Indexed OCR Text

Pages 421-440

٤٢١
النوع الرابع في التنويه به عة في الكتب السالفة
نعم ما قالوا، وسأقيم لهم نبيًا مثلك من إخوتهم، وأجعل كلامي في فمه لهم كل
شىء أمرته به، وأيما رجل لم يطع من تكلم باسمي فإني أنتقم منه.
قال: وفي هذا الكلام أدلة على نبوة محمد عّ﴾.
فقوله: ((نبيًّا من إخوتهم))، وموسى وقومه من بني إسحق، وإخوتهم من بني
إسماعيل، ولو كان هذا النبي الموعود به من بني إسحق لكان من أنفسهم لا من
إخوتهم.
وأما قوله: ((نبيًا مثلك)) وقد قال في التوراة: لا يقوم في بني إسرائيل أحد
مثل موسى، وفي ترجمة أخرى: مثل موسى لا يقوم في بني إسرائيل أبدًا. فذهبت
اليهود إلى أن هذا النبي الموعود به هو يوشع بن نون، وذلك باطل، لأن يوشع لم
يكن كفؤًا لموسى عليه السلام، بل كان خادمًا له في حياته، ومؤكدًا لدعوته بعد
أسمع صوت اللّه ربي لئلا أموت، فقال اللّه تعالى: نعم، ما قالوا، وسأقيم لهم نبيًا مثلك من
أخوتهم واجعل كلامي في فمه، لهم كل شىء أمرته).
وفي نسخة: آمره (به، وأيما رجل لم يطع من تكلم باسمي، فإني أنتقم منه،) وجوز
شيخنا في التقرير، أن يكون هذا من باب، ﴿وإذ أخذ اللَّه ميثاق النبيين﴾، أي: استمع له إذا وجد
وأنت حي، كسماعك لربك، وهذا بعيد جدًا، ولذا لم يذكره في الشرح.
(قال) ابن ظفر: (وفي هذا الكلام أدلة على نبوة محمد عَّ له) من ثلاثة أوجه بينها،
فقال: (فقوله) لفظه منها قوله: (نبيًا من أخوتهم، وموسى وقومه من بني إسحق، وإخوتهم من
بني إسمعيل، ولو كان هذا النبي الموعود به من بني إسحق لكان من أنفسهم لا من
أخوتهم،) كما قال عزّ وجلّ إخبارًا بدعوة إبراهيم لولد إسماعيل: ﴿ربنا وابعث فيهم رسولاً
منهم﴾، وكما قال سبحانه مخاطبًا للعرب ﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم﴾، هذا تركه المصنف
من كلام ابن ظفر، (وأما) لفظه، ومنها (قوله: نبيًا مثلك، وقد قال في التوراة: لا يقوم في
بني إسرئيل أحد مثل موسى) من أنفسهم، فلا ينافي إنه قام فيهم مثل موسى، بل أجل، وهو
محمد عليه السلام لعموم دعوته، لأنه من بني إسمعيل أخوتهم لا من أنفسهم، فلا خلف بين هذا
وقول التوراة السابق، وسأقيم لهم نبيًا مثلك.
(وفي ترجمة أخرى مثل موسى لا يقوم في بني إسرائيل أبدًا،) من أنفسهم، (فذهبت
اليهود إلى أن هذا النبي الموعود به هو يوشع بن نون، وذلك باطل، لأن يوشع لم يكن
كفؤًا لموسى عليه السلام، بل كان خادمًا له في حياته، ومؤكدًا لدعوته،) وداعيًا إليها (بعد

٤٢٢
النوع الرابع في التنويه به عي في الكتب السالفة
وفاته، فتعين أن يكون المراد به محمدًاً مَّه فإنه كفؤ موسى لأنه يماثله في نصب
الدعوة، والتحدي بالمعجزة، وشرع الأحكام، وإجراء النسخ على الشرائع السالفة.
وقوله تعالى: ((اجعل كلامي في فمه)) فإنه واضح في أن المقصود به
محمد ع له لأن معناه أوحي إليه بكلامي، فينطق به على نحو ما سمعه، ولا أُنزل
صحفًا ولا ألواحًا لأنه أمي، لا يحسن أن يقرأ المكتوب.
وفي الإنجيل ــ مما ذكره ابن طغر بك في ((الدر المنتظم)) قال يوحنا في إنجيله
عن المسيح أنه قال: أنا أطلب لكم من الأب أن يعطيكم ((فار قليط)) آخر يثبت
وفاته، فتعين أن يكون المراد به محمدًاً مَّ، فإنه كفؤ موسى، لأنه يماثله في نصب الدعوة،
والتحدي بالمعجزة وشرع الأحكام،) أي: إظهارها والمجىء بها، وإن كان أصلها من اللّه،
(وإجراء النسخ على الشرائع السالفة و) منها (قوله تعالى: ((أجعل كلامي في فمه))، فإنه واضح
في أن المقصود به محمد عَليه، لأن معناه أوحي إليه بكلامي، فينطق به على نحو) زائدة
لم تقع في ابن ظفر، إنما قال على (ما سمعه، ولا أنزل عليه صحفًا ولا ألواحًا،) كما أنزلت
عليك يا موسى، (لأنه، أمي: لا يحسن أن يقرأ المكتوب) مدة حياته.
وبقية كلام ابن ظفر، وقوله: أيما رجل لم یطع من تكلم باسمي، فإني أنتقم منه، دليل
على كذب اليهود في قولهم إن اللّه أمرنا بمعصية كل نبي دعانا إلى دين يتضمن نسخًا لبعض ما
شرعه موسى، هكذا مع قطعنا أنهم يكتمون الحق وهم يعلمون، وأنهم يحرفون الكلم عن
مواضعه، فإن أهل الكتابين عرفوا محمدًا مَّه، كما عرفوا أبناءهم، وجدوه مكتوبًا عندهم في
التوراة والإنجيل، وإنما يذكر ما أظهروه، ورضوا التفسير له بما حكيناه عن تراجمهم، بلفظهم الذي
اختاروه وأثبتوه في كتبهم، ليكون ذلك أقطع لعذرهم، وأحسم لروغانهم، وقد صح أنه عَّه أتى
اليهود، فقال: أخرجوا إلى أعدمكم، فأخرجوا إليه عبد اللّه بن صوريا الأعور، فقال له عَلَّله:
أنشدك اللّه الذي أطعم أسباطكم المنّ والسلوى، وظلل عليهم الغمام، أتعلم أني رسول اللّه، فقال
ابن صوريًا: اللهم نعم، وإن القوم ليعرفون من هذا ما أعرف، وإن نعتك لبين عندهم، ولكن القوم
حسدوك لأنك عربي، قال: فأسلم، قال: إني أكره خلاف قومي، وعسى أن يسلموا فأسلم.
انتھی.
(وفي الإنجيل مما ذكره ابن طغر بك) (بضم الطاء المهملة وسكون المعجمة وضم
الراء وفتح الموحدة)، ثم كاف علم مركب من طغرو بك الإِمام، العلامة، المحدث سيف الدين
عمر بن أيوب الحميري، التركماني، الدمشقي، الحنفي (في) كتاب (الدر المنتظم) في مولد
النبي عَّة، (قال يوحنا في إنجيله:) أضافه إليه، لأن عيسى لم تظهر دعوته في عصره، وإنما

