Indexed OCR Text
Pages 261-280
٢٦١ المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء وقال آخر: لما سأل موسى عليه السلام الرؤية، ولم تحصل له البغية، بقي الشوق يقلقه، والأمل يعلله، فلما تحقق أن سيدنا محمدًاعَّله منح الرؤية، وفتح له باب المزية، أكثر السؤال ليسعد برؤية من قد رأى. كما قيل: واستنشق الأرواح من نحو أرضكم لعلي أراكم أو أرى من يراكم تجودون لي بالعطف منكم عساكم وأنشد من لاقيت عنكم عساكم فأنتم حياتي إن حييت وإن أمت فيا حبذا إن مت عبد هواكم وقال آخر: وإنما السر في موسى يردده ليجتلي حسن ليلي حين يشهده إنه رآه أم لا. (وقال آخر) من الصوفية أيضًا: (لما سأل موسى عليه السلام الرؤية، ولم تحصل له البغية) (بكسر الباء وضمها لغة)، أي: الحاجة التي طلبها، (بقي الشوق يقلقه:) يزعجه، (والأمل:) الرجاء (يعلله،) أي: يشغله بما رجاه، فيسهل عليه الأمر، ويتسلى بما يترجاه، (فلما تحقق أن سيدنا محمدًا عَّالِ منح الرؤية) لله سبحانه، (وفتح له باب المزية أكثر السؤال،) أي: قصد بتكرير رجوعه، (ليسعد برؤية،) أي: تكرار رؤية (من قد رأى). قال الحافظ: ويحتاج إلى ثبوت تجديد الرؤية في كل مرة. انتهى، أي: فإنها ما ثبتت سوى مرة مع قوة الخلاف، وتعقب بأن محبته لرؤية من رأى لا تتوقف على تجددها، إذ يكفي علمه بأنه رآه مرة واحدة، لعلمه أنه حصل له بها ما لم يحصل لغيره، فيحمله ذلك على محبة رؤيته ومخاطبته، ويكررها، بل مثله يحمل على محبة الاتصال به، بحيث يود أن لا يفارقه لحظة، ويؤيده قوله: وأشرب الماء ما بي نحوه عطش إلا لأن في عيوني سيل واديها (كما قيل: واستنشق الأرواح:) جمع روح، بالفتح، وهو نسيم الريح (من نحو أرضكم، لعلي أراكم أو أرى من يراكم،) فكلاهما محبوب، (وأنشد) أسأل (من لاقيت عنكم، عساكم تجودون:) تسمحون (لي بالعطف:) الحنوّ والشفقة (منكم، عساكم) تأكيد لفظي للتقوية، وفيه تجريد الفعل بعد عسى من أن، وهو قليل، (فأنتم حياتي إن حييت، وإن أمت) بهواكم (فيا حبذا إن مت عبد هواكم،) لأنه غاية السعادة. (وقال آخر:) وإنما السر في موسى يردده ليجتلي حسن ليلي حين يشهده ٢٦٢ المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء يبدو سناها على وجه الرسول فيا للَّه در رسول حين أشهده وقال آخر: لما جلس الحبيب في مقام القرب، دارت عليه كؤوس الحب، ثم عاد، وهلال ما كذب الفؤاد ما رأى بين عينيه، وبشر فأوحى إلى عبده ما أوحى ملء قلبه وأذنيه، فلما اجتاز بموسى عليه السلام، قال لسان حاله لنبينا عَّه. يا واردًا من أهيل الحي يخبرني عن جيرتي شنف الأسماع بالخبر ناشدتك اللَّه يا راوي حديثهم حدث فقد ناب سمعي اليوم عن بصري فأجاب لسان حال نبيناءٌ ولقد خلوت مع الحبيب وبيننا سر أرق من النسيم إذا سرى وأباح طرفي نظرة أملتها فغدوت معروفًا وكنت منكرًا فكل قوم يلحظون مذهبهم، وقد علم كل أناس مشربهم، واللَّه تعالى بفضله يبدو سناها على وجه الرسول فيا للَّه در رسول حين أشهده (وقال آخر) من الصوفية في حكمة ذلك: (لما جلس الحبيب،) المصطفى، (في مقام القرب،) أي: الموضع الذي حصلت فيه المناجاة لربه الذي لم يصل إليه ملك مقرب، ولا نبي مرسل سواه، (دارت عليه كؤوس الحب،) حيث قال له: اتخذتك حبيبًا، (ثم عاد، وهلال) واحد الأهلة، (ما كذب الفؤاد ما رأى بين عينيه، وبشر) بكسر الموحدة وسكون المعجمة، (فأوحى إلى عبده ما أوحى ملء قلبه وأذنيه، فلما اجتاز بموسى عليه السلام قال لسان حاله لنبينا معَة:) يا واردًا من أهيل الحي يخبرني عن جيرتي شنف الأسماع بالخبر ناشدتك اللَّه يا راوي حديثهم حدث فقد ناب سمعي اليوم عن بصري شنف الأسماع، أي: فرحها بخبر الأحباب وسرها، أي: أصحابها بذلك مأخوذ من شنف الجارية، إذا جعل لها شنفًا، وهو ما يعلق في أعلى الأذن. (فأجاب لسان حال نبيناءَ لّه) بقول ابن الفارض: ولقد خلوت مع الحبيب وبيننا سر أرق من النسيم إذا سرى وأباح طرفي نظرة أملتها فغدوت معروفًا وكنت منكرا وحاصل هذا أن حكمة ترديده ليعلم ما أوحي إليه، فأشير للجواب؛ بأنه من السر الذي لا يفشى، ثم هي حكم لا تتزاحم، (فكل قوم يلحظون مذهبهم، وقد علم كل أناس مشربهم:) موضع شربهم، فلا يشاركهم غيرهم فيه، (واللَّه تعالى بفضله وإحسانه يوالي انسجام سحائب ٢٦٣ المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء وإحسانه يوالي انسجام سحائب عفوه ورضوانه على العارف الرباني الشيخ أبي عبد الرحمن السلمى، فلقد أجاد إذ أفاد بما أفرده من لطائف المعراج حسبما جمعه من كلام أهل الإشارات، بأقوم منهاج. وقد استدل العلماء بقوله في الحديث انهن خمس صلوات كل يوم وليلة، بكل صلاة عشر فتلك خمسون: عفوه ورضوانه على العارف الرباني الشيخ) محمد بن الحسين بن محمد بن موسى (أبي عبد الرحمن السلمي) (بضم السين وفتح اللام) نسبة إلى جد له اسمه سليم الأزدي، النيسابوري، الصوفي، سمع الأصم وغيره، وسأل الدارقطني عن الرجال سؤال عارف بالحديث، وعنه القشيري، والبيهقي والحاكم، ومات قبله بسبع سنين، وكان حافظًا، عالمًا، زاهدًا، ثقة، ولا عبرة بمن قال: كان يضع للصوفية الأحاديث، ولد سنة ثلاثين وثلاثمائة. قال الذهبي: كان وافر الجلالة وتصانيفه، قيل: نحو ألف، مات ثالث شعبان سنة اثنتي عشرة وأربعمائة بنيسابور، (فلقد أجاد إذ أفاد بما أفرده من لطائف المعراج حسبما جمعه من كلام أهل الإشارات بأقوم منهاج،) أي: طريق. قال ابن أبي جمرة: والحكمة في أن إبراهيم لم يتكلم في طلب التخفيف؛ أن مقام الخلة، إنما هو الرضا والتسليم، والكلام في هذا الشأن ينافي ذلك المقام، وموسى هو الكليم، والكليم أعطى الإدلال والانبساط، ومن ثم استبد موسى بأمر النبي عَّ بطلب التخفيف دون إبراهيم، مع أن للمصطفى من الاختصاص بإبراهيم أزيد مما له من موسى لمقام الأبوّة، ورفعة المنزلة، والاتباع في الملة. وقال غيره: الحكمة في ذلك ما أشار إليه موسى في نفس الحديث من سبقه إلى معالجة قومه في هذه العبادة بعينها، وأنهم خالفوه وعصوه. قال القرطبي: وأما قول من قال: إن موسى أول من لاقاه بعد الهبوط، فلا يصح، لأن حديث لملك بن صعصعة؛ أنه رآه في السادسة، وإبراهيم في السابعة، أقوى إسنادًا من حديث شريك؛ أنه رأى موسى في السابعة. قال الحافظ: إذا جمعنا بينهما بأنه لقيه في الصعود في السادسة، وصعد معه إلى السابعة، فلقيه فيها بعد الهبوط، ارتفع الإشكال وبطل الرد. (وقد استدل العلماء بقوله في الحديث) السابق قريبًا من رواية ثابت، عن أنس، عند مسلم؛ (أنهن خمس صلوات، كل يوم وليلة، بكل صلاة عشر، فتلك خمسون) صلاة، ونحوه حديث أبي ذر: هن خمس وهن خمسون، لا يبدل القول لدي. ٢٦٤ المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء على عدم فريضة ما زاد على الصلوات الخمس، كالوتر. وعلى دخول النسخ قبل الفعل. قال ابن بطال وغيره: ألا ترى أنه عز وجل نسخ الخمسين بالخمس قبل أن نصلي؟ ثم تفضل عليهم بأن أكمل لهم الصواب. وتعقبه ابن المنير فقال: هذا ذكره طوائف من الأصوليين والشراح وغيرهم، وهو مشكل على من أثبت النسخ قبل الفعل كالأشاعرة، أو منعه كالمعتزلة. لكونهم اتفقوا جميعًا على أن النسخ لا يتصور قبل البلاغ. وحديث الإسراء وقع فيه النسخ قبل البلاغ، فهو مشكل عليهم جميعًا. قال وهذه نكتة مبتكرة. انتهى. فإن أراد قبل البلاغ لكل أحد فممنوع، وإن أراد قبل البلاغ إلى بعض الأمة وفي رواية شريك: كل حسنة بعشر أمثالها، فهي خمسون في أمّ الكتاب، وهي خمس عليك، أي: وعلى أمتك (على عدم فريضة ما زاد على الصلوات الخمس، كالوتر) خلافًا لمن قال به، (وعلى دخول النسخ قبل الفعل،) كذا في النسخ، وصوابه على جواز، وفيه سقط، فلفظ فتح الباري: وعلى دخول النسخ في الإنشاءات، ولو كانت مؤكدة خلافًا، فالقوم فيما أكد، وعلى جواز النسخ قبل الفعل. (قال ابن بطال وغيره: ألا ترى أنه عز وجل نسخ الخمسين بالخمس، قبل أن نصلي، ثم تفضل عليهم؛ بأن أكمل لهم الصواب، وتعقبه ابن المنير، فقال: هذا ذكره طوائف من الأصوليين، والشراح وغيرهم، وهو مشكل على من أثبت النسخ قبل الفعل، كالأشاعرة(،) ا بناء على قولهم بجواز، بل وقوع التكليف بما لا يستطاع، لأن الأفعال كلها مخلوقة للَّه تعالى، والعبد مطالب بما لا يقدر على إيجاده، ولا يقدر على إحرازه، لقوله: ﴿واللَّه خلقكم وما تعملون﴾ [الصافات/٩٦]، (أو منعه، كالمعتزلة) جريًا على قولهم العبد يخلق فعل نفسه، ويوجد طاعة ربه باستطاعته، فلا يتصور التكليف عندهم بما لا يستطاع، فلا يتصور النسخ قبل التمكن من الفعل، (لكونهم اتفقوا جميعًا على أن النسخ لا يتصور قبل البلاغ). قال المصنف: وتعقب بأن الخلاف مأثور، نص عليه ابن دقيق العيد في شرح العمدة وغيره، (وحديث الإسراء وقع فيه النسخ قبل البلاغ، فهو مشكل عليهم جميعًا). (قال) ابن المنير: (وهذه نكتة مبتكرة. انتهى،) وتعقبه الحافظ، وتبعه المصنف بقوله: (فإن أراد قبل البلاغ لكل أحد فممنوع،) لأن ذلك بلغ النبي عَّه، (وإن أراد قبل البلاغ إلى بعض، الأمة،) صوابه إسقاط بعض كما في الفتح، (فمسلم، لكن قد يقال هو بالنسبة إليهم، ٢٦٥ المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء فمسلّم، لكن قد يقال: ليس هو بالنسبة إليهم ليس نسخًا، لكن هو نسخ بالنسبة إلى النبي صٍَّ لأنه كلف بذلك قطعًا، ثم نسخ بعد أن بلغه وقبل أن يفعله، فالمسألة صحيحة التصور في حقه ولما رجع عَّ من سفر الإسراء، مر في بعض طريقه بعير لقريش تحمل طعامًا، فيها جمل يحمل غرارتين: غرارة سوداء وغرارة بيضاء، فلما حاذى العير نفرت منه واستدارت وانصرع ذلك البعير. ليس نسخًا، لكن هو نسخ بالنسبة إلى النبي عَّة، لأنه كلف بذلك قطعًا، ثم نسخ بعد أن بلغه، وقبل أن يفعله، فالمسألة صحيحة التصور في حقه عَّليه) وهذا الاستدراك إنما هو إيضاح لما قبله، لكن التعقب على ابن المنير بهذا فيه نظر، لأنه ذكر في معراجه الجواب بتصور النسخ في حق النبي صَّه، وقال: هذا جواب ضعيف، بل كان التكليف عامًا لقول موسى: إن أمتك لا تطيق ذلك، وسله التخفيف لأمتك، وتجويز أن التكليف كان عليه خاصة لرواية فرض على خمسين صلاة، لكنه فهم أن الأمة تدخل بعد، وكذا فهم موسى، فراجعه في التخفيف، وكذا كل تكليف يتقدم فيه الرسول على الأمة تقدمًا زمانيًّا، لأنه يبلغه عن اللَّه قبل أن يبلغهم منه، ولذا قال: وأنا أول المسلمين، فيه نظر، لأنه لو فهم دخولهم دخلوا ضرورة، إذ فهمه صواب قطعًا، فيعود الإشكال، لأنه اختص بالتكليف، ثم التخفيف، ثم كلفت الأمة بالتخفيف لا بالأصل، فلم يدخلوا فيه البتة، فالأحسن الجواب؛ بأنه عام في حقه وحقهم، والتخفيف أيضًا عام، وإنما صح النسخ في حق الأمة، لأن الإسلام يوجب على كل مسلم الدخول في فروعه وشرائعه، فكل من آمن في حياته عليه السلام آمن على أن ثم تكاليف، منها ما نزل مبينًا بكل وجه، وما نزل مجملاً من وجه مبينًا من وجه وما لم ينزل وسينزل، والتزام الإسلام شامل للجميع، فكما يجوز النسخ بعد البلاغ، وفيه نوع إجمال، كذلك يجوز قبل البلاغ، لأنه دخل عليه بالالتزام العام، ولا فرق بين إجمال وإجمال، وأكثر الفرائض إنما وجب مجملاً، ثم بين وقت الحاجة، كالصلاة والزكاة، لم يقترن بأول وجوبها، ذكر أعدادها، ولا أوقاتها، ولا شرائطها. انتهى ملخصًا. (ولما رجع ◌َّ من سفر الإسراء مر في بعض طريقه بعير:) بكسر العين، إبل بأحمالها (لقريش، تحمل طعامًا، فيها جمل يحمل غرارتين:) تثنية غرارة، وهي الجوالق (بجيم مضمومة فواو فألف فقاف)، الخرج، (غرارة سوداء، وغرارة بيضاء، فلما حاذى العير نفرت منه واستدارت،) أي: دار بعضها ببعض من النفزة، (وأنصرع ذلك البعير) وانكسر، رواه ابن أبي حاتم عن أنس. (وفي رواية) له أيضًا، عنه: (ومر بعير) إِبل، (قد أضلوا بعيرًا،) أي: واحدًا، وهو ناقة، ٢٦٦ المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء وفي رواية: ومر بعير قد أضلوا بعيرًا لهم قد جمعه فلان. قال عَّةٍ: فسلمت عليهم فقال بعضهم: هذا صوت محمد. ثم أتى محمد عَ لّه مكة قبل الصبح وأخبر قومه بما رأى، وقال لهم: إن من آية ما أقول لكم أني مررت بعير لكم في مكان كذا وكذا، وقد أضلوا بعيرًا لهم قد جمعه فلان، وأن مسيرهم ينزلون بمكان كذا