Indexed OCR Text
Pages 461-480
٤٦١ خصائص أمته عَايه. ومنها أن شريعتهم أكمل من جميع الشرائع المتقدمة، وهذا مما لا يحتاج إلى بيانه لوضوحه. وانظر إلى شريعة موسى عليه السلام، فقد كانت شريعة جلال وقهر، أمروا بقتل نفوسهم في التوبة، وحرمت عليهم الشحوم، وذوات الظفر وغيرها من الطيبات، وحرمت عليهم الغنائم وعجل لهم في العقوبات ما عجل، وحملوا من الآصار والأغلال عن الزبير وجبير بن مطعم، مرفوعًا: ((الإسلام يجبّ ما كان قبله))، وفي رواية: يهدم، أي: من كفر وعصيان، وما يترتّب عليهما من حقوق الله، أما حقوق عباده، فلا تسقط إجماعًا، ولو كان المسلم ذميًّا والحق ماليًا، وظاهره أساء بعده أو أحسن، وأمّا خبر: ((من أحسن في الإسلام لم يؤخذ بما عمل في الجاهلية، ومن أساء في الإسلام أخذ بالأوّل والآخر))، رواه الشيخان، فوارد على نهج التحذير. وروى مسلم عن عمرو بن العاصي، قلت: يا رسول اللَّه تبايعني على أن تغفر لي، فقال: أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله، وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها، وأن الحجّ يهدم ما كان قبله، ففيه أن كل واحد بمفرده يكفّر ما قبله. قال ابن تيمية: واختصّ صحبه عَّه باسم الأنصار والمهاجرين، فهما اسمان شرعيان جاء بهما الكتاب والسنّة، وسمّاهما اللّه بهما، كما ستّاهم بالمسلمين. (ومنها: أن شريعتهم أكمل من جميع الشرائع المتقدّمة،) لا زيادة تشديد فيها، فيصعب القيام بها، ولا زيادة تخفيف، بل على غاية الاعتدال وخير الأمور أوسطها، (وهذا مما لا يحتاج إلى بيانه لوضوحه؛) لأنّك إذا تدبّرت في أيّ حكم منها وجدته معتدلاً، واستظهر على ذلك بقوله: (وانظر إلى شريعة موسى عليه السّلام، فقد كانت شريعة جلال، وقهر أمروا بقتل نفوسهم في التوبة،) وقد امتنّ اللَّه علينا بعدم ذلك، وذكرنا بهذه النعمة في قوله: ﴿ولو إنّا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلاّ قليل منهم﴾ الآية، أي: أنه رحمنا فلم يكتب علينا ذلك، كما كتبه على بني إسرائيل، (وحرّمت عليهم الشحوم،) وهي الثروب وشحم الكلى من البقر والغنم، إلاّ ما حملت على ظهورهما ... الخ، (وذوات الظفر،) وهو ما لم تفرّق أصابعه كالإبل والنعام والطيور، (وغيرها من الطيّبات) بعد حلّها؛ كما قال تعالى: ﴿فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيّبات أخّلت لهم﴾ الآية، وقال تعالى: ﴿كل الطعام كان حلاً لبني إسرائيل إلاّ ما حرم إسرائيل على نفسه﴾، أي: الإبل لما حصل له عرق النسا، بالفتح والقصر، فنذر إن شفي لا يأكلها، فحرّم عليهم، (وحرمت عليهم الغنائم،) وعلى غيرهم سوانا، فجعلت لنا من أحل أموالنا، (وعجّل لهم من العقوبات ما عجّل) من عذاب وغيره، كعقابهم بتحريم ما كان لهم حلالاً، (وحملوا من الآصار والأغلال،) عطف تفسير، أي: التكاليف الشاقّة، (ما لم يحمله ٤٦٢ خصائص أمته عليه. ما لم يحمله غيرهم. وكان موسى عليه السلام من أعظم خلق الله هيبة ووقارًا وأشدهم بأسا وغضبًا لله، وبطشًا بأعداء الله، فكان لا يستطاع النظر إليه. وعيسى عليه السلام كان في مظهر الجمال، وكانت شريعته شريعة فضل وإحسان، وكان لا يقاتل ولا يحارب، وليس في شريعته قتال ألبتة، والنصارى يحرم عليهم في دينهم القتال، وهم به عصاة، فإن الإنجيل يأمر فيه: من لطمك على خدك الأيمن فأدر له خدك الأيسر، ومن نازعك ثوبك فأعطه ردائك، ومن سخرك ميلاً فامش معه ميلين، ونحو هذا، وليس في شريعتهم مشقة ولا آصار ولا أغلال. غيرهم) بسبب ظلمهم، (وكان موسى عليه السلام من أعظم خلق اللَّه هيبة ووقارًا،) كسحاب رزانة، (وأشدّهم بأسًا:) شدّة، (وغضبًا للَّه وبطشًا بأعداء اللَّه، فكان لا يستطاع النظر إليه) لذلك، ونبيّنا عَّ: وإن كان أعظم في كل ذلك منه، لكنه كان يعامل أُمّته بالرفق واللين، فيقدمون عليه ويكلّمونه، (وعيسى عليه السّلام كان في مظهر،) أي: محل ظهور (الجمال، وكانت شريعته شريعة فضل وإحسان،) لا من كل وجه، بل فيها بعض تشديد، لكنها تخفيف بالنسبة لشريعة موسى؛ لقول (وكان لا يقاتل ولا يحارب، وليس في شريعته قتال البتة، والنصارى يحرم عليهم في دينهم القتال وهم به عصاة) لحرمته عليهم، (فإن الإنجيل) كتابهم، (يأمر فيه) بقوله: (من لطمك:) ضربك بكفّه، مفتوحة، ويكون على الخدّ وعلى غيره من الجسد، ولذا قال: (على خدّك الأيمن، فأدر له خدّك الأيسر،) إشارة إلى عدم الانتقام، (ومن نازعك ثوبك فأعطه رداءك، ومن سخّرك ميلاً فامش معه ميلين، ونحو هذا) ممّا كلّه كناية عن المساهلة مع الناس في الأخذ والعطاء والمعاشرة؛ كما يدل عليه سوقه في مقام تخفيف شرع عيسى، لا الأمر بشىء ممّا ذكر حقيقة، (وليس في شريعتهم مشقّة، ولا آصار، ولا أغلال) تفسيري؛ كما في شرع موسى، فلا يخالف قول ابن الجوزي: بدء الشرائع كان على التخفيف، ولا يعرف في شرع صالح ونوح وإبراهيم تثقيل، ثم جاء موسى بالتشديد والأثقال، وجاء عيسى بنحوه، وجاءت شريعة نبيّنا بنسخ تشديد أهل الكتاب، ولا يطلق على تسهيل من كان قبلهم، فهي على غاية الاعتدال، فقوله: وجاء عيسى بنحوه ظاهر في خلاف كلام المصنّف، لكن يمكن تأويله، بأنه تشديد نسبي، وإن كان بعيدًا يأباه لفظ الإنجيل المذكور، فإن ظاهره أن لا تشديد فيها البتّة، فلعلّ أصل العبارة: وجاء عيسى بضدّه فتحرفت بنحوه. ٤٦٣ خصائص أمته عن وأما النصارى فابتدعوا تلك الرهبانية من قبل أنفسهم ولا تكتب عليهم. وأما نبينا مَّ فكان مظهر الكمال، الجامع لتلك القوة والعدل والشدة في الله، واللين والرأفة والرحمة فشريعته أكمل الشرائع، وأمته أكمل الأمم، وأحوالهم ومقاماتهم أكمل الأحوال والمقامات، ولذلك تأتي شريعته عَّ بالعدل إيجابًا له وفرضاً، وبالفضل ندبًا إليه واستحبابًا، وبالشدة في موضع الشدة، وباللين في موضع اللين، ووضع السيف موضعه، ووضع الندى موضعه، فيذكر الظلم ويحرمه، والعدل ويأمر به، والفضل ويندب إليه في بعض أية، كقوله تعالى: ﴿وجزاء سيئة سيئة مثلها﴾ [الشورى/٤٠] الآية، فهذا عدل (وأمّا النصارى، فابتدعوا تلك الرهبانية،) وهي رفض النساء واتخاذ الصوامع (من قبل أنفسهم، ولا تكتب عليهم،) أي: لم يؤمروا بها؛ كما قال تعالى: ﴿ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله﴾ الآية، وهو منقطع، أي: لكن فعلوها ابتغاء، الخ، وقد قال عَلـ .. ((لا خزم، ولا زمام، ولا سياحة، ولا تبتّل، ولا ترهّب في الإسلام))، رواه عبد الرزّاق، وقال عَله: ((عليكم بالجهاد فإنه رهبانية الإسلام))، رواه أحمد وقال عليه الصّلاة والسّلام: «تزوّجوا