Indexed OCR Text

Pages 101-120

١٠١
المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء
من العطش أشد ما أخذني، فأتيت بإناءين أحدهما لبن والآخر عسل، ثم هداني
اللَّه فأخذت اللبن. فقال شيخ بين يدي - يعني لجبريل -: أخذ صاحبك الفطرة.
وقد كان إتيانه بالأواني مرتين، مرة عند فراغه من الصلاة، ومرة عند وصوله
إلى سدرة المنتهى ورؤية الأنهار الأربعة.
وممن صرح بأنه كان مرتين الحافظ عماد الدين بن كثير، وعلى هذا فيكون
(من المسجد حيث شاء اللّه، وأخذني من العطش أشد ما أخذني، فأتيت بإناءين، أحدهما
لبن، والآخر عسل) فعدلت بينهما، هكذا في الحديث قبل قوله، (ثم هداني اللَّه، فأخذت
اللبن، فقال شيخ بين يدي،) أسقط من الرواية، متكىء على منبر له، (يعني لجبريل، أخذ
صاحبك الفطرة،) وإنه لمهدي، كما في بقية حديث شداد.
وفي حديث أبي هريرة عند الشيخين: أتي رسول اللَّه عََِّّ ليلة أسريّ به بإيلياء بإناء فيه
خمر، وإناء فيه لبن، فنظر إليهما، فأخذ اللبن، فقال له جبريل: الحمد لله الذي هداك للفطرة، لو
أخذت الخمر غوت أمتك.
وفي حديث أنس عند البيهقي: فعرض عليه الماء، والخمر واللبن، فأخذ اللبن، فقال له
جبريل: أصبت الفطرة، لو شربت الماء لغزقت وغرقت أمتك، ولو شربت الخمر لغويت وغويت
أمتك ..
قال الحافظ: ويجمع بين هذا الاختلاف في عدد الآنية وما فيها، بحمله على أن بعض
الرواة ذكر ما لم يذكر الآخر، ومجموعها أربعة آنية، فيها أربعة أشياء من الأنهار الأربعة التي رآها
تخرج من أصل سدرة المنتهى، فلعله عرض عليه من كل نهر إناء. انتهى، وسيأتي هذا في كلام
المصنف.
وأما الاختلاف؛ أن عرض الأواني في بيت المقدس، أو بعد سدرة المنتهى، والبيت
المعمور، فالجمع بينهما ما ذکره بقوله:
(وقد كان إتيانه بالأوانى مرتين، مرة عند فراغه من الصلاة) ببيت المقدس، وسببه
ما وقع له من العطش، قاله الحافظ، (ومرة عند وصوله إلى سدرة المنتهى. ورؤية الأنهار
الأربعة) التي رآها تخرج من أصل سدرة المنتهى. وفي هذا أعمال لجميع الروايات لصحتها
كلها، وهو أولى من جمع الحافظ أيضًا بحمل، ثم في رواية لملك بن صعصعة؛ أنه أتى بالأواني
بعد سدرة المنتهى، ورفع البيت المعمور له على غير بابها من الترتيب، وإنما هي بمعنى الواو هنا.
(وممن صرح) على طريق الترجي؛ (بأنه كان مرتين الحافظ عماد الدين بن كثير،) لا
الجزم كما يوهمه المصنف: فعبارة الشامي.

١٠٢
المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء
تكرار جبريل عليه السلام للتصويب حيث اختار اللبن تأكيدًا للتحذير مما سواه.
وقد أنكر حذيفة ربط البراق بالحلقة، فروى أحمد والترمذي من حديث
حذيفة قال: يحدثون أنه ربطه، أخاف أن يفر منه، وقد سخره له عالم الغيب
والشهادة؟ وكذا أنكر حذيفة أيضًا صلاته عليه السلام ببيت المقدس.
وتعقبه البيهقي وابن كثير: بأن المثبت مقدم على النافي، يعني من أثبت
ربط البراق والصلاة في بيت المقدس معه زيادة علم على من نفى ذلك، فهو
أولى بالقبول.
قال السهيلي، وابن دحية، وابن المنير، وابن كثير والحافظ: ولعله قدم مرتين، أي: جمعا
بين الروايات، (وعلى هذا، فيكون تكرار جبريل عليه السلام للتصويب، حيث اختار اللبن
تأكيدًا للتحذير مما سواه،) أي: اللبن، وذلك السوي هو الخمر خاصة، (وقد أنكر حذيفة،) بن
اليمان رضي اللَّه عنهما (ربط البراق بالحلقة، فروى أحمد والترمذي من حديث حذيفة قال:
يحدثون أنه ربطه،) أي: البراق، (أخاف أن يفر منه،) كذا في النسخ الصحيحة، بهمزة الإنكار،
ومثلها في الفتح، والنعماني، والشامي والغيطي، فما في نسخ: خاف بحذفها سهو من قلم
المصنف أو نساخه.
(و) الحال أنه (قد سخره له عالم الغيب والشهادة،) فكيف يخاف أن يفر منه، وتجويز
أن خاف بلا همزة، حكاية عن كلام المحدث عنهم، وأنه رد عليهم بقوله، وقد ممنوع، إذ
جميع الذين حدثوا بأنه ربطه، لم يقل أحد منهم أنه خاف أن يفر منه، والجواب عما وجه به
إنكار ربطه؛ أنه لم يفعل ذلك خوفًا.
قال النووي في ربط البراق: الأخذ بالاحتياط في الأمور وتعاطي الأسباب، وأن ذلك
لا يقدح في التوكل، إذا كان الاعتماد على اللَّه.
وقال السهيلي: فيه من الفقه التنبيه على الأخذ بالحزم مع صحة التوكل، وأن الإيمان
بالقدر لا يمنع الحزم من توقي المهالك.
كما روي عن وهب بن منبه، (وكذا أنكر حذيفة أيضًا) في هذا الحديث (صلاته عليه
السلام ببيت المقدس،) واحتج بأنه لو صلى فيه لكتب عليكم الصلاة فيه، كما كتبت عليكم
الصلاة في البيت العتيق.
(وتعقبه البيهقي وابن كثير، بأن المثبت مقدم على النافي، يعني من أثبت ربط
البراق والصلاة في بيت المقدس،) وهم جمهور الصحابة (معه زيادة علم على من نفى
ذلك، فهو أولى بالقبول) من النافي، لأنه لم يصحبه دليل نفيه.

١٠٣
المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء
ووقع في رواية بريدة عند البزار: لما كان ليلة أسري بي، فأتى جبريل
الصخرة التي ببيت المقدس فوضع أصبعه فيها فخرقها، فشد بها البراق، ونحوه
للترمذي.
وفي حديث أبي سعيد عند البيهقي: حتى أتيت بيت المقدس، فأوثقت
دابتي بالحلقة التي كانت الأنبياء تربطها فيه، فدخلت أنا وجبريل بيت المقدس،
قال الحافظ: والجواب عنه منع التلازم في الصلاة إن كان أراد بقوله: كتب عليكم
الفرض، وإن أراد التشريع، فنلتزمه، وقد شرع النبي صَّةُ فيه، فقرنه بالمسجد الحرام ومسجده في
شد الرحل، وذكر فضيلة الصلاة فيه في غير ما حديث.
(ووقع في رواية بريدة عند البزار: لما كان ليلة أُسري بي، فأتى جبريل الصخرة،)
بالفاء، في جواب لما، وهو قليل، أجازه ابن لملك ورده ابن هشام (التي ببيت المقدس) التي
گانت قبلة.
قال البرقي في غريب الموطأ: هي من غرائب الدنيا، فإن جميع المياه تخرج من تحتها،
وهي صخرة صماء في وسط المسجد الأقصى، كجبل بين السماء والأرض، معلقة لا يمسكها إلا
اللَّه، وفي أعلاها موضع قدم النبي عَّ حين ركب البراق ليلة الإسراء، فمالت من تلك الجهة
من هيبته، وفي الجهة الأخرى أثر أصابع الملائكة التي أمسكتها إذ مالت، وكان بعضها أبعد من
الأرض من بعض، وتحتها غار عليه باب يفتح لمن يدخله للصلاة والدعاء.
(فوضع أصبعه فيها، فخرقها، فشد بها البراق، ونحوه للترمذي،) وابن حبان والحاكم،
: لما انتهينا إلى بيت المقدس ليلة أسرى بي، قال جبريل:
وصححه عن بريدة، قال: قال ◌َـ
بأصبعه، فخرق بها الحجر، وشد به البراق، والمراد بالحجر صخرة بيت المقدس: كما في رواية
البزار، فلذا اختار سياقه لصراحته، والجمع بين هذا وبين قوله في حديث أنس عند مسلم: فربطته
بالحلقة التي كانت تربط بها الأنبياء، ما قاله بعضهم؛ أنه معَّ ◌ِ ربطه أولاً بالحلقة تأدبًا واتباعًا
للأنبياء، فأخذه جبريل وحله من الحلقة، وخرق الصخرة وشده بها، كأنه يقول: أنت لست ممن
يكون مركوبه بالباب، بل أنت أعلى وأغلى، فلا يكون مركوبك إلا في داخل المحل، وهذا أمر
مشاهد في العادة بين الكبراء، وأما جواب الطيبي؛ بأن المراد بالحلقة الموضع الذي كان فيه
الحلقة، وقد اشتد، فخرقه جبريل، فرده النجم؛ بأن الحلقة وموضعها الباب، والذي خرقه جبريل
بأصبعه إنما هو الصخرة وهي داخل المسجد بعيدة عن الباب انتهى.
(وفي حديث أبي سعيد عند البيهقي: حتى أتيت بيت المقدس، فأوثقت دابتي
بالحلقة التي كانت الأنبياء تربطها فيه، فدخلت أنا وجبريل بيت المقدس، فصلى كل

