Indexed OCR Text

Pages 301-320

٣٠١
الفصل الرابع ما اختصّ به عَّة من الفضائل والكرامات
وقال في فتح الباري - بعد أن ذكر كلام ابن أبي جمرة -: وهذا مشكل
جدًا، ولو حمل على ظاهره لكان هؤلاء صحابة، ولأمكن بقاء الصحبة إلى يوم
القيامة.
وللشيخ مسلم شيخ الطائفة المسلمية:
فمن يدعي في هذه الدار أنه يرى المصطفى حقًّا فقد فاه مشتطا
ولكن بين النوم واليقظة التي تباشر هذا الأمر مرتبة وسطا
وقد جعل القاضي أبو بكر بن العربي القول بأن الرؤيا في المنام بعين الرأس
غلوًا وحماقة، ثم حكى ما نسب لبعض المتكلمين، وهو القول بأنها مدركة بعينين
في القلب، وأنه ضرب من المجاز، انتهى.
فلا يمتنع من الخواص، أرباب القلوب القائمين بالمراقبة والتوجه على قدم
الخوف، بحيث لا يسكنون لشىء مما يقع لهم من الكرامات، فضلاً عن التحدث
بها لغير ضرورة، مع السعي في التخلص من
فجعله شاذًّا، لا يعتدّ به لعدم إمكانه عنده.
(وقال في فتح الباري بعد أن ذكر كلام ابن أبي جمرة) المتقدّم قريبًا: (وهذا مشكل
جدًا، ولو حمل على ظاهره لكان هؤلاء صحابة، ولأمكن بقاء الصحبة إلى يوم القيامة،)
وأجيب بأن شرط الصحبة رؤيته على الوجه المتعارف قبل موته عليهٍ لا بعده، وإن كان حيًّا في
قبره، وهذه خوارق، والخوارق لا تنقض لأجلها القواعد، (وللشيخ مسلم شيخ الطائفة
المسلمية:
(فمن يدعى في هذه الدار أنه يرى المصطفى حقًّا فقد فاه مشتطا)
(ولكن بين النوم واليقظة التي تباشر هذا الأمر مرتبة وسطى)
(وقد جعل القاضي أبو بكر بن العربي القول بأن الرؤيا في المنام بعين الرأس غلوًّا) تجاوز
حدّ (وحماقة:) قّة عقل، (ثم حكى ما نسب لبعض المتكلّمين، وهو القول بأنها مدركة بعينين
في القلب، وأنه ضرب من المجاز، انتهى،) فإذا قيل ذلك في رؤيا المنام، فما بالك برؤية
اليقظة؟، (فلا يمتنع،) سيأتي فاعله في قوله: أن يتمثّل (من الخواص أرباب القلوب) النيرة
السليمة من الأغيار، (القائمين بالمراقبة) للَّه في أقوالهم وأفعالهم، (والتوجّه على قدم الخوف،
بحيث لا يسكنون،) أي: لا يركنون (لشىء ممّا يقع لهم من الكرامات) بحيث يعوّلون عليها،
ويرون أن لهم مقامًا، (فضلاً عن التحدّث بها لغير ضرورة، مع السعي في التخلّص من

٣٠٢
الفصل الرابع ما اختصّ به عَّهِ من الفضائل والكرامات
المكدرات، والإعراض عن الدنيا وأهلها جملة، وكون الواحد منهم يود أن يخرج
من أهله وماله، وأنه يرى النبي عَِّ، كالشيخ عبد القادر الكيلاني: أن يتمثل
صورته عَّ في خاطره ويتصور في عالم سره أنه يكلمه، بشرط استقرار ذلك
وعدم اضطرابه، فإن تزلزل أو اضطرب كان لمة من الشيطان، وليس ذلك خادشًا
في علو مناصبهم لعدم عصمة غير الأنبياء.
فقد قال العلامة التاج ابن السبكي في جمع الجوامع - تبعًا لغيره: وإن
الإلهام ليس بحجة لعدم ثقة من ليس معصومًا بخواطره، وحينئذٍ فمن قال - ممن
حكينا عنه أو غيره - بأن المرئي هو المثال، لا يمتنع حمله على هذا، بل حمل
كل من أطلق عليه هو اللائق. وقريب منه قوله عَّه: إني رأيت الجنة والنار مع
مزيد استبعاد هناك أن يكون المراد بالرؤية رؤية العلم.
ويحكى عن الشيخ أبي العباس المرسي أنه قال: لو حجب عني
...
المكدرات والإعراض عن الدنيا وأهلها جملة، وكون الواحد منهم يودّ أنه يخرج من أهله
وماله) مع عزّتهما على البشر، (وأنه يرى النبيّ ◌َّ كالشيخ عبد القادر الكيلاني أن يتمثّل
صورته معَّهِ في خاطره، ويتصوّر في عالم سرّه أنه يكلّمه بشرط استقرار ذلك وعدم اضطرابه،
فإن تزلزل أو اضطرب كان لمّة) مصدر محذوف: الزوائد من ألم إلمامًا (من الشّيطان وليس ذلك
خادشًا في علوّ مناصبهم:) مقاماتهم (لعدم) وجوب (عصمة غير الأنبياء) والملائكة، وإنما هي
حائرة للغير، (فقد قال العلامة التاج ابن السبكي في جمع الجوامع) في الباب الخامس (تبعًا
لغيره، وإن الإلهام) لفظه مسألة الإلهام: إيقاع شىء في القلب يثلج له الصّدر، يخصّ اللَّه به بعض
أصفيائه، و(ليس بحجّة لعدم ثقة من ليس معصومًا بخواطره) لأنه لا يأمن من دسيسة الشيطان
فيها خلافًا لبعض الصوفيّة في قوله: إنه حجّة في حقّه.
أمّا المعصوم كالنبيّ عَّهِ، فهو حجّة في حقّه وحق غيره إذا تعلّق بهم كالوحي، (وحينئذ
فمن قال ممن حكينا عنه أو غيره بأن المرئي هو المثال لا يمتنع حمله على هذا) الذي قلناه
أن يتمثّل صورته في خاطره ... الخ، لا حقيقة الرؤية، (بل حمل كل من أطلق،) أنه رآه حقيقة
(عليه) أي: على هذا التأويل (هو اللائق، وقريب منه قوله عَّه) في حديث صلاة الكسوف:
((إني رأيت الجنّة والنار))، مع مزيد استبعاد هناك)) أي: في هذا الحديث (أن يكون المراد
بالرؤية رؤية العلم) لبعده من لفظه، وهو قوله عز له: ((ما من شيء لم أكن رؤيته إلا رأيته في مقامي
هذا، حتى الجنّة والنار)) الحديث في الصحيحين.
(ويحكى عن الشيخ أبي العباس المرسي، أنّه قال) مرّة: (لو حجب عنّي