٤٢٣
النوع الرابع في التنويه به عليه في الكتب السالفة
معكم إلى الأبد، روح الحق الذي لن يطيق العالم أن يقتلوه.
وهو عند ابن ظفر بلفظ: إن أحببتموني فاحفظوا وصيتي، وأنا أطلب إلى
أبي فيعطيكم ((فار قليط)) آخر يكون معكم الدهر كله.
قال: فهذا تصريح بأن اللَّه تعالى سيبعث إليهم من يقوم مقامه، وينوب عنه في
تبليغ رسالة ربه وسياسة خلقه منا به، وتكون شريعته باقية مخلفة أبدًا، فهل هذا إلا محمد
پڼ؟ انتھی.
ولم يذكر فصول ((الفارقليط)) - كما أفاده ابن طغر بك - سوى يوحنا، دون
غيره من نقلة الإنجيل.
وقد اختلف النصارى في تفسير ((الفارقليط)).
فقيل هو: الحامد، وقيل: هو المخلص.
أخذ الإنجيل عنه أربعة من الحواريين متى ويوخنا وقيسر ولوقا، فتكلم كل واحد من هؤلاء
بعبارة لملاءمة الذين تبعوا دعاءهم، ولذا اختلفت الأناجيل الأربعة اختلافًا شديدًا، قاله في
المنتقى (عن المسيح أنه قال: أنا أطلب لكم من الأب أن يعطيكم فارقليط).
قال المصنف في المقصد الثاني: وأما البارقليط والفارقليط (بالموحدة وبالفاء بدلها وفتح
الراء والقاف وبسكون الراء مع فتح القاف) وبفتح الراء مع سكون القاف وبكسر الراء وسكون
القاف غير منصرف للعلمية والعجمة، (آخر يثبت معكم إلى الأبد:) آخر الدهر، ببقاء دينه إلى
القيامة، (روح الحق،) أضافه إليه ليميز روحه عن سائر المخلوقات بما خصه الله به من
الكمالات، (الذي لن يطيق العالم أن يقتلوه،) وإن أراد بعضهم ذلك، (وهو عند ابن ظفر) في
البشر (بلفظ)) ومما ترجموه في الإِنجيل؛ أن عيسى قال (إن أحببتموني فاحفظوا وصيتي، وأنا
أطلب إلى أبي،) أي: ربي، كما يأتي (فيعطيكم فارقليط آخر، يكون معكم الدهر كله،)
بيقاء شريعته إلى انقضاء الدهر.
(قال) ابن ظفر: (فهذا تصريح بأن اللّه سيبعث إليهم من يقوم مقامه،) أي: عيسى،
(وينوب عنه في تبليغ رسالة ربه وسياسة خلقه منا به، وتكون شريعته باقية مخلدة أبدًا) إلى
يوم القيامة، كما هو مفاد قوله الدهر كله، (فهل هذا إلا محمد عَد) صاحب النبوة الخاتمة.
(انتهى، ولم يذكر فصول،) أي: أنواع المسائل التي ذكر فيها (الفارقليط، كما أفاده ابن
طغر بك سوى يوحنا دون غيره، من نقلة الإنجيل) ومن حفظ حجة.
(وقد اختلف النصارى في تفسير الفارقليط،) قال ابن ظفر: والذي صح عندي من ذلك
عنهم؛ أنه الحكيم الذي يعرف السر، (فقيل: هو الحامد، وقيل: هو المخلص) (بشد اللام

٤٢٤
النوع الرابع في التنويه به عليه في الكتب السالفة
فإن وافقناهم على أنه المخلص أفضى بنا الأمر إلى أن المخلص رسول
يأتي لخلاص العالم، وذلك من غرضنا، لأن كل نبي مخلص لأمته من الكفر،
ويشهد له قول المسيح في الإنجيل: إني جئت لخلاص العالم، فإذا ثبت أن
المسيح هو الذي وصف نفسه بأنه مخلص العالم، وهو الذي سأل الأب أن
يعطيهم ((فارقليط)) آخر، ففي مقتضى اللفظ ما يدل على أنه قد تقدم فارقليط أول
حتى يأتي فارقليط آخر.
وإن تنزلنا معهم على القول بأنه: الحامد، فأي لفظ أقرب إلى أحمد ومحمد
من هذا؟
قال ابن ظفر: وفي الإنجيل - مما ترجموه - ما يدل على أن الفارقليط:
الرسول، فإنه قال: إن هذا الكلام الذي يسمعونه ليس هو لي، بل الأب الذي
أرسلني بهذا الكلام لكم، وأما ((البارقليط)) روح القدس الذي يرسله أبي باسمي،
فهو يعلمکم کل شیء، وهو یذ کر کم كل ما قلته لكم.
فهل بعد هذا بيان؟ أليس هذا صريحًا في أن ((الفارقليط)) رسول يرسله اللَّه
اسم فاعل)، (فإن وافقتاهم على أنه المخلص، أفضى بنا الأمر إلى أن المخلص رسول
يأتي لخلاص العالم) من الهلاك، بإخراجهم من الكفر إلى الإِيمان، (وذلك من غرضنا، لأن
كل نبي مخلص لأمته من الكفر، ويشهد له قول المسيح في الإنجيل إني جئت لخلاص
العالم، فإذا ثبت أن المسيح هو الذي وصف نفسه؛ بأنه مخلص العالم؛ وهو الذي سأل
الأب أن يعطيهم فارقليط آخر، ففي مقتضى اللفظ ما يدل على أنه قد تقدم فارقليط أول
حتى يأتي فارقليط آخر،) وهو محمد عَّة، (وإن) (بكسر فسكون شرطية) (تنزلنا معهم،)
ووافقناهم (على القول؛ بأنه الحامد،) وجواب الشرط هو: (فأي: لفظ أقرب إلى أحمد
ومحمد من هذا) الذي هو الحامد.
(قال ابن ظفر) محمد في البشر: (وفي الإِنجيل مما ترجموه ما يدل على أن
الفارقليط الرسول، فإنه قال: إن هذا الكلام الذي يسمعونه ليس هو لي، بل الأب،) أي:
الرب (الذي أرسلني بهذا الكلام لكم،) لفظ ابن ظفر: كلمكم بهذا وأنا معكم، (وأما
البارقليط روح القدس، الذي يرسله أبي باسمي، فهو يعلمكم كل شىء، وهو يذكركم)
(بالتثقيل) (كل ما قلته لكم،) لفظه جميع ما أقول لكم، فهذا يفهم منه أن الفارقليط الرسول،
(فهل بعد هذا بيان، أليس هذا صريحًا في أن الفارقليط رسول يرسله اللّه تعالى، وهو روح

٤٢٥
النوع الرابع في التنويه به عَّ في الكتب السالفة
تعالى، وهو روح القدس، وهو يصدق بالمسيح، ويظهر اسمه أنه رسول حق من
اللَّه، وليس بإله، وهو يعلم الخلق كل شىء، ويذكرهم كل ما قاله المسيح عليه
السلام، وكل ما أمرهم به من توحيد الله.
وأما قوله ((أبي) فهذه اللفظة مبدلة محرفة. وليست منكرة الاستعمال عند
أهل الكتابين، إشارة إلى الرب سبحانه وتعالى، لأنها عندهم لفظة تعظيم، يخاطب
بها المتعلم معلمه الذي يستمد منه العلم. ومن المشهور مخاطبة النصارى عظماء
دينهم بالآباء الروحانية، ولم تزل بنو إسرائيل وبنو عيصو يقولون نحن أبناء اللَّه بسوء
فهمهم عن اللَّه تعالى.
وأما قوله ((يرسله أبي باسمي)) فهو إشارة إلى شهادة المصطفى له بالصدق
والرسالة، وما تضمنه القرءان من مدحه عما افتري في أمره.
القدس وهو يصدق) بشد الدال المكسورة (بالمسيح ويظهر اسمه أنه رسول حق من الله)
وعبده (وليس بإله)، كما زعموا فضلوا، (وهو يعلم الخلق كل شىء ويذكرهم كل ما،) أي:
شىء (قاله) لهم (المسيح عليه السلام، وكل ما أمرهم به) المسيح (من توحيد الله،) بنحو
قوله: ﴿أعبدوا الله ربي وربكم إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما
للظالمين من أنصار﴾ [المائدة/٧٢]، فهل جاء بهذا إلا محمد ◌ُ
(وأما قوله أبي، فهذه اللفظة مبدلة محرفة، و)مع ذلك (ليست منكرة الاستعمال عند
أهل الكتابين،) يقولها المتكلم (إشارة إلى الرب سبحانه وتعالى، لأنها عندهم لفظة تعظيم،
يخاطب بها المتعلم معلمه الذي يستمد منه العلم،) وهو شيخه، (ومن المشهور مخاطبة
النصارى عظماء دينهم بالآباء الروحانية) (بضم الراء)، (ولم تزل بنو إسرائيل،) يعقوب (وبنو)
أخيه (عيصو) (بكسر العين المهملة وإسكان الياء ومهملة) (يقولون نحن أبناء اللّه بسوء فهمهم
عن اللّه تعالى).
زاد ابن ظفر: واختلال بصائرهم في التلقي عن أنبيائه، وقد قرأت في التوراة مما أساؤوا
الترجمة عنه، فنظر الرب وسخط حين أغضبه بنوه وبناته، وقال: سأعرض بوجهي عنهم، وأنظر
إلى ما يصير عاقبتهم، لأنهم خلف أعوج، أبناء ليس لهم إيمان.
(وأما قوله: يرسله أبي باسمي، فهو إشارة إلى شهادة المصطفى له) لعيسى،
(بالصدق والرسالة، وما تضمنه القرآن من مدحه،) وتنزيهه (عما افترى في أمره،) لفظ ابن
ظفر: عما افتراه في أمره اليهود، وعبارة المصنف أشمل.