١٠٤
المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء
فصلى كل واحد منا ركعتين.
وفي رواية ابن مسعود نحوه، وزاد: ثم دخلت المسجد فعرفت النبيين ما
بين قائم وراكع وساجد، ثم أذن مؤذن فأقيمت الصلاة فقمنا صفوفًا ننتظر من
يؤمنا، فأخذ بيدي جبريل فقدمني فصليت بهم.
وفي حديث ابن مسعود أيضًا - عند مسلم -: وحانت الصلاة فأممتهم.
وفي حديث ابن عباس، عند أحمد: فلما أتى ◌َِّ الأقصى قام يصلي، فإذا
واحد منا ركعتين) غير الصلاة التي صلاها بالأنبياء، كما هو صريحه.
قال بعضهم: يحتمل أنهما تحية المسجد، ويحتمل غير ذلك، أي: ككونهما من صلاة
الليل، أو القصد بهما شغل البقعة.
قال ابن دحية: وفيه دليل على أن الصلاة لم تزل معهودة قبل أن تفرض، ومعهودة مثنى
مثنى.
قال النعماني: وقد فرضت الصلاة قبل الهجرة ركعتين.
(وفي رواية ابن مسعود) عند الحسن بن عرفة وأبي نعيم (نحوه، وزاد) ابن مسعود عن
النبي صَهُ: (ثم دخلت المسجد، فعرفت النبيين ما بين قائم وراكع،) أي: خاشع كخشوع
الراكع، فلا يرد أن الركوع من خصائص الأمة، وما صلاه المصطفى قبل الإسراء لا ركوع فيه،
وكذا ظهر عقب الإسراء، وأول صلاة بركوع العصر بعدها، (وساجد، ثم أذن،) كذا في النسخ،
وفيها سقط، فليس هذا من رواية ابن مسعود، إنما هو عن أنس، ففي فتح الباري بعد قوله:
وساجد، ثم أقيمت الصلاة فأممتهم، وفي رواية يزيد بن أبي لملك عن أنس عند ابن أبي حاتم:
فلم ألبث إلا يسيرًا حتى اجتمع ناس كثير، ثم أذن (مؤذن،) أي: أعلم بطلب الصلاة، (فأقيمت
الصلاة،) أي: تهيئوا لها، وشرعوا فيها، فلا يرد أن الأذان والإقامة إنما شرعا بالمدينة، والإسراء
كان بمكة، (فقمنا صفوفًا ننتظر من يؤمناء) وفي نسخة: ننتظر وهي بمعنى ننتظر، كقوله تعالى:
﴿ما ينظرون إلا صيحة واحدة﴾، أي: ما ينتظرون، (فأخذ بيدي جبريل، فقدمني، فصليت
بهم) إمامًا.
(وفي حديث ابن مسعود أيضًا عند مسلم: وحانت الصلاة،) دخل وقت طلبهم بها،
(فأممتهم:) صليت بهم إمامًا.
(وفي حديث ابن عباس عند أحمد: فلما أتى ◌َّه) المسجد (الأقصى، قام يصلي)
بعد انتظارهم من يؤمهم، وتقديم جبريل للمصطفى، (فإذا النبيون أجمعون يصلون معه،) كما

١٠٥
المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء
النبيون أجمعون يصلون معه.
وفي حديث أبي سعيد: ثم سار حتى أتى بيت المقدس، فربط فرسه إلى
صخرة، ثم دخل فصلى مع الملائكة، فلما قضيت الصلاة قالوا: يا جبريل من هذا
في الحديث قبله، فليس المراد ظاهره؛ أنه قام يصلي وحده، فاقتدوا به، لأن الأحاديث يفسر
بعضها بعضًا، فإن قيل: كيف يصلي الأنبياء وهم أموات في الدار الآخرة، وليست دار عمل،
أجاب عياض، وتبعه السبكي؛ بأنهم كالشهداء، بل أفضل، والشهداء أحياء عند ربهم يرزقون، فلا
يستبعد أن يحجوا ويصلوا، وأن يتقربوا إلى الله ما استطاعوا، لأنهم وإن ماتوا فهم في هذه الدنيا
التي هي دار العمل حتى إذا فنيت مدتها، وتعقبها الآخرة التي هي دار الجزاء انقطع العمل،
وحاصله أن البرزخ ينسحب عليه حكم الدنيا في استكثارهم من الأعمال وزيادة الأجور، وبأن
المنقطع في الآخرة إنما هو التكليف، وقد تحصل الأعمال من غير تكليف على سبيل التلذذ بها
والخضوع لله، ولذا أصح عن أهل الجنة أنهم يسبحون ويدعون ويقرؤون القرآن، كما في
الحديث: إنهم يلهمون التسبيح، كما يلهمون النفس)، وهو معنى قوله: ﴿دعواهم فيها سبحانك
اللَّهم﴾ [يونس/١٠] الآية، وانظر إلى سجوده علّه وقت الشفاعة، أليس ذلك عبادة وعملاً،
وعلى كلا الجوابين لا يمتنع حصول هذه الأعمال في مدة البرزخ، وقد صح عن ثابت البناني
التابعي أنه قال: اللهم إن كنت أعطيت أحدًا أن يصلي في قبره، فأعطني ذلك، فرأي بعد موته
يصلي في قبره، وتكفي رؤيته عَّه قائمًا يصلي في قبره، ولأن جميع الأنبياء لم يقبضوا حتى
خيروا في البقاء في الدنيا وبين الآخرة، ولا شك أنهم لو بقوا في الدنيا لازدادوا من الأعمال
الصالحة، ثم انتقلوا إلى الجنة، فلو لم يعلموا أن انتقالهم إلى اللَّه أكمل لما اختاروه، ولو كان
انتقالهم من هذه الدار يفوّت عليهم زيادة فيما يقوب إلى اللَّه لما اختاروه. انتهى.
(وعن أبي سعيد) الخدري، (ثم سار حتى أتى بيت المقدس، فربط فرسه،) أي:
البراق، سماه فرسًا، تجوزًا لقرب صورته منها، لا لأن الفارس يطلق على مقابل الماشي، سواء
ركب فرسًا، أو بغلاً، أو حمارًا؛ وتجويز أن جبريل ركب معه فرسًا لا يصح لحديث؛ أنه ركب
معه على البراق، وقد جاء تسمية البراق فرسًا في رواية أخرى؛ أنه أتى بفرس، فحمل عليه،
وضمن ربط معنى ضم، فعداه يإلى في قوله (إلى صخرة،) أو إلى بمعنى الباء، أو عند كقوله:
أشهى إليّ من الرحيق السلسل
والمراد بالصخرة هنا الحلقة التي بالباب، لا التي بداخل المسجد، بدليل قوله: (ثم
دخل، فصلى مع الملائكة،) إمامًا بهم على المتبادر، فضمير صلى للنبي عَّه بعد صلاته
ر کیتین، هو وجبریل، کما مر قريبًا.

