الدين: أصوله
وفروعه ودقيقه:) قليله (وجليله:) كثيره، (هل يشرع الذهاب إليه بدون استئذانه؟، ﴿فاسئلوا
أهل الذكر:) العلماء (إن كنتم لا تعلمون﴾) [النحل/٤٣] الآية، ذلك فإنهم يعلمونه (ومن
الأدب معه عَّ أن لا يستشكل قوله،) الثابت عنه بلا معارض راجح، بقوله أيضًا، ونحوه: (بل
تستشكل الآراء بقوله: ولا يعارض نصه بقياس،) لأنه فاسد الاعتبار مع وجود النص، (بل
تهدر:) تطرح (الأقيسة وتلقي:) عطف تفسير لتهدر (لنصوصه، ولا يحرف كلامه عن حقيقته
لخيال،) أي: ظن (مخالف، يسميه أصحابه معقولاً، نعم هو مجهول، وعن الصواب معزول،)
أي: مصروف إلى غيره، (ولا يتوقف قبول ما جاء به على موافقة أحد)، بل يقبل، ثم تارة يعمل
به، وتارة لا لقيام دليل غيره على عدم العمل به، (فكل هذا من قلة الأدب معه عَد، وهو عين
الجرأة) بزنة غرفة وضخامة، أي: الهجوم بلا توقف، وذلك مذموم (ورأس الأدب معه عَالّ.
كمال التسليم له والانقياد:) الإذعان (لأمره، وتلقي خبره بالقبول والتصديق دون أن يحمله
خيال) ظن (باطل يسميه صاحبه) معقولاً، أو يسميه شبهة، أو شكّاً، أو يقدم عليه (آراء) الرجال،
وزبالات أوساخ (أذهانهم:) جمع ذهن، وهو الذكاء والفطنة، كما في المصباح، (فيوحد
التحكيم،) أي: يجب على كل أحد أن يجعل الحاكم هو النبي عَّه، (والتسليم والانقياد
والإِذعانِ) من أذعن: انقاد فهو عطف مساوٍ، (كما وحد المرسل،) (بكسر السين)، وهو اللّه
سبحانه (بالعبادة،) فجعله مستحقًا لها دون غيره، (والخضوع والذل) عطف تفسيره (والإنابة)

٥٢٩
النوع التاسع في آيات تتضمن رده تعالى بنفسه المقدسة على عدوه عَّ
والإنابة والتوكل، فهما توحيدان لا نجاة للعبد من عذاب اللَّه إلا بهما، توحيد
المرسل، وتوحيد متابعة الرسول، فلا يتحاكم إلى غيره، ولا يرضى بحكم غيره،
انتهى ملخصًا من ((المدارج)) والقرءان مملوء بالآيات المرشدة إلى الأدب معه
فليراجع.
النوع التاسع
في آيات تتضمن رده تعالى بنفسه المقدسة على
عدوه علية توفيعًا لشأنه
قال تعالى: ﴿ن والقلم وما يسطرون ما أنت بنعمة ربك بمجنون﴾ [القلم)
١- ٢] لما قال المشركون: ﴿يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون)
والرجوع (والتوكل) عليه في جميع الأمور، (فهما توحيدان لا نجاة للعبد من عذاب اللّه إلا
بهما، توحيد المرسل،) وهو اللّه عزّ وجلّ، (وتوحيد متابعة الرسول، فلا يتحاكم إلى غيره)
بالعدول عنه وطلب الحكم من غيره، (ولا يرضى بحكم غيره، انتهى ملخصًا من المدارج) للعلامة
ابن القيم (والقرآن مملوء بالآيات المرشدة إلى الأدب معه عَ}. فليراجع) وفيما ذكر كفاية.
النوع التاسع
(في آيات تتضمن رده تعالى بنفسه المقدسة،) أطلق النفس عليه تبعًا لقول إمام
الحرمين أنه الصحيح، وقيل: إنما يجوز للمشاكلة نحو تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك،
ورد بقوله: كتب ربكم على نفسه الرحمة، وخبر أنت، كما أثنيت على نفسك، وتقدير كتب
رب نفوسكم، ولا تحصى نفسي بعيد (على عدوه،) يحتمل أن يريد المفرد وعمومه من الإضافة
استغراق المفرد أشمل عند أهل البيان، ويحتمل أن يريد الجمع، فإن لفظ عدو يقع لغة على
الواحد المذكر والمؤنث، والمجموع (عَّله ترفيعًا) مفعول لأجله وتضعيفه للمبالغة، إذ هو متعدٍ
بدونه (لشأنه) أمره وخطبه.
