Indexed OCR Text
Pages 421-440
٤٢١ خصائص أمته معد نيه في مساجدهم ومجالسهم ومضاجعهم ومتقلبهم ومثواهم، ويصفون في مساجدهم كصفوف الملائكة حول عرشي، هم أوليائي وأنصاري، أنتقم بهم من أعدائي عبدة الأوثان، يصلون لي قيامًا وقعودًا وركعًا وسجودًا، ويخرجون من ديارهم وأموالهم ابتغاء مرضاتي ألوفًا، ويقاتلون صفوفًا، أختم بكتابهم الكتب، وبشريعتهم الشرائع، وبدينهم الأديان، فمن أدركهم فلم يؤمن بكتابهم، ويدخل في دينهم . لا إله إلّ اللَّهِ، وأفضل الدعاء: الحمد للَّه)، رواه الترمذي وحسّنه، والنسائي، وابن ماجه، والحاكم وصححه، وقال عَّ له: ((أحب الكلام إلى الله أربع: سبحان اللَّه، والحمد لله، ولا إله إلّ اللَّه، والله أكبر، لا يضرّك بأيّهن بدأت))، رواه مسلم والنسائي. وروى البزار بإسناد حسن عن عمران بن حصين قال: قال رسول اللَّه عَ لَّه: ((أما يستطيع أحدكم أن يعمل كل يوم مثل أُحد عملاً،»؟، قالوا: ومن يستطيعه؟، قال: (( كلّکم یستطيع ذلك)، قالوا: وما ذاك يا رسول اللَّه؟، قال: ((سبحان اللَّه أعظم من أُحد، والحمد لله أعظم من أُحد، ولا إله إلّ اللَّه أعظم من أُحد، واللَّه أكبر أعظم من أُحد)، وأحاديث الباب كثيرة. (في مساجدهم:) جمع مسجد في الصلاة ودونها، (ومجالسهم، ومضاجعهم، ومتقلّبهم:) منصرفهم لأشغالهم بالنهار، (ومثواهم:) مأواهم إلى مضاجعهم بالليل، والمراد: أنه يلهمهم ذلك على أي حال كانوا، (ويصفون في مساجدهم:) مصلاهم (كصفوف الملائكة حول عرشي،) قال عَّةٍ: ((ألا تصافون، كما تصفّ الملائكة عند ربها يتمون الصفوف، الأُوَل ويتراصّون في الصف)، رواه مسلم وغيره. (هم أوليائي) فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون، (وأنصاري؛) كما قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله﴾ الآية، والمراد: أنصار دينه ورسوله، كما في قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم﴾ الآية، (أنتقم بهم من أعدائي عبدة الأوثان،) إكرامًا لهم وابتلاء؛ كما قال: ﴿ذلك ولو يشاء اللَّه لانتصر، منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعض والذين قتلوا﴾ الآية، الآيتين، (يصلّون لي قيامًا وقعودًا،) للعذر في الفرض وبدونه في النفل، والمراد: يصلّون على أي حال كانوا، (وركّعًا وسجّدًا، ويخرجون من ديارهم وأموالهم ابتغاء مرضاتي، ألوفًا) لأجل الجهاد، (ويقاتلون في سبيليٍ) جهاد الكفّار (صفوفًا) بعضهم بجنب بعض من شدّة حبّهم للقتال، وفي القرءان: ﴿إن الله يحبّ الذين يقاتلون في سبيله صفًّا كأنهم بنيان مرصوص﴾ الآية، أي: ملزق بعضه إلى بعض ثابت، (أختم بكتابهم الكتب، وبشريعتهم الشرائع، وبدينهم الأديان،) فلا كتاب ولا شرع ينسخ كتابهم ودينهم، (فمن أدركهم فلم يؤمن بكتابهم ويدخل في دينهم ٤٢٢ خصائص أمته . وشريعتهم فليس مني، وهو مني بريء، وأجعلهم أفضل الأمم، وأجعلهم أمة وسطًا شهداء على الناس، إذا غضبوا هللوني، وإذا تنازعوا سبحوني، يطهرون الوجوه والأطراف، ويشدون الثياب إلى الأنصاف، ويهللون على التلول والأشراف، قربانهم دماؤهم، وأنا جيلهم في صدورهم، رهبانًا بالليل ليوثًا بالنهار، طوبى لمن كان معهم، وعلى دينهم ومنهاجهم وشريعتهم، وذلك فضلي أوتيه من أشاء، وأنا ذو الفضل العظيم. رواه أبو نعيم. وقد ذكر الأمام فخر الدين: أن من كانت معجزاته أظهر يكون ثواب أمته أقل، قال السبكي: إلا هذه الأمة، فإن معجزات نبيها أظهر وثوابها أكثر من سائر الأمم. وشريعتهم فليس منى) لكفره، (وهو مني بريء، وأجعلهم أفضل الأُمم، وأجعلهم أُمّة وسطًا،) خيارًا عدولاً، (شهداء على الناس) يوم القيامة، إن رسلهم بلغتهم، (إذا غضبوا هّلوني) قالوا: لا إله إلاّ اللَّه، ولا يعملون بمقتضى الغضب، (وإذا تنازعوا) في شىء بينهم (سبحوني،) فهم يذكرونه في جميع أحوالهم، (يطهرون الوجوه والأطراف،) الأيدي والأرجل في الوضوء، (ويشدّون الثياب إلى الأنصاف) من سوقهم، اقتداء بنبيّهم، ولا يرخونها إلى أسفل من ذلك تيهًا وتكبّرًا، (ويهلّلون على التلول) جمع تلّ الأمكنة العالية، (والأشراف:) جمع شرف، بفتحتين المكان العالي، فالعطف مسّاو حسنه اختلاف اللفظ ومراعاة الفاصلتين، (قربانهم دماؤهم،) أي: أضاحيهم وهداياهم، أو المراد أنهم متهيئون للجهاد في سبيل اللَّه، فكأنّهم يتقرّبون إلى اللَّه بدماء أنفسهم، أو بدماء من قتلوه من الكفّار؛ كما قال كعب بن زهير في مدح الأنصار: يستقرّبون يرونه نسكًا لهم بدماء من علقوا من الكفّار وفي الأنموذج قربانهم ودماؤهم، وروى ابن عديّ مرفوعًا: ((إن الصلاة قربان المؤمن))، وفي حديث: ((الصلاة قربان كل تقي))، أي: الصلاة من المتقي بمنزلة الهدايا والضحايا لفاقدهما. (وأناجيلهم:) مصاحفهم محفوظة (في صدورهم، رهبانًا) عبادًا (بالليل ليوثًا:) أسدًا على الأعداء، (بالنهار طوبى) فرح وقرّة عين وشجرة في الجنّة، (لمن كان معهم وعلى دينهم ومنها جهم): طريقتهم، (وشريعتهم، وذلك فضلي أوتيه من أشاء، وأنا ذو الفضل) الإحسان (العظيم))؛) فلا حجر في تخصيصهم بهذه الفضائل دون غيرهم، (رواه أبو نعيم) الأصبهاني. (وقد ذكر الإمام فخر الدين) الرازي: (أن من كانت معجزاته أظهر، يكون ثواب أُمته أقل)، لأن قوّة ظهورها يلجىء إلى الإيمان. قال السبكي: (إلاّ هذه الأمّة، فإن معجزات نبيها أظهر، وثوابها أكثر من سائر الأمم،) ٤٢٣ خصائص أمته ◌ّ ومن خصائص هذه الأمة إحلال الغنائم، ولم تحل لأحد قبلها، فضلاً من اللَّه ونعمة. (ومن خصائص هذه الأمّة إحلال الغنائم،) وابتداء ذلك في غزوة بدر، وفيها نزل: ﴿فكلوا مما غنمتم حلالاً طيبًا﴾ الآية؛ كما في الصحيح من حديث ابن عبّاس، وعند ابن إسحق: أول غنيمة خمّست غنيمة السرية التي كان عليها عبد اللّه بن جحش، وهي قبل بدر بشھرین. قال الحافظ: ويمكن الجمع بما ذكر ابن سعد؛ أنّه عَ لل أخرّ غنيمة تلك السرية حتى رجع من بدر، فقسمها مع غنائم أهل بدر، (ولم تحلّ لأحد) من الأمم، وفي نسخة لأمة (قبلها،) والمراد بها ما أخذ من الكفّار بقهر وغيره، فنعم الفىء؛ إذ كل منهما انفرد عن الآخر. روى النسائي، عن أبي هريرة رفعه: ((إن اللَّه أطعمنا الغنائم، رحمة رحمنا بها، تخفيفًا خففه عنا، لما رأى من ضعفنا وعجزنا، فأحلّها لنا». وفي حديث جابر في الصحيحين: ((وأُحلّت لي الغنائم ولم تحلّ لأحد قبلي)). قال الخطابي: كان من تقدّم على ضربين منهم من لم يؤذن له في الجهاد فلم يكن لهم مغانم، ومنهم من أذن له فيه، لكن كانوا إذا اغتنموا شيئًا لم يحل لهم أن يأكلوه، وجاءت نار فأحرقته. وقيل: المراد أنه خاص بالتصرف في الغنيمة، يصرفها حيث شاء، والأقل الأول