وكذا، ويأتونكم يوم كذا وكذا يقدمهم جمل آدم وعليه مسح أسود وغرارتان، فلما كان ذلك اليوم أشرف الناس ينظرون حتى إذا كان قريب من نصف النهار أقبلت العير يقدمهم ذلك الجمل كما وصف عليه السلام. وفي رواية للبيهقي: سألوه آية، فأخبرهم بقدوم العير يوم الأربعاء، فلما كان ذلك اليوم لم يقدموا حتى كادت الشمس أن تغرب، فدعا اللَّه تعالى فحبس والبعير يقع على الذكر والأنثى (لهم، قد جمعه فلان،) أي: أتى به. قال المجد: الجمع، كالمنع تأليف المفترق، (قال ◌َّ: فسلمت عليهم، فقال بعضهم: هذا صوت محمد) لأنه سلم عليهم، كما في الرواية، (ثم أتى محمد) عَّ (مكة قبل الصبح، وأخبر قومه بما رأى، وقال لهم: إن من آية ما أقول لكم أني مررت بعير لكم في مكان كذا وكذا،) أي: بالروحاء، كما في حديث أم هانىء، (وقد أضلوا بعيرًا لهم قد جمعه فلان) لرجل سماه، فنسي الراوي اسمه، (وأن مسيرهم ينزلون بمكان كذا وكذا، ويأتونكم يوم كذا وكذا، يقدمهم) بضم الدال، كقوله تعالى: ﴿يقدم قومه﴾ [هود/٩٨]، والماضي بفتحتها (جمل آدم))) بفتح الهمزة، والمد، وفتح الدال، وأصله آآدم بهمزتين، أبدلت الثانية ألفًا، أي: شديد السواد، والناقة أدماء، كما في الصحاح، (وعليه مسح أسود وغرارتان). وفي رواية أبي يعلى: قالوا فأخبرنا عن عدتها وما فيها من الرعاة؟، قال: وكنت عن عدتها مشغولاً، ثم قام، فأتى الإبل، فعدها، وعلم ما فيها من الرعاة، ثم أتى قريشًا، فقال: هي كذا وكذا، وفيها من الرعاة فلان وفلان، فكان كما قال (فلما كان ذلك اليوم) الذي قال إنهم يأتون فيه، (أشرف الناس ينظرون حتى إذا كان قريب من نصف النهار، أقبلت العير يقدمهم ذلك الجمل، كما وصف عليه السلام). (وفي رواية للبيهقي) عن يونس بن بكير، وعن إسمعيل السدي (سألوه آية، فأخبرهم بقدوم العير يوم الأربعاء، فلما كان ذلك اليوم لم يقدموا حتى كادت الشمس أن تغرب، فدعا الله تعالى، فحبس الشمس حتى قدموا، كما وصف،) وهو مخالف للرواية فوقه، أنها أقبلت قرب نصف النهار، ولا خلف، لأنه مر بعیرین، بل بثلاثة، فكان إحداها تأخرت. ٢٦٧ المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء الشمس حتى قدموا كما وصف. وعن عائشة: لما أسري بالنبي عٍَّ إلى المسجد الأقصى أصبح يحدث الناس بذلك، فارتد ناس كانوا آمنوا، وسعى رجال من المشركين إلى أبي بكر فقالوا: هلم إلى صاحبك، يزعم أنه أسري به الليلة إلى بيت المقدس، قال: وقد قال ذلك: قالوا: نعم، قال: لئن قال ذلك لقد صدق، قالوا: أتصدقه أنه ذهب إلى وقد روى الطبراني وابن مردويه عن أم هانيء، قالوا: أخبرنا عن عيرنا؟، فقال: أتيت على عير بني فلان بالروحاء، قد ضلوا ناقة لهم، فانطلقوا في طلبها، فانتهيت إلى رحالهم، فليس بها منهم أحد، وإذا قدح ماء، فشربت منه، ثم انتهيت إلى عير بني فلان، فيها جمل عليه غرارتان، غرارة سوداء، وغرارة بيضاء، فلما حاذيت العير نفرت، وصرع ذلك البعير وانكسر، ثم انتهيت إلى عير بني فلان في التنعيم، يقدمهم جمل أورق، عليه مسح أسود، وغرارتان سوداوان، وها هي ذه تطلع عليكم من التثنية، فاستقبلوا الإبل، فقالوا: هل ضل لكم بعير؟، قالوا: نعم، فسألوا العير الآخر، فقالوا: هل انكسر لكم ناقة حمراء؟، قالوا: نعم، قالوا: فهل كان عندكم قصعة من ماء؟، فقال رجل: أنا واللّه وضعتها، فما شربها أحد منا، ولا أهريقت في الأرض. زاد أبو يعلى وابن عساكر: فرموه بالسحر، وقالوا: صدق الوليد، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس﴾ [الإسراء/٦٠]. (وعن عائشة لما أُسري بالنبي ګ إلى المسجد الأقصى، اُصبح يحدث الناس بذلك، فارتد ناس كانوا آمنوا،) لأنهم استبعدوا وقوع ذلك بالشقاوة التي كتبت عليهم. وفي حديث ابن عباس عند أحمد والبزار بإسناد حسن، قال: قال رسول اللَّه عَ له: ((لما كان ليلة أسرى بي، وأصبحت بمكة مر بي عدو اللَّه أبو جهل، فقال: هل كان من شيء؟، قلت: إني أسري بي الليلة إلى بيت المقدس، قال: ثم أصبحت بين أظهرنا؟، قلت: نعم، قال: فإن دعوت قومك أتحدثهم بذلك؟، قلت: نعم، قال: يا معشر بني كعب بن لؤي، فانقضت إليه المجالس، فقال: حدث قومك بما حدثتني، فحدثهم، فمن بين مصفق ومن بین واضع يده على رأسه متعجبًا. (وسعى رجال من المشركين إلى أبي بكر، فقالوا: هلم إلى صاحبك، يزعم أنه أسري به الليلة إلى بيت المقدس، قال: وقد قال ذلك، قالوا: نعم،) وفي رواية ابن إسحق، فقال لهم أبو بكر: إنكم لتكذبون علیه، قالوا: بل ها هو ذاك في المسجد یحدث به الناس، (قال: لئن قال ذلك لقد صدق،) أي: لئن تحققتم قوله ذلك، فتحققوا أنه قد صدق، لأنكم تعلمون أنه لا يكذب، فأتى باللام، وقد زيادة في تحقق صدقه، (قالوا: أتصدقه أنه ذهب إلى ٢٦٨ المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء بيت المقدس وجاء قبل أن يصبح؟ فقال: نعم، إني لأصدقه فيما هو أبعد من ذلك، أصدقه في خبر السماء في غدوة أو روحة، فلذلك سمي الصديق. رواه الحاكم في المستدرك، وابن إسحق. وزاد ثم أقبل حتى انتهى إلى رسول اللَّه عَ ◌ّ فقال: يا نبي الله، أحدثت هؤلاء أنك جئت بيت المقدس هذه الليلة؟ قال: نعم، فقال: يا نبي اللَّه صفه لي فإني قد جئته، قال الحسن: فقال رسول اللَّه عَ لّهِ: فرفع لي المسجد حتى نظرت إليه، فجعل رسول اللَّه عَلَّه يصفه لأبي بكر، فيقول أبو بكر: صدقت، أشهد أنك رسول اللّه، كلما وصف له منه شيئًا. وقول أبي بكر: صفه لي، لم يكن عن شك، فإنه صدقه من أول وهلة، ولكنه أراد إظهار صدقة عليه الصلاة والسلام لقومه، فإنهم كانوا يثقون بأبي بكر، فإذا طابق خبره عليه السلام ما كان يعلم أبو بكر وصدقه كان حجة ظاهرة عليهم. بيت المقدس، وجاء قبل أن يصبح، فقال: نعم، إني لأصدقه فيما هو أبعد من ذلك،) وأزال توهم قصر البعد على الأرض بقوله، (أصدقه في خبر السماء في غدوة) (بضم الغين) ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس، (أو روحة:) اسم للوقت من الزوال للمغرب، (فلذلك سمي الصديق، رواه الحاكم في المستدرك ) من حديث عائشة، (وابن إسحق) من حديث الحسن البصري مرسلاً. (وزاد: ثم أقبل حتى انتهى إلى رسول اللَّه عَ لّه، فقال: يا نبي اللَّه أحدثت) (بهمزة الاستفهام وتاء الخطاب)، كما هو في ابن إسحق، (هؤلاء) القوم بـ (أنك جئت بيت المقدس هذه الليلة؟