(قال تعالى: ﴿ن والقلم، وما يسطرون﴾،) أي: الملائكة، ومر الكلام فيه مبسوطًا (﴿ما
أنت بنعمة ربك بمجنون﴾،) [القلم/١]، أي: انتفى عنك الجنون، بسبب إنعامه عليك بالنبوة
وغيرها,
(لما) حين (قال المشركون: ﴿يا أيها الذي نزل عليه الذكر﴾) القرآن في زعمه
(﴿إِنكِ لمجنون﴾،) أي: لتقول قولهم، بدعواك أنه نزل عليك لا الجنون الحقيقي للقطع
بعدمه، فلا يريدونه لئلا يكذب من قاله: (أجاب تعالى) الأولى: فأجاب بالفاء، إذ الجملة الأولى

٥٣٠
النوع التاسع في آيات تتضمن رده تعالى بنفسه المقدسة على عدوه علمية
[الحجر/٦]، أجاب تعالى عنه عدوه بنفسه من غير واسطة، وهكذا سنة الأحباب،
فإن الحبيب إذا سمع من سب حبيبه تولى بنفسه جوابه، فههنا تولى الحق سبحانه
جوابهم بنفسه منتصرًا له، لأن نصرته تعالى له أتم من نصرته وأرفع لمنزلته، ورده
أبلغ من رده وأثبت في ديوان مجده.
فأقسم تعالى بما أقسم به من عظيم آياته على تنزيه رسوله وحبيبه وخليله
مما غمصته أعداؤه الكفرة به وتكذيبهم له بقوله: ﴿ما أنت بنعمة ربك بمجنون﴾
﴿وسيعلم أعداؤه المكذبون له أيهم المفتون﴾، هو أو هم؟ وقد علموا هم
كافية، وكأنه تركها، لأنه بيان لتعظيمه؛ بأنه أجاب (عنه عدوه بنفسه من غير واسطة،) وتوطئة
لقوله: (وهكذا سنة الأحباب،) أي: عادتهم، (فإن الحبيب إذا سمع من سب حبيبه، تولى
بنفسه جوابه،) وفرع على هذا قوله: (فههنا تولى الحق سبحانه جوابهم بنفسه منتصرًا له، لأن
نصرته تعالى) التي تولاها بنفسه (له أتم من نصرته) عليه الصلاة والسلام لنفسه، كقتال العدو
وإن كان للّه، أو المعنى لو فعل.
وروى ابن أبي حاتم عن وهيب بن الورد، قال: يقول اللّه تعالى ابن آدم، إذا ظلمت فاصبر
وأرض بنصرتي، فإن نصرتي لك خير من نصرتك لنفسك.