فإني مكاثر بكم الأمم، ولا تكونوا كرهبانية النصارى))، رواه البيهقي. (وأمّا نبيّا مَّهِ، فكان مظهر،) بفتح الميم محل ظهور، (الكمال الجامع لتلك القوّة، والعدل والشدّة في اللَّه، واللّين، والرأفة، والرحمة، فشريعته أكمل الشرائع، وأُمّته أكمل الأُمم، وأحوالهم ومقاماتهم أكمل الأحوال والمقامات، ولذلك) المذكور من كونه مظهر .... الخ، (تأتي) بمعنى أتت (شريعته بالعدل)، أي: الحكم المشمل عليه وهو القصد، أي: التوسط في الأمور، ثم تنوع ذلك الحكم إلى واجب وغيره؛ كما قال (إيجابًا له،) أي: للعدل بمعنى الحكم، كما علم، (وفرضًا:) مساوٍ، (وبالفضل ندبًا إليه واستحبابًا،) لا فرضًا وإيجابًا كالعفو عن الجاني، (وبالشدّة في موضع الشدّة،) كقتال الكفار ونحوهم، (وباللين في موضع اللّين) كالعفو عن الأسارى، (ووضع السيف موضعه، ووضع الندى،) أي الخير (موضعه،) أي: المحل اللائق به شرعًا، (فيذكر الظلم ويحرمه، والعدل ويأمر به، والفضل ويندب،) أي: يدعو (إليه في بعض آية؛ كقوله تعالى: ﴿وجزاء سيئة سيئة مثلها﴾)، سميت الثانية بذلك لمشابهتها للأولى صورة، وإن كانت عدلاً لوقوعها جزاء، والسيئة هي الفعلة القبيحة. قال الجلاّل: وهذا ظاهر فيما يقتص منه من الجراحات، قال بعضهم: وإذا قال له: أخزاك اللَّه، فيقول له: أخزاك اللَّه، (فهذا عدل،) ولذا قال عَِّ لهبار بن الأسود: ((سب من سبك))، لما ٤٦٤ خصائص أمته ێڭ ﴿فمن عفا وأصلح فأجره على الله﴾، فهذا فضل ﴿إنه لا يحب الظالمين﴾ [الشورى/٤٠]، فهذا تحريم للظلم. وقوله: ﴿وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به﴾، فهذا إيجاب للعدل وتحريم للظلم ﴿ولئن صبرتم لهو خير للصابرين﴾ [النحل/١٢٦] ندب إلى الفضل. وكذلك تحريم ما حرم على هذه الأمة صيانة وحمية لهم، حرم عليهم كل خبيث وضار، وأباح لهم كل طيب ونافع، فتحريمه عليهم رحمة، وعلى من كان قبلهم لم يخل من عقوبة، كما أشرت إليه قريبًا. وهداهم لما ضلت عنه الأمم قبلهم كيوم الجمعة، كما سأذكره إن شاء الله تعالى في كانوا يسبونه بعد إسلامه بما كان منه قبله، فكفوا عنه، (فمن عفا) عن ظلمه (وأصلح) الودّ بينه وبينه بالعفو عنه، (فأجره على اللَّه))) أي: إن اللَّه يأجره لا محالة، (فهذا فضل. وقد قال عَِّ: (من عفا عند القدرة عفا اللَّه عنه يوم العسرة)، رواه الطبراني، وقال: (من عفا عن دم لم يكن له ثواب إلاّ الجنّة))، رواه الخطيب. وقال عليه السلام: ((من عفا عن قاتله دخل الجنّة))، رواه ابن منده، أي: مع السابقين، أو بلا سبق عذاب أو هو إعلام بوفاته على الإسلام وإلاّ من سوء الخاتمة (أنه لا يحب الظالمين) أي: البادين بالظلم فيترتّب عليه عقابهم، (فهذا تحريم للظلم،) وفي الحديث القدسي: (يا عبادي إني حرّمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرّمًا، فلا تظالموا)). (وقوله: ﴿وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به﴾، هذا إيجاب للعدل وتحريم للظلم) وهو العقاب بغير مثل ما عوقبوا به، (ولئن صبرتم) عن العقاب، (لهو) أي الصبر (خير للصابرين) ندب على الفضل دون إيجابه فترتاح النفوس بذكره وتسمح به، (وكذلك تحريم ما حرّم اللَّه على هذه الأمّة صيانة وحمية لهم) عمّا يضرّهم كالميتة والدم المسفوح، (حرّم عليهم كل خبيث؛) كما قال: ﴿ويحرم عليهم الخبائث﴾، (وضارّ) كالخنزير، (وأحلّ لهم كل طيّب) أي: مستلذٌ لا ضرّ فيه؛ كما قال: ﴿اليوم أحلٌّ لكم الطيّبات﴾، (ونافع) للبدن والعقل، (فتحريمه عليهم رحمة وعلى من كان قبلهم لم يخل من عقوبة؛ كما أشرت إليه قريباً) في قوله: ﴿وقد كان بنو إسرائيل إذا نسوا شيئًا ممّا أمروا به أو أخطؤوا عجّلت لهم العقوبة﴾، فحرّم عليه شىء من مطعم أو مشرب، (وهداهم لما ضلّت عنه الأمم قبلهم؛ كيوم الجمعة كما سأذكره إن شاء الله تعالى في ٤٦٥ خصائص أمته عليّ مقصد عباداته عليه السلام، وتقدم ما يشهد له. ووهب لهم من علمه وحلمه، وجعلهم خير أمة أخرجت للناس، وكمل لهم من المحاسن ما فرقه في الأمم، كما كمل لنبيهم من المحاسن ما فرقه في الأنبياء قبله، كما كمل في كتابهم من المحاسن ما فرقه في الكتب قبله، وكذلك في شريعته. فهذه الأمة هم المجتبون، كما قال إلههم: ﴿هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ [الحج/٧٨]، وجعلهم شهداء على الناس، فأقامهم في ذلك مقام الرسل الشاهدين على أممهم، أشار إليه ابن القيم. ومنها: أنهم لا يجتمعون على ضلالة. رواه أحمد في مسنده، والطبراني في الكبير، وابن أبي خيثمة في تاريخه عن أبي بصرة مقصد عباداته عليه السّلام وتقدّم ما يشهد له) قريبًا، (ووهب لهم من علمه وحلمه) كمالات كثيرة لم تحصل لغيرهم، (وجعلهم خير أُمّة أُخرجت للناس، وكمّل لهم من المحاسن ما فرّقه في الأمم) فجمعوا محاسن كل أَمّة، (كما كمّل لنبيّهم من المحاسن ما فرّقه في الأنبياء قبله،) وزاده عليهم (وٍكما كمل في كتابهم من المحاسن ما فرّقه في الكتب قبله، وكذلك في شريعته فهذه الأمّة هم المجتبون،) أي: الذين اختارهم الله لدينه ولنصره؛ (كما قال إلههم) جلّ وعلا: (﴿هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾)، أي: ضيق ﴿(وجعلهم شهداء على الناس)﴾ (فأقامهم في ذلك مقام الرسل الشاهدين على أممهم أشار إليه ابن القيّم،) وذكر ابن عبد السلام أنهم نزلوا منزلة العدول من الحكام فيشهدون على الناس أن رسلهم بلغتهم ما جاؤوا به عن اللّه، قال تعالى: ﴿لتكونوا شهداء على الناس﴾، قال: وهذه خصيصيّة لم تثبت لغيرهم. (ومنها: أنهم لا يجتمعون على ضلالة،) أي: محرم، باعتقاد خلاف الواقع، فيشمل كل حكم اعتقد فيه خلاف ما هو عليه في نفس الأمر، فلا يجتمعون على نفي مكروه، لا ندب مندوب، ولا إباحة مباح، بل متى اجتمعوا على حكم، كان عند اللَّه كذلك؛ كما أفاده كلام الشيخ ولي الدين، ويأتي، ولكن قيّدوا الأمّة هنا بالعلماء، لأن العامة عنها تأخذ دينها، وإليها يفزع في النوائب، فاقتضت الحكمة حفظها، (رواه أحمد في مسنده والطبراني) سليمان بن أحمد بن أيوب (في) معجمه (الكبير، وابن أبي خيثمة) أحمد بن زهير بن حرب البغدادي (في تاريخه،) وهو كبير، قال في محمّد بن سلام الجمحي: لا أعرف أغزر من فوائده، (عن أبي بصرة،) بفتح الموحدة، وإسكان الضّاد المهملة، واسمه حميل، بضم الحاء المهملة، ولام آخره، ٤٦٦ خصائص أمته مافي الغفاري مرفوعًا في حديث سألت ربي أن لا تجتمع أمتي على ضلالة فأعطانيها. ورواه ابن أبي عاصم والطبراني أيضًا من حديث أبي لملك الأشعري رفعه: إن الله أجاركم من ثلاث، وذكر منها، وأن لا