Indexed OCR Text

Pages 501-520

٥٠١
النوع السادس في وصفه تعالى له عليه الصلاة والسلام بالنور والسراج المنير
يستضيئون به.
وعن مقاتل: أي مثل الإيمان في قلب محمد عَ له كمشكاة فيها مصباح،
فالمشكاة نظير صدر عبد الله، والزجاجة نظير جسد محمد عليه، والمصباح نظير
الإيمان والنبوة في قلب محمد
وعن غيره: المشكاة نظير إبراهيم، والزجاجة نظير إسمعيل عليهما، والمصباح
جسد محمد علَّة، والشجرة: النبوة والرسالة.
وعن أبي سعيد الخراز: المشكاة: جوف محمد عَّه، والزجاجة قلبه،
والمصباح النور الذي جعل اللَّه في قلب محمد
والأرض) وأضاف النور إليهم لأجل (أنهم يستضيئون به،) والإضافة تجىء لأدنى ملابسة.
(وعن مقاتل، أي: مثل الإِيمان في قلب محمد عَّه، كمشكاة:) كوة غير نافذة، والكوة
بفتح الكاف وضمها اسم ما لا ينفذ، قيل: معربة من الحبشية، وقيل: هي القنديل، وقيل: موضع
الفتيلة منه، وقيل: معلاقة، (فيها مصباح:) قنديل أو الفتيلة، مأخوذ من الصباح أو الصباحة،
(فالمشكاة نظير صدر).
كذا في جميع النسخ والأولى صلب (عبد الله والزجاجة) مثلثة الزاي، والضم أعرفها
وأفصحها، (نظير جسد محمد عَله، والمصباح نظير الإِيمان والنبوة في قلب محمد عَّة.
وعن غيره،) أي: غير مقاتل، (المشكاة نظير إبراهيم، والزجاجة نظير إسمعيل عليهما السلام،
والمصباح جسد محمد عَه، والشجرة النبوة والرسالة) التي يتوقد منها المصباح، ونحوه قول
من قال: المشكاة أبدان آبائه، والزجاجة أصلابهم، والمصباح نوره المستودع فيهم، (وعن أبي
سعيد الخراز) إبراهيم، وقيل: أحمد بن عيسى البغدادي، قال الخطيب: كان أحد المشهورين
بالورع والمراقبة وحسن الرعاية، وحدث يسيرًا صحب السقطي وذا النون وغيرهما.
قال الجنيد: لو طالبنا اللّه بتحقيقة ما عليه أبو سعيد لهلكنا، أقام كذا كذا سنة، ما فاته
ذكر الحق تعالى بين الخرزتين.
وقال السلمي: الخراز، إمام القوم في كل فن من علومهم وأحسنهم كلهم ما خلا الجنيد،
فإنه الإِمام لذلك، فإن جماعة يقولون الخراز قمر الصوفية، فأفاد أن أمثلهم مطلقًا الجنيد، فهو
الشمس، والخراز القمر، مات سنة سبع وسبعين ومائتين، وقيل: غير ذلك: (المشكاة جوف
ـ، والزجاجة قلبه، والمصباح النور الذي جعل الله فى قلب محمد عَه).
محمد

النوع السادس في وصفه تعالى له عليه الصلاة والسلام بالنور والسراج المنير
٥٠٢
وعن كعب وابن جبير: النور الثاني هنا محمد عطيه.
وعن سهل بن عبد اللَّه: مثل نور نبوة محمد إذا كان مستودعًا في الأصلاب
كمشكاة صفتها كذا وكذا، وأراد بالمصباح قلبه وبالزجاج صدره، أي كأنه
كوكب دري لما فيه من الإيمان والحكمة.
توقد من شجرة مباركة، أي من نور إبراهيم، وضرب المثل بالشجرة
المباركة.
(وعن كعب) بن ناتع، بفوقية، المعروف بكعب الأحبار، (وابن جبير) سعيد أحد
الأعلام، (النور الثاني هنا) في قوله: مثل نوره (محمد عَّه) بطريق المجاز الأول هو اللّه،
أضيف لجميع مخلوقاته للتعميم، والثاني مضاف للّه تعالى للتشريف والتعظيم، والثالث في قوله
﴿يهدي اللَّه لنوره من يشاء﴾ إضافته، كلجين الماء أتى به بيانًا للتشبيه الذي بنيت عليه الاستعارة،
فالمعنى أنه نور عم نوره جميع مخلوقاته، وخص نبيه عَّهُ بأوفر اسم منه، فسماه باسمه وألبسه
حليه، كما ألبسه الرأفة والرحمة.
(وعن سهل بن عبد الله) بن يونس بن عيسى التستري، فوقيتين أولهما مضمومة، وفتح
الثانية بينهما مهملة ساكنة، مدينة معروفة، الصالح المشهور، الذي لم يسمع الدهر بمثله علمًا
وورعًا، وله كرامات، مات سنة ثلاث وثمانين ومائتين، وقيل غير ذلك: (مثل نور نبوة محمد إذ
كان مستودعًا) (بفتح الدال) (في الأصلاب،) أي: أصلاب آبائه، وضمير كان راجع لنور أو
لمحمد نفسه، ورجح بأنه كان في صلب آبائه لا نوره، ورد بأن نوره كان ظاهرًا في جباههم من
آدم لأبيه عبد الله، كالقمر ليلة البدر، والمستودع في الأصلاب مادة جسمه، والنور تابع لتلك
المادة، (كمشكاة صفتها كذا وكذا،) كناية عن قوله فيها مصباح ... الخ، فإنها استعملت
كذلك، أي: صفة نوره كضفة نور مشكاة، فيها مصباح (وأراد بالمصباح قلبه وبالزجاجة
صدره) والمشكاة جسده الشريف، (أي: كأنه،) أي: صدره الشريف (كوكب دري،) أي:
مضىء (بضم الدال وكسرها، وفتحها مع الهمزة، وبدونها مشدد الياء)، قيل: أنه منسوب إلى
الدر لحسنه وصفاته (لما فيه،) أي: الصدر (من الإِيمان والحكمة،) وجعل ذلك في الصدر
بواسطة القلب، ولا يبعد عود الضمير للقلب والحكمة العلم النافع.
وقيل: المراد بها هنا النبوة، كقوله: ﴿ادع إلى سبيل ربك بالحكمة﴾ [النخل/١٢٥]،
(توقد) المصباح بالماضي، وفي قراءة بمضارع أوقد مبنياً للمفعول بالتحتانية، وفي أخرى
بالفوقانية، أي: الزجاجة (من شجرة مباركة، أي: من نور إبراهيم،) لأن النسب شبيه بالشجرة،
وإبراهيم جده عبد، وهو دعوته، (وضرب المثل،) وهو كلام شبه مضربه بمورده، وضربه ذكره

٥٠٣
النوع السادس في وصفه تعالى له عليه الصلاة والسلام بالنور والسراج المنير
وقوله تعالى: ﴿يكاد زيتها يضيء﴾ أي تكاد نبوة محمد عليه تبين للناس
قبل كلامه، حكى هذا الأخير القاضي أبو الفضل اليحصبي والفخر الرازي، لكنه
عن كعب الأحبار.
وعن الضحاك: یکاد محمد يتكلم بالحكمة قبل الوحي. قال عبد الله بن
رواحة:
لو لم تكن فيه آيات مبينة كانت بديهته تنبيك بالخبر
كذلك بمعنى نباته (بالشجرة المباركة) على استعارة التمثيلية، لأنه شبه ظهور نبوته المتصلة بأبيه
إبراهيم، وشبه المتصل به بمصباح أضاء بزيت من شجرة مباركة، واقتصر على أجزاء التمثيل
لظهور ما فيه، وفائدة التمثيل كما في الكشاف إبراز المعقول في هيئة المحسوس ليتضح
ويرسخ في الأذهان، ولذا كثر في الأحاديث والكتب الإلهية.
(وقوله تعالى: ﴿يكاد زيتها يضيء﴾) [النور/٣٥]، ولو لم تمسسه نار، (أي: تكاد نبوة
محمد عَّ تبين) مضارع بأن أي: اتضح (للناس قبل كلامه.) أي: تكليمه ودعواه النبوة
وتحديه كذا الزيت والكلام يأتي مصدرًا بمعنى التكليم، كقوله: فإن كلاميها شفاء لما بيا، أو
المراد ما يتكلم به فيقدر مضاف، أي: قبل إيراد كلامه الذي يتكلم به، وقيل: أن يوحى إليه،
(حكي هذا الأخير) من قوله.
وعن سهل (القاضي أبو الفضل) عياض (اليحصبي) (بفتح التحتية وسكون المهملة
وتثليث الصاد مهملة)، نسبة إلى يحصب بن ملك أبي قبيلة باليمن، (والفخر الرازي، لكنه،)
أي: الرازي، إنما حكاه (عن كعب الأحبار) لا عن سهل بن عبد اللّه، فإن صح النقلان فيكونان
معًا، قالاه، وفي شرح الشفاء للتجاني؛ أنه تأويل بعيد عن ظاهر القرآن، والصحيح ما عليه جمهور
المفسرين أنه تعالى ضرب هذا مثلاً لنوره، وتمثالاً لقصور أفهام الخلق، إذ لولاه ما عرف اللّه،
قال: وما أشبه هذا بتأويل الفضل قول الفرزدق:
أخذنا بأطراف السماء عليكم لنا قراها والنجوم الطوالع
24 عليهما، وبالنجوم الطوالع
لما سأله الرشيد عنه، فقال: أراد بالقمرين إبراهيم ومحمد عُـ
أنت وآبائك، فقال له الرشيد: أحسنت. انتهى.
(وعن الضحاك: يكاد محمد يتكلم بالحكمة:) العلم النافع (قبل الوحي) به إليه، (قال
عبد الله بن رواحة) الخزرجي الأمير الشهيد بمؤتة:
(لو لم تكن فيه آيات مبينة كانت بديهته تنبيك بالخبر)