ورواه عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد عن وهيب، قال: بلغني أنه مكتوب في التوراة،
فذكره، (وأرفع لمنزلته:) مقداره العلي، (ورده) تعالى على عدوه بتكذيبهم (أبلغ من رده)
لنفسه ◌َّـ
٤. يإقامة الحجة، وإن كانت ليست لنفسه، بل اللّه، والمراد لو كان له رد ونصرة، كما
مر، (وأثبت) أعظم وأقوى ثباتًا (في ديوان مجده) شرفه من أن يثبته هو بنفسه، فما أمضاه اللّه،
لا نقض له، فاستعار لمجدہ دیوانًا یثبت فیه، فإذا أثبتہ اللّہ کان أُتم وأُکبر ثباتًا، وهکذا هو باقٍ
إلى الأبد، (فأقسم تعالى بما أقسم به من عظيم آياته،) أجمله، ليأتي على الخلاف السابق في
تفسيره (على تنزيه رسوله وحبيبه وخليله مما غمصته) (بفتح الغين المعجمة والميم، وبكسر
الميم أيضًا وصاد مهملة)، أي: احتقرته وعابته (أعداؤه الكفرة به، وتكذيبهم له، بقوله: ﴿ما
أنت بنعمة ربك بمجنون﴾،) بدل من قوله من عظيم آياته بدل بعض من كل، أو متعلق بتنزيه
(﴿وسيعلم أعداؤه المذكبون له أيهم المفتون﴾)، فيه إشارة إلى أن الباء زائدة، وهو أحد وجوه
سبقت (هو أوهم)، واقتصر على الأعداء، مع أن الآية ﴿فستبصر ويبصرون﴾ [القلم/٥]، لأن
القصد إخباره بأنهم سيعلمون ذلك، وأما ذكره عليه السلام فيها، فلأنه ادعى للقبول في مقام
المحاجة، نحو: وأنا وإیا کم لعلی هدى أو في ضلال مبين، وقول حسان:
أتهجوه ولست له بكفء فشركما لخير كما فداء

٥٣١
النوع التاسع في آيات تتضمن رده تعالى بنفسه المقدسة على عدوه عَّئة
والعقلاء ذلك في الدنيا، ويزداد علمهم به في البرزخ، وينكشف ويظهر كل الظهور
في الآخرة بحيث تتساوى الخلق كلهم في العلم به. وقال تعالى: ﴿وما صاحبكم
بمجنون﴾ [التكوير/٢٢].
ولما رأى العاصي بن وائل السهمي النبي ◌َُّ يخرج من المسجد وهو
يدخل فالتقيا عند باب بني سهم وتحدثا، وأناس من صناديد قريش جلوس في
المسجد، فلما دخل العاصي قالوا: من ذا الذي كنت تحدث معه، قال: ذلك
الأبتر، يعني النبي عَّله، وكان قد توفي ابن لرسول اللّه عَّ من خديجة، فرد اللَّه
تعالى عليه، وتولى جوابه بقوله: ﴿إن شانئك هو الأبتر﴾ [الكوثر/٣] أي عدوك
ومبغضك هو الذليل الحقير.
ولما قالوا: ﴿أفترى على اللَّه كذبًا﴾ [سبأ/٨] قال الله تعالى: ﴿بل الذين
(وقد علموا هم والعقلاء) من غيرهم (ذلك،) أي: أنهم المفتونون لا هو (في الدنيا،)
متعلق بعلموا، (ويزداد علمهم به في البرزخ:) القبر، (وينكشف ويظهر كل الظهور في
الآخرة، بحيث تتساوى الخلق كلهم في العلم به، وقال تعالى:) عطف على بقوله: ﴿ما
أنت﴾ من عطف الفعل على اسم يشبه الفعل، وهو المصدر، والمعنى بقوله: ﴿ما أنت بنعمة
ربك بمجنون﴾، وبقوله: (﴿وما صاحبكم بمجنون﴾) [التكوير/٢٢]، فقال: ﴿فلا أقسم بالخنس) ...
لخ.
(ولما رأى العاصي بن وائل السهمي،) أحد المستهزئين الميت على كفره
(النبي عَّة، يخرج من المسجد، وهو،) أي: العاصي (يدخل، فالتقيا عند باب بني سهم:)
بطن من قريش، (وتحدثا وأناس من صناديد:) جمع صنديد، وهو السيد الشجاع أو الحليم، أو
الجواد، أو الشريف، كما في القاموس، (قريش جلوس في المسجد، فلما دخل العاصي،
قالوا له: من ذا الذي كنت تحدث،) بحذف إحدى التاءين (معه، قال: ذلك الأبتر، يعني
النبي ◌َّهِ، وكان قد توفي ابن لرسول اللّه عَّه من خديجة،) وهو القسم أول من مات من
ولده، أو عبد اللّه روايتان: (فرد اللّه تعالى عليه، وتولى جوابه بقوله: ﴿إن شانئك هو الأبتر﴾)
[الكوثر/٣]، ( أي: عدوك ومبغضك هو الذليل الحقير،) الذي لا عقب له ولا حسن ذكر،
وأما أنت فتبقى ذريتك وحسن صيتك وآثار فضلك إلى يوم القيامة، ولك فيها ما لا يدخل تحت
الوصف، ولا يرد أن العاصي أعقب عمرًا وهشامًا، لأنهما لما أسلما انقطع عقبه منهما، فصارا من
اتباع المصطفى وأزواجه أمهاتهما، (ولما قالوا:) أي: الذين كفروا على جهة التعجب لبعض هل

٥٣٢
النوع التاسع في آيات تتضمن رده تعالى بنفسه المقدسة على عدوه
لا يؤمنون بالآخرة في العذاب والضلال البعيد﴾ [سبأ/٨].