٤٢٦
النوع الرابع في التنويه به عليه في الكتب السالفة
وفي ترجمة أخرى للإنجيل، أنه قال: ((الفارقليط)) إذا جاء وبخ العالم على
الخطيئة، ولا يقول من تلقاء نفسه، ما يسمع يكلمهم به، ويسوسهم بالحق،
ویخبرهم بالحوادث.
وهو عند ابن طغر بك بلفظ: فإذا جاء روح الحق، ليس ينطق من عنده، بل
يتكلم بكل ما يسمع من اللَّه، ويخبرهم بما يأتي، وهو يمجدني لأنه يأخذ مما هو
لي ویخبرکم.
فقوله ((ليس ينطق من عنده) وفى الرواية الأخرى: ((ولا يقول من تلقاء نفسه
بل يتكلم بكل ما يسمع)) أي: من اللَّه الذي أرسله، وهذا كما قال تعالى في
صفته علي: ﴿وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى﴾ [النجم/٣].
وقوله: ((وهو يمجدني) فلم يمجده حق تمجيده إلا محمد عَّله، لأنه وصفه
بأنه رسول اللَّه، وبرأه وبرا أمه - عليهما السلام- مما نسب إليهما، وأمر أمته بذلك.
قال ابن ظفر: فمن ذا الذي وبخ العلماء على كتمان الحق، وتحريف الكلم
(وفي ترجمة أخرى للإنجيل أنه قال: الفارقليط إذا جاء وبخ العالم على الخطيئة،
ولا يقول من تلقاء نفسه،) واستأنف قوله (ماء) أي: الذي (يسمع) من ربه بواسطة الوحي في
أغلب الأحوال هو الذي (يكلمهم به ويسوسهم،) يدبرهم ويقوم بأمرهم (بالحق، ويخبرهم
بالحوادث) والغيوب التي كانت وتكون إلى يوم القيامة، (وهو عند ابن طغر بك، بلفظ: فإذا
جاء روح الحق ليس ينطق من عنده)) بجر الظرف بمن، (بل يتكلم بكل ما يسمع،) أي:
يسمعه (من اللّه) بالوحي، (ويخبرهم بما يأتي وهو يمجدني، لأنه يأخذ مما هو لي ويخبركم،
فقوله: ليس ينطق من عنده) مبتدأ وعطف عليه قوله.
(وفي الرواية الأخرى) التي فوق هذه، (ولا يقول من تلقاء نفسه، بل يتكلم بكل ما
يسمع من اللّه الذي أرسله، وهذا كما قال تعالى) في القرآن (في صفته عُّ: ﴿وما ينطق عن
الهوى﴾،) هوى نفسه (﴿إن هو إلا وحي يوحى﴾) جملة معترضة لبيان أن ما في الإنجيل
موافق للقرآن وعطف على المبتدأ أيضًا، فقال: (وقوله وهو يمجدني،) وحذف الخبر، وهو دليل
على أن المقول فيه ذلك هو محمد عَّة، وعلل هذا الخبر المقدر، بقوله: (فلم يمجده حق
تمجيده إلا) بمعنى غير (محمد عليّ، لأنه وصفه بأنه رسول اللّه، وبرأه وبرأ أمه) مريم
(عليهما السلام مما نسب إليهما، وأمر أمته بذلك).
قال ابن ظفر:) محمد في البشر، (فمن ذا الذي وبخ العلماء على كتمان الحق

٤٢٧
النوع الرابع في التنويه به معي في الكتب السالفة
عن مواضعه، وبيع الدين بالثمن البخس، ومن ذا الذي أنذر بالحوادث وأخبر
بالغيوب إلا محمد عَّله، ولله در أبي محمد عبد اللَّه الشقراطسي حيث قال في
قصيدته المشهورة:
توراة موسى أتت عنه فصدقها إنجيل عيسى بحق غير مفتعل
أخبار أحبار تلك الكتب قد وردت عما رأوا ورووا في الأعصر الأول
ويعجبني قول العارف الرباني أبي عبد الله بن النعمان حيث قال:
هذا النبي محمد جاءت له توراة موسى للأنام تبشر
وكذاك إنجيل المسيح موافق ذكرًا لأحمد معرب ومذكر
ويرحم اللَّه ابن جابر محمدًا حيث قال:
لمبعثه في كل جيل علامة على ما جلته الكتب من أمره الجلي
فجاء به إنجيل عيسى بآخر كما قد مضت توراة موسى بأول
وتحريف الكلم عن مواضعه، وبيع الدين بالثمن البخس) من عرض الدنيا، وانتصابهم أربابًا
من دون اللّه، (ومن ذا الذي أنذر بالحوادث وأخبر بالغيوب إلا محمد عَّله،) فوقعت كما
قال، وما لم يقع لا بدّ من وقوعه، كما قال: (ولله در أبي محمد عبد اللّه الشقراطسي، حيث
قال في قصيدته) اللامية (المشهورة).
(توراة موسى أتت عنه فصدقها إنجيل عيسى بحق غير مفتعل
أخبار أحبار تلك الكتب قد وردت عما رأوا ورووا في الأعصر الأول
(ويعجبني قول العارف الرباني أبي عبد الله بن النعمان، حيث قال:
هذا النبي محمد جاءت له توراة موسى للأنام تبشر
وكذاك إنجيل المسيح موافق ذكرًا لأحمد معرب ومذكر
ویرحم الله ابن جابر محمدًا حيث قال:
على ما جلته الكتب من أمره الجلى
لمبعثه في كل جيل علامة
فجاء به إنجيل عيسى بآخر كما قد مضت توراة موسى بأول)
. والأبيات الستة غنية عن الشرح، وقد اعترض على المصنف وغيره ممن أكثر النقل عن
التوراة والإنجيل وغيرهما من الكتب المنسوخة، فالاشتغال بها ينافي الغرض من نسخها، وقد
حرم الفقهاء قراءتها والنظر فيها، وأنها محرفة مبدلة، ثم اختلفوا هل التحريف بالزيادة والنقص أو
بتأويلها وتفسيرها بغير المراد منها، وأجيب؛ أنه لا مانع من قراءتها للعارف الفطن لمعرفة

٤٢٨
النوع الرابع في التنويه به عميقة في الكتب السالفة
وفي الدلائل للبيهقي عن الحاكم - بسند لا بأس به- عن أبي أمامة الباهلي
عن هشام بن العاص الأموي قال: بعثت أنا ورجل آخر إلى هرقل صاحب الروم
ندعوه إلى الإسلام، فذكر الحديث، وأنه أرسل إليهم ليلاً، قال: فدخلنا عليه،
فدعا بشىء كهيئة الربعة العظيمة مذهبة فيها بيوت صغار عليها أبواب، ففتح
واستخرج حريرة سوداء، فنشرها فإذا فيها صورة حمراء، وإذا رجل ضخم العينين
عظيم الأليتين، لم أر مثل طول عنقه، وإذا له ضغيرتان أحسن ما خلق اللّه تعالى،
قال: أتعرفون هذا؟ قلنا: لا، قال: هذا آدم عليه السلام، ثم فتح بابًا آخر فاستخرج
حريرة سوداء، وإذا فيها صورة بيضاء، فإذا رجل أحمر العينين ضخم الهامة حسن
اللحية، فقال: أتعرفون هذا؟ قلنا: لا، قال: هذا نوح عليه السلام، ثم فتح بابًا آخر
النبي ◌َُّ فيها، ولا لزامهم بما أنكروه وكيف يحرم لمثل هذا.
وقد قال تعالى: ﴿قل فأتوا بالتوراة فآتلوها﴾ [المائدة/٤٣] ، ووقع في أحاديث النقل عنها
وقال التجاني في شرح الشفاء: إذا وجد فيها ما يقوم النظر على عدم تبديله، وأفاد النظر فيه
مقصدًا شرعيًا، فلا يبعد أن يباح النظر فيه والاشتغال به.
(وفي الدلائل للبيهقي عن) شيخه (الحاكم) أبي عبد اللّه، المشهور (بسند لا بأس به
عن أبي أمامة الباهلي،) صدى بالتصغير ابن عجلان، الصحابي، المشهور، سكن الشام ومات
بها سنة ست وثمانين، (عن هشام بن العاصي الأموي) (بضم الهمزة) نسبة إلى أمية على
القياس، وبفتحها على خلافه، وهو الأشهر عندهم، تقدم مرارًا، (قال: بعثت أنا ورجل آخر) من
قريش، كما في نفس رواية البيهقي، أي: في زمن الصديق (إلى هرقل) (بكسر الهاء وإسكان
الراء وفتح القاف) على المشهور (صاحب الروم ندعوه إلى الإسلام، فذكر الحديث) وهو
فنزلنا على جبلة فدعوناه إلى الإِسلام فإذا عليه ثياب سود، فسألناه عن ذلك، قال: حلفت أن
لا أنزعها حتى أخرجكم من الشام، فقلنا له: والله لنأخذن مجلسك هذا، ولنأخذن ملك الملك
الاعظم، أخبرنا بهذا نبينا، قال: لستم بهم، ثم ذكر قصة دخولهم على هرقل، (وأنه أرسل إليهم
ليلاً،) واستخلى بهم، (قال: فدخلنا عليه، فدعا بشىء كهيئة الربعة العظيمة مذهبة، فيها
بيوت صغار، عليها أبواب، ففتح واستخرج،) أي: أخرج (حريرة سوداء، فنشرها، فإذا فيها
صورة حمراء، وإذا رجل،) أي: وإذا تلك الصورة صورة رجل، (ضخم العينين، عظيم الأليتين،
لم أز مثل طول عنقه، وإذا له صغيرتان:) (بالضاد المعجمة) خصلتان من الشعر، (أحسن ما
خلق اللّه تعالى، قال: أتعرفون هذا؟، قلنا: لا، قال: هذا آدم عليه السلام، ثم فتح بابًا آخر،