٣٠٣
الفصل الرابع ما اختص به عَّه من الفضائل والكرامات
رسول الله عَ له طرفة عين ما عددت نفسي من المسلمين.
وعلى هذا فيكون معنى ((فسيراني في اليقظة)) أي يتصور مشاهدتي وينزل
نفسه حاضرًا معي بحيث لا يخرج عن آدابه وسنته معَ ◌ّه بل يسلك منهاجه ويمشي
على شريعته وطريقته. ومنه قوله عليه الصلاة والسلام في الإحسان: أن تعبد الله
كأنك تراه ويحمل العموم في ((من رآني)) على الموقفين، وإليه يشير قول بعض
المعتمدين: أي من رآني رؤية معظم لحرمتي ومشتاق لمشاهدتي وصل إلى رؤية
محبوبه وظفر بكل مطلوبه.
وقريب منه قول شارح المصابيح: أو أنه يراه في الدنيا حالة الذوق
والانسلاخ عن العوائق الجسمانية، كما نقل ذلك عن بعض الصالحين أنه رآه في
حالة الذوق
رسول اللَّه عَّ طرفة عين ما عددت نفسي من المسلمين) الكاملين؛ لدلالة الحجب على
تقصيري، (وعلى هذا، فيكون معنى) قوله: ((فسيراني في اليقظة))، أي: يتصور مشاهدتي،
وينزل نفسه حاضرًا معي،) لا مجرّد تصوّر، وتنزيل بل (بحيث لا يخرج عن آدابه وسنته عليه،
بل يسلك منهاجه:) طريقه، (ويمشي على شريعته وطريقته، ومنه قوله عليه الصّلاة والسّلام
في الإحسان) الإخلاص، أو إجادة الفعل جوابًا لسؤال جبريل: ((أن تعبد اللَّه، كأنك تراه) بعين
إيمانك، مطّلعًا على جميع أحوالك، حتى كأنك تشاهده عيانًا، فلا تنحرف عن الطّريق الذي
نهجه الشرع، وأدّى إليه طريق المعرفة، وهذا من جوامع الكلم لجمعه مع الإيجاز بيان المراقبة
في كل حال، وهو الإخلاص في جميع الأعمال، والحثّ عليه، بحيث لو فرض أنه عاينه، لم
يترك شيئًا من ممكنه، (ويحمل العموم في) قوله: ((من رآني)) على الموقفين،) لا عموم
الناس، ويكفي في صدق العام عمومه في فرد، (وإليه يشير قول بعض المعتمدين،) وهو الشيخ
أبو العباس القرطبي في المفهم في قوله: ((فسيراني في اليقظة)، (أي: من رآني رؤية معظم
لحرمتي،) قال ابن عربي: التعظيم ملاحظة الجلال بلواحظ الوقار على بساط الأدب في مقام
المعرفة بعظمة قدر الملحوظ، قال: والحرمة تعظيم مهاب بالغيب والشهادة، وحقيقتها الامتناع
من تعدّي الحد، (ومشتاق لمشاهدتي وصل إلى رؤية محبوبه، وظفر بكل مطلوبه).
قال الحافظ: وهذا لم يظهر لي، وإن ظهر، فهو ثامن الأجوبة، كما مرّ، (وقريب منه قول
شارح المصابيح، أو) معنى الحديث (أنه يراه في الدنيا حالة الذوق والانسلاخ عن العوائق
الجسمانيّة،) بكسر الجيم، (كما نقل ذلك عن بعض الصالحين؛ أنه رآه في حالة الذوق) .
قال ابن عربي: هو إدراك في القلب، يميّز به بين أشخاص أصناف المعاني، هذا إذا صحّ

٣٠٤
الفصل الرابع ما اختصّ به عَّه من الفضائل والكرامات
والشوق، وقد قال الشيخ الأهدل عقب الحكاية عن الشيخ أبي العباس المرسي:
وهذا فيه تجوز يقع مثله في كلام الشيوخ، وذلك أن المراد أنه لم يحجب
حجاب غفلة ونسيان عن دوام المراقبة واستحضارها في الأعمال والأقوال، ولم يرد
أنه لم يحجب عن الروح الشخصية طرفة عين، فذلك مستحيل، والله أعلم.
ومما اختص به عليه الصلاة والسلام أن التسمي باسمه
من علة داء الشرك الخفيّ، وحقيقته وجدان حلاوة في رياض روض الرضا، وغايته الاستغناء في
تصوّر معاني الحقائق عن نصب الأدلّة والبراهين السمعيّة والعقلية.
وقال غيره: الذوق أوّل مبادىء التجليّات، والشرب أوسطها، والريّ نهايتها، والأذواق التي
يشير لها القوم هي علوم لا تنال إلاّ لمن كان خالي القلب عن جميع العلائق والعوائق، (والشوق)
وقال بعضهم: يعنون به قواصف قهر المحبّة، بشدة ميلها إلى إلحاق المشتاق بمشوقه، والعاشق
معشوقه.
وقال ابن عربي: الشوق انزعاج أثاره تعشق مسموع يوجب الاستشراف إلى لقيه، وحقيقته
طلب يتعلّق بمطلوب حجبه البعد، يصحبه قلق، وغايته تمنّي النفس ما لا بدّ لها منه، ولا قدرة لها
على التوصّل إليه، ولا قرار لها دون حصوله.
(وقد قال الشيخ الأهدل عقب الحكاية) السابقة (عن الشيخ أبي العباس المرسي): لو
حجب إلى آخره، (وهذا فيه تجوّز يقع مثله في كلام الشيوخ:) جمع شيخ، وحقيقته عند
الصوفية الإنسان البالغ في علم الشريعة والطّريقة، الحقيقة إلى حدّ من بلغه، كان عالمًا ربانيًا،
مربيًّا، هاديًا، مهديًّا، مرشدًا إلى طريق الرشاد، معينًا لمن أراد الاستعانة به على بلوغ رتب أهل
السداد، وذلك مما وهبه اللَّه من العلم اللدني الرباني، والطبّ المعنوي الروحاني، فهو طبيب
الأرواح المشافي لها بما علّمه الله من أدوية أدوائها المردية لها، (وذلك أن المراد أنه لم يحجب
حجاب غفلة ونسيان،) ولم يحجب (عن دوام المراقبة) المحافظة.
قال تعالى: ﴿كنت أنت الرقيب عليهم﴾ الآية، أي: الحفيظ، وهي عند الصوفيّة
الملاحظة لما هو المقصود بالتوجّه ظاهرًا وباطنًا، ويندرج فيها الرعاية والحرمة، (واستحضارها
في الأعمال، والأقوال ولم يرد أنه لم يحجب عن الروح الشخصيّة طرفة عين، فذلك
مستحيل) فلا يريده العارف المرسي، وتعقّب هذا بأنه إن أراد الاستحالة العقلية، فباطل، أو
الشرعية، فمن أي دليل أو قاعدة أخذ ذلك كلا لا استحالة لذلك بوجه، (والله أعلم) بما أراد
رسوله عليه الصّلاة والسّلام.
(وممّا اختصّ به عليه الصّلاة والسّلام أن التسمي باسمه) المعهود، المشتهر به، وهو

٣٠٥
الفصل الرابع ما اختصّ به عَّه من الفضائل والكرامات
ميمون ونافع في الدنيا والآخرة.
روينا عن أنس بن ملك أن رسول الله عَ لّه قال: ((يوقف عبدان بين يدي الله
تعالى فيؤمر الله بهما إلى الجنة فيقولان: ربنا استأهلنا الجنة ولم نعمل عملاً
يجازينا الجنة؟ فيقول الله تعالى: ادخلا الجنة، فإني آليت على نفسي
محمّد وأحمد، بدليل أحاديث الترجمة التي ذكرها (ميمون) أي مبارك بركة تامّة لا توجد في
التسمي باسم غيره من الأنبياء، وإن كان فيها أيضًا بركة، والتسمية بها مستحبّة لقوله عد له:
(تسمّوا بأسماء الأنبياء، وأحبّ الأسماء إلى اللَّه عبد اللَّه وعبد الرحمن)) الحديث، رواه أبو داود
والنسائي، لأنهم سادة الخلق، وأخلاقهم أشرف الأخلاق، وأعمالهم أصلح الأعمال، فأسماؤهم
أشرف الأسماء، فالتسمّي بها فيه شرف للمسمّى، وحفظها وذكرها؛ وأن لا ينسى، فلذا ندب
مع المحافظة على الأدب. قال ابن القيم: هذا هو الصواب، وكان مذهب عمر كراهته، ثم
رجع.
(ونافع في الدنيا والآخرة) إن سمّاه تبرّكًا به وحبًّا له، لا لكونه اسم أحد آبائه، أو اسم نحو
أمير، ويشهد له ما رواه ابن عساكر والحسين بن أحمد بن عبد الله بن بكير، عن حامد بن حماد
العسكري، حدّثنا إسحق بن يسار النضيبي، حدّثنا حجاج بن منهال، حدّثنا حماد بن سلمة، عن
برد بن سنان، عن مكحول، عن أبي أمامة مرفوعًا: ((من ولد له مولود فسماه محمّدًا حبًّا لي
وتبرّكًا باسمي، كان هو ومولوده في الجنّة)).
قال السيوطي: هذا أمثل حديث ورد في هذا الباب، وإسناده حسن، ونازعه تلميذه
الشامي، فقال: وليس كذلك، ففي سنده أبو الحسين حامد بن حماد العسكري، شيخ ابن بكير،
فيه قال في اللسان كالميزان، خبره هذا موضوع، وهو آفته وشيخه إسحق بن يسار مجهول، كذا
قال وفيه نظر، فإنه لم ينفرد به، فقد أخرجه الحافظ بن بكير أيضًا، عن شيخه محمّد بن عبد الله
الخضرمي، حدّثنا حبيب بن نصر المهلبي، حدثنا عبد الصّمد بن محمد العباداني، حدثنا
منصور بن عكرمة، عن برد بن سنان، عن مكحول، عن أبي أمامة الباهلي، رفعه به، (روينا) ممّا
أخرجه الحافظ أبو الطاهر السلفي، وابن بكير في جزئه من طريق حميد الطويل، (عن أنس بن
ملك: أن رسول اللَّه عٍَّ قال: ((يوقف عبدان بين يدي اللَّه تعالى، فيأمر الله بهما إلى
الجنّة، فيقولان: ربّنا بما استاهلنا الجنّة، ولم نعمل عملاً يجازينا؟) أي: يجازينا اللَّه بذلك
العمل (الجنّة) بأن يجعله سببًا لدخولها، فإسناد المجازاة للعمل مجاز عقلي من إسناد الفعل إلى
سببه، وفي نسخة: تجازينا به الجنّة، وهي ظاهرة، (فيقول اللَّه تعالى: ادخلا الجنّة فإني
آليت،) أي: حلفت (على نفسي) والإيلاء إنما يتعدّى بعلى للمحلوف عليه، وضمن في قوله