تجتمعوا على ضلالة. وقيل: بفتح أوّله، وقيل: بالجيم ابن بصرة، بفتح الموحدة، ابن وقّاص بن حبيب بن غفار، وقيل: ابن حاجب بن غفار (الغفاري،) روى عن النبيّ عَّ وعنه أبو هريرة، وجماعة، وهو وأبوه وجدّه صحابة، قال ابن يونس: شهد فتح مصر واختطّ بها، ومات بها، ودفن في مقبرتها، وقال أبو عمر: كان يسكن الحجاز، ثم تحوّل إلى مصر، ويقال: إن عزّة صاحبة كثير من ذريّته، وأنكر ذلك ابن الأثير، (مرفوعًا في حديث: ((سألت ربّي أن لا تجتمع أُمّتي،) أي: أُمّة الإجابة (على ضلالة، فأعطانيها))،) أي: هذه الخصلة، (ورواه ابن أبي عاصم) الحافظ الكبير، الإمام أبو بكر أحمد بن عمرو بن النبيل، أبي عاصم الشيباني الزاهد، قاضي أصبهان، له الرحلة الواسعة والتصانيف النافعة. قال ابن أبي حاتم: ذهبت كتبه بالبصرة في فتنة الزنج فأعاد من حفظه خمسين ألف حدیث. وقال ابن الأعرابي: كان من حفّاظ الحديث والفقه، ظاهري المذهب، مات في ربيع الآخر سنة سبع وثمانين ومائتين، (والطبراني أيضًا) وغيرهما، كلّهم (من حديث أبي ملك الأشعري). قال الحافظ في تخريج أحاديث المختصر: اختلف في أبي ملك راوي هذا الحديث؛ فإن في الصحب ثلاثة، يقال لكل منهم أبو مالك الأشعري، أحدهم راوي حديث المعازف، مشهور بكنيته، وفي اسمه خلف الثاني الحرث بن الحرث، مشهور بإسمه أكثر الثالث كعب بن عاصم، مشهوز دون كنيته، حتى قال المزي في ترجمته: لا يعرف له كنية، وتعقّب بأن الشيخين والنسائي كنوه، وذكر المزي هذا الحديث في ترجمة الثاني، ووضح لي أنه الثالث؛ لأن ابن أبي عاصم لما خرج الحديث المذكور، قال في سياق سنده، عن كعب بن عاصم الأشعري، فدل على أنه هو إلا أن يكون ابن أبي عاصم تصرف في التسمية بظنّه وهو بعيد، انتهى. (إن اللَّه تعالى أجاركم،) حماكم ومنعكم، وأنقذكم (من ثلاث) خلال: أن لا يدعو عليكم نبيّكم فتهلكوا جميعًا، وأن لا يظهر أهل الباطل على أهل الحقّ، هذا ما أشار إلى حذفه، بقوله: (وذكر منها) تلو هذا ما لفظه: (وأن لا تجتمعوا على ضلالة). قال الطيبي: حرف النفي في القراءن زائد؛ كقوله تعالى: ﴿ما منعك أن لا تسجد﴾ الآية، وفائدته معنى الفعل وتحقيقه، وذلك أن الإجارة إنما تستقيم إذا كانت الخلال مثبتة لا منفية. ٤٦٧ خصائص أمته عده. قال شيخنا: وبالجملة، فهو حديث مشهور المتن، وأسانيده كثيرة وله شواهد متعددة في المرفوع وغيره. ومنها: إن إجماعهم حجة (قال شيخنا،) يعني السخاوي في المقاصد: (وبالجملة، فهو حديث مشهور المتن،) أي: لفظ الحديث، وإنما قال السخاوي هذا القول شيخه الحافظ في إسناده انقطاع، وله طرق لا يخلو واحد منها من مقال، لكنه قال في موضع آخر: إسناده حسن؛ لأنه من رواية أبي بكر بن عياش عن الشاميين، وهي مقبولة. قال: وله شاهد عند أحمد، رجاله ثقات، لكن فيه راوٍ لم يسمّ، (وأسانيده كثيرة،) متعدّدة الطرق والمخارج، وذلك علامة القوّة، فلا ينزل عن الحسن، فأخرجه أبو نعيم والحاكم، وأعلّه واللالكائي في السنّة له، وابن منده، ومن طريقه الضياء في المختارة، عن ابن عمر رفعه: (أن اللَّه لا يجمع هذه الأُمّة على ضلالة أبدًا، وإن يد اللَّه مع الجماعة، فاتبعوا السواد الأعظم، فإنه من شذّ شذّ في النار))، وكذا أخرجه الترمذي، لكن بلفظ: ((هذه الأُمّة)، أو قال: ((أُمّتي)، ورواه ابن ماجه، والدارقطني وغيرهما، عن أنس مرفوعًا: ((أن أمتي لا تجتمع على ضلالة، فإِذا رأيتم أختلافاً فعليكم بالسواد الأعظم))، والحاكم عن ابن عباس، رفعه: ((لا يجمع اللَّه هذه الأمّة على ضلالة، ويد اللَّه مع الجماعة))، وابن أبي عاصم وغيره، مرفوعًا عن عقبة بن عمر الأنصاري، مرفوعًا في حديث: ((عليكم بالجماعة، فإن اللَّه لا يجمع هذه الأُمّة على ضلالة)، والطبري في تفسيره عن الحسن مرسلاً بلفظ أبي بصرة، (وله شواهد متعدّدة في المرفوع) إلى النبيّ عَ لٍ؛ كقوله: (أنتم شهداء اللَّه في الأرض))، (و)في (غيرِه))) أي: غير المرفوع، وهو الموقوف؛ كقول ابن مسعود: إذا سئل أحدكم، فلينظر في كتاب اللّه، فإن لم يجد، ففي سنّة رسول اللّه، فإن لم يجد، ففي سنّة رسول اللَّه، فإن لم يجد، فلينظر ما اجتمع عليه المسلمون وإلا فليجتهد، هذا، والاختلاف شامل لما كان في أمر الدين كالعقائد، أو الدنيا كالإمامة العظمى، ومعنى: ((فعليكم بالسواد الأعظم»: الزموا متابعة جماهير المسلمين الذين يجتمعون على طاعة السلطان وسلوك المنهج القويم، فهو الحق الواجب، والفرض الثابت الذي يحرم خلافه، فمن خالفه مات ميتة جاهلية. (ومنها: إن إجماعهم حجّة) قاطعة، فإن تنازعوا في شىء ردّوه إلى الله ورسوله، إذ الواحد منهم غير معصوم، بل كل أحد يؤخذ من قوله، ويرد عليه إلاّ النبيّ يَّةٍ؛ كما قال لملك. قال الحافظ الولي العراقي: والمراد به الاتّفاق، أي: الاشتراك في القول، أو الفعل، أو الاعتقاد، أو ما في معناها من السكوت عند من يقول به، ويتناول الأمور الشرعيّات واللّغويات بلا ٤٦٨ خصائص أمته عد اله وإن اختلافهم رحمة، وكان اختلاف من قبلهم عذابًا، روى البيهقي في المدخل في حديث من رواية سليمن بن أبي كريمة، عن جويبر عن الضحاك عن ابن عباس قال: نزاع، والعقليّات والدنيويات على الراجح، (وأن اختلافهم،) أي: الأُمّة، أي: مجتهديها في الفروع التي يسوغ الاجتهاد فيها (رحمة،) أي: توسعة على الناس، ونعمة كبيرة، وفضيلة جسيمة بجعل المذاهب كشرائع متعدّدة، بعث عَّ بكلّها لئلاّ تضيق بهم الأمور، فالمذاهب التي استنبطها الصحابة فمن بعدهم من أقواله وأفعاله على تنوّعها كشرائع متعدّدة له، وقد وعد بوقوع ذلك فوقع، فهو من معجزاته. أمّا الاجتهاد في العقائد فضلال، والحق ما عليه أهل السنّة والجماعة، فإنما الحديث في الاختلاف في الأحكام؛ كما في تفسير البيضاوي، قال: فالنهي مخصوص بالتفرّق في الأصول لا في الفروع. قال السبكي: لا شكّ أن الاختلاف في الأصول ضلال، وسبب كل فساد؛ كما أشار إليه القرءان، قال: وما ذهب إليه جمع؛ أن المراد الاختلاف في الحرف والصنائع، فمردود بأنه كان المناسب أن يقال: اختلاف الناس إذ لا خصوصية للأمة، فإن كل الأمم مختلفون في الصنائع والحرف، فلا بدّ من خصوصية، قال: وما ذكره إمام الحرمين، كالحليمي؛ أن المراد اختلافهم في المناصب والدرجات والمراتب، فلا ينساق الذهن من لفظ الاختلاف إليه، (وكان اختلاف من قبلهم عذابًا،) ومن جملته أنه كان في شرع بني إسرائيل نسخ الحكم إذا رفعه الخصم إلى حاكم آخر يرى خلافه، كما في الخصائص بخلاف شرعنا فيرفع، فتصير المسألة، كالمجمع عليها، فليس لحاكم آخر نقضه، بل عليه تنقيذه، وإن