٤٢٩
النوع الرابع في التنويه به عٍَّ في الكتب السالفة
وأخرج حريرة فإذا فيها صورة بيضاء، وإذا فيها - واللَّه - رسول اللَّه مَّ لّه، فقال:
أتعرفون هذا؟ قلنا: نعم، محمد رسول اللَّه ونبينا، واللَّه إنه قام قائمًا ثم جلس
وقال: إنه لهو؟ قلنا: نعم إنه لهو كأنك تنظر إليه، فأمسك ساعة ينظر إليها، ثم
قال: أما والله إنه لآخر البيوت، ولكن عجلته لكم لأنظر ما عندكم. الحديث،
وفيه ذكر صور الأنبياء: إبراهيم وموسى وعيسى وسليمن وغيرهم. قال: فقلنا له: من
أين لك هذه الصور؟ فقال: إن آدم سأل ربه أن يريه الأنبياء من ولده فأنزل عليه
صورهم، فكان في خزانة آدم عند مغرب الشمس، فاستخرجها ذو القرنين من
مغرب الشمس فدفعها إلی دانیال.
فاستخرج حريرة سوداء، وإذا فيها صورة بيضاء، فإذا رجل أحمر العينين، ضخم الهامة،)
عظيم الرأس، (حسن اللحية، فقال: أتعرفون هذا؟، قلنا: لا، قال: هذا نوح عليه السلام، ثم
فتح بابًا آخر وأخرج حريرة، فإذا فيها صورة بيضاء، وإذا فيها واللّه رسول اللّه علّه، فقال:
أتعرفون هذا؟،) أسقط من رواية البيهقي، فبكينا و(قلنا: نعم. محمد رسول اللّه ونبينا، والله
إنه،) أي: هرقل (قام قائمًا، ثم جلس) تعظيمًا لصورته، (وقال: إنه لهو، قلنا نعم، إنه لهو، كأنك
تنظر إليه، فأمسك ساعة:) مدة من الزمن (ينظر إليها، ثم قال: أما) بالفتح والتخفيف، (واللّه
إنه لآخر البيوت، ولكن عجلته لكم، لأنظر ما عندكم) من العلم بنبيكم (الحديث، وفيه ذكر
صور الأنبياء إبراهيم وموسى وعيسى وسليمن وغيرهم).
(قال: فقلنا له: من أين لك هذه الصور؟، فقال: إن آدم، سأل ربه أن يريه الأنبياء من
ولده، فأنزل عليه صورهم،) إجابة لسؤاله، (فكان في خزانة آدم،) أي: ذلك المنزل من
صورهم مع صورة آدم (عند مغرب الشمس، فاستخرجها ذو القرنين من مغرب الشمس،
فدفعها إلى دانيال) النبي عليه السلام، ثم تنقلت إلى أن وصلت إلى هرقل.
وفي بقية خبر البيهقي: ثم قال هرقل: لو طابت نفسي بالخروج من ملكي لوددت أني
كنت عبدًا لأميركم حتى أموت، قال: فلما رجعنا حدثنا أبا بكر، فبكى، ثم قال: لو أراد الله به
خيرًا لفعل، ثم قال: أخبرنا رسول اللّه عَهُ أنهم واليهود يعرفون نعت رسول الله
قال في الإِصابة: وقد تقدم في ترجمة عدي بن كعب نحو هذه القصة، لكن فيها أنه
هشام بن العاصي السهمي، فالله أعلم، وقال فيما تقدم: لا أعرف نسب عدي بن کعب، روی
المعافى في الجليس عن عبادة بن الصامت، قال: بعثني أبو بكر ومعي عمرو بن العاصي وأخوه
هشام بن العاصي وعدي بن كعب ونعيم بن عبد الله إلى ملك الروم، فدخلنا على جبلة، فذكر
قصة طويلة نحو ورقتين، وإسناده ضعيف.

٤٣٠
النوع الرابع في التنويه به عَّ في الكتب السالفة
وفي زبور داود عليه السلام، من مزمور أربعة وأربعين: فاضت النغمة من
شفتيك، من أجل هذا باركك اللَّه إلى الأبد، تقلد أيها الجبار سيفك، فإن شرائعك
وسنتك مقرونة بهيبة يمينك، وسهامك مسنونة، وجميع الأمم يخرون تحتك.
فهذا المزمور ينوه بمحمد علّ له، فالنعمة التي فاضت من شفتيه هي القول
الذي يقوله، وهو الكتاب الذي أنزل عليه والسنة التي سنها.
وفي قوله: ((تقلد سيفك أيها الجبار)) دلالة على أنه النبي العربي، إذ ليس
يتقلد السيف أمة من الأمم إلا العرب، وكلهم يتقلدونها على عواتقهم.
وقد أخرجها البيهقي عن هشام بن العاصي الأموي، (وفي زبور داود عليه السلام من
مزمور:) مفرد مزامير، كمزمار (أربعة وأربعين،) أي: المتمم لها، وهي ما كان يتغنى به من الزبور
وضروب الدعاء، (فاضت النغمة من شفتيك، من أجل هذا باركك،) أي: جعلك (اللّه) مباركًا،
وفي ابن ظفر، عن الزبور مخاطبًا المصطفى لتنزيله منزلة الموجود، لتحققه عنده: فاضت الرحمة
على شفتيك من أجل ذلك أبارك عليك (إلى الأبد تقلد) أمر (أيها الجبار) من أسمائه !
لجبره الخلق على الحق وصرفهم عن الكفر، أو لإصلاحه أمته بالهداية والتعليم، أو لقهر أعدائه،
أو لعلو منزلته على الخلق وعظيم خطره، ونفى تعالى عنه جبرية التكبر، فقال: وما أنت عليهم
بجبار (سيفك،) أي: إجعل حمائله على عاتقك، واجعله كالقلادة، وفيه إشارة إلى أنه سيؤمر
بالجهاد، (فإن شرائعك:) جمع شريعة (وستّتك).
كذا في النسخ، والذي قدمه المصنف في الأسماء، ومثله في الشفاء، وابن ظفر وابن
دحية؛ فإن ناموسك وشرائعك، والمراد بالناموس الوحي النازل عليك، ويحتمل أن شرائع عطف
تفسير، ولذا وحد الخبر في قوله: (مقرونة بهيبة يمينك،) أي: بالخوف من سيفك، فكنى عنه
بذلك، أو تجوز باليمين عما فيه، (وسهامك مسنونة، وجميع الأمم يخرون تحتك،) بالمعجمة
من الخرور، وهو السقوط، أي: يخضعون ويذلون لك، (فهذا المزمور ينوه:) يرفع
(بمحمد
الله، فالنعمة التي فاضت من شفتيه هي القول الذي يقوله، وهو الكتاب الذي أنزل
عليه،) أي: القرآن (والسنّة التي سنها،) إذ لا ينطق عن الهوى.
(وفي قوله: تقلد سيفك أيها الجبار دلالة على أنه النبي العربي، إذ ليس يتقلد
السيف أمة من الأمم إلا العرب، وكلهم يتقلدونها على عوائقهم،) بخلاف غيرهم، فيجعلونها
في أوساطهم.