٣٠٦
الفصل الرابع ما اختصّ به عٍَّ من الفضائل والكرامات
أن لا يدخل النار من اسمه أحمد ولا محمد».
وروى أبو نعيم عن نبيط ابن شريط قال قال رسول الله عَ لَه قال الله تعالى:
وعزتي وجلالي، لا عذبت أحدًا تسمى باسمك في النار.
وعن علي بن أبي طالب قال: ما من مائدة وضعت فحضر عليها من اسمه
أحمد أو محمد إلا قدس الله ذلك المنزل كل يوم مرتين، رواه أبو منصور
الديلمي.
تعالى: ﴿الذين يؤولون من نسائهم﴾ الآية، معنى البعد فعدی بمن، كما في البيضاوي، فكان
الظاهر: آليت على (أن لا يدخل،) لكنه ضمن معنى فرضت، أو كتبت على نفسي أن لا يدخل
(النار من اسمه أحمد ولا محمّد))،) وهذان العبدان اسم أحدهما أحمد والآخر محمّد، ويحتمل
أن كلاًّ اسمه أحمد ومحمّد.
(وروى أبو نعيم عن نبيط،) بضم النون، وفتح الموحدة، وسكون التحتية، وطاء مهملة،
(ابن شريط،) بفتح المعجمة، وكسر الراء، كما في الجامع والإصابة، فلا عبرة بقول القاموس:
كزبير، فأهل الفن أعلم به؛ ابن أنس بن مالك بن هلال الأشجعي، نزل الكوفة، له ولأبيه صحبة،
روى أحمد عنه: إني لرديف أبي في حجّة الوداع، إذ تكلّم ◌َّله، فوضعت يدي على عاتق أبيٍ،
فسمعته يقول: (إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام)) الحديث.
وأخرجه البغوي، وابن السكن من وجه آخر، عن نبيط بن شريط، عن أبيه، قال ابن أبي
حاتم: بقي نبيط بعد النبيّ عَّهِ زمانًا، (قال: قال رسول اللَّه عَّهِ: (قال اللَّه تعالى: وعزّتي
وجلالي لا عذبت أحدًا تسمّى باسمك))) أحمد أو محمّد (في التّار،) بل أعف عنه.
(وعن علي بن أبي طالب، قال: ((ما من مائدة وضعت، فحضر عليها من اسمه أحمد
أو محمّد إلّ قدّس اللَّه ذلك المنزل كل يوم مرّتين))، رواه أبو منصور والديلمي) وهو
موقوف لفظًا مرفوع حكمًا، إذ لا مدخل فيه للرأي، وقد ورد مرفوعًا عن عليّ، عن النبيّ عَّ له،
أخرجه ابن بكير في جزئه، وأخرج ابن عدي عن جابر أن النبيّ عَ لّه قال: ((ما أطعم طعام على
مائدة، ولا جلس عليها وفيها اسمي إلاّ وقدسوا كل يوم مرّتين))، وفيه أحمد بن كنانة، قال: وقال
في اللسان کالميزان: حديث مكذوب، وتعقّب ذلك السيوطي، فقال: قد وجدت للحديث طريقاً
آخر، ليس فيه أحمد بن كنانة، أخرجه أبو سعد النقاش في معجم شيوخه، عن جابر به، ورجاله
ثقات، انتهى. وحديث علي المذكور شاهد له، وأخرج الحاكم في تاريخه والديلمي والخطيب
عن عليّ رفعه: ((إذا سمّيتم الولد محمّدًا، فأكرموه، وأوسعوا له في المجلس، ولا تقبحوا له
وجهًا))، أي: لا تقولوا له قبّح اللَّه وجهك، أو لا تنسبوه إلى القبح في شيء من أقواله وأفعاله،

٣٠٧
الفصل الرابع ما اختصّ به علّ من الفضائل والكرامات
وليس لأحد أن يتكنى بكنيته ((أبي القسم)) سواء كان اسمه محمد أم لا،
ومنهم: من كره الجمع بين الاسم والكنية، وجوز الإفراد، ويشبه أن يكون هو
الأصح.
وكنى بالوجه عن الذات.
وأخرج البزار عن أبي رافع مرفوعًا: ((إذا سميتم محمّدًا فلا تضربوه، ولا تحرموه))، وروى
البزار، وأبو يعلى، والحاكم، عن أنس رفعه: ((تسمون أولادكم محمداً، ثم تلعنونهم))، وهذا
استفهام إنكاري بحذف الأداة، أنكر اللعن إجلالاً لاسمه كما منع ضرب الوجه تعظيمًا لصورة
عادم، وشذّ من أخذ من الحديث منع التسمية به، لأن مدلوله النهي عن لعن من اسمه محمّد،
لا عن التسمية به.
وأخرج الطرائقي، وابن الجوزي عن علي مرفوعًا: ((ما اجتمع قوم قطّ في مشورة، وفيهم
رجل اسمه محمّد، لم يدخلوه في مشورتهم إلاّ لم يبارك لهم فيه))، وذكر بعض الحفاظ أنه لم
يصح في فضل التسمية بمحمّد حديث، وزعم ابن تيمية أن كل ما ورد فيه موضوع متعقّب.
وروى ابن سعد مرسلاً: ((ما ضرّ أحدكم لو كان في بيته محمّد ومحمّدان وثلاثة))، وقال
لملك: ما كان في أهل بيت اسم محمّد إلاّ كثرت بركته.
وفي فتاوي السخاوي ما رواه أبو شعيب الحراني عن عطاء: من أراد أن يكون حمل
زوجته ذكرًا، فليضع يده على بطنها وليقل: إن كان ذكرًا فقد سمّيته محمّدًا، فإنّه يكون ذكرًا،
لم يرد مرفوعًا، ورفع بعضهم له، أورده ابن الجوزي في الموضوعات.
(و) منها: أنه (ليس لأحد أن يتكنّى بكنيته) المشهورة المعروفة له قديمًا (أبي القسم) باسم
أكبر أولاده عند الجمهور، أو لأنه يقسم الجنّة بين أهلها أو لقوله: ((إني جعلت قاسمًا أقسم
بينكم))، قال المصنف في أسمائه: كنيته المشهورة أبو القسم، كما جاء في عدّة أحاديث
صحيحة، ويكنى بأبي إبراهيم، كما في حديث أنس في مجيء جبريل، وقوله: السلام عليك يا أبا
إبراهيم، وبأبي الأرامل ذكره ابن دحية، وبأبي المؤمنين ذكره غيره، انتهى، (سواء كان اسمه
محمّدًا أم لا) لظاهر حديث الصحيحين عن أنس، قال: نادى رجل رجلاً بالبقيع: يا أبا القسم،
فالتفت إليه عَّله، فقال: يا رسول اللَّه! إني لم أعنك، إنما دعوت فلانًا، فقال عَِّ: ((تسمّوا
باسمي، ولا تكنوا بكنيتي)).
(ومنهم) أي: العلماء (من كره الجمع بين الاسم والكنية، وجوّز الإفراد،) أي التسمي
بأحدهما، (ويشبه أن يكون هو الأصح) إذ سبب النهي اشتهاره بأبي القسم، ولذا لا يكره تكنية
من اسمه محمّد بأبي إبراهيم، وأبي الأرامل، وأبي المؤمنين، وإن كني بها المصطفى، لأنه لم
يكن ينادى بشيء منها، وقد قال عَّه: ((لولا أكره أن أحول كنيتي التي عرفت بها لتكنّيت بأبي