أصوب، وهو أن من مضى لم تحلّ لهم الغنائم أصلاً، ذكره الحافظ، ويرجح ما صوّبه قوله: ((ولم تحلّ الأحد قبلي)؛ لأن التقييد بالقبلية بطريق المفهوم؛ أنها حلّت له ولأُمّته. وروى الترمذي بسند صحيح، عن أبي هريرة رفعه: ((لم تحلّ الغنائم لأحد، سود الرؤس من قبلكم، كانت تجمع فتنزل نار من السماء فتأكلها)). قال في الفتح: كان من مضى يغزون ويأخذون أموال أعدائهم وإسلابهم، لكن لا يتصرّفون فيها، بل يجمعونها، وعلامة قبول غزوهم أن تنزل نار من السماء فتأكلها، وعلامة عدم قبوله أن لا ينزل، ومن أسباب عدم القبول الغلول، وقد منَّ اللّه على هذه الأمّة بشرف نبيها عنده، فأحلّ لهم الغنيمة، وستر عليهم الغلول، وستر عليهم فضيحته، ودخل في عموم أكل النار الغنيمة السبي وفيه بعد، لأن مقتضاه إهلاك الذرية ومن لم يقاتل من النساء، ويمكن أن يستثنوا من ذلك، ويلزم منه استثناؤهم من تحريم الغنائم عليهم، ويؤيّده أنّه كانت لهم عبيد وإماء، فلو لم يجز لهم السبي لما كان لهم أرقّاء، ولم أر من صرح بذلك انتهى، ونظر فيه شيخنا بأنّه كان في شرع يعقوب إذا سرق إنسان شيئًا، ووجد عنده جعل السارق رقيقًا للمسروق منه، وجزم بعضهم باستثناء الذرية من أكل ٤٢٤ خصائص أمته عند ئّ وجعلت لهم الأرض مسجدًا ولم تكن الأمم تصلي إلا في البيع والكنائس، وجعلت تربتها لهم طهورًا وهو التيمم. وفي رواية أبي أمامة عند البخاري: وجعلت الأرض كلها لي ولأمتي مسجدًا وطهورًا، وفي رواية مسلم من حديث حذيفة: وجعلت لنا الأرض كلها لي ولأمتي مسجدًا، وجعلت تربتها طهورًا إذا لم نجد الماء. النار، يفهم منه أنّها كانت تحل لغير هذه الأمّة من الأمم. وفي شرح المشارق للشيخ أكمل الدين أنّهم كانوا إذا أغنموا حيوانات تكون ملكًا للغانمين دون أنبيائهم؛، وإذا أغنموا غير الحيوانات، جمعوها، فتجيء نار فتحرقها. (وجعلت لهم الأرض مسجدًا،) أي: موضع سجود، لا يختص السجود منها بموضع دون غيره، ويمكن أنّه مجاز عن المكان المبني للصلاة من مجاز التشبيه؛ لأنّه لما جازت الصلاة في جميعها كانت كالمسجد في ذلك. (ولم تكن الأمم تصلّي إِلاّ في البيع) كنائس النصارى، وقيل: اليهود، فقوله (والكنائس،) عطف تفسير على الأوّل: جمع كنيسة، متعبّد النصارى، وقيل: اليهود، وعبارة المصنّف فيما مرّ عن الفتح إلّ في نحو البيع والصوامع، أي: متعبّد الرهبان، فإن تعذّر مجيئهم لها لنحو سفر، لم يصلوا على ظاهره، فيسقط عنهم أداؤها، ويقضون إذا رجعوا؛ كما جزم به بعض شراح الرسالة في فقه المالكية. ويؤيّده ظاهر قوله في حديث ابن عبّاس: ((ولم يكن من الأنبياء أحد يصلي حتى يبلغ محرابه))، فما قيل: هل تسقط عنهم مطلقًا أو محلّ الحضر في نحو البيع في الحضر. أمّا في السفر، فتباح في غيرها، ويكون محل خصوصيتنا الصلاة بأي محلّ، ولو بجوار المسجد، وسهولة الصلاة فيه تقصير، ويمنع الثاني أن القيد لا بدّ له من دليل، مع أن ظاهر قوله حتى يبلغ محرابه يمنعه، وتقدّم هذا مرّتين: ((وجعلت تربتها لهم طهورًا))،) بفتح الطاء على المشهور، أي مطهرًا لغيره، لا طاهرًا، والإ لزم تحصيل الحاصل، ولم تثبت الخصوصيّة، (وهو التيمم،) لفقد الماء حسدًا، أو حكمًا بعدم القدرة على استعماله. (وفي رواية أبي أمامة عند البخاري: ((وجعلت الأرض كلّها لي، ولأقتي مسجدًا وطهورًا))،) فصرّح بمشاركة أُمّته له فيهما. (وفي رواية مسلم من حديث حذيفة: ((وجعلت لنا الأرض كلّها لي ولأمتي مسجدًا، وجعلت تربتها طهورًا، إذا لم نجد الماء،) أو لم نقدر على استعماله))، وبه احتجّ للشافعي وأحمد على تخصيص التيمم بالتراب، وأجيب بأن تربة كل مكان ما فيه من تراب أو غيره، وقد قال تعالى ٤٢٥ خصائص أمته ومن خصائص هذه الأمة أيضًا الوضوء، فإنه لم يكن إلا للأنبياء دون أممهم، ذكره الحليمي، واستدل بحديث البخاري ((إن أمتي يدعون يوم القيامة غرا محجلين من آثار الوضوء، ﴿فتيمموا صعيدًا طيبًا﴾، والصعيد: ما صعد على الأرض ترابًا أو غيره، وفي حديث جابر في الصحيحين: ((وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا))، وبهذا احتجّ للملك وأبي حنيفة على جواز التيمم بجميع أجزاء الأرض. وأمّا قوله في رواية ابن خزيمة وغيره: ((وجعل ترابها طهورًا))، وقوله في حديث علي: وجعل التراب لي طهورًا، رواه أحمد والبيهقي بإسناد حسن، فالنص على التراب في هاتين الروايتين لبيان أفضليته، لا لأنّه لا يجزىء غيره، وليس مخصّصًا لعموم قوله: وطهورًا، لأن شرط المخصّص أن يكون منافيًا للعام، ولذا قال القرطبي هو من باب النّص على بعض أشخاص العموم، كقوله تعالى ﴿فيهما فاكهة ونخل ورمان﴾ الآية، (ومن خصائص هذه الأمّة أيضًا الوضوء، فإنّه لم يكن إلاّ للأنبياء دون أممهم،) بخلاف هذه الأمّة، فهو لها كنبيها، (ذكره الحليمي،) قال السيوطي: وهو الأصح، ونوزع بما يأتي بيانه، (واستدل بحديث البخاري) ومسلم، عن أبي هريرة أنّه عَّةِ قال: (إنَّ أمتي) أمة الإجابة لا الدعوة، (يدعون،) بضم أوله، أي: ينادون أو يسمون، ولفظ مسلم: يأتون (يوم القيامة) أي: موقف الحساب، أو الميزان، أو الصراط، أو الحوض، أو غير ذلك (غرًّا،) بالضم والتشديد، جمع أغر، أي: ذي غرّة، بضم الغين، بياض في جبهة الفرس فوق درهم، ثم استعملت في الجمال والشهرة وطيب الذكر، شبه به ما يكون لهم من النور في الآخرة، ونصب مفعول يدعون، أو حالاً، أي: إذ دعوا يوم التناد على رؤس الأشهاد نودوا بهذا الوصف، أو كانوا على هذا النعت. قال الطيبي: ولا يبعد التسمية باعتبار الوصف الظاهر؛ كما يسمّى رجل به حمرة الأحمر، للمناسبة بين الإسم والمسمّى، (محجلين) من التحجيل، وهو بياض في قوائم الفرس أو في ثلاث منها، أو في غيره قل، أو أكثر بعدما تجاوز الإرساغ، ولا يجاوز الركبتين. (من آثار الوضوء))) بضم الواو، وجوز ابن دقيق العيد فتحها على أنّه الماء، وظاهر هذا، كقوله في رواية لمسلم: ((أنتم الغر المحجلون يوم القيامة، من إسباغ الوضوء) أن هذه السيما إنما تكون لمن توضأ في الدنيا، ففيه رد لما نقله الزناتي الفاسي في شرح الرسالة عن العلمي: إن الغرّة والتحجيل لهذه الأمّة من توضأ منهم ومن لا؛ كما يقال لهم أهل القبلة من صلّى ومن لا انتھی. وفي القياس على الإيمان نظر؛ لأنّه التصديق والشهادة، وإن ترك الواجب وفعل الحرام، ٤٢٦ خصائص أمته لكن قال في فتح الباري: فيه نظر: لأنه ثبت في البخاري في قصة سارة - عليها السلام - مع الملك الذي أعطاها هاجر: لما همَّ الملك بالدنو منها قامت تتوضأ وتصلي، بخلاف الغرّة والتحجيل، فمجرّد فضيلة وتشريف للمتوضىء، فلا يكونان لسواه، ومن ثم قال شيخ الإسلام زكريا في شرح البخاري: لا تحصل الغرّة والتحجيل إلّ لمن توضأ بالفعل، أمّا من لم يتوضأ، فلا يحصلان له. قال شيخنا في حواشي الرملى: ومن نقل عنه خلاف ذلك فقد أخطأ إنما هو قول للزناتي لا لشيخ الإسلام، وينبغي على قوله أن ذلك خاص بمن توضأ حال حياته، فلا يدخل من وضأه الغاسل، وبقي أيضًا ما لو تيمم ولم يتوضأ، هل يحصل له ذلك أم لا؟ وفيه نظر، وينبغي أن يحصل لقيامه مقام الوضوء، انتهى. (لكن قال في فتح الباري: فيه،) أي: استدلاله بهذا الحديث (نظر؛) لأنّ الذي دلّ على أنّه خصوصيّة إنّما هو الغرّة والتحجيل، لا أصل الوضوء، ولأنّه ثبت في البخاري في قصّة سارة) بخفة الرّاء، وقيل بتشديدها، واختلف في إسم أبيها، فقيل: هاران ملك حرّان، تزوّجها إبراهيم لما هاجر من بلاد قومه إلى حرّان، وإن هذا هو السبب في إعطاء الملك لها هاجر، وأنّه قال لإبراهيم: رأيتها تطحن، وهي لا تصلح أن تخدم نفسها، وقيل هي بنت أخيه، وكان ذلك جائزاً في شرعه، حكاه ابن قتيبة والنقّاش واستبعد، وقيل: بنت عمّه، وتوافق الإسمان، وقيل: إِسم أبيها نويل (عليها السلام،) وهي إحدى النسوة اللاتي قيل بنبوَّتهنّ (مع الملك الذي أعطاها هاجر) بالهاء، رواه البخاري في أحاديث الأنبياء، وبهمزة بدلها، رواه في البيوع، وكذا مسلم، وفتح الجيم عليهما إسم سرياني، يقال: إنّ أباها كان من ملوك القبط، من حفن، بفتح المهملة، وسكون الفاء قرية بمصر كانت مدينة، وهي الآن كفر من عمل أنصنا بالبر الشرقي من الصعيد، وفيها آثار عظيمة باقية، (لمّا همّ الملك) عمرو بن امرىء القيس بن سبأ، وكان على مصر، ذكره السهيلي، وهو قول ابن هشام في التيجان. وقيل: اسمه صادف، وكان على الأردن، حكاه ابن قتيبة، وقيل سنان بن علوان بن عبيد بن جريج بن عملاق بن لاوذ بن سام بن نوح، حكاه الطبري، ويقال: أنّه الضحاك الذي ملك الأقاليم، (بالدنو منها، قامت تتوضأ وتصلّي)، ففيه أنّ الوضوء كان مشروعًا للأمم قبلنا، وليس مختصًّا بهذه الأمّة، ولا بالأنبياء لثبوت ذلك عن سارة، والجمهور أنّها ليست نبية. أخرج البخاري من طريق أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: قال النبي عَّه: (هاجر إبراهيم بسارة، فدخل بها قرية ملك من الملوك، أو جبار من الجبابرة، فقيل دخل إبراهيم ٤٢٧ خصائص أمته عَ اليه بامرأة، هي من أحسن النساء، فأرسل إليه أنّ يا إبراهيم من أين هذه التي معك؟، فقال: أختي، ثم رجع إليها، فقال: لا تكذبي حديثي فإنّي أخبرتهم أنّك أختي، واللّه ما على الأرض مؤمن غيري وغيرك، فأرسل بها إليه، فقام إليها، فقامت تتوضّأ وتصلّي، فقالت: اللَّهم إن كنت تعلم أنّي آمنت بك وبرسولك، وأحصنت فرجي إلّ على زوجي، فلا تسلط علي الكافر، فغط حتى ركض برجله». قال الأعرج: قال أبو سلمة بن عبد الرحمن: إنّ أبا هريرة قال: قالت: اللَّهم إن يمت يقال هي قتلته، فأرسل، ثم قام إليها، فقامت تتوضأ وتصلّي، وتقول: اللَّهم إن كنت تعلم أنّي آمنت بك وبرسولك وأحصنت فرجي إلا على زوجي، فلا تسلط علي هذا الكافر، فغط حتى ركض برجله، قال الأعرج: قال أبو سلمة: قال أبو هريرة: اللهمّ إن يمت يقل هي قتلته، فأرسل في الثانية أو في الثالثة، فقال: ما أرسلتم إلي إلّ شيطانًا، ارجعوها إلى إبراهيم وأعطوها أجر، فرجعت إلى إبراهيم، فقالت: أشعرت أن اللَّه كبت الكافر، وأخدم وليدة، أخرجه أيضًا مسلم وأحمد وغيرهما من طرق في ألفاظها اختلاف، ليس هذا موضع بيانه. قال في فتح الباري: قوله: فأرسل إليه ظاهر في أنّه ساله عنها أوّلاً، ثم أعلمها بذلك لئلا تكذبه عنده، وفي رواية هشام بن حسّان عن ابن سيرين عن أبي هريرة عند البزار والنسائي وابن حبّان، أنّه قال لها: إن هذا الجبّار إن يعلم أنّك إمرأتي يغلبني عليك، فإن سالك فاخبريه أنّك أختي، وإنّك أختي في الإسلام، فلمّا دخل أرضه رآها بعض أهل الجبار، فأتاه، فقال: لقد قدم أرضك امرأة لا ينبغي أن تكون إلاّ لك، فأرسل إليها، فيجمع بينهما بأن إبراهيم أحسّ بأنّه سيطلبها منه، فأوصاها، فلمّا وقع ما خشيه، أعاد عليها الوصيّة، واختلف في السبب الحامل له على الوصيّة، مع أن مراده غصبها أختًا كانت أو زوجة، فقيل: كان من شأنه أن لا يتعرض إلاّ لذات الزوج، فأراد إبراهيم دفع أعظم الضررين بارتكاب أخفهما؛ لأن اغتصابه واقع لا محالة، لكن إن علم لها زوجًا حملته، على قتله، أو حبسه واضراره، بخلاف الأخ، فالغيرة حينئذ من قبله خاصّة، لا من قبل الجبّار، فلا يبالي به، وهذا تقرير جاء صريحًا عن وهب بن منبه، رواه عبد بن حميد عنه. وذكر ابن الجوزي في مشكل الصحيحين، وتبعه المنذري في حواشي السنن عن بعض أهل الكتاب، أن الجبّار كان من رأيه أن لا يقرب ذات زوج حتى يقتله، فلذا قال إبراهيم: حتى أختي؛ لأنّه إن كان عادلاً خطبها منه ثم يرجو مدافعته عنها، وإن كان ظالمًا خلّص من القتل، وليس هذا يبعد من الأول. وقيل: كان من دين الجبّار أنّ الأخ أحق بأن أخته زوجته، فقال: هي أختي اعتمادًا على ٤٢٨ خصائص أمته عليه. وفي قصة جريج الراهب: أنه قام فتوضأ وصلى ثم كلم الغلام. ما يعتقده الجبّار، فلا ينازعه فيها، وتعقب بأنّه لو كان كذلك لقال: هي أختي وأنا زوجها، فلم اقتصر على قوله هي أختي، وأيضًا فهذا الجواب إنما يفيد لو كان الجبّار يريد أن يتزوّجها لا أن يغصِبّها نفسها، وقيل: أراد إبراهيم أنّه إن علم أنّك أمرتني ألزمني بالطلاق، ولا يشكل قوله: ليس على وجه الأرض مؤمن غيري وغيرك بلوط، وقد قال تعالى ﴿فآمن له لوط﴾ الآية، لأن مراده بالأرض التي وقع له فيها ذلك، ولم يكن لوط معه فيها، وقوله: فغط بضم المعجميّة. وحكى ابن التين: فتحها والصواب الضم حتى ركض برجله، يعني أنّه اختنق كأنّه مصروع، وفي رواية مسلم: فلمّا دخلت عليه لم يتمالك أن بسط يده إليها، فقبضت قبضة شديدة، ويمكن الجمع بأنّه عوقب تارة بقبض يده، وتارة بصرعه، ويجاب عن قولها إن كنت تعلم أنّها قاطعة بأنّه تعالى يعلم ذلك، بأنّها قالته على سبيل الفرض هضمًا لنفسها، وفيه إجابة الدعاء بإخلاص النية، وكفاية الرب، لمن أخلص بعمله الصالح، ونظيره قصّة أصحاب الغار، وابتلاء الصالحين لرفع درجاتهم، ويقال: إن اللَّه كشف لإبراهيم حتى رأى حال الملك مع سارة معاينة، وأنّه لم يصل منها إلى شيء ذكره في التيجان، ولفظه: فأمر بإدخال إبراهيم وسارة عليه ثم نحى إبراهيم إلى خارج القصر، وقام إلى سارة، فجعل الله القصر لإبراهيم، كالقارورة الصافية، فصار يراهما ويسمع كلامهما، انتهى. (وفي قصّة جريج،) بجيمين مصغر (الراهب،) روى أحمد عن أم سلمة: كان رجل يقال له جريج من بني إسرائيل تاجرًا، وكان ينقّص مرّة ويزيد أخرى، فقال: ما في هذه التجارة خير، لألتمسن تجارة هي خير من هذه، فبنى صومعة، وترهب فيها، الحديث. قال الحافظ: دلّ أنّه كان بعد عيسى ومن أتباعه، لأنّهم الذين ابتدعوا الترهب، وحبس النفس في الصوامع (أنّه قام، فتوضأ وصلّى) ركعتين، كما في حديث عمران، (ثم كلّم الغلام،) ٤ ) أن الوضوء لا يختصّ بهذه الأمّة خلافًا لزاعمه، روى الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة أنّ النبي عَّه قال: ((لم يتكلّم في المهد إلاّ ثلاثَة: عيسى، وكان في بني إسرائيل رجل يقال له جريج يصلّي، جاءته أمّه، فدعته، فقال: أجيبها، أو أصلّي؟