، قال: نعم) حدثتهم (فقال: يا نبي اللَّه صفه لي، فإني قد جئته). (قال الحسن البصري: (فقال رسول اللَّه عَ ل: فرفع لي المسجد حتى نظرت إليه، · يصفه لأبي بكر، فيقول أبو بكر: صدقت، أشهد أنك رسول اللَّه، نجعل رسول الله ،مما وصف له منه شيئًا،) قال: صدقت، أشهد أنك رسول اللَّه حتى انتهى، قال عمر: وأنت يا أبا بكر الصديق، فيومئذ سماه الصديق، وأنزل اللَّه: ﴿وما جعلنا الرؤية﴾، الآية، هذا بقيته في ابن إسحق. (وطول أبي بكر: صفه لي، لم يكن عن شك، فإنه صدقه من أول وهلة، ولكنه أراد إظهار صدقه عليه الصلاة والسلام لقومه، فإنهم كانوا يثقون،) بمثلثة من الوثوق (بأبي بكر، فإذا طابق خبره عليه السلام ما كان يعلم أبو بكر وصدقه كان حجة ظاهرة عليهم). ٢٦٩ المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء وفي رواية البخاري فجلى اللَّه لي بيت المقدس أي كشف الحجب بيني وبینه حتی رأيته. وفي رواية مسلمٍ: فسألتني عن أشياء لم أثبتها، فكربت كربًا شديدًا لم أكرب مثله قط، فرفعه اللَّه لي أنظر إليه، ما يسألوني عن شىء إلا أنبأتهم به. فيحتمل أن يكون حمل إلى أن وضع بحيث يراه، ثم أعيد، ففي حديث ابن عباس عند أحمد والبزار: فجيء بالمسجد وأنا أنظر إليه حتى وضع عند دار عقيل فنعته وأنا أنظر إليه. وهذا أبلغ في المعجزة، ولا استحالة فيه، فقد أحضر عرش بلقيس في طرفة عين. (وفي رواية البخاري) ومسلم، كلاهما عن جابر؛ أنه سمع رسول اللَّه عَ لّه يقول: لما كذبني قريش قمت في الحجر، (فجلی) (بجيم وتخفيف اللام)، ولأبي ذر عن الكشميهني بتشديدها، (اللَّه لي بيت المقدس،) فطففت أخبرهم عن آياته وأنا أنظر إليه، هذا بقيته في البخاري ومسلم، وقوله: فجلى، (أي: كشف الحجب بيني وبينه حتى رأيته،) والمسجد في مكانه. (وفي رواية مسلم) عن أبي هريرة، رفعه: لقد رأيتني فى الحجر وقريش تسألني عن مسراي، (فسألتني عن أشياء) من بيت المقدس (لم أثبتها)، أي: لم أعرفها حق المعرفة، (فكربت) (بضم الكاف وكسر الراء) من الکرب، وهو الغم الذي يأخذ النفس لشدته (کربًا شديدًا،) وفي رواية: كربة بضم الكاف وسكون الراء، (لم أكرب مثله) بتذكير الضمير عائدًا على معنى كربة على روايتها، وهو الغم والهم، أو الشيء (قط، فرفعه اللَّه لي أنظر إليه، ما يسألوني عن شىء إلا أنبأتهم،) أخبرتهم (به، فيحتمل أن يكون حمل إليّ أن وضع بحيث يراه، ثم أعيد). (ففي حديث ابن عباس عند أحمد والبزار: فجيء بالمسجد وأنا أنظر إليه حتى وضع عند دار عقيل، فنعته وأنا أنظر إليه). قال الحافظ: وهذا يقتضي أنه أزيل من مكانه حتى أحضر إليه، وما ذلك في قدرة الله بعزيز، (وهذا أبلغ في المعجزة) من كشفه له عن المسجد، وهو في مكانه، (ولا استحالة فيه، فقد أحضر عرش بلقيس في طرفة عين) لسليان. ٢٧٠ المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء وأما ما وقع في حديث أم هانىء عند ابن سعد: فخيل إلي بيت المقدس، وطفقت أخبرهم عن آياته، فإن ثبت احتمل أن يكون المراد مُثِل قريبًا منه، كما قيل في حديث: أريت الجنة والنار ويؤول قوله في حديث ابن عباس: جيء بالمسجد، أي جيء بمثاله. وفي حديث أم هانىء المذكور: أنهم قالوا له: كم للمسجد من باب». قال: ولم أكن عددتها قال: فجعلت أنظر إليه وأعدها بابًا بابًا. وعند أبي يعلى: إن الذي سأله عن صفة بيت المقدس وهو المطعم بن عدي، والد جبير بن مطعم. (وأما ما وقع في حديث أم هانيء عند ابن سعد: فخيل إليّ بيت المقدس، وطفقت) (بكسر الفاء وسكون القاف) (أخبرهم عن آياته:) علاماته، (فإن ثبت،) لفظ خيل، زاد الحافظ: ولم يكن مغيرًا من قوله فجلى، (احتمل أن يكون المراد مثل قريبًا منه، كما قيل في حديث: أريت الجنة والنار، ويؤول قوله في حديث ابن عباس: جيء بالمسجد، أي: جيء بمثاله،) زاد الحافظ: ويؤيد الاحتمال الأول، أي: تفسير جلي، بكشف حديث شداد بن أوس عند البزار والطبراني، ففيه: ثم أتيت أصحابي قبل الصبح بمكة، فأتاني أبو بكر، فقال: أين كنت الليلة؟، قلت: إني أتيت بيت المقدس، فقال: إنه مسيرة شهر، فصفه لي، قال: ففتح إليّ شراك، كأني أنظر إليه، لا يسألني عن شىء إلا أنبأته عنه. (وفي حديث أم هانيء المذكور أنهم قالوا له: كم للمسجد من باب؟، قال: ولم أكن عددتها، قال: فجعلت أنظر إليه وأعدها بابًا بابًا،) أي: بعد باب. (وعند أبي يعلى) من حديث أم هانيء؛ (أن الذي سأله) عَ ◌ّهِ (عن صفة بيت المقدس هو المطعم بن عدي،) الميت على كفره، (والد جبير) (بضم الجيم) (ابن مطعم،) النوفلي، الصحابي الشهير، ولا تنافي؛ فإنه سأله استمحانًا، وأبو بكر إرادة، لأن يصدقه قومه، وقد علم الصديق؛ أنه إن لم يكن أثبته تلك الليلة، فاللَّه يطلعه عليه، ثم لا ينافي إسناد السؤال إلى المطعم رواية من روى أن الكفار قالوا: يا محمد صف لنا بيت المقدس كيف بناؤه، وكيف هيئته، وكيف قربه من الجبل، فذهب ينعت لهم: بناءه كذا، وهيئته كذا، وقربه من الجبل كذا، فقال القوم: أما النعت، فوالله لقد أصاب لاحتمال أن المطعم هو الذي ابتدأ سؤاله من المشركين، كما أنه الذي تولى كبر التكذيب يومئذ. روى أبو يعلى وغيره عن أم هانيء: أنه عَّ لما أخبرهم بالإسراء إلى بيت المقدس ٢٧١ المقصد الشّادِس ما ورد في آي التنزيل من عظيم قدره ورفعة ذكره وأشار ابن أبي جمرة: إلى أن الحكمة في الإسراء إلى بيت المقدس إظهار الحق. للمعاند، لأنه لو عرج به من مكة إلى السماء لم يجد لمعاندة الأعداء سبيلاً إلى البيان والإيضاح، حيث سألوه عن جزئيات من بيت المقدس كانوا رأوها، وعلموا أنه لم يكن رآها قبل ذلك، فلما أخبرهم بها حصل التحقيق أنه أسري به إلى بيت المقدس. وإذا صح البعض لزم تصحيح الباقي، فكان ذلك سببًا لقوة إيمان المؤمنين، وزيادة في شقاء من عائد وجحد من الكافرين، والله أعلم. المقصَد السَّادِس في ما ورد في آي التنزيل من عظيم قدره ورفعة ذكره، وشهادته له بصدق ضجوا وأعظموا