Indexed OCR Text

Pages 81-100

٨١
المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء
من الاستصعاب، وعرق من خجل العتاب، ومثل هذا رجفة الجبل به حتى قال:
((اثبت أحد فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان)) فإنها هزة الطرب لا هزة الغضب.
وكذا البراق لما قال له جبريل: اسكن فما ركبك أحد أكرم على اللَّه منه أقر
فاستقر وخجل من ظاهر الاستصعاب وتوجه الخطاب فعرق حتى غرق.
ووقع في حديث حذيفة عند الإمام أحمد قال: أتي رسول اللَّه عَلِّ بالبراق
فلم يزل على ظهره هو وجبريل حتى انتهيا إلى بيت المقدس. وهذا لم يسنده
حذيفة عن النبي عَّة، فيحتمل أنه قاله عن اجتهاد، ويحتمل أن يكون قوله: ((هو
وجبريل)) متعلقًا بمرافقته في السير، لا في الركوب. وقال ابن دحية معناه: وجبريل
قائد أو سائق أو دليل، قال: وإنما جزمنا بذلك لأن قصة المعراج كانت كرامة
للنبي عَ لِ، فلا مدخل لغيره فيها.
السلام منه،) أي: لوجوده عنده وإرادته ركوبه، (ولهذا قال: فارفض عرقًا، فكأنه أجاب بلسان
الحال متبريًا من الاستصعاب، وعرق من خجل العتاب،) أي: عتاب جبريل له، (ومثل هذا
رجفة الجبل،) تحركه (به، حتى قال:) كما في الصحيح عن أنس، أن النبي عَّ صعد أحدًا،
وأبو بكر، وعمر وعثمن، فرجف بهم، فقال: (اثبت أحد، فإنما عليك نبي وصديق) أبو بكر،
(وشهيدان) عمر وعثمن، (فإنهما هزة الطرب:) الفرح، (لا هزة الغضب،) فلذا قر الجبل
وسکن، (وكذا البراق لما قال له جبريل: أسكن فما ركبك أحد أكرم على الله منه أقر
فاستقر:) سكن (وخجل من ظاهر الاستصعاب، وتوجه الخطاب) إليه بالعتاب، (فعرق حتى
غرق،) أي: عمه العرق، فشبه عمومه له بالغرق في الماء.
(ووقع في حديث حذيفة) بن اليمان (عند الإمام أحمد، قال: أتى رسول اللّه ◌ِّ﴾.
بالبراق، فلم يزل على ظهره هو وجبريل، حتى انتهيا إلى بيت المقدس، وهذا لم يسنده
حذيفة عن النبي عَّدٍ، فيحتمل أنه قاله عن اجتهاد،) ولم تبلغه الأحاديث التي فيها نزوله في
أماكن قبل بيت المقدس.
(ويحتمل أن يكون قوله: ((هو وجبريل)) متعلقًا بمرافقته في السير، لا في الركوب) إلى
بيت المقدس دون نزول قبله، فلا يخالفه أحاديث نزوله قبله في أماكن، (وقال ابن دحية معناه:
وجبريل قائد أو سائق، أو دليل، قال: وإنما جزمتا بذلك، لأن قصة المعراج كانت كرامة
للنبي عَّ، فلا مدخل لغيره فيها،) وتبعه ابن المنير وغيره، والتعليل لا ينهض، فإن من جملة
كرامته إكرام صاحبه.

٨٢
المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء
وقد تعقب الحافظ ابن حجر التأويل المذكور: بأن في صحيح ابن حبان
من حديث ابن مسعود: أن جبريل حمله على البراق رديفًا له، وفي رواية الحرث
في مسنده: أتي بالبراق فركبه خلف جبريل فسار بهما. فهذا صريح في ركوبه
معه، والله أعلم. انتهى.
وقد وقع في غير هذه الرواية بيان ما رآه في ليلة الإسراء، فمن ذلك:
ما وقع في حدیث شداد بن أوس - عند البزار والطبراني، وصححه البيهقي
في الدلائل- أنه أول ما أسري به مؤّ بأرض ذات نخل، فقال له جبريل: انزل
(وقد تعقب الحافظ ابن حجر،) فقال: يرد (التأويل المذكور؛ بأن في صحيح ابن
حبان من حديث ابن مسعود، أن جبريل حمله على البراق رديفًا له،) أي: جاعلاً له خلفه.
(وفي رواية الحرث) بن أبي أسامة (في مسنده) عن ابن مسعود: (أتي بالبراق فركبه
خلف جبريل،) وكأنه لسرعة السير، وكونه ليلاً، وكونها دابة غير مألوفة، فخفف عليه لئلا
ينزعج، فلم يجعله أمامه، (فسار بهما، فهذا صريح في ركوبه معه، واللَّه أعلم انتهى).
ومعلوم تقديم صريح المنقول على مقتضى العقول، (وقد وقع في غير هذه الرواية بيان
ما رآه ليلة الإسراء،) قبل إتيانه بيت المقدس، فلا يحسن إبقاء فول حذيفة استمرا على ظهر
البراق حتى انتهيا إلى بيت المقدس على ظاهره، وكذا قوله في حديث لملك بن صعصعة: (ثم.
أتيت بدابة، فحملت عليها، فانطلق بي جبريل حتى أتى السماء الدنيا»، لا يليق بقاؤه على
ظاهره، لأنه مجمل، فيقضي عليه المفصل من الأحاديث المذكور فيها ما رآه في ذهابه وإيابه
وفي السموات، ولما كانت ما صيغة عموم تفيد استيعاب جميع ما رآه، أتى بقوله: (فمن ذلك)
لإفادة أنه لم يستوعب ذلك.
(ما وقع في حديث شداد بن أوس عند البزار والطبراني، وصححه البيهقي في
الدلائل؛ أنه أول ما،) أي: شىء رآه ليلة (أسري به، مر بأرض ذات نخل،) فهو أول
المرئيات، أو سماه أول باعتبار قطع المسافة سريعًا، فلا يقال بين مكة ويثرب مسافة طويلة، فلا
يصدق الخبر على المبتدأ، وهو أول، فعلى هذا فالخبر جملة قوله مر .. الخ، بتقدير أنه واسمها
ضمير الشأن، أو يجوز نصب أول على أنه ظرف متعلق بمر، فما مصدرية، واسم إن ضمير
للنبي عَّه، أي: أنه مر أول إسرائه بأرض، والأولية نسبية، أي: إنه عد المرور أول إسرائه مع
تأخره لقصر سيره فيه، وقرر شيخنا أن هذا أحسن.
(فقال له جبريل: أنزل فصل،) فنزل، (فصلى،) ثم ركب، (فقال له: أتدري أين ]

٨٣
المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء
فصل، فصلى، فقال له: أتدري أين صليت؟ صليت بيثرب، ثم مر بأرض بيضاء
فقال: انزل فصل، فصلى، فقال له جبريل: صليت بمدين، ثم مر ببيت لحم فقال
له جبريل: انزل فصل، فصلى، فقال صليت حيث ولد عيسى.
صليت؟،) فقلت: اللَّه أعلم، هكذا في حديث شداد نفسه قبل قوله: (صليت بيثرب،) صليت
بطيبة، هكذا جمع بينهما في حديث شداد، فيثرب، لأنها إنما كانت مشهورة بهذا الاسم، فقصد
إخباره بالمحل وطيبة، للإشارة إلى أنها تسمى به بعد حلوله فيها.
وفي حديث أنس عند النسائي: أتدري أين صليت؟، صليت بطيبة وإليها المهاجر (بفتح
الجيم)، فجبريل تبرع بإخباره بذلك بعد سؤاله، هل يدري المحل الذي صلى فيه أولاً قاصدًا
إدخال السرور عليه، ولم يسأله النبي صَّةُ عنه على الظاهر المتبادر.
(ثم مر بأرض بيضاء، فقال: انزل فصل، فصلى،) ثم ركب، (فقال له جبريل:) أتدري
أين صليت؟، قال: لا، قال: (صليت بمدين) عند شجرة موسى، كما في خبر شداد، ومدين:
(بفتح الميم، والتحتية، وإسكان المهملة بينهما) بلد بالشام، تلقاء غزة، سميت باسم بانيها
مدين بن إبراهيم، ويحتمل أن المراد بشجرة موسى الشجرة التي كلمه اللَّه عندها لما خرج من
عند شعيب، بعد انقضاء الأجل، قاصدًا مصر، فنودي منها: ﴿أن يا موسى إني أنا اللَّه رب
العالمين﴾ [القصص/٣٠]، أو المراد الشجرة التي آوى بعد سقي الغنم للمرأتين المذكورة في
قوله: ﴿فسقى لهما ثم تولى إلى الظل﴾ [القصص/٢٤]، فإنه كان ظل سمرة، قاله ابن عطية عن
ابن عباس، وعلى هذا، ففي إطلاق مدين على بقعتها تجوّز، لأنها بالطور، وليس هو مدين، لكنه
لقربه منه سماه بذلك.
وفي حديث شداد تلو قوله: عند شجرة موسی، ثم ركب فانطلق البراق يهوي به، ثم قال
له: انزل فصل، ففعل، ثم ركب، فقال: أتدري أين صليت؟، قال: لا، قال: صليت بطور سيناء،
حيث كلم اللَّه موسى، فصرح بأنه صلى في الموضعين عند الشجرة وعند الجبل، وكلمه اللَّه
عندهما معًا، لكن بين التكليمين لموسى مدة طويلة، فالتكليم الأول الذي نبىء فيه كان عمره
أربعين سنة، كما في ابن عطية، والثاني كان بعد غرق فرعون واستقرار الأمر لموسى بعد الأمر
بالصوم وانقضاء مدة الوعد المذكورة في قوله تعالى: ﴿وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها
بعشر﴾ [الأعراف/١٤٢]، (ثم مر ببيت لحم:) بلام مفتوحة، فمهملة ساكنة، قرية من الشام،
تلقاء بيت المقدس، والمصنف اختصر الحديث، وإلا فلفظ حديث شداد عند من عزاه لهم
عقب قوله: ﴿حيث كلم اللَّه موسى﴾ الآية، ثم بلغ أرضًا بدت له قصور، (فقال له جبريل:
انزل فصل، فصلى،) ثم ركب، وانطلق البراق يهوي به، (فقال) له جبريل: أتدري أين صليت؟،

