Indexed OCR Text

Pages 321-340

٣٢١
النوع الأول في ذكر آيات تتضمن عظم قدره ورفعة ذكره
وقال السدي: معنى طه يا فلان.
وقال الزمخشري: لعل ((عكّا) تصرفوا في ((يا هذا)) كأنهم في لغتهم قالبون
((الياء)) ((طاء)) فقالوا: في ((يا طا)) واختصروا هذا فاقتصروا على ((ها))، وأثر الصيغة
ظاهر لا يخفى في البيت المستشهد به:
إن السفاهة طه في خلائقكم لا قدس اللَّه أخلاق الملاعين
انتھی.
عدنان، أخو معد، وهم اليوم باليمن، (يا رجل لم يجبك حتى تقول له))) لأنها لغتهم، ولا
يعلمون لفظ يا رجل.
(وقال السدي) بضم السين وشد الدال: (معنى طه، يا فلان) كناية عن اسم الإنسان دون
قصد واحد بعينه، نحو: رأیت زیدًا، فقلت له يا فلان افعل كذا، بخلاف يا رجل، القصد به یا
هذا، لذكره من بني آدم.
(وقال الزمخشري: لعل عكًا تصرفوا في يا هذا، كأنهم في لغتهم قالبون الياء طاء)
الأحسن أن يقول ياء بلا أل، لأن الكلمة المركبة من حرفين فصاعدًا، إنما ينطق بلفظها، لا
بحروف هجائها، والياء إنما هي اسم لأحد حروف التهجي.
(فقالوا في يا طاء) أي: ذكروا بدل لفظ يا لفظ طاء ففي للبدل، وكذا في الكشاف
بني، ويقع في بعض نسخ المصنف بإسقاط في على حذف مضاف، أي: بدل يا طا.
(واختصروا) لفظ (هذا) بحذف الذال، (فاقتصروا على ها) مضمومة إلى طا، فصار طه
بالقصر، لأن أسماء حروف التهجي ما لم تلها العوامل، موقوفة، خالية عن الإعراب، لفقد موجبه،
لكنها قابلة إياه، معرضة له، إذ لم تناسب مبني الأصل، ولذا قيل ق وص مجموعًا فيهما بين
الساكنين، ولم يعامل معاملة أين وما ولا، قاله في الأنوار.
(وأثر الصيغة ظاهر لا يخفى في البيت المستشهد به) وهو: (إن السفاهة طه)،
أي: يا رجل (في خلائقكم،) أي: طبائعكم، (لا قدس اللَّه أخلاق الملاعين:) جمع ملعون،
أي: مطرود، كما في القاموس وغيره.
وقول بعض: سموا ملاعين، لأنهم يلعنون الناس كثيرًا، لا يناسب اللغة، ولم يذكر المجد
أن أخلاق من جموع خليقة، فيحتمل أنه جمع خلق، كعنق وأعناق، فيكون مجاهم أولاً بأن
طبيعتهم مجبولة على السفاهة، ثم دعا على خلقهم.
(انتهى) كلام الزمخشري.

٣٢٢
النوع الأول في ذكر آيات تتضمن عظم قدره ورفعة ذكره
قال في البحر: وكان قد قدم أن ((طه)) في لغة (عك)) في معنى يا رجل، ثم
تخوض وتجرّ على ((عك)) بما لا يقوله نحوي، وهو أنهم قلبوا ((الياء)) ((طاء)) وهذا
لا يوجد في لسان العرب قلب ((الياء» التي للنداء ((طاء» وكذلك حذف اسم
الإشارة في النداء وإقرار ((ها) التي للتنبيه، انتهى.
وقيل: معناه يا إنسان.
وقرىء طه بإسكان الهاء، على أنه أمر له مَِّ بأن يطأ الأرض بقدميه.
فقد روي أنه عَّدٍ كان يقوم في تهجده على إحدى رجليه، فأمر بأن يطأ
الأرض بقدميه معًا، وأن الأصل ((طاء)) فقلبت همزته هاء، كما قالوا ((هياك)) في:
ورده البيضاوي، فقال: الاستشهاد بالبيت ضعيف، لجواز أن يكون قسمًا، كقولهم: ﴿حم
لا ينصرون﴾، انتهى، أي: أن السفاهة وحق طه، أو وقسمي طه، كقوله عَ ليه ليلة الخندق: ((إن
لقيتم الليلة، فقولوا حم لا ينصرون))، رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي والحاكم، وصححه عن
البراء بن عازب.
(قال) أبو حيان (في البحر) تفسيره الكبير: (وكان) الزمخشري، (قد قدم أن طه في لغة
عك في معنى يا رجل، ثم تخوض،) تكلف الخوض بمبالغته بما تكلفه، (وتجرأ) أسرع بالهجوم
بلا توقف (على عك، بما لا يقوله نحوي، وهو أنهم قلبوا الياء طاء، وهذا لا يوجد في
لسان،) أي: لغة (العرب قلب الياء التي للنداء طاء، وكذلك حذف اسم الإشارة في النداء
وإقرار،) أي: إبقاء (ها التي للتنبيه،) كذا في النسخ الصحيحة، وهو ما في النهر، فما في بعض
النسخ، وأقرت تصحيف. (انتهى).
(وقيل: معناه يا إنسان،) حكاه عياض وغيره، فإن صحت هذه التفاسير، فهو مشترك،
والوجه الثاني أنها كلمة دالة على الطلب، (و) يدل عليه؛ أنه (قرىء) شاذًا (طه)) وبه قرأ
الحسن البصري، (بإسكان الهاء، على أنه أمر له عَّه؛ بأن يطأ الأرض بقدميه، فقد روي
أنه عَلٍّ كان يقوم في تهجده على إحدى رجليه،) للاستراحة من طول القيام، (فأمر بأن يطأ
الأرض بقدميه معًا) حتى لا يتعب، فيحتاج للاستراحة.
أخرج عبد بن حميد، عن الربيع بن أنس، قال: كان النبي ◌َّهُ إذا صلى قام على رجل،
ورفع الأخرى، فأنزل اللَّه: ﴿طه﴾.
وأخرج ابن مردويه عن علي، قال: لما نزل على النبي ◌َّ: ﴿يا أيها المزمل قم الليل إلا
قليلاً﴾ [المزمل/١، ٢]، قام الليل كله، حتى تورمت قدماه، فجعل يرفع رجلاً ويضع أخرى، فهبط

٣٢٣
النوع الأول في ذكر آيات تتضمن عظم قدره ورفعة ذكره
إياك، و((هرقت)) في: أرقت. ويجوز أن يكون الأصل من وطأ على ترك الهمزة،
فيكون أصله ((طا)) يا رجل ثم أثبت الهاء فيه للوقف. وعلى هذا يحتمل أن يكون
أصل (طه): طاها، والألف مبدلة من الهمزة والهاء كناية عن الأرض. لكن يرد
ذلك: كتبها على صورة الحرف.
وأما قوله تعالى: ﴿ما أنزلنا عليك القرءان لتشقى﴾، فذكروا في سبب
نزولها أقوالاً:
أحدها: أن أبا جهل والوليد بن المغيرة ومطعم بن عدي قالوا
لرسول اللَّه عَ له: إنك لتشقى حيث تركت دين آبائك، فقال ◌َ له: بل بعثت رحمة
للعالمين، فأنزل اللَّه تعالى هذه الآية ردًا عليهم، وتعريفًا له عَّ بأن دين الإسلام
عليه جبريل، فقال: طه، طا الأرض بقدميك يا محمد، فأمر بأن يطأ الأرض بقدميه معًا، (وأن
الأصل طاء، فقلبت همزته هاء، كما قالوا هياك) بكسر الهاء (في إياك، وهرقت في أرقت، ويجوز
أن يكون الأصل من وطأ على ترك الهمزة).
قال الطيبي: بأن قلبت ألفًا، وبني الأمر عليه، وإذا بني عليه، (فيكون أصله طا يا رجل،
ثم أثبت الهاء فيه للوقف،) أي: السكت، فصار طه، (وعلى هذا يحتمل أن يكون أصل طه
طاها، والألف مبدلة من الهمزة، والهاء كناية عن الأرض،) أي: الضمير راجع إليها، لعلمها من
قرينة الحال، والضمير يسمى كناية عند النحاة، ويحتمل أنه أراد أن الهاء وحدها ضمير، كما
عليه بعض النحاة، أو أن ها اسم لحرف مأخوذ من ها اسم للضمير، فهي كناية اصطلاحية عنه،
لا أنه ضمير، (لكن يرد ذلك،) كما قال البيضاوي: (كتبهما على صورة الحرف،) وتعقب بأن
رسم المصحف غير قياسي، كما رسم المؤمنون بأن ألف في الإمام.
(وأما قوله تعالى: ﴿ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى﴾، فذكروا في سبب نزولها أقوالاً،)
منها ما تقدم.
وأخرج البزار عن علي، قال: كان النبي عَّله يراوح بين قدميه، يقوم على كل رجل، حتى
نزلت: ﴿ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى﴾.
(أحدها:) ما عند ابن مردويه، بمعناه عن ابن عباس؛ (أن أبا جهل،) فرعون الأمة، (والوليد
ابن المغيرة، ومطعم بن عدي، قالوا لرسول اللَّه عَّةٍ: إنك لتشقى حيث تركت دين آبائك،)
ومرادهم ضد السعادة، (فقال ◌َ له: بل بعثت رحمةً للعالمين،) فكيف أشقى أنا، (فأنزل الله
تعالى هذه، ردًا عليهم وتعريفًا له عَُّ بأن دين الإسلام والقرآن هو،) أي: المذكور (السلم،)