، فقالت اللّهم لا تمته حتى تريه وجوه المومسات، وكان جريج في صومعته، فتعرّضت له امرأة، فكلّمته، فأبى، فأنت راعيًا، فأمكنته من نفسها فولدت غلامًا، فقالت: من جريج، فأتوه، فكسروا صومعته، فأنزلوه وسبّوه، فتوضّأُ وصلّى، ثم أتى الغلام، فقال من أبوك يا غلام؟، قال: الرّاعي، قالوا: نبني صومعتك من ذهب، قال: لا إلّ من طين ... الحديث. ٤٢٩ خصائص أمته ێ. فالظاهر أن الذي اختصت به هذه الأمة هو الغرة والتحجيل، لا أصل الوضوء. قال الحافظ: لم أقف في شيء من الطرق على اسم أم جريج، ولا على اسم الزانية، لكن في حديث عمر أنّها كانت بنت ملك القرية، ولأحمد: فذكر بنو إسرائيل عبادة جريج، فقالت: بغي منهم إن شئتم لأفتننه، قالو: قد شئنا فاتنة، فتعرّضت له، فلم يلتفت إليها، فأمكنت نفسها من راع كان يؤوي غنيمة إلى أصل صومعته، وله من وجه آخر، وكانت تأوي إلى صومعته راعية ترعى الغنم، وفي أخرى: كان عند صومعته راعي ضان، وراعي معز، ويمكن الجمع بين هذه الروايات، بأنّها خرجت من دار أبيها بغير علم أهلها متنكرة، وكانت تعمل الفساد إلى أن ادّعت أنّها تستطيع أن تفتن جريحًا، فاحتالت بأن خرجت في صورة راعية، ليمكنها أن تأوي إلى ظل صومعته لتتوصّل بذلك إلى فتنته، وفي رواية: أنّه طعن الغلام بأصبعه، فقال: باللَّه يا غلام من أبوك؟، قال: أنا ابن الرّاعي. وفي مرسل الحسن عند ابن المبارك؛ أنّه سألهم أن ينظروه، فأنظروه، فرأى في المنام من أمره أن يطعن في بطن المرأة، فيقول: أيّها السخلة من أبوك؟، ففعل، فقال: راعي الغنم. وفي رواية: ثم مسح رأس الصبي، فقال: من أبوك؟، قال: راعي الضان، ولأحمد: فوضع أصبعه على بطنها، وفي رواية: فأتى بالمرأة والصبي، وفمه في ثديها، فقال له جريج: يا غلام من أبوك؟، فنزع الغلام فاه من الثدي، وقال: أبي راعي الضان، وفي أخرى: فلمّا أدخل على ملكه، قال جريج: أين الصبي الذي ولدته؟، فأتى فقال له: من أبوك؟، فسمّى أباه، ولم أقف على اسم الزراعي، ويقال: اسمه صهيب. وأما الإبن، فللبخاري في أواخر الصلاة بلفظ، فقال: يا ناموس، وليس إسمه كما زعم الداودي، إنّما المراد به الصغير. وفي حديث عمران: ثم انتهى إلى شجرة، فأخذ منها غصنا، ثم الغلام، وهو في مهده فضربه بذلك الغصن، فقال: من أبوك؟، ولأبي الليث السمرقندني بلا إسناد، قال للمرأة: أين أصبتك؟، قالت: تحت شجرة، فقال: يا شجرة أسألك بالذي خلقك من زنى بهذه المرأة؟، فقال: كل غصن منها راعي الغنم، ويجمع بين هذا الإختلاف بوقوع جميع ما ذكر، بأنّه مسح رأس الصبي، ووضع أصبعه على بطن أمّه، وطعنه بإصبعه وضربه بطرف العصا التي كانت معه، وأبعد من جمع بينها بتعدد القصّة؛ وأنّه استنطقه، وهو في بطن أمه مرّة قبل أن تلد ثم بعد أن ولد، زاد في رواية: فوثبوا إلى جريج فجعلوا يقبّلونه، وفي أخرى: فأبرأ اللَّه جريجًا، وأعظم الناس أمره، انتهى ملخصًا، وحيث ثبت وضوء سارة وجريج وليسا نبيين. (فالظاهر أن الذي اختصّت به هذه الأمّة هو الغرّة والتحجيل،) زاد بعضهم أو التثليث أو الكيفية، أو مزيد الحث عليه، والمبالغة في التأكيد (لا أصل الوضوء)، وقول ابن بطال: يحتمل ٤٣٠ خصائص أمته علي وقد صرح بذلك في رواية لمسلم عن أبي هريرة مرفوعًا، قال: لكم سيما ليست لغيركم، أي: علامة. ومنها مجموع الصلوات الخمس، ولم تجمع لأحد غيرهم، أخرج الطحاوي عن عبيد الله بن محمد أن يكون جريج نبيًّا، فيكون معجزة لا كرامة، إنما هو احتمال لا تثبت به نبوّته، (وقد صرّح بذلك في رواية لمسلم عن أبي هريرة مرفوعًا) أن رسول اللَّه عَّه قال: ((إن حوضي أبعد من أيلة من عدن، لهو أشد بياضًا من الثلج، وأحلى من العسل باللبن، ولآنيته أكثر من عدد النجوم، وإني لأصد الناس عنه، كما يصد الرجل أيل الناس عن حوضه))، قالوا: يا رسول اللَّه أتعرفنا يومئذ؟، قال: ((نعم (لكم سيمًا،) بكسر، فسكون (ليست لغيركم،) لفظ مسلم: ((ليست لأحد من الأمم، تردون الحوض عليَّ غرًّا محجلين من أثر الوضوء))، هذا لفظ مسلم تامًّا في الوضوء، وأخرج نحوه من حديث حذيفة، وقوله سيمًا، (أي: علامة؛) كقوله تعالى: ﴿سيماهم في وجوههم من أثر السجود﴾ الآية، وهي نور وبياض يعرفون به في الآخرة أنّهم سجدوا في الدنيا، وقد قال صاحب المطامح: تعلق بحديث أنتم الغر المحجلون إلى آخره الداودي وغيره من ضعفاء النظر على أن الوضوء من خصائصنا، وهو غير قاطع؛ لاحتمال أن الخاص بنا الغرّة والتحجيل بقرينة خبر هذا وضوئي، ووضوء الأنبياء من قبلي، وقصره على الأنبياء دون أممهم بردّه أن الوضوء إذا كان معروفًا عند الأنبياء، فالأصل أنّه شرع ثابت لأممهم حتى يثبت خلافه، انتھی. وتعقّب بأن حديث: هذا وضوئي، ضعيف لا حجّة فيه، مع احتمال أن الوضوء من خصائص الأنبياء دون أممهم إلاّ هذه الأمّة على أنّه صرّح فيه بأنّ الوضوء للأمم المتقدّمة. روى الطبراني عن بريدة: دعا النبي عَّله بوضوء، فتوضأ واحدة واحدة، قال: ((هذا وضوء لا يقبل اللَّه الصلاة به إلاّ مرّتين)، وقال: ((هذا وضوء الأمم قبلكم)، ثم توضأ ثلاثًا ثلاثًا، وقال: (هذا وضوئي ووضوء الأنبياء قبلي)). (ومنها مجموع الصلوات الخمس) على هذه الكيفية، (ولم تجمع لأحد غيرهم) من الأنبياء والأمم، والحجة لذلك قوله عَّالِ: اتقوا اللَّه وصلّوا خمسكم))، رواه الترمذي وقال: حسن صحيح وابن حبّان والحاكم، فإضافتها) إليهم تعطي ذلك، ولا يعارضه قول جبريل في حديث المواقيت حين صلّى الخمس بالنبي عَّهِ، هذا وقتك ووقت الأنبياء قبلك، لأن المراد، كما قال الرافعي أنّه وقتهم إجمالاً، وإن اختصّ كل منهم بوقت فقد. (أخرج الطحاوي عن عبيد اللَّه) بضم العين، (ابن محمد) بن حفص بن عمر بن موسى بن عبد الله بن معمّر التيمي، ٤٣١ خصائص أمته عدن ابن عائشة قال: إن ءادم لما تيب عليه عند الفجر صلى ركعتين فصارت الصبح، وفدى إِسحق عند الظهر، فصلى أربع ركعات، فصارت الظهر، وبعث عزير عند العصر، فقيل له: كم لبثت قال: يومًا، فرأى الشمس فقال: أو بعض يوم فصلى أربع ركعات فصارت العصر، وغفر لداود