٨٤
المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء
وفى حديث أنس عند البيهقي في الدلائل: لما جاء جبريل بالبراق إليه عـ
فكأنها أصرت أذنيها، فقال لها جبريل: مه يا براق، فوالله ما ركبك مثله، فسار
رسول اللَّه عَلّ فإذا هو بعجوز على جنب الطريق، فقال: ما هذه يا جبريل؟ قال:
سر يا محمد، فسار ما شاء اللَّه أن يسير، فإذا هو بشيخ يدعوه منحنيًا متنحيًا عن
الطريق يقول: هلم يا محمد، فقال له جبريل: سر، وأنه مرَّ بجماعة فسلموا عليه
فقالوا: السلام عليك يا أول، السلام عليك يا آخر، السلام عليك يا حاشر، فقال له
جبريل: أردد عليهم السلام، فرد، الحديث. وفي آخره فقال له جبريل: أما العجوز
التي رأيت جانب الطريق فلم يبق من الدنيا إلا ما بقي من عمر تلك العجوز،
قال: لا، قال: (صليت) ببيت لحم، (حيث ولد عيسى) بن مريم.
(وفي حديث أنس عند البيهقي في الدلائل: لما جاء جبريل بالبراق إليه
استصعب عليه، (فكأنها) بسبب ذلك (أصرت أذنيها،) أي: جمعت بينهما، فهو مفرع على
محذوف، وأصل الصر الجمع والشد، كما في النهاية، (فقال لها جبريل: مه،) أي: انكفي عن
هذا واتركيه وانقادي له، (يا براق، فوالله ما ركبك مثله) (بكسر الكاف) ليناسب أصرت، وإن
جاز فتحها، (فسار رسول اللَّه ◌َاقة، فإذا هو بعجوز على جنب الطريق:) ناحيتها، سقط من
البيهقي عن أنس، فقالت: يا محمد، انظرني أسألك، فلم يلتفت إليها، (فقال: ما هذه يا
جبريل؟، قال: سر يا محمد) أمره بالسير خشية أن يسمع سؤالها رقة عليها لسنها، لما جعل
اللَّه في قلبه من الرأفة والرحمة، (فسار ما شاء اللَّه أن يسير، فإذا هو بشيخ يدعوه منحنيًا) من
شدة الكبر، (متتحيًّا،) مصروفًا، مباعدًا (عن الطريق، يقول: هلم يا محمد، فقال له جبريل:
سر) يا محمد، لئلا يرق له لسنه، فيقبل عليه.
(و) في حديث أنس المذكور: (أنه مر بجماعة) في مسيره، ذلك. ولفظه: وبينما هو
يسير، إذ لقيه خلق من خلق اللَّه تعالى، (فسلموا عليه، فقالوا: السلام عليك يا أول) من
أسمائه مَّةٍ، لأنه أول الأنبياء خلقًا، وأول من قال: بلى يوم ﴿ألست بربكم﴾، والأول عودًا، فهو
أول من تنشق عنه الأرض، وأول من يدخل الجنة، وأول شافع، وأول مشفع، (السلام عليك
يا آخر،) لأنه آخر الأنبياء بعثًا، (السلام عليك يا حاشر،) لأنه يحشر الناس على قدميه، أي:
يقدمهم وهم خلفه، أو يسبقهم، فيحشر قبلهم، والثلاثة من أسمائه، كما مر في مقصدها، (فقال،
"له جبريل: أردد عليهم السلام، فرد ... الحديث)، أسقط منه، ثم لقيه الثانية، فقال له مثل ذلك،
أولقيه الثالثة، فقال له مثل ذلك.
(وفي آخره، فقال له جبريل: أما العجوز التي رأيت جانب الطريق، فلم يبق من الدنيا

٨٥
المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء
والذي دعاك إبليس، والعجوز الدنيا، أما لو أجبتها لاختارت أمتك الدنيا على
الآخرة، وأما الذين سلموا عليك فإبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام، قال
الحافظ عماد الدين بن كثير: في ألفاظه نكارة وغرابة.
وفي رواية: أنه عَِّ مر بموسى عليه السلام، وهو يصلي في قبره. قال أنس: ذكر.
كلمة فقال: أشهد أنك رسول اللَّه. ولا مانع أن الأنبياء عليهم السلام يصلون في
إلا ما بقي من عمر تلك العجوز، والذي دعاك إبليس،) أراد أن تميل إليه، كما في نفس
الحديث، (والعجوز الدنيا،) أي: أنها صوّرت له بصورة عجوز، إشارة إلى قرب انقضائها، وإلا
فهي نقيض الآخرة، لا صورة لها يرى فيها.
(أما) (بالتخفيف) (لو أجبتها، لاختارت أمتك الدنيا على الآخرة،) تجعلها نصب
أعينهم، وعبادتهم دون اللَّه، فلا يرد أن كثيرًا من أمته، بل أكثرهم يبتغون الدنيا، ويتهالكون
عليها، لأنهم وإن فعلوا ذلك، لكن لأغراض قامت عندهم مع اعتقاد كمال قدرة اللَّه ووحدانيته،
فلا يصدق عليهم إتباعهم للدنيا، (وأما الذين سلموا عليك، فإبراهيم وموسى وعيسى عليهم
السلام،) سلموا عليه ثلاثًا، زيادة في المحبة.
(قال الحافظ عماد الدين بن كثير في ألفاظه،) أي: هذا الحديث: (نكارة وغرابة،)
لمخالفته لما في حديث أبي سعيد: أن جبريل أجابه بقوله: لو أجبتها .. الخ، لما تمثلت بامرأة
حاسرة عن ذراعيها، عليها من كل زينة، خلقها اللَّه، وأما حين تمثلها بعجوز، فأجابه بأنه لم يبق
من الدنيا .. الخ، ومن جهة تفرده بذكر لقائه لهؤلاء الثلاثة في ذهابه إلى بيت المقدس قبل
دخوله.
(وفي رواية) عند أبي يعلى الموصلي عن أنس، بلفظ: (أنه عَّ مر بموسى عليه
السلام، وهو يصلي في قبره).
(قال أنس) راويه، (ذكر كلمة، فقال: أشهد أنك رسول اللَّه)) بيان لكلمة، ويحتمل أن
الكلمة غيرها، وقوله أشهد .. الخ، ناشىء عنها، والحديث في مسلم والنسائي وغيرهما عن
أنس؛ أن النبي ◌َُّ قال: مررت على موسى ليلة أسري بي عند الكئيب الأحمر، وهو قائم يصلي
في قبره.
وفي حديث ابن مسعود عند الحسن بن عرفة، والطبراني وأبي نعيم وغيرهم، رجل طوال
سبط آدم، كأنه من رجال شنوأة، وهو يقول برفع صوته: أكرمته وفضلته، فدفعنا إليه، فسلمنا
عليه، فرد السلام، وقال: من هذا معك يا جبريل؟، قال: هذا أحمد، قال: مرحبًا بالنبي الأمي
العربي، الذي بلغ رسالة ربه، ونصح لأمته، ودعا له بالبركة، وقال: سل لأمتك اليسر، ثم أبعد