ولما قالوا: ﴿لست مرسلاً﴾ [الرعد/٤٣] أجاب اللَّه تعالى عنه فقال:
﴿يس * والقرءان الحكيم * إنك لمن المرسلين﴾ [يس/١- ٣].
ولما قالوا: ﴿أثنا لتاركو آلهتنا لشاعر مجنون﴾ رد اللَّه تعالى عليهم فقال:
﴿بل جاء بالحق وصدق المرسلين﴾ فصدقه ثم ذكر وعيد خصمائه فقال:
﴿إنكم لذائقوا العذاب الأليم﴾ [الصافات/٣٦ - ٣٨].
ولما قالوا: ﴿أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون﴾ [الطور/٣٠]، رد
اللَّه عليهم بقوله: ﴿وما علمناه الشعر وما ينبغي له إن هو إلا ذكر وقرءان
ندلكم على رجل ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق أنكم لفي خلق جديد (﴿أفترى﴾) (بفتح الهمزة
للاستفهام واستغنى بها عن همزة الوصل) (﴿على الله كذبًا﴾) في ذلك، (﴿أم به جنة﴾﴾ [سبأ)
٨] الآية، جنون، تخيل ذلك به، (قال الله تعالى:) ردًا عليهم: (﴿بل الذين لا يؤمنون
بالآخرة﴾) المشتملة على البعث والعذاب (﴿في العذاب والضلال البعيد﴾) [سبأ/ ٨]، من
الحق في الدنيا.
قال البيضاوي: رد اللّه عليهم ترديدهم، وأثبت لهم ما هو أفظع من القسمين وهو الضلال
البعيد عن الصواب، بحيث لا ترجى الخلاص منه وما هو مؤداه من العذاب، (ولما قالوا ﴿لست
مرسلاً﴾) [الرعد/٤٣] الآية، (أجاب اللّه تعالى عنه) بالإقسام، (فقال: ﴿يس والقرآن الحكيم،
إنك لمن المرسلين﴾) [يس/١] الآية، ومرت مباحث ذلك، ولم يجعل الجواب من بقية الآية،
وهي ﴿قل كفى باللّه شهيدًا بيني وبينكم﴾ [الرعد / ٤٣] ومن عنده علم الكتاب، أي: على
صدقي لعدم صراحتها في الرد، (ولما قالوا ﴿اثنا﴾) بتحقيق الهمزتين وتسهيل الثانية، وإدخال
ألف بينهما على الوجهين (﴿لتاركوا آلهتنا لشاعر مجنون﴾) [الصافات/٣٦]، أي: لأجل قول
محمد (رد اللّه تعالى عليهم، فقال: ﴿بل جاء بالحق وصدق المرسلين﴾) [الصافات/٣٧]،)
الجاثين به، وهو لا إله إلا اللّه، (فصدقه، ثم ذكر وعيد خصمائه، فقال: ﴿إنكم لذائقوا العذاب
الأليم) وما تجزون إلا ما كنتم تعملون﴾، (ولما قالوا:) ما حكي اللّه عنهم بقوله: ((أم
يقولون﴾) هو (﴿شاعر نتربص به ريب المنون﴾﴾ [الطور/٣٠] الآية، حوادث الدهر، فيهلك
كغيره من الشعراء، وقيل: المنون الموت، (رد اللّه عليهم، بقوله: ﴿وما علمناه الشعر وما
ينبغي﴾:) يسهل (﴿ل﴾) الشعر (﴿إِن هو﴾،) أي: الذي أتى به (﴿إلا ذكر﴾) عظة (﴿وقرآن
مبين﴾) [يس/٦٩] الآية، مظهر للأحكام وغيرها.

