Indexed OCR Text
Pages 481-500
٤٨١ الفصل الرابع في قسمه تعالى على تحقيق رسالته وقيل: يا رجل، قاله أبو العالية. وقيل: هو اسم من أسماء القرءان، قاله قتادة. وعن أبي بكر الوراق: يا سيد البشر. وعن جعفر الصادق: أنه أراد يا سيد، مخاطبة للنبي : وفيه من مزيد (وقيل: هو اسم من أسماء القرآن، قاله قتادة،) وقيل: من أسماء السور، وهما من الأقوال المشتركة في أوائل جميع السور، (وعن أبي بكر الوراق) محمود بن الحسن: (يا سيد البشر، وعن جعفر الصادق،) لصدقه في مقاله بن محمد ابن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب؛ (أنه أراد: يا سيد، مخاطبة للنبي عَّة). يفتح الطاء منصوب بدل مما قبله، أو مصدر فعل مقدر أي: خاطبه به مخاطبة مخصوصة به، قيل: فعلى هذا، فهو اكتفاء ببعض الكلمة عن باقيها، وهو مذهب للعرب، حكاه سيبويه وغيره، يقولون: ألاتا، بمعنى تفعل، فيقول: بلى فأأي: أفعل، فيكتفون عن الكلمة ببعض حروفها. وفي الحديث: كفي بالسيف شاأي: شاهدًا. وقال التجاني: التحقيق أنهم يكتفون ببعض حروف الكلمة، معبرين باسم بعض حروفها، كقولهم قلت لها: قفي، فقالت: ﴿ق﴾، أي: وقفت، فیحتمل ﴿یس﴾، أن يكون عبر عنه بإسمين من أسماء حروفه لا بمسماه، كما قال الرازي: وإن كانت العرب قد تكتفي ببعض الكلمة، كقوله: كانت مناها بأرض لا يبلغها، أي: مناياها، وقوله: درس المنا بمتالع فأبان، أي: المنازل، ونظائره كثيرة. وفي بديع الاكتفاء للنواحي، قال علماء البديع: الاكتفاء أن يدل موجود الكلام على محذوفه، وهذا الحد صادق على نحو: ﴿واسأل القرية﴾، على أحد القولين فيه، ثم قسمه إلى الاكتفاء بكلمة نحو: ﴿سرابيل تقيكم الحر﴾ الآية، أي: والبرد، وإلى الاكتفاء ببعض الكلمة، وهذا الثاني مما اخترعه المتأخرون من أهل البديع، وأكثر منه الشعراء المتأخرون، والتزموا فيه التورية، كقول الدماميني: يقول مصاحبي والروض زاه وقد بسط الربيع بساط زهر تعال نباكر الروض المفدى وقم نسعى إلى روض ونسر أي: نسرین، وقول الحافظ ابن حجر: دع يا عذول رقي الملام فمذ سرى عني الحبيب فنيت دام له البقا والطرف مذ فقد الرقاد بكى مما يحكي الغمام فليس يهدي بالرقا أي: الرقاد، واستشكل بأنه لا يجوز الترخیم في غير المنادى لمخالفة القياس، فكيف يعد ٤٨٢ الفصل الرابع في قسمه تعالى على تحقيق رسالته تمجيده وتعظيمه ما لا يخفى. وعن طلحة عن ابن عباس: أنه قسم أقسم اللَّه به، وهو من أسمائه. وعن كعب: أقسم اللَّه به قبل أن يخلق السموات والأرض بألفي عام: يا محمد إنك لمن المرسلين. ثم قال: ﴿إِنك لمن المرسلين﴾ وهو رد على الكفار حيث قالوا: ﴿لست مرسلاً﴾ [الرعد/٤٣] فأقسم اللَّه باسمه وكتابه: إنه لمن المرسلين بوحيه إلى عباده محسنًا مع إخلاله بالفصاحة، فلا يخرج القرآن عليه وإن كان فيه تورية، اللهم إلا أن يقولوا: إنه مقيس مغتفر في الشعر، وما في القرآن ليس منه، بل من ذكر حرف من كلمة إيماء إلى بقيتها لا من الترخيم، وهو ما أشار إليه المفسرون، (وفيه من مزيد تمجيده:) إعزازه وتشريفه، (وتعظيمه:) إجلاله (ما لا يخفى) لوصفه بالسيادة، المفيدة للعموم في المقام الخطابي، فيفيد تفوقه على من سواه، لأنه مَّ واسطه كل خير. (و)روى ابن جرير، (عن طلحة، عن ابن عباس أنه) أي: ﴿يس﴾ (قسم) بمعنى مقسم به أو جعله قسمًا لتضمنه له أو مبالغة (أقسم اللّه به، وهو من أسمائه،) أي: اللّه تعالى، (وعن كعب) بن مانع، المعروف بكعب الأحبار ﴿يس﴾ قسم (أقسم اللّه به قبل أن يخلق السموات والأرض بألفي عام،) أي: بمقدار ألفي عام، إذ قبل خلقهما لا أعوام، لأن الزمان مقدار حركة الفلك، أو المراد مجرد الكثرة، أو عدم النهاية مجازًا، أو باعتبار أن الفلك الأعظم، وهو العرش مخلوق قبلهما، لقوله تعالى: ﴿وكان عرشه على الماء﴾، ونظر في هذا؛ بأن مجرد تقدم العرش لا يقتضي تقدم الزمان بالمعنى المتعارف، واستشكل أيضًا؛ بأن كلام اللّه قديم، فلا قبلية فيه ولا بعدیة، وخلقهما محدث. وأجيب بأن المراد إبرازه في اللوح المحفوظ، المكتوب فيه جميع الكائنات، أو أنه أطلع عليه ملائكته قبلهما بهذا المقدار، وهو مناسب هنا لإفادة إظهار علم قدره في الملأ الأعلى، ومثل هذا ورد كثيرًا في الحديث، فتضعيف ما هنا بمجرد الإِيراد، وأنه إن صح ترك علمه إلى اللّه، إذ مثله لا يقال، بالرأي: لا يسمع، فالتضعيف إنما هو من جهة الإِسناد، (يا محمد إنك لمن المرسلين،) بيان للمخاطب، وليس تفسيرًا، ليس لأنه لا يناسب إن اللّه أقسم به. ولذا ذكر جواب القسم توضيحًا لمراده، وليس مراده أنه جواب مقدر للقسم بيس حتى يلزم عليه اجتماع قسمين من غير عطف على جواب، وقد أباه النحاة، كما في الكشاف، وقال: إن العرب تكرهه، (ثم قال: ﴿والقرآن الحكيم (إنكِ لمن المرسلين﴾، وهو رد على الكفار، حيث قالوا) للنبي عَّهِ (﴿لست مرسلاً﴾، فأقسم اللَّه باسمه وكتابه إنه لمن المرسلين بوحيه ٤٨٣ الفصل الخامس في قسمه تعالى بمدة حياته منَ آ وعصره وبلده وعلى طريق مستقيم من إيمانه، أي طريق لا اعوجاج فيه ولا عدول عن الحق. قال النقاش: لم يقسم اللَّه تعالى لأحد من أنبيائه بالرسالة في كتابه إلا له صلى اللَّه عليه وسلم. الفصل الخامس في قسمه تعالى بمدة حياته عليته. وعصره وبلده إلى عباده،) بكسر إن لتقدير القول، والحكاية بالمعنى، أي: قائلاً إنه ولذا لم يقل إنك (وعلى طريق مستقيم من إيمانه) بيان للطريق وأن المراد بها التوحيد، أو هي تعليلية وزاد الواو إشارة إلى أنه خبر ثانٍ، مقصود، مقسم عليه، لا متعلق بالمرسلين، أي: من أرسل على هذه الطريقة، فالقسم على أمرين، كما قال قبله؛ أن الإِرسال على أمرين: رسالته والشهادة بهدايته، لا على أمر واحد، هو أنه عَّةٍ رسول مهدي على طريقة مستقيمة، ولا حال كما قيل، لأنه قريب من هذا، وإن كان جعله قيدًا ينافي القصد، لأن هذا أوضح وأتم في المدح، (أي: طريق لا اعوجاج فيه ولا عدول عن الحق) (بفتح همزة)، أي: وسكون الياء مخففة، تفسير، للطريق المستقيم وهذا أعم من الإِيمان، فهو تفسير ثانٍ، وشد الياء على أن معناه طريق، وأي طريق، لأنه لا اعوجاج ولا عدول ... الخ. تفسير لعدم الاعوجاج مخالف للرواية، والظاهر، وإن جاز، (قال النقاش) الحافظ أبو بكر محمد بن الحسن بن أحمد