١٠٦
المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء
معك؟ قال: هذا محمد رسول اللَّه خاتم النبيين، قالوا: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم،
قالوا: حياه اللَّه من أخ ومن خليفة، فنعم الأخ ونعم الخليفة. ثم لقوا أرواح الأنبياء
فأثنوا على ربهم.
فقال إبراهيم عليه السلام: الحمد لله الذي اتخذني خليلاً، وأعطاني ملكًا
عظيمًا، وجعلني أمة قانتا يؤتم بي، وأنقذني من النار، وجعلها علي بردًا وسلامًا.
وترجيع ضمير صلى بجبريل، وأن المعنى صلى مع الملائكة لما وجدهم يصلون بعيد
جدًا، بل يمنعه ما رواه الواسطي عن كعب، فأذن جبريل، ونزلت الملائكة من السماء، وحشر الله
له المرسلين، فصلى النبي عَّه بالملائكة والمرسلين، (فلما قضيت الصلاة،) بالبناء للمفعول،
أي: تمت، وفرغوا منها، (قالوا: يا جبريل من هذا معك؟،) خبر بعد خبر، أو حال، (قال: هذا
محمد رسول اللَّه خاتم النبيين) والرسل، (قالوا: وقد أرسل إليه،) أي: طلب للحضور، لا
أرسل إليه بالوحي، أم لا لقوله لهم رسول اللَّه، (قال: نعم، قالوا: حياه اللَّه،) أي: أبقاه، وسلمه
وملكه ما أعظمه وأكرمه (من أخ)) فمن متعلق بمحذوف، أو مبنية للضمير، أو زائدة، وجعلوه أنًّا
لهم، لأن المراد أخوّة الإيمان، (ومن خليفة) لله تعالى لعمارة الأرض وسياستها، وتكميل النفوس
البشرية، وتنفيذ الأوامر الإلهية، لا لاحتياجه تعالى، بل لقصور الخلق عن التلقي بلا واسطة،
(فنعم الأخ، ونعم الخليفة، ثم لقواء) أي: المصطفى والملائكة ببيت المقدس بعد انقضاء
الصلاة (أرواح الأنبياء) متشكلة بصور أجسادهم، (فأثنوا،) أي: الأنبياء (على ربهم،) وتجويز
أن المثنى الملائكة لملاقاتهم الأنبياء، كما يقول: من رأى صالحًا، الحمد لله الذي من عليّ
بلقائك، يمنعه قوله، (فقال إبراهيم عليه السلام: الحمد لله الذي اتخذني خليلاً) صفيًا
خالص المحبة له، (وأعطاني ملكًا عظيمًا).
قال ابن دحية: لا يعهد لإبراهيم ملك عرفي، فإما أن يراد بالملك الإضافة إليه نفسه، لقهره
عظماء الملوك، وناهيك بنمروذ وقد قهره اللَّه لحليله وعجزه عنه، وغاية الملك العظيم قهر
الملك العظيم، فالقاهر أعظم من المقهور قطعًا، أو يراد الإضافة إلى بنيه وذريته نحو ملك
يوسف، وهلم جرًا، كملك داود وسليمان، والكل من ولد إبراهيم. وفي التنزيل: ﴿وآتينا آل
إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكًا عظيمًا﴾ [النساء/٥٤]، والإشارة هنا إلى ذريته، وإما أن
يراد ملك النفس في مظنة الاضطرار مثل ملكه لنفسه، وقد سأله جبريل: ألك حاجة؟ قال: أما
إليك فلا، (وجعلني أمة:) إمامًا جامعًا لخصال الخير، وفضائل لا تكاد توجد إلا مفرقة في
أشخاص كثيرة، والجامع لذلك أمة لقيامه مقام الجماعة، كأنه اجتمع فيه ما تفرق في غيره،
کقوله:

١٠٧
المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء
ثم إن موسى عليه السلام أثنى على ربه فقال: الحمد للَّه الذي كلمني
تكليمًا، واصطفاني، وأنزل علي التوراة، وجعل هلاك فرعون ونجاة بني إسرائيل
على يدي، وجعل من أمتي قومًا يهدون بالحق وبه يعدلون.
ثم إن داود أثنى على ربه فقال: الحمد لله الذي جعل لي ملكًا عظيمًا،
وعلمني الزبور، وألان لي الحديد، وسخر لي الجبال يسبحن معي والطير وآتاني
الحكمة وفصل الخطاب.
وليس على اللَّه بمستنكر أن يجمع العالم في واحد
(قالتًا) مطيعًا، (يؤتم:) يقتدى (بي، وأنقذني من النار، وجعلها عليّ بردًا:) ذهبت
حرارتها: فلم تحرق غير وثاقه، وبقيت إضاءتها، (وسلامًا،) سلم من الموت ببردها، (ثم إن
موسى عليه السلام أثنى على ربه، فقال: الحمد لله الذي كلمني تكليمًا،) بلا واسطة،
(واصطفائي،) واختارني على أهل زماني.
قال تعالى: ﴿يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامى﴾ [الأعراف/١٤٤]،
(وأنزل عليّ التوراة) فيها هدى ونور، وسماها اللَّه تعالى الفرقان لفرقها بين الحق والباطل،
والحلال والحرام، وبصائر للناس، وهدى ورحمة، (وجعل هلاك فرعون) على يدي، (ونجاة
بني إسرائيل على يدي،) يتنازعه هلاك ونجاة، (وجعل من أمتي قومًا يهدون) الناس (بالحقٍ،
وبه يعدلون) ويحكمون، (ثم إن داود أثنى على ربه، فقال: الحمد لله الذي جعل لي ملكًا
عظيمًا) في بني إسرائيل، ولم يجتمعوا على نبي قبله، (وعلمني الزبور:) كتاب اللَّه المنزل
عليه، (وألان لي الحديد،) فكان في يدي كالعجين، (وسخر لي الجبال، يسبحن معي)
بالعشي، وقت صلاة العشاء، والإشراق وقت صلاة الضحى، وهو أن تشرق الشمس ويتناهى
ضوءها.
وفي التنزيل: ﴿يا جبال أوبي معه﴾ [سبأ/٠ ١]، أي: سبحي معه، قاله مجاهد، رواه
الفريابي، وعن الضحاك: هو التسبيح، بلغة الحبشة، قال ابن كثير: فيه نظر، فالتأويب لغة
الترجيع، وقال وهب: نوحي معه، وذلك إما بخلق صوت مثل صوته فيها، أو بحملها إياه على
التسبيح، إذا تأمل فيها. وقيل: سيري معه حيث سار والتضعيف للتكثير، (والطير،) قال تعالى:
﴿وسخرنا مع داوود الجبال يسبحن والطير﴾ [الأنبياء/٧٩]، للتسبيح معه لأمره به، إذا وجد
فترة لينشط للتسبيح، (وآتاني الحكمة) النبوة والإصابة في الأمور، (وفصل الخطاب) البيان
الشافي في کل قصد.
وفي البيضاوي: وفصل الخصام بتمييز الحق عن الباطل، أو الكلام الملخص الذي ينبه

١٠٨
المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء
ثم إن سليمن عليه السلام أثنى على ربه فقال: الحمد للَّه الذي سخر لي
الرياح، وسخر لي الشياطين، يعملون ما شئت من محاريب وتماثيل، وعلمني منطق
الطير وآتانىٍ من كل شىءٍ فضلاً، وسخر لي جنود الشياطين والإنس والجن والطير،
وآتاني ملكًا لا ينبغي لأحد من بعدي، وجعل لي ملكًا طيبًا ليس علي فيه
حساب.
المخاطب على المقصود من غير التباس، يراعى فيه مظان الفصل والوصل، والعطف والاستئناف،
والإضمار والإظهار، والحذف والتكرار، ونحوها.
(ثم إن سليمن عليه السلام أثنى على ربه، فقال: الحمد لله الذي سخر لي الرياح،)
ذللها. لطاعتي إجابة لدعوتي، تجري بأمره رخاء: لينة من الرخاوة، لا تزعزع، أو لا تخالف إرادته،
كالمأمور المنقاد حيث أصاب، أي: أراد، (وسخر لي الشياطين يعملون) لي (ما شئت من
محاريب:) أبنية مرتفعة يصعد إليها بدرج كالقصور، سميت بها لأنها يذب عنها ويحارب
عليها، (وتماثيل:) جمع تمثال، وهو كل شىء مثلته بشيء، أي: صورًا من نحاس وزجاج ورخام،
ولم يكن اتخاذ الصور حرامًا في شريعته.
وأسقط المصنف من حديث أبي سعيد: وجفان كالجوابي وقدور راسيات، وكذا هو
ثابت في حديث أبي هريرة عند البيهقي وغيره، وهو موافق للقرآن، فكأنه سقط من قلم المصنف
سهوًا، والجوابي: جمع جابية وهي حوض كبير: يجتمع على الجفنة ألف رجل يأكلون منها،
وقدور راسيات ثابتات لها قوائم، لا تحرك عن أماكنها: تتخذ من الجبال باليمن يصعد إليها
بالسلالیم.
(وعلمني منطق الطير،) أي: فهم أصواته، (وآتاني من كل شىء) يؤتاه الأنبياء والملوك
(فضلاً) مبينًا ظاهرًا، (وسخر لي جنود الشياطين)، أي: أعوانًا هم الشياطين، فهو من إضافة الأعم
إلى الأخص، أو إضافة بيانية، (والإنس والجن) ظاهره أنهم غير الشياطين، وهو كذلك باعتبار
الإيمان، فمن كفر من الجن يقال له شيطان، كما في حياة الحيوان وغيرها، (والطير) أسقط من
الحديث: وفضلني على كثير من عباده المؤمنين، قبل قوله (وآتاني ملكًا لا ينبغي،) لا يكون
(لأحد من بعدي،) أي: سواء، ولو في حياتي، كقوله تعالى: ﴿فمن يهديه من بعد اللَّه﴾
[الجاثية: ٢٣]، أي: سواء، (وجعل لي ملكًا طيبًا ليس عليّ فيه حساب) ولا عقاب، كما في
الرواية، أي: لعصمته من الظلم المؤدي إلى ذلك، فهو وإن اتسع ملكه بحيث تجري العادة في
مثله بترتب الحساب والعقاب، لم يحصل فيه شىء يقتضيهما للملوك، لا سيما الجبابرة.