٣٢٤
النوع الأول في ذكر آيات تتضمن عظم قدره ورفعة ذكره
والقرءان هو السلَّم إلى نيل كل فوز، والسبب في إدراك كل سعادة، وما فيه
الكفرة هو الشقاوة بعينها.
وثانيها: أنه معَّ له صلى بالليل حتى تورمت قدماه، فقال له جبريل: أبق على
نفسك، فإن لها عليك حقًّا. أي ما أنزلنا عليك القرءان لتنتهك نفسك بالعبادة
وتذيقها المشقة العظيمة، وما بعثت إلا بالحنيفية السمحة.
وروي أنه كان إذا قام من الليل ربط صدره بحبل حتى لا ينام. وقال
بعضهم: كان يسهر طول الليل.
وتعقب: بأنه بعيد، لأنه عٍَّ إن فعل شيئًا من ذلك فلا بد أن يكون فعله
بأمر اللَّه تعالى، فإذا فعله عن أمره فهو من باب السعادة لا من باب الشقاء.
وثالثها: قال بعضهم: يحتمل أن يكون المراد، لا تشق نفسك، ولا تعذبها
فلا يرد أن القياس هما السلم (إلى نيل كل فوز، والسبب في إدراك كل سعادة، وما فيه
الكفرة هو الشقاوة بعينها،) وأي. شقاوة مثل الخلود في جهنم.
(وثانيها: أنه) كما رواه ابن مردويه عن علي، بمعناه أنه (عَّه) لما نزل عليه: ﴿يا أيها
المزمل قم الليل إلا قليلاً﴾،) (صلى بالليل حتى تورمت قدماه، فقال له جبريل:) بأمر الله
(أبق على نفسك، فإن لها عليك حقًا، أي: ما أنزلنا عليك القرآن لتنتهك:) تتعب وتؤلم
(نفسك بالعبادة) الزائدة، (وتذيقها المشقة العظيمة،) بالسهر وقيام الليل، (وما بعثت إلا
بالحنيفية السمحة،) السهلة التي لا تعب فيها، (وروي أنه كان إذا قام من الليل ربط صدره
بحبل حتى لا ينام،) مبالغة في امتثال الأمر.
(وقال بعضهم: كان يسهر طول الليل،) في ابتداء أمره، حتى أمر بالتخفيف، (وتعقب
بأنه بعيد، لأنه معٍَّ إن فعل شيئًا من ذلك، فلا بد أن يكون فعله بأمر اللَّه تعالى،) وهذا
ممنوع، لأنه فعل ذلك لتحقق مدلول ما أمر به من قيام الليل على الوجه الأتم، لا للأمر به
بخصوصه، ويمنع تعقبه أيضًا بقوله؛ (فإذا فعله عن أمره، فهو من باب السعادة لا من باب
الشقاء) بل هو التباس، إذ الرد على أنه من باب الشقاء، بمعنى إتعاب النفس على هذا، لا ينافي
أن الإتعاب المذكور للسعادة، وإنما يقال من باب السعادة، لا الشقاء على الوجه الذي قبله في
الرد على أبي جهل ومن معه، هكذا أملاني شيخنا.
(وثالثها: قال بعضهم:) ظاهره أنه سبب لنزول الآية، لقوله أولاً: ذكروا في سبب نزولها
أقوالاً ولا كذلك، فإنما هذا فهم في الشقاء، إذ السبب لا يكون احتمالاً، بل نقل مجرد، وقد

٣٢٥
النوع الأول في ذكر آيات تتضمن عظم قدره ورفعة ذكره
بالأسف على كفر هؤلاء، فإنما أنزلنا عليك القرءان لتذكر به من آمن، فمن آمن
وأصلح فلنفسه، ومن كفر فلا يحزنك كفره، فما عليك إلا البلاغ وهذا كقوله
تعالى: ﴿لعلك باخع نفسك أن لا يكونوا مؤمنين﴾ ﴿ولا يحزنك كفرهم﴾.
ورابعها: أن هذه السورة من أوائل ما نزل بمكة، وفي ذلك الوقت كان عَّة.
مقهورًا مع أعدائه، فكأنه تعالى قال: لا تظن أنك تبقى على هذه الحالة، بل يعلو
أمرك ويظهر قدرك، فإنا ما أنزلنا عليك القرءان لتشقى أي لتبقى شقيًا، بل تصير
معظمًا مكرمًا، زاده اللَّه تعالى تعظيمًا وتكريمًا.
قال: (يحتمل أن يكون المراد لا تشق نفسك ولا تعذبها بالأسف:) الحزن والحسرة (على
كفر هؤلاء،) فهو كقوله: لا تذهب نفسك عليهم حسرات، (فإنما أنزلنا عليك القرآن لتذكر:)
تعظ (به من آمن فمن آمن وأصلح،) عمل الصالحات من الفرائض وغيرها، (فلنفسه،) لأن ثمرته
عائدة عليه، وإن كان للنبي أجره أيضًا، (ومن كفر فلا يحزنك كفره،) لا تهتم لكفره، (فما
عليك إلا البلاغ،) وليس عليك هداهم، ولكن الله يهدي من يشاء، (وهذا كقوله تعالى:
﴿لعلك باخع﴾) قاتل (﴿نفسك)) ولعل الإشفاق، أي: أشفق على نفسك أن تقتلها (﴿أن لا
يكونوا مؤمنين﴾،) لئلا يؤمنوا أو خيفة أن لا يؤمنوا، وكقوله: (﴿ولا يحزنك كفرهم﴾.
(ورابعها:) وهو من نمط الثالث لا سبب النزول، كما يوهمه المصنف، (أن هذه السورة
من أوائل ما نزل بمكة، وفي ذلك الوقت كان عَّةِ مقهورًا مع أعدائه) الكفار، (فكأنه تعالى
قال: لا تظن أنك تبقى على هذه الحالة،) التي هي قهر الأعداء، (بل يعلو أمرك ويظهر
قدرك، فإنا ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى، أي: لتبقى شقيًا،) متعبًا مقهورًا، والشقاء شائع
بمعنى التعب، ومنه أشقى من رائضٍ المهر، أي: أن معالجة المهارة شقاوة لما فيها من التعب،
(بل تصير معظمًا مكرمًا، زاده اللّه تعالى تعظيمًا وتكريمًا،) كما إلى هذا الإشارة بقوله: ﴿إلا
تذكرة لمن يخشى﴾ [طه/٣]، أي: لكن تذكيرًا لمن في قلبه خشية ورقة يتأثر بالأنوار، أو لمن
علم اللَّه أنه يخشى بالتخويف، فإنه المنتفع به، ومن خشي صار المصطفى لديه معظمًا مكرمًا،
كما وقع ذلك للصحابة حتى كانوا عنده، كأنما على رؤوسهم الطير، ولا يحدون النظر إليه،
و کان أحب إليهم من أنفسهم.
قال البيضاوي: ﴿ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى﴾، خبر طه إن جعلت مبتدأ على أنه مؤول
بالسورة، والقرآن فيه واقع موقع العائد، وجواب إن جعلت مقسمًا به، ومنادی له إن جعلت نداء،
واستئناف إن كانت جملة فعلية أو اسمية بإضمار مبتدأ، أو طائفة من الحروف محكية.