الموصلي، البغدادي، المقرى، المفسر، ضعيف في الحديث، وحاله في القراءات، أمثل وأثنى عليه أبو عمرو الداني، وزعم الجعبري أن المضعف له غالط، وتقدم قبل هذا بعض ترجمته، (لم يقسم اللّه تعالى لأحد من أنبيائه بالرسالة(،) أي: بسببها، أو الباء، بمعنى على (في كتابه الا له عٍَّ،) كما في هذه الآية، وإن دلت على أن غيره مرسل أيضًا، لكن المقسم عليه بالقصد الذاتي رسالته عليه الصلاة والسلام، ولم يقل رسول أو مرسل، وهو أخصر لتثبيت رسالته؛ وأنه عريق فيها على نهج قوله: ﴿كانت من القانتين﴾، لأن فلانًا من العلماء، أبلغ من العالم، أي: لم يذكر هذا القسم في القرآن لغيره، تشريفًا له وتعظيمًا، ولشدة إنكار قومه لرسالته، فلذا أكد بتأكيدات. (الفصل الخامس) (في قسمه تعالى٤) بمعنى الأقسام، وهو الإِتيان بالقسم، ويكون بمعنى المقسم به، والمراد الأول (بمدة حياته) عَّ فيه تسمح، إذ القسم إنما وقع بنفس الحياة، ولا يصح أن تكون الإضافة بيانية، لأن المدة ليست نفس الحياة، وأجاب شيخنا؛ بأنه من إضافة الصفة للموصوف، أي: ٤٨٤ الفصل الخامس في قسمه تعالى بمدة حياته عَّ. وعصره وبلده قال اللَّه تعالى: ﴿لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون﴾ [الحجر/٧٢]. العمر والغُمر واحد، ولكنه في القسم يفتح لكثرة الاستعمال، فإذا أقسموا قالوا: لعمرك القسم. قال النحويون: ارتفع قوله لعمرك بالابتداء، والخبر محذوف، والمعنى: قسمي، فحذف الخبر لأن في الكلام دليلاً عليه، وباب القسم يحذف منه الفعل نحو: تاللَّه لأفعلن، والمعنى: أحلف بالله، فتحذف ((أحلف)) لعلم المخاطب بأنه حالف. قال الزجاجي: من قال: لعمر اللَّه كأنه حلف ببقاء اللَّه فيحذف أحلف، بحياته، القائمين به في الزمن الذي كان فيه، أو ببقائه حقيقة، أو حكمًا، فشمل هذا الزمن (وعصره وبلده،) قدم العصر لأن المواهب الحاصلة وأنواع الاهتداء إنما نشأت عن عصره، لا عن خصوص البلد، ولأن زيادة تشريف البلد إنما حصلت في عصره، فالاعتناء به أهم، وأخره في الترتيب رعاية لترتيب المصحف، إذ سورة البلد مقدمة على العصر، فزعم بعض أن الصواب تقديم البلد على العصر، لتقدمه عليه في الترتيب ساقط، وأيضًا الواو لا تقتضي ترتيبًا ولا شرقًا، فلا يقال في مثله الصواب، بل ولا الأنسب. (قال اللّه تعالى: (﴿لعمرك إنهم﴾،) أي: قوم لوط (﴿لفي سكرتهم﴾) غفلتهم، وغلبة الهوى والشهوة عليهم، حتى صاروا سكارى، لا يميزون الخطأ من الصواب (﴿يعمهون﴾) [الحجر/٧٢]، يتحيرون لعمي بصائرهم، (العمر) (بالفتح)، (والعمر) (بالضم) (واحد، ولكنه في القسم يفتح،) أي: يلزم الفتح، وإلا حسن لو عبر به (لكثرة الاستعمال،) علة للفتح، أي: بمعنى أن الكثرة يطلب لها التخفيف، والفتح خفيف، فخصوه بالقسم وإن استعمل في غيره قليلاً، والضم أكثر، (فإذا أقسموا قالوا لعمرك) لأفعلن، ومنه الآية، وقوله: (القسم) خبر مبتدأً محذوف، أي: هو القسم، أو منصوب لجعله مقدرًا، وليس من جملة اليمين، والأظهر لو استغنى عنه، بقوله: (قال النحويون: ارتفع قوله: (﴿لعمرك﴾، بالابتداء، والخبر محذوف، والمعنى قسمي،) فسد جواب القسم مسد الخبر، (فحذف الخبر، لأن في الكلام دليلاً عليه) لسد جواب القسم مسده، (وباب القسم يحذف منه الفعل نحو تاللّه لأفعلن، والمعنى أحلف بالله، فتحذف أحلف لعلم المخاطب بأنه حالف) من ذكر القسم. (قال الزجاجي:) (بفتح الزاي وشد الجيم) أبو القسم عبد الرحمن بن إسحق، صاحب الجمل والأمالي وغير ذلك، مات بطيرية سنة تسع وثلاثين، وقيل: سنة أربعين وثلاثمائة، نسبة ٤٨٥ الفصل الخامس في قسمه تعالى بمدة حياته علَّ وعصره وبلده ومن ثم قال المالكية والحنفية: تنعقد بها اليمين، لأن بقاء اللَّه من صفات ذاته. وعن لملك: لا يعجبني الحلف بذلك. وقال الإمام الشافعي وإسحق: لا يكون يمينًا إلا بالنية، وعن أحمد كالمذهبين، والراجح عند الشافعي. واختلف فيمن المخاطب في الآية على قولين: أحدهما: أن الملائكة قالت للوط عليه السلام - لما وعظ قومه وقال: هؤلاء بناتي إن كنتم فاعلين -: ﴿لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون﴾، أي يتحيرون، فكيف يعقلون قولك، ويلتفتون إلى نصيحتك؟! والثاني: أن الخطاب لرسول اللَّه عَّه، وأنه تعالى أقسم بحياته، وفي هذا إلى شيخه الزجاج إبراهيم بن محمد البغدادي: (من قال لعمر الله، كأنه حلف ببقاء اللّه، فيحذف أحلف،) جواب سؤال، حاصله الحلف بالعمر، ظاهر في غيره تعالى، لأن الحياة القائمة به صفة لها غاية يعبر عنها عدة العمر، وأما هو سبحانه، فهو حي أزلاً وأبدًا، لا يقال في مدة حياته إنها مقدرة بمدة حلف بها، فأجاب بصرف العمر في حقه تعالى للبقاء، وهو صفة له لا نهاية لها، (ومن ثم قال المالكية والحنفية: تنعقد بها اليمين، لأن بقاء اللّه من صفات ذاته) الثمانية، المنظومة في قوله: حياة وعلم قدرة وإرادة وسمع وأبصار كلام مع البقا (وعن لملك) رواية: (لا يعجبني الحلف بذلك،) لظاهر حديث من كان حالفًا، فليحلف باللّه، (وقال الإِمام: الشافعي وإسحق) بن راهويه: (لا يكون يمينًا إلا بالنية،) لاستعمال الحياة في غيره كثيرًا، ورد بأنه مضاف للّه تعالى، وتعقب هذا شيخنا؛ بأن صريح متن البهجة وشرحها أن صفاته تعالى تنعقد بها اليمين، نوى بها اليمين أو أطلق، (وعن أحمد) روايتان (کالمذهبین، والراجح عند، الشافعي) تنعقدان نواها، (واختلف فيمن المخاطب في الآية على قولين:) (أحدهما: أن الملائكة قالت للوط عليه السلام لما وعظ،) ذكر وخوف (قومه، وقال: هؤلاء بناتي إن كنتم فاعلين) ما تريدون من قضاء الشهوة، فتزوجوهن، (﴿لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون﴾، أي: يتحيرون) لعمي بصائرهم، والعمه في البصيرة، والعمى في البصر، (فكيف يعقلون قولك ويلتفتون إلى نصيحتك،) وقدم الكشاف ذا القول، لأنه المناسب عنده للسياق. (والثاني: أن الخطاب لرسول اللّه مَّة، وأنه تعالى أقسم بحياته،) وقدمه البيضاوي. وقال عياض: اتفق عليه أهل التفسير، ومراده أهله الذين هم أهله، وهم مفسرو السلف. ٤٨٦ الفصل الخامس في قسمه تعالى بمدة حياته عَن وعصره وبلده تشريف عظيم ومقام رفيع وجاه عريض. قال ابن عباس: ما خلق اللَّه، وما ذرأ وما برأ نفسًا أكرم عليه من محمد عَّ له وما سمعت