كان يرى غيره أصوب على الأرجح، إلاّ أن يكون مما ينقض. (روى البيهقي) وفي نسخة: رواه بالضمير، والأوّل أصوب؛ لأنه لم يروِ الترجمة إلاّ أن يكون المراد بمعناه، فقد ذكر السمهودي: وغيره أن اختلاف الصحابة في معنى اختلاف الأُمّة (في المدخل) إلى السنن الكبرى (في حديث من رواية سليمن بن أبي كريمة عن جويبر) تصغير جابر، ويقال اسمه: جابر وجويبر لقب ابن سعيد الأزدي، أبي القاسم، نزيل الكوفة، راوي التفسير، مات بعد الأربعين ومائة، (عن الضحاك) بن مزاحم الهلالي الخراساني، صدوق، مات بعد المائة، روى له الأربعة. (عن ابن عباس، قال: قال رسول اللَّه عَ لَّهِ:) (مهما أُوتيتم من كتاب اللَّه، فالعمل به لا عذر لأحد في تركه، فإن لم يكن في كتاب اللَّه، فسنّة مني ماضية، فإن لم تكن سنّة منّي، ٤٦٩ خصائص أمته عد اله ((واختلاف أصحابي لكم رحمة). فما قال أصحابي، إن أصحابي بمنزلة النجوم في السماء فإنما أخذتم به اهتديتم))، (واختلاف أصحابي لكم رحمة،) ومن هذا الوجه أخرجه الطبراني، والديلمي بلفظه سواء، فاقتصر المصنّف على حاجته منه، والأوجه أن المراد اختلافهم في الأحكام، ويؤيّده ما رواه البيهقي في المدخل، عن عمر بن عبد العزيز: ما سرّني لو أن أصحاب محمّد لم يختلفوا، لأنهم لو لم يختلفوا لم تكن رخصة؛ وكذا قول يحيى بن سعيد الآتي: أهل العلم ... الخ، وقول لملك لما سأله الرشيد الخروج معه إلى العراق، وأن يحمل الناس على الموطأ، كما حمل عثمن النَّاس على القرءان، أمّا حمل الناس على الموطأ فلا سبيل إليه؛ لأن الصحابة افترقوا في الأمصار، فعند كل أهل مصر علم صريح في أن المراد الاختلاف في الأحكام، وما نقله ابن الصلاح عن لملك؛ أنّه قال في اختلاف الصحابة: مخطىء ومصيب، فعليك بالاجتهاد، وليس كما قال ناس فيه توسعة، فإنما هو بالنسبة إلى المجتهد؛ لقوله ((فعليك بالاجتهاد))، فالمجتهد مكلّف بما أدّى إليه اجتهاده، فلا توسعة عليه في اختلافهم، وإنما التوسعة على المقلد، فقوله: اختلاف أُمّتي وأصحابي رحمة للناس، أي: المقلّدین. وفي قول لملك: مخطىء ومصيب، ردّ على القائل إن المجتهد يقلد الصحابة دون غيرهم؛ كما أفاده السمهودي، ثم لا يردّ على هذا كلّه نهي اللَّه عن الاختلاف بقوله: ﴿واعتصموا بحبل اللَّه ولا تفرّقوا﴾ الآية، وبقوله: ﴿لا تكونوا كالذين تفرّقوا واختلفوا﴾ الآية، لأن المنهي عنه الاختلاف على الرسل فيما جاؤوا به. قال ابن العربي وغيره: إِنما ذمّ اللَّه كثرة الاختلاف على الرسل كفاحًا بدليل خبر: ((إنما أهلك الذين من قبلكم كثرة اختلافهم على أنبيائهم»، أمّا هذه الآية، فمعاذ اللَّه أن يدخل فيها أحد من العلماء المختلفين لأنه أوعد الذين اختلفوا بعذاب عظيم، والمعترض موافق على أن اختلاف الأُمّة في الفروع، مغفور لمن أخطأ منهم، فتعيّن أن الآية فيمن اختلف على الأنبياء، فلا تعارض بينها وبين الحديث، وفيه رد على المتعصّبين لبعض الأئمة على بعض، وقد عمّت به البلوى. قال الذهبي: وبين الأئمّة اختلاف كثير في الفروع وبعض الأصول، وللقليل منهم غلطات، وزلقات، ومفردات منكرة، وإنما أمرنا باتباع أكثرهم صوابًا، وتجزم بأن غرضهم ليس إلاّ اتّباع الكتاب والسنّة، وكل ما خالفوا فيه لقياس أو تأويل، فإذا رأيت فقيهًا خالف هذين أورد حديثًا أو حرف معناه، فلا تبادر لتغليطه، وقد قال عليّ لمن قال له: أتظنّ أن طلحة والزبير كانا على باطل، يا هذا إنه ملبوس عليك أن الحقّ لا يعرف بالرجال، أعرف الحقّ تعرف أهله، وما زال الاختلاف بين الأئمّة في الفروع وبعض الأصول مع اتفاق الكل على تعظيم البارىء وأنه ليس ٤٧٠ خصائص أمته علبة وجويير: ضعيف جدًا، والضحاك عن ابن عباس: منقطع. وهو كما قال الحافظ شيخ الإسلام ابن حجر: حديث مشهور على الألسنة، وقد أورده ابن الحاجب في المختصر في مباحث القياس بلفظ: ((اختلاف أمتي رحمة للناس)). قال: وكثر السؤال عنه، وزعم كثير من الأئمة أنه لا أصل له، لكن ذكره الخطابي في غريب الحديث مستطردًا، وقال: اعترض على هذا الحديث رجلان، أحدهما ماجن والآخر ملحد، وهما: إسحق كمثله شىء، وأن ما شرّعه رسوله حق، وأن كتابهم واحد، ونبيّهم واحد، وقبلتهم واحدة، وإنما وضعت المناظرة لكشف الحق، وإفادة، العالم الأزكى العلم لمن دونه وتنبيه الأغفل الأضعف، فإن داخلها هو من الاكمل وانكسار من الأصغر فذاك دأب النفوس الزكية في بعض الأحيان غفلة عن اللَّه، فما الظنّ بالنفوس الشريرة، انتهى. (وجويبر ضعيف جدًا، والضحاك عن ابن عباس منقطع،) لأنه لم يسمع منه، والضحاك كثير الإرسال، وقد عزاه العراقي لآدم بن أبي إياس في كتاب العلم والحلم، بلفظ: ((اختلاف أصحابي رحمة لأمّتي))، قال: وهو مرسل ضعيف. (وهو كما قال الحافظ شيخ الإسلام ابن حجر: حديث مشهور على الألسنة) لفظ المقاصد: قرأت بخطّ شيخنا، يعني الحافظ ابن حجر، أي حديث و((اختلاف أصحابي لكم رحمة))، معنى حديث مشهور على الألسنة، وبهذا يتّضح قوله: (وقد أورده ابن الحاجب في المختصر) الأصوليّ (في مباحث القياس بلفظ: ((اختلاف أُمّتي رحمة للناس)،) وإنما كان بمعناه؛ لأن اختلاف الصحابة في معنى اختلاف الأُمّة، كما أفصح به غيره، وكذا أورده نصر المقدسي في كتاب الحيّة له، والبيهقي في الرسالة الأشعريّة، ولم يذكرا له سندًا، ولا صحابيًّا، وكذا إمام الحرمين والقاضي حسين. قال السيوطي: ولعلّه خرج في بعض كتب الحفاظ التي لم تصل إليها، (قال) الحافظ: (وكثر السؤال عنه، وزعم كثير من الأئمّة؛ أنه لا أصل له) بهذا اللفظ، (لكن ذكره الخطابي في غريب الحديث مستطردًا) مصدر ميمي، أي: استطرادًا لمناسبة. (وقال: اعترض على هذا الحديث رجلان، أحدهما ماجن،) بكسر الجيم: اسم فاعل من مجن مجونًا، طلب وغلظ، ومنه الماجن لمن لا يبالي قولاً وفعلاً كأنه صلب الوجه، (والآخر ملحد،) طاعن في الدين، قال بعض الأئمّة: وهم، في زماننا الباطنية المدعون أن القرءان ظاهرًا وباطنًا، وأنهم يعلمون الباطن، فأحالوا بذلك الشريعة، لأنهم تأوّلوا بما يخالف العربية التي نزل بها القرءان، وقال أبو عبيدة: ألحد إلحادًا، جادل ومارى، ذكره المصباح، (وهما إسحق ٤٧١ خصائص أمته عبد الموصلي، وعمرو بن بحر الجاحظ وقالا جميعًا: لو كان الاختلاف رحمة لكان الاتفاق عذابًا، قال: ثم تشاغل الخطابي برد هذا الكلام، ولم يقع في كلامه نص في عزو الحديث، ولكن أشعر بأن له أصلاً عنده. ومن حديث الليث بن سعد عن يحيى بن سعيد قال: أهل العلم أهل توسعة، وما برح المفتون يختلفون، فيحل هذا ويحرم هذا، فلا يعيب هذا على هذا، أشار إليه شيخنا في