٣٢٦
النوع الأول في ذكر آيات تتضمن عظم قدره ورفعة ذكره
وقال الله تعالى: ﴿إنا أعطيناك الكوثر﴾ [الكوثر/١] السورة.
قال الإمام فخر الدين بن الخطيب: في هذه السورة كثير من الفوائد، منها:
أنها كالمتممة لما قبلها من السور، وذلك لأن اللَّه تعالى جعل سورة والضحى في
مدح نبينا معَّه، وتفصيل أحواله، فذكر في أولها ثلاثة أشياء تتعلق بنبوته وهي قوله:
﴿ما ودعك ربك وما قلى، وللآخرة خير لك من الأولى، ولسوف يعطيك ربك
قال تبعًا للكشاف: وانتصاب إلا تذكرة على الاستثناء المنقطع، ولا يجوز أن يكون بدلاً
من محل لتشقى لاختلاف الجنسين، يعني أن نصب تذكرة نصبة صحيحة ليست بعارضة،
والنصبة التي في لتشقى بعد نزع الخافض عارضة كما قال أبو حيان، ولا يجوز أن يكون مفعولاً
له لأنزلنا، فإن الفعل الواحد لا يتعدى إلى علتين، وقيل: هو مصدر في موضع الحال من الكاف،
أو القرآن، أو مفعول له، على أن لتشقى متعلق بمحذوف هو صفة للقرآن، أي: ما أنزلنا عليك
القرآن المنزل لتتعب بتبليغه.
(وقال اللَّه تعالى: ﴿إنا أعطيناك الكوثر﴾ [الكوثر/١]،) أكده مع ضمير العظمة، إيماء إلى
عظمة المعطي والمعطى، وتشويقًا ونفيًا للشبهة فيه (السورة).
((قال الإمام فخر الدين) محمد بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي البكري،
الطبرستاني، الرازي، (ابن الخطيب) بالري، مر بعض ترجمته غير مرة، (في هذه السورة كثير
من الفوائد، منها: أنها كالمتممة لما قبلها من السور،) المتعلقة به عَّه، وليس القصد بها
بيان الأحكام، فلا يرد أن ما ذكره دليلاً على ذلك بعض السور لا جميعها، على أنه، كما قال
شيخنا في التقرير: لم تظهر زيادة الكوثر على تفسيره بما هو أعم من النهر على قوله: ﴿ولسوف
يعطيك ربك فترضى﴾ [الضحى/٥]، فإنه شامل لما شمله الكوثر، أو أشمل، (وذلك لأن اللَّه
تعالى أنزل،) وفي نسخة: جعل، (سورة والضحى في مدح نبينا عَّ. وتفصيل أحواله،) أي:
جنسها، فلا ينافي في أن ما ذكره في هذه السورة مشتمل على جميعها لزومًا، (فذكر في
أولها،) أي: أحواله (ثلاثة أشياء تتعلق بنبوته،) أي: ترتبط بها، وتترتب علیھا کالثمرة لها، ولیس
المراد التعلق النحوي، ولا المعنوي، المقتضي لكون هذه من معنى النبوة، إذ ليست من معناها،
(وهي قوله: ﴿ما ودعك﴾) أي: تركك (﴿ربك وما قلى﴾،) أبغضك، حذف مفعوله اختصارًا
للعلم به، وللجري على نهج الفواصل، ولئلا يخاطبه بالبغض، وإن كان منفيًا، أو ليعم نفسه
وأصحابه وأمته.
روى الشيخان وغيرهما عن جندب بن عبد اللَّه، قال: اشتكى النبي ◌َّهِ، فلم يقم ليلة، أو
ليلتين، فأتته امرأة، فقالت: يا محمد ما أرى شيطانك إلا قد تركك، فأنزل الله: ﴿والضحى والليل

٣٢٧
النوع الأول في ذكر آيات تتضمن عظم قدره ورفعة ذكره
إذا سجى ما ودعك ربك وما قلى﴾ [الضحى/١].
وروى سعيد بن منصور والفريابي، عن جندب، قال: أبطأُ جبريل على النبي صَُّ، فقال
المشركون: قد ودع محمد، فنزلت، وهذه المرأة هي العوراء أم جميل أخت أبي سفين بن
حرب.
روى الحاكم برجال ثقات عن زيد بن أرقم، قال: مكث عَِّ أيامًا لا ينزل عليه، فقالت
أم جميل امرأة أبي لهب: ما أرى صاحبك إلا قد ودعك وقلاك، فأنزل اللَّه: ﴿والضحى ... ﴾
الآيات.
وفي الصحيح أيضًا، عن جندب: قالت امرأة: يا رسول اللَّه ما أرى صاحبك إلا أبطأ
عنك، فنزلت: ﴿ما ودعك ربك وما قلى﴾.
قال الحافظ: هي زوجته خديجة، كما في المستدرك أيضًا، وأعلام النبوة لأبي داود،
وأحكام القرآن للقاضي إسماعيل، وتفسير ابن مردويه من حديث خديجة نفسها، فخاطبته كل
واحدة منهما بما يليق بها.
وروي سنيد في تفسيره: أن قائل ذلك عائشة، وهو باطل، لأنها لم تكن إذ ذاك زوجة.
وأخرج ابن جرير عن عبد اللَّه بن شداد أن خديجة قالت للنبي عَّ: ما أرى ربك إلا قد
قلاك، فنزلت.
وأخرج أيضًا عن عكرمة: أبطأ جبريل على النبي عَّهِ، فجزع جزعًا شديدًا، فقالت
خديجة: إني أرى ربك قد قلاك مما ترى من جزعك، فنزلت وكلاهما مرسل، رجاله ثقات.
قال الحافظ: والذي يظهر أن كلاً من أم جميل وخديجة قالت ذلك، لكن أم جميل قالته
شماتة، وخديجة قالته توجعًا.
وروى ابن أبي شيبة والطبراني بسند فيه من لا يعرف عن خولة خادم رسول اللَّه عَّةٍ أن
جروًا دخل بيته تحت السرير، فمات، فمكث ◌َّله أربعة أيام لا ينزل عليه الوحي، فقال: يا خولة،
ما حدث في بيت رسول اللّه، جبريل لا يأتيني، فقلت في نفسي: لو هيأت البيت وكنسته،
فأوهيت بالمكنسة تحت السرير، فأخرجت الجرو، فجاء عَّ المه ترعد لحيته، وكان إذا نزل عليه
أخذته الرعدة، فأنزل الله: ﴿والضحى﴾، إلى قوله: ﴿فترضى﴾.
قال الحافظ: قصة إبطاء جبريل بسبب الجرو مشهورة، لكن كونها سبب نزول الآية
غريب، بل شاذ مردود بما في الصحيح.
(﴿وللآخرة خير لك من الأولى،) لأنها باقية، خالصة من الشوائب، وهذه فانية، مشوبة
بالمضار، واللام للابتداء مؤكدة، أو جواب قسم، ففيه تعظيم آخر، أي: كما أعطاك في الدنيا

٣٢٨
النوع الأول في ذكر آيات تتضمن عظم قدره ورفعة ذكره
فترضى﴾ ثم ختمها كذلك بأحوال ثلاثة فيما يتعلق بالدنيا، وهي قوله تعالى:
﴿ألم يجدك يتيمًا فآوى، ووجدك ضالاً﴾ أي عن علم الحكم والأحكام
﴿فهدى، ووجدك عائلاً فأغنى﴾. ثم ذكر في سورة ﴿ألم نشرح﴾ أنه تعالى
يعطيك في الآخرة ما هو أعلى وأكثر، فلا تبال بما قالوه، فهو وعد فيه تسلية بعد ما نفى عنه ما
يكره، فهو تحلية بعد تخلية، وقيل: المعنى لنهاية أمرك خير من بدايته، فإنه لا يزال يتصاعد في
الرفعة والكمال، (ولسوف يعطيك ربك فترضى﴾) [الضحى/٥]، وعد شامل لما أعطاه من
كمال النفس وظهور الأمر، وإعلاء الدين، ولما ادخر له مما لا يعرف كنهه سواه واللام للتأكيد،
وقول الزمخشري، وتبعه البيضاوي: اللام للابتداء، دخل على الخبر بعد حذف المبتدأ والتقدير،
ولأنت سوف، رده ابن الحاجب وغيره، بأن فيه تكلفين، وهما تقدير محذوف، وخلع اللام عن
معنى الحال، لئلا يجتمع دليلان حال، واستقبال قال: وليست للقسم، لأنها إنما تدخل على
المضارع مؤكدًا بالنون.
قال ابن هشام: وهو ممنوع، بل تارة تجب اللام وتمتنع النون، وذلك مع الفعلين كالآية،
ومع تقدم المعمول بين اللام والفعل نحو: ﴿ولئن متم أو قتلتم لإلى اللَّه تحشرون﴾، ومع
كون الفعل للحال نحو: ﴿لا أقسم﴾، وتارة يمنعان، وذلك مع الفعل المنفي نحو تاللّه تفتؤ،
وتارة يحبان نحو وتاللَّه لأكيدن، (ثم ختمها،) أي: الأحوال المتعلقة بنبوته، (كذلك بأحوال
ثلاثة فيما يتعلق بالدنيا) من حيث النبوة، لكن تعلق الثلاثة الأول بالنبوة من حيث كونها حاصلة
بها، والثلاثة الثانية بمعنى: أن سببها إكرامه بالنبوة وإن كان أولاها حصل قبل النبوة، والاثنان بعد
النبوة، ولو أسقط كذلك، فإن التنبيه على تعلقها بالنبوة، (وهي قوله تعالى: ﴿ألم يجدك﴾) من
الوجود بمعنى العلم، و(﴿يتيمًا﴾) مفعوله الثاني، أو المصادفة ويتيمًا حال، أي: لا أب لك، وقيل
لا مثل لك، (﴿فَآوى﴾) بأن ضمك إلى عمك أبي طالب، (﴿ووجدك ضالا﴾، أي: عن علم
الحكم) (بكسر ففتح) جمع حكمة، أي: معرفة العلل والأسباب، فقوله: (والأحكام) عطف
مسبب على سبب، وليس الحكم مفرد الأحكام، لأنه يصير ما بعده مرادفًا، ولا ينافي ذلك أن
بعض الأحكام تعبدي، لأنه بالنسبة لنا، أما هو عَّله، فكان عارفًا بالعلة (﴿فهدى﴾،) أي: هداك
إلى معرفتها، وهذا أحد تفاسير في الآية، كما يأتي للمصنف، (﴿ووجدك عائلاً﴾) ذا عيال
(﴿فأغنى﴾﴾ [الانشراح/٨]، بما حصل لك من ربح التجارة، كذا قصره البيضاوي، ولم يجعله
شاملاً لذلك، ولغيره من مبدئه إلى نهاية ما حصل له، أو يقصره على ما حصل له من الغنائم
والفتوحات، لأن ربح التجارة حصل به أصل الغنى، وما بعده حصل به الزيادة بعد اطمئنان النفس
بالأول، فكانت النعمة في الحقيقة هي الربح، لأنها التي حصل بها دفع الحاجة، هذا ولم يذكر