٥٣٣
النوع التاسع في آيات تتضمن رده تعالى بنفسه المقدسة على عدوه مع اليه
مبين﴾ [يس/٦٩].
ولما حكى اللَّه عنهم قولهم: ﴿إن هذا إلا فك افتراه وأعانه عليه قوم
آخرون﴾ [الفرقان/٤] سماهم اللّه تعالى كاذبين بقوله: ﴿فقد جاءوا ظلمًا وزورًا﴾
[الفرقان/٤]. وقال: ﴿قل أنزله الذي يعلم السر في السموات والأرض﴾
[الفرقان/٦].
ولما قالوا: يلقيه إليه شيطان قال اللَّه تعالى: ﴿وما تنزلت به الشياطين)
[الشعراء/٢١٠]، وما ينبغي لهم وما يستطيعون.
ولما تلا عليهم نبأ الأولين قال النضر بن الحرث ﴿لو نشاء لقلنا مثل هذا
إن هذا إلا أساطير الأولين﴾ [الأنفال/٣١] قال اللَّه تعالى: تكذيًا لهم: ﴿قل لئن
اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرءان لا يأتون بمثله﴾ [الى سراء/٨٨].
وذكر وعيدهم، بقوله: ﴿لينذر من كان حيًّا ويحق القول على الكافرين﴾ [يس/٧٠]،
(ولما حكي اللّه عنهم قولهم: ﴿إن هذا إلا إفك﴾) كذب (﴿اقتراه﴾) محمد (﴿وأعانه
عليه قوم آخرون﴾،) من أهل الكتاب (سماهم اللّه تعالى كاذبين، بقوله: ﴿فقد جاؤًا ظلمًا
وزورًا﴾﴾ [الفرقان/٤]، كفرًا وكذبًا، أي: بهما، (وقال) ردا لقولهم: (﴿أساطير الأولين اكتبها
فهي تملي عليه بكرة وأصيلاً﴾) [الفرقان/٥] الآية، (﴿قل أنزله الذي يعلم السر﴾) الغيب
(﴿في السموات والأرض) إنه كان غفورًا رحيمًا﴾) [الفرقان/٦] الآية، (ولما قالوا: ﴿يلقيه
إليه الشيطان﴾، قال اللّه تعالى:) لهم (﴿وما تنزلت به الشياطين﴾،) كما زعم المشركون
أنه من قبيل ما يلقي الشياطين على الكهنة ((وما ينبغي﴾) يصلح (﴿لهم)) أن ينزلوا به (﴿وما
يستطيعون﴾) [الشعراء/٢١٠] الآية، ذلك أنهم عن السمع لكلام الملائكة لمعزولون، أي:
محجوبون بالشهب (﴿ولما تلا عليهم نبأ﴾) خبر (﴿الأولين﴾ الآية، قال النضر بن
الحارث،) الكافر، المقتول بعد بدر، المشتري لهو الحديث: ﴿لو نشاء لقلنا مثل هذا﴾) لأنه
كان يأتي الحيرة يتجر، فيشتري كتب أخبار الأعاجم، ويحدث بها أهل مكة، ويقول: إن
محمدًا يحدثكم أحاديث عاد وثمود، وأنا أحدثكم حديث فارس والروم، فيستملحون
حديثه، ويتركون استماع القرآن (﴿إِن﴾) ما (﴿هذا﴾) القرآن (﴿إلا أساطير﴾) أكاذيب
(﴿الأولين﴾) [المؤمنون/٨٣].
(قال اللّه تعالى: تكذيبًا لهم ﴿قل لئن اجتمعت الإنس والجن، على أن يأتوا بمثل هذا
القرآن﴾) في الفصاحة والبلاغة (﴿لا يأتون بمثله) ولو كان بعضهم لبعض ظهير) [الإسراء/٨٨]

٥٣٤
النوع التاسع في آيات تتضمن رده تعالى بنفسه المقدسة على عدوه عـ
ولما قال الوليد بن المغيرة: ﴿إن هذا إلا سحر يؤثر * إن هذا إلا قول
البشر﴾ [المدثر/٢٤]، قال اللَّه تعالى: ﴿كذلك ما أتى الذين من قبلهم من
رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون﴾ [الذاريات/٥٢]. تسلية له عليه الصلاة
والسلام.