٣٠٨
الفصل الرابع ما اختصّ به عَلَّه من الفضائل والكرامات
قال النووي: في هذه المسألة مذاهب، الشافعي منع مطلقًا، وجوّزه ملك،
والثالث: يجوز لمن ليس اسمه محمدًا، ومن جوز خص النهي بحياته، وهو
الأقرب، انتھی.
ومنها أنه يستحب الغسل لقراءة حديثه والتطيب، ولا ترفع عنده الأصوات،
بل تخفض، كما في حياته إذا تكلم، فإن كلامه المأثور بعد موته في الرفعة مثل
كلامه المسموع من لفظه الشريف،
إبراهيم، كما به كناني جبريل))، رواه الطبراني، ومن الغريب أنه قيل: يحرم التسمّي بمحمّد،
والتسمي بالقسم لئلاّ يكنى أبوه أبا القسم، حكاهما المازري في شرح مسلم، وتبعه النووي، فأمّا
الثاني فمحتمل، وأمّا الأوّل فقد قام الإجماع على خلافه.
(قال النووي: في هذه المسألة مذاهب) فصّلها، فقال (الشافعي: منع مطلقاً) لمن اسمه
محمّد وغيره في حياته وبعده، (وجوّز ملك) الجمع بينهما لمن اسمه محمّد ولغيره بعده، وبه
قال أكثر العلماء كما قال عياض: (والثالث: يجوز لمن ليس اسمه محمّدًا، ومن جوز خصّ
النهي بحياته:) لأنه عُّ أذن لعلي وغيره أن يسموا من يولد لهم بعده محمّدًا، ويكنوه بأبي
القسم، فعلم من إذنه اختصاص النهي بحياته، ودعوى أنه خصّ به عليًّا لا دليل عليها، إذ أباح
لغيره ذلك أيضًا، ولذا رجّحه النووي، فقال: (وهو الأقرب) وإن كان الأصح عند الشافعية
الإطلاق، (انتهى).
وحكى غيره المنع مطلقًا في حياته، والتفصيل بعده بين من اسمه محمّد، أو أحمد
فیمنع، وإلا فیجوز.
قال الحافظ: وهذا أعدل المذاهب، وقال ابن أبي جمرة بعد أن أشار إلى ترجيح مذهب
الجمهور: لكن الأولى الأخذ بالمذهب الأول، فإنّه أبرأ للذمّة، وأعظم للحرمة.
(ومنها: أنه يستحب الغسل،) وكذا الوضوء (لقراءة حديثه،) وروايته، واستماعه، وظاهره
ولو سبق الغسل لسبب آخر، (والتطيّب) لذلك، (و) يستحبّ أنه (لا ترفع عنده) أي عند قراءته
(الأصوات) وقول ابن العربي. يجب، لعلّه أراد به تأكّد الندب، (بل تخفض، كما في حياته إذا
تكلّم) تشبيه في مطلق الخفض، وإن كان الأول مستحبًّا، والثاني واجبًا، (فإن) حرمته ميتًا
كحرمته حيًّا كما قال ابن العربي، قائلاً: وإن (كلامه المأثور بعد موته في الرفعة مثل كلامه
المسموع من لفظه الشريف) لا سيّما إن تواتر أو صحّ، وكلامه شامل لمنع مساواة صوت
قارىء الحدیث.

٣٠٩
الفصل الرابع ما اختصّ به معَةٍ من الفضائل والكرامات
وأن يقرأ على مكان مرتفع.
روينا عن مطرف قال: كان الناس إذا أتوا لملكًا - رحمه الله - خرجت إليهم
الجارية فتقول لهم: يقول لكم الشيخ: تريدون الحديث أو المسائل، فإن قالوا
المسائل خرج إليهم في الوقت، وإن قالوا الحديث، دخل مغتسله فاغتسل وتطيب
ولبس ثيابًا جددًا وتعمم ولبس ساجه - والساج: الطيلسان - وتلقى له منصة فيخرج
ويجلس عليها، وعليه الخشوع، ولا يزال يبخر بالعود حتى يفرغ من حديث رسول
الله عبد،
زاد أبو بكر بن العربي: فإذا قرىء كلامه، وجب على كل حاضر أن لا يرفع صوته عليه،
ولا يعرض عنه، كما كان يلزمه ذلك عند تلفّظه به، وقد نبّه اللَّه تعالى على دوام الحرمة
المذكورة على مرور الأزمنة بقوله: ﴿وإذا قرىء القرءان﴾ الآية، وكلامه عَّه من الوحي له مثل
ما للقرءان، إلاّ معاني مستثنى بيانها في كتب الفقه، وإذا كان رفع الصوت فوق صوته موجبًا
لحبوط العمل، فما الظنّ برفع الآراء ونتائج الأفكار على سنته وما جاء به، انتهى.
(و)يستحبّ (أن يقرأ على مكان مرتفع) عال، زاد في الأنموذج: وقراءة حديثه عبادة، يثاب
عليها، كقراءة القرءان في إحدى الروايتين، أي: والرواية الثانية اختصاص ذلك بالقرءان، لأنّا تعبدنا
بألفاظه، والحديث بمعانيه، ولذا جازت روايته بالمعنى للعارف، ولا يجوز ذلك في القرءان مطلقًا.
(روينا عن مطرف) بن عبد اللّه بن مطرف اليساري، بالتحتانيّة والمهملة المفتوحتين، أبي
مصعب المدني، ابن أخت مالك، وثّقه ابن سعد والدارقطني، وروى عنه البخاري وغيره، ولم
يصب ابن عديّ في تضعيفه، مات سنة عشرين ومائتين على الصحيح، وله ثلاث وثمانون سنة،
(قال: كان الناس إذا أتوا ملكًا رحمه اللَّه) لطلب العلم، وهو داخل بيته، وطلبوا خروجه
لإقرائهم، (خرجت إليهم الجارية، فتقول لهم: يقول لكم الشيخ تريدون) بتقدير أداة
الاستفهام، أي: أتريدون (الحديث، أو المسائل) الفقهية، فتعريفه للعهد، (فإن قالوا المسائل،
خرج إليهم في الوقت) على حالته التي هو عليها، (وإن قالوا الحديث، دخل مغتسله)
المكان الذي أعدّه للغسل فيه، (فاغتسل وتطيّب، ولبس ثيابًا جددًا،) بضمّ أوّله وثانيه: جمع
جديد، كسرير وسرر، (وتعمّم ولبس ساجه، والساج: الطيلسان) مطلقًا، أو الأخضر، أو الأسود،
(وتلقى له منصّة،) بكسر الميم، لأنها آلة على ما في المصباح، وقال غيره، بالكسر والفتح شىء
عال كالكرسي والسرير من نصصته، إذا رفعته، وهي في الأصل ما يوضع للعروس، يجلس عليه،
أو يقف عند جلائها، (فيخرج ويجلس عليها، وعليه الخشوع) السكينة والوقار، (ولا يزال
يبخر بالعود حتى يفرغ من حديث رسول اللَّه عَ لَه) إجلالاً له، فإنه كان يحب الرائحة الطيبة،