المقاصد الحسنة. ومنها أن الطاعون لهم شهادة ورحمة، وكان على الأمم عذابًا. الموصلي،) بفتح، فسكون وكسر المهملة، نسبة إلى مدينة بالجزيرة، الماجن المغني في الدولة العباسية، (وعمرو بن بحر الجاحظ) لقب لعمرو الملحد لجحظ كان بعينيه، وكان قبيح الشكل جدًا حتى قيل فيه: لو يمسخ الخنزير مسخًا ثانيًا ما كان إلاّ دون قبح الجاحظ رجل ينوب عن الجحيم بوجهه وهو القذى في عين كل ملاحظ (وقالا جميعًا: لو كان الاختلاف رحمة لكان الاتفاق عذابًا، قال) الحافظ: (ثم تشاغل الخطابي برد هذا الكلام، ولم يقع في كلامه نص في عزو الحديث، ولكن أشعر بأن له أصلاً عنده،) وهو من كبار الحفاظ، (ومن حديث) عطف على قوله: من رواية سليمن، أي: وروى البيهقي أيضًا في المدخل من حديث (الليث بن سعد) بن عبد الرحمن الفهمي، المصري، الإمام، الثقة، الثبت، الفقيه، المشهور، مات في شعبان سنة خمس وسبعين ومائة، (عن يحيى بن سعيد) بن قيس الأنصاري، المدني، ثقة، ثبت، من رجال الجميع، مات سنة أربع وأربعين ومائة أو بعدها، (قال: أهل العلم أهل توسعة، وما برح المفتون يختلفون، فيحل هذا ويحرم هذا، فلا يعيب هذا على هذا؛) لأنه بحسب فهم الأدلّة في الأحكام الاجتهادية، (أشار إليه شيخنا) السخاوي (في المقاصد الحسنة) في الأحاديث المشهورة على الألسنة. (ومنها: أن الطاعون) فاعول من الطعن، عدلوا به عن أصله، ووضعوه دالاً على الموت العام، كالوباء، ذكره الجوهري، (لهم شهادة،) أي: سبب لكون الميّت به شهيدًا، وظاهره يشمل الفاسق، فيكون شهيدًا، لكنّه لا يساوي مرتبة مسلم غير فاسق في أنه يغفر له جميع ذنوبه، وإنما يغفر له غير حقّ الآدمي، أخذًا من خبر: إن الشهداء يغفر لهم كل ذنب إلاّ الدين، قاله شيخ الإسلام زكريا وهو ظاهرٍ (ورحمة،) رحم بها المؤمنين، وهلٍ المراد بهم الكمل أو أعم احتمالان، (وكان على الأمم عذابًا،) ففيه مزيد عناية بهذه الأمّة، حيث جعل ما كان عذابًا ٤٧٢ خصائص أمته عند اليه رواه أحمد والطبراني في الكبير، عن حديث أبي عسيب مولى رسول الله عَ ليه ورجال أحمد ثقات ولفظه: ((الطاعون شهادة لأمتي ورحمة لهم ورجز على الكافرين). لغيرهم وبلاء رحمة لهم؛ لحصول الشهادة لهم به، وأن العادة لا تؤثر بنفسها؛ لأنه كان بلاء بنفسه لمن تقدّم، ثم عاد بنفسه وصفته رحمة، والصفة واحدة لم تتغير، (رواه أحمد والطبراني في الكبير من حديث أبي عسيب مولى رسول اللَّه عَُّ) مشهور بكنيته، قيل: اسمه أحمر براء آخره، وقيل: سفينة، قال في الإصابة: والراجح أنه غيره. ووقع في الاستيعاب أحمر بن عسيب، وتعقّب: ويحتمل أن كنيته وافقت اسم أبيه، (ورجال أحمد ثقات، ولفظه: ((الطاعون شهادة لأمتي ورحمة لهم ورجز،) بكسر الراء، أي: عذاب (على الكفّار،) ووقع في بعض الأصول رجس، بسين بدل الزاي، والمعروف بالزاي. وروى أحمد والبخاري عن عائشة: أنها سألت النبيّ عَ لَّه عن الطّاعون، فقال: ((الطاعون كان عذابًا يبعثه اللَّه على من يشاء وإن اللَّه جعله رحمة للمؤمنين، فليس من أحد يقع الطاعون، فيمكث في بلده صابرًا محتسبًا، يعلم أنه لا يصيبه إلاّ ما كتب اللَّه له إلاّ كان له مثل أجر شهيد))، وسر التعبير بمثل أن من لم يمت به له مثل أجره، وإن لم يحصل له درجة الشهادة نفسها. قال الحافظ: ويؤخذ منه أن من اتّصف بالصفات المذكورة، ثم مات بالطّاعون له أجر شهيدين، ولا مانع من تعدّد الثواب بتعدّد الأسباب، كمن يموت غريبًا، أو نفساء بالطاعون، والتحقيق أنه يكون شهيدًا بوقوعه له، ويضاف له مثل أجر شهيد لصبره، فإنه درجة الشهادة شىء وأجرها شىء، قال: ويؤخذ منه أن من لم يتصف بذلك لا يكون شهيدًا؛ وإن مات بالطاعون، وذلك ينشأ من شؤم الاعتراض الناشىء عن الضجر والسخط للقدر. وفي الصحيحين مرفوعًا: («الطاعون رجز أو عذاب، أرسل على طائفة من بني إسرائيل فإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا منها فرارًا منه، وإذا وقع بأرض ولستم بها فلا تهبطوا عليها)). قال الخطابي: أحد الأمرين تأديب وتعليم، والآخر تفويض وتسليم، وروى أحمد برجال ثقات عن عائشة مرفوعًا: ((الطاعون غدة كغدة البعير المقيم به، كالشهيد والفار منه كالفار من الزحف)). وروى الطبراني وأبو نعيم بإسناد حسن، عن عائشة مرفوعًا: ((الطاعون شهادة الأُمّتي، ووخز أعدائكم من الجنّ غدة كغدة الإبل، تخرج في الآباط والمراق، من مات منه مات شهيدًا، ومن أقام به، كالمرابط في سبيل اللّه، ومن فزّ منه كالفار من الزحف)). وروى الحاكم، عن أبي موسى مرفوعًا: ((الطاعون وخز أعدائكم من الجنّ)، وخز بفتح الواو وسكون المعجمة، ثم زاي، أي: طعن، وفي النهاية تبعًا للهروي: إخوانكم، قال الحافظ: ٤٧٣ خصائص أمته مع . ومنها أنهم إذا شهد اثنان منهم لعبد بخير وجبت له الجنة، وكانت الأمم السالفة إذا شهد منهم مائة. ومنها أنهم أقل الأمم عملاً، وأكثرهم أجرًا ولم أرَه بلفظ إخوانكم بعد التتبع الطويل البالغ في شىء من طرق الحديث المسندة، ولا في الكتب المشهورة، ولا الأجزاء المنثورة، وعزاه بعض لمسند أحمد، والطبراني وابن أبي الدنيا، ولا وجود له فیھا. قال السيوطي: وأما تسميتهم إخوانًا في حديث المطعم، فباعتبار الإيمان، فإن الأخوة في الدين لا تستلزم الاتحاد في الجنس. (ومنها: أنهم إذا شهد اثنان منهم) عدلان، لا نحو فاسق ومبتدع، (لعبد بخیر) بعد موته؛ بأن أثنيا عليه بخير، فليس المراد الشهادة عند القاضي، ولا لفظ أشهد بخصوصه، (وجبت له الجنّة،) قال الحافظ: أي ثبتت، أو هو في صحة الوقوع كالواجب، إذ لا يجب على اللَّه شىء، بل الثواب فضل، والعقاب عدل، لا يسأل عما يفعل، والمراد مع السابقين الأوّلين، أو من غير سبق عذاب، وإلاّ فكل من مات مسلمًا دخلها، ولا بدّ شهد له أحد، أم لا. روى أحمد والبخاري والنسائي عن عمر، مرفوعًا: ((أيما مسلم شهد له أربعة أدخله اللَّه الجنّة))، قيل: وثلاثة؟، قال: ((وثلاثة))، قيل: واثنان؟، قال: ((واثنان))، ثم لم نسأله عن الواحد. قال النووي: في معناه قولان، أحدهما: أن هذا الثناء بالخير لمن أثنى عليه أهل الفضل، وكان ثناؤهم مطابقًا لأفعاله، فيكون من أهل الجنّة، فإن لم يكن كذلك، فليس هو مراد بالحديث. والثاني: وهو الصحيح المختار، أنه على عمومه وإطلاقه، وإن كل مسلم مات فألهم اللَّه تعالى الناس أو معظمهم الثناء، عليه كان ذلك دليلاً على أنه من أهل الجنّة، سواء كانت أفعاله تقتضي ذلك، أم لا؟