٥٠٤
النوع السابع في آيات تتضمن وجوب طاعته واتباع سنته
لكن التفسير الأول في هذه الآية هو المختار، لأنه تعالى ذكر قبل هذه الآية
﴿ولقد أنزلنا إليكم آيات ، مبينات﴾ [النور/٣٤]. فإذا كان المراد بقوله ﴿مثل
نوره﴾ أي مثل هداه كان مطابقًا لما قبله.
النوع السابع
في آيات تتضمن وجوب طاعته واتباع سنته
قال اللَّه تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا اللَّه ورسوله﴾ [الأنفال/٢٠].
وقال: ﴿وأطيعوا اللَّه والرسول لعلكم ترحمون﴾ [آل عمران/١٣٢].
وقال نفطويه: يكاد ذريتها يضيء، هذا مثل ضربه الله لنبيه، يقول: يكاد نظره يدل على
نبوته، وإن لم يتل قرءانًا، كما قال ابن رواحة: وذكر هذا البيت، (لكن التفسير الأول في هذه
الآية هو المختار، لأنه تعالى ذكر قبل هذه الآية ﴿ولقد أنزلنا إليكم آيات مبينات﴾) [النور/
٤٦] الآية، بفتح الياء وكسرها في هذه السورة، بين فيها ما ذكر أو بينته، (فإذا كان المراد
بقوله: ﴿مثل نوره﴾) [النور/٣٥]، أي: مثل هداه كان مطابقًا لما قبله) بخلافه على ما بعده من
التفاسير، فلا يطابق ما قبله ونحن في غنية عن ذلك، فقد سماه اللّه نورًا في قوله: ﴿قد جاءكم
من اللَّه نور وكتاب مبين﴾ [المائدة/١٥] وسماه سراجا منيرًا في آية الأحزاب كما أشار إلى ذلك
عياض بذكر هاتين الآيتين بعد آية النور، وبعض تلك التفاسير والله أعلم.
النوع السابع
(في) ذكر (آيات تتضمن،) أي: تدل لا التضمن المنطقي (وجوب طاعته)) أي: الانقياد
له بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، فطاعة اسم مصدر أطاعه إذا انقاد له فيما أمر به قولاً أو فعلاً إذا
كان الأمر بصيغة أفعل، وأما مادة، أمر فتحتمل الوجوب والندب، فتكون طاعته في المندوب
مندوبة، فوجوبه على هذا الانقياد إلى أمره ولو مندوبًا والعمل به، فقوله: (واتباع سنّته) بالجر
عطفًا على طاعته، والنصب على وجوب من عطف الخاص على العام.
(قال اللّه تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله﴾) [الأنفال/٢٠]، قال عطاء:
باتباع الكتاب والسنّة، رواه ابن أبي حاتم، وقدم طاعة اللّه تمهيدًا لوجوب طاعة رسوله، وإشارة إلى
أن طاعته تعالى بطاعة رسوله، وهما شىء واحد، ولذا أفرد الضمير في قوله: ﴿ولا تولوا عنه﴾
[الأنفال/ ٢٠].
(وقال: ﴿وأطيعوا اللَّه والرسول﴾) الآية، أتبع الوعيد، بقوله: ﴿واتقوا النار التي أعدت﴾
للكافرين﴾ [آل عمران/١٣١]، بالوعد بقوله: ((لعلكم ترحمون﴾﴾ [آل عمران/١٣٢] الآية،

٥٠٥
النوع السابع في آيات تتضمن وجوب طاعته واتباع سنته
وقال تعالى: ﴿قل أطيعوا اللَّه والرسول فإن تولوا فإن الله لا يحب
الكافرين﴾ [آل عمران/٣٢].
قال القاضي عياض: فجعل طاعته طاعة رسوله، وقرن طاعته بطاعته، ووعد
على ذلك بجزيل الثواب، وأوعد على مخالفته بسوء العقاب.
وقال تعالى: ﴿من يطع الرسول فقد أطاع اللَّهِ﴾ [النساء/٨٠].
يعني: من أطاع الرسول لكونه رسولاً مبلغًا إلى الخلق أحكام اللَّه فهو في
ترهيبًا عن المخالفة وترغيبًا في الطاعة، ولعل وعسى في أمثال ذلك دليل على عزة المطلوب،
وأن العبد دائر بين الرجاء والخوف.
(وقال تعالى: ﴿قل أطيعوا الله والرسول﴾) فيما يأمركم به من التوحيد، (﴿فإن تولوا﴾)
أعرضوا عن الطاعات، (﴿فإن الله لا يحب الكافرين)) [آل عمران/٣٢]، من إقامة الظاهر مقام
المضمر، أي: لا يحبهم، بمعنى أنه يعاقبهم.
(قال القاضي عياض: فجعل طاعته طاعة رسوله) تشبيه بليغ، وجعل عينه ادعاء،
فلا ينافي الآية، لأن الشرط والجزاء متغايران نظرًا لما في نفس الأمر، ولكل مقام مقال،
والأولى تأخير هذا عن الآتية، لأنها التي صرح فيها بأن طاعته طاعته، ولفظ عياض: وجعل
طاعته طاعته وموافقته موافقته فقال تعالى: ﴿من يطع الرسول فقد أطاع اللَّه﴾ [النساء/٨٠]،
(وقرن طاعته بطاعته) في قوله: ﴿أطيعوا الله ورسوله﴾، ونحوه مما أمر فيه بطاعة الله ورسوله
معًا، (ووعد على ذلك بجزيل،) أي: عظيم أو كثير (الثواب،) ينحو قوله: ﴿لعلكم ترحمون﴾،
(وأوعد على مخالفته بسوء العقاب،) أي: أشده، (وقال تعالى: ﴿من يطع الرسول فقد أطاع
اللّه﴾.
روي أنه عليه الصلاة والسلام قال: من أحبني فقد أحب اللّه، ومن أطاعني فقد أطاع
اللّه. فقال المنافقون: لقد قارف الشرك، وهو ينهي عنه ما يريد إلا أن تتخذه ربًّا، كما اتخذت
النصارى عيسى ابن مريم، فنزلت.
كذا في الكشاف، قال الحافظ ولي الدين العراقي في حواشيه، لم أقف عليه، هكذا
ونقله السيوطي عن البيضاوي ولم يزد عليه، (يعني من أطاع الرسول لكونه رسولاً مبلغًا)، علة
غاثية، أي: وغاية أمر الرسول كونه مبلغًا، (إلى الخلق أحكام اللّه))) لأنه لا ينطق عن الهوى،
فلا مفهوم لهذه العبارة، (فهو فى الحقيقة ما أطاع إلا اللّه،) أي: هو مبلغ حقيقة، والآمر هو
اللّه، كما في الكشاف قال الطيبي: هذا التعليل يفيده لفظ الرسول، لأنه من وضع المظهر موضع