٣١٠
الفصل الرابع ما اختص به عَّةٍ من الفضائل والكرامات
ولم يكن يجلس على تلك المنصة إلا إذا حدث.
قال ابن أبي أويس: فقيل له في ذلك، فقال: أحب أن أعظم حديث رسول
الله عَّ ولا أحدث به إلا على طهارة متمكنًا. ويقال: إنه أخذ ذلك عن سعيد بن
المسیب.
وقد كره قتادة ولملك وجماعة التحديث على غير طهارة، حتى كان
الأعمش إذا كان على غيرها تيمم.
ولا شك أن حرمته عَّه وتعظيمه وتوقيره بعد مماته عند ذكره، وذكر
حديثه وسماع اسمه وسيرته كما كان في حياته، والله أعلم.
فجعل مجلس حديثه كمجلسه حيَّا عَّهِ، (ولم يكن يجلس على تلك المنصّة إلاّ إذا حدّث))
فعلم أنه إنما فعله رعاية للحديث لا لنفسه، (قال) إسمعيل (بن أبي أُوَيْس) عبد اللَّه بن
عبد اللَّه بن أُويس بن لملك بن أبي عامر الأصبحي، ابن أخت الإمام مالك المدني، صدوق، روى
عنه الشيخان، وروى له الباقون سوى النسائي، فأطلق القول بضعفه، مات سنة ستّ وعشرين
ومائتين، (فقيل له في ذلك،) أي: سئل عن سبب فعله جميع ما مرّ، (افقال: أحبّ أن أعظمٍ
حديث رسول اللَّه عَّ) لنسبته له، وردًا على المنافقين، ومن على سنّتهم، (ولا أحدّث به إلاّ
على طهارة متمكّنًا، ويقال إنه أخذ ذلك) المذكور من الغسل والتبخير والتطيّب .... الخ، (عن
سعيد بن المسيّب) أي: بواسطة، لأنه لم يلقَ سعيدًا، لأنه مات بعد التسعين، وولد لملك سنة
ثلاث وتسعين، وقد روى عن الزهري وغيره عن سعيد، (وقد كره قتادة) بن دعامة (وملك)
الإمام، (وجماعة التحديث على غير طهارة حتى كان الأعمش) سليمن بن مهران، (إذا كان
على غيرها تيمّم) لأنه بدل الوضوء، حيث فقد لشدّة اعتنائه بالحديث، (ولا شكّ أن
حرمته عَ ليه، وتعظيمه وتوقيره بعد مماته عند ذكره وذكر حديثه، وسماع اسمه وسيرته، كما
كان في حياته،) ولذا استحبّت الصّلاة عليه كلّما ذكر عَّهِ، (والله أعلم).
زاد في الشفاء: وكان لملك يكره أن يحدث في الطريق، أو وهو قائم، وقال: أحبّ أن
أفهم حديث رسول اللَّه عَ اله
وقال ابن المبارك: كنت مع ملك إلى العقيق، فسألته عن حديث فانتهرني، وقال: كنت
في عيني أجلّ من أن تسألني عن الحديث، ونحن نمشي، وسأله جرير بن عبد الحميد القاضي،
عن حديث، وهو قائم، فضربه عشرين سوطًا، ثم أشفق عليه، فحدّثه عشرين حديثًا، فقال هشام:
وددت لو زادني سیاطًا، ویزیدني حديثًا.

٣١١
الفصل الرابع ما اختصّ به عَّةِ من الفضائل والكرامات
ومنها: أنه يكره القارىء حديثه أن يقوم لأحد، قال ابن الحاج في
((المدخل)): لأنه قلة أدب مع النبي عَّه وقلة احترام وعدم مبالاة أن يقطع حديثه
لأجل غيره، فكيف لبدعه، وقد كان السلف لا يقطعون حديثه ولا يتحركون وإن
أصابهم الضرر في أبدانهم ويتحملون المشقة التي تنزل بهم إذ ذاك التحديث
احترامًا لحديث نبيهم عليه.
وحسبك ما وقع للملك - رحمه الله - في لسع العقرب له سبع عشر مرة،
وهو لم يتحرك، وتحمله للسعها توقيرًا لجناب حديثه عّ لّه أن يكون يقرأ وهو
يتحرك لضر أصابه، مع أنه معذور فيما وقع، فكيف بالحركة والقيام إذ ذاك لا
لضرورة بل لبدعة، لا سيما إذا انضاف إلى ذلك ما لا ينبغي من الكلام المعتاد،
انتھی.
ومنها أن قراء حديثه لا تزال وجوههم نضرة، وأن قراء حديثه اختصوا
بالتلقیب بالحفاظ،
(ومنها: أنه يكره لقارىء حديثه) دون غيره من العلوم (أن يقوم لأحد، قال ابن الحاج
في المدخل: لأنه) أي: القيام (قلّة أدب مع النبيّ ◌َِّ، وقلّة احترام، وعدم مبالاة، أن) أي:
بأن (يقطع حديثه لأجل غيره، فكيف لبدعه) وهي القيام، (وقد كان السلف لا يقطعون حديثه،
ولا يتحرّكون، وإن أصابهم الضّرر في أبدانهم، ويتحمّلون المشقّة التي تنزل بهم إذ ذاك)))
أي: وقت (التحديث احترامًا لحديث نبيّهم عَّه، وحسبك ما وقع لمْلك رحمه الله في
لسع العقرب له سبع عشرة،) وفي الشفاء: ستّ عشرة (مرّة،) فصار يصفر ويتلوّى حتى تمّ
المجلس وتفرّق الناس، وقال: صبرت للنبيّ عَّله، ولا ينافي قوله: (وهو لم يتحرّك) لأن المراد
حركة عنيفة لا الالتواء، (وتحمّله للسعها توقيراً لجناب حديثه أن يكون يقرأ وهو يتحرّك
لضرّ أصابه مع أنه معذور فيما وقع به، فكيف بالحركة والقيام إذ ذاك لا لضرورة، بل لبدعة،
سيّما إذا انضاف إلى ذلك ما لا ينبغي من الكلام المعتاد،) نحو: ما حالكم أنتم طيّبون،
(انتهى) كلام ابن الحاج.
(ومنها: أن قرّاء حديثه لا تزال وجوههم نضرة،) أي: حسنة ذات بهجة وسرور
لقوله عَّله: ((نضّر اللَّه امراً، سمع مقالتي فوعاها، فأدّاها كما سمعها))، رواه أحمد والترمذي
وغيرهما بأسانيد صحيحة، بل قال الحافظ: إنه مشهور، وعدّه بعضهم من المتواتر، لأنه ورد عن
أربعة وعشرين صحابيًّا وسردهم، (وأن قرّاء حديثه اختصّوا بالتلقيب بالحفاظ)،) والحافظ من
حفظ مائة ألف حديث متنًا وإسنادًا، ولو بتعدّد الطرق والأسانيد، أو من روى ما يحتاج إليه.