٣٢٩
النوع الأول في ذكر آيات تتضمن عظم قدره ورفعة ذكره
شرفه عليه الصلاة والسلام بثلاثة أشياء وهي: ﴿ألم نشرح لك صدرك﴾ أي: ألم
نفسحه حتى وسع مناجاة الحق ودعوة الخلق، ﴿ووضعنا عنك وزرك﴾ أي عناءك
الثقيل ﴿الذي أنقض ظهرك ورفعنا لك ذكرك﴾ وهكذا سورة سورة، حتى قال:
﴿إنا أعطيناك الكوثر﴾ أي أعطيناك هذه المناقب المتكاثرة التي كل واحدة منها
المصنف من أحواله بقية السورة، مع أنها خطاب له لعدم دلالتها على مدحه صريحًا، إذ ليست
أوصافًا قائمة به يمدحه بتعدادها، ولا صفات كمالية قائمة به، ولا على تعداد النعم التي أنعم بها
عليه، وإنما هي أمر له ونهي، وكلاهما لا يعد من النعم الصريحة، وإن ترتب عليه الامتثال بفعل
المأمور وترك المنهي، وهما من أعظم النعم، ولا يرد، قوله أولاً جعل سورة والضحى في مدح
نبينا، لأن المراد معظمها، أو كلها، ولكن ما تركه هنا مستلزم للكمال، لأن كونه منهيًا مأمورًا
مقتض لامتثاله، وهو كمال استلزامًا لا صراحة.
(ثم ذكر في سورة: ﴿ألم نشرح﴾، أنه تعالى شرفه عليه الصلاة والسلام بثلاثة
أشياء، وهي: ﴿ألم نشرح لك صدرك﴾،) استفهم عن الشرح على وجه الإنكار مبالغة في
إثبات الشرح، فكأنه قيل: شرحنا، ولذا عطف عليه، ووضعنا اعتبارًا للمعنى، قاله الكشاف.
قال الطيبي: أي: أنكر عدم الشرح، فإذا أنكره ثبت، لأن الهمزة للإنكار، ولم نفي إذا
دخل عليه النفي عاد إثباتًا، ولا يجوز جعل الهمزة للتقرير. انتهى، أي: لأن التقرير سؤال مجرد،
إذ هو حمل المخاطب على الاعتراف بأمر استقر عنده ثبوته، أو نفيه، فلا يحسن، عطف ووضعنا
عليه، (أي: ألم نفسحه حتى وسع مناجاةً الحق، ودعوة الخلق،) فالمراد به ما يرجع إلى
المعرفة والطاعة، فكأنه قيل: ألم نفتح ونوسع صدرك بالإيمان والنبوة، والعلم والحكمة، وبه جزم
البغوي، وتقدم غير ذلك.
(﴿ووضعنا عنك وزرك﴾، أي: عناءك) (بفتح المهملة والمد)، أي: خضوعك (الثقيل)
القوي الذي كنت فيه قبل ظهور أمرك، أو المشقة التي كنت فيها بمعاداة الكفار لك،
فوضعنا ذلك بإظهارك عليهم بقتل من قتل، وهداية من اهتدى، فالعناء يكون بمعنى
الخضوع، وبمعنى المشقة، ((الذي أنقض ظهرك﴾): أثقله، ويأتي للمصنف في النوع العاشر معنى
الآية (﴿ورفعنا لك ذكرك﴾،) مر الكلام عليه، (وهكذا سورة سورة حتى قال: ﴿إنا أعطيناك
الكوثر﴾، أي: أعطيناك هذه المناقب:) جمع منقبة (بفتح الميم) الفعل الكريم، كما في
المصباح.
وفي المختار بوزن المتربة ضد المثلثة. انتهى، فالقاف مفتوحة، فقراءته بكسرها على هذا
خطأ، (المتكاثرة، التي كل واحدة منها أعظم من ملك الدنيا بحذافيرها) بأسرها، أو

٣٣٠
النوع الأول في ذكر آيات تتضمن عظم قدره ورفعة ذكره
أعظم من ملك الدنيا بحذافيرها. وإذ أنعمنا عليك بهذه النعم فاشتغل بطاعتنا ولا
تبال بقولهم.
ثم إن الاشتغال بالعبادة إما أن يكون بالنفس وهو قوله: ﴿فصل لربك﴾،
وإما بالمال وهو قوله: ﴿وانحر﴾.
وتأمل قوله: ﴿إنا أعطيناك﴾ كيف ذكره بلفظ الماضي، ولم يقل: سنعطيك،
ليدل على أن الإعطاء حصل في الزمان الماضي، قال عَّه: كنت نبيًا وآدم بين
الروح والجسد. ولا شك أن من كان في الزمان الماضي عزيزًا مرعي الجانب
أشرف ممن سيصير كذلك، كأنه تعالى يقول: يا محمد قد هيأنا أسباب سعادتك
قبل دخولك في هذا الوجود، فكيف أمرك بعد وجودك واشتغالك بعبوديتنا يا أيها
العبد الكريم، إنا لم نعطك هذا الفضل العظيم لأجل طاعتك، وإنما اخترناك بمجرد
فضلنا وإحساننا من غير موجب.
بجوانبها: جمع حذفور، كعصفور، كما في القاموس، (وإذ) تعليلية (أنعمنا عليك بهذه النعم).
وفي نسخة: وإذا للظرفية المجردة، والفاء في (فاشتغل بطاعتا) زائدة على النسختين،
والتعليل أظهر، (ولا تبال بقولهم:) ساحر، كاهن، مجنون، وغير ذلك، (ثم إن الاشتغال بالعبادة
إما أن يكون بالنفس، وهو قوله: ﴿فصل لربك﴾،) أمر بالصلاة مطلقًا، أو التهجد، وكان الظاهر،
فأشكر، فعدل عنه، لأن مثل هذه النعمة العظيمة ينبغي أن يكون شكرها كذلك، وأعظم ذلك
العبادة، وأعظمها الصلاة، (وإما بالمال، وهو قوله: ﴿وانحر﴾،) أمر بتقريب البدن، لأن النحر
يختص بها وفي غيرها، يقال: ذبح، (وتأمل قوله: ﴿إنا أعطيناك﴾، كيف ذكره بلفظ الماضي،
ولم يقل سنعطيك،) يلفظ المضارع، (ليدل) صلة ذكره، (على أن الإعطاء حصل في الزمان
الماضي)، كما (قال عليه الصلاة والسلام: كنت نبيًّا وآدم بين الروح والجسد)، رواه أحمد
والبخاري في التاريخ وغيرهما، ومر الكلام عليه أول الكتاب.
(ولا شك أن من كان في الزمان الماضي عزيزًا، مرعي الجانب، أشرف ممن
سيصير، كذلك كأنه تعالى يقول: يا محمد قد هيأنا:) يسرنا وسهلنا (أسباب سعادتك قبل
دخولك في هذا الوجود، فكيف أمرك بعد وجودك واشتغالك بعبوديتا،) استفهام تفخيم
وتعظيم، أي: فاعتقد من الكمالات التي تحصل لك بعد وجودك ما شئت، فإنها لا نهاية لها.
(يا أيها العبد الكريم إنا لم نعطك هذا الفضل العظيم،) المعبر عنه بالكوثر، (لأجل
طاعتك، وإنما اخترناك بمجرد فضلنا وإحساننا من غير موجب،) مرتب على ما قبل الاستفهام،