١٠٩
المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء
ثم إن عيسى عليه السلام أثنى على ربه فقال: الحمد لله الذي جعلني
كلمته، وجعلني مثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون، وعلمتي الكتاب
والحكمة والتوراة والإنجيل وجعلني أخلق من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون
طيرًا بإذن اللَّه، وجعلني أبرىء الأكمه والأبرص، وأحيي الموتى بإذن اللَّه، ورفعني
وطهرني وأعاذني وأمي من الشيطان الرجيم. فلم يكن للشيطان علينا سبيل.
قال: وإن محمدًا عَ لَّه أثنى على ربه فقال: كلكم أثنى على ربه وأنا أثني
على ربي: فأقول الحمد لله الذي أرسلني رحمة للعالمين، وكافة للناس بشيرًا
(ثم إن عيسى عليه السلام أثنى على ربه، فقال: الحمد للَّه الذي جعلني كلمته،)
أي: مكوّنًا بها، وهي قوله تعالى: كن من غير واسطة أب ولا نطفة، (وجعلني مثل آدم،) كشأنه
في خلقه من غير أب، وهو من تشبيه الغريب بالأغرب، ليكون أقطع للخصم، وأوقع في النفس
(خلقه،) أي: آدم، أي: قالبه (من تراب، ثم قال له: كن) بشرًا، (فيكون،) أي: فكان، وكذلك
عيسى قال له: كن من غير أب، فكان، والجملة مفسرة للتمثيل، مبينة لما به الشبه، (وعلمني
الكتاب) الخط، أو جنس الكتب الإلهية، (والحكمة،) أي: العلوم وتهذيب الأخلاق، (والتوراة)
النازلة قبله على موسى، (والإنجيل) المنزل على عيسى، (وجعلني أخلق،) أصور (من الطين
كهيئة الطير،) مثل صورته، والكاف اسم مفعول، (فأنفخ فيه،) الضمير للكاف، أو للطين، أو
للطير، وهكذا بالتذكير في آل عمران، وبالتأنيث في المائدة، عائدًا للهيئة، وهو تفنن على عادة
العرب في التفنن في الكلام، (فيكون طيرًا بإذن اللَّه)) أي: بإرادته، (وجعلتي أبرىء:) أشفي
(الأكمه) الذي ولد أعمى: (والأبرص:) وخصا لأنهما داء أعياء، وكان بعثه في زمن الطب، فأبراً
في يوم خمسين ألفًا بالدعاء، بشرط الإيمان، (وأحيي الموتى بإذن اللَّه؛) بإرادته، فأحيا عاذر
صديقًا له، وابن العجوز، وابن العاشر، فعاشوا وولد لهم، وسام بن نوح، ومات في الحال،
(ورفعني) إليه من الدنيا بلا موت، (وطهرئي:) بعدني من الذين كفروا، (وأعاذني وأمي من
الشيطان الرجيم) المطرود، (فلم يكن للشيطان علينا سبيل:) قال عمر: ما من مولود يولد إلا
مسه الشيطان حين يولد: فيستهل صارخًا إلا مريم وابنها، رواه الشيخان.
(قال: وإن محمدًا عَلّه أثنى على ربه، فقال: كلكم) يا هؤلاء الذين أثنوا، (أثنى على
ربه، وأنا أثنى على ربي، فأقول: الحمد لله الذي أرسلني رحمةً للعالمين) المسلمين،
لسعادتهم في الدارين في معاشهم ومعادهم، والكافرين، بأمنهم من الخسف، والمسخ
والاستئصال، (وكافة للناس،) بيان لعموم رسالته، فهو إما صفة مصدر، أي: إرساله كافة، أي:

١١٠
المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء
ونذيرًا، وأنزل عليّ الفرقان، فيه تبيان كل شىء، وجعل أمتي خير أمة أخرجت
للناس، وجعل أمتي أمة وسطًا، وجعل أمتي هم الأولون والآخرون، وشرح لي
صدري، ووضع عني وزري، ورفع لي ذكري، وجعلني فاتحًا وخاتمًا.
عامة كفتهم عن الخروج منها، فهو مفعول مطلق لأرسلني، أو اسم فاعل حال من الياء، أي:
حال كوني كافّا للناس، فالتاء للمبالغة، وكونه حالاً من الناس، مقدمًا على صاحبها المجرور قول
ضعيف، (بشيرًا،) أي: مبشرًا بالخير لمن آمن وأتقى، (ونذيرًا:) منذرًا، محذرًا من كفر وعصى،
وهو حال مترادفة، أو متداخلة حمدًا، ولا على ما أنعم عليه، ثم ثنى بماله من المنافع والفوائد،
وبعبارة كافة، أي: جامعًا في الإنذار والإبلاغ من الكف، بمعنى الجمع، ومنه كف الثواب، وهو
جمعه بالخياطة، والهاء للمبالغة، كعلامة ونحوها، وقيل: معناه مانعًا ورادعًا عن الكفر، وسائر
المعاصي من الكف، بمعنى المنع، والهاء للمبالغة أيضًا، ونصب كافة على الوجهين حال من
المفعول في أرسلني، (وأنزل عليّ الفرقان:) من أسماء القرآن، لأنه فرق بين الحق والباطل،
وهذا عام لغة، وعليه: ﴿ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان﴾ [الأنبياء/٤٨]، ثم خص عرفًا بالقرآن،
فصار علمًا له بالغلبة، وأصله تبارك الذي نزل الفرقان على عبده، وهو مصدر بمعنى الفارق، أو
المفرق آياته، أو إنزاله (فيه تبيان كل شىء:) بكسر التاء البيان الشافي، كما قال تعالى:
﴿ما فرطنا في الكتاب من شىء﴾ [الأنعام/٣٨]، أي: يحتاج إليه من الأمور المهمة الشرعية،
تفصيلاً في بعض، وإجمالاً في بعض، وأحاله على الرسول عليه السلام في أمره، بإتباعه بقوله:
﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾ [الحشر/٧]، وعلى الإجماع بقوله، ويتبع
غير سبيل المؤمنين وهو شامل للقياس والاجتهاد، كما في الكشاف وغيره.
(وجعل أمتي خير أمة أخرجت للناس) كما في الكتاب العزيز: ﴿كنتم خير أمة أخرجت
للناس، تأمرون﴾ [آل عمران/١١٠]، (وجعل أمتى أمة وسطاء) أي: خيارًا عدولاً، جامعين بين
العمل والعلم، وسائر الصفات التي بين التفريط والإفراط.
(وجعل أمتي هم الأولون) في دخول الجنة، (والآخرون) في الوجود، وهم ضمير مبتدأً
مفيد للحصر، لا ضمير فصل، لأنه لو كان كذلك لقيل الأولين، (وشرح لي صدري:) وسعه
بالعلم والإيمان والحكمة واليقين، بحيث لا أحزن على أمر من أمور الدنيا، أو شقه وملأه بالأنوار،
كما مر، (ووضع عني وزري:) طهر قلبي من حظ الشيطان، وعصمني، فلا أرتكب ذنبًا، ولذا
قال: ﴿ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر﴾ [القلم/٢] ، فسوى بينهما لعدم وقوعهما، أو
خفف أعباء النبوة والتبليغ بإفاضة منته عليّ، والجملتان في غاية التناسب، (ورفع لي ذكري:)
جعلني مذكورًا في الملأ الأعلى، وجعل اسمي طراز الجنان، ومقرونًا باسمه تعالى على كل