اللَّه أقسم بحياة أحد غيره، قال اللَّه تعالى: ﴿لعمرك إنهم لفي سكرتهم قال ابن القيم: أكثر المفسرين عن السلف والخلف، بل لا يعرف في السلف، فيه نزاع أن هذا قسم من اللّه بحياة رسوله عليه الصلاة والسلام، وهذا من أعظم فضائله أن يقسم الرب بحياته، وهذه مزية لا تعرف لغيره، ولم يوفق الزمخشري لذلك، فصرف القسم إلى أنه بحياة لوط؛ وأنه من قول الملائكة له، فقال: هو على إرادة القول، أي: قالت الملائكة للوط: لعمرك إنهم لفي سكرتهم، وليس في اللفظ ما يدل على واحد من الأمرين، بل ظاهر اللفظ وسياقه إنما يدل على ما فهمه السلف الطيب، لا أهل التعطيل والاعتزال. انتهى. فما أوهمه المصنف من تساوي القولين مخالف لكلام أصله، إلا أن يقال لما رأى قوله: وليس في اللفظ ... الخ. اقتصر على مجرد حكايتهما بلا ترجيح، لكن قد علم إضراب أصله، بقوله: بل ظاهر اللفظ، الخ، وعليه، فقيل: ضمير أنهم لقريش، والجملة اعتراض، كما في البيضاوي. وقال التجاني: أنه بعيد لانقطاع الآية به عما بعدها وما قبلها، (وفي هذا تشريف عظيم ومقام رفيع وجاه،) أي: منزلة وقدر (عريض،) مجاز بمعنى عظيم، كدعاء عريض. قال البيضاوي: أي: كبير مستعار مما له عرض متسع للإِشعار بكثرته واستمراره، وهو أبلغ من الطول، لأنه أطول الامتدادين، فإذا كان عرضه، كذلك فما ظنك بطوله. (قال ابن عباس: ما خلق) أوجد (اللّه، وما ذرأ، وما برأ) (بالهمز) فيهما، وذكرهما للتأكيد، لأنهما بمعنى، وقد يفرق بينهما بالاعتبار، بأن يكون ذراً من الذرية، وبرأ بمعنى صور، أي: لم يوجد (نفسًا أكرم عليه من محمد عَّ له) أشرف منه ذاتًا ونسبًا وصورة، ومثل هذه العبارة تفيد عدم المساواة عرفًا، (وما سمعت اللّه أقسم،) أي: ما علمت من إطلاق السبب على مسببه وقيل: إنه هنا من النواسخ الداخلة على المبتدأ والخبر على أن المفعول الأول مصدر الخبر المضاف إلى المبتدأ، وإليه ذهب الرضى وغيره في فعل السماع الداخل على الذوات، كسمعت زيدًا يقول كذا، بشرط كون الخبر مما يسمع، والتقدير ما سمعت أقسام اللّه (بحياة أحد،) والجملة مبينة للمقدر، لكن فيه؛ أنهم شرطوا كون السماع بلا واسطة (غيره،) بالجر صفة أحدًا وبدل منه، وبالنصب على الاستثناء، قيل وهو أحسن للصراحة في أنه أقسم بالنبي، ولم يقسم بغيره، بخلاف الخفض، فإنما يفيد أنه لم يقسم بغيره، وليس فيه أنه أقسم به ولا وجه له، ٤٨٧ الفصل الخامس في قسمه تعالى بمدة حياته معَئية وعصره وبلده يعمهون﴾ يقول: وحياتك وعمرك وبقائك في الدنيا إنهم لفي سكرتهم يعمهون. رواه ابن جرير. ومراده بقوله: ((سمعت اللَّه)؛ سمعت كلامه المتلو في الكتب المنزلة. ورواه البغوي في تفسيره بلفظ: وما أقسم اللَّه بحياة أحد إلا بحياته ◌َله، وما أقسم بحياة أحد غيره، وذلك يدل على أنه أكرم خلق اللَّه على اللَّه، وعلى هذا فيكون قسمه تعالى بحياة محمد علّله كلامًا معترضًا في قصة لوط. وقال القرطبي: وإذا أقسم اللَّه بحياة نبيه فإنما أراد بيان التصريح لنا: أنه يجوز لنا أن نحلف بحياته. فإنه يفيدهما على الوجهين بقرينة السياق، وتلاوة الآية، (قال الله تعالى: (﴿لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون﴾، يقول وحياتك، وعمرك، ويقائك في الدنيا،) وفي الشفاء معناه: وبقائك يا محمد، وقيل: وعيشك، وقيل: وحياتك (إنهم لفي سكرتهم يعمهون، رواه) محمد (بن جرير،) الحافظ، الشهير، (ومراده بقوله: سمعت اللّه، سمعت كلامه المتلو في الكتب المنزلة،) وعلى لسان نبيه. (ورواه البغوي في تفسيره) من طريق أبي الجوزاء، عن ابن عباس، (بلفظ: وما أقسم اللّه بحياة أحد إلا بحياته ، وما أقسم بحياة أحد غيره،) أتى به مع استفادته مما قبله، لاشتماله على النفي والاستثناء، فكأنه قال: أقسم بحياته لا بحياة غيره، لأن دلالته على النفي بالمفهوم، وبعض الأئمة، كالحنفية يجعله مسكوتًا عنه، فنفي ذلك بالتصريح به، (وذلك يدل على أنه أكرم خلق اللّه على اللّه») وذلك بإجماع، والكرم صفة جامعة لكل خير وإن خصه العرف الطارىء الآن بالجود، فليس بمراد هنا وحده، (وعلى هذا فيكون قسمه تعالى بحياة محمد عَّ كلامًا معترضًا في قصة لوط،) تسلية للمصطفى عن أذية قومه له، وهو واضح بجعل ضمير (إنهم) لقريش، أما على أنه لقوم لوط، فلا يظهر جعله اعتراضًا، إذ هو من جملة ما يتعلق بقوم لوط. نعم. لا يمنع ذلك أن القسم بحياة المصطفى، فغايته أنه تأكيد لحيرة قوم لوط وعبر بالمضارع حكاية للحال الماضية، أو لتشبيه الماضي بالحال. (وقال القرطبي: وإذا أقسم اللّه بحياة نبيه، فإنما أراد بيان التصريح لنا أنه يجوز لنا أن نحلف بحياته)، ولا دلالة فيه على ذلك، فإنما المراد التعظيم، واللّه تعالى له أن يقسم بما شاء، ﴿والشمس وضحاها﴾، ﴿والضحى والليل﴾، والمقرر في مذهب القرطبي قولان مشهوران: ٤٨٨ الفصل الخامس في قسمه تعالى بمدة حياته عَل وعصره وبلده وقد قال الإمام أحمد بن حنبل: فيمن أقسم بالنبي عَُّله تنعقد يمينه وتجب الكفارة بالحنث، واحتج أحمد بكونه عَّه أحد ركني الشهادة. قال ابن خويز منداد واستدل من جوز الحلف به عليه الصلاة والسلام بأن أيمان المسلمين جرت من عهده عَّ الله أن يحلفوا به مَ له حتى إن أهل المدينة إلى يومنا هذا إذا جاء صاحبه وقال له: احلف لي بحق صاحب هذا القبر، أو بحق ساكن هذا القبر، يعني النبي عَّهُ. وقال تعالى: ﴿لا أقسم بهذا البلد * وأنت حل بهذا البلد﴾ الآية [البلد: ٢/١]. فذهب الأكثرون إلى حرمة الحلف بالنبي والكعبة، وكل معظم شرعًا، وشهره بهرام في شامله، والأَقلون إلى كراهة الحلف بذلك، وشهره التاج الفاكهائي. وحجة كل قوله عَّله: فمن كان حالفًا، فليحلف بالله، أو ليصمت، رواه الشيخان، ومحل الخلاف: إذا كان الحالف صادقًا وإلا حرم اتفاقًا، بل ربما يكون بالنبي كفرًا. (وقد قال الإِمام أحمد بن حنبل: فيمن أقسم بالنبي عَّله تنعقد يمينه، وتجب الكفارة بالحدث،) ومذهب مالك والشافعي، والجمهور لا تنعقد ولا كفارة، (واحتج أحمد بكونه ◌َّ أحد ركني الشهادة،) ولا حجة فيه، إذ لا يلزم من ذلك انعقاد اليمين به، بل ولا جواز الحلف به، لا سيما مع النهي الصريح عنه (قال) أبو بكر محمد بن أحمد، المعروف بأنه (ابن خويز منداد) (بضم الخاء وكسر الزاي، وفتح الميم، وسكون