٣٣١
النوع الأول في ذكر آيات تتضمن عظم قدره ورفعة ذكره
واختلف المفسرون في تفسير الكوثر على وجوه.
منها: أنه نهر في الجنة، وهذا هو المشهور والمستفيض عند السلف
والخلف، روى أنس أن رسول اللَّه عَّله قال بينما أنا أسير في الجنة إذا أنا بنهر
حافتاه قباب الدر المجوف، قلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر الذي أعطاك
ربك، فإذا طينه مسك إذفر رواه البخاري.
أي: هيأنا أسباب سعادتك قبل دخولك في هذا الوجود، لا لأجل طاعتك المتأخرة، بل فضلاً،
وليس مرتبًا على الاستفهام لئلا يكون فيه بعض تناف.
(واختلف المفسرون في تفسير الكوثر على وجوه،) وصلت إلى نحو عشرين قولاً،
(منها: أنه نهر في الجنة، وهذا هو المشهور المستفيض عند السلف والخلف،) ودليله أنه
(روى أنس) بن ملك؛ (أن رسول اللَّه عَّةٍ قال: بينما) (بالميم) (أنا أسير في الجنة إذا أنا
بنهر،) وللترمذي: إذ عرض لي نهر، أي: ظهر، وللبخاري في التفسير عن أنس، قال: لما عرج
بالنبي عٍَّ إلى السماء قال: أتيت على نهر، (حافتاه:) (بحاء مهملة وخفة الفاء) جانباه، لأنه
لیس أخدودًا، أي: شقًا مستطيلاً في الأرض، يجري فيه الماء حتى يكون له حافتان، ولكنه سائل
على وجه أرض الجنة، ومعلوم أنه ليس عامًا في جميعها، فما جاوز ما انتهى سيلانه إليه هو
جانبه.
روى أبو نعيم والضياء عن أنس، قال: قال عَّله: ((لعلكم تظنون أن أنهار الجنة أخدود في
الأرض، لا واللَّه إنها لسائحة على وجه الأرض))، (قباب:) (بكسر القاف وخفة الموحدة) جمع
قبة، وللترمذي: حافتاه فيهما لؤلؤ مثل القباب، فالمراد في جانبيه مثل قباب (الدر المجوّف:)
(بفتح الواو مشددة) صفة للدر، وهو كبار اللؤلؤ حقيقة، وتجويز أنه مثله في الحسن والنضارة،
خلاف الظاهر بلا داعية، (قلت: ما هذا يا جبريل؟، قال: هذا الكوثر الذي أعطاك ربك،)
وعطف على مقدر، أي: فنظرت له، (فإذا طينه مسك،) إذ المفاجأة إنما تترتب على النظر لا
على أعطاك ربك، ويدل له رواية الترمذي عن أنس، قال، أي: المصطفى: ثم ضرب، أي:
جبريل، بيده إلى طينه، فاستخرج مسكًا، أي: إظهار الشرف المنعم به، وسماه طيًا جريًا على
العادة في كون مقر الماء طينًا، كما قال الدلجي وغيره، فلا بد من تقدير في قوله طينه مسك،
ليصح الحمل، وهو هنا في المبتدأ، أي: فإذا مادة ما تحت مائه مسك، ولا يقدر في الخبر،
أي: مثل مسك، لأنه خلاف الظاهر من الأحاديث؛ أنه يجري على المسك، ولا يعارضه حديث
عبد الله بن عمرو بن العاصي، ومجراه على الدر والياقوت، لأنهما فوق طينه الذي هو مسك،
كما أن الأنهار تجري على طين وحصى، فهذا حصاه جواهر وطينه مسك، (أذفر:) (بمعجمة

٣٣٢
النوع الأول في ذكر آيات تتضمن عظم قدره ورفعة ذكره
وقيل: الكوثر أولاده، فإن هذه السورة إنما نزلت ردًا على من عابه عليه
الصلاة والسلام بعدم الأولاد، وعلى هذا فالمعنى: أنه يعطيه نسلاً يبقون على ممر
الزمان. فانظر كم قتل من أهل البيت، ثم العالم ممتلىء منهم، ولم يتفق ذلك
لنبي من الأنبياء غيره.
وقيل: الكوثر خير الكثير. وقيل: النبوة، وهي من الخير الكثير.
ساكنة)، أي: شديد الرائحة الطيبة، ويطلق أيضًا على الكريهة، وليس بمراد هنا، وأما بمهملة،
فخاص بالمنثنة، (رواه البخاري) في الرقاق بهذا اللفظ، عن شيخيه أبي الوليد هشام بن
عبد الملك، وهدبة بن خالد، كلاهما عن همام، عن قتادة، عن أنس، ثم قال في آخر طينه، أي:
بالنون، أو طيبه، أي: بموحدة شك هدية، أي: ولم يشك أبو الوليد أنه بالنون.
قال الحافظ وغيره: وهو المعتمد، ففي البعث للبيهقي من طريق عبد الله بن مسلم، عن
أنس بلفظ: ترابه مسك، ورواه في التفسير إلى قوله هذا الكوثر، وأخرجه مسلم أيضًا، كما قدم
في المعراج والترمذي.
(وقيل: الكوثر: أولاده) من فاطمة، لأن عقبه إنما هو منها، ويؤيده قوله الآتي:
﴿فانظر كم قتل من أهل البيت﴾، (فإن هذه السورة إنما نزلت ردًا على من عابه عليه
الصلاة والسلام بعدم،) أي: بفقد (الأولاد،) كالعاصي بن وائل، قال: لما مات القسم، لقد
أصبح محمد أبتر، فنزل: ﴿إنا أعطيناك الكوثر﴾، عوضًا عن مصيبتك بالقسم، رواه يونس في
زيادات المغازي.
ولابن جرير عن شمر بن عطية: كان عقبة بن أبي معيط يقول: لا يبقى لمحمد ولد وهو
أبتر، فأنزل اللَّه فيه: ﴿إِن شانئك هو الأبتر﴾.
وللطيراني بسند ضعيف عن أبي أيوب: لما مات إبراهيم مشى المشركون بعضهم إلى
بعض، فقالوا: إن هذا الصابىء قد بتر الليلة، فأنزل اللَّه: ﴿إنا أعطيناك الكوثر﴾، إلى آخر السورة،
إن صح هذا كله، فقد تعدد السبب، والنزول بمكة والمدينة، إذ موت إبراهيم بها.
(وعلى هذا، فالمعنى أنه) تعالى (يعطيه) عَّرِ (نسلاً يبقون على ممر الزمان،) فهو
من وضع الماضي موضع المستقبل، (فأنظر كم قتل من أهل البيت) مع الحسين وبعده، (ثم
العالم ممتلىء منهم، ولم يتفق ذلك لنبي من الأنبياء غيره) مثل هذا.
(وقيل: الكوثر: الخير الكثير) الذي أعطاه اللَّه إياه، قاله ابن عباس، رواه البخاري وغيره،
فهو وصف مبالغة في المفرط الكثرة، فيشمل النبوة والقرآن والخلق الحسن العظيم، وكثرة
الأتباع، والعلم، والشفاعة، والمقام المحمود وغيرها، مما أنعم به عليه، لكن أورد عليه أن أراد