ذلك، فقال المطعم بن عدي: كل أمرك قبل اليوم كان أممًا غير قولك اليوم، أنا أشهد أنك كاذب، نحن نضرب أكباد الإبل مصعدًا شهرًا، ومنحدرًا شهرًا، تزعم أنك قد أتيته في ليلة، واللات والعزى لا أصدقك، فقال أبو بكر: یا مطعم بئس ما قلت، لابن أخيك جبهته، و كذبته، أنا أشهد أنه صادق. (وأشار ابن أبي جمرة إلى أن الحكمة في الإسراء إلى بيت المقدس إظهار الحق للمعاند،) الذي يريد إخماد الحق، (لأنه لو عرج به من مكة إلى السماء لم يجد لمعاندة الأعداء سبيلاً إلى البيان والإيضاح، حيث سألوه عن جزئيات) تتعلق بالإسراء، وبينها بقوله (من) سؤالهم عن صفة (بيت المقدس) حتى أبوابه عن عدتها (كانوا رأوها، وعلموا أنه لم يكن رآها قبل ذلك، فلما أخبرهم بها حصل التحقيق أنه أسري به إلى بيت المقدس،) وإن أصروا على التكذيب فلمحض العناد، (وإذا صح البعض لزم تصحيح الباقي، فكان ذلك سببًا لقوة إيمان المؤمنين، وزيادة في شقاء من عائد وجحد من الكافرين،) أصلاً وارتدادًا، وثم حكم أخر، ولا تتزاحم، (والله أعلم) بحقيقة الحكمة في ذلك، وقد اقتصر المصنف في الإسراء والمعراج على الزبد التي ذكرها، لأن مرامه الاختصار، وإلا فمعلوم ما فيه من التصانيف المبسوطة التي لو جمعت واختصرت كانت عدة أسفار كبار. المقصد السادس (في) بيان (ما ورد في آي التنزيل من عظيم قدره) بيان لما، أي: بيان مقداره وشرف رتبته (ورفعة،) أي: أعلاه، (ذکره) بین الناس بأمرهم بالثناء عليه فيه، وقرن اسمه باسمه محمد رسول اللّه، وجعل طاعته طاعته، من يطع الرسول فقد أطاع الله، وخطابه بألقاب يا أيها النبي، يا أيها الرسول، (وشهادته له،) أي: إخباره، والشهادة خبر قاطع، كما في القاموس (بصدق نبوته،) ٢٧٢ المقصد السادس ما ورد في آي التنزيل من عظيم قدره ورفعة ذكره نبوته، وثبوت بعثته، وقسمه تعالى على تحقيق رسالته، وعلو منصبه الجليل ومكانته، ووجوب طاعته، واتباع سنته، وأخذه تعالى له الميثاق على سائر النبيين فضلاً ومنة ليؤمنن به إن أدركوه ولينصرنه، والتنويه به في الكتب السالفة كالتوراة والإنجيل بأنه صاحب الرسالة والتبجيل وغير ذلك. أي: بوجودها وتحققها في نفسها، لتحقق أنها وحي من الله، والمراد بصدقه عليه السلام في دعواها، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿إنا أرسلناك بالحق بشيرًا ونذيرًا﴾ [البقرة/١١٩]، وقوله: ﴿يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك﴾ [المائدة/٦٧]، وقوله: ﴿ولكن رسول الله وخاتم النبيين﴾ [الأحزاب/٤٠]، وقوله: ﴿يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا وداعيًا إلى اللَّه بإذنه وسراحجا منيرًا﴾ [الأحزاب/٤٥]، فجعله شاهدًا على أمته بإبلاغهم الرسالة، وهذا من خصائصه، ومبشرًا لأهل الطاعة، ونذيرًا لأهل المعصية، وداعيًا إلى توحيد اللَّه، وسرائجا منيرًا يهتدى به للحق، (وثبوت بعثته،) كالدليل على تحقق نبوته، (وقسمه تعالى على تحقيق رسالته،) بنحو: ﴿يس والقرآن الحكيم إنك لمن المرسلين على صراط مستقيم﴾ [يس/١]، (وعلو منصبه:) حسبه وشرفه (الجليل) العظيم، (ومكانته:) عظمته، يقال مكن فلان مكانة، بزنة ضخم ضخامة: عظم وارتفع، فهو مكين، أو استقامته، يقال الناس على مكانتهم، أي: على استقامتهم، (ووجوب طاعته) بنحو: ﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا اللَّه وأطيعوا الرسول﴾ [النساء/٥٩]، (واتباع سنته) طريقته بنحو قوله: ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم اللَّه﴾ [آل عمران/٣١]، وقوله: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾ [آل عمران/٣١]، (وأخذه تعالى له الميثاق على سائر،) أي: جميع (النبيين فضلاً،) أي: إحسانًا (ومنة،) أي: إنعامًا، (ليؤمنن به إن أدركوه، ولينصرنه) بقوله: ﴿وإذ أخذ اللَّه ميثاق النبيين﴾ [آل عمران/٨١]، (والتنويه))) أي: الرفع والتعظيم (به في الكتب السالفة) بذكر اسمه، ونعته فيها (كالتوراة والإنجيل،) كما في الصحيح عن عبد الله بن عمر؛ أنه عَّ موصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن: ﴿إنا أرسلناك شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا﴾، الحديث في التنزيل عن الإنجيل، ومبشرًا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد. وفي نسخ: والتوراة والإنجيل من عطف الخاص على العام، تنبيهًا على عظم قدرهما حتى كأنهما نوع مغاير لما عطف عليه (بأنه صاحب الرسالة والتبجيل،) متعلق بقوله، والتنويه به بعد تعلقه بالأول، والمعنى رفع ذكره؛ بأنه صاحب الرسالة، وهذا أظهر من كونه بدلاً منه (وغير ذلك). ٢٧٣ تمهيد تمهيد اعلم أطلعني اللَّه وإياك على أسرار التنزيل، ومنحنا بلطفه تبصرة تهدينا إلى سواء السبيل، أنه لا سبيل لنا أن نستوعب الآيات الدالة على ذلك، وما فيها من التصريح والإشارة إلى علو محله الرفيع ومرتبته، ووجوب المبالغة في حفظ الأدب معه، وكذلك الآيات التي فيها ثناؤه تعالى عليه وإظهاره عظيم شأنه لديه، وقسمه تعالى بحياته، ونداؤه بـ ((الرسول)) و((النبي)) ولم يناد باسمه بخلاف غيره من الأنبياء، فناداهم بأسمائهم إلى غير ذلك مما يشير إلى أنافة قدره العلي عنده، وأنه لا مجد يساوي مجده. ومن تأمل القرءان العظيم وجده طافحًا بتعظيم اللَّه تعالى تمهید (أعلم) أمر يصدر به ما يعتنى به من الكلام، (أطلعني اللَّه وإياك على أسرار التنزيل،) بمعنى المنزل، وهو القرآن، أو الكتب المنزلة، فيشمل جميعها، (ومنحنا:) وهبنا (بلطفه تبصرة،) أي: تنويرًا في قلوبنا، وهي رؤية الأشياء بعين البصيرة، بحيث لا يقتصر منها على رؤية ظاهرها، بل تعير إلى ما يؤول إليه باطنها، كذا في لطائف الأعلام (تهدينا إلى سواء السبيل:) الطريق، ومعمول اعلم؛ (أنه لا سبيل لنا أن نستوعب الآيات الدالة على ذلك، وما فيها من التصريح والإشارة،) أي: من حيث دلالتها على ذلك، فلا ينافي أن الآيات الدالة محصورة معدودة في أنفسها، بل حروف القرآن كلها محصورة مضبوطة، واحتمال أن المراد بالآيات معناها اللغوي، وهو العلامات الدالة على نبوته وغيرها، مما ثبت له من