النون ودالين بينهما ألف)، ويقال: خواز منداد، تفقه على الأبهري وله كتاب كبير في الخلاف، وكتاب في أصول الفقه، وكتاب في أحكام القرآن وعنده شواذ، عن ملك، وله اختيارات مخالفة للمذهب، ولم يكن بالجيد النظر، ولا قوي الفقه. قال الباجي: لم أسمع له في علماء العراق ذكرًا، وكان يجانب الكلام، وینافر أهله حتى يؤدي ذلك إلى منافرة المتكلمين من أهل السنّة، ويحكم على جميعهم بأنهم من أهل الأهواء، قاله في الديباج، (واستدل من جوز الحلف به عليه الصلاة والسلام؛ بأن أيمان المسلمين جرت من عهده عليه، أن يحلفوا به،) وهذا بفرض تسليمه لا دلالة فيه على الجواز، إذ المختلف فيه لا يجب إنكاره، (حتى إن أهل المدينة إلى يومنا هذا، إذا جاء) من يريد التحليف (صاحبه) الذي يريد تحليفه، (وقال له: إحلف) لي (بحق صاحب هذا القبر، أو بحق ساكن هذا القبر، يعني النبي ◌َّي(،) كان ذلك عنده غاية في تغليظ اليمين. (وقال تعالى: ﴿لا أقسم بهذا البلد » وأنت حل بهذا البلد﴾) [البلد/١ - ٢]، من إقامة الظاهر ٤٨٩ الفصل الخامس في قسمه تعالى بمدة حياته عَّه وعصره وبلده أقسم تعالى بالبلد الأمين، وهو مكة أم القرى وهو بلده عليه الصلاة والسلام، وقيده بحلوله فيه إظهارًا لمزيد فضله، وإشعارًا بأن شرف المكان بشرف أهله. قاله البيضاوي. ثم أقسم بالوالد وما ولد، وهو فيما قيل: إبراهيم وإسماعيل، وما ولد: محمد عَّ ه، وعلى هذا تتضمن السورة الإقسام به في موضعين، وقيل: المراد به مقام المضمر، فلم يقل به استعظامًا لحلوله فيه، (الآية) أقلها. (أقسم تعالى بالبلد الأمين)، فلا زائدة لإفادة التأكيد والتحسين، وإن كان حذفها لا يغير أصل المعنى، فاندفع قول الإِمام الرازي: إنه مانع من الانتظام، وموهم جعل الإثبات نفيًا، ويلزمه عدم الاعتماد على القرآن، مع أن لا تأتي زائدة مع القسم كثيرًا، وقد تزاد في غيره أيضًا. وقد ذهب بعض المفسرين والنحاة إلى أنه لا يصلق على مثله زائد، بل يقال صلة تأدبًا، وهو حسن، ويحتمل كلام المصنف أنه حمل، لا على أنها واقعة جواب قسم مقدر، أي: ولله لأنا أقسم ويؤيده القراءة الشاذة: لا أقسم، بلام الابتداء، (وهو مكة أم القرى، وهو بلده عليه الصلاة والسلام، وقيده بحلوله فيه إظهارًا لمزيد فضله،) فالمعنى أقسم به، والحال إنك مقيم به لشرفك وعظمتك عندي، (وإشعارًا بأن شرف المكان بشرف أهله)») وفيه إيماء إلى أن القسم بقوله: ﴿وهذا البلد الأمين﴾، لكونه فيه، فلا تنافي بين الآيتين، فإذا كان فيه، فهو حقيق بالأقسام به، کما قيل: وما حب الديار شغفن قلبي ولكن حب من سكن الديارا (قاله البيضاوي) غير مقتصر عليه، بل حكى بعده ما يأتي لمصنف، لكنه لم ينقله عنه لوجوده في كلام من تقدمه، (ثم أقسم بالوالد وما ولد،) آثر ما على من لمعنى التعجب، كقوله: والله أعلم بما وضعت، أو لأن كثيرًا من النحاة زوجوه، أو لتأويله بالمبهم، أي: الولد الكامل، الذي لا يدرك كنه ذاته، أو لاطراده فيما قصد به المعنى الوصفي، كالمولود هنا نظرًا للصفة، فإنها ليست من جنس العقلاء، قال في حواشي الكشاف: التفرقة بين من وما إنما هي إذا أريد الذات، وأما إذا أريد الوصف، فيجوز ذهابًا إلى الوصف، وقد خفي هذا على بعض الأفاضل، (وهو فيما قيل: إبراهيم وإسمعيل وما ولد محمد عَّهُ، وعلى هذا تتضمن السورة الأقسام به في موضعين:) أحدهما: في البلد التي هي محله فإن القسم بمكانه قسم به عَّله، أبلغ من القسم بذاته وحياته. والثاني: قوله: وما ولد، وزعم أنه لما أقسم بوالده، وهو في أصله، فكأنه أقسم به في غاية البعد، اللهم إلا أن يقال لما قصد تعظيمه بالقسم بوالده، كأنه أقسم بصفة من صفاته، وهي ٤٩٠ الفصل الخامس في قسمه تعالى بمدة حياته عَةٍ وعصره وبلده آدم وذريته، وهو قول الجمهور من المفسرين. وإنما أقسم تعالى بهم لأنهم أعجب خلق اللَّه على وجه الأرض لما فيهم من البيان والنظر واستخراج العلوم، وفيهم الأنبياء والدعاة إلى اللَّه تعالى والأنصار لدينه، وكل ما في الأرض من مخلوق خلق لأجلهم، وعلى هذا فقد تضمن القسم أصل المكان وأصل السكان، فمرجع البلاد إلى مكة، ومرجع العباد إلى آدم. شرف حسبه. (وقيل: المراد به) أي: بوالد (آدم و) بما ولد: (ذريته، وهو قول الجمهور من المفسرين:) فما ولد عام شامل لجميع أولاده، لا يختص بفرد منهم، فالقسم على هذا بنوع الإِنسان، (وإنما أقسم تعالى بهم،) وإن كان فيهم فسقة وكفار للتعليل المذكور بقوله، (لأنهم أعجب خلق اللّه على وجه الأرض،) إذ خلقهم في أحسن تقويم، (لما فيهم من البيان:) النطق المبين عن المقاصد (والنظر:) الاستدلال، (واستخراج العلوم، وفيهم الأنبياء))) أريد بهم ما يشمل المرسلين (والدعاة:) جمع داع، كالعلماء والأولياء والصلحاء، فالكل يدعون (إلى اللّه! تعالى والأنصار لدينه) بالسيف والحجة، (وكل ما في الأرض من مخلوق خلق لأجلهم،) كما قال تعالى: ﴿خلق لكم ما في الأرض جميعًا﴾ [البقرة/٢٩]. (وعلى هذا، فقد تضمن القسم أصل المكان وأصل السكان) آدم، خصه لشرفه وكونه أصلهم، (فمرجع البلاد إلى مكة،) لأنها أمها، (ومرجع العباد إلى آدم،) لأنه أصلهم، ولو قال: ومرجع غير بني آدم إليهم، وفسر أصل السكان بآدم وذريته، كان أوفق بتفسير الولد والوالد؛ بأنهم آدم وذريته، ثم ظاهر. هذا التفسير: ولو كان فيهم فسقة وكفار، من حيث تعلیله بما ذكر ولا ضير فيه. وفي الخازن: أقسم بآدم، وبالأنبياء والصالحين من ذريته، لأن الكافر وإن كان في ذريته، فلا حرمة له حتی یقسم به. انتھی. وفيه نظر، لأن الإقسام لم يلاحظ فيه الحرمة فقط، بل كونه أعجب الخلق على الأرض، كيف وقد قال ابن عباس: الوالد والولد هنا على العموم، فهي أسماء جنس، يدخل فيها جميع الحيوان. وقال ابن عباس وابن جبير وعكرمة: والد معناه كل من ولد وانسل، وما ولد لم يبق منه إلا العاقر، الذي لم يلد البتة. وقيل: المراد نوح وجميع ولده، وقيل: إبراهيم وجميع ولده، حكى ذلك ابن عطية وغيره، وقيل: الوالد محمد عَه، الحديث: إنما أنا لكم بمنزلة الوالد والولد، أمته أو ذريته، (وقوله) تعالى: ٤٩١ الفصل الخامس في قسمه تعالى بمدة حياته معَة وعصره وبلده وقوله ﴿وأنت حل﴾ هو من الحلول، ضد الظعن، فيتضمن إقسامه تعالى ببلده. المشتمل على عبده ورسوله، فهو خير