٨٦
المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء
قبورهم لأنهم ﴿أحياء عند ربهم يرزقون﴾ [الأعراف/١٦٩]، فهم يتعبدون بما
يجدون من دواعي أنفسهم، لا بما يلزمون به، كما يلهم أهل الجنة الذكر. وسيأتي
الإشارة إلى ذلك في حجة الوداع إن شاء اللَّه تعالى.
وفي حديث أبي هريرة عند الطبراني والبزار: أنه عليه الصلاة والسلام مرَّ
على قوم يزرعون ويحصدون في يوم، كلما حصدوا عاد كما كان، فقال لجبريل:
ما هذا؟ قال: هؤلاء المجاهدون في سبيل اللَّه تضاعف لهم الحسنة إلى سبعمائة
ضعف، وما أنفقوا من شىء فهو يخلفه، وهو خير الرازقين، ثم أتى على قوم ترضخ
عنا، فقلت: من هذا يا جبريل، قال: هذا موسى بن عمران، قلت: ومن يعاتب؟، قال: يعاتب ربه،
قلت: أيرفع صوته على ربه؟، قال: إِن اللَّه قد عرف له حدته، فذكر الحديث، وفيه: أنه لقي
إبراهيم في طريقه، ثم دخل الأقصى، وصلى بالأنبياء.
قال النعماني: وفيه غرابة، (ولا مانع أن الأنبياء عليهم السلام يصلون في قبورهم)
الصلاة الشرعية، التي كانوا يصلونها في الحياة الدنيا، لأنهم إلى الآن في الدنیا، وهي دار تعبد،
وقيل: المراد الصلاة اللغوية، أي: يدعون اللَّه ويذكرونه ويثنون عليه، وجزم القرطبي الأول، لأنه
ظاهر الحديث.
(لأنهم ﴿أحياء عند ربهم يرزقون﴾ [الأعراف/١٦٩]،) حياة حقيقية، والصلاة تستدعي
جسدًا حيًّا، سواء قلنا إنها الشرعية، أو اللغوية، ولا يلزم من كونها حقيقية أن تكون الأبدان معها،
كما كانت في الدنيا من الاحتياج إلى الطعام والشراب ونحوهما من صفات الأجسام التي
نشاهدها، لأن ذلك عادي لا عقلي، وهذه الملائكة أحياء ولا يحتاجون إلى ذلك.
(فهم يتعبدون بما يجدون من دواعي أنفسهم،) فتعبدهم بذلك لذة، أي: لذة، (لا بما،)
أي: شىء، (يلزمون به،) لأنه لا تكليف بعد الموت، (كما يلهم أهل الجنة الذكر،) ويجدون
اللذة القوية، ولا تكليف في الجنة. (وسيأتي الإشارة) القليلة (إلى ذلك في حجة الوداع إن
شاء اللّه تعالى،) وسبق في الخصائص بأبسط مما في الموضعين.
(وفي حديث أبي هريرة عند الطبراني، والبزار،) والبيهقي، وابن جرير، وأبي يعلى؛
(أنه عليه الصلاة والسلام مر على قوم يزرعون ويحصدون) بكسر الصاد وضمها (في يوم،
كلما حصدوا عاد كما كان، فقال لجبريل: ما هذا؟، قال: هؤلاء المجاهدون في سبيل
اللَّه، تضاعف لهم الحسنة إلى سبعمائة ضعف، وما أنفقوا من شىء، فهو يخلفه،) إخبار عن
حالهم، ولم يقصد القرآن، فلا بد أن التلاوة ﴿وما أنفقتم من شىء فهو يخلفة، (وهو خير
الرازقين﴾ [سبأ/٣٩]٤) والمراد أن ما يتنعمون به من فواكه وغيرها، إذا نفذ في ذلك الوقت،

٨٧
المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء
رؤسهم بالصخر، كلما رضخت عادت كما كانت، ولا يفتر عنهم من ذلك شىء،
فقال: ما هذا يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين تتثاقل رؤسهم عن الصلاة المكتوبة، ثم
أتى على قوم على أقبالهم رقاع، وعلى أدبارهم رقاع، يسرحون كما تسرح الأنعام،
يأكلون الضريع والزقوم ورضف جهنم، قال: ما هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين
لا يؤدون زكاة أموالهم، وما ظلمهم اللَّه وما اللَّه بظلام للعبيد. ثم أتى على قوم
بين أيديهم لحم نضيج في قدر، ولحم نيء في قدر خبيث، فجعلوا يأكلون من
جيء لهم بغيره على التوالي، وبذلك يتميزون عن غيرهم من أهل الجنة، أو أنه إخبار بأنه ما أنفقه
المجاهدون يعوّضون به في الدنيا سريعًا، ولا يؤخر ثوابهم للآخرة.
(ثم أتى على قوم ترضخ،) أي: تشدخ، كما في التقريب، وفي المصباح: تكسر
(رؤوسهم بالصخر، كلما رضخت عادت كما كانت، ولا يفتر عنهم) بضم أوله وفتح الفاء
وشد الفوقية، أي: لا يخفف عنهم (من ذلك) الرضخ (شىء)) أو هو بفتح الياء وضم الفوقية
مخففًا، أي: لا يرتفع عنهم ذلك، ولا يسهل، (فقال: ما هذا يا جبريل؟، قال: هؤلاء الذين
تتناقل رؤوسهم عن الصلاة المكتوبة،) بالتساهل فيها، إما بتركها أصلاً، أو بإخراجها عن وقتها،
كلاً أو بعضها، (ثم أتى على قوم على أقبالهم رقاع:) جمع قبل، كأعناق وعنق، وهو من كل
شىء خلاف دبره، قيل: سمي قبلاً، لأن صاحبه پقابل به غيره، (وعلى أدبارهم رقاع، يسرحون
كما تسرح الأنعام) الذي في رواية البزار، والبيهقي وغيرهما، كما تسرح الإبل والغنم، (يأكلون
الضريع:) الشوك اليابس، أو نبات أحمر، منتن الريح، يرمي به البحر، (والزقوم:) ثمر، شجر كريه
الطعم، قيل: لا يعرف في شجر الدنيا، وإنما هي في النار، يكره أهل النار على أكلها، كما قال
تعالى: ﴿إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم طلعها كأنه رؤوس الشياطين﴾ [الصافات/٦٤]،
وفي القاموس: الزقوم كتنور الزبد بالتمر، وشجرة بجهنم، ونبات بالبادية، له زهر ياسميني الشكل،
وطعام أهل النار.
وأخرج ابن جرير عن قتادة، قال: قال أبو جهل: زعم صاحبكم هذا أن في النار شجرة،
والنار تأكل الشجر، وإنا واللَّه ما نعلم الزقوم إلا التمر والزبد، فأنزل اللَّه: حين عجبوا أن يكون في
النار شجرة: ﴿إِنها شجرة تخرج في أصل الجحيم﴾. (ورضف جهنم:) بفتح الراء وسكون الضاد
المعجمة بعدها فاء الحجارة المحماة، واحدها رضفة بسكون الضاد وتفتح: (قال: ما هؤلاء يا
جبريل؟، قال: هؤلاء الذين لا يؤدون زكاة أموالهم، وما ظلمهم اللَّه) شيئًا، (وما اللَّه بظلام،)
أي: بذي ظلم (للعبيد،) فيعذبهم بلا ذنب.
(ثم أتى على قوم بين أيديهم لحم نضيج:) مستو (في قدر، ولحم نيء،) بالهمز،