الكمالات، مدفوع بأن الترجمة فيما ورد في آي التنزيل لا في مطلق العلامات، (إلى علو محله الرفيع،) أي: لشريف، (ومرتبته، ووجوب المبالغة في حفظ الأدب معه،) كقوله: ﴿لا تقدموا بين يدي الله ورسوله﴾ [الحجرات/١]، (وكذلك الآيات التي فينا ثناؤه تعالى عليه، وإظهاره عظيم شأنه لديه:) عنده، (وقسمه تعالى بحياته،) بقوله: ﴿لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون﴾ [الحجر/٧٢]، اتفق المفسرون على أنه قسم من اللَّه بمدة حياته مَّه، حكاه عياض، ومراده مفسر، والسلف، فإنه كما قال ابن القيم: لا يعرف بينهم في ذلك نزاع، ولم يوفق الزمخشري في قوله: إنه خطاب من الملائكة للوط، ويأتي إن شاء اللَّه تعالى بسطه عند حكاية المصنف ذلك، (ونداؤه بالرسول والنبي، ولم یناد باسمه بخلاف غيره من الأنبياء)، (فناداهم بأسمائهم) یا آدم، يا نوح، يا إبراهيم، يا لوط، يا موسى، يا عيسى، إلى غير ذلك مما يشير إلى أنافة،» أي: زيادة، (قدره) من أنافت الدراهم على مائة، زادت عليها (العلي) الرفيع (عنده) تعالى، (وأنه لا مجد يساوي مجده:) شرفه وكرمه في ذاته وأصوله، (ومن تأمل القرآن العظيم وجده طافحًا) ممتلئًا، أي: ٢٧٤ النوع الأول في ذكر آيات تتضمن عظم قدره ورفعة ذكره لنبيه عَّ .. ويرحم اللَّه ابن الخطيب الأندلسي حيث قال: مدحتك آيات الكتاب فما عسى يثني على علياك نظم مديحي وإذا كتاب اللَّه أثنى مفصحًا كان القصور فصار كل فصيح وهذا المقصد - أكرمك اللَّه - يشتمل على عشرة أنواع: النوع الأول في ذكر آيات تتضمن عظم قدره ورفعة ذكره وجليل مرتبته وعلو درجته على الأنبياء وتشريف منزلته قال الله تعالى: ﴿تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض، منهم من كلم اللَّهِ﴾ [البقرة/٢٥٣]. قال المفسرون: يعني موسى عليه الصلاة والسلام، كلمه بلا واسطة، وليس دالاً دلالة ظاهرة بكثرة، بمعنى ناطقًا، فلذا عداه بالباء في قوله: (بتعظيم اللَّه تعالى لنبيه عّلّه، ويرحم اللَّه ابن الخطيب) أبا عبد اللَّه محمد بن جابر (الأندلسي، حيث قال: مدحتك آيات الكتاب) كلها صريحًا، أو استلزامًا بذمها لمخالفه، ودلالتها على إكرامه بنزولها عليه مع اشتمالها على ما فات به غيرها من الكتب السماوية، (فما عسى، يثني على علياك،) أي: شرفك، (نظم مديحي،) أي: فأي: شىء يترجى به أن يليق الثناء به على شرفك التام بالنسبة لما أثنى الله عليك، (وإذا كتاب اللَّه أثنى مفصحًا) عليك، (كان القصور،) أي: العجز، (فصار): (بضم القاف)، أي: غاية (كل فصيح،) أنه يعترف عن الإتيان ببعض وصافك، (وهذا المقصد أكرمك اللَّه) جملة دعائية (يشتمل على عشرة أنواع:) النوع الأول في ذكر آيات تتضمن عظم قدره، ورفعة ذكره، وجليل مرتبته، وعلو درجته على الأنبياء، وتشريف منزلته،) هي والرتبة متقاربان بمعنى على القدر، (قال الله تعالى: ﴿تلك﴾) مبتدأ (﴿الرسل﴾) صفة والخبر (﴿فضلنا بعضهم على بعض﴾) بتخصيصه بمنقبة ليس لغيره (﴿منهم من كلم اللَّهِ﴾ [البقرة/٢٥٣]). (قال المفسرون،) أي: جمهورهم: (يعني موسى عليه الصلاة والسلام كلمه بلا واسطة،) وقيل: المصطفى كلمه ليلة المعراج، (وليس نصًا في اختصاص موسى بالكلام،) ٢٧٥ النوع الأول في ذكر آيات تتضمن عظم قدره ورفعة ذكره نصًا في اختصاص موسى بالكلام، وقد ثبت أنه تعالى كلم نبينا معَّهِ أيضًا كما مر. فإن قلت: إذا ثبت أنه عليه السلام كلمه ربه بلا واسطة وقام به هذا الوصف، فلمّ لم يشتق له من الكلام اسم الكليم، كما اشتق منه لموسى؟ أجيب: بأن اعتبار المعنى قد يكون لتصحيح الاشتقاق كاسم الفاعل فيطرد، بمعنى أن كل من قام به ذلك الوصف يشتق له منه اسم وجوبًا لملاحظة أن صحة استعماله بالنظر لمبدأ الإشتقاق دون غيره. وقد يكون للترجيح فقط، كالكليم والقارورة فلا يطرد، وحينئذ فلا يلزم في كل من قام به ذلك الوصف أن يشتق له منه اسم، كما حققه القاضي عضد الدين، وهذا ملخصه وتحريره، كما قاله لأنه إنما قال منهم، فلا يفهم منه؛ أنه لم يكلم غيره، (وقد ثبت أنه تعالى كلم نبينا أيضًا، كما مره) ليلة المعراج. وقد قال السيوطي: من جملة من كلم من الأنبياء آدم، كما في الحديث، (فإن قلت اإِذا) بمعنى حيث (ثبت أنه عليه السلام كلمه ربه بلا واسطة، وقام به هذا الوصف، فلم لم يشتق له من الكلام اسم الكليم،) بمعنى المكالم، كالجليس بمعنى المجالس، والأنیس بمعنی المؤانس، والنديم بمعنى المنادم، وهو كثير، (كما اشتق منه لموسى، أجيب: بأن اعتبار المعنى قد يكون لتصحيح الاشتقاق، كاسم الفاعل) مثل القائم والضارب، فيطرد بمعنى: أن كل من قام به ذلك الوصف يشتق له منه اسم، (وجوباً لملاحظة أن صحة استعماله بالنظر لمبدأ الاشتقاق دون غيره، وقد يكون للترجيح فقط، كالكليم والقارورة، فلا يطرد)، وحاصله مع الإيضاح، كما قال شيخنا: إن المشتق، وهو ما دل على ذات مبهمة، باعتبار حدث معين قد يكون اشتقاقه لما فهم فيه من المصدر الذي اشتق منه ذلك اللفظ، فلاحظ أن صحة استعماله بالنظر لمبدأ الاشتقاق دون غيره، فإذا اشتق على هذا الوجه وجب إطلاقه على كل ما صدق عليه الضارب والقائم، فإن كلاً منهما يصدق على من اتصف بالضرب والقيام، وقد يكون إطلاقه على معنى، وتخصيصه به؛ باعتبار أثر قام به حمل المستعمل على ملاحظته في أصل وضع اللفظ لذلك المعنى، فوضعه، وهذا من الأسماء المشبهة للصفات، وليس منها، والكليم من هذا النوع، فلا يلزم من إطلاقه على موسى لكلام اللَّه إطلاقه على غيره ممن كلمه اللَّه تعالى. (وحينئذ، فلا يلزم في كل من قام به ذلك الوصف أن يشتق له منه اسم، كما حققه القاضي عضد الدين) عبد الرحمن بن أحمد إلا يجيء المحقق التحرير، يروي تصانيف ٢٧٦ النوع الأول في ذكر آیات تتضمن عظم قدره ورفعة ذكره المولى سعد الدين التفتازاني. وقوله: رفع بعضهم درجات يعني محمدًا عَّه رفعه اللَّه تعالى من ثلاثة أوجه: بالذات في المعراج. وبالسيادة على جميع البشر. وبالمعجزات لأنه عليه الصلاة والسلام أوتي من المعجزات ما لم يؤت نبي قبله. قال الزمخشري: وفي هذا الإبهام من تفخيم فضله وإعلاء قدره ما لا يخفى لما فيه من