ولما قالوا: محمد قلاه ربه، فرد اللَّه عليهم بقوله: ﴿ما ودعك ربك وما
قلى﴾ [الضحى/٣].
ولما قالوا: ﴿مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق﴾
[الفرقان/٧] قال اللَّه تعالى: ﴿وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا أنهم ليأكلون
الطعام ويمشون في الأسواق﴾ [الفرقان/٢٠].
ولما حسدته أعداء اللَّه اليهود على كثرة النكاح والزوجات، وقالوا: ما همته
إلا النكاح، رد اللَّه تعالى عليهم عن رسوله ونافح عنه فقال: ﴿أم يحسدون الناس
أي: معينًا، (ولما قال الوليد بن المغيرة) المخزومي الميت على كفره: (﴿إِن﴾) ما (﴿هذا﴾)
القرآن (﴿إلا سحر يؤثر﴾) ينقل عن السحرة.
(﴿إن هذا إلا قول البشر﴾) [المدثر/٢٥] الآية، كما قالوا: إنما يعلمه بشر، (قال اللّه
تعالى: ﴿كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا﴾) هو (﴿ساحر أو مجنون﴾)
[الذاريات/٣٩] الآية، (تسلية له عليه الصلاة والسلام،) لأن المعنى مثل تكذيبهم لك، بقولهم:
إنك ساحر أو مجنون، تكذيب الأمم قبلهم لرسلهم، بقولهم: ذلك، (ولما قالوا: محمد قلاه
ربه:) أبغضه، (فرد) بالفاء في جواب لمبالغة قليلة (اللّه عليهم بقوله: ﴿ما ودعك ربك وما
قلى﴾) [الفتح/٣] ما أبغضك (ولما قالوا: ﴿مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في
الأسواق﴾) [الفرقان/٧] الآية، لولا أنزل إليه ملك، فيكون معه نذيرًا، أو يلقي إليه كنز، أي: من
السماء ينفقه ولا يحتاج إلى المشي في الأسواق لطلب المعاش، أو تكون له جنة يأكل منها،
أي: من ثمارها، فيكتفي بها، (قال اللّه تعالى: ﴿وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا أنهم
ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق﴾) [الفرقان/٢٠] الآية، فأنت مثلهم في ذلك، وقد قيل
لهم كما قيل لك، وكسرت إن، لأن المستثنى محذوف، أي: إلا رسلاً إنهم، أو جملة إنهم
حالية اكتفى فيها بالضمير، (ولما حسدته أعداء اللّه اليهود على كثرة النكاح والزوجات،)
لأنه صفة كمال لا يقدرون عليها، وعبروا عن هذا، (وقالوا:ما همته إلا النكاح،) لإيهام
الاعتراض والتوبيخ، خلاف ما أبطنوه من الحسد الذي هو تمني زوال نعمة المحسود، (رد الله

٥٣٥
النوع التاسع في آيات تتضمن رده تعالى بنفسه المقدسة على عدوه معنا
على ما آتاهم الله من فضله فقد آتيناآل إبرهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكًا
عظيمًا﴾ [النساء/٥٤].
ولما استبعدوا أن يبعث اللَّه رسولاً من البشر بقولهم الذي حكاه اللَّه عنهم:
﴿وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث اللَّه بشرًا
رسولاً﴾ [الإسراء/٩٤] وجهلوا أن التجانس يورث التآنس، وأن التخالف يورث
التباين. قال الله تعالى: ﴿قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا
عليهم من السماء ملكًا رسولاً﴾ [الإسراء/٩٥]، أي لو كانوا ملائكة لوجب أن
يكون رسولهم من الملائكة، لكن لما كان أهل الأرض من البشر وجب أن يكون
رسولهم من البشر.