عند المغرب، فقام يصلي أربع ركعان فجهد فجلس في الثالثة فصارت المغرب ثلاثًا. وأول من صلى العشاء الآخرة نبينا عَّهِ. ثقة، رمي بالقدر ولا يثبت، مات سنة ثمان وعشرين ومائتين، روى له أبو داود والترمذي والنسائي، ويقال له (ابن عائشة،) والعائشي، والعيشي، نسبة إلى عائشة بنت طلحة، لأنّه من ذرّيتها، (قال: إنّ ءادم لمّا تيب عليه عند الفجر صلّى ركعتين، فصارت الصبح،) فكان يصليها إلى أن مات، (وفدى إسحق عند الظهر) من الذبح، ففيه حجّة لقول الجمهور؛ أنّه الذبيح؛ كقوله عَّه: ((الذبيح إسحق)، رواه الدارقطني وغيره بإسناد جيد، ومر بسطه، وتسمح من قال بناء على أنّه الذبيح، والصحيح أنّه إسمعيل؛ لأن هذا إخبار عن بلاغ، فلا يبنى على خلاف العلماء، (فصلّى) إبراهيم (أربع ركعات،) سقط إبراهيم من قلم المصنّف أو نساخه مع أنّه في رواية الطحاوي: فأوهم سقوطه أن المصلّي إسحق وليس كذلك، (فصارت الظهر،؛ وبعث عزير) بالصرف ابن سروحا لما مرّ على فرية هي بيت المقدس، أو غيرهما راكبًا على حمار ومعه سلة تين وقدح عصير بعد ما خرّب القرية بختنصر، قال: إستعظامًا لقدرة اللَّه تعالى أتّى يحيي هذه اللَّه بعد موتها، فأماته اللَّه مائة عام، ثم بعثه: أحياه ليريه كيفية ذلك (عند العصر، فقيل له: كم لبثت؟،) مكثت هنا، (قال: لبثت يومًا، فرأى الشمس، فقال: أو بعض يوم٤) لأنّه نام أول النهار، فقبض وأحي أثناء نهار غيره فظنّ أنّه يوم النوم، (فصلّى أربع ركعات،) وقد اختلف أهل التفسير في المراد بقوله تعالى: ﴿أو كالذي مر على قرية﴾ الآية، فالمشهور أنّه عزير، وأخرجه الحاكم وغيره عن علي، والخطيب عن عبد الله بن سلام وعن ابن عباس، وقيل: كان نبيًا اسمه أرميًا، وقيل الخضر، وقيل: حزقيل، وقيل: هو كافر بالبعث، وقيل غير ذلك؛ إلاّ أن ما أفاده بقوله: (فصارت العصر) أنّها كانت له مخالف لما في شرح المسند للرّافعي أنّ العصر لسليمان (وغفر لداود) بن إيشاء، بكسر الهمزة، وسكون التحتيّة، ومعجمه ابن عوبد، بمهملة، وموحدة، بزنة جعفر ابن باعر، بموحدة، ومهملة مفتوحة، ابن سلمون بن يارب، بتحتيّة، وموحّدة، آخر ابن رام بن حضرون، بمهملة، ثم ابن فارض بفاء، وآخره مهملة، ابن يهود بن يعقوب، (عند المغرب، فقام يصلي أربع ركعات، فجهد) تعب، (فجلس في الثالثة، فصارت المغرب ثلاثًا)، وفيه مخالفة لنقل الرافعي أن المغرب ليعقوب، (وأول من صلّى العشاء الآخرة نبيّا عَّله)، فهي من خصائصنا، وعورض بما في شرح المسند أن ٤٣٢ خصائص أمته عند الي وأخرج أبو داود في سننه، وابن أبي شيبة في مصنفه والبيهقي في سننه عن معاذ بن جبل قال: أخر رسول الله عَّلله صلاة العتمة ليلة حتى ظن الظان أنه قد صلى. ثم خرج فقال: أعتموا بهذه الصلاة فإنكم فضلتم بها على سائر الأمم ولم تصلها أمة قبلكم. العشاء ليونس؛ لكن يؤيد خبر الطحاوي حديث معاذ، وهو المذكور بقوله: (وأخرج أبو داود في سنته) في الصلاة، (وابن أبي شيبة في مصنّفه، والبيهقي في سننه) بإسناد حسن، (عن معاذ بن جبل، قال: أخّر رسول اللَّه عَّاللّه صلاة العتمة،) أي: العشاء الآخرة (ليلة، حتى ظنّ الظان أنّه قد صلّى،) لفظ الرواية: حتى ظنّ الظان أنّه ليس بخارج، والقائل منا يقول قد صلّى، (ثم خرج) فقالوا له كما قالوا: كما في الحديث، أي: القول الذي قالوا قبل خروجه، (فقال: أعتموا،) بفتح الهمزة، وكسر الفوقيّة (بهذه الصلاة) صلاة العشاء: والباء للتعدية، أي: أدخلوها في العتمة، وهي ما بعد غيبوبة الشفق، أو للمصاحبة، أي: أدخلوا في العتمة متلبسين بها، قال البيضاوي: أعتم الرجل: دخل العتمة، وهي ظلمة الليل، أي: صلّوها بعدما دخلتم في الظلمة، وتحققتم سقوط الشفق، ولا تستعجلوا فيها، فتوقعوها قبل وقتها، وعليه فلا يدلّ، على أفضلية التأخير، ويحتمل أنّه من العتم الذي هو الإبطاء، يقال: أعتم الرجل إذا أخّر، انتهى، (فإنكم فضلّتم) بالبناء للمفعول (بها على سائر الأمم، ولم تصلها أُقّة قبلكم). وأورد الحافظ الولي العراقي ما المناسبة بين تأخيرها واختصاصها بنا دون سائر الأمم، حتى يجعل الثاني علّة للأول، وأجاب بأن المراد إذا أخّروها منتظرين خروج النبي عَّله كانوا في صلاة، وكتب لهم ثواب المصلّي، فقوله: فضلّتم بها يعارض رواية أن العشاء ليونس، ورواية ابن سعد: أنّ إبراهيم وإسماعيل آتيا منى، فصّيا بها الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء والصبح، وهو ظاهر قول جبريل: هذا وقتك ووقت الأنبياء من قبلك، وجمع الهروي وغيره بأن المصطفى أول من صلاّها مؤخرًا لها إلى ثلث الليل أو نحوه، أما الرسل فكانوا يصلّونها عند أول مغيب الشفق، ويدلّ لذلك، بل يصرح به قوله في أثر الطحاوي نفسه العشاء إلاّ آخره، وجمع البيضاوي في شرح المصابيح؛ بأنّ العشاء كانت تصليها الرسل نافلة لهم، ولم تكتب على أممهم كالتهجّد، وجب علی نبینا دوننا، انتهى. واحتجّ بحديث معاذ من قال: الأفضل تأخير العشاء، وإليه ذهب جمع شافعيّة ومالكيّة، والمعتمد في المذهبين تفضيل التقديم، وورد ما يدلّ على نسخ التأخير. روى أحمد والطبراني بسند حسن عن أبي بكرة، قال: أُخّر النبي عَ له العشاء تسع ليال إلى ثلث الليل، فقال له أبو بكر: يا رسول اللَّه لو أنّك عجّلت لكان أمثل لقيامنا من الليل، فعّل بعد ذلك. ٤٣٣ خصائص أمته عد اله ومنها الأذان والإقامة. ومنها البسملة، قال بعضهم فيما نقله الشيخ شهاب الدين الحلبي النحوي في تفسيره، قال: ولم ينزلها الله على أحد من الأمم قبلنا إلا على سليمان بن داود، فهي مما اختصت به هذه الأمة، انتهى. ومنها التأمين، روى الإمام أحمد من حديث عائشة: بينا أنا عند النبي عَ له. إذ استأذن رجل من اليهود، فذكر الحديث (ومنها الأذان والإقامة) للصلاة بدليل تحيرهم فيما يجتمعون به للصلاة، حتى رأى عبد الله بن زيد الرؤيا المشهورة كما تقدّم، ولا يعارضه ما روى عند الحاكم وابن عساكر، أنّ وادم لمّا نزل بالهند استوحش، فنزل جبريل فنادى بالأذان، لأن مشروعيته للصلاة هي الخصوصيّة، (ومنها البسملة،) أي قول: بسم الله الرحمن الرحيم، بهذه الألفاظ العربيّة على هذا الترتيب، وما روي أن ءادم لمّا أراد الخروج من الجنّة قالها، فقال له جبريل: لقد تكلّمت بكلمة عظيمة، قف ساعة، لعلّ أن يظهر من الغيب لطف لا يرد، لأنّها لم تنزل عليه، وإنّما ألهمها، ومحلّ الخصوصيّة نزولها على نبينا، وصارت لأمّته، كما (قال بعضهم فيما نقله الشيخ شهاب الدين،) أحمد بن يوسف بن عبد الدائم، (الحلبي النحوي،) نزيل القاهرة، الشهير ياسمين. قال الحافظ ابن حجر: تعالى النحو فمهر فيه، ولازم أبا حيان، إلى أن فاق أقرانه، وأخذ القراءات عن التقي