٥٠٦
النوع السابع في آيات تتضمن وجوب طاعته واتباع سنته
الحقيقة ما أطاع إلا اللَّه، وذلك في الحقيقة لا يكون إلا بتوفيق الله. ﴿ومن
تولى فما أرسلناك عليهم حفيظًا﴾ فإن من أعماه اللَّه عن الرشد وأضله عن
الطريق فإن أحدًا من خلق لا يقدر على إرشاده.
وهذه الآية من أقوى الأدلة على أن الرسول معصوم في جميع الأوامر
والنواهي، وفي كل ما يبلغه عن اللَّه، لأنه لو أخطأ في شىء منها لم تكن طاعته
طاعة لله، وأيضًا وجب أن يكون معصومًا في جميع أحواله، لأنه تعالى أمر بمتابعته
في قوله: ﴿واتبعوه﴾ [الأعراف/١٥٨]. والمتابعة عبارة عن الإتيان بمثل فعل الغير،
فثبت أن الانقياد له في جميع أقواله وأفعاله إلا ما خصه الدليل طاعة له، وانقياد
لحكم اللَّه تعالى.
المضمر للإِشعار بعلية إيجاب الطاعة له، ويدل عليه السياق، وهو قوله: ﴿ومن تولى﴾ وكان
مقتضى الظاهر، ومن تولى فقد عصى اللّه في مقابلة قوله فقد أطاع اللّه، فوضع ذلك موضعه
ليدل على المبالغة، (وذلك) المذكور من الطاعة (في الحقيقة لا يكون إلا بتوفيق اللّه،) إذ لو
أخذ له ما أطاع رسوله، (﴿ومن تولى﴾) أعرض عن طاعته فلا يهمنك (﴿فما أرسلناك عليهم
حفيظًا﴾) [النساء/٨٠] الآية، حافظًا لأعمالهم، بل نذيرًا وإلينا أمرهم فنجازيهم، وهذا، قبل
الأمر بالقتال، كما في الجلال فأشار إلى أن جواب الشرط محذوف، والمذكور دليل عليه،
وهذا أحد وجهين، الثاني: إنه المذكور باعتبار ما دل عليه، (فإن من أعماه اللّه عن الرشد
وأضله عن الطريق) المستقيم، (فإن أحدًا من خلق اللّه لا يقدر على إرشاده،) جواب الشرط،
وجملة الشرط وجوابه علة لكونه ما جعل عليهم حفيظًا في أعمالهم، بحيث يلجئهم للطاعة،
ویمنعهم عن العصيان، وأشار إلى تحقق ذلك وعدم احتمال خلافه، بالتأكيد بأن، (وهذه الآية من
أقوى الأدلة على أن الرسول معصوم في جميع الأوامر والنواهي وفي كل ما يبلغه عن اللّه،
لأنه لو أخطأ في شىء منها) وأقر عليه، فأمر به أو نهى عنه، ولم يكن كذلك في نفس الأمر،
(لم تكن طاعته طاعة للّه)) بل مخالف لأمره أو نهيه (وأيضًا وجب أن يكون معصومًا في
جميع أحواله، لأنه تعالى أمر بمتابعته،) الأنسب أن يقول باتباعه ليطابق دليله (في قوله:
﴿واتبعوه﴾) لكنه أشار إلى أن المفاعلة قد ترد لأصل الفعل، فقال: (والمتابعة عبارة عن الإتيان
بمثل فعل الغير،) ومنه المتابعة في علوم الحديث، (فثبت أن الانقياد له في جميع أقواله
وأفعاله،) وجودًا أو عدمًا، (إلا ما خصه الدليل) به (طاعة له) بالآية منطوقًا ومفهومًا، لأن مفهوم
من يطع الرسول، من عصاه فقد عصى الله، (وانقياد لحكم اللّه تعالى) عطف تفسير.

٥٠٧
النوع السابع في آيات تتضمن وجوب طاعته واتباع سنته
وقال تعالى: ﴿ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم
من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين﴾ الآية [النساء/٦٩].
وهذا عام في المطيعين للَّه تعالى من أصحاب الرسول ومن بعدهم، وعام
في المعية في هذه الدار، وإن فاتت فيها معية الأبدان.
وقد ذكروا في سبب نزول هذه الآية أن ثوبان، مولى رسول اللَّه عَّيِ كان
(وقال تعالى: ﴿ومن يطع الله والرسول﴾) فيما أمرا به، (﴿فأولئك مع الذين أنعم الله
عليهم من النبيين والصديقين﴾:) أفاضل أصحاب الأنبياء لمبالغتهم في الصدق والتصديق،
(﴿والشهداء﴾) القتلى في سبيل اللّه (﴿والصالحين)) [النساء/٦٩] الآية، غير من ذكر (الآية،)
أي: ﴿وحسن أولئك رفيقًا﴾.
أي: رفقاء في الجنة؛ بأن يستمتع فيها برؤيتهم وزيارتهم والحضور معهم، وإن كان مقرهم
في درجات عالية بالنسبة إلى غيرهم.
قال البيضاوي: قسمهم أربعة أقسام: باعتبار منازلهم في العلم والعمل، وهم الأنبياء
الفائزون بكمال العلم والعمل، المجاوزون حد الكمال إلى درجة التكميل، ثم صديقون صعدت
نفوسهم تارة إلى مراقي النظر في الحجج والآيات، وأخرى إلى معارج القدس بالرياضة والتصفية،
حتى اطلعوا على ما لم يطلع عليه غيرهم، ثم شهداء بذلوا نفوسهم في إعلاء كلمة اللّه وإظهار
الحق، ثم صالحون صرفوا أعمارهم في طاعته، وأموالهم في مرضاته. انتهى.
(وهذا عام في المطيعين للّه تعالى من أصحاب الرسول ومن بعدهم، وعام في المعية
في هذه الدار) الدنيا لعموم اللفظ، (وإن فاتت فيها معية الأبدان،) وذلك فيمن آمن في زمنه
عَّ ولم يره، ومن آمن بعده إلى يوم القيامة بقيد الطاعة، (وقد ذكروا في سبب نزول هذه
الآية أن ثوبان) بفتح المثلثة والموحدة، ابن بجدد بضم الموحدة وسكون الجيم، وضم الدال
المهملة الأولى، وقيل: ابن جحدر، بفتح الجيم وسكون الحاء المهملة، (مولى
رسول اللّه عَّ له)) قال في الإِصابة: يقال إنه من العرب من حكم ابن سعد بن حمير، وقيل: من
السراة، اشتراه ثم أعتقه، فخدمه إلى أن مات، ثم تحول إلى الرملة، ثم حمص، ومات بها سنة
أربع وخمسین، قاله: ابن سعد وغيره.
وروی ابن السکن، عن یوسف بن عبد الحمید، حدثني ثوبان أن رسول اللّه عَ لّم دعا
لأهله، فقلت: أنا من أهل البيت، فقال: في الثالثة نعم، ما لم تقم على باب سدة، أو تأتي أميرًا
فتسأله.
وروى أبو داود، عن أبي العالية عن ثوبان، قال: قال رسول اللّه عَله: من يتكفل لي أن

٥٠٨
النوع السابع في آيات تتضمن وجوب طاعته واتباع سنته
شديد الحب لرسول اللَّه عَ ل قليل الصبر عنه، فأتاه يومًا وقد تغير وجهه ونحل
جسمه، فسأله رسول اللَّه عَّم عن حاله فقال: يا رسول اللَّه، ما بي وجع، غير أني
إذا لم أرك اشتقتك واستوحشت وحشة عظيمة حتى ألقاك، فذكرت الآخرة بحيث
لا أراك هناك، لأني إن دخلت الجنة فأنت تكون في درجات النبيين. وإن أنا لم
أُدخل الجنة فحينئذٍ لا أراك أبدًا، فنزلت هذه الآية.
وذكر ابن أبي حاتم الضحى عن مسروق، قال أصحاب محمد: يا رسول اللَّه
لا يسأل الناس وأتكفل له بالجنة، فقال ثوبان: أنا، وكان لا يسأل أحدًا شيئًا، (كان شديد الحب
لرسول اللّه ◌َاتٍ، قليل الصبر عنه،) ولذا ألزمه حضرًا وسفرًا،» (فأتاه يومًا وقد تغير وجهه ونحل
جسمه) بفتح الحال، وفي لغة بكسرها، وأخرى بضمها مبنيًا للفاعل، فهو لازم، أي: قام بجسمه
المرض، ويعدىء، بالهمزة، فيقال: أنحله المرض.
وفي القاموس: نحل، كمنع وعلم ونصر وكرم نحولاً ذهب من مرض أو سفر، (فسأله
رسول اللّه عَلّ عن حاله، فقال: يا رسول اللّه ما بي وجع) حصل به نحولي، وتغير وجهي،
(غير أني إذا لم أرك اشتقتك،) ضمنه معنى طلب فعداه بنفسه، وإلا فاشتاق، إنما يتعدى بحرف
الجر، وبالتضعيف على أن المنقول في غيره عن ثوبان اشتقت إليك، (واستوحشت وحشة
عظيمة حتى ألقاك، فذكرت الآخرة،) أي: فكرت في أمرها، (بحيث) الذي في غيره: فخفت
(لا أراك هناك،) لأنه ظهر لي بالفكر، أما عدم رؤياك بالمرة أو قلتها، (لأني إن دخلت الجنة
فأنت تكون في درجات النبيين،) فتتعذر رؤيتي لك أو تقل، (وإن أنا لم أدخل الجنة،
فحينئذٍ لا أراك أبدًا، فنزلت هذه الآية).
قال الشيخ ولي الدين: هذا ذكره الثعلبي في تفسيره بلا إسناد ولا راوٍ، وحكاه الواحدي
في أسباب النزول عن الكلبي.
وروى الطبراني في معجمه الصغير عن عائشة، وابن مردويه عن ابن عباس، والبيهقي عن
الشعبي، وابن جرير عن سعيد بن جبير، كل منهم يحكي عن رجل، فذكر مثل قصة ثوبان ونزول
الآية فیه. انتهى.
فإن ثبت، فالرجل المبهم ثوبان، وذكر ابن ظفر عن مقاتل بن سليمن أن المبهم
عبد الله بن زيد بن عبد ربه الأنصاري، فإن ثبتا، فلعلهما معًا ذكرًا ذلك والعلم للّه، (وذكر،) أي:
روى (ابن أبي حاتم) الحافظ، ابن الحافظ عبد الرحمن بن محمد بن إدريس الرازي، (عن أبي
الضحى) مسلم بن صبيح، بالتصغير الهمداني، الكوفي، العطار، مشهور بكنيته، تابعي، ثقة،
فاضل، من رجال الجميع، مات سنة مائة، (عن مسروق) بن الأجدع بن لملك الهمداني،