٤٣١
النوع الرابع في التنويه به عَّه في الكتب السالفة
وفي قوله ((فإن شرائعك وسنتك)) نص صريح على أنه صاحب شريعة وسنة،
وأنها تقوم بسيفه.
و ((الجبار)) الذي يجبر الخلق بالسيف على الحق ويصرفهم عن الكفر جبرًا.
وعن وهب بن منبه قال: قرأت في بعض الكتب القديمة، قال اللَّه تبارك
وتعالى: وعزتي وجلالي، لأنزلنَّ على جبال العرب نورًا يملأ ما بين المشرق
والمغرب، ولأخرجن من ولد إسماعيل نبيًا عربيًا أميّا يؤمن به عدد نجوم السماء
ونبات الأرض، كلهم يؤمن بي ربًا، وبه رسولاً، ويكفرون بملل آبائهم ويفرون منها،
قال موسى: سبحانك وتقدمت أسماؤك، ولقد كرمت هذا النبي وشرفته، قال اللَّه:
يا موسى، إني أنتقم من عدوه في الدنيا والآخرة، وأظهر دعوته على كل دعوة،
وأذل من خالف شريعته، وبالعدل زينته، وللقسط أخرجته، وعزتي لأستنقذن به أممًا
(وفي قوله: فإن شرائعك وستّتك نص صريح على أنه صاحب شريعة وسنّة، وأنها
تقوم بسيفه) قهرًا على من خالف، (والجبار الذي يجبر الخلق، بالسيف على الحق) وهو
التوحيد، (ويصرفهم عن الكفر،) وهو ما خالف الإيمان والتوحيد، (جبرًا) عليهم، كما قال: أمرت
أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، (وعن وهب بن منبه) (بضم الميم وفتح النون وكسر
الموحدة الثقيلة)، ابن كامل اليماني، أبي عبد الله الأبناري (بفتح الهمزة وسكون الباء بعدها
نون)، تابعي، ثقة، رواه له الشيخان وغيرهما، مات سنة بضع عشرة ومائة، (قال: قرأت في
بعض الكتب القديمة، قال الله تبارك وتعالى: وعزتي وجلالي لأنزلن على جبال العرب.)
أهل مكة وما حولها (نورًا يملأً ما بين المشرق والمغرب، ولأُخرجن من ولد إسماعيل) بن
إبراهيم (نبيًا) رسولاً، (عربيًا أميّاء) لا يقرأ ولا يكتب، (يؤمن به عدد نجوم السماء ونبات
الأرض، كلهم يؤمن بي ربًا وبه رسولاً، ويكفرون بملل) (بلامين: جمع ملة) (آبائهم، ويفرون
منها) من الفرار، أي: يهربون.
(قال موسى) بن عمران عليه السلام: (سبحانك،) تنزيهًا لك عما لا يليق بك، (وتقدمت
أسماؤك، ولقد كرمت:) فضلت (هذا النبي وشرفته) على من سواه، (قال اللّه: يا موسى إني
أنتقم من عدوه:) الكفار (في الدنيا،) بالقتل والأسر، والإِجلاء والقحط، والسنين وغير ذلك،
(و) في (الآخرة) بالعذاب المخلد، (وأظهر دعوته على كل دعوة،) وسلطانه ومن اتبعه على
البر والبحر، وأخرج لهم من كنوز الأرض، هذا تركه المصنف من البشر قبل قوله: (وأذل من
خالف شريعته،) ولو كان له سلطان، فهو أبدًا ذليل، خائف من سطوة الإِسلام وعزه، (وبالعدل:)
الإنصاف (زينته وللقسط)) أي: العدل (أخرجته))) فلا يحكم ولا يأمر إلاّ به، (وعزتي لأَستنقذن

٤٣٢
النوع الخامس في آيات تتضمن اقسامه تعالى على تحقيق رسالته
من النار، فتحت الدنيا بإبراهيم وأختمتها بمحمد، فمن أدركه ولم يؤمن به ولم
يدخل في شريعته فهو من اللَّه بريء. ذكره ابن ظفر وغيره.
النوع الخامس
في آيات تتضمن اقسامه تعالى على تحقيق رسالته
وثبوت ما أوحى إليه من آياته
وعلو رتبته الرفيعة ومكانته
وهذا النوع - أعزك الله - لخصت أكثره من كتاب أقسام القرءان للإمام العلامة ابن
به أممًا من النار، فتحت الدنيا بإبراهيم، وختمتها بمحمد،) مثل كتابه الذي يجيء به، فاعقلوه
يا بني إسرائيل، كمثل السقاء المملوء لبنًا، يمخفض فيخرج زبدًا، بكتابه أختم الكتب، وبشريعته
أختم الشرائع، هذا أسقطه المصنف من كتاب البشر قبل قوله: (فمن أدركه ولم يؤمن:) يصدق
(به) باطنًا، (ولم يدخل في شريعته) ظاهرًا، (فهو من اللّه بريء) ..
(ذكره ابن ظفر) في البشر (وغيره،) وبقيته: أجعل أمته يبنون في مشارق الأرض ومغاربها
مساجد، إذا ذكر اسمي فيها ذكر اسم ذلك النبي معي، لا يزول ذكره من الدنيا حتى تزول.
(النوع الخامس:
في آيات تتضمن اقسامه تعالى على تحقيق رسالته:) ثبوتها (وثبوت ما أوحى إليه،)
مستفاد من سابقه، لأنه متى تحققت رسالته قطع بصدقه في كل ما يقول، وقد أخبر؛ بأن
القرآن من اللّه، فيكون حقًّا، لكنه أراد التنبيه على أنه أقسم عليه بخصوصه اعتناء بشأنه،
وسئل ما معنى القسم منه سبحانه مع أن القصد به تحقيق الخبر وتوكيده، فإن كان لأجل
المؤمن، فهو مصدق بمجرد الأخبار بلا قسم، وإن كان للكافر، فلا يفيد فيه، وأجيب بأن
القرآن نزل بلغة العرب، ومن عادتها القسم إذا أرادت توكيد أمر، وأجاب القشيري؛ بأن الله
أقسم لكمال الحجة وتوكيدها، لأن الحاكم يفصل إما بالشهادة وإما بالقسم، فذكر الله
تعالى في كتابه النوعين حتى لا يبقى لهم حجة، فقال: ﴿شهد اللّه .. ﴾، وقال: قل أي:
وربي إنه لحق، (من آياته) القرآن، وهو الظاهر من استدلاله عليه، بقوله الآتي: إنه لقرآن كريم
ويحتمل ما هو أعم، ودليله ﴿والنجم﴾ إلى قوله: ﴿إن هو إلا وحي﴾، (وعلو،) أي: ارتفاع
(رتبته:) منزلته (الرفيعة:) العلية الشريفة، فهو من الوصف بالمساوي حسنه اختلاف اللفظ، وهو
سائغ شائع، كقوله تعالى: ﴿صلوات من ربهم ورحمة﴾) [البقرة/١٥٧]، (ومكانته)) أي: مرتبته
المعنوية، وهي الرفعة فهو عطف تفسير والمكان معروف إذ زيدت فيه الهاء أريد به المرتبة
المعنوية كالمنزل والمنزلة، (وهذا النوع أعزك اللّه) جملة معترضة دعائية، (لخصت أكثره من

٤٣٣١
النوع الخامس في آيات تتضمن اقسامه تعالى على تحقيق رسالته
القيم، مع زيادات من فرائد الفوائد.
فاعلم أن اللَّه تعالى أقسم بأمور على أمور، وإنما أقسم بنفسه الموصوفة
بصفاته، وبآياته المستلزمة لذاته وصفاته، وأقسامه ببعض مخلوقاته دليل على أنه من
عظيم آياته.
ثم تعالى تارة يذكر جواب القسم وهو الغالب وتارة يحذفه. وتارة يقسم
على أن القرءان حق. وتارة على أن الرسول حق. وتارة على أن الجزاء والوعد
كتاب أقسام القرآن للإِمام العلامة ابن القيم) محمد بن أبي بكر، (مع زيادات من فرائد،)
أي: نفائس (الفوائد) وغرائبها، وهي الجواهر النفيسة، فهي من إضافة الصفة للموصوف، أي:
الفوائد النفيسة، كالجواهر أو حقيقية.
وإذا أردت ذلك، (فاعلم أن اللّه تعالى أقسم بأمور على أمور، وإنما أقسم بنفسه،) أي:
بالألفاظ الدالة على ذاته، (الموصوفة بصفاته،) وذلك في سبعة مواضع من القرآن ﴿قل إي
وربي إنه لحق﴾ [يونس/٥٣]، وقوله: ﴿قل بلى وربي﴾ [التغابن/٧]، ﴿فوربك لنحشرنهم﴾
[مريم/٦٨]، ﴿فوربك لنسألنهم﴾ [الحجر/٩٢]، ﴿فلا وربك لا يؤمنون﴾ [النساء/٦٥]،﴿فورب
السماء والأرض إنه لحق﴾ [الذاريات/٢٣]، ﴿فلا أقسم برب المشارق والمغارب﴾ [المعارج/
٤٠] .
والباقي كله أقسم بمخلوقاته، كما قال: (و) أقسم (بآياته المستلزمة لذاته وصفاته) لدلالة،
إلا آيات على الصانع، وأورد: كيف أقسم بالخلق وقد ورد النهي عن القسم بغير اللّه أجيب؛ بأن
المراد بنحو، قوله: والقلم ورب القلم.
وكذا الباقي، وبأن العرب كانت تعظم هذه الأشياء، أو تقسم بها، فنزل القرآن على ما
تعرفه، وبأن الأقسام إنما يكون بما يعظمه المقسم ويجله، وهو فوقه والله تعالى ليس فوقه شىء،
فأقسم تارة بنفسه وتارة بمصنوعاته، لأنها تدل على بارىء وصانع، (وأقسامه ببعض مخلوقاته
دليل على أنه،) أي: ذلك البعض (من عظيم آياته) من إضافة الصفة للموصوف.
قال ابن القيم: والقسم إما على جملة خبرية، وهو الغالب، كقوله: ﴿فورب السماء
والأرض إنه لحق﴾،) وأما على جملة طلبية، كقوله: ﴿فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا
يعملون﴾، مع أن هذا القسم قد يراد به تحقيق المقسم عليه، فيكون من باب الخبر، وقد يراد به
تحقيق المقسم به والمقسم عليه، ويراد بالمقسم توكيده وتحقيقه، (ثم تعالى تارة يذكر
جواب القسم، وهو الغالب، وتارة يحذفه، وتارة يقسم على أن القرآن حق، وتارة على أن
الرسول حق، وتارة على أن الجزاء والوعد) بالخير، (والوعيد) بالشر (حق).