٣٣٣
النوع الأول في ذكر آيات تتضمن عظم قدره ورفعة ذكره
وقيل: علماء أمته، وقيل الإسلام، ولا ريب أنهما من الخير الكثير، فالعلماء
ورثة الأنبياء، كما رواه أحمد وأبو داود والترمذي، وأما «علماء أمتي كأنبياء بني
ابن عباس بهذا بيان ما وضع له لغة، أو بيان معنى عام خص في الآية، فلا كلام فيه، وإن أراد
تفسير الآية، فالنص النبوي جاء بخلافه، کما مر ويأتي.
(وقيل: النبوة وهي من الخير الكثير) الذي أعطيه، (وقيل: علماء أمته،) وجعل
البيضاوي مجموع أولاده والأتباع العلماء ولا واحد العلة، قول آخر لم يذكره المصنف.
(وقيل: الإسلام ولا ريب،) لا شك (أنهما،) أي: الإسلام والعلماء (من الخير الكثير،)
الذي فسر به ابن عباس الكوثر، فلا يقصر عليهما ولا على النبوة ولا غيرها، بل يعم شرف
الدارين، (فالعلماء ورثة الأنبياء)،) لأن الميراث ينتقل للأقرب، وأقرب الذين فازوا بالحسنيين
العلم والعمل، وحازوا الفضيلتين الكمال والتكميل، ولا رتبة فوق رتبة النبوة، فلا شرف فوق
شرف وارث تلك الرتبة، ولذا اشتغلت الملائكة وغيرهم من المخلوقات بالاستغفار والدعاء لهم
إلى يوم القيامة.
وروى ابن عدي وأبو نعيم والديلمي عن علي، رفعه: العلماء مصابيح الأرض، وخلفاء
الأنبياء، وورثتي وورثة الأنبياء، قال تعالى: ﴿ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا﴾ [فاطر/
٣٢].
قال الكشاف: ما سماهم ورثة الأنبياء، إلا لمداناتهم لهم في الشرف والمنزلة، لأنهم
القوّام بما بعثوا من أجله.
وقال الغزالي: لا يكون العالم وارثًا إلا إذا طلع على جميع معاني الشريعة، حتى لا يكون
بينه وبينه إلا درجة النبوة، وهي الفارق بين الوارث والموروث، إذ هو الذي حصل له المال
واشتغل بتحصيله، واقتدر عليه، والوارث هو الذي لم يحصله، لكن انتقل إليه وتلقاه عنه. انتهى.
(كما رواه أحمد وأبو داود والترمذي) وابن ماجه والبيهقي، كلهم عن أبي الدرداء:
سمعت رسول اللَّه عَّ يقول: (من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل الله له طريقًا إلى الجنة،
وأن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يصنع، وأن العالم ليستغفر له من في
السموات ومن في الأرض حتى الحيتان في الماء، وفضل العالم على العابد، كفضل القمر على
سائر الكواكب، وأن العلماء ورثة الأنبياء، إن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، إنما ورثوا العلم،
فمن أخذه أخذ بحظ وافر)، صححه ابن حبان والحاكم وغيرهما، وحسنه حمزة الكناني، وضعفه
الترمذي وغيره بالاضطراب في سنده.
قال السناوي: لكن له شواهد يتقوى بها، ولذا قال شيخنا: له طرق يعرف بها أن

٣٣٤
النوع الأول في ذكر آيات تتضمن عظم قدره ورفعة ذكره
إسرائيل)) فقال الحافظ ابن حجر، ومن قبله الدميري والزركشي، أنه لا أصل له. نعم
روى أبو نعيم في فضل العالم العفيف بسند ضعيف عن ابن عباس رفعه: أقرب
الناس من درجة النبوة أهل العلم والجهاد.
وقيل: الكوثر كثرة الأتباع والأشياع.
وعن بعضهم: المراد بالكوثر العلم، وحمله عليه أولى لوجوه: أحدها أن
العلم هو الخير الكثير، والثاني: إما أن يحمل الكوثر على نعم الآخرة أو على نعم
الدنيا، قال: والأول غير جائز لأنه قال: ﴿إنا أعطيناك الكوثر﴾، والجنة سيعطيها لا
للحديث أصلاً، وقد أخرجه الديلمي عن البراء بن عازب، رفعه: ((العلماء ورثة الأنبياء، يحبهم
أهل السماء، وتستغفر لهم الحيتان في البحر إذا ماتوا))، وأورده أيضًا بلا سند عن أنس، مرفوعًا:
((العلماء ورثة الأنبياء، وإنما العالم من عمل بعلمه)).
(وأما) خبر (علماء أمتي کألبياء بني إسرائيل،) فإنهم كانوا يدعون إلى شريعة موسى
من غير أن يأتوا بشرع مجدد، وكذا علماء هذه الأمة يدعون إلى الشريعة المحمدية.
(فقال الحافظ ابن حجر، ومن قبله الدميري والزركشي: أنه لا أصل له).
زاد بعضهم: ولا يعرف في كتابه معتبر.
وسئل عنه الحافظ العراقي، فقال: لا أصل له، ولا إسناد بهذا اللفظ، ويغنى عنه العلماء
ورثة الأنبياء، وهو حديث صحيح.
وعن عبد الله بن عمرو، مرفوعًا: أكرموا حملة القرآن، فمن أكرمهم فقد أكرمني، ومن
أكرمني فقد أكرم اللَّه، ألا فلا تنقصوا حملة القرآن حقوقهم، فإنهم من اللَّه بمكان، كاد حملة
القرآن أن يكونوا أنبياء إلا أنه لا يوحى إليهم، رواه الديلمي، وقال: إنه غريب جدًا.
قال السخاوي: وفيه من لا يعرف، وأحسبه غير صحيح.
(نعم، روى أبو نعيم في) كتاب (فضل العالم العفيف بسند ضعيف، عن ابن عباس،
رفعه: أقرب الناس من درجة النبوّة أهل العلم والجهاد،) لأنهم لما قاموا مقام الأنبياء في
الأمرين استحقوا أن يكونوا أقرب الناس من درجتهم.
(وقيل: الكوثر: كثرة الأتباع والأشياع) (بمعجمة وتحتية عطف) مساو، (وعن بعضهم:
المراد بالكوثر العلم، وحمله عليه أولى لوجوه،) أي: ثلاثة:
(أحدها: أن العلم هو الخير الكثير) الذي يتفرع عنه سعادة الدارين.
(و) الوجه (الثاني: إما أن يحمل الكوثر على نعم الآخرة، أوعلى نعم الدنيا، قال)
ذلك البعض: (والأول غير جائز) إن حمل على حقيقة اللفظ، (لأنه قال: ﴿إنا أعطيناك

٣٣٥
النوع الأول في ذكر آيات تتضمن عظم قدره ورفعة ذكره
أنه أعطاها، فوجب حمل الكوثر على ما وصل إليه في الدنيا، وأشرف الأمور
الواصلة إليه في الدنيا هو العلم والنبوة، فوجب حمل اللفظ على العلم، والثالث:
أنه لما قال ﴿إنا أعطيناك الكوثر﴾ قال عقبة: ﴿فصل لربك وانحر﴾ والشىء
الذي يتقدم على العبادة هو المعرفة، ولأن ((الفاء)) في قوله فصلٍ للتعقيب، ومعلوم
أن الموجب للعبادة ليس إلا العلم.
وقيل: الكوثر الخلق الحسن، كما قال عَّ في حديث: ذهب حسن
الخلق بخير الدنيا والآخرة. رواه الطبراني. وعن ابن عباس: جميع نعم اللَّه تعالى
صَلى اله
على نبيه عَبَّةٍ.
وبالجملة: فليس حمل الآية على بعض هذه النعم أولى من حملها على
الباقي، فوجب حملها على الكل، ولذا روي أن سعيد بن جبير لما روى هذا القول
الكوثر﴾،) بصيغة الماضي، (والجنة سيعطيها لا أنه أعطاها، فوجب حمل الكوثر على ما
وصل إليه في الدنيا،) إبقاء للفظ أعطينا على حقيقته، (وأشرف الأمور الواصلة إليه في
الدنيا، هو العلم والنبوّة، فوجب حمل اللفظ على العلم،) كأنه قصره عليه مع اشتراكه مع
النبوّة في أنهما أشرف ما وصل إليه، لأن العلم مترتب عليها، فكأنه المقصود بالوحي، وثمراته
كثيرة بخلاف النبوّة، فخاصة به عليه الصلاة والسلام.
(و) الوجه (الثالث: أنه لما قال: ﴿إنا أعطيناك الكوثر﴾، قال عقبه: ﴿فصل لربك
وانحر﴾، والشىء الذي يتقدم على العبادة هو المعرفة،) أي: العلم بالأحكام، فيفيد أنه
المراد، (ولأن الفاء في قوله فصل، للتعقيب، ومعلوم أن الموجب،) أي: السبب المقتضي
(للعبادة ليس إلا العلم،) فيفيد أنه المراد، لكن هذا كله استنباط عقلي لا يلاقي تفسيره علية.
بأنه نهر في الجنة.
(وقيل: الكوثر: الخلق الحسن،) لأن به سعادة الدارين، (كما قال عَّ في حديث:
ذهب حسن الخلق بخير الدنيا والآخرة، رواه الطبراني،) والبزار، (وعن ابن عباس:) أن
الكوثر (جميع نعم الله تعالى على نبيه عَّله)) فشمل النبوّة والعلم، وجميع ما مر وغيره من
النعم التي لم تذكر.
(وبالجملة، فليس حمل الآية على بعض هذه النعم أولى من حملها على الباقي،
فوجب حملها على الكل، ولذا روي أن سعيد بن جبير لما روى هذا القول،) إن الكوثر