٥٠٩
النوع السابع في آيات تتضمن وجوب طاعته واتباع سنته
ما ينبغي لنا أن نفارقك، فإنك لو قدْ متَّ لرفعت فوقنا ولم نرك، فأنزل اللَّه الآية.
وذكر عن عكرمة مرسلاً، قال: أتى فتى صغير السن لرسول اللَّه فقال: يا
نبي اللَّه، إن لنا منك نظرة في الدنيا ويوم القيامة لا نراك لأنك في الجنة في
الدرجات العلى، فأنزل اللَّه هذه الآية فقال له رسول اللَّه عَّه: أنت معي في الجنة.
فيها أيضًا روايات أخر ستأتي إن شاء اللَّه تعالى في مقصد محبته عليه
الصلاة والسلام.
لكن قال المحققون: لا ننكر صحة هذه الروايات، إلا أن سبب نزول هذه
الوداعي، أبي عائشة الكوفي، ثقة فقيه، عابد مخضرم، مات سنة اثنتين، ويقال: سنة ثلاث
وستين، من رجال الجميع، قال: (قال أصحاب محمد عَّ: يا رسول اللّه ما ينبغي لنا أن
نفارقك) اعتذارًا عن كثرة ملازمتهم له، المقتضية للملال عادة، (فإنك لو قذ) (بفتح فسكون
(مت) بضم الميم)، ضبطه بعض العلماء الموثوق بهم، وتجويز ضم القاف وشد الدال مكسورة
وسكون الميم، أي: قدمت علينا، أي: سبقتنا تحاشيًا عن خطابه، بلفظ مت أدبًا، وأنه أولى
خلاف المتبادر، (لرفعت فوقنا ولم، نرك، فأنزل اللّه:) ﴿ومن يطع الله والرسول﴾ (الآية) وفي
هذا إن قائلي ذلك جمع كثير لقوله أصحاب محمد، (وذكر) بالبناء للفاعل، أي: ابن أبي حاتم
أيضًا بسنده، (عن عكرمة) مولى ابن عباس (مرسلاً، قال: أتى فتى،) أي: (صغير السن
لرسول اللّه عَّه، فقال: يا نبي الله إن لنا منك نظرة في الدنيا،) أي: إنا نراك ونتمتع برؤيتك
فيها، وعبر بالوحدة لقصر المدة، (ويوم القيامة لا نراك لأنك في الجنة، في الدرجات
العلى، فأنزل اللّه هذه الآية،) وللطبراني وابن مردويه بسند لا بأس به، عن عائشة قالت: جاء .
رجل إلى النبي عَّه، فقال: يا رسول الله إنك لأحب إليّ من نفسي، وإنك لأحب إليّ من
ولدي، وإني لأكون في البيت فأذكرك، فما أصبر حتى آتي فأنظر إليك، وإذا ذكرت موتي
وموتك عرفت إنك إذا دخلت الجنة رفعت مع النبيين، وإني إذا دخلت الجنة خشيت أن
لا أراك، فلم يرد عليه النبي معَّهِ شيئًا حتى نزل جبريل بهذه الآية ﴿ومن يطع الله والرسول﴾،
(فقال له رسول اللّه عَلّ: أنت معي في الجنة) إن شاء اللّه، كما هو بقية رواية عكرمة.
وأخرج ابن جرير نحوه من مرسل سعيد بن المسيب ومسروق والربيع وقتادة والسدي،
(وفيها أيضًا روايات أخر) بنحوها (ستأتي إن شاء اللّه تعالى في مقصد محبته عليه الصلاة
والسلام) وهو السابع التالي لهذا.
(لكن قال المحققون: لا ننكر صحة هذه الروايات الا أن، سبب نزول هذه الآية

٥١٠
النوع السابع في آيات تتضمن وجوب طاعته واتباع سنته
الآية يجب أن يكون شيئًا أعظم من ذلك، وهو الحث على الطاعة والترغيب فيها،
فإنا نعلم أن خصوص السبب لا يقدح في عموم اللفظ، فهذه الآية عامة في حق
جميع المكلفين، وهو أن كل من أطاع اللَّه وأطاع الرسول فقد فاز بالدرجات
العالية والمراتب الشريفة عنده تعالى.
ثم إن ظاهر قوله تعالى: ﴿ومن يطع الله والرسول﴾ أنه يكتفي بالطاعة
الواحدة، لأن اللفظ الدال على الصفة يكفي في جانب الثبوت حصول ذلك
المسمى مرة واحدة، لكن لا بد أن يحمل على غير ظاهره، وأن تحمل الطاعة
على فعل جميع المأمورات وترك جميع المنهيات، إذ لو حملناه على الطاعة
الواحدة لدخل فيه الكفار والفساق، لأنهم قد يأتون بالطاعة الواحدة.
قال الرازي: قد ثبت في أصول الفقه أن الحكم المذكور عقب الصفة
من
مشرع بكون ذلك الحكم معللاً بذلك الوصف، وإذا ثبت هذا فنقول قوله:
يجب أن يكون شيئًا أعظم من ذلك،) أي: أنه لا ينحصر في تسلية المحبين له والتخفيف
عنهم، بل يشمل ذلك وغيره، (وهو الحث على الطاعة والترغيب فيها، فإنا نعلم أن خصوص
السبب لا يقدح في عموم اللفظ،) أي: لا يكون قاصرًا عليه خلافًا لزاعمه، (فهذه الآية عامة
في حق جميع المكلفين،) خصهم لوقوع الثواب بعد الأمر المستفاد من قوله: ﴿من يطع﴾، إذ
لا طاعة فرع الأمر أو النهي، وكلاهما خاص بالمكلف، إذ لا خطاب يتعلق بفعل غيره، وصحة
عبادة الصبي وإثابته عليها لا لأمره بها، بل ليعتادها، فلا يتركها إن شاء اللّه ذلك، (وهو) أي:
الأمر الأعظم، (أن كل من أطاع اللّه وأطاع الرسول فقد فاز:) ظفر (بالدرجات العالية،
والمراتب:) المنازل (الشريفة عنده تعالى، ثم إن ظاهر قوله تعالى: ﴿ومن يطع الله
والرسول﴾، أنه يكتفي بالطاعة الواحدة، لأن اللفظ الدال على الصفة يكفي في جانب
الثبوت حصول ذلك المسمى مرة واحدة،) فإذا قيل صلٍ مثلاً برىء من عهدة الطلب بصلاة
واحدة، لأن الأمر بالشىء لا يقتضي فورًا ولا تكرارًا، أو خرج بالثبوت النهي، فامتثاله إنما يحصل
بترك جميع المنهيات، (لكن لا بدّ أن يحمل على غير ظاهره، وأن تحمل الطاعة على فعل
جميع المأمورات وترك جميع المنهيات، إذ لو حملناه على الطاعة الواحدة لدخل فيه الكفار
والفساق، لأنهم قد يأتون بالطاعة الواحدة،) وذلك غير مراد، فوجب حمله على غير ظاهره.
(قال الرازي) الإِمام فخر الدين: (قد ثبت في أصول الفقه أن الحكم المذكور عقب
الصفة،) كقوله هنا: فأولئك مع الذين ... الخ، بعد قوله: ومن يطع (مشرع بكون ذلك الحكم،