٣١٢
الفصل الرابع ما اختصّ به عَّهِ من الفضائل والكرامات
وأمراء المؤمنين من بين سائر العلماء.
ومنها أنه تثبت الصحبة لمن اجتمع به عَّ لحظة، بخلاف التابعي مع
الصحابي، فلا تثبت إلا بطول الاجتماع معه
وروى ابن أبي حاتم عن الزهري، قال: لا يولد الحافظ إلاّ في كل أربعين سنة، (وأمراء
المؤمنين) في الحديث (من بين سائر العلماء) من المفسّرين والفقهاء وغيرهم، واختصّوا أيضًا
بأنهم خلفاؤه لقوله عَّة: ((اللَّهمّ ارحم خلفائي الذين يأتون من بعدي، الذين يروون أحاديثي
وسنّتي، ويعلّمونها الناس))، رواه الطبراني، ويقع في بعض النسخ تأخير هذه عن التي بعدها،
وتقديمها أنسب كما لا يخفى.
(ومنها) أي فضائله التي اختصّ بها عن أُمّته، (أنه تثبت الصحبة لمن اجتمع له عَّة)
وإن لم يره لعارض كعمى، ولو بلا مجالسة ومكالمة ذكرا أو أنثى، أنسيًّا أو جنيًّا، روى عنه أم
لا، مميّزًا أم لا، فدخل من حنكه، أو مسح وجهه، أو تفل فيه، وهو رضيع على الأصح لكن
أحاديث هؤلاء من قبيل مراسيل كبار التابعين، كما بينه الحافظ، ثم هذه صفة في الحقيقة
لأصحابه، لكن لما كانت بركته بتأثيره فيهم، عدّت من خصائصه أو التقدير، ومنها نور النبوّة
المفاض على من صحبه، وقد يكون هذا أولى، لأن السياق في خصائصه كما قرّر شيخنا.
(لحظة) مؤمنًا في حياته، وأمّا من رآه بعد موته وقبل دفنه، فالراجح أنه ليس بصحابي، وإلاَّ لعدّ
من اتّفق أن يرى جسده المكرم، وهو في قبره، ولو في هذه الأعصار، وكذلك من كشف له عنه
من الأولياء، فرآه كذلك على طريق الكرامة إذ حجّة من أثبت الصحبة لمن رآه قبل دفنه أنه
مستمر الحياة، وهذه الحياة ليست دنيوية، وإنما هي أخرويّة، لا تعلّق لها بأحكام الدنيا، فإن
الشهداء أحياء، ومع ذلك، فالأحكام المتعلّقة بهم بعد القتل، جارية على أحكام غيرهم من
الموتى، وكذا المراد بهذه الرؤية من اتّفقت له، وهو يقظان، أمّا منامًا، فهو وإن كان رآه حقًّا،
فذلك مما يرجع إلى الأمور المعنوية، لا الأحكام الدنيوية، فذلك لا يعدّ صحابيًا، ولا يجب عليه
أن يعمل بما أمره به في تلك الحالة، قاله الحافظ.
وقال البقاعي: يخرج من التعريف من رآه بعد الموت وقبل الدفن، كأبي ذؤيب الهزلي،
فإن الإخبار الذي هو معنى النبوّة انقطع، وأيضًا لا يعدّ ذلك لقيًا عرفًا، وقد صرّحوا بأن عدم جعله
صحابيًّا أرجح، انتهى، فإن ارتدّ ومات عليها، فلا يسمّى صحابيًّا، فإن عاد، فقولان أطبق
المحدثون على عدّ من وقع له ذلك؛ كالأشعث بن قيس الكندي في الصحابة، وعلى إخراج
أحاديثهم في المسانيد، ويأتي تمام ذلك إن شاء اللَّه تعالى في المقصد السابع، (بخلاف التابعي
مع الصحابي، فلا تثبت) التابعية (إلّ بطول الاجتماع معه) عرفًا، بحيث يعدّه ممن تلقّى عن

٣١٣
الفصل الرابع ما اختصّ به عَّ من الفضائل والكرامات
على الصحيح عند أهل الأصول، والفرق عظم مرتبة النبوة ونورها، فبمجرد ما يقع
بصره على الأعرابي الجلف ينطق بالحكمة.
ومنها أن أصحابه كلهم عدول، لظواهر الكتاب والسنّة، فلا يبحث عن
عدالة أحد منهم،
الصحابي، وضبط ما قاله (على الصحيح عند أهل الأصول) لا المحدثين، فالأصح عندهم؛
كما ابن الصلاح والنووي: أنه من لقى الصحابي كما قاله الحاكم وغيره.
قال العراقي: وعليه عمل الأكثر، كمسلم وابن حبان وإن لم يسمع من الصحابي، ولم
يميّز، واشترط ابن حبان تمييزه، وقد أشار النبيّ عَّهُ إلى الصحابة والتابعين بقوله: ((طوبى لمن
رآني وآمن بي، وطوبى لمن رأى من رآني)) الحديث، فاكتفى فيهما بمجرد الرؤية، انتهى
باختصار، واختاره أيضًا الحافظ بن حجر، وهو صريح في أن فضل التابعية يحصل بمجرّد اللقى
والرؤية، وإن كانت روايته عن ذلك الصحابي الذي رآه لا تصح، إلاّ إذا ثبت سماعه منه، وإلا
فهي منقطعة كما بيّ في علوم الحديث، ومن عكس هذا فقد وهم.
(والفرق) على ما صححه الأصوليون، ووافقهم طائفة من المحدّثين، كالخطيب، (عظم
مرتبة النبوّة،) أي: نبوّته فال عهدية، أو عوض عن المضاف إليه، وجعلها جنسيّة يقتضي مشاركة
الأنبياء له في ذلك، وإن لم يكن رسولاً، ويحتاج لنقل صريح لعدم ثبوت الخصائص بالاحتمال،
(و)لعظم (نورها، فبمجرّد ما) مصدرية (يقع بصره على الأعرابي الجلف،) بالكسر، أي:
الجافي، ووقوع بصره تمثيل لا تقييد، فلو رأى النبيّ على بعد، ولم يره النبيّ عَّله، كان صحابيًا
(ينطق بالحكمة) لشرف منزلته، فيظهر أثر نوره في قلب من لقيه، وعلى جوارحه، فالاجتماع به
يؤثر من النور القلبي أضعاف ما يؤثره الاجتماع الطويل بالصحابي وغيره، ولا يشترط إيمان التابعي
وقت اجتماعه بالصحابي، قال البقاعي: وإنما اشترط في الصحبة الإيمان لشرفها، فاحتيط لها،
ولأنه تعالى شرط في الصحابة كونهم مع النبيّ عَّةٍ، فقال ﴿محمّد رسول الله والذين معه﴾ ولا
يكونون معه إلاّ إذا آمنوا به، انتهى.
نعم، لو أسلم بعدما لقيه كافرًا، وحدّث بما سمعه منه حالتئذ قبل، وإن لم يكن صحابيًّا.
قال العراقي:
وقبلوا من مسلم تحميلاً في كفره كذا صبي حملا
(ومنها: أن أصحابه كلهم عدول) بتعديل اللَّه تعالى وتعديله عليه الصّلاة والسّلام
(لظواهر الكتاب) نحو: ﴿محمّد رسول اللّه والذين معه﴾ الآية، (والسنّة) فتقبل رواياتهم ولو
كان حجّة لفعلهم كرواية علي قتل الخوارج وشهادتهم لا ثبوت عصمتهم واستحالة المعصية
عليهم؛ كما نصّ عليه ابن الأنباري وغيره، وأشار إليه بقوله: (فلا يبحث عن عدالة أحد منهم)