٨٨
المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء
النيء الخبيث، ويدعون النضيج، فقال: ما هؤلاء يا جبريل؟ قال جبريل: هذا الرجل
من أمتك تكون عنده المرأة الحلال الطيب، فيأتي امرأة خبيثة فيبيت عندها حتى
يصبح، والمرأة تقوم من عند زوجها حلالاً طيبًا فتأتي رجلاً خبيئًا فتبيت عنده حتى
تصبح. ثم أتى على رجل قد جمع حزمة عظيمة لا يستطيع حملها، وهو يزيد
عليها، قال: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الرجل من أمتك تكون عنده أمانات الناس
لا يقدر على أدائها، وهو يريد أن يحمل عليها. ثم أتى على قوم تقرض ألسنتهم
وشفاههم بمقاريض من حديد، كلما قرضت عادت كما كانت، لا يفتر عنهم من
ذلك شىء، قال: ما هذا يا جبريل؟ قال: هؤلاء خطباء الفتنة، قال: ثم أتى على
وزان حمل كل شىء شأنه أن يعالج بطبخ، أو شىء لم يطبخ، فيقال لحم نيء والإبدال
والإدغام عامي (في قدر خبيث) بالرفع نعت لحم، (فجعلوا يأكلون من النيء الخبيث،
ويدعون التضيج، فقال: ما هؤلاء يا جبريل؟، قال جبريل: هذا الرجل من أمتك، تكون عنده
المرأة الحلال الطيب، فيأتي امرأة خبيثة، فيبيت عندها حتى يصبح،) ولعله قيد بأمته، لأن
لغيرهم عذابًا أعظم من هذا، أو لأن الغرض إعلامه بما أعد لمرتكبي ذلك لينكفوا عنه، (والمرأة
تقوم من عند زوجها حلالاً طيبًا، فتأتي رجلاً خبيثًا فتبيت عنده، حتى تصبح،) ولعل التقييد
بذلك لأنه الأغلب، والمراد الزنا، وإن لم يكن بيات حتى الصباح، ويؤيده أن الحافظ اختصر
الحديث بقوله، قال: هؤلاء الزناة.
(ثم أتى على رجل قد جمع حزمة:) بضم فسكون ما حزم من أي شىء، وفي فتح
الباري: حزمة حطب، (عظيمة لا يستطيع حملها، وهو يزيد عليها)، أي: يضم إليها غيرها،
(قال: ما هذا يا جبريل؟، قال: هذا الرجل من أمتك تكون عنده،) أي: في جهته، (أمانات.
الناس، لا يقدر على أدائها،) أي: الخروج من عهدتها، فدخل فيه ما تحت يده كوديعة، وما
وكل على بيعه، وما تحت يده من مال يتيم ونحوه، وما فوّض إليه كإمامة، وخطابة وغيرهما من
المناصب الشرعية، مما لا يوصف بكونه تحت يده حسًا، (وهو يريد أن يحمل،) أي: يزيد
(عليها) ما يحتاج إلى حمله معها، مع عدم قدرته على حمل الأولى.
(ثم أتى على قوم تقرض:) تقطع (ألسنتهم وشفاههم:) جمع شفة مخففة (بمقاريض:)
جمع مقراض بكسر الميم، (من حديد، كلما قرضت عادت كما كانت، لا يفتر عنهم من
ذلك شىء، قال: ما هذا يا جبريل؟، قال: هؤلاء خطباء الفتنة،) أي: الذين يقولون ما لا
يفعلون، فيفتنون الناس بذلك لعدم مطابقة قولهم لفعلهم، وأسقط من الرواية خطباء أمتك، يقولون
ما لا يفعلون، والمراد بالخطباء كل من تصدى لتعليم العامة ما طلب منهم، ونهيهم عما نهوا،

٨٩
المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء
جحر صغير يخرج منه ثور عظيم، فجعل الثور يريد أن يرجع من حيث خرج فلا
يستطيع، فقال: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الرجل يتكلم بالكلمة العظيمة ثم يندم
عليها فلا يستطيع أن يردها. ثم أتى على واد فوجد فيه ريحًا طيبة باردة، كريح
المسك، وسمع صوتًا، فقال: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا صوت الجنة، تقول:
رب آتني بما وعدتني، فقد كثرت غرفي واستبرقي وحريري وسندسي وعبقري
ولؤلؤي ومرجاني وفضتي وذهبي، وأكوابي وصحافي وأباريقي، ومراكبي، وعسلي
فدخل العالم الواعظ وغيرهما.
(قال: ثم أتى على جحر:) بضم الجيم وسكون المهملة، ثقب مستدير، (صغير يخرج
منه ثور عظيم:) بمثلثة، ذكر البقر، (فجعل الثور يريد أن يرجع من حيث خرج، فلا يستطيع،
فقال: ما هذا يا جبريل؟، قال: هذا الرجل يتكلم بالكلمة العظيمة،) من سخط اللَّه، (ثم يندم
عليها، فلا يستطيع أن يردها) لعدم إمكانه.
(ثم أتى على واد، فوجد فيه ريحًا طيبة باردة، كريح المسك، وسمع صوتًا، فقال:
ما هذا يا جبريل؟، قال: هذا صوت الجنة، تقول) بلسان القال على الظاهر المتبادر، فلا مانع
من أن يخلق لها إدراك ونطق، (رب آتني) بالمد، (بما وعدتني،) بزيادة الباء في المفعول،
كقوله تعالى: ﴿ولا تلقوا بأيديكم﴾ [البقرة/١٩٥]، لأن آتي يتعدى بنفسه، كقوله: ﴿وآتاه الله
الملك﴾ [البقرة/٢٥١]، (فقد كثرت غرفي:) بالضم، جمع غرفة، وهي العلية، (واستبرقي)
ثخين الديباج، وفي البيضاوي: ثخين الحرير، (وحريري) عطف عام على خاص، (وسندسي)
رقيق الديباج، (وعبقري)) قيل: هو الديباج، أو البسط الموشية، أو الطنافس الثخان، وأصله فيما
قيل: إن عبقر قرية يسكنها الجن، فيما يزعمون، فكلما رأوا شيئًا فائقًا غريبًا، مما يصعب علمه
ويدق، أو شيئًا عظيمًا في نفسه، نسبوه إليها، فقالوا: عبقري.
وفي القاموس: العبقري الكامل في كل شىء، والسيد الذي ليس فوقه شىء، وعليه فالمراد
هنا، وكثرت نفائسي الكاملة من ثياب وغيرها، ويكون من ذكر العام بعد الخاص، (ولؤلؤي)
بهمزتين، وبحذفهما، ويإثبات الأولى دون الثانية، (ومرجاني،) قال الأزهري وغيره: هو صغار
اللؤلؤ.
وقال الطرسوسي: هو عروق حمر، تطلع من البحر كأصابع الكف، قال: وهكذا شاهدناه
بمغارب الأرض، (وفضتي، وذهبي وأكوابي:) جمع كوب، إناء لا عروة له ولا خرطوم،
(وصحافي:) جمع صحفة، إناء كالقصعة، (وأباريقي:) جمع أبريق، إناء له عروة وخرطوم،

٩٠
المقصد الخامس: فى تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء
ومائي ولبني وخمري، فائتني بما وعدتني، قال: لك كل مسلم ومسلمة ومؤمن
ومؤمنة، ومن آمن بي وبرسلي وعمل صالحًا، ولم يشرك بي شيئًا، ولم يتخذ من
دوني أندادًا، ومن خشيني فهو آمن، ومن سألني أعطيته، ومن أقرضني جازيته، ومن
توكل علي كفيته، إنني أنا اللَّه، لا إله إلا أنا، لا أخلف الميعاد، وقد أفلح
المؤمنون، وتبارك الله أحسن الخالقين، قالت: قد رضيت، ثم أتى على واد فسمع
صوتًا منكرًا، ووجد ريحًا منتنة فقال: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا صوت جهنم،
تقول رب آتني ما وعدتني، فقد كثرت سلاسلي وأغلالي وسعيري وحميمي
وغساقي وعذابي، وقد بعد قعري واشتد حري، فآتني بما وعدتني، قال: لك كل
(ومراكبي:) ما يركب، (وعسلي، ومائي، ولبني وخمري) بالأنهار الأربعة، (فأنتني، بما
وعدتني.
(قال: لك كل مسلم ومسلمة، ومؤمن ومؤمنة، ومن آمن بي وبرسلي، وعمل
صالحًا) الطاعات، (ولم يشرك بي شيئًا،) بل لا يرائي أحدًا بعبادته لي، وحملناه على هذا
ليغاير قوله: ((ولم يتخذ من دوني أندادًا﴾)، شركاء يخصهم بالعبادة، (ومن خشيني)، خافني
مع الإجلال، (فهو آمن، ومن سألني أعطيته، ومن أقرضني) بإنفاقه في سبيلي لأجلي،
(جازيته) جزاء مضاعفًا، كما قال: ﴿من ذا الذي يقرض اللَّه قرضًا حسنًا فيضاعفه له وله أجر
كريم﴾ [الحديد/١١]، (ومن توكل عليَّ كفيته، إنني أنا اللَّه لا إله إلا أنا، لا أخلف
الميعاد،) الوعد بالبعث والجزاء، (وقد) للتحقيق (أفلح) فاز (المؤمنون، وتبارك اللَّه أحسن
الخالقين)، أي: المقدرين، بزنة اسم الفاعل، ومميز أحسن محذوف للعلم به، أي: خلقًا،
(قالت) الجنة: (قد رضيت، ثم أتى على واد، فسمع صوتًا منكرًا،) ينكره سامعه لعدم سماع
نظيره في الأصوات المعتادة لشناعته وقبحه، (ووجد ريحًا منتنة:) بضم الميم وكسر التاء، اسم
فاعل من أنتن كذا، ويجوز كسر الميم للإتباع، وضم التاء إتباعًا للميم، قليل كما في المصباح،
(فقال: ما هذا يا جبريل؟، قال: هذا صوت جهنم، تقول) بلسان القال: (رب آتني :ما
وعدتني، فقد كثرت سلاسلي:) جمع سلسلة، (وأغلالي:) قيودي، (وسعيري:) ناري،
وسعرتها وأسعرتها: أوقدتها، (وحميمي:) مائي الحار غاية الحرارة، (وغساقي:) بخفة السين
وتثقيلها، أي: ما يسيل: ويخرج مني، لشدة حرارتي.
وفي البيضاوي وغيره: الغساق ما يغسق أن يسيل من صديد أهل النار، فإنهم يذوقونه،
(وعذابي وقد بعد قعري، واشتد حري، فآتني بما وعدتني، قال: لك كل مشرك ومشركة،
وكافر وكافرة،) عطف عام على خاص، لأن المشرك إذا جمع مع الكافر أريد به من جعل للَّه