٥١١
النوع السابع في آيات تتضمن وجوب طاعته واتباع سنته
يطع اللَّهِ﴾ أي في كونه إلهًا، وطاعة اللَّه في كونه إلهًا هي معرفته والإقرار بجلاله
وعزته وكبريائه وصمديته، فصارت هذه الآية تنبيهًا على أمرين عظيمين من أحوال
المعاد.
فالأول: أن منشأ جميع السعادات يوم القيامة إشراف الروح بأنوار معرفة اللَّه،
فكل من كانت هذه الأنوار في قلبه أكثر، وصفاؤها أقوى كان إلى السعادة أقرب،
وإلى الفوز بالنجاة أوصل.
والثاني: أن اللَّه تعالى ذكر في الآية السابقة وعد أهل الطاعة بالأجر العظيم
والثواب الجسيم، ثم ذكر في هذه الآية وعدهم بكونهم من النبيين والصديقين
والشهداء والصالحين.
وليس المراد بكون من أطاع اللَّه وأطاع الرسول مع النبيين والصديقين والشهداء
والصالحين كون الكل في درجة واحدة، لأن هذا يقتضي التسوية في الدرجة بين الفاضل
والمفضول، وذلك لا يجوز، فهذا هو المراد من هذه المعية وقد ثبت
معللاً بذلك الوصف، وإذا،) أي: حيث (ثبت هذا) وتقرر في الأصول، (فنقول قوله: من يطع
اللَّهُ﴾، أي: في كونه إلهًا، وطاعة اللَّه في كونه إلهًا هي معرفته) بالآية الدالة عليه، (والإقرار)
الاعتراف (بجلاله): عظمته (وعزته): غلبته (وكبريائه): عظمته.
قال تعالى: (﴿وله الكبرياء في السموات والأرض)، (وصمديته:) احتياج الخلق إليه
على الدوام، (فصارت هذه الآية تنبيهًا،) أي: منبهة (على أمرين عظيمين من أحوال المعاد،
فالأول أن منشأ جميع السعادات يوم القيامة إشراق الروح بأنوار معرفة اللّه،) المؤدية إلى
الإِيمان به وطاعة أمره، (فكل من كانت هذه الأنوار في قلبه أكثر، وصفاؤها أقوى كان إلى
السعادة أقرب وإلى الفوز بالنجاة أوصل:) أكثر وصولاً، (والثاني: إن اللّه تعالى ذكر في
الآية السابقة) على هذه الآية، (وعد) مصدر (أهل الطاعة بالأجر العظيم والثواب الجسيم).
وفي نسخة الجزيل، بقوله: ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرًا لهم وأشد تثبيتًا، وإذا
لآتيناهم الآية، (ثم ذكر في هذه الآية وعدهم بكونهم مع النبيين والصديقين، والشهداء
والصالحين، وليس المراد بكون من أطاع الله وأطاع الرسول مع النبيين والصديقين
والشهداء والصالحين، كون الكل في درجة واحدة، لأن هذا يقتضي التسوية في الدرجة بين
الفاضل والمفضول، وذلك لا يجوز) بدلالة النصوص الكثيرة، فالمراد كونهم في لاجنة (بحيث
يتمكن كل واحد منهم من رؤية الآخر، وإن بعد المكان، لأن الحجاب إذا زال شاهد بعضهم

٥١٢
النوع السابع في آيات تتضمن وجوب طاعته واتباع سنته
وصح بحيث يتمكن كل واحد منهم من رؤية الآخر، وإن بعد المكان، لأن
الحجاب إذا زال شاهد بعضهم بعضًا، وإذا أرادوا الرؤية والتلاقي قدروا على ذلك،
فهذا هو المراد من هذه المعية، وقد ثبت وصح عنه عَّه أنه قال: المرء مع من أحب، وثبت
أيضًا أنه قال: إن بالمدينة أقوامًا ما سرتم مسيرًا ولا نزلتم منزلاً إلا وهم معكم حبسهم
بعضًا، وإذا أرادوا الرؤية والتلاقي قدروا على ذلك)، إذ لو عجزوا عنه لتحسروا، ولا حسرة في
الجنة، (فهذا هو المراد من هذه المعية،) لا المساواة في المنزلة، (وقد ثبت وصح) أتى به
ليبين أن مراده بالثبوت الصحة للخلاف في علوم الحديث: هل لفظ ثبت يختص بالصحيح أو
يشمل الحسن؟ قال السيوطي:
وهل يخص بالصحيح الثابت أو يشمل الحسن نزاع ثابت
وزعم أن الثبوت لا يستلزم الصحة، لجواز أنه مع ثبوته ضعيف، أو حسن عقلي، لم يقله
أحد (عنه عَّة؛ أنه قال:) كما أخرجه الشيخان من حديث أنس وابن مسعود وأبي موسى: جاء
رجل إلى النبي عَّه، فقال: كيف تقول في رجل أحب قومًا ولما يلحق بهم، فقال عَّه:
(المرء مع من أحب،) زاد الترمذي من حديث أنس: وله ما اكتسب، وفي لفظ قال رجل: يا
رسول اللّه متى قيام الساعة؟، قال: إنها قائمة، فما أعددت لها؟ قال: ما أعددت لها من كثير إلا
أني أحب اللّه ورسوله، قال: فأنت مع من أحببت ولك ما اكتسبت؟، قال أنس: فما فرح
المسلمون بشىء بعد الإِسلام ما فرحوا به، فقيل: المراد من أحب قومًا بإخلاص فهو في
زمرتهم، وإن لم يعمل عملهم، لثبوت التقارب مع قلوبهم، وقيل: بشرط عمله بمثله أعمالهم،
لحديث: من أحب قومًا على عملهم لثبوت التقارب مع قلوبهم، وقيل: بشرط عمله بمثله
أعمالهم، لحديث: من أحب قومًا على أعمالهم حشر معهم يوم القيامة.
وروى العسكري عن الحسن: لا تغتر يا ابن آدم، بقوله: أنت مع من أحببت، فمن أحب
قومًا اتبع آثارهم، واعلم أنك لن تلحق بالأخيار حتى تتبع آثارهم، وحتى تأخذ بهديهم، وتقتدي
پستّتهم، وتصبح وتمسي علی مناهجهم، حرصًا على أن تكون منهم.
وقال ابن العربي: يريد عليه المرء مع من أحب في الدنيا والآخرة، في الدنيا بالطاعة
والأدب الشرعي، وفي الآخرة بالمعاينة والقرب الشهودي، فمن لم يتحقق بهذا وادعى المحبة،
فهو كاذب، (وثبت أيضًا) في البخاري، عن أنس؛ (أنه) عَّ: (قال) حين رجع من غزوة تبوك،
فدنا من المدينة: (إن بالمدينة أقوامًا ما سرتم مسيرًا ولا نزلتم منزلاً،) وفي رواية: ولا قطعتم
واديًا (إلا وهم معكم) بالقلوب والنيات، قالوا: يا رسول اللّه وهم بالمدينة؟، قال: وهم بالمدينة،