الشهادة على أنه العلم الذي لا يشتبه، والمتميز الذي لا يلتبس، انتهى. البيضاوي عن زين الدين الهنكي، عنه، وروى عنه محمد بن يوسف الكرماني، شارح البخاري، (وهذا ملخصه وتحريره، كما قاله) تلميذه (المولى سعد الدين التفتازاني:) بفتح الفوقيتين والزاي وسكون الفاء، نسبة إلى تفتازان: قرية بنواحي نسا، ولعل حكمة عدم إطلاقه على المصطفى مع ظهور دلالته على كلامه؛ أن قومه أنكروا الإسراء أصلاً، فلم يسم كليمًا حذرًا من إنكارهم، إذ سمعوه، وتكلمهم بما لا يليق في حقه، ولا دليل قطعي يرد عليهم، فاقتصر على ما ظهر لهم كالإسراء، فإنه وصف لهم بيت المقدس وغيره، فتحققوا صدقه وإن أنكروه عنادًا. (وقوله: ورفع بعضهم درجات، يعني محمدًا عَّهُ، رفعه اللَّه تعالى من ثلاثة أوجه بالذات في المعراج،) إلى مقام لم يصل إليه ملك مقرب، ولا نبي مرسل، (وبالسيادة على جميع البشر،) لقوله: أنا سيد الناس يوم القيامة، (وبالمعجزات، لأنه عليه الصلاة والسلام أوتي من المعجزات ما لم يؤت نبي قبله،) قال عياض: ولأنه بعث إلى الأحمر والأسود، أي: لعموم بعثته. (قال الزمخشري: وفي هذا الإبهام) بقوله بعضهم، (من تفخيم فضله وإعلاء قدره ما لا يخفى، لما فيه من الشهادة على أنه العلم الذي لا يشتبه، والمتميز الذي لا يلتبس،) فهو وإن عبر عنه بالبعض المقتضى لإبهامه، معلوم متميز عن سائر من عداه، ومتعين فيه. قال التفتازاني: في التعبير عنه باللفظ المبهم تنبيه على أنه من الشهرة بحيث لا يذهب الوهم إلى غيره في هذا المعنى، ألا ترى أن التنكير الذي يشعر بالإبهام كثيرًا ما يجعل علمًا على الإعظام والإفخام، فکیف اللفظ الموضوع لذلك. (انتهى) کلام الزمخشري، وقد أحسن فيه، لكنه أساء في قوله بعده، ويجوز أن يريد إبراهيم، أو غيره من أولي العزم من الرسل. ٢٧٧ النوع الأول في ذكر آيات تتضمن عظم قدره ورفعة ذكره وقد بينت هذه الآية وكذا قوله تعالى: ﴿ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض﴾ [الإسراء/٥٥] أن مراتب الأنبياء والرسل متفاوتة، خلافًا للمعتزلة القائلين: بأنه لا فضل لبعضهم على بعض، وفي هاتين الآيتين رد عليهم: وقال قوم: آدم أفضل لحق الأبوة. وتوقف بعضهم فقال: السكوت أفضل. والمعتمد ما عليه جماهير السلف والخلف: أن الرسل أفضل من الأنبياء، وكذلك الرسل بعضهم أفضل من بعض بشهادة هاتين الآيتين وغيرهما. وقد قال بعض المحققين: لم يصب الزمخشري في تجويزه، أن المراد بالبعض غيره، لأن المستحق للتفضيل على الوجه المذكور هو أفضل الأنبياء بإجماع المسلمين، وتأييده بخبر ابن عباس تذاكرنا فضل الأنبياء، فذكرنا نوحًا، وإبراهيم، وموسى وعيسى، فقال له: ((لا ينبغي لأحد أن يكون خيرًا من يحيى بن زكريا»، مدفوع بأن المراد؛ أن في كل نبي نوع فضيلة تخصه، فلا وجه لتخصيص بعضهم بالامتيازَّ من تلك الجهة، فالمنفي في قوله لا ينبغي ... الخ، الخيرية من جميع الوجوه. (وقد بنيت هذه الآية، وكذا قوله تعالى: ﴿ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض﴾)، بتخصيص كل منهم بفضيلة، كموسى بالكلام، وإبراهيم بالخلة، ومحمد بالإسراء، وسليان بالملك، (أن مراتب الأنبياء والرسل،) وفي نسخة: الرسل والأنبياء، أي: الذين ليسوا برسل، أو هو عطف عام على خاص، (متفاوتة، خلافًا للمعتزلة القائلين؛ بأنه لا فضل لبعضهم على بعض، وفي هاتين الآيتين) ﴿تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض﴾ [الإسراء/٥٥]، و ﴿لقد فضلنا بعض النبيين على بعض﴾، (رد عليهم) على سبيل الصراحة،) وقال قوم: آدم أفضل لحق الأبوة،) وليس بشيء، لأنها بمجردها لا تقتضي فضله عليهم مطلقًا، وكم من فرع فضل أصله لخصوصيات شرف بها على الأصل، بل كثيرًا ما تشرف الأصول بفرعها: وكم أب قد علا بابن ذوي شرف كما علا برسول اللَّه عدنان (وتوقف بعضهم) لتعارض الأدلة عليه، (فقال: السكوت أفضل) لعدم القاطع عند ذا البعض، (والمعتمد ما عليه جماهير السلف والخلف، أن الرسل أفضل من الأنبياء،) لأن الرسالة تثمر هداية الأمة، والنبوة قاصرة على النبي، كالعلم والعبادة، خلافًا لمن قال: النبي أفضل، لأن النبوة الوحي بمعرفته تعالى وصفاته، فهي متعلقة به من طرفيها، والرسالة: الأمر بالتبليغ، فهي متعلقة به من أحد الطرفين، وأجيب بأنها تستلزم النبوة، فهي مشتملة عليها، لأنها كالرسول، وأخص من النبوة التي هي أعم، كالنبي. ٢٧٨ النوع الأول في ذكر آيات تتضمن عظم قدره ورفعة ذكره قال بعض أهل العلم - فيما حكاه القاضي عياض -: والتفضيل المراد لهم هنا في الدنيا، وذلك بثلاثة أحوال: أن تكون آياته ومعجزاته أظهر وأشهر، أو تكون أمته أزكى وأكثر، أو يكون في ذاته أفضل وأظهر، وفضله في ذاته راجع إلى ما خصه اللَّه تعالى به من كرامته واختصاصه من كلام أو خلة أو رؤية أو ما شاء الله من ألطافه وتحف ولايته واختصاصه، انتهى. فلا مرية أن آيات نبينا معَّله ومعجزاته أظهر وأبهر وأكثر وأبقى وأقوى، ومنصبه أعلى ودولته أعظم وأوفر وذاته أفضل وأظهر، وخصوصياته على جميع (وكذلك الرسل بعضهم أفضل من بعض بشهادة هاتين الآيتين وغيرهما، قال بعض أهل العلم) بالكتاب والسنة، (فيما حكاه القاضي عياض) في الشفاء: (والتفضيل المراد لهم هناء) عطف على مقدار وعلى ما تقدم، وهنا إشارة لما ذكر قبله (في الدنيا،) متعلق بالتفضيل، (وذلك بثلاثة أحوال،) وفي نسخة أوجه، (أن تكون آياته ومعجزاته أظهر،) وفي نسخة أبهر، أي: أقوى وأغلب من بهر ضوء القمر الكواكب عليها، أو هو بمعنى أظهر (وأشهر،) كانشقاق القمر، وانغلاق البحر، وانقلاب العصا حية، (أو تكون) بالنصب (أمته أزكى:) أتقى وأطهر لبعدهم عن التلبس بما لا يليق، (وأكثر) من غيرهم، (أو يكون في ذاته أفضل،) بزيادة علمه وخصاله المحمودة، (وأظهر) بمعجمة، أي: أشهر، وبمهملة أتقى وأنقى، (وفضله في ذاته) ونفسه (راجع إلى ما خصه اللّه تعالى به من كرامته،) أي: إكرام اللَّه له بما آثر، ومناقب عظيمة وهبها له، (واختصاصه) بالجر معطوف على مدخول إلى (من كلام) بلا واسطة لموسى والمصطفى، وهو بيان لاختصاصه بمعنى ما خصه به، (أو خلة) لإبراهيم