، لأنه وإن لم تكن أفعاله تقتضيه فلا تتحتّم عليه العقوبة، بل هو في المشيئة، فإذا ألهم اللَّه الناس الثناء عليه، دلّ ذلك على أنه شاء المغفرة له، وبهذا تظهر فائدة الثناء، وقوله عَّله: ((وجبت وأنتم شهداء اللَّه))، ولو كان لا ينفعه ذلك إلاّ أن تكون أعماله تقتضيه، لم يكن للثناء فائدة، وقد أثبت عَّ له فائدة، انتهى، وترك الشهادة بالشر لفهم حكمه قياسًا أو اختصارًا، وهو أظهر؛ كما قال الحافظ، وبه صرّح حديث أنس في الصحيحين مرفوعًا: ((من أثنيتم عليه خيرًا وٍجبت له الجنَّة، ومن أنيتم عليه شرًّا وجبت له النار، أنتم شهداء اللَّه في الأرض»، (وكانت الأمم السالفة إذا شهد منهم مائة،) لحديث أبي يعلى، أن الأمم السابقة المائة، أمة إذا شهدوا لعبد بخير وجبت له الجنّة، وأن أُمّتي الخمسون، منهم أُمّة، فإذا شهدوا لعبد بخير وجبت له الجنة. (ومنها: أنهم أقلّ الأُمم عملاً، وأكثرهم أجرًا؛) لخبر لملك، وأحمد، والبخاري، عن ابن ٤٧٤ خصائص أمته ټێ. وأقصرهم أعمارًا، وأوتوا العلم الأول والآخر، وآخر الأمم فافتضحت الأمم عندهم ولم يفتضحوا. ومنها: أنهم أوتوا الإسناد، وهو خصيصة فاضلة من خصائص هذه الأمة، وسنة بالغة من السنن المؤكدة. عمر مرفوعًا: ((إنما بقاؤكم فيما سلف قبلكم من الأمم، كما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس، أوتي أهل التوراة التوراة، فعملوا بها حتى انتصف النهار، عجزوا فأعطوا قيراطًا قيراطًا، ثم أوتي أهل الإنجيل الإنجيل، فعملوا إلى العصر، ثم عجزوا فأعطوا قيراطًا قيراطًا، ثم أوتينا القرءان فعملنا إلى غروب الشمس، فأعطينا قيراطين قيراطين، فقال أهل الكتاب: ربّنا أعطيت هؤلاء قيراطين قيراطين، وأعطيتنا قيراطًا قيراطًا، ونحن أكثر عملاً!، قال: هل ظلمتكم من أجركم شىء؟، قال: لا، قال: فهو فضلي أُوتيه من أشاء)). قال السيوطي: والمراد تشبيه من تقدّم بأول النهار إلى الظهر والعصر في كثرة العمل الشاقّ والتكليف، وتشبيه هذه الأمّة بما بين العصر والليل في قلّة ذلك، وتخفيفه، وليس المراد طول الزمن وقصره، إذ مدّة هذه الأُمّة أطول من مدّة أهل الإنجيل. قال إمام الحرمين: الأحكام لا تؤخذ من الأحاديث التي لضرب الأمثال، (وأقصرهم أعمارًا) رحمة من الله بهم، وعطفًا عليهم أخّرهم في الأصلاب حتى أخرجهم إلى الأرحام بعد نفاذ الدنيا، وجعل أعمالهم قصيرة ليقل التباسهم بالدنيا وتدنسهم بها، وكان الأمم الماضون أعمارهم، وأجسادهم، وأرزاقهم أضعاف ذلك، كان أحدهم يعمّر ألف سنة، وحبة القمح ككلية البقر، والرمانة يحملها عشرة، وهكذا، فلطف اللَّه بهذه الأمّة ليأخذوا من الدنيا أرزاقًا قليلة بأجسام ضعيفة في مدة قصيرة، لئلا يأشروا ويبطروا، ثم ضاعف لهم الحسنات، فجعل الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، إلى ما لا يعلمه إلاّ اللَّه. (وأوتوا العلم الأوّل) الذي أُوتيه الأُمم قبلهم (والآخر) الذي أوتوه، فجمع لهم ما فرق في غيرهم وزيدوا، (وآخر الأمم، فافتضحت الأمم عندهم) بما قصّ عليهم في القرءان من وقائع بعضهم الشنيعة، ومخالفتهم، وتعنّتهم على أنبيائهم، وكفى بقول بني إسرائيل لموسى: ﴿اجعل لنا إلها كما لهم آلهة﴾ ﴿أرنا اللَّه جهرة﴾ الآية، وغير ذلك، (ولم يفتضحوا). (ومنها: أنهم أوتوا الإسناد،) وهو حكاية طريق المتن، والسند الطريق الموصلة إلى المتن، وقد يستعمل أحدهما في الآخر، والأمر سهل، (وهو خصيصة فاضلة من خصائص هذه الأُمّة،) لم يؤتها أحد من الأمم قبلهم، (وسنة بالغة من السنن المؤكدة). قال ابن المبارك: الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء، وعنه مثل الذي ٤٧٥١ خصائص أمته منيخلّة وقد روينا من طريق أبي العباس الدغولي قال: سمعت محمد بن حاتم بن المظفر يقول: إن الله تعالى قد أكرم هذه الأمة وشرفها وفضلها بالإسناد، وليس لأحد من الأمم كلها قديمها وحديثها إسناد موصول، إنما هو صحف في أيديهم، وقد خلطوا بكتبهم أخبارهم، فليس عندهم تمييز بين ما نزل من التوراة والإنجيل وبين ما ألحقوه بكتبهم من الأخبار التي اتخذوها عن غير الثقات. وهذه الأمة الشريفة - زادها الله شرفًا بنبيها - إنما تنص الحديث عن الثقة المعروف يطلب أمر دينه بلا إسناد، كمثل الذي يرتقي السطح بلا سلّم، وقال سفين الثوري: الإسناد سلاح المؤمن، فإذا لم يكن معه سلاح، فبأيّ شىء يقاتل؟، وقال الشافعي: مثل الذي يطلب الحديث بلا إسناد، کمثل حاطب ليل. وفي تاريخ الحاكم عن إسحق بن إبراهيم الحنظلي، قال: كان عبد اللّه بن طاهر إذا سألني عن حديث فذكرته له بلا إسناد سألني عن إسناده، ويقول: رواية الحديث بلا إسناد من عمل الزمني. فإن إسناد الحديث كرامة من اللَّه تعالى لأُمّة محمد، وقيل في قوله تعالى: ﴿أو إثارة من علم﴾ إسناد الحديث، وقال بقية: ذاكرت حماد بن زيد بأحاديث، فقال: ما أجودها لو كان لها أجنحة، يعني إسنادًا. (وقد روينا من طريق) الإمام (أبي العباس) محمّد بن عبد الرحمن (الدغولي) بفتح الدال المهملة، والغين المعجمة، فواو، فلام، نسبة إلى دغول رجل، ويقال للخبز الذي ليس رقيقًا بسرخس دغول. قال ابن الأثير: فلعلّ بعض أجداد المنتسب كان يخبزه، (قال: سمعت محمّد بن حاتم بن المظفر يقول: إن اللَّه تعالى قد أكرم هذه الأُمّة، وشرّفها، وفضّلها، بالإسناد، وليس لأحد من الأمم كلّها قديمها وحديثها إسناد موصول، إنما هو صحف في أيديهم، وقد خلطوا بكتبهم أخبارهم، فليس عندهم تمييز بين ما نزل من التوراة والإنجيل وبين ما ألحقوه بكتبهم من الأخبار التي اتّخذوها،) أي: نقلوها (عن غير الثقات). قال ابن حزم: نقل الثقة حتى يبلغ به النبيّ عَّهُ مع الاتصال شىء خصّ به المسلمون دون جميع الملل، أمّا مع الإرسال والإعضال، فيوجد في اليهود، لكن لا يقربون به من موسى قرينًا من نبيتًا، بل يقفون حيث يكون بينهم وبينه أكثر من ثلاثين نفسًا، وإنما يبلغون به إلى مانوح وشمعون. وأمّا النصارى، فليس عندهم من صفة هذا النقل إلاّ تحريم الطّلاق، (وهذه الأُمّة الشريفة زادها اللَّه شرفًا بنبيها إنّما تنصّ،) أي: تروي (الحديث عن الثقة المعروف في ٤٧٦ خصائص أمته علَـ في زمانه بالصدق والأمانة عن مثله حتى تتناهى أخبارهم، ثم يبحثون أشد البحث حتى يعرفوا الأحفظ فالأحفظ، والأضبط فالأضبط، والأطول مجالسة لمن فوقه ممن كان أقصر مجالسة، ثم يكتبون الحديث من عشرين وجهًا وأكثر، حتى يهذبوه من الغلط والزلل، ويضبطوا حروفه ويعدوه عدًا، فهذا من فضلَ الله على هذه الأمة، فنستودع الله تعالى شكر هذه النعمة وغيرها من نعمه. وقال أبو حاتم الرازي: لم يكن في أمة من الأمم منذ خلق الله تعالى ءادم أمناء يحفظون آثار الرسل إلا في هذا زمانه بالصدق والأمانة عن مثله