٥١٣
-
النوع السابع في آيات تتضمن وجوب طاعته واتباع سنته
العذر، فالمعية والصحبة الحقيقية إنما هي بالسر والروح لا بمجرد البدن، فهي
بالقلب لا بالقالب، ولهذا كان النجاشي معه عَّهُ وهو أقرب الناس إليه، وهو بين
النصارى بأرض الحبشة، وعبد الله بن أبي من أبعد الخلق عنه، وهو معه بالمسجد،
وذلك أن العبد إذا أراد بقلبه أمرًا من طاعة أو معصية أو شخص من الأشخاص فهو
بإرادته ومحبته معه لا يفارقه، فالأرواح تكون يوم القيامة مع الرسول عليه وأصحابه
رضي اللَّه عنهم، وبينها وبينهم من المسافة الزمانية والمكانية بعد عظيم.
وقال تعالى: ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم اللَّه ويغفر لكم
ذنوبكم﴾ [آل عمران/٣١].
وهذه الآية الشريفة تسمى: آية المحبة، قال بعض السلف: ادعى قوم محبة
(حبسهم العذر) عن الغزو معكم، (فالمعية والصحبة الحقيقية إنما هي بالسر والروح،) وفي
شرحه للبخاري بالسير بالروح، (لا بمجرد البدن، فهي بالقلب لا بالقالب،) ونية المؤمن خير من
عمله، فتأمل هؤلاء كيف بلغت بهم نيتهم مبلغ أولئك العاملين بأبدانهم، وهم على فرشهم في
بيوتهم، فالمسابقة إلى اللّه تعالى وإلى الدرجات العوالي بالنيات والهمم، لا بمجرد الأعمال،
(ولهذا كان النجاشي) (بفتح النون والجيم) أصحمة ملك الحبشة (معه مَة، وهو من أقرب
الناس إليه، وهو،) أي: النجاشي (بين النصارى بأرض الحبشة وعبد الله بن أبي) ابن سلول
رأس المنافقين، (من أبعد الخلق عنه، وهو معه بالمسجد) النبوي، لكونه معه قالبًا لا قلبًا،
(وذلك أن العبد إذا أراد بقلبه أمرًا من طاعة أو معصية، أو) أراد أمرًا من (شخص من
الأشخاص، فهو بإرادته ومحبته معه لا يفارقه،) إذ كل مهتم بشىء منجذب إليه بطبعه شاء أو
أبى، وكل امرىء يصبوا إلى مناسبة، رضا أم سخط، فالنفوس العلية تنجذب بذاتها وهمها
وعملها إلى أعلى، والنفوس الدنية تنجذب بذاتها إلى أسفل، ومن أراد أن يعلم هل هو مع الرفيق
الأعلى أو الأسفل، فلينظر أين هو، ومع من هو في هذا العالم، فإن الروح إذا فارقت البدن تكون
مع الرفيق الذي كانت تنجذب إليه، (فالأرواح) العلية كلها (تكون يوم القيامة،) وفي الدنيا
(مع الرسول مُّ له وأصحابه رضي اللّه عنهم، وبينها وبينهم من المسافة الزمانية) بتأخر
وجودها عن وجودهم، (والمكانية) بطول المسافة (بعد عظيم) في الزمان والمكان، ولا يكون
ذلك مانعًا من المعية في الدارين، والله أعلم.
(وقال تعالى: ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم اللّه﴾:) أي: يثبكم (﴿ويعثر
لكم ذنوبكم والله غفور رحيم﴾﴾ [آل عمران/٣١]، (وهذه الآية الشريفة تسمى آية السحبة)

٥١٤
النوع السابع في آيات تتضمن وجوب طاعته واتباع سنته
اللَّه فأنزل الله آية المحبة ﴿قل إن كنتم تحبون اللَّه فاتبعوني﴾ وقال: ﴿یحببكم
اللَّه﴾ إشارة إلى دليل المحبة وثمرتها وفائدتها، فدليلها وعلامتها اتباع الرسول،
وفائدتها وثمرتها محبة المرسل لكم، فما لم تحصل المتابعة فلا محبة لكم
حاصلة، ومحبته لكم منتفية، فجعل سبحانه اتباع الرسول عليه الصلاة والسلام
مشروطًا بمحيتهم للَّه، وشرطًا لمحبة اللَّه لهم، ووجود المشروط ممتنع بدون وجود
تحقق شرطه، فعلم انتفاء المحبة عند انتفاء المتابعة، فانتفاء محبتهم للَّه لازم
لانتفاء المتابعة لرسوله، وانتفاء المتابعة ملزوم لانتفاء محبة اللَّه لهم، فيستحيل
حينئذ ثبوت محبتهم للَّه وثبوت محبة اللَّه لهم بدون متابعة لرسوله معَّه ودل على
بدليل أنه (قال بعض السلف،) زعم أنه الحسن البصري، لقوله: قال أقوام على عهد نبينا: والله
يا محمد إنا لنحب ربنا، فأنزل اللّه الآية.
رواه ابن المنذر، وليس فيه، فأنزل آية المحبة، فلا يصح أنه المراد (ادعى قوم محبة
اللّه،) قيل: هم وفد نجران لما قالوا: إنما نعبد المسيح حبًا للّه.
رواه ابن إسحق، وابن جرير عن محمد بن جعفر بن الزبير، وقيل: هم اليهود لما قالوا:
نحن أبناء اللّه وأحباؤه، وقيل: قريش لما قالوا: إنما نعبدهم ليقربونا إلى الله زلفى، وبه جزم
الجلال.
وروى ابن جرير، وابن المنذر عن الحسن مرسلاً؛ أنهم أقوام زعموا على عهد نبينا حب
الله، فأمروا أن يجعلوا لقولهم تصديقًا من العمل، (فأنزل الله آية المحبة: ﴿قل إن كنتم
تحبون اللّه فاتبعوني﴾، وقال: ﴿يحببكم اللّه﴾،) بالجزم في جواب الطلب، والراجح فيه أنه
في جواب شرط مقدر تقديره هنا: ﴿إن اتبعتموني يحببكم الله﴾، (إشارة إلى دليل المحبة
وثمرتها أو فائدتها،) أي: باتباع الرسول، فإن اتباعه علامة على حبه للّه تعالى، وثمرة محبة الله
للعبد مغفرته له، كما أفاده قوله: (فدليلها وعلامتها اتباع الرسول، وفائدتها وثمرتها محبة
المرسل) (بكسر السين)، أي: اللّه تعالى نبيه ليبلغ الخلق (لكم)) متعلق بمحبة، (فما) مصدرية
ظرفية (لم تحصل المتابعة،) أي: مدة انتفاء حصولها، (فلا محبة لكم حاصلة) منكم لله،
(ومحبته لكم منتفية،) أي: لا يحبكم بمعنى: لا يثيبكم، (فجعل سبحانه اتباع الرسول عليه
الصلاة والسلام مشروطًا بمحبتهم لله، وشرطًا لمحبة اللّه لهم ووجود المشروط ممتنع
بدون وجود تحقق شرطه،) وهو اتباع الرسول، (فعلم التفاء المحبة عند انتفاء المتابعة،)
لأنها مشروطة بمتابعة رسوله، (فانتفاء محبتهم لله لازم لانتفاء المتابعة لرسوله، وانتفاء المتابعة
ملزوم لانتفاء محبة اللَّه لهم فيستحيل حينئذٍ ثبوت محبتهم للَّه وثبوت محبة الله لهم بدون

٥١٥
النوع السابع في آيات تتضمن وجوب طاعته واتباع سنته
أن متابعة الرسول هي حب اللَّه ورسوله وطاعة أمره، ولا يكفي ذلك في العبودية
حتى يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، فلا يكون شىء أحب إليه من اللَّه
ورسوله، ومتى كان عنده شىء أحب إليه منهما فهذا هو الشرك الذي لا يغفر
لصاحبه التبة ولا يهديه اللَّه، قال تعالى: ﴿قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم
متابعة لرسول اللّه عَ لّه)) لاستحالة وجود المشروط بدون شرطه (ودل) جعله اتباع الرسول
مشروطًا بمحبتهم (على أن متابعة الرسول هي حب الله ورسوله، وطاعة أمره،) أي: علامة
عليه، أو جعلها نفس المحبة مبالغة، (ولا يكفي ذلك في العبودية حتى يكون الله
ورسوله أحب إليه مما سواهما،) كما في الحديث (فلا يكون شىء أحب إليه من اللّه
ورسوله).
قال الطيبي: فسر المتكلمون محبة العبد للّه؛ بأنها محبة طاعته أو ثوابه وإحسانه، وأما
العارفون، فقالوا: العبد يحب اللّه لذاته، وأما حب طاعته وثوابه فدرجة نازلة، والقول الأول
ضعيف، وذلك لا يمكن أن يقال في كل شىء، أنه إنما كان محبوبًا لأجل معنى آخر، فلا بدّ من
الانتهاء إلى شىء يكون محبوبًا لذاته، فكما يعلم أن اللذة محبوبة لذاتها، كذلك يعلم أن الكمال
محبوب لذاته، وأكمل الكمالات للّه تعالى، فيقتضي كونه محبوبًا لذاته من ذاته.
قال صاحب الفرائد: وهذا أبلغ أنواع الحب، فعلى هذا حب العبد لله حقيقة، بل المحبة
الحقيقية مستحقة للّه، إذ كل ما يحب من المخلوقات، فإنما يحب لخصوص أثر من آثار
وجوده، وفي الأحياء الحب ميل الطبع إلى الشىء المستلذ، فإن قوي سمي عشقًا، ولا يظن
قصره على مدركات الحواس الخمس، حتى يقال: إن اللّه تعالى لا يدرك بها ولا يتمثل في
لّه سمى الصلاة قرة عين، وجعلها أبلغ المحبوبات، ومعلوم أنه ليس
الخيال، فلا يحب، لأنه ◌ُ
للحواس الخمس فيها حظ، والبصيرة الباطنة أقوى من البصر الظاهر، والقلب أشد إدراكًا من
العين، وجمال المعاني المدركة بالعقل أعظم من جمال الصور الظاهرة للأبصار، فيكون لا محالة
لذة القلب بما يدركه من الأمور الشريفة الإلهية، التي تجل عن أن تدركها الحواس أتم وأبلغ،
فيكون ميل الطبع السليم والعقل الصحيح إليه أقوى، ولا معنى للحب إلا الميل إلى ما في
إدراكه لذة، فلا ينكر إذن حب اللّه إلا من قعد به القصور في درجة البهائم. انتهى.
وأما محبة اللّه للمتبعين، فهي رضاه عنهم، وإثابتهم، وكشف الحجب عن قلوبهم،
والتجاوز عما فرط منهم، كما أشار إليه بقوله: ﴿والله غفور رحيم﴾ الآية، وعبر عن ذلك
بالمحبة استعارة أو مشاكلة لاستحالة المعنى الحقيقي عليه، (ومتى كان عنده شىء أحب إليه
منهما، فهذا هو الشرك الذي لا يغفر لصاحبه البتة، ولا يهديه اللَّه) واستدل على هذا، بقوله:

٥١٦
النوع السابع في آيات تتضمن وجوب طاعته واتباع سنته
وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها اكتسبتموها وتجارة تخشون كسادها
عدم ومساكن ترضونها أحب إليكم من اللَّه ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا
حتى يأتي اللَّه بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين﴾ [التوبة/٢٤]، فكل من قدم
طاعة أحد من هؤلاء على طاعة الله ورسوله أو قول أحد منهم على قول اللَّه
ورسوله، أو مرضاة أحد منهم على مرضاة الله ورسوله، أو خوف أحد منهم أو رجاءه
والتوكل عليه على خوف اللَّه ورجائه والتوكل عليه، أو معاملة أحد منهم على
معاملة اللَّه ورسوله، فهو ممن ليس اللَّه ورسوله أحب إليه مما سواهما، وإن قال
بلسانه فهو كذب منه، وإخبار بما ليس هو عليه. انتهى ملخصًا من كتاب
((المدارج))، وسيأتي مزيد لذلك إن شاء اللَّه تعالى في مقصد محبته عليه الصلاة
والسلام.
وقال تعالى: ﴿فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن باللّه وكلماته
(قال تعالی: ﴿قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم﴾) أقرباؤكم،
وفي قراءة وعشيراتكم، (﴿وأموال اقترفتموها اكتسبتموها، وتجارة تخشون كسادها عدم﴾)
نفاقها، (﴿ومساكن ترضونها أحب إليكم من اللّه ورسوله، وجهاد في سبيله﴾،) فقعدتم لأجله
عن الهجرة والجهاد، (﴿فتربصوا﴾:) انتظروا (﴿حتى يأتي الله بأمره﴾:) تهديد لهم، (﴿والله
لا يهدي القوم الفاسقين﴾﴾ [التوبة/٢٤].
(فكل من قدم طاعة أحد من هؤلاء) غلب العقلاء على غيرهم، وسمي من اقترن بالعاقل
باسمه تجوز الآن أحدًا إنما يستعمل في العاقل (على طاعة الله ورسوله، أو قول أحد منهم على
قول الله ورسوله، أو مرضاة أحد منهم على مرضاة اللّه ورسوله، أو خوف أحد منهم، أو
وجاءه والتوكل:) الاعتماد (عليه على خوف اللّه ورجائه، والتوكل عليه، أو معاملة أحد منهم
على معاملة اللّه ورسوله، فهو ممن ليس اللّه ورسوله أحب إليه مما سواهما، وإن قال
بلسانه) أنهما أحب، (فهو كذب منه، وإخبار بما ليس هو عليه) عطف تفسير، وفيه إشارة إلى
أن محبة غيرهما، المنهي عنها هي المحبة الاختيارية دون الطبيعية، فإنها لا تدخل تحت
التكليف. (انتهى ملخصًا من كتاب المدارج،) أي: مدارج السالكين لابن القيم إلى منازل
السائرين لشيخ الإسلام الأنصاري الهروي، (وسيأتي مزيد لذلك إن شاء اللّه تعالى في مقصد
محبته عليه الصلاة والسلام.
فذكر الحديث وتكلم عليه مبسوطًا هناك، (وقال تعالى: ﴿فآمنوا بالله ورسوله النبي

٥١٧
النوع السابع في آيات تتضمن وجوب طاعته واتباع سنته
واتبعوه لعلكم تهتدون﴾ [الأعراف/ ١٥٨].
أي إلى الصراط المستقيم، فجعل رجاء الاهتداء أثر الأمرين، الإيمان بالرسول
واتباعه، تنبيهًا على أن من صدقه ولم يتابعه بالتزام شرعه فهو في الضلالة، فكل ما
أتى به الرسول عليه الصلاة والسلام يجب علينا اتباعه إلا ما خصه الدليل.
وقال تعالى: ﴿فآمنوا بالله ورسوله والدور الذي أنزلنا﴾ [التغابن/٨] يعني
القرءان، فالإِيمان به عٍَّ واجب متعين على كل أحد، لا يتم إيمان إلا به ولا يصح
إسلام إلا معه، قال اللَّه تعالى: ﴿ومن لم يؤمن بالله ورسوله فإنا أعتدنا للكافرين
سعيرًا﴾ [الفتح/١٣] أي ومن لم يؤمن بالله ورسوله فهو من الكافرين، وإنا أعتدنا
للکافرین سعیرًا.
وقال تعالى: ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم﴾.
الأمي الذي يؤمن باللّه وكلماته﴾) القرآن، (﴿واتبعوه لعلكم تهتدون﴾﴾ [الأعراف/١٥٨] الآية،
ترشدون، (أي: إلى الصراط المستقيم) صراط اللّه، (فجعل رجاء الاهتداء) من العباد، لأن
صيغ الرجاء الواقعة في القرآن مصروفة إلى العباد، يعني أن المؤمن يرجو أنه من المهتدين، (أثر)
عقب (الأمرين الإِيمان بالرسول واتباعه تنبيهًا على أن من صدقه ولم يتابعه بالتزام شرعه فهو
في الضلالة، فكل ما أتى به الرسول عليه الصلاة والسلام) من قول أو فعل أو غيرهما (يجب
علينا اتباعه، إلا ما خصه الدليل) به، فلا يجب، بل يحرم تارة، كالزيادة على أربع، وتارة يكره
کالوصال.
(وقال تعالى: ﴿فآمنوا بالله ورسوله والنور الذي أنزلنا﴾ [التغابن/٨]، يعني القرآن،)
سماه نورًا، لأنه بإعجازه ظاهر بنفسه، مظهر لغيره مما فيه شرحه وبيانه، فيستضاء به من ظلمات
الجهل، ويقتبس منه أنوار الهداية والفضل، (فالإِيمان به عَ، واجب متعين على كل واحد
لا يتم إيمان إلا به، ولا يصح إسلام إلا معه،) لاستحالة وجود إيمان أو إسلام بدون ذلك
شرعًا.
(قال الله تعالى: ﴿ومن لم يؤمن بالله ورسوله فإنا اعتدنا﴾:) أعددنا وهیأنا (﴿للكافرین
سعيرًا﴾﴾ [الفتح/١٣]، نارًا شديدة، (أي: ومن لم يؤمن بالله ورسوله، فهو من الكافرين، وإنا
اعتدنا للكافرين سعيرًا،) إشارة إلى أن جواب الشرط محذوف، والمذكور علة له، لأن الاعتاد
لا يترتب على عدم الإيمان بهما، بل الكفر وجزاؤه السعير، (وقال تعالى: ﴿فلا وربك لا يؤمنون
حتى يحكموك فيما شجر بينهم﴾﴾ [النساء/٦٥].