١١١
المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء
فقال إبراهيم: بهذا فضلكم محمد. ثم ذكر أنه عرج به إلى السماء الدنيا،
ومن سماء إلى سماء. ذكره القاضي عياض في ((الشفاء) مختصرًا من حديث أبي
هريرة من غير عزو.
ورواه البيهقي من حديث أبي سعيد الخدري، وهذا لفظه.
لسان، وعلى المنابر في كل إقامة وأذان. قال حسان:
وضم الإله اسم النبي إلى اسمه إذا قال في الخمس المؤذن أشهد
(وجعلني فاتحًا) لأبواب الإيمان والهداية إلى الصراط المستقيم، ولبيان أسباب التوفيق،
وما استغلق من العلم، أو هو من الفتح بمعنى الحكم، فجعله حاكمًا كما في خلقه، ففتح
ما انغلق بين الخصمين، بإحيائه الحق وإيضاحه، وإماتته الباطل وإدحاضه، أو فاتحًا بالشفاعة يوم
القيامة، (وخاتماً) للنبيين، أي: آخرهم بعثًا.
(فقال إبراهيم: بهذا،) أي: بمجموع ما ذكر، وبكل واحدة منها لا بالأولى فقط، كما زعم
(فضلكم محمد) أي: زاد فضله عليكم، وقدم المعمول للحصر، وقال هذا إبرهيم خطابًا
للأنبياء إذاعة لفضله لما سمع ثناءه، (ثم ذكر) في هذا الحديث؛ (أنه عرج به إلى السماء
الدنيا:) القريبة إلينا من بين السبع سموات، (ومن سماء إلى سماء، ذكره القاضي عياض في
الشفاء مختصرًا،) بمعنى أنه لم يذكر ثناء الأنبياء، بل قال: فأثنوا على ربهم، وذكر كلام كل
واحد منهم، وهم: إبراهيم، وموسى، وعيسى، وداود، وسليمن؛ ثم ذكر كلام النبي ◌َّه، فقال:
كلكم ... فذكره بلفظ المصنف هنا (من حديث أبي هريرة من غير عزو) لمخرج، وقد أخرجه
أبو يعلى، والبزار، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه والبيهقي، كلهم من حديث أبي
هريرة، فما يوهمه قول المصنف، (ورواه،) أي: الحديث الذي ذكره أولاً بقوله.
وعن أبي سعيد: ثم سار حتى أتى بيت المقدس إلى هنا، لا قوله: ثم عرج به إلى
السماء، كما زعمه من لم يقف على شيء.
(البيهقي من حديث أبي سعيد الخدري، (وهذا لفظه:) من أن البيهقي لم يروه عن
أبي هريرة، وأن عياضًا، وهم في نسبته له، ليس بمراد، وروى أحمد، وابن ماجه، وصححه
الحاكم عن ابن مسعود، مرفوعًا: لقيت ليلة أسرى بي إبراهيم، وموسى وعيسى، فتذاكروا أمر
الساعة، فردوا أمرهم إلى إبراهيم، فقال: لا علم لي بها، فردوا الأمر إلى موسى، فقال: لا علم لي
بها، فردوا الأمر إلى عيسى، فقال: أما وجبتها، فلا يعلم بها أحد إلا اللّه، وفيما عهد إلى ربي أن
الدجال خارج، ومعي قضيبان، فإذا رآني، ذاب كما يذوب الرصاص، فيهكله اللَّه إذا رآني، حتى
أن الحجر والشجر ليقول: يا مسلم إن تحتي كافرًا، فتعال فاقتله، فيهلكهم الله، ثم ترجع الناس

١١٢
المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء
وفي رواية ابن أبي حاتم في تفسيره، عن أنس: لما بلغ بيت المقدس، فبلغ
المكان الذي يقال له: باب محمد، أتى إلى الحجر الذي به، فغمز جبريل بأصبعه
فثقبه، ثم ربطها، ثم صعدا، فلما استويا في سرحة المسجد قال جبريل: يا محمد،
هل سألت ربك أن يريك الحور العين؟ قال: نعم، قال: فانطلق إلى أولئك النسوة
إلى بلادهم وأوطانهم، فعند ذلك يخرج يأجوج ومأجوج، وهم من كل حدب ينسلون، فيطؤون
بلادهم، لا يطؤون على شىء إلا أهلكوه، ولا يمرون على ماء إلا شربوه، ثم ترجع الناس إليّ
فيشكونهم، فأدعوا الله عليهم، فيهلكهم ويميتهم حتى تجوى الأرض من نتن ريحهم، فينزل الله
المطر، فيحترف أجسادهم حتى يقذفهم في البحر، ثم تنسف الجبال، وتمد الأرض مد الأديم،
ففيما عهد إلي ربي أن ذلك إذا كان كذلك، فإن الساعة كالحامل المتم، لا يدري أهلها متى
تفجؤهم بولادتها، ليلاً أو نهارًا. وتجوى (بالجيم): أي: تنتن، وقوله: فيهلكه اللَّه إذا رآني، أي:
على يدي، بقتلي له بعد هروبه، لا بمجرد رؤيته، وقوله: حتى إن الشجر غاية لمقدر، ففي
حديث أبي أمامة عند ابن ماجه، وصححه ابن خزيمة والحاكم، مرفوعًا، فإذا انصرف، أي: من
الصلاة خلف المهدي، قال عيسى: افتحوا الباب، فيفتحون، ووراءه الدجال، معه سبعون ألف
يهودي، كلهم ذو سيف محلى، وساج، فإذا نظر إليه الدجال ذاب، كما يذوب الملح في الماء،
وينطلق هاربًا، ويقول عيسى: إن لي فيك ضربة لن تسبقني، فيدركه عند باب لد الشرقي،
فيقتله، فيهزم اللَّه اليهود فلا يبقى شىء مما خلق اللَّه عز وجل، تتوافى به دابة إلا الغرقدة، فإنها
من شجرهم، لا تنطق، إلا قال: يا عبد اللَّه المسلم هذا يهودي، فتعال اقتله.
(وفي رواية ابن أبي حاتم في تفسيره، عن أنس: لما بلغ بيت المقدس، فبلغ،) أي:
فسار حتى بلغ، (المكان الذي يقال له باب محمد) الآن بعد دخوله عَ ل منه، ويحتمل أنه
كان معروفاً عندهم قبل المعراج، وبهذا الاسم من الأنبياء والكتب القديمة، (أتى إلى الحجر)
جواب لما (الذي به) وهو الصخرة المعروفة، (فغمز جبريل بإصبعه، فثقبه، ثم ربطها) أي:
الدابة، وهو البراق، وفي نسخة: ثم (صعدا)، أي: مرا بعد ربط البراق، وإلا فلا معنى للصعود هنا،
وأكثر النسخ بإسقاطها وهي ظاهرة.
(فلما استويا في سرحة). يسين مهملة وراء وحاء، أي: فناء (المسجد،) أي: ساحته التي
في وسطه، وفي نسخة: صرحة المسجد بصاد مهملة، وهي ظاهرة، أي: ساحته، وفي نسخة:
عرصة المسجد، أي: ساحته التي لا بناء فيها، ونقل الشامي هذا الحديث بعينه، بلفظ: في
صخرة المسجد، أي: عندها.
(قال جبريل: يا محمد هل سألت ربك أن يريك الحور العين:) بكسر العين جمع عيناء،
حسنة العينين واسعتهما، والحور: النساء البيض، اللواتي بأعينهن حور، وهو شدة بياض بياضها،