٤٣٤
النوع الخامس في آيات تتضمن اقسامه تعالى على تحقيق رسالته
والوعيد حق.
فالأول: كقوله تعالى: ﴿فلا أقسم بمواقع النجوم، وإنه لقسم لو تعلمون
عظيم، إنه القرءان كريم في كتاب مكنون، لا يمسه إلا المطهرون﴾ [الواقعة/٧٥/
٧٩].
والثاني: كقوله تعالى: ﴿يس والقرءان الحكيم إنك لمن المرسلين على
صراطٍ مستقيم﴾ [يس/١ - ٣].
والثالث: كقوله: ﴿والذاريات ذروا﴾ [الذاريات/١٠]، إلى قوله: ﴿وإن
الدين لواقع﴾.
وهذه الأمور الثلاثة متلازمة، فمتى ثبت أن الرسول حق، ثبت أن القرءان
حق، وثبت المعاد، ومتى ثبت أن القرءان حق ثبت صدق الرسول الذي جاء به،
ومتى ثبت أن الوعد والوعيد حق ثبت صدق الرسول الذي جاء به.
(فالأول،) وهو أن القرآن حق، (كقوله تعالى: ﴿فلا أقسم﴾) بزيادة لا (﴿بمواقع
النجوم﴾،) بمساقطها لغروبها، (﴿وإنه﴾،) أي: القسم بها (﴿لقسم لو تعلمون عظيم﴾،) أي:
لو كنتم من ذوي العلم لعلمتم عظم هذا القسم، (﴿إنه﴾،) أي: المتلو عليكم (﴿لقرآن كريم﴾،)
النفع، لاشتماله على أصول العلوم المهمة في إصلاح المعاش والمعاد، أو حسن مرضى في
جنسه (﴿في كتاب﴾) مكتوب (﴿مكنون﴾) مصون، وهو المصحف، (﴿لا يمسه﴾) خبر بمعنى
النهي (﴿إِلا المطهرون﴾﴾ [الواقعة/٧٥]، أي: الذين طهروا أنفسهم من الأحداث، ويأتي بسط هذا.
(والثاني، كقوله تعالى: ﴿يس والقرآن الحكيم﴾) المحكم بعجيب النظم وبديع
المعاني (﴿إنك لمن المرسلين على صراط مستقيم)) [يس/١]، أي: طريق الأنبياء قبلك
التوحيد والهدى، والتأكيد بالقسم وغيره رد لقول الكفار لست مرسلاً.
(والثالث، كقوله: ﴿والذاريات﴾) الرياح تذر والتراب وغيره (﴿ذروا﴾ [الذاريات/١]
الآية، إلى قوله: ﴿وإن الدين﴾) الجزاء بعد الحساب (﴿لواقع﴾) [الذاريات/٦] الآية، لا محالة،
(وهذه الأمور الثلاثة) القرآن والرسول والمعاد، المعبر عنه أولاً بالجزاء والوعد والوعيد (متلازمة،
فمتى ثبت أن الرسول حق ثبت أن القرآن حق،) لأن الرسول أخبر بأنه من عند الله، ومحال
على الرسول الكذب، (وثبت المعاد:) الرجوع يوم القيامة الذي أخبر به، (ومتى ثبت أن القرآن
حق ثبت صدق الرسول الذي جاء به، ومتى ثبت أن الوعد والوعيد حق، ثبت صدق الرسول
الذي جاء به،) لاستحالة خلاف صدقه مع حقيتهما، (وفي هذا النوع خمسة فصول:

٤٣٥
الفصل الأول في قسمه تعالى على ما خصه به من الخلق العظيم
وفي هذا النوع خمسة فصول.
الفصل الأول
في قسمه تعالى على ما خصه به
من الخلق العظيم وحباه من الفضل العميم
قال اللَّه تعالى: ﴿ن والقلم وما يسطرون * ما أنت بنعمة ربك بمجنون *
وإن لك لأجرًا غير ممنون * وإنك لعلى خلق عظيم﴾ [القلم/ ١- ٤].
﴿ن﴾ من أسماء الحروف ك﴿الم﴾ و﴿المص﴾ و﴿ق﴾.
واختلف فيها، فقيل هي أسماء للقرءان، وقيل: أسماء للسور.
وقيل: أسماء للَّه، ويدل عليه أن عليا رضي اللَّه عنه كان يقول:
(الفصل الأول)
في قسمه تعالى على ما خصه به من الخلق العظيم وحباه،) بموحدة أعطاه بلا أجر،
فلم يحتج إلى أن يقول به، ولا إلى تبيينه، وأما قوله: (من الفضل العميم،) فبيان لما المستفادة
من العطف، (قال اللّه تعالى: ﴿ن والقلم وما يسطرون﴾).
قال ابن عطية: معناه يكتبون سطورًا، فإن أراد الملائكة، فهو كتب الأعمال وما يوزن به،
وإن أراد بني آدم، فهي الكتب المنزلة والعلوم وما جرى مجراها، (﴿ما أنت بنعمة ربك
بمجنون﴾،) أي: انتفى الجنون عنك بسبب إنعام ربك عليك بالنبوة وغيرها، وهذا رد لقولهم:
إنه مجنون، (﴿وإن لك لأجرًا﴾) ثوابًا (﴿غير ممنون﴾) منقطع، (﴿وإنك لعلى خلق عظيم﴾)
[القلم/١] الآية، أتى بعلى إشارة لاستعلائه عليه، لكونه مجبولاً عليه بغير تكلف، (﴿ن﴾ من
أسماء الحروف كوالم﴾ و﴿المص﴾ و﴿ق﴾، واختلف فيها، فقيل هي أسماء للقرآن) قاله
مجاهد: رواه ابن جرير وقتادة، ورواه عبد بن حميد، أي: أن فاتحة كل سورة ابتدأت بنحو هذه
الأحرف اسم للقرآن بتمامه ولذا أخبر عنها بالكتاب في قوله: المر، كتاب أنزلناه، والقرآن في
قوله: ﴿آلر، تلك آيات الكتاب وقرءان مبين﴾ [الحجر/١].
(وقيل أسماء للسور،) وهو قول أكثر المتكلمين، واختيار الخليل وسيبويه، قاله الإِمام
الرازي، وقد نقض هذا القول بأمور أحسنها أن أسماء السور توقيفية، ولم يرد مرفوعًا ولا موقوفًا
عن أحد من الصحابة، ولا التابعين أن هذه أسماء للسور، فوجب إلغاء هذا القول ونقضه الرازي؛
بأنها لو كانت أسماء لها لوجب اشتهارها بها، وقد اشتهرت بغيرها، كسورة البقرة وآل عمران،
(وقیل أسماء لله،) قاله ابن عباس.