٩١
المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء
مشرك ومشركة وكافر وكافرة، وكل جبار عنيد لا يؤمن بيوم الحساب، قالت: قد
رضيت. قال: فسار حتى أتى بيت المقدس.
وفي رواية أبي سعيد عند البيهقي: دعاني داع عن يميني: انظرني أسألك،
فلم أجبه، ثم دعاني آخر عن يساري كذلك فلم أجبه، وفيه: إذا امرأة حاسرة عن
ذراعيها وعليها من كل زينة خلقها اللَّه تعالى فقالت: يا محمد انظرني أسألك،
فلم ألتفت إليها، وفيه أن جبريل قال له: أما الداعي الأول فهو داعي اليهود، ولو
أجبته لتهودت أمتك، وأما الثاني فداعى النصارى، ولو أجبته لتنصرت أمتك، وأما
المرأة فالدنيا. وفيه: أنه صعد إلى السماء الدنيا ورأى فيها آدم، وأنه رأى أخونة
عليها لحم طيب ليس عليها أحد، وأخرى عليها لحم نتن عليها ناس يأكلون، قال
شريكًا كعباد الأوثان، والكافر يشمل ذلك وغيره، (وكل جبار) كافر (لا يؤمن بيوم الحساب)
يوم القيامة، (قالت: قد رضيت، قال: فسار حتى أتى بيت المقدس،) وفي نسخة: أتيت،
أي: فسار بي حتی أتیت.
(وفي رواية أبي سعيد) الخدري سعد بن ملك بن سنان، (عند البيهقي،) وابن جرير،
وابن أبي حاتم، وابن مردويه: (دعاني داع عن يميني:) يا محمد (انظرني،) نظر إقبال عليّ،
وتوجه إليّ (أسألك، فلم أجبه، ثم دعاني آخر عن يساري:) يا محمد، انظر لي أسألك، كما
في الرواية، واختصرها بقوله (كذلك، فلم أجبه، وفيه،) أي: حديث أبي سعيد المذكور، وبينما
هو يسير (إذا امرأة حاسرة:) كاشفة (عن ذراعيها) اسم فاعل من حسر، إذا كشف، (وعليها
من كل زينة خلقها اللَّه تعالى، فقالت: يا محمد، أنظرني أسألك، فلم ألتفت إليها، وفيه،)
أي: الحديث المذكور، (أن جبريل قال له: أما الداعي الأول) الذي هو عن يمينه، (فهو داعي
اليهود، ولو أجبته لتهوّدت أمّتك،) لعل حكمة ذلك لو وقع أن اللَّه جعل إجابته سببًا لذلك في
سابق علمه، وكذا يقال في قوله.
(وأما الثاني فداعي النصارى، ولو أجبته لتنصوت أمتك، وأما المرأة فالدنيا،) أما أنك
لو أجبتها، لاختارت أمتك الدنيا على الآخرة، هكذا في حديث أبي سعيد المذكور، وتصورت
له أيضًا بصورة عجوز، إشارة إلى قلة ما بقي منها كما مر.
. (وفيه)، أي: الحديث المذكور؛ (أنه صعد إلى السماء الدنيا، ورأى فيها آدم، وأنه)
بعد اجتماعه بآدم، مضى هنيهة، و (رأى أخونة:) جمع خوان بكسر المعجمة وضمها، الذي
يؤكل عليه، وقال الخليل: هو المائدة (عليها لحم طيب، ليس عليها أحد) يأكل منها،

٩٢
المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء
يا جبريل: ما هذا؟ قال جبريل: هؤلاء الذين يتركون الحلال ويأكلون الحرام، وفيه:
أنه مرّ بقوم بطونهم أمثال البيوت كلما نهض أحدهم خرّ، وأن جبريل قال له: هم
أكلة الربا، وأنه موّ بقوم مشافرهم كالإبل، يلتقمون حمرًا، فيخرج من أسافلهم، وأن
(وأخرى عليها لحم نتن، عليها ناس يأكلون) منها، (قال: يا جبريل ما هذا؟ قال جبريل:
هؤلاء الذين يتركون الحلال ويأكلون الحرام،) وفي لفظ عند البيهقي أيضًا وغيره: فإذا هو
بأقوام على مائدة لحم عليها شوى كأحسن ما رؤي من اللحم، وإذا حوله جيف، فجعلوا يقبلون
على الجيف، يأكلون منها، ويدعون اللحم، فقال: من هؤلاء يا جبريل؟، قال: هؤلاء الزناة،
يحلون ما حرم الله عليهم، وتركوا ما أحل اللّه لهم.
(وفيه،) أي: حديث أبي سعيد المذكور؛ (أنه مر بقوم بطونهم أمثال البيوت، كلما
نهض أحدهم خرّ:) سقط من قيام، (وأن جبريل قال له) جوابًا لقوله: يا جبريل من هؤلاء؟، قال:
(هم أكلة الربا،) أي: الذين يتناولون من الأموال ما أخذوه على وجه الربا، وهو خاص
بالمطعومات والنقود، إذا أخذت بالعقد المسمى بعقد الربا، بأن اشتمل أحد العوضين فيه على
زيادة، أو تأخير في البدلين، أو أحدهما، وخرج بذلك المأخوذ بعقود فاسدة، كفقد رؤية، أو
شرط فاسد مع انتفاء الربا عنها، فلا يكون لفاعلها ذلك الوصف، وإن أثم، ولم يملك ما أخذه.
وقد أفاد المصنف أنه اختصر الحديث، وهو كذلك، ولفظه في هذه الجملة، ثم مضى
هنيهة، فإذا هو بقوم بطونهم أمثال البيوت، فيها الحيات ترى من خارج بطونهم، كلما نهض
أحدهم خر، يقول: اللهم لا تقم الساعة، وهم على سابلة آل فرعون، فتجيء السابلة فتطؤهم،
فسمعهم يضجون إلى اللَّه تعالى، فقال: يا جبريل من هؤلاء؟، قال: هؤلاء من أمتك، الذين
يأكلون الربا، لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس، والسابلة أبناء السبيل
المختلفة، وجعلوا بطريق آل فرعون يمرون عليهم غدوًا وعشيًا، لأن آل فرعون هم أشد الناس
عذابًا، يطؤنهم فضلاً عن غيرهم من الكفار، وهم لا يستطيعون القيام، ومعنى ذلك؛ أن اللَّه وقف
أمرهم بين أن ينتهوا، فيكون جزاء لهم، وبين أن يعودوا ويصروا، فيدخلهم النار واستشكل بأن
هذه الحالة إن كانت عبارة عن حالهم في الآخرة، فآل فرعون قد دخلوا أشد العذاب، وإنما
يعرضون على النار غدوًا وعشيًا في البرزخ، وإن كانت هذه الحال التي رآهم عليها، فأي: بطون
لهم، وقد صاروا عظامًا ورفاتًا، ومزقوا كل ممزق، وأجيب بأنه إنما رآهم في البزرخ، لأنه حدث
عما رأى، وهذه الحال هي حال أرواحهم بعد الموت، وفيه تصحيح لمن قال: الأرواح أجسادًا
لطيفة، قابلة للنعيم والعذاب، فخلق اللَّه تعالى في تلك الأرواح من الألم ما يجده من انتفخ بطنه
حتى وطىء بالأقدام، ولا يستطيع معه قيامًا، ولا دليل فيه على أنهم أشد عذابًا من آل فرعون، بل