١١٣
المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء
فسلم عليهن، قال: فسلمت عليهن فرددن علي السلام، فقلت لمن أنتن؟ فقلن:
خيرات حسان، نساء قوم أبرار، نقوا فلم يدرنوا، وأقاموا فلم يظعنوا، وخلدوا فلم
يموتوا، قال: ثم انصرفت فلم ألبث إلا يسيرًا، حتى اجتمع ناس كثير، ثم أذن مؤذن
وأقيمت الصلاة، قال فقمنا صفوفًا ننتظر من يؤمنا، فأخذ جبريل عليه السلام بيدي
فقدمني فصليت بهم، فلما انصرفت قال لي جبريل: أتدري من صلى خلفك؟
قلت: لا، قال: صلى خلفك كل نبي بعثه اللَّه.
قال القاضي عياض: يحتمل أن يكون عَّه صلى بالأنبياء جميعًا في بيت
المقدس، ثم صعد منهم إلى السماء من ذكر أنه عليه السلام رآه في السموات
ويحتمل أن يكون صلى بهم بعد أن هبط من السماء، فهبطوا أيضًا، والأظهر أن
وسواد سوادها، وقيل: الحور اسوداد المقلة كلها، كعيون الظباء، قالوا: ولا حور في الإنسان،
وإنما قيل ذلك في النساء على التشبيه، (قال: نعم، قال: فانطلق إلى أولئك النسوة)) فإنهن من
الحور العين، (فسلم عليهن، قال) عَّه: فانطلقت، (فسلمت عليهن، فرددن عليّ السلام،
فقلت: لمن أنتن، فقلن: خيرات) أخلاقًا، (حسان) وجوهًا: جمع حسناء، وقيل: خيرات: جمع
خيرة بفتح فسكون، وهي الحوراء، (نساء قوم أبرار، نقوا فلم يدرنوا) بفتح الياء والراء، أو بضم
الياء وكسر الراء، أي: لم يصبهم درن، وهو الوسخ، (وأقاموا، فلم يظعنواء) يرتحلوا من محل
لآخر، فتصيبهم مشقة الظعن، (وخلدوا، فلم يموتوا، قال: ثم انصرفت) من عند الحور، (فلم
ألبث إلا يسيرًا حتى اجتمع ناس كثير، ثم أذن مؤذن وأقيمت الصلاة،) تقدم المراد بهما؛
(قال: فقمنا صفوفًا ننتظر من يؤمنا، فأخذ جبريل عليه السلام بيدي، فقدمني، فصليت بهم،
فلما انصرفت) من الصلاة، (قال لي جبريل: أتدري من صلى خلفك؟، قلت: لا، قال:
صلى خلفك كل نبي بعثه اللَّه) تعالى، أي: أوحى إليه بشرع، فشمل الأنبياء والمرسلين لقوله
في الحديث السابق: ((فإذا النبيون أجمعون يصلون معه)، ثم ظاهر سياق هذا الحديث يخالف
قوله في الرواية السابقة، ثم دخلت المسجد، فعرفت النبيين ما بين قائم، وراكع وساجد، ثم
أقيمت الصلاة، فأممتهم.
(قال القاضي عياض: يحتمل أن يكون عٍَّ صلى بالأنبياء جميعًا في بيت المقدس)
قبل العروج.
قال الشامي: وهو الذي تظافرت به الروايات، واستظهره الحافظ، (ثم صعد منهم إلى
السماء من ذكر أنه عليه السلام رآه في السموات) آدم، فيحيى وعيسى، فيوسف، فإدريس،
فهرون فموسى فإبراهيم، (ويحتمل أن يكون صلى بهم بعد أن هبط من السماء، فهبطوا أيضًا)

١١٤
المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء
صلاته بهم في بيت المقدس كان قبل العروج. انتهى.
وقال ابن كثير: صلى بهم ببيت المقدس قبل العروج وبعده، فإن في
الحديث ما يدل على ذلك، ولا مانع منه، انتهى.
وقد اختلف في هذه الصلاة، هل هي فرض أو نفل؟ وإذا قلنا إنها فرض،
فأي صلاة هي؟
قال بعضهم: الأقرب أنها الصبح، ويحتمل أن تكون العشاء، وإنما يتأتى على
قول من قال: إنه عَّه صلى بهم قبل عروجه إلى السماء، وأما على قول من قال:
للصلاة معه.
قال الشامي: وصححه ابن كثير، وقوله: والأظهر أن صلاته بهم ببيت المقدس كان قبل
العروج، انتھی) ظاهره أنه من كلام عياض، وليس كذلك.
إنما هو للحافظ، ذكره في فتح الباري بعد كلام عياض، وكذا عزاه له تلميذه النعماني، ثم
الشامي، ثم الغيطي.
(وقال ابن كثير: صلى بهم ببيت المقدس قيل العروج وبعده، فإن في الحديث ما
يدل على ذلك، ولا مانع منه، انتهى،) وهذا منابذ لنقله عن ابن كثير نفسه، من قوله: الظاهر أنه
بعد رجوعه إلى آخر ما يأتي بعد أسطر، وقد نسب النعماني ما هنا لنفسه، وتبعه الشامي فعزا له.
(وقد اختلف في هذه الصلاة؛) هل هي الشرعية المعروفة، أو اللغوية؟، وصوب الأول،
لأن النص يحمل على حقيقته الشرعية قبل اللغوية ما لم يتعذر حمله على الشرعية، ولم يتعذر
هنا، فوجب حمله على الشرعية، وعلى هذا اختلف (هل هي فرض؟،) ويدل عليه، كما قال
النعماني حديث أنس عند ابن أبي حاتم المتقدم قريبًا للمصنف، (أو نفل، وإذا قلنا إنها فرض،
فأي: صلاة هي؟، قال بعضهم: الأقرب أنها الصبح، ويحتمل أن تكون العشاء، وإنما يتأتى
على قول من قال إنه عَُّ صلى بهم قبل عروجه إلى السماء).
وفي النعماني: إنما يتأتى على أن الإسراء من أول الليل، لكن قال بعض رواة حديث
الإسراء: إنه بعد صلاة العشاء، (وأما على قول من قال: صلى بهم بعد العروج، فتكون الصبح)؛
والاحتمالان، كما قال الشامي ليسا بشىء، سواء قلنا صلى بهم قبل العروج أو بعده، لأن أول
صلاة صلاها النبي عَّله من الخمس مطلقًا الظهر بمكة باتفاق، ومن حمل الأولية على مكة،
فعليه الدليل. قال: والذي ظهر أنها كانت من النفل المطلق، أو كانت من الصلاة المفروضة
عليه قبل ليلة الإسراء، وفي فتاوى النووي ما يؤيد الثاني.

١١٥
المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء
صلى بهم بعد العروج فتكون الصبح.
قال ابن كثير: ومن الناس من يزعم أنه أمهم في السماء، والذي تظاهرت به
الروايات أنه ببيت المقدس، والظاهر أنه بعد رجوعه إليهم لأنه لما مرَّ بهم في
منازلهم جعل من يسأل جبريل عنهم واحدًا بعد واحدًا، وهو يخبره بِهم، ثم قال:
وهذا هو اللائق، لأنه أولاً كان مطلوبًا إلى الجناب العلوي، ليفرض اللَّه عليه وعلى
أمته ما يشاء، ثم لما فرغ مما أريد به اجتمع هو وإخوانه من النبيين، ثم أظهر
شرفه عليهم بتقديمه في الإمامة.
وفي رواية ابن إسحق: أنه عليه السلام قال: لما فرغت مما كان في بيت
(قال ابن كثير: ومن الناس من يزعم أنه أمهم في السماء، والذي تظاهرت به
الروايات أنه ببيت المقدس،) فهو الواجب القبول، (والظاهر أنه بعد رجوعه إليهم، لأنه لما
مربهم في منازلهم) من السموات (جعل من يسأل جبريل عنهم واحداً بعد واحد، وهو يخبره
بهم،) فلو رآهم قبل العروج ما حسن السؤال ولا الجواب، ولكن هذا عقلي يدفعه قوله: ثم
دخلت المسجد، فعرفت النبيين ما بين قائم، وراكع وساجد، والسؤال عنهم بعد ذلك في
السموت لا يستلزم أنه لم يرهم قبل، لجواز اختلاف الصفة.
وقد نقل الحافظ، أن رؤيته الذين صلوا ببيت المقدس تحتمل الأرواح خاصة، والأرواح
بأجسادها، وأما في السماء، فمحمولة على الأرواح إلا عيسى، لما أثبت أنه رفع بجسده، وقد
قيل في إدريس أيضًا ذلك، ويأتي ذلك للمصنف.
(ثم قال) ابن كثير: (وهذا هو اللائق، لأنه أولاً كان مطلوبًا إلى الجناب العلوي،
ليفرض اللّه عليه وعلى أمته ما يشاء، ثم لما فرغ مما أريد به اجتمع هو وإخوانه من
النبيين)) وهذا أيضًا عقلي لا ينهض حجة في المدعي، لأنه قدم على هذا الأمر العظيم الذي
ليس في طوق بشرًا يناسبه بالانتقال من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، وما رآه في سيره
من الآيات، ثم دخوله الأقصى وصلاته ركعتين، فناسب أن يجتمع بإخوانه ليزيد إيناسه بالاجتماع
بجنسه، (ثم أظهر شرفه عليهم بتقديمه في الإمامة،) ثم ثناء من أثنى منهم على ربه، وزيادة
ثنائه عليهم، وقول إبراهيم: بهذا فضلكم محمد، فيتلقى المعراج بقلب قوي، فلا يكون عنده
وحشة في العالم العلوي.
(وفي رواية ابن إسحق،) عن أبي سعيد، (أنه عليه السلام قال: لما فرغت مما كان
في بيت المقدس) من صلاته الركعتين، وصلاته بالأنبياء، وثنائهم على اللَّه، (أتي بالمعراج)