٤٣٦
الفصل الأول في قسمه تعالى على ما خصه به من الخلق العظيم
يا ﴿كهيعص﴾ [مريم/١]، يا ﴿حم عسق﴾ [الشورى/١، ٢]، کما قيل، ولعله أراد يا
منزلهما.
وقيل: إنه سر استأثر اللَّه بعلمه، وقد روي عن الخلفاء الأربعة وغيرهم من
الصحابة ما يقرب منه، ولعلهم أرادوا أنها أسرار بين اللَّه ورسوله، لم يقصد بها
إفهام غيره، إذ يبعد الخطاب من اللَّه بما لا يفيد.
أخرجه ابن المنذر وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي، بإسناد صحيح، (ويدل
عليه؛ أن عليا رضي الله عنه كان يقول: يا ﴿كهيعص﴾ يا ﴿حم عسق﴾).
أخرجه ابن ماجه في تفسيره عن فاطمة بنت علي بن أبي طالب إنها سمعته يقول: يا
كهيعص إغفر لي، (كما قيل:) إن قول على ذلك يدل على أنها أسماء اللّه، (ولعله أراد يا
منزلهما،) كما قال البيضاوي، فلا يدل على ذلك، قال السيوطي: يرده ما أخرجه ابن أبي حاتم
عن الربيع بن أنس في قوله: (﴿كهيعص﴾)؛ أن معناه يا من يجير ولا يجار عليه، ومثله ما أخرجه عن
أشهب، قال: سألت مالكًا أينبغي لأحد أن يسمى بيس، قال: لا، يقول الله: (﴿يس والقرءان
الحكيم﴾،) يقول هذا اسمي تسميت به.
وكذا حديث: إن أتيتم الليلة، فقولوا: حم ولا ينصرون، (وقيل: إنه سره) أي: أمر خفي
(استأثر اللّه بعلمه).
أخرجه أبو الشيخ وابن المنذر عن داود بن أبي هند، قال: كنت أسأل الشعبي عن فواتح
السور، فقال: يا داود إن لكل كتاب سرًّا، وإن سر هذا القرآن فواتحه، فدعها وسل عما بدا لك.
(وقد روي عن الخلفاء الأربعة وغيرهم من الصحابة،) فحكاه الثعلبي وغيره عن أبي
بكر وعلي وكثير، وحكاه السمرقندي عن عمر وعثمن وابن مسعود، ونقله الرازي عن ابن عباس
(ما يقرب منه).
وحكاه القرطبي عن الثوري والربيع بن خيثمة وابن الأنباري وأبي حاتم وجماعة من
المحدثين، وأختاره ومال إليه الرازي، (ولعلهم أرادوا أنها أسرار بين اللّه ورسوله لم يقصد بها
إفهام غيره،) لا أنه أمر انفرد بعلمه تعالى، كما قد يقتضيه لفظ استأثر، (إذ يبعد الخطاب من
الله) لرسوله (بما لا يفيد) وهذه عبارة البيضاوي في أول البقرة وما ترجاه، جزم به العلم
السخاوي، فقال: المروي عن الصدر الأول في التهجي أنها أسرار بين اللّه وبين نبيه صلوات الله
عليه، وقد يجري بين المحترمين كلمات معميات، تشير إلى سر بينهما، وتفيد تحريض
الحاضرين على استماع ما بعد ذلك، وهذا معنى على قول السلف: حروف التهجي ابتلاء
لتصديق المؤمنين وتكذيب الكافرين، هذا وهي أعلام توقظ من رقدة الغفلة بنصح التعليم، وتنشط

٤٣٧
الفصل الأول في قسمه تعالى على ما خصه به من الخلق العظيم
وهل المراد بقوله هنا: ﴿ن﴾ اسم الحوت، وهل المراد به الجنس أو
اليهموت وهو الذي عليه الأرض.
وقيل: المراد به الدواة وهو مروي عن ابن عباس، ويكون هذا قسمًا بالدواة
والقلم، فإن المنفعة بهما بسبب الكتابة عظيمة، فإن التفاهم تارة يحصل بالنطق
وتارة بالكتابة.
قيل: إن ((نون)) لوح من نور تكتب فيه الملائكة ما يأمرهم به اللَّه. رواه
معوية بن قرة مرفوعًا.
في إلقاء السمع على شهود القلب للتعظيم. انتهى.
(وهل المراد بقوله هنا (﴿ن﴾ اسم الحوت) أو غيره فيه خلاف، فحذف عديل هل
لعلمه من قوله الآتي، وقيل: المراد الدواة، (و) على القول بأنه الحوت (هل المراد به
الجنس،) يعني، أي: حوت كان (أو اليهموت، وهو الذي عليه الأرض،) وبهذا علم سقوط
دعوى زيادة هل الثانية.
(وقيل/ المراد به الدواة،) علله البيضاوي؛ بأن بعض الحيتان يستخرج منه شىء أشد
سوادًا من الحبر يكتب به، (وهو مروي عن ابن عباس) وقتادة والضحاك.
قال ابن عطية: فهذا إما أن يكون لغة لبعض العرب أو تكون لفظة أعجمية عربت، وقال
الشاعر:
إذا ما الشوق برح بي إليهم ألقت النون بالدمع السجوم
فمن قال إنه اسم الحوت جعل القلم الذي خلقه اللّه وأمره بكتب الكائنات، وجعل ضمير
يسطرون للملائكة، ومن قال اسم للدواة جعل القلم هذا المتعارف بين الناس، ونصر ذلك ابن
عباس، وجعل الضمير في يسطرون للناس، (ويكون هذا قسمًا بالدواة والقلم) الذي یکتب به،
(فإن المنفعة بهما بسبب الكتابة عظيمة، فإن التفاهم تارة يحصل بالنطق، وتارة بالكتابة،) وفي
ابن عطية، فجاء القسم على هذا بمجموع أمر الكتاب الذي هو قوام للعلوم والمعارف وأمور
الدنيا والآخرة، فإن القلم أخو اللسان وفطنة الفطنة ونعمة من اللّه عامة. انتهى.
(قيل: إن نون،) بالفتح بلا تنوين اسم أن، أو بالسكون على الحكاية، وقرىء ن بالفتح
والكسر، كص (لوح من نور تكتب فيه الملائكة ما يأمرهم به اللّه، رواه مغوية بن قرة) (بضم
القاف وشد الراء) ابن إياس بن هلال المزني أبو إياس البصري، التابعي، الثقة، من رجال الجميع،
مات سنة ثلاث عشرة ومائة، وهو ابن ست وسبعين سنة، (مرفوعًا،) مرسلاً، (وعلى المروي عن

٤٣٨
الفصل الأول فى قسمه تعالى على ما خصه به من الخلق العظيم
وأقسم اللَّه تعالى بالكتاب وآلته هو القلم الذي هو إحد آياته وأول مخلوقاته
الذي جرى به قدره وشرعه، وكتب به الوحي، وقيد به الدين، وأثبت، به الشريعة،
وحفظت به العلوم، وقامت به بمصالح العباد في المعاش والمعاد، وأقام به في الناس
أبلغ خطيب وأفصحه وأنفعه لهم وأنصحه، وواعظًا تشفي مواعظه القلوب من
السقم، وطبيبًا يبرىء بإذن باريه من أنواع الألم على تنزيه نبيه ورسوله محمد
المحمود في كل أقواله وأفعاله مما عمصته أعداؤه الكفرة به، وتكذيبهم له بقوله
ابن عباس؛ أن المراد به الدواة، فقد (أقسم تعالى بالكتاب،) أي: بمجموع أمر الكتاب، كما مر
عن ابن عطية، وهو الدواة (وآلته،) أي: الكتاب بمعنى المكتوب (هو القلم،) وأبعد من قال،
أي: في قوله: ﴿حم والكتاب المبين﴾ [الزخرف/١]، وفي قوله: ﴿يس والقرءان الحكيم﴾، لأن
بقية السياق ترده، وأقواه قوله على تنزيه نبيه بقوله: ما أنت (الذي هو أحد آياته)،) هذا لا يظهر
على قوله السابق بالدواة والقلم ... الخ.
نعم هو ظاهر على أنه الذي خط في اللوح، لكن قد علمت أن ابن عطية إنما فرعه على
أن ن اسم للحوت، وإن من قال: اسم للدواة جعل القلم هذا المتعارف، (وأول مخلوقاته) في
أحد القولين، والأصح أن للعرش خلق قبله، كما مر، (الذي جرى به قدره وشرعه وكتب به
الوحي،) أي: بالقلم لا بالمعنى السابق الذي كتب به الوحي بين يدي النبي عَّلٌ، ففيه
استخدام، ويحتمل رجوعه إليه بالمعنى الأول على ضرب من المجاز، بأن يراد بالوحي الموحى،
أي: کتب به الموحى، ويؤيد الاستخدام قوله، (وقيد به الدين،) أي: حفظه بكتابة ما يدل عليه،
(وأثبت به الشريعة، وحفظت به العلوم، وقامت به مصالح العباد في المعاش) والمعاد، فإن
هذه كلها صفات للقلم الذي يخط به الناس، لا سيما قوله، (وأقام به في الناس أبلغ خطيب)
بكتابه ما حصل للخطيب به الرفعة على غيره، واتصافه بقوله، (وأفصحه وأنفعه لهم، وأنصحه
وواعظًا، تشفى مواعظه القلوب من السقم)، وبالجملة فقد لفق المصنف بين القولين في القلم،
(وطبيبًا يبرىء) بضم التحتية وبالهمز من أبرىء اللَّه من المرض (بإذن باريه)، أي: الذي يبري القلم
للكتابة به، والياء أصلية أو منقلبة عن واو، لأن في المصباح بريت القلم بريًا من باب رمي، فهو
مبري، وبروته لغة (من أنواع الألم،) أي: المرض، وذكر صلة قوله: وأقسم (على تنزيه نبيه
ورسوله محمد المحمود،) الممدوح (في كل أقواله وأفعاله،) وهو من أسمائه عَ لِّ (مما
عمصته) (بفتح العين المعجمة وكسر الميم وفتحها وفتح الصاد مهملة ومعجمة): احتقرته وعابته
(أعداؤه الكفرة).
وقال ابن حبيب في غريب الموطأ: الغمض، بضاد معجمة تصغير النعمة وتحقيرها،