٩٣
المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء
جبريل قال له: هؤلاء الذين يأكلون أموال اليتامى ظلمًا، وأنه مرَّ بنساء يعلقن
بثديهن وأنهن الزواني، وأنه موّ بقوم يقطع من جنوبهم اللحم فيطعمون وأنهم
الغمازون اللمازون.
فيه دليل على أن آل فرعون وغيرهم من الكفار الذين لا يأكلون الربا يطؤنهم ما داموا في البزرخ
إلى أن يقوموا يوم القيامة، كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس، ثم ينادي منادي: الله
﴿ادخلوا آل فرعون أشد العذاب﴾، ذكره السهيلي؛ (وأنه مر بقوم مشافرهم:) بفتح الميم وخفة
المعجمة، فألف، ففاء مكسورة فراء، أي: شفاههم، (كالإبل،) لفظ الرواية: كمشافر الإبل، وعبر
عن شفاههم بذلك مجازًا، إذ يقال: شفة الإنسان، ومشفر البعير، وجحفل الفرس، (يلتقمون
جمرًا، فيخرج من أسافلهم).
وفي رواية: يجعل في أفواههم صخر من جهنم، ثم يخرج من أسافلهم، فسمعهم يضجون
إلى اللَّه تعالى؛ (وأن جبريل قال له) جوابًا لقوله: يا جبريل من هؤلاء؟، قال: (هؤلاء ﴿الذين
يأكلون أموال اليتامى ظلمًا،) إنما يأكلون في بطونهم نارًا، وسيصلون سعيرًا﴾ [النساء/١٠]،
كما في بقية جواب جبريل.
(وأنه مر بنساء يعلقن بثديهن:) بضم المثلثة، ويقال بكسرها وكسر المهملة، جمع ثدي،
يذكر ويؤنث، فيقال: هو الثدي، وهي الثدي، وهو معروف، (وأنهن الزواني،) يجوز أنه رأى
أرواحهن، وقد خلق فيها من الآلام ما يجده من هذه حاله، وأن يكون مثلت له حالهن في
الآخرة، قاله السهيلي.
ولفظ الحديث: ثم مضى هنيهة، فإذا هو بنساء معلقات بثديهن، ونساء منكسات
بأرجلهن، فسمعهن يضججن إلى الله، فقال: من هؤلاء يا جبريل؟، قال: هؤلاء اللاتي يزنين
ويقتلن أولادهن.
(وأنه مر بقوم يقطع من جنوبهم اللحم، فيطعمون، وأنهم الغمازون،) كذا في نسخ
بغين معجمة، أي: المشيرون بأعينهم أو حواجبهم لمعايب الناس، ولما فيه ضررهم، لكن لفظ
الرواية: الهمازون، بالهاء بدل الغين، وهم الذين يغتابون الناس بلا مواجهة، (اللمازون:) العيابون،
كما في الشامي، أي: الذين يكسرون من أعراض الناس.
قال البيضاوي: اللمز: الكسر كالهمز، شاعا في كسر أعراض الناس، والطعن فيهم.
ولفظ الحديث: ثم مضى هنيهة، فإذا هو بأقوام يقطع من جنوبهم اللحم، فيلقمون، فيقال
له: كل كما كنت تأكل لحم أخيك، فقال: يا جبريل من هؤلاء؟، قال: هؤلاء الهمازون من
أمتك اللمازون.

٩٤
المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء
وفي حديث أبي هريرة - عند البزار والحاكم - أنه معَّبيّ صلى ببيت المقدس
مع الملائكة، وأنه أتي هناك بأرواح الأنبياء فأثنوا على اللَّه. وفيه قول إبراهيم: لقد
فضلكم محمد.
وفي رواية عبد الرحمن بن هاشم عن أنس: ثم بعث له آدم فمن دونه فأمهم
تلك الليلة.
وفي حديث أم هانىء عند أبي يعلى: ونشر لي رهط من الأنبياء، منهم
إبراهيم وموسى وعيسى.
وفي رواية أبي سلمة ثم حانت الصلاة فأممتهم. أخرجه مسلم.
(وفي حديث أبي هريرة عند البزار، والحاكم) والبيهقي: (أنه سَُّ صلى ببيت
المقدس) قبل صعوده كما هو، سياق الحديث عند الثلاثة، ولفظه: ثم سار إلى بيت المقدس.
فنزل، فربط فرسه إلى صخرة بيت المقدس، ثم دخل، فصلى (مع الملائكة)، ويأتي أنه
صلى بالأنبياء أيضًا؛ (وأنه أتي هناك بأرواح الأنبياء، فأثنوا على اللَّه ــ وفيه)) أي: الحديث،
(قول إبراهيم،) لما أثنى نبينا على ربه، بعد ثناء الأنبياء، (لقد فضلكم محمد،) أي: زاد. عليكم،
وتميز بما أثنى به على ربه، قال ذلك إبراهيم إظهارًا لشرف المصطفى وفضله، وليس ضميرًا فيه
عائدًا لما أثنوا به، كما توهم، لأن ثنائهم إنما كان على اللَّه، والمصنف اختصر الحديث هنا،
وسنذ کرہ تامًا عن قريب.
(وفي رواية عبد الرحمن بن هاشم، عن أنس،) عند الطبراني والبيهقي، (ثم بعث له
آدم،) أي: أمر بالمجيء إليه، (فمن دونه) من الأنبياء، كما في نفس حديث أنس، (فأمّهم تلك
الليلة،) أي: صلى بهم إمامًا.
(وفي حديث أم هانيء عند أبي يعلى، ونشر،) أي: سيق (لي رهط من) جملة
(الأنبياء،) وجمعوا حولي، عبر عن ذلك بالنشر إشارة إلى كثرتهم وتفرقهم، (منهم: إبراهيم
وموسى وعيسى،) أو المعنى: أخرجوا من قبورهم عبر عنه بالنشر، تشبيهًا له ببعثهم من قبورهم
وسعيهم إلى المحشر وحضورهم فيه، ويحتمل أن المراد جميع الأنبياء، مأخوذ من نشر الراعي
غنمه نشرًا، من باب قتل إذا بثها، ولا ينافيه لفظ رهط من الأنبياء، لجواز أن من للبيان وسماهم
رهطاً، نظرًا لقلتهم بالنسبة لغيرهم من الناس، هذا وإن كان بعيدًا، لكن الحامل عليه الجمع بينه
وبين قوله في الحديث: قبله آدم، فمن دونه من الأنبياء.
(وفي رواية أبي سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف اسمه عبد اللَّه، وقيل: إسمعيل عن

٩٥
المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء
وفي حديث أبي أمامة عند الطبراني في الأوسط: ثم أقيمت الصلاة فتدافعوا
حتى قدموا محمدًا عَّهِ.
وفي رواية ثابت البناني عن أنس عند مسلم قال: فربطته، يعني البراق،
بالحلقة - وهي بإسكان اللام على الأشهر - التي تربط به الأنبياء بتذكير الضمير،
إعادة على معنى الحلقة وهو الشىء، والمراد حلقة باب مسجد بيت المقدس. قاله
صاحب التحرير - قال عليه السلام: ثم دخلت المسجد فصليت فيه ركعتين ثم
أبي هريرة، رفعه، (ثم حانت الصلاة،) أي: دخل وقتها، ويأتي للمصنف الخلاف في أنها
الصبح، أو العشاء، ويأتي تضعيفهما، وأن الأظهر أنها من النفل المطلق، أو من الفرض الذي كان
قبل الخمس، فالمراد بحانت الصلاة؛ دخل الوقت المأمور بالصلاة فيه، (فأممتهم:) صليت بهم
إمامًا، (أخرجه مسلم).
(وفي حديث أبي أمامة عند الطبراني في الأوسط: ثم أقيمت الصلاة،) أي: تهيؤًا
وقاموا لها، لا الإقامة المشروعة الآن، لأنها إنما شرعت بالمدينة، (فتدافعوا،) أي: منع كل نفسه
الإمامة بعد أن طلب منه أن يكون إمامًا، وطلب من غيره التقدم عليه، (حتى قدموا
محمدًا عَ لَّه) لا ينافيه حديث ابن مسعود الآتي: فقمنا صفوفًا ننتظر من يؤمنا، فأخذ جبريل
بيدي، فقدمني، فصليت بهم المفيد، ظاهره أنهم لم يتدافعوا، ولم يقدموه، لأن انتظار من يؤم لا
ينافي تدافعهم، أي: قول بعضهم لبعض تقدم أنت مثلاً، ولما قدمه جبريل رضوا به، فنسب هنا
تقديمه إليهم لرضاهم به وسرورهم.
(وفي رواية ثابت البناني عن أنس،) رفعه (عند مسلم،) قال: أتيت بالبراق، فوصفه،
(قال): فركبته حتى أتيت بيت المقدس، (فربطته، يعني البراق)، تفسير من المصنف لإسقاطه
أول الحديث كما ترى، (بالحلقة، وهي بإسكان اللام على الأشهر، ) وقد تفتح لامها
وتكسر، أو ليس في الكلام حلقة بفتح اللام، إلا جمع حالق، أو لغة ضعيفة، حكاه القاموس:
(التي تربط به الأنبياء) البراق، كما رواه البيهقي لأدوابهم، كما توهمه بعض، وقد تقدم.
قال النووي: قوله به كذا في الأصول، (بتذكير الضمير إعادة،) أي: إرجاعاً للضمير،
مذكرًا حملاً (على معنى الحلقة، وهو،) أي: المعنى (الشىء،) وإلا فكان الظاهر أن يقول بها،
لأن الحلقة مؤنثة تأنيثًا لفظيًا.
وقال غيره: روى بالتأنيث والتذكير في مسلم والشفاء، (والمراد حلقة باب مسجد بيت
المقدس، قاله صاحب التحرير،) أي: بابه المعهود المعروف، وإن كان للمسجد أبواب
متعددة.