١١٦
المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء
المقدس، أتي بالمعراج ولم أر قط شيئاً أحسن منه، وهو الذي يمد إليه الميت
عينيه إذا احتضر، فأصعدني صاحبي جبريل فيه حتى انتهى إلى باب من أبواب السماء.
وفي رواية كعب: فوضعت له مرقاة من فضة ومرقاة من ذهب حتى عرج
هو وجبريل.
وفي ((شرف المصطفى)) أنه أتي بالمعراج من جنة الفردوس، وأنه منضد
باللؤلؤ عن يمينه ملائكة، وعن يساره ملائكة.
وفي رواية أبي سعيد - عند البيهقي - ثم أتيت بالمعراج الذي تعرج عليه
أرواح بني آدم، فلم تر الخلائق أحسن من المعراج، أما رأيت الميت حين يشق
الذي تعرج عليه أرواح بني آدم، كما في الرواية الآتية؛ (ولم أر قط شيئًا أحسن منه، وهو الذي
يمد إليه الميت عينيه إذا احتضر،) ولو كان الميت أعمى، كما في شرح الصدور، فالميت
يكشف له إذا احتضر عن المعراج، فيراه، فيمد عينيه إليه، فإذا قبضت روحه، صعدت فيه إلى
حيث شاء اللَّه، (فأصعدني صاحبي جبريل فيه، حتى انتهى إلى باب من أبواب السماء،)
أي: الدنيا، كما مر في الحديث.
(وفي رواية كعب) عند الواسطي في فضائل بيت المقدس؛ (فوضعت له مرقاة من فضة،
ومرقاة من ذهب،) وهو المعراج، (حتى عرج هو وجبريل) عليها، والمرقاة موضع الرقي، ويجوز
فتح الميم على أنه موضع الارتقاء، وكسرها تشبيهًا باسم الآلة، كالمطهرة، وأنكره أبو عبيد،
وقال: لم تقله العرب.
(وفي) رواية لابن سعد في كتاب (شرف المصطفى؛ أنه أتى بالمعراج من جنة
الفردوس،) قال عَاية: ((والفردوس أعلى الجنة ووسطها، وفوقه عرش الرحمن، ومنها تفجر أنهار
الجنة، فإذا سألتم اللَّه، فاسألوه الفردوس)) رواه ابن ماجه، وصححه الحاكم.
(وأنه منضد باللؤلؤ،) أي: جمع عليه بحيث عمه بجعل بعضه فوق بعض، (وعن يمينه
ملائكة، وعن يساره ملائكة).
(وفي رواية أبي سعيد عدد البيهقي: ثم أتيت بالمعراج الذي تعرج عليه أرواح بني
آدم، فلم تر الخلائق أحسن من المعراج، أما رأيت الميت،) استفهام قصد به تقرير المبالغة
في حسنه، (حين يشق بصره،) أي: تنفتح عيناه عند الاحتضار انفتاحًا لا يرتد عما رآه، قال
المجد: شق بصر الميت، نظر إلى شىء لا يرتد إليه طرفه، ولا تقل شق الميت بصره، فأفاد أنه
لازم، وفسره الفقهاء بيشخص بصره، ولعله إشارة إلى أنه صار كالشاخص الذي لا يتحرك من

١١٧
المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء
بصره طامحًا إلى السماء، فإن ذلك عجبه بالمعراج.
وقد تقدم في حديث البخاري السابق: فانطلق بي جبريل حتى أتى السماء
الدنيا فاستفتح، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل:
أوقد أرسل إليه؟ قال: نعم.
ولم يقل جبريل عليه السلام: أنا، حيث قال له: من هذا؟ إنما سمى نفسه
فقال: جبريل، لأن لفظ ((أنا)) فيه إشعار بالعظمة. وفي الكلام السائر: أول من قال
(أنا)) إبليس، فشقي، وأيضًا فقوله ((أنا) مبهمة لافتقار الضمير إلى العود، فهي غير
كافية في البيان.
وعلى هذا فينبغي للمستأذن إذا قيل له من أنت؟ أن لا يقول: ((أنا))، بل
شدة نظره للمعراج الذي تعرج روحه عليه، وترى بصرية حال كونه، (طامحًا،) أي: رافعًا بصره
إلى السماء، (فإن ذلك،) أي: سببه (عجبه بالمعراج، وقد تقدم في حديث البخاري السابق)
عن لملك بن صعصعة، (فانطلق بي جبريل حتى أتى السماء الدنيا فاستفتح، قيل: من هذا؟، قال:
جبريل، قيل: ومن معك؟، قال: محمد، قيل: أوقد أرسل إليه؟، قال: نعم، ولم يقل جبريل عليه
السلام: أنا حيث قال له: من هذا؟، إنما سمى نفسه، فقال جبريل)، واقتصر عليه، لأنه ليس
في الملائكة من تسمى بهذا الاسم غيره، (لأن لفظ أنا فيه إشعار بالعظمة) التي لا تخلو عن
نوع تكبر، كأنه يقول: أنا لا أحتاج إلى ذكر اسمي لسمو مقامي، قاله ابن الجوزي.
قال بعضهم: وعادة العارفين المتقنين أن يذكر أحدهم اسمه بدل قوله أنا، لا في نحو
إقرار بحق، فالضمير أولى، (وفي الكلام السائر) الجاري بين الناس، (أول من قال أنا إبليس،
فشقي،) وقال فرعون: أنا ربكم الأعلى فتعس، (وأيضًا، فقوله أنا مبهمة لافتقار الضمير إلى
العود، فهي غير كافية في البيان،) والضمير إذا عاد وتعين مضمره كان أعرف المعارف،
والمستأذن محجوب عن المستأذن عليه، غير متعين عنده، فكأنه أحاله على جهالة، كما في ابن
المنير وغيره.
(وعلى هذا فينبغي للمستأذن إذا قيل له: من أنت؟، أن لا يقول: أنا، بل يقول فلان)
ويصف نفسه بما يميزه عن غيره، فلا يكفي أن يقول محمد مثلاً، إلا إذا كان معروفًا للمخاطب
بذلك الاسم، وقد أنكر النبي ◌َّه على الذي استأذن عليه، فقال: من هذا؟، فقال: أنا،
فقال ◌َ له: أنا أنا إنكارًا عليه، قاله ابن المنير وغيره.
وقال بعض المحققين: ذهبت طائفة من العلماء وفرقة من الصوفية إلى كراهة إخبار الرجل