٤٣٩
الفصل الأول في قسمه تعالى على ما خصه به من الخلق العظيم
تعالى: ﴿ما أنت بنعمة ربك بمجنون﴾ [القلم/٢].
وكيف يرمى بالجنون من أتى بما عجزت العقلاء قاطبة عن معارضته، وكلَّت
عن مماثلته، وعرَّفهم عن الحق بما لا تهتدي إليه عقولهم، بحيث أذعنت له عقول
العقلاء، وخضعت له ألباب الألباء، وتلاشت في جنب ما جاء به، بحيث لم يسعها
إلا التسليم له، والانقياد والإذعان طائعة مختارة، فهو الذي يكمل عقولها كما
تكمل الطفل برضاع الثدي.
ثم أخبر تعالى عن كمال شريعة نبيه في دنياه وآخرته فقال: ﴿وإن لك»
لأجرًا غير ممنون﴾ أي: ثوابًا غير منقطع، بل هو دائم، ونكر الأجر للتعظيم، أي
وبصاد مهملة إذا صغر الناس وازدرى بهم، واستحسن هذا الفرق بعد أن قال أنهما سواء، الآية،
(وتكذيبهم له) بالحر، عطف على ما، أي: نزهه عن تكذيبهم له، وهو واقع (بقوله تعالى: (﴿ما
أنت بنعمة ربك بمجنون﴾،) لأن معنى الآية بسبب أنه تعالى أنعم عليك بكمال العقل
والمعرفة، فأفادت تنزيهه عن الكذب، وأن تكذيبهم له كلا تكذيب لعدم الاعتداد به مع قيام
الدليل على خلافه، (وكيف يرمى بالجنون،) استفهام إنكاري، وهو أن يكون ما بعد أداته عير
واقع، ومدعيه كاذبًا، (من أتى بما عجزت العقلاء قاطبة،) أي: جميعًا (عن معارضته، وكلت:)
أعيت وعجزت (عن مماثلته، وعرفهم عن الحق) سبحانه (بما لا تهتدي إليه عقولهم، بحيث
أذعنت): انقادت (له عقول العقلاء)، ولم تستعص عليه، (وخضعت): ذلت (له ألباب): جمع
لب، بزنة قفل وأقفال (الألباء:) جمع لبيب، بزنة أشحاء وشحيح، أي: عقول وأصحاب العقول
الراجحة، (وتلاشت،) أي: خست حتى صارت بمنزلة العدم (في جنب ما جاء به، بحيث لم
يسعها إلا التسليم له والانقياد والإذعان)، عطف خاص على عام لأنه انقياد بلا استعصاء،
بخلاف مطلق الانقياد، فقد یکون معه استعصاء، (طائعة مختارة، فهو الذي یکمل) (بشد الميم
المكسورة) (عقولها كما تكمل الطفل برضاع الثدي، ثم). بعد أن نزهه وبرأه، (أخبر تعالى عن
كمال شريعة نبيه في دنياه وآخرته،) لفظ الشفاء، ثم أعلمه سبحانه، بما له عنده من نعيم دائم
وثواب غير منقطع، لا يأخذه العد، ولا يمن به عليه، (فقال،) بالفاء لتفرعه على ما قبله من
الأخبار، أو تفصيل له في الجملة، ﴿وإن لك لأجرًا غير ممنون﴾، وعطفه أولاً بثم، إشارة إلى
بعد ما بين الأمرين، تعبه السريع الانقطاع، ونعيمه الدائم، الواقع في مقابلة تكذيبهم له، والأجر
المضاف على عمله، وصبره على طعنهم ورميهم بما لا يليق، ففيه تسلية له عَّهُ، كأنه قيل:
لا تحزن، فقد تبين كذبهم بداهة، فلا نقص يعود عليك مما قالوه، فلك نعيم مؤبد في مقابلته،

٤٤٠
الفصل الأول في قسمه تعالى على ما خصه به من الخلق العظيم
أجرًا عظيمًا لا يدركه الوصف ولا يناله التعبير.
ثم أثنى عليه بما منحه فقال: ﴿وإنك لعلى خلق عظيم﴾ وهذه من أعظم
آيات نبوته ورسالته، ولقد سئلت عائشة رضي الله عنها عن خلقه عَّ فقالت:
((كان خلقه القرءان)) ومن ثم قال ابن عباس وغيره: أي على دين عظيم، وسمى.
الدين خلقًا لأن الخلق هيئة مركبة من علوم صادقة وإرادات زاكية. وأعمال ظاهرة
وباطنة موافقة للعدل والحكمة والمصلحة، وأقوال مطابقة للحق، تصدر تلك
الأقوال والأعمال عن تلك العلوم والإرادات فتكتسب النفس بها أخلاقًا حسنة هي
ولصبر على الشدائد والمقاساة في التبليغ، ففيه تثبيت وتخصيص، (أي: ثوابًا) تفسير لأجرًا (غير
منقطع، بل هو دائم) تفسير قوله ﴿غیر ممنون﴾.
وفي ابن عطية اختلف في معنى ممنون، فأكثر المفسرين أنه الواهن المنقطع، وقيل:
ضعيف، وقيل: غير ممنون عليك، أي: لا يكدره من به، وقال مجاهد: معناه غير مضر
ولا محسوب، أي: بغير حساب. انتھی.
(ونكر الأجر للتعظيم، أي: أجرًا عظيمًا، لا يدركه الوصف، ولا يناله التعبير) المتعارف
للناس، أي: يقصر عن أدائه لكثرته، وأتى بتأكيدات أربع للاهتمام والتقرير والإنكار وزيادته، فأكد
المجموع بالمجموع، أو هي موزعة على ما ذكروا، إن لم يكن عَبيد منكرًا، لأنه قد يراعي حال
السامع، كما في التعريض، (ثم أثنى عليه) مدحه (بما منحه:) أعطاه من مواهبه السنّية، (فقال:
﴿وإنك لعلى خلق عظيم﴾) [القلم/٤] الآية، مؤكدًا بأن مع القسم واللام واسمية الجملة تتميمًا
للتعظيم، (وهذه من أعظم آيات نبوته ورسالته، ولقد سئلت عائشة رضى الله عنها عن خلقه
◌َّ فقالت: كان) أحسن الناس خلقًا كان (خلقه القرآن٤) يرضي لرضاه، ويغضب لغضبه، لم
يكن فاحشًا ولا متفحشًا، ولا صحابًا في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو
ويصفح، ثم قالت: ﴿إقرأْ قد أفلح المؤمنون﴾، إلى العشر، فقرأ السائل، فقالت: هكذا كان
خلقه
أخرجه ابن أبي شيبة وغيره مطولاً، ورواه أحمد ومسلم وأبو داود، عنها بلفظ: كان خلقه
القرآن، يغضب لغضبه، ويرضى لرضاه، (ومن ثم قال ابن عباس وغيره:) تفسيرًا لقوله على خلق،
(أي: على دين عظيم وسمي الدين خلقًا، لأن الخلق) الحسن (هيئة مركبة من علوم صادقة
وإرادات زاكية،) صالحة نامية، (وأعمال ظاهرة وباطنة، موافقة للعدل:) الإنصاف (والحكمة،)
وهي تجقيق العلم واتقان العمل، وتطلق على أمور، (والمصلحة) التي يقتضيها، (وأقوال
مطابقة للحق) لا كذب فيها أصلاً، (تصدر تلك الأقوال والأعمال عن تلك العلوم والإرادات،