البقاع واشتمل على خير العباد، فقد جعل اللّه تعالى بيته هدى للناس، ونبيه عَّ إمامًا وهاديًا لهم، وذلك من أعظم نعمه وإحسانه إلى خلقه. وقيل: المعنى وأنت مستحل قتلك وإخراجك من هذا البلد الأمين الذي يأمن فيه الطير والوحش، وقد استحل فيه قومك حرمتك. وهذا مروي عن شرحبیل بن سعد. وعن قتادة: وأنت حل أي لست بآثم، وحلال لك أن تقتل بمكة من شئت. (﴿وأنت حل﴾، هو من الحلول،) الإقامة (ضد الطعن،) أي: الارتحال، وهو أحد مصادر حل، وفي الأخبار به المذاهب الثلاثة، إما أن يؤول بالمشتق، أو بتقدير مضاف، أي: ذو حل أو مبالغة، کزید عدل. وفي القاموس: حل المکان، وبه یحل ویحل حلاً وحلولاً، وحللاً محر کة نادر نزل به، (فيتضمن أقسامه تعالى ببلده المشتمل على عبده ورسوله، فهو خير البقاع) حتى المدينة، أو إلا المدينة، الخلاف الشهير، (واشتمل على خير العباد) بالإجماع، (فقد جعل اللّه تعالى بيته) الكعبة (هدى للناس، ونبيه عَّله إمامًا،) قدوة (وهاديًا لهم) إلى صراط مستقيم، (وذلك من أعظم نعمه وإحسانه إلى خلقه). وفي الشفاء: قيل: لا أقسم به إذا لم تكن فيه، أي: بعد خروجك منه، حكاه مكي، وقيل: لا زائدة، أي: أقسم به، وأنت به يا محمد حلال، أو حل لك ما فعلته فيه على التفسيرين. (وقيل: المعنى وأنت مستحل قتلك وإخراجك من هذا البلد الأمين، الذي يأمن فيه الطير والوحش،) تفسير الأمين، فهو إسناد مجازي، كعيشة راضية، (وقد استحل فيه قومك حرمتك،) وفيه تثبيت له وتعجيب مما جرى عليه، وإشارة إلى علة عدم القسم، فسقط الاعتراض بأن الحال يقتضي عدم القسم بعد الخروج، فيتنافيان. وهذا كما قال ابن عطية يتجه على أنه قسم، وعلی نفیه، أي: لا أقسم یبلد أنت ساکنه على أذى هؤلاء وكفرهم، (وهذا مروي) عند الثعلبي وغيره، (عن شرحبيل) (بضم الشين المعجمة وفتح الراء وسكون المهملة) (ابن سعد) المدني، مولى الأنصار، تابعي، صدوق، اختلط بآخره، مات سنة ثلاث وعشرين ومائة، وقد قارب المائة. روى له أبو داود وابن ماجه، (وعن قتادة) بن دعامة الأكمه، المفسر، التابعي: (وأنت ٤٩٢ الفصل الخامس في قسمه تعالى بمدة حياته معَّ ل. وعصره وبلده وذلك أن اللَّه تعالى يفتح عليه مكة وأهلها، وما فتحت على أحد قبله، فأحل ما شاء وحرم ما شاء، فقتل ابن خطل وهو متعلق بأستار الكعبة وغيره، وحرم دار أبي سفین. فإن قلت: هذه السورة مكية، ﴿وأنت حل بهذا البلد﴾ إخبار عن الحال، والواقعة التي ذكرت في آخر مدة هجرته إلى المدينة، فكيف الجمع بين الأمرين؟. أجيب: بأنه قد يكون اللفظ للحال، والمعنى مستقبل، كقوله تعالى: ﴿إِنك ميت وإنهم ميتون﴾ [الزمر/ ٣٠]. حل، أي: لست بآثم) بالمد لأن حل له معانٍ ضد الحرمة والإِقامة بالمكان، والاسم منهما حل بالكسر، وحلال بمعنى جائز ومقيم، (وحلال لك أن تقتل بمكة من شئت، وذلك أن اللّه تعالى) وعده بأنه (يفتح عليه مكة وأهلها،) أي: ويعطيه أهلها، (وما فتحت على أحد قبله، فأحل ما شاء وحرم ما شاء، فقتل،) أي: أمر بقتل (ابن خطل) (بفتح المعجمة والمهملة) هلال، أو عبد اللّه، (وهو متعلق بأستار الكعبة، وقتل (غيره) كما تقدم في فتح مكة، (وحوم دار أبي سفين) صخر بن حرب، أي: جعل لها حرمة؛ بأن أعطي الأمان من دخلها، بقوله: من دخل دار أبي سفين فهو آمن، أو حرم قتل من دخلها، وعلى هذا، ففي الآية تسلية له عَّة، أي: إن أخرجوك منها، فستعود لها، وتفعل فيها ما تريد، وتثبيت ووعد بالنصر، والأول على أنه قسم، والثاني على انتفائه، أو كل منهما جار على التفسيرين. وقيل: المعنى وأنت حلال، أي: غير محرم بها، إشارة إلى دخولها يوم الفتح حلالاً، (فإن قلت: هذه السورة مكية) عند جمهور المفسرين، وبالغ النسفي، فحكي عليه الاتفاق، وينقضه قول ابن عطية. وقال قوم: هي مدنية (﴿وأنت حل بهذا البلد﴾، إخبار عن الحال، و) عن (الواقعة) (، الجر عطفًا)، ويحتمل الرفع، أي: والحال الواقعة (التي ذكرت في آخر مدة هجرته إلى الــدينة، فكيف الجمع بين الأمرين) المتنافيين بحسب الظاهر. (أجيب بأنه قد يكون اللفظ للحال، والمعنى) بالحال (مستقبل، كقوله تعالى: ﴿إِنك ميت وإنهم ميتون﴾،) أي: ستموت ويموتون، فلا شماتة بالموت، فأطلق الحال، وأراد الاستقبال، لكن استشكل هذا؛ بأنه يلزمه اختلاف زمني الحال، وعاملها إلا أن يقال الجملة معترضة لا حالية، فتضمن وعدًا فيه مبالغة، بتنزيل المستقبل المحقق منزلة الحال لا الماضي، كما يدل له قول عياض، أو حل لك ما فعلت فيه. ٤٩٣ الفصل الخامس في قسمه تعالى بمدة حياته معَّة وعصره وبلده وعلى كل حال فهذا متضمن للقسم ببلد رسول اللَّه مَّ له، ولا يخفى ما فيه من زيادة التعظيم، وقد روي أن عمر بن الخطاب رضي اللَّه عنه قال للنبي عَّهِ: بأبي أنت وأمي يا رسول اللَّه، لقد بلغ من فضيلتك عند اللَّه أن أقسم بحياتك دون سائر الأنبياء، ولقد بلغ من فضيلتك عنده أن أقسم بتراب قدميك فقال: ﴿لا أقسم بهذا البلد﴾. وقال تعالى: ﴿والعصر إن الإنسان لفي خسر﴾ [العصر/١]. (وعلى كل حال، فهذا متضمن للقسم ببلد رسول اللّه ◌َةٍ)) بجعل لا زائدة، (ولا يخفى ما فيه من زيادة التعظيم،) حيث أقسم بيلده، بقيد كونه فيه دفعًا لتوهم أن المكان أشرف، أو أن شرفه مكتسب منه. (وقد روي أن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه قال للنبي عَُّ) وأقره عليه: (بأبي أنت وأمي يا رسول اللّه، لقد بلغ من فضيلتك عند اللّه أن أقسم بحياتك دون سائر الأنبياء،) في قوله: ﴿لعمرك أنهم لفي سكرتهم يعمهون﴾، وهذا إن صح دليل لقول الجمهور؛ أنه قسم بالمصطفى لا بلوط، لأن عمر قاله للنبي عَّه وأقره عليه، فهو نص في محل النزاع: (ولقد بلغ من فضيلتك عنده أن أقسم بتراب قدميك، فقال: ﴿لا أقسم بهذا البلد﴾،) ففيه إشارة إلى أن هذا القسم أدخل في تعظيمه من القسم بذاته وبحياته. قال عياض: في الشفاء: والمراد بالبلد عند هؤلاء مكة. وقال الواسطي: أي: يحلف بهذا البلد الذي شرفته الآية، بمكانك فيه حيًا وبركتك ميتًا، يعني المدينة، والأول أصح، لأن السورة مكية، وما بعده يصححه قوله: ﴿حل بهذا البلد﴾، ونحوه قول ابن عطاء في تفسير قوله: ﴿وهذا البلد الأمين﴾. قال: أمنها اللّه لمقامه فيها وكونه بھا، فإن کونہ أمان حیث کان. انتھی. لكن تعقبه الدلجي وغيره بأن