الصائغ، ومهر فيها، وولّى تدريس القرءان بجامع ابن طولون، والإعادة بالشافعي، وناب في الحكم، وله تفسير القرءان، وإعراب القرءان، وشرح التسهيل، وشرح الشاطبية، مات في جمادى الآخرة، سنة ست وخمسين وسبعمائة (في تفسيره) وهو كبير في عدّة أجزاء غير إعراب القرءان له، كما علم، (ولم ينزلها اللَّه على) نبي، (أحد من الأمم قبلنا إلاّ على سليلمن بن داود،) وما شرع لنبي شرع لأمته، فالمراد بقوله: (فهي مما اختصت به هذه الأمّة) أي: نزر لها قراءنًا يتلى. وأمّا بالنسبة لسليمن فلعلّه التبرك بها كذا قال: شيخنا، وأحسن منه قول بعض المحققين: الأصح أنّها بهذه الألفاظ العربيّة على هذا الترتيب من خصائص المصطفى وأمته، وما في سورة النمل جاء على جهة الترجمة عمّا في الكتاب، لأنّه لم يكن عربيًا، (انتهى). نقله الشهاب الحلبي، وقد روى الطبراني بريدة، رفعه: (أنزل علي آية لم تنزل على نبي بعد سليمن غيري: بسم اللَّه الرحمَّن الرحيم)، (ومنها التأمين) عقب الفاتحة، للمأموم على ما يفهمه قوله خلف الإمام، (وروى الإمام أحمد من حديث عائشة: بينما أنا عند النبي عَّه إذ استأذن رجل من اليهود، فذكر الحديث،) وهو فأذن له، فقال: السلام عليك، فقال النبي: و((علیك))، ٤٣٤ خصائص أمته عند الله وفيه: أن النبي عَِّ قال: إنهم لم يحسدونا على شىء كما حسدنا على الجمعة التي هدانا الله لها وضلوا عنها، قالت فهممت أن أتكلّم، ثم دخل الثانية، فقال: مثل ذلك، فقال النبي عَّه، ثم دخل الثالثة، فقال: السام عليك، قالت: قلت، بل السام عليكم، وغضب الله إخوان القردة والخنازير، أتحيون رسول اللَّه بما لم يحنّه به اللَّه، فنظر إليَّ، فقال: ((مه إن اللَّه لا يحب الفحش ولا التفحش، قالوا قولاً فرددناه عليهم، فلم يضرنا شيئًا ولزمهم إلى يوم القيامة))، (وفيه) عقب هذا (أنّ النبي عَّ قال إنهم لن يحسدونا،) كذا في النسخ، وفي مسند أحمد لا يحسدونا، فلعلّه حذف نون الرفع تخفيفًا، وقد اختلف في أن لا تخلص الفعل للإستقبال أم لا (على شيء، كما حسدونا على الجمعة التي هدانا الله لها،) بأن نصّ لنا عليها أو بالإجتهاد، ويشهد له أثر ابن سيرين في جمع أهل المدينة قبل قدوم النبي ◌َّهِ، فإنّه يدل على أنّ أولئك الصحابة اختاروا يوم الجمعة بالإجتهاد، ولا يمنع ذلك أنّه عَِّ علمه بالوحي بمكّة، فلم يتمكّن من إقامتها، وقد جاء بذلك حديث ابن عبّاس عند الدارقطني، ولذا جمع بهم أول ما قدم المدينة، كما ذكر ابن إسحق وغيره، فحصلت الهداية بجهتي البيان والتوفيق، قاله الحافظ، ملخصًا وأسقط من الحديث هنا قوله: وضّوا عنها، أي: لأنّه فرض عليهم يوم من الجمعة يقيمون فيه شريعتهم، ووكّل إلي اختيارهم، فاختلفوا فيَّ، أي: الأيام، وهو لم يهتد، واليوم الجمعة، قاله ابن بطال، وقوّاه عياض، ورجّح الحافظ أنّه فرض عليهم يوم الجمعة بعينه، فاختاروا السبت. فقد روى ابن أبي حاتم عن السدي: أنّ اللَّه فرض على اليهود الجمعة، فأبوا وقالوا: يا موسى إنّ اللَّه لم يخلق يوم السبت شيئًا، فاجعله لنا، فجعل عليهم، وليس هذا بعجيب من مخالفتهم كما وقع لهم في قوله تعالى: ﴿ادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة﴾ الآية، وغير ذلك، وهم القائلون: سمعنا وعصينا، وأسقط أيضًا من الحديث قوله: وعلى القبلة التي هدانا اللَّه لها، أي: بصريح البيان بالأمر المكرر، أوّلاً لبيان تساوي حكم السفر وغيره، وثانيًا للتأكيد، (وضّوا عنها،) لأنّهم لم يؤمروا باستقبال الصخرة، بل كان عن مشورة منهم، كما عند أبي داود عن خالد بن يزيد بن مطوية، وعنده أيضًا أنّ يهوديًا خاصم أبا العالية في القبلة، فقال أبو العالية: كان موسى يصلّي عند الصخرة، ويستقبل البيت الحرام، وكانت الكعبة قبلته، وكانت الصخرة بين یدیه. وقال اليهودي: بيني وبينك مسجد صلح النبي عليه السلام، فقال أبو العالية: فإني صلّيت في مسجد صلح وقبلته إلى الكعبة، وفي مسجد ذي القرنين وقبلته إليها. وفي البغوي في قوله تعالى: ﴿واجعلوا بيوتكم قبلة﴾ الآية، روى ابن جريج عن ابن ٤٣٥ خصائص أمته . وعلى قولنا خلف الإمام آمين. قال الحافظ ابن حجر: وهذا حديث غريب لا أعرفه بهذه الألفاظ إلا من هذا الوجه، لكن لبعضه متابع حسن في التأمين، عباس، قال: کانت الكعبة قبلة موسی ومن معه، انتھی. وقد رجّح الحافظ العلائي: أنّ الكعبة قبلة الأنبياء كلّهم، كما دلّت عليه الآثار، قال بعضهم: وهو الأصح، واختار ابن العربي وتلميذه السهيلي: إن قبلة الأنبياء بيت المقدس، قال بعضهم، وهو الصحيح المعروف، فعد صاحب الأنموذج من خصائص المصطفى وأمّته: استقبال الكعبة إنما هو على أحد قولين مرّحين، نعم ذكر فيما اختصّ به على جميع الأنبياء والمرسلين الجمع له بين القبلتين، (وعلى قولنا خلف الإمام آمين)) فإنّها مختصّة بنا بقيد الخلفيّة في الصلاة، وكذا عقب الدعاء، لكن شارك لهرون في ذلك كما روى الحرث بن أسامة، وابن مردويه، عن أنس مرفوعًا: ((أعطيت ثلاث خصال: أُعطيت الصلاة في الصفوف، وأعطيت السلام، وهو تحيّة أهل الجنّة، وأُعطيت آمين، ولم يعطها أحد ممن كان قبلكم، إلاّ أن يكون اللَّه أعطاها نبيّه لهرون، فإن موسى كان يدعو اللَّه ويؤمن)، أي: أُعطي الخصلة الثالثة، فإنّه كان يؤمن على دعاء موسى، كما قال تعالى: ﴿قد أجيبت دعوتكما﴾ الآية، وفي أول الآية، وقال موسى: ربنا، فدلّ على أنّه الدّاعي، ولهرون يؤمن، فسمّاه داعيًا، لأنّه لتأمينه عليه مشارك له. وفي مسند الفردوس، مرفوعًا: ((الدّاعي والمؤمن في الأجر شريكان))، فعلم أن الخصلتين الأوليين من خصوصيات هذه الأمّة مطلقًا، وكذا الثالثة بالنسبة لغير لهرون في غير الصلاة. (قال الحافظ ابن حجر: وهذا حديث غريب لا أعرفه بهذه الألفاظ إلاّ من هذا الوجه،) وقال شيخه الزين العراقي: دخول اليهودي عليه ثلاثًا، واستئذانه وما بعده الألفاظ لم أره في شيء منها، أي: الأحاديث غير هذا، (لكن لبعضه متابع،) بكسر الباء، أي: عليه، (حسن في التامين،) متعلّق بمتابع بيان لبعضه، أي: دون الجمعة والقبلة، (أخرجه ابن ماجه، وصححه ابن خزيمة، كلاهما من رواية سهيل) بالتصغير، (ابن أبي صالح)، ذكوان المدني، أبي يزيد، صدوق، تغير حفظه بآخرة. وروى له الستة، إلاّ أن البخاري روى له مقرونًا، وتعليقًا (عن أبيه) ذكوان السمّان الزيّات المدني، تابعي، ثقة، ثبت، كان يجلب الزيت إلى الكوفة، مات سنة إحدى ومائة. (عن عائشة عن النبي ◌َّ، قال: ما حسدتنا اليهود على شيء ما حسدتنا،) أي: مثل حسدهم، أو مثل الذي حسدتنا (على السلام) عند التلاقي، ففيه دلالة علي أنّه مختصّ بنا دونهم، (والتأمين) أي: ختم القارىء قراءته في الصلاة وغيرها، بقول: آمين أو الدّاعي دعاء بلفظ ٤٣٦: خصائص أمته مد نية أخرجه ابن ماجه وصححه ابن خزيمة كلاهما من رواية سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن عائشة عن النبي عَّه قال: ((ما حسدتنا اليهود على شىء ما حسدتنا على السلام والتأمين)). ومنها الاختصاص بالركوع، عن علي رضي الله عنه قال: أول صلاة ركعنا فيها العصر، فقلت: يا رسول الله، ما هذا؟ قال: ((بهذا أمرت)). رواه البزار والطبراني في الأوسط. ووجه الاستدلال منه أنه عليه السلام صلى قبل ذلك الظهر، وصلى قبل فرض الصلوات الخمس قيام الليل، فكون الصلاة السابقة بلا ركوع قرينة لخلو صلاة الأمم السابقة منه. قاله بعض العلماء. قال: وذكر جماعة من المفسرين في قوله تعالى: ﴿واركعوا مع الراكعين﴾ [البقرة/٤٣] أن مشروعية الركوع في الصلاة خاص بهذه الأمة، وأنه لا ركوع في صلاة بني إسرائيل، ولذا أمرهم بالركوع آمين، لكن خصّ من هذا هرون كما روى ابن ماجه بإسناد ضعيف عن ابن عبّاس رفعه: (ما حسدتكم اليهود على شيء ما حسدتكم على آمين، فأكثروا من قول آمين)) (ومنها،) أي: خصائص الأمّة (الإختصاص بالركوع) في الصلاة، وكأنّه زاد الإختصاص زيادة تأكيد، لأنّ فيه نزاعًا، وميله للإختصاص، وإلاّ فالكلام فيه وأيضًا ضمير منها عائد له، (عن على رضي اللَّه عنه، قال: أوّل صلاة ركعنا فيها العصر، فقلت: يا رسول الله ما هذا؟،) الفعل الذي لم نعرفه قبل، (قال: ((بهذا أمرت))، رواه البزار والطبراني في) معجمه (الأوسط،) الذي ألّفه في غرائب شيوخه، كان يقول هذا الكتاب روحي؛ لأنّه تعب عليه، (ووجّه الإستدلال منه؛ أنّه عليه السلام صلّى قبل ذلك الظهر،) فالصلاة التي ركع فيها هي عصر صبيحة الإسراء، (وصلّى قبل فرض الصلوات الخمس قيام الليل)، وكذا غيره مما كان يصلّيه نهارًا، (فكون) أي: وجود (الصلاة السابقة بلا ركوع قرينة لخلو صلاة الأمم السابقة منه،) بناء على أن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد ناسخ، ويمكن بناؤه على القول الآخر، وتقدّر القرينة بأنه لو كان في صلاة الأمم السابقة ركوع لكان النبي عَّه أولى بأنّه لا يصلّي بدونه صلاة واحدة، لئلا تكون صلاة غيره أتم من صلاته، (قاله بعض العلماء)،) يعني الجلال السيوطي، كما يعلم من الشاميّة. (قال: وذكر جماعة من المفسرين في قوله تعالى) لبني إسرائيل: (﴿واركعوا مع الرّاكعين﴾ الآية، أن مشروعيّة الركوع في الصلاة خاص بهذه الأمّة، وأنّه ركوع في صلاة بني إسرائيل، ولذا أمرهم بالركوع) إظهارًا في محلّ الإضمار، زيادة في البيان، (مع أُمّة ٤٣٧ خصائص أمته عند ليه صَلى الله مع أمة محمد عد له. وهذا يعارضه قوله تعالى: ﴿يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين﴾ [آل عمران/٤٣]، المفسر بأمرت بالصلاة في الجماعة بذكر أركانها مبالغة في المحافظة عليها. قالوا: وقدم السجود قبل الركوع إما لكونه كذلك في شريعتهم، أو للتنبيه على أن ((الواو)) لا توجب الترتيب. وقيل: المراد بالقنوت إدامة الطاعة، لقوله تعالى: ﴿أمن هو قانت آناء الليل ساجدًا وقائمًا﴾ [الزمر/ ٩] وبالسجود الصلاة والركوع الخشوع والإخبات الخضوع. ومنها الصفوف في الصلاة، كصفوف الملائكة، محمد عَّله) إذ لو كان في صلاتهم لم يحسن أمرهم به مع قوله قبله: ﴿وأقيموا الصلاة﴾ الآية، (وهذا يعارضه قوله تعالى: ﴿يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين﴾ الآية، المفتر) صفة، أي: إنما يعارضه على تفسيره (بأمرت بالصلاة في الجماعة، بذكر أركانها) من سجود وركوع (مبالغة في المحافظة عليها،) ومريم من بني إسرائيل، فهو ظاهر في أن الركوع ليس من خواص هذه الأمّة، (قالوا: وقدّم السجود على الركوع، إما لكونه كذلك في شريعتهم،) أي: بني إسرائيل، (أو للتنبيه على أن الواو لا توجب الترتيب،) بل مجرّد العطف، وكلا الجوابين تقوية للمعارضة لا دفع لها؛ كما هو ظاهر، وأجيب عن المعارضة بأن المراد به مريم ليس كذلك، بدليل ما بعده على أن المعارضة إنما تتم لو كان المفسر بهذا هم الجماعة المتقدّمون، إما إن كانوا غيرهم فلا، لأنّه مقابل أولئك ومثبت الخصوصيّة معترف بذلك بقوله: ذكر جماعة من المفسرين. (وقيل: المراد بالقنوت إدامة الطاعة لقوله تعالى: ﴿أمن﴾) بتخفيف الميم (﴿هو قانت﴾): قائم بوظائف الطاعات (﴿آناء الليل﴾ الآية)، ساعاته، (﴿ساجداً وقائماً﴾)، يحذّر الآخرة، ويرجو رحمة ربّه، أي: كمن هو عاص بالكفر وغيره، وفي قراءة (أم من)، بمعنى بل والهمزة، (وبالسجود الصلاة،) تسمية للكل بإسم البعض، (والركوع الخشوع،) لا مقابل السجود، فلا معارضة على هذا التفسير أصلاً، (والإخبات،) عطف تفسير قال البيضاوي: وأخبتوا إلى ربهم: اطمأنوا إليه وخشعوا له من الخبت، وهي الأرض المطمئنّة. (ومنها الصفوف في الصلاة كصفوف الملائكة) أي: التراص وإتمام الأول فالأول، ٤٣٨ خصائص أمته عـ رواه مسلم من حديث حذيفة. ومنها تحية الإسلام لحديث عائشة السابق. وكانت الأمم السابقة يصلون منفردين، وكل واحد على حدة، قال بعضهم: وحكمة الأمر بتسوية الصفوف، أن المصلين دعوا إلى حالة واحدة مع الحق، وهي الصلاة، فساوى في هذه الدعوة بين عباده، فلتكن صفتهم فيها إذا أقبلوا إلى ما دعاهم إليه تسوية الصفوف لأن الدّاعي إنما دعاهم ليناجيهم من حيث أنّهم جماعة على السواء، لا يختصّ واحد عنهم دون آخر، فلا يتأخر واحد عن الصف، ولا يتقدّم بشيء من بدنه یؤدي إلی اعوجاجه. وقال ابن العربي: شرعت الصفوف في الصلاة ليتذكر الإنسان بها وقوفه بين يدي الله يوم القيامة في ذلك المواطن المهول، والشفعاء من الأنبياء والملائكة والمؤمنين بمنزلة الأئمة في الصلاة يتقدمون الصفوف، وصفوفهم في الصلاة كصفوف الملائكة عند ربها، وقد أمرنا بذلك، وإن كانت الملائكة لا يلزم من خلل صفوفها لو اتفق أن يدخلها خلل كصفوفنا، إذ السماء ليست محلاً لدخول الشياطين، وإنما تتراص الملائكة لتناسب الأنوار حتى يتصل بعضها ببعض، فتنزل متصلة إلى صفوف المصلين، فتعمهم تلك الأنوار، فإن كان فيها خلل ودخلت فيه الشياطين أحرقتهم تلك الأنوار، (رواه مسلم من حديث حذيفة) بن اليمان عن النبي عَ ◌ّه، قال: ((فضّلنا على الناس بثلاث، جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة)) الحديث، وتقدّم بتمامه أول مبحث الخصائص، فيستحب انضمام بعض المصلين إلى بعض، بحيث لا يبقى بينهم فرجة ولا خلل، كأنّهم بنيان مرصوص، فإن الشيطان إبليس، أو أعم إذا رأى فرجة دخلها، كما في الحدیث. وقال عَّهِ: (من وصل صفًا وصله اللَّه، ومن قطع صفًا قطعه اللَّه))، رواه النسائي، وصححه الحاكم على شرط