٣٣٦
النوع الأول في ذكر آيات تتضمن عظم قدره ورفعة ذكره
عن ابن عباس قال له بعضهم: إن ناسًا يزعمون أنه نهر في الجنة، فقال سعيد:
النهر الذي في الجنة من الخير الذي أعطاه اللَّه إياه.
قال الإمام فخر الدين بن الخطيب: قال بعض العلماء: ظاهر قوله تعالى:
﴿إنا أعطيناك الكوثر﴾ يقتضي أنه تعالى قد أعطاه ذلك الكوثر فيجب أن يكون
الأقرب حمله على ما آتاه اللَّه تعالى في الدنيا من النبوة والقرءان والذكر العظيم
جميع النعم، (عن ابن عباس،) لكن الذي رواه البخاري من طريق أبي بشر وعطاء بن السائب،
عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: الكوثر: الخير الكثير الذي أعطاه اللَّه إياه.
قال أبو بشر: فقلت لسعيد: إن ناسًا يزعمون أنه نهر في الجنة، فقال سعيد: النهر الذي في
الجنة من الخير الذي أعطاه الله إياه، (قال له بعضهم،) هو أبو بشر جعفر بن أبي وحشية، واسمه
إياس: (إِنَّ ناسًا،) وفي رواية: أُناسًا (بضم الهمزة)، وسمي منهم أبو إسحق السبيعي وقتادة
(يزعمون،) يقولون، (أنه نهر في الجنة، فقال سعيد: النهر الذي في الجنة من الخير الذي
أعطاه اللَّه إياه،) لأن النهر فرد من أفراد الخير الكثير، فلا تنافي، لكن صرح ◌َّله؛ بأنه نهر في
الجنة، کما في مسلم، ويأتي، و کما مر عن الصحیحین في حديث المعراج؛ أن جبريل قال له:
هذا الكوثر الذي أعطاك ربك.
وفي الصحيح عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود؛ أنه سأل عائشة عن قوله تعالى: ﴿إنا
أعطيناك الكوثر﴾، قالت: نهر أعطيه نبيكم في الجنة، شاطئاه عليه در مجوّف، آنيته كعدد
النجوم، فأي معدل عن هذا على أنه قد ورد عن ابن عباس تفسيره بالنهر، فكأن بلغه عن
المصطفى، فرجع عن الاستنباط.
أخرج ابن أبي الدنيا عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿إنا أعطيناك الكوثر﴾، قال: هو نهر
في الجنة، عمقه سبعون ألف فرسخ، ماؤه أشد بياضًا من اللبن، وأحلى من العسل، شاطئاه من
اللؤلؤ والزبرجد والياقوت، خص اللَّه به نبيه قبل الأنبياء، وما ذكر فى عمقه لا يخالفه ما رواه ابن
أبي الدنيا.
عنه أيضًا أنه سئل: ما أنهار الجنة، أفي أخدود؟، قال: لا، ولكنها تجري على أرضها، لا
تفيض ههنا ولا ههنا، لأنه أجيب؛ بأن المراد أنها ليست في أخدود، كالجداول ومجاري الأنهار
في الأرض، بل سائحة على وجه الأرض مع عظمها وارتفاع حافاتها، فلا ينافي ما ذكر في
عمقها.
(قال الإمام فخر الدين بن الخطيب) الرازي: (قال بعض العلماء: ظاهر قوله تعالى:
﴿إنا أعطيناك الكوثر﴾، يقتضي أنه تعالى قد أعطاه ذلك الكوثر، فيجب أن يكون الأقرب

٣٣٧
النوع الأول في ذكر آيات تتصمن عظم قدره ورفعة ذكره
والنصر على الأعداء. وأما الحوض وسائر ما أعدَّه اللَّه له من الثواب فهو وإن جاز
أن يقال: إنه داخل فيه لأن ما ثبت بحكم وعد اللَّه فهو كالواقع، إلا أن الحقيقة
ما قدمناه، لأن ذلك وإن أعدَّ له فلا يصح أن يقال على الحقيقة إنه أعطاه الكوثر
في حال نزول هذه السورة بمكة، ويحتمل أن يجاب عنه بأن من أقر لولده الصغير
بشىء يصح أن يقال: أعطاه ذلك الشىء، مع أن الصبي في ذلك الحال ليس أهلاً
للتصرف. انتهى.
وقد روينا في صحيح مسلم من حديث أنس بينما رسول اللَّه عَ له بين
أظهرنا إذ أغفى إغفاءة، ثم رفع رأسه متبسمًا، فقلنا ما يضحكك أضحك اللَّه
حمله على ما آتاه اللَّه تعالى في الدنيا من النبوة، والقرآن، والذكر العظيم، والنصر على
الأعداء،) والآيات البينات.
(وأما الحوض) الذي له في القيامة، وهو أحد ما قيل في تفسير الكوثر، كما في الشفاء،
(وسائر ما أعده اللَّه له من الثواب) في الآخرة، (فهو وإن جاز أن يقال إنه داخل فيه، لأن
ما ثبت بحكم وعد اللَّه، فهو كالواقع،) لأنه لا يخلف وعده، وجوازه لا يوجب الحمل عليه،
ولا يرجحه، لأنه إذا حمل عليه بخصوصه، أو على ما يشمله كان مجازًا، وإذا حمل على ما
أعطيه في الدنيا فقط كان حقيقة، وهي مقدمة على المجاز ما أمكنت، حيث لا مانع، وقد علم
أن المانع تفسيره ◌َّه؛ بأنه نهر في الجنة، (إلا أن الحقيقة ما قدمناه،) في قوله: فيجب أن
يكون الأقرب .. الخ، لأن ما أعطاه في الدنيا ثبت إعطاؤه له بالعقل، فاستعمال الإعطاء حقيقة
فيه، بخلاف أمور الآخرة، (لأن ذلك وإن أعد له، فلا يصح أن يقال على الحقيقة، أنه أعطاه
الكوثر في حال نزول هذه السورة بمكة)، وإنما يصح أن يقال ذلك على المجاز، إما لأنها ستعطي، أو
لأنه تعالى قدر في علمه أنها له، فعبر عنها بأعطينا.
(ويحتمل أن يجاب عنه؛ بأن من أقر لولده الصغير بشىء، يصح أن يقال أعطاه ذلك
الشىء، مع أن الصبي في ذلك الحال ليس أهلاً للتصرف. انتهى.
وعليه يحمل أعطى على ما أعطاه من أمور الدنيا والآخرة، ولا يكون مجازًا، لأن من
وهب شيئًا لولده الصغير، وقبله له صار ملكًا حقيقيًا للصغير، فما هنا كذلك.
(وقد روينا في صحيح مسلم،) وسنن أبي داود والنسائي، (من حديث أنس: بينما)
(بالميم) (رسول اللَّه عٍَّ بين أظهرنا،) أي: بيننا، وأظهر زائدة، (إذ أغفي إغفاءة،) أي: نام
نومة خفيفة، (ثم رفع رأسه متبسمًا، فقلنا: ما يضحكك، أضحك الله سنك يا رسول اللَّه،) قال