٣١٤
الفصل الرابع ما اختصّ به عَِّ من الفضائل والكرامات
كما يبحث عن سائر الرواة. قال الله تعالى خطاباً للموجودين حينئذٍ: ﴿وكذلك
جعلناكم أمة وسطًا﴾ [البقرة/١٤٣]، أي: عدولاً، وقال عليه السلام:
في شهادة ولا رواية (كما يبحث عن سائر الرواة) وغيرهم لأنهم خير الأُمّة ومن طرأ له منهم
قادح كسرقة وزنا عمل بمقتضاه، ولكن لا يفسقون بما يفسق به غيرهم كما ذكره الحلال
المحلّى في شرح الجوامع فتقبل رواياتهم وشهاداتهم، ولو وقعت كبيرة من بعضهم أقيم حدّها
أم لا؟ وإن لم يبلغنا توبته. ومن فوائد عدالتهم مطلقًا أنّه إذا قيل عن رجل من أصحاب النبيّ،
قال: سمعت النبيّ عَ له كان حجّة كتعيينه باسمه بخلاف غيرهم فلا يقبل المبهم لاحتمال أنه
ليس عدلاً وسواء من لابس الفتنة وغيره على المختار طال اجتماعهم به أو قصر، وقول المازري
في شرح البرهان: لسنا نعني بعدالة الصحابة كل من رآه يومًا أو زارهٍ أو اجتمع به لغرض
وانصرف عن قرب، بل الذين لازموه وعزروه ونصروه واتّبعوا النور الذي أنزل معه. قال العلائي
الحافظ: غريب لا يوافق عليه، والجمهور على التعميم، انتهى. ويؤيّد العموم رواية الأئمّة
أحاديثهم مطلقًا بدون تردّد مع ورود النهي عن روايته عن غير العدل، قال عَ لّه: ((لا تأخذوا
الحديث إلاّ عمن تجوّزون شهادته))، رواه الخطيب وغيره عن ابن عباس، وقال ابن سيرين: هذا
الحديث دين فانظروا عمن تأخذون دينكم. وقال لملك: لا تحمل العلم عن أهل البدع، ولا
تحمله عمّن لم يعرف بالطلب، ولا عمّن يكذب في حديث الناس، وإن كان في حديث
رسول اللَّه عٍَّ لا يكذب، رواه ابن عساكر، وكان عروة بن الزبير يسمع الحديث يستحسنه ولا
يرويه لكونه لا يثق ببعض رواته لئلاّ يؤخذ عنه رواه الشافعي، فلو لم تكن الصحابة كلهم عدولاً
لامتنع ملك وغيره من الأئمة عن رواية كثير منهم.
(قال اللَّه تعالى خطابًا للموجودين حينئد) يعني الصحابة: (﴿وكذلك﴾) أي: كما
هديناكم إلى صراط مستقيم أو جعلنا قبلتكم أفضل القبل، (﴿جعلناكم أمّة وسطًا﴾، أي:
عدولاً) مزكين بالعلم والعمل أو خيارًا، وكذا قوله تعالى: ﴿كنتم خير أُمّة أخرجت للناس﴾، قال
الحافظ العراقي: قيل اتّفق المفسّرون على أن الخطاب في الآيتين للصحابة الموجودين، انتهى.
لكن البيضاوي والجلال جعلا الخطاب لأمّة محمد الشامل لهم ولمن بعدهم إلى يوم القيامة،
ويؤيّده حديث البخاري وغيرهم في جحد الأُمم تبليغ أنبيائهم فيؤتى بأمّة محمّد فيشهدون
بالبلاغ ويزكّيهم النبيّ معَّه ويمكن الجمع بأن الخطاب للصحابة حقيقي لوجودهم، وإن كان
المراد ما يشملهم وغيره لاشتراك الجميع في العلم.
(وقال عليه السّلام) فيما أخرجه الشيخان وأصحاب السنن من حديث أبي سعيد
الخدري، وفي بعض طرقه عند مسلم، قال: كان بين خالد بن الوليد وبين عبد الرحمن بن عوف

٣١٥
الفصل الرابع ما اختصّ به عَّ من الفضائل والكرامات
((لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبًا ما بلغ مدَّ
أحدهم ولا نصیفه)،
شىء فسبّه خالد، فقال رسول اللَّه عَ له: ((لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أنفق
أحدكم) وفي رواية: ((فلو أن أحدكم أنفق (مثل أَحد ذهبًا) كل يوم كما زاد في رواية البرقاني،
قال: وهي زيادة حسنة. (ما بلغ مدّ أحدكم) بضمّ الميم: مكيال معروف، وحكى الخطابي أنه
روي بفتح الميم، قال: والمراد به الفضل والطول ذكره الحافظ وتوقّف الدماميمي، فقال:
لا أدري هل أراد أنه روى في البخاري أو رواية في الحديث في الجملة، فينبغي تحريره، انتهى.
وهو تشكيك لا طائل تحته، فالمتبادر أنه في البخاري. (ولا نصيفه) أي: المدّ من كل شىء
يوزن رغيف، أي: نصفه كما يقال: عشر وعشير وثمن وثمين، وقيل: النصيف مكيال دون المدّ
ذكره الفتح، وقال تلميذه شيخ الإسلام زكريا بفتح النون وضمّها مصغّرًا، أي: نصفه والنصف
مثلث النون، فمجموع ذلك خمس لغات، انتهى. قال البيضاوي: معنى الحديث لا ينال أحدكم
بإنفاق مثل أُحد ذهبًا من الأجر والفضل ما نال أحدهم بإنفاق مدّ أو نصفه وسبب التفاوت ما يقارن الأفضل من
مزيد الإخلاص وصدق النيّة، قال الحافظ: وأعظم من ذلك في سبب الأفضلية عظم.
موقع ذلك لشدّة الاحتياج إليه وأشار بالأفضلية بسبب الاتفاق إلى الأفضلية بسبب القتال كما
في آية: ﴿لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل﴾، ففيها إشارة إلى موقع السبب الذي
ذكرته وذلك أن الإنفاق والقتال كان قبل فتح مكّة عظيمًا لشدّة الحاجة إليه وقلّة المعتّنى به
بخلاف ما وقع بعد ذلك لأن المسلمين كثروا بعد الفتح ودخل الناس في دين الله أفواجًا فلا
يقع ذلك الموقع المتقدّم، انتهى. وسبقه الطيبي، فقال: يمكن أن يقال فضيلتهم بحسب فضيلة
إنفاقهم وعظم موقعها؛ كما قال تعالى: ﴿لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح﴾، وهذا في
الإنفاق، فكيف بمجاهدتهم وبذلهم أرواحهم ومهجهم؟ قال الحافظ: وفي قوله: ﴿فلو أن
أحدكم﴾ إشعار بأن المراد بقوله أصحابي أصحاب مخصوصون وإلاّ فالخطاب كان للصحابة،
وقد قال: لو أن أحدكم أنفق، وهذا مثل قوله تعالى: ﴿لا يستوي﴾ الآية، ومع ذلك فنهى بعض
من أدرك النبيّ عَّهِ وخاطبه بذلك عن سبّ من سبقه يقتضي زجر من لم يدركه ولم يخاطبه
عن سبّ من سبقه من باب أولى، وغقل من قال - يعني الكرماني - الخطاب بذلك لغير
الصحابة، والمراد من سيوجد من المسلمين المفروضين في العقل تنزيلاً لمن سيوجد منزلة
الموجود للقطع بوقوعه، ووجه التعقّب عليه وقوع التصريح في نفس الخبر بأن المخاطب بذلك
خالد بن الوليد وهو من الصحابة الموجودين إذ ذاك بالاتّفاق، انتهى. وتعقّبه العيني بأن الحديث
الذي فيه قصّة خالد لا يدلّ على أنه المخاطب بذلك الخطاب، وإن سلّمنا أنه المخاطب فلا
نسلم أنه كان إذ ذاك صحابيًّا بالاتّفاق إذ يحتاج إلى دليل، ولا يظهر ذلك إلاّ بالتاريخ ولم يجب