حتى تتناهى أخبارهم،) لكن هذا الحصر إنما يكون لرواة الصحيح، والحسن، إذ الضعيف بأنواع قد رووه كثيرًا، (ثم يبحثون أشدّ البحث حتى يعرفوا الأحفظ فالأحفظ، والأضبط فالأضبط،) لما حفظ في صدره، بأن يثبت ما سمعه، بحیث یتمكّن من استحضاره متى شاء، أو بكتابه، بصيانته عنده منذ سمع فيه، وصححه إلى أن يؤدى منه، (والأطول مجالسة لمن فوقه،) أي: شيخه (ممّن كان أقصر مجالسة) له؛ فإن قدم السماع من أقسام العلو النسبي، (ثم يكتبون الحديث من عشرين وجهًا) تارة (وأكثر) أخرى، (حتى يهذّبوه من الغلط والزلل، ويضبطوا حروفه، ويعدوه عدَّا)، ويبيّتوا الألفاظ التي اختلفت فيها الرواة، وعذر أصحاب الحديث في تكثير طرق الحديث، الواحد ليعتمد عليه، إذ المقبول ما اتّصل سنده، وعدلت رجاله، أو اعتضد بعض طرقه ببعض حتى تحصل القوّة بالصورة المجموعة، ولو كان كل طريق منها لو انفردت لم تكن القوّة فيها مشروعة، والإعراض عن ذلك يستلزم ترك العمل بكثير من الأحاديث، اعتمادًا على ضعف الطريق التي فيها مقال، وقد قال عبد الله بن جعفر بن خالد: سألت إبراهيم بن سعيد الجوهري، البغدادي، يعني شيخ مسلم، وأصحاب السنن، عن حديث لأبي بكر الصديق، فقال لجاريته: أخرجي لي الجزء الثالث والعشرين من مسند أبي بكر، فقلت: لا يصحّ لأبي بكر خمسون حديثًا فمن أين ثلاثة وعشرون جزا؟، فقال: كل حديث لا يكون عندي من مائة وجه، فأنا فيه يتيم، (فهذا من فضل اللَّه على هذه الأُمّة، فنستودع اللَّه تعالى شكر هذه النعمة وغيرها من نعمه،) فإنه إذا استودع شيئًا حفظه. (وقال أبو حاتم) محمّد بن إدريس بن داود (الرازي،) الحنظلي، عن أحمد وقتيبة، وخلق، وعنه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه وآخرون، قال الخطيب: كان أحد الأئمة الحفاظ الأثبات، مشهورًا بالعلم، مذكورًا بالفضل، وثّقه النسائي وغيره، قال ابن يونس: قدم مصر قديمًا، وكتب بها، وكتب عنه، مات بالري سنة خمس، وقيل سنة سبع وسبعين ومائتين، (لم يكن في أمّة من الأُمم مذه) أي: حين (خلق اللَّه عادم أُمناء:) جمع أمين، (يحفظون آثار الرسل إلاّ في هذه ٤٧٧ خصائص أمته عزائي الأمة. ومنها: أنهم أوتوا الأنساب والإعراب، قال أبو بكر محمد بن أحمد: بلغني أن الله خص هذه الأمة بثلاثة أشياء لم يعطها من قبلها: الإسناد والأنساب والإعراب، انتهى. وهو مروي عن أبي علي الجياني. الأُمّة،) وهذا رواه ابن عساكر، عن الرازي المذكور بلفظ: ((لم يكن في أمة من الأُمم منذ خلق اللَّه عادم أمة يحفظون آثار نبيّهم وأنساب خلفهم كهذه الأُمّة)). وفي تاريخ ابن عساكر أيضًا، عنه: ((لم يكن في أمة من الأمم أمة يحفظون آثار نبيّهم غير هذه الأمّة)، فقيل له: ربما رووا حديثًا لا أصل له، قال علماؤهم: يعرفون الصحيح من السقيم، فروايتهم للواهي للمعرفة ليتبيّ لمن بعدهم أنهم ميزوا الآثار فيه وحفظوها. وأخرج الحاكم، وأبو نعيم، وابن عساكر، عن علي مرفوعًا: ((إذا كتبتم الحديث فاكتبوه بإسناده؛ فإن يكُ حقًّا كنتم شركاء في الأجر، وإن يكن باطلاً كان وزره عليه))، وفيه شرف أصحاب الحديث، وردّ على من كره كتابته من السلف، والنهي عنه في خبر آخر منسوخ أو مؤوّل. (ومنها: أنهم أُوتوا الأنساب،) أي: معرفتها (والأعراب،) أي: الإبانة والكلام الفصيح، وكل منهما ممّا يتنافس فيه المتنافسون، وقد قال عَّله: ((تعلّموا من أنسابكم ما تصلون به أرحاكم، فإن صلة الرحم محبّة في الأهل، مثراة في المال، منساة في الأثر))، رواه أحمد، والترمذي، والحاكم صحيحًا عن أبي هريرة، ولا يعارضه قوله معَّه: ((علم النسب علم لا ينفع، وجهالة لا تضر))، رواه أبو نعيم وغيره عن أبي هريرة؛ لأن المنهي عنه الاسترسال فيه، بحيث يشتغل به عما هو أهم منه، كما يفيده قوله: ((وجهالة لا تضر)). أمّا علمه بقدر ما يصل به رحمه، فمحبوب مطلق، فقد قال عَّه: ((تعلّموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم، ثم انتهوا وتعلّموا من العربية ما تعرفون به كتاب اللَّه))، ثم انتهوا))، رواه ابن زنجویه. (قال أبو بكر محمّد بن أحمد،) بن عبد الباقي، بن منصور البغدادي، الحافظ، الإمام، القدوة، كان فاضلاً، حسن القراءة للحديث، ورعًا، ثبتًا، زاهدًا، ثقة، قائمًا باللغة، علاّمة في الأدب، مات في ثاني ربيع الأوّل، سنة تسع وثمانين وأربعمائة، (بلغني أن اللَّه خصّ هذه الأُمّة بثلاثة أشياء، لم يعطها من قبلها من الأمم الإسناد، والأنساب والإعراب، انتهى، وهو مروي عن أبي علي) الإمام، الحافظ، الثبت، الحسين بن محمد الأندلسي، (الجياني) بفتح الجيم، والتحتية الثقيلة، ونون. بلدة كبيرة بالأندلس، ولد في محرم سنة سبع وثلاثين وأربعمائة، وأخذ ٤٧٨ خصائص أمته . ومنها: أنهم أوتوا تصنيف الكتب، ذكره بعضهم. ولا تزال طائفة منهم ظاهرين على الحق حتى يأتي أمر الله. رواه الشيخان. عن الباجي، وابن عتاب، وابن عبد البرّ، وخلق، ولم يخرج من الأندلس، وكان من جهابذة الحفاظ، بصيرًا باللغة، والعربية، والشعر، والأنساب، صنّف في كل ذلك، ورحل إليه الناس، وتصدّر بجامع قرطبة، وأخذ عنه الأعلام مع التواضع والصيانة، توفي ليلة الجمعة، ثاني عشر شعبان، سنة ثمان وتسعين وأربعمائة. (ومنها: أنهم أوتوا تصنيف الكتب، ذكره بعضهم،) قال ابن العربي في شرح الترمذي: لم يكن قط في أُمّة من الأمم من انتهى إلى حدّ هذه الأمّة من التصرّف في التصنيف والتحقيق، ولا جاراها في مداها من التفريع والتدقيق، وتصنيف الكتب، وتدوين العلوم، وحفظ سنّة نبيّهم، أي: أقواله وأفعاله، فتدوين العلوم، وتصنيفها، وتقرير القواعد، وكثرة التفريع وفرض ما لم يقع، وبيان حكمه، وتفسير القرءان والسنّة، واستخراج علوم الأدب، وتتبع كلام العرب أمر مندوب إليه، وأهله خير الخليقة. وقال العراقي في شرح المحصول: من خصائصه ◌َّ أن الواحد من أُمّته يحصل له في العمر القصير من العلوم والفهوم ما لم يحصل لأحد من الأمم السابقة في العمر الطويل، ولهذا تهيّأ للمجتهدين من هذه الأمّة من العلوم، والاستنباطات، والمعارف ما تقصر عنه أعمارهم، انتھی. وقال قتادة: أعطى اللَّه هذه الأُمّة من الحفظ ما لم يعطه أحدًا من الأُمم، خاصّة خصَّهم بها، و کرامة أُکرمهم بها، انتھی. (ولا تزال طائفة منهم،) أي: من أُمّة الإجابة (ظاهرين،) أي: غالبين (على الحق،) منصورين على من خالفهم، واحتمال أن المراد بالظهور الشهرة، وعدم الاستتار بعيد، (حتى يأتي أمر اللّه))) وهو وقوع الآيات العظام التي يعقبها قيام الساعة، ولا يتخلّف عنها إلاّ قليلاً. وفي مسلم عن جابر بن سمرة، رفعه: ((لن يبرح هذا الدين قائمًا، تقاتل عليه عصابة من المسلمين حتى تقوم الساعة))، أي: إلى قرب قيامها، أو المراد: تقوم ساعتهم وهي حين تأتي الريح فتقبض روح كل مؤمن، فلا تنافي بينه وبين خبر مسلم: ((لا تقوم الساعة إلاّ على شرار الناس)، وخبر مسلم والترمذي عنه عَ لّهِ: ((لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض اللَّه اللَّه))، (رواه الشيخان) من حديث المغيرة بن شعبة، رفعه: ((لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك)). قال البخاري في الصحيح: والطائفة أهل العلم، وقال النووي في التهذيب: حمله العلماء ٤٧٩ خصائص أمته . ومنها: أن فيهم أقطابًا أو جمهورهم على أهل العلم، وقد دعا لهم النبيّ عَّه بقوله: ((نضّر اللَّه امراً، سمع مقالتي فوعاها، فأدّاها كما سمعها))، وجعلهم عدولاً في حديث: ((يحمل هذا العلم من كل خلف، عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين))، وهذا إخبار منه بصيانة العلم وحفظه، وعدالة ناقليه، وأنه تعالى يوفق له في كل عصر عدولاً يحملونه وينفون عنه، وهو من أعلام نبوّته، ولا يضر معه كون بعض الفساق يعرفون شيئًا من العلم؛ لأن الحديث إنما هو إخبار بأن العدول يحملونه، لا أن غيرهم لا يعرف منه شيئًا. وقال النووي أيضًا: يجوز أن تكون الطائفة جماعة متعدّدة من أنواع الأمّة، ما بين شجاع وبصير بالحرب، وفقيه ومفتّر، ومحدث، وقائم بالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وزاهد، وعابد، ولا يلزم اجتماعهم في بلد واحد، بل يجوز اجتماعهم في قطر واحد، وتفرّقهم في الأقطار، وأن يكونوا في بعض دون بعض، ويجوز إخلاء الأرض كلّها من بعضهم أوّلاً فأولاً إلى أن لا يبقى إلاّ فرقة واحدة ببلد واحد، فإذا انقرضوا جاء أمر اللَّه بقيام الساعة، انتهى. وفيه معجزة بيّنة، فإن أهل السنّة لم يزالوا ظاهرين في كل عصر إلى الآن، فمن حين ظهرت البدع على اختلاف صنوفها من خوارج، ومعتزلة، ورافضة وغيرهم؛ لم يقم لأحد منهم دولة، ولم تستمر لهم شوكة، بل كلّما أوقدوا نارًا للحرب أطفأها اللَّه بنور الكتاب والسنّة، وزعمت المتصوّفة أن الإشارة إليهم، لأنهم لزموا الاتباع بالأحوال، وأغناهم الاتّباع عن الابتداع. (ومنها أنّ فيهم) أي: الأمّة (أقطابًا) ولا يلزم منه تعدّدهم في زمن واحد، فلا يخالف قوله الآتي: والغوث واحد وتصريح غيره بأن القطب واحد كلّما مات أبدل، قال اليافعي في الكفاية: سمي قطبًا لدورانه في جهات الدنيا الأربع كدوران الغلك في أفق السماء، وقد سترت أحوال القطب وهو الغوث عن العامة والخاصة غيره من الحق عليه غير أنّه يرى عالمًا كجاهل وأبله كفطن آخذًا تاركًا قريبًا بعيدًا سهلاً عسرًا آمنًا حذرًا. وقال غيره: الأقطاب جمع قطب وهو الخليفة الباطن وسيد أهل زمانه سمي قطبًا لجمعه جميع المقامات والأحوال ودورانها عليه مأخوذ من القطب، وهو الحديدة التي تدور عليها الرحى ولا يعرف القطب من الأولياء إلّ القليل جدًّا، بل قال جمع: لا يراه أحد إلاّ بصورة استعداد الرآئي، فإذا رآه لم يره حقيقة. وذهب قوم إلى أن مرتبة القطبانيّة ثقيلة جدًّا قلَّ أن يقيم فيها أحد أكثر من ثلاثة أيام، وجمع إلى أنّها كغيرها من الولايات يقيم فيها صاحبها لا ينعزل إلاّ بالموت، وأوّل من تقطّب بعد النبي عَِّ الخلفاء الأربعة على ترتيبهم في الخلافة، ثم الحسن هذا ما عليه الجمهور، وذهب بعض الصوفيّة إلى أن أوّل من تقطّب بعده ابنته فاطمة، قال بعضهم: ولم أره لغيره. وأوّل من تقطّب بعد الصحابة عمر بن عبد العزيز، وإذا مات القطب خلفه أحد الإمامين لأنّهما بمنزلة الوزيرين له أحدهما مقصور على ٤٨٠ خصائص أمته منز ليه وأوتادًا ونجباء وأبدالاً. عن أنس مرفوعًا: ((الأبدال أربعون رجلاً عالم الملكوت والآخر على عالم الملك، والأوّل أعلى مقامًا من الثاني. (وأوتادًا) أربعة في كل زمان لا يزيدون ولا ينقصون وهم العمد وهم حكم الجبال في الأرض، ولذا سموا أوتادًا يحفظ الله بأحدهم المشرق، والآخر المغرب، والآخر الجنوب، والآخر الشمال. وروى ابن عساكر من حديث علي الأوتاد من أبناء الكوفة، أي: أصلهم لا إنها مقرّهم. وروى الحكيم الترمذي عن أبي الدرداء أنّ الأنبياء كانوا أوتاد الأرض، فلمّا انقطعت النبوة أبدل اللَّه مكانهم قومًا من أمّة محمد علّه لم يفضلوا الناس بكثرة صوم ولا صلاة لكن بحسن الخلق والنية، وصدق الورع وسلامة القلوب للمسلمين والنصح للَّه في ابتغاء مرضاته بصبر وحلم ولب وتواضع في غير مذلّة فهم خلفاء الأنبياء قوم اصطفاهم اللَّه لنفسه، واستخلصهم لعلمه يدفع اللَّه بهم المكاره عن الأرض والبلايا عن الناس وبهم يرزقون ويمطرون. قال الحكيم: فهؤلاء أمان هذه الأمّة فإذا ماتوا أفسدت الأرض وخرّبت الدنيا؛ وذلك قوله تعالى: ﴿ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض﴾. (ونجباء) سبعون مسكنهم مصر ورتبتهم فوق النقباء ودون الأبدال على ما يأتي، (وأبدالاً) بفتح الهمزة جمع بدل سمّوا بذلك؛ لأنّه إذا مات واحد أبدل مكانه آخر أو لأنهم أعطوا من القوة أن يتركوا بدلهم حيث يريدون، أي: أخلفوا صورة تحاكي صورتهم بحيث أنّ كل من رآها لا يشك في أنّه هو، وهو لفظ مشترك يطلقونه على من تبدّلت أوصافه الذميمة لمحمودة، ويطلقونه على عدد خاص مختلف في قدره، قاله ابن عربي. وأخرج الحاكم في كتاب الكنى له عن عطاء بن أبي رباح مرسلاً، الأبدال من الموالي ولا يبغض الموالي إلاّ منافق، قال الحافظ ابن حجر في فتاويه: الأبدال ورد في عدّة أخبار منها ما يصحّ وما لا. وأمّا القطب فورد في بعض الآثار، وأمّا الغوث بالوصف المشتهر بين الصوفيّة فلم يثبت، انتهى. (عن أنس مرفوعًا: ((الأبدال أربعون رجلاً،) وفي حديث عبادة: ثلاثون رجلاً قلوبهم على قلب إبراهيم، وكل منهم يعكّر على قول الرّافعي الأصح أنّها سبعة، وقيل: أربعة عشر. وجمع بين الحديثين بأن ثلاثين منهم قلوبهم على قلب إبراهيم والعشرة ليسواكذلك؛ كما صرّح به خبر الحكيم الترمذي عن أبي هريرة؛ ومردّه حديث ابن مسعود: ((لا يزال أربعون رجلاً من أمتي على قلب إبراهيم))، وجمع بأنّ البدل له إطلاقًا كما يفيده الأحاديث في تخالف علاماتهم وصفاتهم أو أنّهم يكونون في زمان أربعين وفي آخر ثلاثين، وردّ بقوله: ولا الأربعون، أي: ينقصون كلّما مات رجل إلخ، أو أن تلك الأعداد اصطلاح لوقوع الخلاف في بعضهم كالأبدال فقد يكون في ذلك العدد نظروا إلى مراتب عبّروا عنها بالأبدال والنقباء والنجباء والأوتاد، وغير ذلك. والحديث نظر إلى مراتب أخرى والكل متفقون