القائل لا يسلم أن السورة مكية، والبلد عنده في الموضعين المدينة، والإشارة فيهما لها، وحل بمعنى حال مقيم، فكيف يقام عليه الدليل بما لا يسلمه. (وقال تعالى: ﴿والعصر إن الإِنسان﴾) اسم جنس (﴿لفي خسر﴾) [العصر/١]، نقصان وسوء حال، وذلك بين غاية البيان في الكافر، لأنه خسر الدنيا والآخرة، ذلك هو الخسران المبين، وأما المؤمن وإن كان في خسر في دنياه، في هرمه وما يقاسيه من شقاء هذه الدار، فذلك معفو عنه في جنب فلاحه في الآخرة، وربحه الذي لا يفنى، ومن كان في مدة عمره في التوصي بالحق والصبر، والعمل بحسب الوصاة، فلا خسر معه، وقد جمع له الخير كله، وقرأ علي: والعصر ونوائب الدهر إن الإِنسان، وفي مصحف عبد الله: والعصر لقد خلقنا الإنسان، ٤٩٤ الفصل الخامس في قسمه تعالى بمدة حياته عٍَّ وعصره وبلده اختلف في تفسير العصر على أقوال: فقيل: هو الدهر، لأنه مشتمل على الأعاجيب، لأنه يحصل فيه السراء والضراء، والصحة والسقم وغير ذلك. وقيل: ذكر العصر الذي بمضيه ينقضى عمرك، فإذا لم يكن في مقابلته كسب صار ذلك عين الخسران، وللَّه در القائل. إنا لنفرح بالأيام نقطعها وكل يوم مضى نقص من الأجل وعن علي: لفي خسر، وأنه فيه إلى آخر الدهر ﴿إلا الذين﴾، وقرأ عاصم والأعرج ﴿لفي خسر﴾ بضم السين، وقرأ سلام أبو المنذر: ﴿والعصر﴾، بكسر الصاد ﴿والصبر﴾، بكسر الباء، وهذا لا يجوز إلا في الوقف على نقل الحركة، وعن أبي عمرو ﴿بالصبر﴾، بكسر الباء إِشمامًا، وهذا أيضًا لا يكون إلا في الوقف، قاله ابن عطية رحمه اللّه، (اختلف في تفسير العصر على أقوال، فقيل:) عن ابن عباس: (هو الدهر،) يقال فيه: عصر، وعصر (بضم العين والصاد). قال امرؤ القيس: وهل يعمن من كان في العصر الخالي، (لأنه مشتمل على الأعاجيب) المختلفة، (لأنه يحصل فيه السراء) (بالفتح والمد) الخير والفضل، (والضراء) (بفتح المعجمة والمد) نقيض السراء، (والصحة) في البدن حالة طبيعية، تجري أفعاله معها على المجرى الطبيعي، واستعيرت للمعاني، كصحة الصلاة إذا أسقطت القضاء، وصح العقد إذا ترتب عليه أثره، وصح إذا طابق الواقع، (والسقم) (بضم فسكون مصدر سقم) كقرب، (وبفتحتين مصدر سقم كفرح طال مرضه) (وغير ذلك). (وقيل: ذكر العصر) مبني للمجهول إشارة إلى قول آخر في العصر، أي: قال بعضهم: المراد بالعصر هنا هو (الذي بمضيه،) أي: انقضائه (ينقضي عمرك) أيها الإنسان، (فإذا لم يكن في مقابلته كسب) للطاعات (صار ذلك عين الخسران، ولله در القائل: إنا لنفرح بالأيام نقطعها وكل يوم مضى نقص من الأجل يعني أنه لا فرح بانقضاء الأيام حقيقة وإن كانت في شدة، لأنها نقص من أجل الإِنسان، وقال قتادة: العصر العشي، وقال أبي بن كعب: سألت النبي عَّه عن العصر، فقال: أقسم ربك بآخر النهار، وقيل: اليوم والليل، ومنه قول حميد: ولن يلبث العصران يوم وليلة إذا طلبا أن يدركا ما تيمما أي: قصدا، وقيل: بكرة وعشية، وهما الإيرادان وقال مقاتل: العصر الصلاة الوسطى، أقسم بها، حكاه ابن عطية. ٤٩٥ النوع الخامس في قسمه تعالى بمدة حياته له وعصره وبلده وفي تفسير الإمام فخر الدين والبيضاوي وغيرهما: أنه تعالى أقسمٍ بزمان الرسول مَّله. قال الإمام الرازي: واحتجوا له بقوله عَُّله: إنما مثلكم ومثل من كان قبلكم مثل رجل استأجر أجراء، فقال: من يعمل لي من الفجر إلى الظهر بقيراط، فعملت اليهود، ثم قال من يعمل لي من الظهر إلى العصر بقيراط، فعملت النصارى، ثم قال: من يعمل لي من العصر إلى المغرب بقيراطين فعملتم، فغضبت اليهود والنصارى وقالوا: نحن أكثر عملاً وأقل أجرًا، فقال اللَّه تعالى: وهل (وفي تفسير الإمام فخر الدين الرازي، والبيضاوي وغيرهما؛ أنه تعالى أقسم بزمان الرسول عَّاله) وهذا الموافق للترجمة؛ أنه أقسم بمدة حياته وعصره وبلده. (قال الإِمام الرازي: واحتجوا له)) أي: لهذا القول، (بقوله عَّه: إنما مثلكم ومثل من كان قبلكم) من اليهودي والنصارى، والمثل في الأصل بمعنى النظير، ثم استعمل لكل حال أو قصة أو صفة لها شأن، وفيها غرابة لإِرادة زيادة التوضيح والتقرير، فإنه أوقع في القلب، وأقمع للخصم، ليرى المتخيل محققًا والمعقول محسوسًا ولذا أكثر اللّه في كتابه الأمثال وفشت في كلام الأنبياء والمعنى مثلكم مع نبيكم، ومثل من قبلكم مع أنبيائكم (مثل رجل استأجر أجراء) (بضم الهمزة وفتح الراء جمع أجير). وفي رواية كرجل استأجر عمالاً: جمع عامل، (فقال: من يعمل من الفجر إلى الظهر بقيراط). زاد في رواية: قيراط، فذكره مرتين ليدل على تقسيم القراريط على جميعهم، لأن العرب إذا أرادت تقسيم الشىء على متعدد كررته، كما يقال: أقسم هذا المال على بني فلان درهمًا درهمًا: كما في الفتح: (فعملت اليهود، ثم قال: من يعمل من الظهر إلى العصر بقيراط،) قيراط بالتكرير أيضًا، كما في رواية، وهو نصف دائق، والمراد هنا النصيب، (فعملت النصارى، ثم قال: من يعمل من العصر إلى المغرب بقيراطين، فعملتم) أيتها الأمة المحمدية، (فغضبت اليهود والنصارى،) أي: الكفار منهم، (وقالوا: نحن أكثر عملاً،) لأن الوقت من الفجر إلى الظهر أكثر من وقت العصر إلى الغروب، وتمسك به بعض الحنفية؛ على أن وقت العصر من مصير ظل كل شىء مثليه، لأنه لو كان من مصير مثله لكان مساويًا لوقت الظهر. وقد قالوا: نحن أكثر عملاً، فدل على أنه دون وقت الظهر، وأجيب بمنع المساواة، وذلك معروف عند علماء هذا الفن أن مدة بين الظهر والعصر أطول من مدة بين العصر والمغرب، وما نقله بعض الحنابلة من الإجماع، على أن وقت العصر ربع النهار محمول على التقريب، إذا فرعنا على أن وقت العصر مصير الظل مثله، كما قال الجمهور، وأما على قول الحنفية؛ فالذي من ٤٩٢ النوع الخامس في قسمه تعالى بمدة حياته عَد. وعصره وبلده نقصتكم من أجركم شيئًا؟ قالوا: لا، قال: فذلك فضلي أوتيه من أشاء، فكنتم أقل عملاً وأكثر أجرًا. رواه البخاري. قالوا: فهذا الحديث دل على أن العصر هو عصره عَّالِ الذي هو فيه، الظهر إلى العصر أطول قطعًا، وعلى التنزل لا يلزم من التمثيل والتشبيه التسوية من كل جهة؛ وبأن الخبر إذا ورد في معنى مقصود، لا يؤخذ منه المعارضة، لما ورد في ذلك المعنى بعينه مقصودًا في أمر آخر؛ وبأنه ليس في الخبر، نص على أن كلا من الطائفتين أكثر عملاً، لصدق أن كلهم مجتمعين أكثر عملاً من المسلمين، وباحتمال أنه أطلق ذلك تغليًا، وباحتمال أن ذلك قول اليهود خاصة، فيندفع الاعتراض من أصله، كما جزم به بعضهم، وتكون نسبة ذلك للجميع في الظاهر غير مرادة، بل هو عموم أريد به الخصوص وبأنه لا يلزم من كونهم أكثر عملاً أن يكونوا أكثر زمنًا، لاحتمال أن عمل زمنهم أشق، ويؤيده قوله تعالى: ﴿ربنا ولا تحمل علينا إصرًا كما حملته على الذين من قبلنا﴾ [البقرة/٢٨٦]، ومما يؤيده أن المراد كثرة العمل وقلته، لا بالنسبة إلى طول الزمن وقصره، اتفاق أهل الأخبار على أن المدة التي بين عيسى ونبينا دون المدة التي بين نبينا وقيام الساعة، لأن جمهور أهل الأخبار قالوا: مدة الفترة بين عيسى ونبينا ستمائة سنة، وثبت ذلك في البخاري عن سلمن وقيل: إنها دون ذلك حتى قال بعضهم: إنها مائة وخمس وعشرون سنة ومدة المسلمين بالمشاهدة أكثر من ذلك، فلو تمسكنا بأن المراد التمثيل بطول الزمانين وقصرهما، للزم أن وقت العصر أطول من وقت الظهر، ولا قائل به، فدل على أن المراد كثرة العمل وقلته، كما قاله في الفتح: وأقل أجرًا، فقال اللّه تعالى: وهل نقصتكم من أجر كم) الآية، الذي شرطه لكم شيئًا. وفي رواية: هل ظلمتكم من حقكم (شيئًا، قالوا: لا،) لم تنقصنا شيئًا، وإنما لم يكن ظلمًا، لأنه تعالى شرط معهم شرطًا، وقبلوا أن يعملوا به، (قال: فذلك فضلي أوتيه من أشاء) من عبادي. قال الطيبي: ما ذكر من المقاولة والمكالمة، لعله تخييل وتصوير، ولم يكن حقيقة، لأنه لم يكن ثمة هذه الأمة، اللهم إلا أن يحمل ذلك على حصوله عند إخراج الذر، فيكون حقيقة. قال عَّ له: (فكنتم أقل عملاً وأكثر أجرًّا) ممن كان قبلكم، (رواه البخاري) من حديث ابن عمر في الصلاة، والإِجارة وفضل القرآن، وفي ذكر بني إسرائيل، وفي التوحيد، بألفاظ متقاربة ليس في محل منها بهذا اللفظ، وإنما هو لفظ مسلم. وأخرجه البخاري، بنحوه من حديث أبي موسى، لكن ظاهر سياقهما أنهما قضيتان، وحاول بعضهم الجمع بينهما، فتعسف كما في الفتح، (قالوا: فهذا الحديث دل على أن ٤٩٧ النوع السادس في وصفه تعالى له عليه الصلاة والسلام بالنور والسراج المدير فيكون على هذا أقسم تعالى بزمانه في هذه الآية، وبمكانه في قوله تعالى: ﴿وأنت حل بهذا البلد﴾، وبعمره في قوله: لعمرك، الآية، وذلك كله كالظرف له، فإذا وجب تعظيم الظرف فكيف حال المظروف، قال: ووجه القسم كأنه تعالى قال: ما أعظم خسرانهم إذا أعرضوا عنك. انتهى. النوع السادس في وصفه تعالى له عليه الصلاة والسلام بالنور والسراج المنير اعلم أن الله تعالى قد وصف رسوله عَ له بـ ((النور)) في قوله تعالى: ﴿قد جاءكم من اللَّه نور وكتاب مبين﴾ [المائدة/١٥]، وقيل: المراد القرءان. العصر هو عصره عَّه، الذي هو فيه، فيكون على هذا أقسم اللّه تعالى بزمانه في هذه الآية، وبمكانه في قوله تعالى: ﴿وأنت حل بهذا البلد﴾،) سواء قلنا؛ أنه مكة أو المدينة، إذ كل مكانه، (وبعمره في قوله: ﴿لعمرك﴾، وذلك كله كالظرف له، فإذا وجب:) ثبت، وحق (تعظيم الظرف) بالأقسام به، (فكيف حال المظروف) استفهام تعجيب. (قال) الرازي: (ووجه القسم كأنه تعالى قال:) ﴿ما أعظم خسرانهم إذ أعرضوا عنك﴾ انتھی کلام الرازي وهو وجيه. النوع السادس: (في وصفه تعالى له عليه الصلاة والسلام بالنور والسراج:) المصباح، جمعه سرج، ككتاب وكتب (المنير) وصف به للتأكيد، أو لأن بعض السرج لا يضيء إذا رق فتيله وقل زيته، وقد قيل ثلاثة تضني: رسول بطيء وسراج لا يضيء ومائدة ينتظر إليها من يجيء» (أعلم أن اللّه تعالى قد وصف رسوله عَّه بالنور،) أي: أخبر عنه بأنه نور (في قوله تعالى: (﴿قد جاءكم﴾) الخطاب لأهل الكتاب في قوله: يا أهل الكتاب وهو شامل التوراة والإنجيل، وكانوا يخفون ما فيها من صفات النبي عٍَّ (﴿من اللّه نور﴾) هو محمد عَلَّهِ (﴿وكتاب مبين﴾ قرآن بین ظاهر. (وقيل المراد) بالنور (القرآن،) وعليه فالعطف للتفسير، وقوله: يهدي به اللّه في موقعه، وعلى الأول أفرده مع تغايرهما وعطفهما بالواو لرجوعه لهما معًا باعتبار المذكور، أو لأنهما معًا كالشىء الواحد وهداية أحدهما عين هداية الآخر، فإن خلقه القرآن، وما أفاده المصنف من ترجيح الأول هو الصحيح، فقد اقتصر عليه الجلال، وقد التزم الاقتصار على أرجح الأقوال، وبه جزم عياض في محل وساوى بينهما في آخر، وتبعه المصنف في الأسماء الشريفة، وفسر النور ٤٩٨ النوع السادس في وصفه تعالى له عليه الصلاة والسلام بالنور والسراج المدير وصفه عليه الصلاة والسلام أيضًا بـ ((السراج المنير)) في قوله تعالى: ﴿يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا * وداعيًا إلى اللَّه بإذنه وسراجًا منيرًا﴾ [الأحزاب/٤٦]. والمراد: كونه هاديًا مبينًا كالسراج الذي يري الطريق ويبين الهدى والرشاد، فبيانه أقوى وأتم وأنفع من نور الشمس، وإذا كان كذلك وجب أن تكون نفسه القدسية أعظم في النورانية من الشمس، فكما أن الشمس في عالم الأجسام تفيد النور لغيرها ولا تستفيد من غيرها فكذا نفس النبي عَّة تفيد الأنوار العقلية لسائر الأنفس البشرية، وكذلك وصف اللَّه تعالى الشمس بأنها سراج حيث قال: ﴿وجعل فيها سراجًا وقمرًا منيرًا﴾ [الفرقان/٦١]. أيضًا بالإِسلام، (وصفه عليه الصلاة والسلام أيضًا بالسراج المنير في قوله تعالى: ﴿يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدًا﴾) على من أرسلت إليهم (﴿ومبشرًا﴾) من صدقك بالجنة، (﴿ونذيرًا﴾) منذرًا من كذبك بالنار، (﴿وداعيًا إلى اللّه﴾) إلى طاعته (﴿بإذنه)))) أي: أمره فهو على ظاهره، لأن أمره إذن له أو المراد به الإرادة، فإنه كثيرًا ما يتجوز به عنها وعن الأمر، كما في مجاز القرآن لابن عبد السلام، وفسر أيضًا بتوفيقه وتيسيره (﴿وسراجًا منيرا﴾) [الأحزاب/٤٦]، يستضاء به من ظلمات الجهالة، ويقتبس من نوره أنوار البصائر، (والمراد كونه هاديًا مبينًا كالسراج يرى الطريق،) أي: يكون سببًا في إراءتها، فالإسناد مجازي (ويبين الهدى والرشاد) الصلاح، وهو خلاف الغي والضلال، وهو إصابة الصواب، (فبيانه أقوى وأتم وأنفع من نور الشمس) لأنه يفرق بين الحق والباطل والشمس إنما يتبين بها ما يدرك بحاسة البصر من الألوان ونحوها فهو تفريع على قوله