والمصطفى، (أو رؤية) عيانًا لنبينا معَّة، (أو ما شاء الله)) أراده لهم غير ما ذكر (من ألطافه:) بفتح الهمزة، أي: عطاياه، (وتحف) بفاء، آخره (ولايته،) أي: تحف أولاها لهم، هكذا في الشفاء، بالفاء فقط، وفسرها شارحها بما ذكر. وقال شيخنا: كان المراد بها ما ميز به تعالى ولايته عن ولاية غيره من الخواص والمزايا التي لم تثبت لغيره. وفي بعض نسخ المصنف: وتحقق ولايته بقافين، أي: ثبوتها بلا ريبة ولا تردد، لكثرة الأدلة المثبتة لها، (واختصاصه) بما اختصهم به من قرة أعين لا يعلمها إلا هو. (انتهى). (فلا مرية) (بالكسر)، لا شك (أن آيات نبينا ومعجزاته أظهر وأبهر) بموحدة، أغلب، (وأكثر وأبقى) بالموحدة، (وأقوى:) أشد، (ومنصبه:) حسبه وشرفه (أعلى، ودولته أعظم وأوفر، وذاته أفضل وأظهر) بالمهملة، (وخصوصياته على جميع الأنبياء أشهر من أن تذكر،) ٢٧٩ النوع الأول في ذكر آيات تتضمن عظم قدره ورفعة ذكره الأنبياء أشهر من أن تذكر، فدرجته أرفع من درجات المرسلين، وذاته أزكى وأفضل من سائر المخلوقين. وتأمل حديث الشفاعة في المحشر، وانتهائها إليه، وانفراده هناك بالسؤدد، كما قال عَّله: أنا سيد ولد آدم، وأول من تنشق الأرض عنه يوم القيامة. رواه ابن ماجه. وفي حديث أنس عند الترمذي: أنا أكرم ولد آدم يومئذ على ربي ولا فخر. لكن هذا لا يدل على كونه أفضل من آدم، بل من أولاده، فالاستدلال بذلك على مطلق أفضليته عليه السلام على الأنبياء كلهم ضعيف. فقد جمعت فيه الأحوال الثلاثة وزيادة، (فدرجته أرفع من درجات المرسلين، وذاته أزكى وأفضل من سائر المخلوقين،) إنشا وملكًا، (وتأمل حديث الشفاعة،) إضافة لأدنى ملابسة لذكرها فيه (في المحشر) (بفتح الشين وكسرها)، (وانتهائها إليه) بعد تنصل رؤساء الأنبياء منها، (وانفراده هناك بالسؤدد)، أي: السيادة، (كما قال ◌َّ: أنا سيد ولد،) يكون جمعًا، وواحدًا، والمراد الأول (آدم، وأول من تنشق الأرض عنه يوم القيامة) أي: أول من يعجل أحياؤه، مبالغة في إكرامه، وتخصيصًا بتعجيل جزيل إنعامه، (رواه ابن ماجه) محمد القزويني. (وفي حديث أنس عند الترمذي،) مرفوعًا: أنا أول الناس خروجًا، إذا بعثوا، وأنا خطيبهم إذا وفدوا، وأنا مبشرهم إذا أيسوا، لواء الحمد يومئذ بيدي، و(أنا أكرم ولد آدم يومئذ على ربي،) إخبار بما منحه من السودد والإكرام، وتحدث بمزيد الفضل والإنعام (ولا فخر،) حال مؤكدة، أي أقول ذلك غير مفتخر به فخر تكبر، أتى به دفعًا لتوهم إرادة الافتخار به. قال القرطبي: إنما قال ذلك، لأنه مما أمر بتبليغه لما يترتب عليه من وجوب اعتقاد ذلك، وأنه حق في نفسه، وليرغب في الدخول في دينه، ويتمسك به من دخل فيه، ولتعظم محبته في قلوب متبعيه، فتكثر أعمالهم وتطيب أحوالهم، ويحصل لهم شرف الدنيا والآخرة، لأن شرف المتبوع متعد لشرف التابع. (لكن هذا لا يدل على كونه أفضل من آدم، بل من أولاده، فالاستدلال بذلك على مطلق أفضليته عليه السلام على الأنبياء كلهم ضعيف،) تبع التفتازاني في شرح العقائد، وقد تعقب بأن المراد سيد جنس الآدميين، فلا يخرج آدم، لأن المراد من ولد آدم كافة البشر، بدليل قوله في حديث أبي هريرة: أنا سيد الناس، وقوله في حديث أبي سعيد: آدم، فمن سواه إلا تحت لوائي، وقد لوح المصنف بعد قليل بمعنى هذا التعقب بقوله، وهذا يدل على أنه أفضل من آدم، وبأن دخول آدم أولوي لأن في ولده من هو أفضل منه، وبأن ذلك من الأسلوب العربي على ٢٨٠ النوع الأول في ذكر آيات تتضمن عظم قدره ورفعة ذكره واستدل الشيخ سعد الدين التفتازاني لمطلق أفضليته عليه الصلاة والسلام بقوله تعالى: ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس﴾ [آل عمران/١١٠] قال: لأنه لا شك أن خيرية الأمم بحسب كمالهم في الدين، وذلك تابع لكمال نبيهم الذي يتبعونه. واستدل له الفخر الرازي - في المعالم - بأنه تعالى وصف الأنبياء بالأوصاف الحميدة، ثم قال لمحمد عَّةٍ: ﴿أولئك الذين هدا اللَّه فبهداهم اقتده﴾ [الأنعام/ ٩٠]، فأمره أن يقتدي بأثرهم، فيكون إتيانه به واجبًا، وإلا فيكون تاركًا للأمر، وإذا حد ﴿اعملوا آل داود شكرًا﴾ [سبأ/ ١٣]، لدخول داود لزومًا، أو قصدًا، وعبر عنه بذلك لإرادة التنصيص على دخول آله معه. (واستدل الشيخ سعد الدين) مسعود بن عمر بن عبد اللَّه (التفتازاني) الشافعي، قال الحافظ في الدرر الكامنة: ولد سنة ست عشرة وسبعمائة، وأخذ عن القطب والعضد، وتقدم في الفنون، واشتهر ذكره وطار صيته، وله تصانيف انتفع بها الناس، مات بسمرقند سنة إحدى وتسعين وسبعمائة، (لمطلق أفضليته عليه الصلاة والسلام) على جميع الأنبياء، (بقوله تعالى: ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس﴾ [آل عمران/١١٠]، قال: لأنه لا شك أن خيرية الأمم بحسب كمالهم في الدين، وذلك تابع لكمال نبيهم الذي يتبعونه،) وهذا إنما ذكره التفتازاني سندًا للإجماع على فضل المصطفى، وتعقب، بأنه لا يصح سندًا له، لأن خيريتهم في الدنيا بزيادة نفعهم، للغير لحديث: ((خير الناس أنفعهم للناس))، وهذا هو الظاهر لحديث البخاري، عن أبي هريرة، قال في الناس: ناس يأتون بهم والسلاسل في أعناقهم حتى يدخلون الإسلام، وخيريتهم في الآخرة، بكثرة ثوابه لحديث البخاري: لكم الأجر مرتين، فغضبت اليهود والنصارى، وقالوا: نحن أكثر عملاً وأقل عطاء، والسر في ذلك؛ أنهم صدقوا الأنبياء كلهم بخلاف جميع الأمم، فإنما صدق كل منهم نبيه ومن قبله، كما نبه عليه عَّله بقوله لهرقل: أسلم تسلم، يؤتك اللَّه أجرك مرتين. قال الكرماني وغيره: مرة للإيمان بنبيهم، ومرة للإيمان بمحمد عآے، والخيرية بأحد هذين المعنيين للأمة لا تدل على أفضلية رسولهم. انتهى، وفيه تأمل. (واستدل له الفخر الرازي في المعالم،) أي: معالم التنزيل، اسم تفسيره؛ (بأنه تعالى وصف الأنبياء بالأوصاف الحميدة) في سورة الأنعام، (ثم قال لمحمد عَّة: ﴿أولئك الذين هدا﴾) هم (﴿اللَّه، فبهداهم):) طريقهم التوحيد والصبر، (﴿اقتده﴾) (بهاء السكت) وقفًا ووصلاً، وفي قراءة بحذفها وصلاً، (فأمره أن يقتدي بأثرهم، فيكون إتيانه به واجبًا، وإلا