عليهم عن رسوله، ونافح) (بالفاء والحاء المهملة)، أي: منع ودافع (عنه، فقال: ﴿أم يحسدون
الناس﴾،) أي: محمدًا عَّه (﴿على ما آتاهم الله من فضله﴾) من النبوة وكثرة النساء، أي:
يتمنون زواله عنه، ويقولون: لو كان نبيًا لاشتغل عن النساء، (فقد آتينا آل إبراهيم) جد
محمد عَّ، كموسى وداود، وسليمن (﴿الكتاب والحكمة﴾:) النبوة (﴿وآتيناهم ملكًا
عظيمًا﴾) [النساء/٥٤] الآية، فكان لداود تسع وتسعون امرأة، ولسليمن ألف ما بين حرة إلى
سرية، (ولما استبعدوا أن يبعث اللّه رسولاً من البشر، بقولهم: الذِي حكاه اللّه عنهم، ﴿وما
منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا﴾:) أي: قولهم منكرين (﴿أبعث الله بشرًا
رسولاً﴾﴾ [الإسراء/٤]، وجهلوا أن التجانس يورث التوانس،) فيمكن مخاطبته والفهم عنه،
(وأن التخالف) في الجنس (يورث التباين،) فلا يمكن ذلك، فمن حكمة الله جعل الرسول بشر
الا ملكًا.
(قال اللّه تعالى: ﴿قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من
السماء ملكًا رسولاً﴾) [الإسراء/٩٤] الآية، يحتمل أنه حال من رسولاً، وأنه مفعول، وكذلك
بشرًا، والأول أوفق، (أي: لو كانوا ملائكة، لوجب أن يكون رسولهم من الملائكة، لكن لما
كان أهل الأرض من البشر، وجب أن يكون رسولهم من البشر،) لتمكنهم من الاجتماع به
واللقى معه، وأما الإِنس، فعامتهم عماة عن إدراك الملك والتلقف منه، فإن ذلك مشروط بنوع
من التناسب والتجانس، قاله البيضاوي، وفي الشفاء أي: لا يمكن في سنّة اللّه إرسال الملك إلا
لمن هو من جنسه، أو من خصه اللّه واصطفاه، وقواه على مقاومته، كالأنبياء والرسل، وفي الآية
الأخرى: ﴿ولو جعلناه ملكًا لجعلناه رجلاً وللبسنا عليهم ما يلبسون﴾، أي: جعلناه على صورة
رجل ليتمكنوا من رؤيته، إذ لا قدرة للبشر على رؤية الملك، (فما أجل هذه الكرامة،) أي:

٥٣٦
النوع التاسع في آيات تتضمن رده تعالى بنفسه المقدسة على عدوه عَ ليه
فما أجل هذه الكرامة، وقد كان الأنبياء إنما يدافعون عن أنفسهم، ويردون
على أعدائهم، كقول نوح عليه السلام: ﴿يا قوم ليس بي ضلالة﴾ [الأعراف/
٦١]، وقول هود ﴿يا قوم ليس بي سفاهة﴾ [الأعراف/٦٧] وأشباه ذلك.
الإكرام من اللّه لنبيه، حيث كان هو الراد عنه، لا الأمر الخارق للعادة، (وقد كان الأنبياء إنما
يدافعون عن أنفسهم ويردون على أعدائهم، كقول نوح عليه السلام) رادًا لقولهم له: ﴿إِنا
لنراك في ضلال مبين﴾، [الأعراف/٦٠] الآية، قال: (﴿يا قوم ليس بي ضلالة﴾﴾ [الأعراف/
٦١] فنفيها أبلغ من نفيه، (وقول هود) دفعًا لقولهم: ﴿إنا لنراك في سفاهة وإنا لنظنك من
الكاذبين﴾ الآية، قال: (﴿يا قوم ليس بي سفاهة﴾ الآية،) جهالة، (وأشباه ذلك) من دفعهم عن
أنفسهم.

آخر المجلد الثامن
وينتهي بـ:
النوع التاسع: في آيات تتضمن رده تعالى بنفسه المقدسة،
على عدوه عّد.
ويليه: المجلد التاسع
ويبدأ بـ:
النوع العاشر: في إزالة الشبهات عن
آيات وردت في حقه عليه الصلاة والسلام متشابهات

£

شرح العلامة الزرقاني
على
المواهب اللدنية
فهرس المجلد الثامن

£