مسلم، أي: وصله برحمته، ورفع درجته، وقطعه بإبعاده عن ذلك وعن الثواب، فالجزاء من جنس العمل. (ومنها تحيّة الإسلام،) أي: السلام عند التلاقي؛ لأنّه فتح باب المودة وتأليف للقلوب، مؤد لكمال الإيمان، وفي مسلم عن أبي هريرة، مرفوعًا: ((لا تدخلوا الجنّة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا، ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحابيتم، أفشوا السلام بينكم))؛ (لحديث عائشة السابق) قريبًا عن النبي عَ له: (ما حسدتنا اليهود على شيء ما حسدتنا على السلام والتامين)، ففيه أنّه شرع لنا دونهم، وفي مسلم عن أبي ذر في قصّة إسلامه: ((وكنت أول من حيّاه بتحيّة الإسلام، فقال: وعليك السلام ورحمة اللَّه)، للطبراني والبيهقي عن أبي أمامة، رفعه: (إنّ اللَّه جعل السلام تحيّة لأهل ملتنا، وأمانا لأهل ذمّتنا))، ولأبي داود عن عمران بن حصين: كنّا نقول ٤٣٩ خصائص أمته عليه. ومنها الجمعة، قال عَ له: ((نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، بيد في الجاهليّة أنعم اللَّه بك عينًا وأنعم صباحًا، فلما جاء الإسلام نهينا عن ذلك. ورجاله ثقات، لكنّه منقطع. وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل بن حبّان، قال: كانوا يقولون في الجاهليّة: حييت مساء، حييث صباحًا، فغير اللَّه ذلك بالسلام، ففي هذا كلّه أنّه خاص بهذه الأمّة دون من تقدّمهم، لكن عورض بحديث الصحيحين عن أبي هريرة رفعه: ((خلق اللَّه عادم على صورته، وطوله ستون ذراعًا، ثم قال له: إذهب، فسلّم على أولئك النفر لنفر من الملائكة، فاسمع مما يحيونك فإنّها تحيتك وتحية ذريتك، فذهب فقال: السلام عليكم، فقالوا: السلام عليك ورحمة اللَّه فزادوه ورحمة اللَّه)) الحديث. قال القرطبي: فيه دليل على تأكد السلام، وأنّه من الشرائع القديمة التي كلّف بها عادم، ثم لم ينسخ في شريعة، انتهى، وجمع بأن المراد بالذريّة بعضهم، وهم المسلمون، أو المراد تحيّة ذرّيته من جهة الشرع، وكلاهما تعسّف، وقد ذكر المعارضة في الفتح وما تنزل للجمع. (ومنها الجمعة،) بضم الميم على المشهور، وقد تسكن، وقرأ بها الأعمش، وحكى الواحدي عن الفراء فتحها، وحكى الزجاج الكسر أيضًا، سمي بذلك مع الإتفاق على أنّه كان يسمى في الجاهليّة العروبة، بفتح المهملة، وضم الراء، وبالموحدة، لأن خلق ادم جمع فيه أصح الأقوال. (قال عَّ: ((نحن الآخرون) زمانًا، (السابقون،) أي: الأولون منزلة (يوم القيامة)))) والمراد أن هذه الأمّة وإن تأخر وجودها في الدنيا عن الأمم الماضية، فهي سابقة لهم في الآخرة؛ بأنّهم أول من يحشر، وأول من يحاسب، وأوّل من يقضى بينهم، وأوّل من يدخل الجنّة. وفي حديث حذيفة عند مسلم: ((نحن الآخرون من أهل الدنيا، والأولون يوم القيامة، المقضي لهم قبل الخلائق))، وقيل: المراد بالسبق هنا فضيلة، اليوم السابق بالفضل وهو يوم الجمعة، وإن سبق بسبب قبله، لكن لا يتصوّر اجتماع الأيام الثلاثة متوالية إلّ ويكون يوم الجمعة سابقًا، وقيل: المراد بالسبق إلى القبول والطاعة التي حرمها أهل الكتاب، فقالو: سمعنا وعصينا. قال الحافظ: والأول أقوى. (بید،) بموحدة، فتحتیة سا کنة مثل غیر وزنًا ومعنى، وبه جزم خلیل والكسائي، ورجحه ابن سیده، وقال الشافعي: معنى بيد من أجل، واستبعده عيّاض، ولا بعد فيه، إذ المعنى إنّا سبقنا بالفضل، مع تأخرنا في الزمان، بسبب أنّهم ضلّوا عنها مع تقدّمهم، ويشهد له ما وقع في فوائد ابن المقري بلفظ نحن الآخرون في الدنيا، ونحن أول من يدخل الجنة، لأنّهم أتوا الكتاب من قبلنا. ٤٤٠ خصائص أمته عد اله أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، ثم هذا يومهم الذي فرض الله عليهم فاختلفوا فيه وفي الموطأ رواية سعيد بن عقير عن ملك، بلفظ: ((ذلك أنّهم أوتوا الكتاب))، وقال الداودي: هي بمعنى على أو مع، قال القرطبي: إن كانت بمعنى غير، فنصب على الإستثناء، وإن كانت بمعنى مع فنصب على الظرف، وقال الطبري: هي للإستثناء، وهو من تأكيد المدح بما يشبه الذم، والمعنى: نحن السابقون للفضل، غير (أنّهم أوتوا الكتاب من قبلنا،) أي: التوراة والإنجيل، فاللام للجنس، قال: ووجه التأكيد فيه ما أدمج فيه من معنى النسخ، لأن الناسخ هو السابق في الفضل وإن تأخر في الوجود، وبهذا التقرير يظهر قوله: نحن الآخرون مع كونه أمرًا واضحًا. وقال القرطبي: المراد بالكتاب التوراة، وفيه نظر لقوله: وأوتينا من بعدهم، فأعاد الضمير على الكتاب، فلو كان المراد التوراة لما صحّ الإخبار، ولأنّا إنّما أوتينا القرءان، وسقط من الأصل، وأوتيناه من بعدهم، وهي ثانية في رواية أبي زرعة الدمشقي عن أبي اليمان، شيخ البخاري، فيه أخرجه الطبراني في مسند الشاميين، وكذا المسلم من طريق ابن عيينة عن أبي الزناد، وذكره البخاري تامًا بعد أبواب من وجه آخر، عن أبي هريرة: (ثم هذا يومهم الذي فرض الله عليهم،) كذا للحموي، ورواه الأكثر بإسقاط الجلالة، أي: فرض تعظيمه، وأشير إليه بهذا، لكونه ذكر في أول الكلام عند مسلمٍ من طريق آخر عن أبي هريرة، ومن حديث حذيفة، قال: قال رسول اللَّه عَ لَّهِ: ((أضلّ اللَّه عن الجمعة من كان قبلنا)). قال ابن بطال: ليس المراد أن يوم الجمعة فرض عليهم بعينه، فتركوه لأنّه لا يجوز لأحد ترك ما فرض عليه وهو مؤمن، وإنما يدلّ، واللَّه أعلم أنّه فرض عليهم يوم من الجمعة، وكل إلى اختيارهم ليقيموا فيه شريعتهم، فاختلفوا في أي الأيام هو، ولم يهتدوا ليوم الجمعة، ومال عياض إلى هذا، ورشّحه بأنه فرض عليهم بعينه، لقيل: فخالفوا بدل (فاختلفوا فيه،) وقال النووي: يمكن أنّهم أمروا به صريحًا، فاختلفوا هل يلزم بعينه، أم يسوغ إبداله بيوم آخر، فاجتهدوا في ذلك، فأخطؤا انتهى، ويشهد له ما رواه الطبري بإسناد صحيح، عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿إنّما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه﴾ الآية، قال: أرادوا الجمعة فأخطؤا وأخذوا السبت مكانه ويحتمل أن يراد بالإختلاف إختلاف اليهود والنصارى في ذلك، وقد روى ابن أبي حاتم عن السدى التصريح بأنّه فرض عليهم يوم الجمعة بعينه فأبوا، ولفظه: أن اللَّه فرض على اليهود الجمعة فأبواء وقالوا: يا موسى إن اللَّه لم يخلق يوم السبت شيئًا فاجعله لنا، فجعل عليهم، وليس ذلك بعجيب من مخالفتهم، كما وقع لهم في قوله تعالى: ﴿ادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة﴾ الآية، وغير ذلك، وكيف لا وهم القائلون: سمعنا وعصينا، قاله في فتح الباري. قال المصنّف: ويشهد له بقوله: هذا يومهم الذي فرض عليهم، فإنّه ظاهر، أو نصّ في