٥١٨
النوع السابع في آيات تتضمن وجوب طاعته واتباع سنته
معناه: فوربك، كقوله تعالى: ﴿فوربك لنسألنهم أجمعين﴾ و((لا)) مزيدة
للتأكيد لمعنى القسم، كما في ﴿لئلا يعلم﴾، ولا يؤمنون جواب.
أقسم اللَّه تعالى بنفسه الكريمة المقدسة أنه لا يؤمن أحد حتى يحكم
الرسول عَُّ في جميع أموره، ويرضى بجميع ما حكم به، وينقاد له ظاهرًا وباطنًا،
سواء كان الحكم بما يوافق أهواءهم أو يخالفها، كما ورد في الحديث: ((والذي
نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به)، وهذا يدل على
روى الشيخان وأصحاب السنن عن عبد الله بن الزبير، قال: خاصم الزبير رجلاً في شراج
الحرة، فقال ◌َ له: إسق يا زبير، ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر، ثم أرسل الماء إلى
جارك واستوعي للزبير حقه وكان أشار إليهما بأمر، لهما فيه سعة، قال الزبير: فما أحسب هذه
الآية إلا نزلت فيّ، نزلت في ذلك ﴿فلا وربك﴾ ... الخ.
(معناه: فوربك، كقوله تعالى: ﴿فوربك لنسألنهم أجمعين﴾) [الحجر/٩٢] الآية،
(ولا مزيدة للتأكيد لمعنى القسم، كما في ﴿لئلا يعلم﴾) [الحديد/٢٩] الآية، أهل الكتاب
أي: ليعلم لا لتظاهر لا في قوله لا يؤمنون، لأنها تزاد أيضًا في الإِثبات، كقوله: ﴿لا أقسم بهذا
البلد﴾ [البلد/١]، قاله في الكشاف.
قال التفتازاني: إن قيل: لا يجوز أن تكون مزيدة لمظاهرة، لا في لا يؤمنون، ومعاونتها
والتنبيه من أول الأمر على أن المقسم به نفي، فالجواب أن مجيئها قبل القسم، سواء كان
الجواب، نفيًا أو إثباتًا، يدل على أنها لتأكيد القسم، لا لمظاهرة النفي في الجواب، وذلك لأن
الأصل إجراء المحتمل على المحقق، والمشكوك على المقطوع، واتحاد منهج اللفظ على
اتحاد منهج المعنى، وترك التصرف في الحرف، وبهذا يندفع اعتراض صاحب التقريب، بجواز
أن يكون في النفي لمظاهرة النفي، وفي المثبت لتأكيد معنى القسم، وتجويز أنه في النفي
لتأكيده، وفي الإِثبات لتأكيده ليس على ما ينبغي. انتهى.
(ولا يؤمنون جواب) للقسم، (أقسم اللّه تعالى بنفسه الكريمة المقدسة؛ أنه لا يؤمن
أحد حتى يحكم الرسول ◌َّةٍ في جميع أموره،) لأنه عبر بما شجر وما من صيغ العموم،
(ويرضى بجميع ما حكم به،) بقوله: ﴿ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت﴾ الآية،
(وينقاد له ظاهرًا وباطنًا، سواء كان الحكم بما يوافق أهواءهم أو يخالفها،) هذا المقصود.
وذكر الموافق للتعميم، (كما ورد في الحديث: والذي نفسي بيده،) قسم كان عَّه
يقسم به كثيرًا، (لا يؤمن أحدكم) إيماناً كاملاً، ونفي اسم الشيء بمعنى الكمال مستفيض في
كلامهم، فالمراد نفي بلوغ حقيقته ونهايته، وخصوا بالخطاب، لأنهم الموجودون حينئذٍ والحكم

٥١٩
النوع السابع في آيات تتضمن وجوب طاعته واتباع سنته
أن من لم يرض بحكم الرسول ◌َّهُ لا يكون مؤمنًا، وعلى أنه لا بد من حصول
الرضى بحكمه في القلب، وذلك بأن يحصل الجزم والتيقن فى القلب بأن الذي
يحكم به عليه الصلاة والسلام هو الحق والصدق، فلا بد من الانقياد باطنًا
وظاهرًا، وسيأتي مزيد بيان لذلك إن شاء الله تعالى في مقصد محبته عليه الصلاة
والسلام.
ثم إن ظاهر الآية يدل على أنه لا يجوز تخصيص النص بالقياس، لأنه يدل
على أنه يجب متابعة قوله وحكمه، وأنه لا يجوز العدول عنه إلى غيره.
وقوله: ﴿ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت﴾ مشعر بذلك، لأنه
متى خطر بقلبه قياس يقتضي ضد مدلول النص فهناك يحصل الحرج في النفس،
فبين اللَّه تعالى أنه لا يكمل إيمانه إلا بعد أن لا يلتفت إلى ذلك الحرج ويسلم
إلى النص تسليمًا كليًا، قاله الإمام فخر الدين.
عام، (حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به) الهوى بالقصر ما يهواه العبد ويحبه ويميل إليه،
فحقيقته شهوة النفس، وهو ميلها لملائمها، ويستعمل في عرف الشرع في الميل إلى خلاف
الحق، كقوله: ولا تتبع الهوى فيضلك، (وهذا) الحديث (يدل على أن من لم يرض بحكم
الرسول ◌َّه لا يكون مؤمنًا) أصلاً، بل كافرًا إن اعتقد بطلانه، أو أنه ليس من اللّه، أما إن اعتقد
حقيته وتألم منه في نفسه لمشقته فمؤمن ناقص، (وعلى أنه لا بدّ من حصول الرضا بحكمه
في القلب، وذلك بأن يحصل الجزم والتيقن في القلب بأن الذي يحكم به عليه الصلاة
والسلام هو الحق والصدق، فلا بدّ من الانقياد باطنًا وظاهرًا.
ذكر هذا وإن تقدم معناه قريبًا، لأنه شرح للحديث، فمراده أنه دل على ما دلت عليه
الآية، (وسيأتي مزيد بيان لذلك إن شاء اللّه تعالى في مقصد محبته عليه الصلاة والسلام،)
وهو السابع، (ثم إن ظاهر هذه الآية يدل على أنه لا يجوز تخصيص النص بالقياس،) سواء
كان جليًا أو خفيًا، كما أجازه الرازي، وقيل: المنع في الخفي لضعفه بخلاف الجلي، (لأنه
يدل على أنه يجب متابعة قوله وحكمه) بالخفض، (وأنه لا يجوز العدول عنه إلى غيره،
وقوله: ﴿ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا﴾:) ضيقًا أو شگا (﴿مما قضيت﴾) به (مشعر بذلك،
لأنه متى خطر بقلبه قياس يقتضي ضد مدلول النص، فهناك يحصل الحرج في النفس، فبين
اللّه تعالى؛ أنه لا يكمل إيمانه إلاّ بعد أن لا يلتفت إلى ذلك الحرج ويسلم إلى النص): ينقاد
لحكمه (تسليمًا كليًا) من غير معارضة، (قاله الإِمام فخر الدين الرازي بعدما كان يقول

٥٢٠
النوع الثامن فيما تضمن الأدب معه عن ذية.
وجوز غيره تخصيص الكتاب والسنة بالقياس، وبه صرح العلامة التاج بن
السبكي في جمع الجوامع.
النوع الثامن
فيما تتضمن الأدب معه عليه.
قال الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله﴾
[الحجرات/١].
بالجواز، (وجوز غيره تخصيص الكتاب والسنّة بالقياس) المستند إلى نص خاص ولو خبر
واحد، سواء كان القياس جليًا أو خفيًا على المختار، (وبه صرح العلامة التاج)
عبد الوهاب (بن) علي (السبكي في جمع الجوامع) في مبحث التخيص، وأجاب شيخنا في
التقرير عن استدلال الرازي بهذه الآية؛ بأنا لا نسلم أن معارضته بالقياس حرج كما ادعى، وإنما
هو تردد في فهمه: هل هو موافق أم لا.
النوع الثامن
(فيما) موصول أو نكرة موصوف، أي: الآيات التي تتضمن، أو في آيات (تتضمن،) أي:
تدل، أو تستلزم لا خصوص دلالة التضمن الاصطلاحية (الأدب،) بحذف مضاف، أي: طلب
الأدب (معه مَّدٍ) في جميع، الأقوال والأفعال.
(قال اللّه تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله)) [الحجرات/
١) الآية، وجه تضمنها الأدب، النهي عن الشىء أمر بضده، وهو طلب التأخر وهو أدب.
روى البخاري عن ابن الزبير: قدم ركب من تميم على النبي معَّهُ، فقال أبو بكر: أمر
القعقاع بن معبد، وقال عمر: بل أمر الأقرع بن حابس، فقال أبو بكر: ما أردت إلا خلافي، فقال
عمر: ما أردت خلافك، فتماريا حتى ارتفعت أصواتهما، فنزل في ذلك ﴿يا أيها الذين آمنوا
لا تقدموا بين يدي اللّه ورسوله﴾ الآية، حتى انقضت الآية.
وروى ابن المنذر عن الحسن: أن ناسًا ذبحوا قبله عَ ل، يوم النحر، فأمرهم أن يعيدوا
ونزلت الآية.
وأخرج الطبراني عن عائشة: أن ناسًا كانوا يتقدمون الشهر، فيصومون، فنزلت.
وأخرج ابن جرير عن قتادة، قال: ذكر لنا أن ناسًا كانوا يقولون لو أنزل في كذا، فنزلت،
ولا شك أن الأصح الأول لأنه مروى البخاري، ويحتمل تعدد الأسباب.
وقد قال الرازي: الأصح أنه إرشاد عام يشمل الكل، ومنع مطلق يدخل فيه كل افتيات