٩٦
المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء
خرجت، فجاءني جبريل عليه السلام بإناء من خمر وإناء من لبن فاخترت اللبن،
فقال جبريل: اخترت الفطرة.
أي اخترت اللبن الذي عليه بنيت الخلقة، وبه نبت اللحم ونشز العظم،
وعند البيهقي، والطبراني والبزار من حديث شداد: ودخل المدينة من بابها اليماني،
ودخل المسجد من باب يميل فيه الشمس والقمر.
وروى الواسطي في فضائل بيت المقدس عن الوليد بن مسلم، قال: حدثني بعض
أشياخنا، أن النبي عَُّ رأى عن يمين المسجد، وعن يساره نورين ساطعين، فقال: يا جبريل ما
هذان النوران؟، قال: أما الذي عن يمينك فإنه محراب أخيك داود، وأما الذي عن يسارك فعلى
قبر أختك مريم.
(قال عليه السلام) في رواية مسلم، عن ثابت، عن أنس: (ثم دخلت المسجد،
فصليت فيه ركعتين،) غير الصلاة التي صلاها بالأنبياء: كما صرح به في حديث ابن مسعود
الآتي، ومن ثم قيل: يحتمل أنها تحتية المسجد وأنها غيرها، (ثم خرجت) بعد صلاته بالأنبياء،
الواقعة بعد هذين الركعتين، كما صرح به حديث أبي هريرة، ثم حانت الصلاة، فأممتهم، رواه
مسلم.
وعند ابن إسحق، عن أبي سعيد؛ فصلى بهم، أي: الأنبياء، ثم أُتي بإناء فيه لبن .. الخ،
فعرض الأواني إنما كان بعد صلاته بالأنبياء، ففي هذا السياق اختصار، فليس المراد أنه خرج من
المسجد بعد صلاة الركعتين، بل بعد صلاته بالأنبياء.
(فجاءني جبريل عليه السلام بإناء من خمر، وإناء من لبن) فلم يقع في رواية مسلم
هذه، وإناء من عسل، خلاف ما يوجد في نسخ سقيمة من المصنف، وإناء من عسل بعد قوله
من خمر، نعم هو ثابت في غير ما رواية، فليس النزاع في أنه أتي بإناء فيه عسل، إنما هو في
العز.
ولمسلم ما ليس فيه في روايته من طريق ثابت عن أنس مرفوعًا بلا واسطة؛ (فاخترت،)
وفي رواية: فأخذت، (اللبن، فقال جبريل: اخترت) وفي رواية: أخذت (الفطرة) (بكسر الفاء).
قال ابن دحية: تطلق الفطرة على الإسلام، كخبر كل مولود يولد على الفطرة، وتطلق على
أصل الخلقة، كقوله تعالى: ﴿فطرة الله التي فطر الناس عليها﴾ [الروم/٣٠]، و﴿فاطر السموات
والأرض﴾ [يوسف/١٠١]، أي: مبدىء خلقهما، وقول جبريل: اخترت الفطرة، (أي: اخترت
اللبن الذي عليه)، أي: بسببه، (بنيت الخلقة)، وبين بناءها عليه بقوله: (وبه نبت اللحم ونشز):
(بزاي منقوطة) أي: ارتفع (العظم) وغلظ، (واخترته، لأنه الحلال الدائم)، هو (في دين

٩٧
المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء
واخترته لأنه الحلال الدائم في دين الإسلام بخلاف الخمر فحرام فيما يستقر عليه
الأمر.
وقال النووي: المراد بالفطرة هنا، فى قول جبريل أخذت الفطرة الإسلام
والاستقامة، قال: ومعناه - والله أعلم -: اخترت علامة الإسلام والاستقامة، قال:
وجعل اللبن علامة لكونه سهلاً طيبًا طاهرًا سائغًا للشاربين، سليم العاقبة، وأما
الخمر فإنها أم الخبائث، وجالية لأنواع الشر في الحال والمآل، انتهى.
الإسلام،) فاستتر الضمير الفاعل، وحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه، أي: الدائم حله
كـ ﴿عيشة راضية﴾ [الحاقة/٢١]، (بخلاف الخمر، فحرام فيما يستقر عليه الأمر).
وقد روى أبو يعلى، والبزار من حديث أبي هريرة: أتي بآنية ثلاثة مغطاة أفواهها، فأتى بإناء
منها فيه ماء، فشرب منه قليلاً، وفي لفظ: فلم يشرب منه شيئًا، ثم دفع إليه إناء آخر فيه لبن،
فشرب منه حتى روي منه، ثم دفع إليه إناء آخر فيه خمر، فقيل له: اشرب، قال: لا أريده قد
رويت، فقال جبريل: أما إنها ستحرم على أمتك.
قال ابن دحية أيضًا: وقد تكون الإشارة بتقديم اللبن إلى أنه شعار العلم في التعبير، كما
ورد أنه عَّم قال: رأيت كأني أتيت بقدح من لبن، فشربت حتى أرى الري يخرج من أظفاري،
ثم ناولت فضلي عمر بن الخطاب، قالوا: يا رسول اللَّه ما أوّلته، قال: العلم والإسراء، وإن كان
يقظة، إلا أنه ربما وقعت في اليقظة إشارة إلى حكم الفأل، فيعبر كما يعبر في المنام، ولذا
كان ◌َّ يحب الفأل الحسن، فكأنه لما ملىء قلبه إيمانًا وحكمة، أردف ذلك بالعلم مطلقًا،
ويجعل اللَّه تعالى شرب ذلك اللبن سببًا في ترادف العلوم وإشحان القلب النيوي بأنوارها.
(وقال النووي: المراد بالفطرة هنا في قول جبريل: أخذت الفطرة الإسلام
والاستقامة،) وبه فسرت الآية، أي: بملة الإسلام، فإنهم لو خلوا وما خلقوا عليه، لأدى بهم
إليها، وفسرت أيضًا بخلقته التي خلقهم عليها، وهي قبولهم للحق، وتمكنهم من إدرا که، وبالعهد
المأخوذ من آدم وذريته.
(قال: ومعناه، والله أعلم، اخترت علامة الإسلام، و) علامة (الاستقامة) بالجر، ففيه
حذف مضاف، إذ شرب اللبن ليس هو هما، (قال: وجعل اللبن علامة لكونه سهلاً طيبًا،) لذيذًا،
(طاهرًا،) لا يشوبه شىء من الفرث والدم من لون، أو طعم أو ريح، وهو بينهما (سائغًا
للشاربين) سهل المرور في حلقهم، لا يغص به، (سليم العاقبة) في الحال والمآل، وهذا كله
تعليل لجعله علامة الإسلام والاستقامة.
(وأما الحمر، فإنها أم الخبائث،) كما ورد مرفوعًا عند القضاعي، بلفظ الخمر أم