١١٨
المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء
يقول: فلان.
وفي رواية للبخاري ومسلم: فعرج. وهو بفتح العين بمعنى صعد.
وفي حديث أبي سعيد عند البيهقي: حتى انتهى إلى باب من أبواب السماء
يقال له: باب الحفظة، وعليه ملك يقال له إسمعيل تحت يده اثنا عشر ألف ملك.
عن نفسه بأنا، تمسكًا بظاهر الحديث حتى قالوا: كلمة أنا، لم تزل مشؤومة على أصحابها،
وزادوا أن إبليس إنما لعن بقولها، وليس كما قالوا، بل النهي عنه لما صحبه من النظر إلى نفسه
بالخيرية: ولا تنكر إصابة الصوفية في دقائق علومهم، وإشاراتهم في التبري من الدعاوي
الوجودية، لكن الذي أشاروا إليه بهذا راجع إلى معان تتعلق بأحوالهم دون ما فيه من التعلق
بالقول، كيف وقد ناقض أقوالهم نصوص كثيرة، وهم أشد الناس فرارًا من مخالفتها، كقوله
تعالى: ﴿إنما أنا بشر مثلكم﴾ [الكهف/١١٠]، ﴿أنا أول المسلمين﴾ [الأعراف/١٤٣]، ﴿وما أنا
من المتكلفين﴾ [ص/٨٦]، وقوله عليه: ((أنا سيد ولد آدم)، والحاصل كما قال بعض الأفاضل؛
أن ذلك يتفاوت بتفاوت الأحوال والمقامات، فالمتردد في الأحوال، المتحول في الفناء والتلوين
ينافي حاله أن يقول أنا، ومن رقي إلى مقام البقاء باللّه، وتصاعد إلى درجات التمكين فلا يضره.
(وفي رواية البخاري) في الصلاة وغيرها، (ومسلم) في الإيمان من حديث أنس، عن
أبي ذر: (فعرج) بي جبريل إلى السماء الدنيا، بدل قوله في رواية ابن صعصعة: فانطلق، (وهو بفتح
العين) والفاء والراء، (بمعنى صعد).
(وفي حديث أبي سعيد عند البيهقي) وابن إسحق: (حتى انتهى إلى باب من أبواب
السماء، يقال له: بال الحفظة وعليه ملك يقال له إسمعيل)، وهو صاحب سماء الدنيا، كما
في رواية البيهقي عن أبي سعيد.
وفي حديث جعفر بن محمد عند البيهقي معضلاً أيضًا: يسكن الهواء، لم يصعد إلى
السماء قط، ولم يهبط إلى الأرض قط إلا يوم مات النبي عَّة، ومعلوم أن علم ذلك يإخباره.
عليه السلام به قبل موته، لأن هذا لا مدخل فيه للرأي.
(تحت يده اثنا عشر ألف ملك،) ينقادون لأمره ونهيه کالجند، زاد في رواية ابن إسحق:
مع كل ملك اثنا عشر ملك، وروى ابن جرير والبيهقي في الدلائل من حديث أبي سعيد: وبين
يديه سبعون ألف ملك، مع كل ملك جنده مائة ألف.
وفي رواية للبزار: تحت يده سبعون ألف ملك، تحت يد كل ملك سبعون ألف ملك،
ولعل المراد التكثير، فلا يخالف مائة ألف، ولعل الإثني عشر ألفًا رؤساء السبعين ألفًا، وكذا الإثنا

١١٩
المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء
وفي رواية شريك - عند البخاري أيضًا - ثم عرج به إلى سماء الدنيا، فضرب
بابًا من أبوابها، فناداه أهل سماء الدنيا: من هذا؟ قال: جبريل، قالوا: ومن معك
قال: محمد. قالوا: وقد بعث إليه؟ قال: نعم، قالوا: مرحبًا وأهلاً، فيستبشر به أهل
السماء، لا يعلم أهل السماء بما يريد اللَّه به في الأرض حتى يعلمهم، أي على
لسان من شاء کجبريل.
ووقع في هذه الرواية أيضًا أنه رأى في سماء الدنيا النيل والفرات عنصرهما.
وظاهرها يخالف حديث لملك بن صعصعة فإن فيه بعد ذكر سدرة المنتهى:
وإذا في أصلها أربعة أنهار.
ويجمع بينهما: بأن أصل نبعهما من تحت سدرة المنتهى ومقرهما في
السماء الدنيا، ومنها ينزلان إلى الأرض.
عشر ألفًا الذين مع كل ملك رؤساء على باقي المائة ألف، فلا خلف، والله أعلم.
(وفي رواية شريك) بن عبد اللَّه المدني، عن أنس، (عند البخاري أيضًا، ثم عرج)
جبريل (به،) بالنبي عَُّ (إلى سماء الدنيا، فضرب بابًا من أبوابها، فناداه أهل سماء الدنيا،)
أي: جنسهم الصادق بالحفظة للباب: (من هذا؟،) الذي يدق الباب.
وفي حديث أبي ذر: فلما جئت إلى السماء، قال جبريل لخازن السماء الدنيا: افتح، قال:
من هذا؟، (قال: جبريل، قالوا: ومن معك؟، قال: محمد، قالوا: وقد بعث إليه؟، قال: نعم،
قالوا: مرحبًا وأهلاً، فيستبشر به أهل السماء،) سقطت الفاء من رواية الأصيلي، وزاد الدنيا، (لا
يعلم أهل السماء بما يريد اللَّه به في الأرض حتى يعلمهم، أي: على لسان من شاء،
كجبريل) عليه السلام، (ووقع في هذه الرواية)) أي: رواية شريك عن أنس (أيضًا؛ أنه رأى في
سماء الدنيا النيل والفرات، عنصرهما) بضم المهملتين، بينهما نون ساكنة، أصلهما الذي تميزا
به عن نهري الجنة، فينزلان إلى سماء الدنيا، ثم ينزلان إلى الأرض بدل مما قبله.
ولفظ رواية شريك: فإذا هو في السماء الدنيا بنهرين يطردان، فقال: ما هذان النهران يا
جبريل؟، قال: هذا النيل والفرات عنصرهما. (وظاهرها،) أي: هذه الرواية، (يخالف حديث لملك
ابن صعصعة، فإن فيه بعد ذكر سدرة المنتهى، وإذا فى أصلها أربعة أنهار،) نهران باطنان،
ونهران ظاهران، فقلت: ما هذان يا جبريل؟، قال: أما الباطنان، فنهران في الجنة، وأما الظاهران،
فالنيل والفرات، (ويجمع بينهما؛ بأن أصل نبعهما من تحت سدرة المنتهى، ومقرهما في
السماء الدنيا، ومنها ينزلان إلى الأرض،) وجمع ابن دحية؛ بأنه رأى هذين عند سدرة المنتهى

١٢٠
المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء
ووقع في هذه الرواية أيضًا: ثم مضى به في السماء الدنيا فإذا هو بنهر آخر،
عليه قصر من لؤلؤ وزبرجد، وأنه الكوثر.
وهو مما استشكل من رواية شريك، فإن الكوثر من الجنة، والجنة فوق
السماء السابعة. ويحتمل أن يكون تقديره: ثم مضى في سماء الدنيا إلى السابعة
فإذا هو بنهر.
ثم إن قوله في الحديث (استفتح) دلالة على أنه صادف أبواب السماء
مغلقة، والحكمة في ذلك - والله أعلم - التنويه بقدره عليه السلام، وتحقيق أن
السموات لم تفتح أبوابها إلا من أجله، ولو وجدها مفتحة لم يتحرر أنها فتحت
مع نهري الجنة، ورآهما في السماء الدنيا دون نهري الجنة، وأراد بالعنصر عنصر انتشارهما
السماء الدنيا، وكان الحافظ لم يرتضه لقوله، كذا قال ابن دحية انتهى، وتبعه المصنف فيما،
يأتي وجمع غيره؛ بأن منبعهما من السدرة، وإذا نزلا إلى الأرض، يسلكان أولاً على الجنة،
فيدخلانها، ثم ينزلان إلى الأرض بعد ذلك، ويأتي مزيد لذلك إن شاء اللَّه قريبًا.
(ووقع في هذه الرواية أيضًا: ثم مضى به في السماء الدنيا، فإذا هو بنهر آخر عليه
قصر من لؤلؤ وزيرجد، وأنه) فسره جبريل بقوله: هذا (الكوثر،) ولفظه عقب زبرجد، فضرب
يده، فإذا هو مسك، قال: ما هذا يا جبريل؟، قال: هذا الكوثر الذي خبا لك ربك، (وهو مما
استشكل من رواية شريك، فإن الكوثر في الجنة، والجنة فوق السماء السابعة، ويحتمل)
الجمع برد رواية شريك إلى هذا، وهو (أن يكون) هناك حذف (تقديره: ثم مضى في سماء
الدنيا إلى السابعة، فإذا هو بنهر،) كذا ذكره الحافظ، واستبعده تلميذه القطب الخيضري في
الخصائص، بأن بين الأولى والسابعة خمس سموات، كل منها له صفة غير صفة الأخرى، ولها
أبواب وخدام غير الأخرى، فإطلاق المسير إليها بعيد، وذكرها بعد السادسة مما يبعده أيضًا،
لكن قد يقال من غير استبعاد؛ أن أصل الكوثر في الجنة، وجعل اللَّه تعالى منه فرعًا في السماء
الدنيا، عجل لنبيه رؤيته استبشارًا، لأنها أول المراتب العلوية بعد السفلية، ويؤيد هذا قول جبريل:
خبا لك ربك انتهى.
(ثم إن قوله في الحديث: استفتح، دلالة) صريحة (على أنه صادف أبواب السماء
مغلقة،) وأصرح منه قوله في حديث أبي ذر: قال جبريل لخازن السماء: افتح، وكذا ضربه
الباب.
(والحكمة،) كما قال ابن المنير (في ذلك، والله أعلم، التنويه بقدره،) أي: إظهاره
ورفعه (عليه السلام، وتحقيق أن السموات لم تفتح أبوابها إلا من أجله، ولو وجدها مفتحة