يبين الهدى، (وإذا كان كذلك وجب أن تكون نفسه القدسية أعظم في النورانية من الشمس، فكما أن الشمس في عالم الأجسام تفيد النور لغيرها ولا تستفيد من غيرها، فكذا نفس النبي عَّ تفيد الأنوار العقلية لسائر،) أي: لجميع (الأنفس البشرية،) ولم يقل ولا تستفيد من غيرها، كما قال في الشمس، لأنه عَّم يستفيد الوحي من جبريل، ولذا وقع تشبيهه بالسراج، لأنه في غاية الوضوح والبلاغة، لأنه يستضيء من الوحي ويضيء للناس بما أتاهم به، ففيه من البلاغة ما ليس في قوله شمسًا وقمرًا. قال القاضي أبو بكر بن العربي: قال علمائنا سمي سرامجا، لأن السراج الواحد يؤخذ منه السرج الكثيرة ولا ينقص من ضوئه شىء، وكذلك سرج الطاعات أخذت من سراجه عَّه ولم ينقص من أجره شىء (وكذلك وصف اللّه تعالى الشمس بأنها سراج، حيث قال: ﴿وجعل فيها سراجًا وقمرًا منيرا﴾) [الفرقان/٦١]، وفي قراءة سرحجا بالجمع، أي: نبرات وخص القمر ٤٩٩ النوع السادس في وصفه تعالى له عليه الصلاة والسلام بالنور والسراج المنير وكما وصف اللَّه تعالى ورسوله بأنه نور، وصف نفسه المقدسة بذلك فقال: ﴿اللَّه نور السموات والأرض﴾ [النور/٣٥]، فليس فيهما إلا اللَّه، ونوره المقدس هو سر الوجود والحياة والجمال والكمال، وهو الذي أشرق على العالم فأشرق على العوالم الروحانية، وهم الملائكة، فصارت سرجًا منيرة، يستمد منها من دونها بوجود اللّه، ثم سرى النور إلى عالم النفوس الإنسانية، ثم طرحته النفوس على صفحات الجسوم، فليس في الوجود إلا نور اللَّه الساري إلى الشىء منه بقدر قبوله ووسع استعداده ورحب تلقيه. والنور في الأصل: كيفية يدركها الباصر أولاً، وبواستطها سائر المبصرات، منها بالذكر لنوع فضيلة، (وكما وصف الله تعالى رسوله بأنه نور وصف نفسه المقدسة، بذلك فقال: ﴿اللّه نور السموات والأرض)) [النور/٣٥]. قال ابن عباس وغيره: أي: هادي أهلهما، قال الرازي: في شرح الأسماء وهو حسن، إلا أن تفسيره به في الأسماء التسعة والتسعين لا يجوز، لأنه يصير محض تكرار، وأجيب: بجواز أن الهادي أعم، كما قالوه في الرؤوف الرحيم، أو يعتبر به هداية بالغة إلى حد لا يتناهى، فتحصل به المغايرة في الجملة، كالرحمن الرحيم، فلا وجه لقوله لا يجوز، لأن له نظائر في الأسماء، وفي حواشي الكشاف معنى نور السموات والأرض هادي العالمين، مبين ما يهتدون به ويتخلصون من ظلمات الكفر والضلال بوحي منزل ونبي مرسل، (فليس فيهما إلا اللّه ونوره المقدس،) أي: المراد به (هو سر الوجود،) أي: إيجاده العالم (والحياة والجمال والكمال،) وفي الأنوار أصل الظهور هو الوجود، كما أن أصل الخفاء هو العدم واللّه موجود بذاته، موجد لما عداه، (وهو الذي أشرق على العالم) كله، وهو ما سوى اللّه، لكن وقع ذلك الإِشراق على وجوه متنوعة، (فأشرق على العوالم) (بكسر اللام) جمع عالم (الروحانية) (بضم الراء)، فهو من عطف المفصل على المجمل نحو توضأ فغسل وجهه، (وهم الملائكة، فصارت سرجا) (بضمتين) (منيرة يستمد) (بفتح أوله) (منها من دونها) (فاعل) (بوجود اللّه، ثم سرى النور إلى عالم النفوس الإِنسانية، ثم طرحته النفوس على صفحات الجسوم،) أي: جوانبها: جمع جسم، (فليس في الوجود إلا نور اللّه الساري إلى الشىء منه بقدر قبوله ووسع استعداده ورحب تلقيه) (بضم الراء وفتحها)، وعطفه على ما قبله كالمسبب على السبب، فالاستعداد هو الأسباب التي يكون اجتماعها فيه سببًا لحصول المعرفة وقبول ما يلقي إليه، ورحب التلقي قوة قبوله لما يلقي إليه وحسن استماعه له، (والنور في الأصل) عند الحكماء لا اللغة، فإنه الضوء وأصله من نار ينور إذا نفر ومنه نوار للظبية وبه سميت المرأة فوضع للضوء لانتشاره أو لإزالته الظلام فكأنه ٥٠٠ النوع السادس في وصفه تعالى له عليه الصلاة والسلام بالنور والسراج المنير كالكيفية الفائضة من النيرين - الشمس والقمر - على الأجرام الكثيفة المحاذية لهما، وهو بهذا المعنى لا يصح إطلاقه على اللَّه إلا بتقدير مضاف، كقولك: زید كرم، بمعنى: ذو كرم، أو بمعنى منور السموات والأرض، فإنه تعالى نورهما بالكواكب، وما يفيض عنها من الأنوار، وبالملائكة والأنبياء من قولهم للرئيس الفائق في التدبير: نور القوم، لأنهم يهتدون به في الأمور، ويؤيد هذا التأويل قراءة علي بن أبي طالب وزيد بن علي وغيرهما نوَّر فعلاً ماضيًا، والأرضَ بالنصب. وقوله تعالى: ﴿مثل نوره﴾ أي: مثل هداه سبحانه وتعالى. وأضاف النور السموات والأرض، إما دلالة على سعة إشراقه، وفشو إضاءته حتى تضيء له السموات والأرض، وإما لإرادة أهل السموات والأرض، أنهم ينفر منه (كيفية،) أي: صفة، لكن لفظ كيفية لم يسمع من العرب، كما صرح به أهل اللغة (يدركها الباصر أولاً، وٍ) يدرك (بواسطتها سائر المبصرات، كالكيفية الفائضة من النيرين الشمس والقمر على الأجرام الكثيفة المحاذية لهما. وبعضهم زعم أنه أجرام صغار تنفصل من المضيء وتتصل بالمستضيء، (وهو بهذا المعنى لا يصح إطلاقه على اللّه) لاستحالته إذ هو عرض أو جسم، وكلاهما محال عليه (إلا بتقدیر مضاف، كقولك زید کرم بمعنى ذو کرم،) فمعنى اللّه نور، أي: ذو نور، (أو بمعنى منور السموات والأرض،) فهو من إطلاق المصدر وإرادة اسم الفاعل، (فإنه تعالى نورهما بالكواكب وما يفيض عنها من الأنوار، وبالملائكة والأنبياء،) وذلك مأخوذ (من قولهم للرئيس الفائق في التدبير،) وهو فعل الأمر عن فكر وروية، (نور القوم، لأنهم يهتدون به في الأمور، ويؤيد هذا التأويل قراءة علي بن أبي طالب زيد بن علي) بن الحسين بن علي (وغيرهما نوَّر فعلاً ماضيا) مفتوح النون، والواو ومشددة، (والأرض بالنصب) مفعول. وادعى الغزالي أنه حقيقة لأن النور معناه الظاهر بنفسه المظهر لغيره، وهو ميل لقول الإِشراقيين، قال: شارح حكمة الإشراق اللّه نور السموات والأرض، لا بمعنى منورهما على ما يقوله بعض المفسرين هربًا من إطلاق اسم النور عليه، بمعنى أنه محض النور البحث، وأن سائر الأنوار تشرق من نوره، كذا قال، (وقوله تعالى: ﴿مثل نوره﴾) [النور/٣٥]، أي: مثل هداه سبحانه وتعالى. وفسره البيضاوي بالصفة العجيبة، (وأضاف النور إلى السموات والأرض، إما دلالة على سعة إشراقه وفشو إضاءته حتى تضىء له، السموات والأرض، وإما لإرادة أهل السنوات