٩٨
المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء
وقال القرطبي: يحتمل أن يكون سبب تسمية اللبن فطرة لكون أول شىء
يدخل جوف المولود، ويشق أمعاءه، والسر في ميل النبي عَّةٍ إليه دون غيره لكونه
مألوفًا له أولاً، انتهى.
وإذا كانت الخمرة مباحة، لأنها إنما حرمت بالمدينة والإسراء كان بمكة، فما
وجد تعيينه عليه السلام لأحد المباحين، وما وجه عد ذلك صوابًا، وعد الآخر
خطأ، وهما سواء في الإباحة؟
فيحتمل أن يكون توقاها تورعًا وتعريضًا بأنها ستحرم، وأنه لما وافق
الصواب في علم اللَّه تعالى قال له جبريل: أصبت الفطرة، أو أصبت أصاب اللَّه
الخبائث، أي: أصلها الذي تنشأ عنه لحملها الشارب على مجاوزة الحدود، (وجالبة لأنواع
الشر في الحال والمآل. انتهى).
وقد قال عَّ: الخمر أم الفواحش، وأكبر الكبائر، من شربها ترك الصلاة، ووقع على أمه
وخالته وعمته، رواه الطبراني.
(وقال القرطبي) شارح مسلم في المفهم: (يحتمل أن يكون سبب تسمية اللبن فطرة،
لكونه أول شىء يدخل جوف المولود، ويشق أمعاءه، والسر) أي: السبب (في ميل
" النبي ◌َّة إليه دون غيره، لكونه مألوفًا له أولاً)، ولكونه لا ينشأ عن جنسه مفسدة، (انتهى) كلام
•القرطبي بما زدته.
وحقيقة السر ما يكتم، وهو خلاف الإعلان، فإطلاقه على السبب مجاز مرسل من تسمية
الجزئي باسم الكلي، (وإذا كانت الخمرة مباحة، لأنها إنما حرمت بالمدينة، والإسراء كان
بمكة،) وجواب إذا الشرطية قوله: (فما وجه تعيينه عليه السلام لأحد المباحين،) باختياره
الشرب منه، (وما وجه عد ذلك صوابًا، وعد الآخر خطأ، وهما سواء في الإباحة،) وفرع على
ذلك بجواب شرط هو، وإذا أردت بيان الوجه، (فيحتمل أن يكون توقاها تورعًا) لما في تنافي
تناوله من الغائلة المتوقعة، وإن كان مباحًا، ولا خلاف أن مثل هذا الورع يثاب عليه، قاله ابن
المنير، (وتعريضًا بأنها ستحرم،) ولعل سبب التعريض، أنه أوحى إليه بذلك، ولو بالإلهام،
فتركها تنبيهًا على أن حلها لا يستمر، (وأنه لما وافق الصواب في علم اللَّه تعالى، قال له
جبريل: أصبت الفطرة، أو أصبت، أصاب اللَّه بك، كما رويا) الأول في الصحيح، والثاني في
غيره.
قال ابن المنير: فدل قول جبريل ذلك على أن اختيار الخمر خطأ عصم منه عَلّه، وأن

٩٩
المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء
بك، كما رويا، وإن قلنا: أنها كانت من خمر الجنة فيكون سبب تجنبها صورتها
ومضاهاتها الخمر المحرمة، أي في علم اللَّه تعالى، وذلك أبلغ في الورع.
ويستفاد منه: أن من اتخذ من ماء الرمان أو غيره، ولو ماء قراحا، وضاهى
به الخمر في الصورة وهيأه في الهيآت التي يتعاطاها أهل السماعات الشهوات من
الاجتماعات فقد أتى منكرًا، وإن كان لا يحد عليه. قاله ابن المنير.
المسألة اجتهادية، لأن الخمر لم تكن حرمت، قال: وفيه دليل على المذهب المشهور للملك
والشافعي، وغيرهما أن المسائل الاجتهادية للَّه فيها حكم معين، من أصابه فقد أصاب الحق،
ومن أخطأه فقد أخطأ الحق، خلافًا للقول؛ بأن حكم اللَّه على كل مجتهد ما غلب على ظنه
انتھی.
وفيه إفادة وجه، كون اختيار الخمر خطأ، وهو أن حكم اللَّه فيها تحريمها بعد أبدًا، وإن
كانت مباحة حينئذ لأمور خفيت علينا، ثم الخمر المحضرة، يحتمل أنها من خمر الدنيا، وأنها
من خمر الجنة التي لا يصدعون عنها، ولا ينزفون، فإذا قلنا من خمر الدنيا، فوجه تجنبها
ما تقدم.
(وإن قلنا: إنها)، أي الخمر المحضرة له، (كانت من خمر الجنة، فيكون سبب
تجنبها، صورتها: ومضاهاتها) مشابهتها (الخمر المحرمة، أي: في علم اللَّه تعالى، وذلك
أبلغ في الورع، ) فإن قلت: فيلزم اجتنابها في الجنة تورعًا من صورتها، قلت: لا يلزم، لأن
الجنة لیست دار تکالیف، قاله ابن المنير.
(ويستفاد منه؛ أن من اتخذ من ماء الرمان أو غيره) شيئًا يستعمله على الصفة المعتادة
بين شربة الخمر، (ولو ماء قراحًا:) صرفًا، (وضاهى به الخمر في الصورة، وهيأه في الهيئات
التي يتعاطاها أهل السماعات)، لفظ ابن المنير أهل الشهوات من الاجتماعات، فقد أتى
منكرًا، وإن كان لا يحد عليه).
قال، أعني ابن المنير: وقد نص العلماء على هذا، فينبغي أن يؤخذ من حديث الإسراء
كما بيناه، (قاله ابن المنير) في المقتفى فيما لخصه المصنف منه فأحسن، وإلا فهو قد أتى
بعبارة طويلة استطرد فيها فوائد نفيسة على عادته، وأورد قبل ذلك إحضار الخمر واللبن، هل أريد
إباحتهما معًا أو أحدهما؟، لا بعينه، وعلى كل فمشكل، لأنه إن كان المراد إباحتهما معًا، كما
لو أحضرت طعامين لضيف، وأبحتهما له، فما معنى اختياره لأحدهما، وتصويب جبريل له، وإن
كان في أحدهما لا بعينه، بحيث يكون الآخر ممنوعًا، لزم التخيير بين ممنوع ومباح، وذلك لا
یتصور.

١٠٠
المقصد الخامس: في تخصيصه عليه الصلاة والسلام بخصائص المعراج والإسراء
وينظر فيما يعمله كثير من فقراء اليمن بمكة المشرفة وجدة وغيرهما من ماء
قشر البن ويسمونه بالقهوة، وهو اسم من أسماء الخمر.
وفي حديث ابن عباس - عند أحمد -: فلما أتى المسجد الأقصى قام
يصلي، فلما انصرف جيء بقدحين في أحدهما لبن، وفي الآخر عسل، فأخذ
اللبن.
وفي رواية البزار: بثلاث أوان، وأن الثالث كان خمرًا، وأن ذلك وقع ببيت
المقدس، وأن الأول كان ماء، ولم يذكر العسل.
وفي حديث شداد بن أوس: فصليت من المسجد حيث شاء اللَّه، وأخذني
قال: والذي يرفع الإشكال؛ أن المراد تفويض الأمر في تحريم ما يحرم، وتحليل ما يحل
إلى اجتهاده عَ له، وسداد نظره المعصوم، فلما نظر فيهما أداه اجتهاده إلى تحريم الخمر وتحليل
اللبن، فوافق الصواب في حكم اللَّه تعالى، فقال له جبريل: أصبت، وفيه اجتهاده فيما لم يوح
إليه فيه، وهي مسألة خلاف، وهذا الحديث يحقق الجواز مع اتفاق المسلمين على أن اجتهاده
معصوم من الخطأ بخلاف غيره من العلماء.
(وينظر فيما يعمله كثير من فقراء اليمن بمكة المشرفة وجدة:) بضم الجيم، ساحل
البحر بمكة؛ (وغيرهما من ماء قشر البن،) ثم صاروا بعد ذلك يعملونه من البن أيضًا، (ويسمونه
بالقهوة، وهو اسم من) أشهر (أسماء الخمر،) هل يحرم تناوله لتسميتهم بالخمر، فكأنهم شبهوه
بها، وجوابه لا حرمة، لأنه لا يشرب على الهيئة التي يشرب عليها الخمر، ومجرد تسميته قهوة
لا يقتضي أن يعطي حكمها.
(وفي حديث ابن عباس عند أحمد؛ فلما أتى المسجد الأقصى، قام يصلي، فلما
الصرف) من صلاته بالأنبياء، (جيء بقدحين، في أحدهما لبن، وفي الآخر عسل، فأخذ اللبن،)
وهذا موافق لرواية مسلم؛ أن إتيانه بالآنية كان ببيت المقدس قبل المعراج، ومر لفظه قريبًا.
(وفي رواية البزار) من حديث أبي هريرة؛ أنه جيء له (بثلاث أوان، وأن الثالث كان
خمرًا، وأن ذلك وقع ببيت المقدس، وأن الأول كان ماء، ولم يذكر العسل،) وأخرجه ابن
عائذ من هذا الوجه في حديث المعراج بعد ذكر إبرهيم قال: ثم انطلقنا، فإذا نحن بثلاثة آنية
مغطاة، فقال لي جبريل: يا محمد ألا تشرب مما سقاك ربك، فتناولت إحداها، فإذا هو عسل،
فشربت منه قليلاً، ثم تناولت الآخر، فإذا هو لون، فشربت منه حتى رويت، فقال: ألا تشرب من الثالث:
قلت: قد رويت، قال: وفقك اللَّه.
(وفي حديث شداد بن أوس) عند البزار، والطبراني، والبيهقي: (فصليت) في جانب