٣٣٨
النوع الأول في ذكر آيات تتضمن عظم قدره ورفعة ذكره
سنك، يا رسول الله؟ قال: نزلت على سورة آنفًا فقرأ: ﴿بسم اللّه الرحمن الرحيم،
إنا أعطيناك الكوثر، فصل لربك وانحر إن شانئك هو الأبتر﴾. ثم قال: أتدرون
ما الكوثر؟ قلنا اللَّه ورسوله أعلم، قال: فإنه نهر وعدنيه ربي، عليه خير كثير، وهو
حوض ترد عليه أمتي يوم القيامة، آنيته عدد النجوم، فيختلج العبد منهم فأقول:
رب إنه من أمتي، فيقول: ما تدري ما أحدث بعدك.
الأبي: عبروا بالضحك عن التبسم لوضوح البسم منه عَّله، فعبروا عنه بالضحك، (قال: نزلت
عليّ سورة آنفًا،) أي: قريبًا، (فقرأ: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم، إنا أعطيناك الكوثر، فصل
لربك وانحر، إن شانئك هو الأبتر﴾، فهم منه فاهمون أن السورة نزلت في تلك الإغفاءة، لأن
رؤيا الأنبياء وحي.
قال في الإتقان: والأشبه أن القرآن كله نزل يقظة، وأجاب الرافعي؛ بأنه خطر له في النوم
سورة الكوثر، المنزلة في اليقظة، أو عرض عليه الكوثر الذي نزلت فيه السورة، فقرأها عليهم،
وفسره لهم، أو الإغفاء ليست نومًا، بل هي البرحاء التي كانت تعتريه عند الوحي.
قال في الإتقان: والأخبر أصح من الأول، لأن قوله: أنزل عليّ آنفًا، يدفع كونها نزلت قبل
ذلك.
(ثم قال: أتدرون ما الكوثر؟، قلنا: اللَّه ورسوله أعلم، قال: فإنه نهر) داخل الجنة، كما
رآه المصطفى ليلة المعراج، كما مر في حديث أنس في الصحيح، (وعدنيه ربي) بقوله: ﴿إنا
أعطيناك الكوثر﴾، (عليه خير كثير،) منه قوله سابقًا: حافتاه قباب الدر، وطينه مسك أذفر، (وهو
حوض،) أي: نهر في الجنة، يسيل في حوض، (ترد عليه أمتي يوم القيامة،) وفي رواية
لأحمد: ويفتح نهر الكوثر إلى الحوض.
وفي مسلم عن أبي ذر: أن الحوض يشخب فيه ميزابان من الجنة، قال المصنف: ويطلق
على الحوض کوثر، لکونه یمد منه.
وقال الحافظ: وهذا النهر هو الذي يصب في الحوض، فهو مادة الحوض، كما جاء
صريحًا في البخاري، (آنيته عدد النجوم،) ولأحمد من رواية الحسن، عن أنس: أكثر من عدد
نجوم السماء.
وفي الصحيحين من حديث ابن عمرو: وكيزانه كنجوم السماء، من شرب منه فلا يظمأ
أبدًا، (فيختلج) (بضم التحتية، وسكون المعجمة، وفتح الفوقية، واللام، وبالجيم مبني
للمفعول)، أي: يجتذب ويقتطع (العبد منهم، فأقول: رب إنه من أمتي،) فلم أخرج منهم،
(فيقول: ما تدري ما أحدث بعدك) من الردة عن الإسلام والمعاصي، فيمنعون من الحوض

٣٣٩
النوع الأول في ذكر آيات تتضمن عظم قدره ورفعة ذكره
وهذا تفسير صريح منه عَ ل بأن المراد بالكوثر - هنا - الحوض، فالمصير إليه
أولى، وهذا هو المشهور كما تقدم.
فسبحان من أعطاه هذه الفضائل العظيمة وشرفه بهذه الخصال العميمة،
وحباه بما أفاضه عليه من نعمه الجسيمة.
وقد جرت عادة اللَّه تعالى مع أنبيائه عليهم الصلاة والسلام أن يناديهم بأسمائهم
الأعلام نحو: ﴿يا آدم اسكن﴾ [البقرة/٣٥] ﴿يا نوح اهبط﴾ [هود/٤٨] ﴿يا
موسى إني أنا اللّهِ﴾ [القصص/٣٠]، ﴿يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك﴾
حتى يطهروا من ذنوبهم، وأحضر المرتدون) زيادة لتنكيلهم، وحسرتهم، (وهذا تفسير صريح
منه مَّ بأن المراد بالكوثر هنا الحوض،) أي: النهر الذي يصب في الحوض بدليل قوله نهر،
(فالمصير إليه أولى،) أي: أحق وأوجب.
وقول الشارح: أي: من حيث الاعتبار، فلا ينافي ما قدمه من أنه واجب فيه، أنه لم يقدم
ذلك، إنما قدم الوجوب في تفسيره بغير ذلك، (وهذا هو المشهور، كما تقدم) في قوله: إنه نهر
في الجنة، وهذا هو المشهور المستفيض عند السلف والخلف، وهذا صريح في تأويل قوله
الكوثر: الحوض بما قلناه، لأنه الذي قدمه.
وقد قيل: إن المراد به الحوض الذي في القيامة على ظاهر الحديث، فلا تأويل، وقيل:
الشفاعة، وقيل: المعجزات الكثيرة، وقيل: المعرفة، أي: العلوم اللدنية التي أفاضها عليه بلا
واسطة، فكأنها كوثر، وقيل: تخفيفات الشريعة، وقيل: كثرة الأمة، ومغايرته لكثرة الأتباع بحمله
على أصحابه لكثرتهم على اتباع غيره عن المرسلين جدًا، وقيل: رفعة الذكر، وقيل: الدعوات
المجابات له، وقيل: كلمة التوحيد لا إله إلا اللَّه، محمد رسول اللّه، وقيل: الخمس صلوات
التي خصت بها أمته، فهذه عشرة، والمصنف حكى عشرة، فتلك عشرون أصحها الأول.
(فسبحان من أعطاه هذه الفضائل العظيمة، وشرفه بهذه الخصال العميمة، وحباه)
بموحدة (بما أفاضه عليه من نعمه:) جمع نعمة، (الجسيمة، وقد جرت عادة اللّه تعالى مع
أنبيائه عليهم الصلاة والسلام، أن يناديهم بأسمائهم الأعلام نحو: ﴿يا آدم اسكن) أنت وزجك
الجنة﴾، وبدأ به، لأنه أبو البشر المقدم عليهم، (﴿يا نوح اهبط) بسلام﴾، وكذا يا إبراهيم، قد
صدقت الرؤيا (﴿يا موسى إني أنا اللَّه﴾، ﴿يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك﴾،) ﴿يا
داود إنا جعلناك خليفة في الأرض﴾، ﴿يا زكريا إنا نبشرك بيحبى﴾، ﴿خذ الكتاب﴾.

٣٤٠
النوع الأول في ذكر آيات تتضمن عظم قدره ورفعة ذكره
[المائدة/١١٠]، وأما نبينا محمد عَّ له فناداه بالوصف الشريف من الإنباء والإرسال
فقال: يا أيها النبي، يا أيها الرسول. وللَّه در القائل:
ودعا جميع الرسل كلاّ باسمه ودعاك وحدك بالرسول وبالنبي
قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام: ولا يخفى على أحد أن السيد إذا دعا
عبيده بأفضل ما أوجد لهم من الأوصاف العلية والأخلاق السنية ودعا الآخرين
بأسمائهم الأعلام التي لا تشعر بوصف من الأوصاف، ولا بخلق من الأخلاق، أن
منزلة من دعاه بأفضل الأسماء والأوصاف أعز عليه وأقرب إليه ممن دعاه باسمه
(وأما نبينا محمد عَّله، فناداه بالوصف الشريف من الإنباء والإرسال،) الدال على
التعظيم والملاطفة لمنزلته عنده، (فقال: يا أيها النبي، يا أيها الرسول،) يا أيها المزمل، يا أيها
المدثر، فلم يذكر باسمه في النداء تعظيمًا، وذكر في الخبر، كقوله: ﴿وما محمد إلا رسول﴾،
﴿محمد رسول اللَّه﴾، ﴿ومبشرًا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد﴾، لأنه ورد مورد التعيين
والإعلام؛ بأن صاحب هذا الاسم هو الرسول، وقوله تعالى: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة
حسنة﴾ [الأحزاب/٢١] الآية، لما لم يورد هذا المورد لم يذكر اسمه.
(ولله درّ القائل:
(ودعا جميع الرسل كلاً باسمه ودعاك وحدك بالرسول وبالنبي)
دعا: نادى، ومراد المصنف خطاب اللَّه تعالى له في القرآن باسمه، فلا يرد عليه، كما
توهم خطابه بقوله: ﴿إنك لا تهدي من أحببت﴾ [القصص/٥٦] الآية، وقوله: ﴿وإنك لتهدي
إلى صراط مستقيم﴾ [الشورى/٥٢] الآية، وقوله في المحشر: ارفع رأسك وقل تسمع
يا محمد ولم يقل: يا أيها النبي، أو يا أيها الرسول، وإن قيل حكمته أنه أخصر، ففيه سرعة
إجابته، وتطويل الكلام لا يناسب مقام الاذن في الشفاعة، وقد سرى هذا التشريف بيركته إلى
أمته.
ففي الخصائص: إن اللَّه شرفهم بخطابهم في القرآن، بقوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾،
وخاطب الأمم السالفة بيا أيها المساكين.
(قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام: ولا يخفى على أحد أن السيد إذا دعا،) نادى
(عبيده بأفضل ما أوجد لهم،) أعطاهم، (من الأوصاف العلية، والأخلاق السنية،) بمعنى العلية
فحسنه اختلاف اللفظ، (ودعا آخرين،) وفي نسخة: غيرهم (بأسمائهم الأعلام التي لا تشعر
بوصف من الأوصاف، ولا بخلق) (بضمتين) (من الأخلاق،) دل دعاؤه لذلك البعض على (أن
منزلة من دعاه بأفضل الأسماء والأوصاف أعز عليه وأقرب إليه ممن دعاه باسمه العلم،)