٣١٦
الفصل الرابع ما اختصّ به عليه من الفضائل والكرامات
وقال عليه السلام: ((خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم)) في آيات
كثيرة وأحاديث تقتضي تعديلهم.
ولذلك: أجمع من يعتد به على ذلك، سواء في التعديل من لابس الفتنة
منهم وغيره،
الحافظ في انتقاض الاعتراض عن هذا التعقّب لسقوطه، فإن عدم تسليمه صحبته حينئذ مع
وجود الاتّفاق عليها مجرّد مكابرة وعناد، وقال في خطبة الانتقاض: أنه إنما يجيب عن الاعتراض
الذي له نوع تماسك، وقال الشيخ زكريا: الخطاب للحاضرين من الصحابة ولغيرهم ولو من غير
الصحابة ففيه تغليب الحاضر على الغائب، انتهى.
(وقال عليه السّلام) فيما رواه الشيخان وغيرهما من حديث ابن مسعود: ((خير الناس)
أهل (قرني) أي: عصري من الاقتران في الأمر الذي يجمعهم، يعني: أصحابي ومن رآني أو من
كان حيًّا في عهدي. قال الحافظ: ومدّتهم من البعثة مائة وعشرون سنة أو دونها أو فوقها بقليل
على الخلاف في وفاة أبي الطفيل آخر من مات من الصحابة، وإن اعتبر ذلك من بعد وفاته معَّه.
كان مائة سنة أو تسعين أو سبعًا وتسعين، وفي رواية للشيخين: ((خير أُمّتي قرني (ثم الذين
يلونهم) أي: القرن الذي بعدهم وهم التابعون ومدّتهم نحو سبعين أو ثمانين سنة، إن اعتبر من
سنة مائة، (ثم الذين يلونهم))،) وهم أتباع التابعين نحوًا من خمسين إلى حدود العشرين ومائتين،
قال الحافظ: فظهر بهذا أن مدّة القرن تختلف باختلاف أعمار كل زمان، واتّفق أن آخر من كان
من أتباع التابعين ممن يقبل قوله: من عاش إلى حدود العشرين ومائتين، وفي هذا الوقت ظهرت
البدع ظهورًا فاحشًا وأطلقت المعتزلة ألسنتها ورفعت الفلاسفة رؤوسها، وامتحن العلماء ليقولوا
بخلق القرءان وتغيّرت الأحوال تغيّرًا شديدًا ولم يزل الأمر في نقص إلى الآن، وظهر قوله عَّه،
ثم يفشوا الكذب ظهورًا بينًا حتى يشمل الأقوال والأفعال والمعتقدات والله المستعان. قال:
ووقع في رواية أبي الزبير عن جابر عند مسلم ذكر طبقة رابعة وهي رواية شاذّة وأكثر الروايات
مقتصر على ذكر الثلاثة ثم الجمهور على أن ذا الفضل باعتبار الإفراد، وقال ابن عبد البرّ باعتبار
المجموع، ويأتي إن شاء الله تعالى مزيد لذلك في المقصد السابع وقبله في خصائص الأُمّة
قريبًا، (في) أي: مع (آيات كثيرة وأحاديث) كثيرة جدًا (تقتضي تعديلهم، ولذلك أجمع من
يعتدّ به على ذلك) من المسلمين وهم أهل السنّة والجماعة؛ كما في الاستيعاب. (سواء في
التعديل من لابس الفتنة) الواقعة حين قتل عثمان كالجمل وصفّين، (منهم وغيره) وهو من لم
يلابسها خلافًا لمن قال: لا يحكم بعدالة من لابسها حتى يبحث عنه؛ لأن أحد الفريقين فاسق.
وقيل: يقبل الداخل فيها إذا انفرد لأن الأصل العدالة، وشككنا في ضدّها ولا يقبل إذا خولف

٣١٧
الفصل الرابع ما اختصّ به عَّ له. من الفضائل والكرامات
لوجوب حسن الظن بهم، حملاً للملابس على الاجتهاد، ونظرًا إلى ما تمهد لهم
من المآثر، من امتثال أوامره عليه السلام، وفتحهم الأقاليم، وتبليغهم عنه الكتاب
والسنّة، وهدايتهم الناس، مواظبتهم على الصلاة والزكاة وأنواع القربات، مع
الشجاعة والبراعة والكرم والأخلاق الحميدة التي لم تكن في أمة من الأمم
المتقدمة، ولا يكون أحد بعدهم مثلهم في ذلك. كل ذلك بحلول نظره عليه
الصلاة والسلام.
وأفضلهم عند أهل السنّة إجماعًا: أبو بكر ثم عمر، وأما بعدهما: فالجمهور
على أنه عثمن ثم علي. وسيأتي مزيد لذلك إن شاء الله تعالى في المقصد السابع.
لتحقّق إبطال أحدهما من غير تعيين. وقيل: القول بالعدالة مختصّ بمن اشتهر منهم ومن عداهم
كسائر الناس. (لوجوب حسن الظنّ بهم حملاً للملابس على الاجتهاد) الواقع منه المقتضى
لجواز فعله، بل قد يؤدّيه إلى وجوبه ولا التفات إلى ما يذكره الإخباريون فأكثره لم يصح، وما
صحّ فله تأويل صحيح. وما أحسن قول عمر بن عبد العزيز: تلك دماء طهّر اللَّه منها سيفنا فلا
نخضب بها ألسنتنا. (ونظرًا إلى ما تمهد لهم من المآثر) الجليلة (من امتثال أوامره عليه
السّلام وفتحهم الأقاليم) بعده، (وتبليغهم عنه الكتاب والسنّة وهدايتهم الناس مع مواظبتهم
على الصّلاة والزكاة وأنواع القربات مع الشجاعة والبراعة) الفضل في العلم والشجاعة
وغيرهما، (والكرم والأخلاق الحميدة التي لم تكن في أُمّة من الأمم المتقدّمة، ولا يكون
أحد بعدهم مثلهم في ذلك، كل ذلك بحلول نظره عليه الصّلاة والسّلام) وقد قال محمّد بن
كعب القرظي: أوجب اللَّه لجميع الصحابة الجنّة محسنهم منهم ومسيئهم. قال ابن جرير: وورد
نصّ النبيّ عَّهِ بالبشارة والشهادة بالجنّة لغير العشرة كالحسنين وأمّهما وجدتهما وجمع أكثر من
أن يحوا، انتهى. وأشار بذلك إلى أنه لا تدافع بينه وبين تبشير العشرة في حديث واحد لأن العدد
لا ينفى الزائد. وروى الترمذي وصححه الضياء عن بريدة رفعه: ((ما من أحد من أصحابي يموت
بأرض إلا بعث قائدًا ونورًا لهم يوم القيامة))، أي: إلا بعث ذلك الصحابي قائدًا لأهل تلك الأرض إلى
الجنّة ونورًا لهم يسعى بين أيديهم، فيمشي في ضوئه، وإطلاقه شامل للذكر وغيره وطول
صحبته وملازمته ولغيره وقد عدّ هذا بعضهم من خصائصه. (وأفضلهم عند أهل السنّة إجماعًا،)
منهم: (أبو بكر، ثم عمر) وإلزامًا للشيعة بما صحّ عن عليّ أنهما خير منه، (وأمّا بعدهما
فالجمهور على أنه عثمان ثم عليّ) ومنهم من قدّمه، ومنهم من وقف. (وسيأتي مزيد لذلك
إن شاء الله تعالى في المقصد السابع) مع فوائد نفيسة.

٣١٨
الفصل الرابع ما اختصّ به عَّ من الفضائل والكرامات
ومنها أن المصلي يخاطبه بقوله: السلام عليك أيها النبي، ولا يخاطب
غيره.
ومنها أنه كان يجب على من دعاه وهو في الصلاة أن يجيبه، ويشهد له
حديث أبي سعيد بن المعلي: كنت أصلي في المسجد، فدعاني رسول الله عَ ليه
فلم أجبه .. الحديث، وفيه: ((ألم يقل الله تعالى: ﴿استجيبوا لله وللرسول إذا
دعاكم لما يحييكم﴾)) [الأنفال/٢٤]، فإجابته فرض، يعصي المرء بتركها.
وهل تبطل الصلاة أم لا؟ صرح جماعة من أصحابنا الشافعية وغيرهم: أنها
لا تبطل،
(ومنها: أن المصلّي يخاطبه بقوله: السّلام عليك أيّها النبيّ) ورحمة الله وبركاته؛ كما
في حديث التشهد والصلاة صحيحة، (ولا يخاطب غيره) من الخلق ملكًا أو شيطانًا أو جمادًا
أو ميتًا، ولا ينافيه قوله عَّه لإبليس: ((ألعنك بلعنة اللَّه)؛ لأنه خصوصية أو خطاب نفسي لا لما
قيل أنه قبل تحريم الكلام في الصّلاة، لأنه كان بالمدينة وتحريمه قبلها.
(ومنها: أنه كان يجب على من دعاه وهو في الصّلاة أن يجيبه، ويشهد له حديث
أبي سعيد) بكسر العين (ابن المعلّى) الأنصاري المدني، قال ابن عبد البرّ: اسمه الحرث بن
نفيع بن المعلى على الأصح، ومن قال رافع بن المعلى فقد وهم؛ لأنه قتل ببدر مات سنة أربع
وسبعين، وقيل: سنة ثلاث. قالوا: وعاش أربعًا وستّين سنة، قال في الإصابة: وهو خطأ، فإنه
يستلزم أن تكون قصّته مع النبيّ عَّه وهو صغير وسياق الحديث يأبى ذلك، روى البخاري في
تفسير الفاتحة عنه، قال: (كنت أُصلّي في المسجد فدعاني رسول اللَّه عَّ فلم أجبه)
وللبخاري في تفسير الأنفال فلم آه حتى صلّيت ثم أتيته، فقلت: يا رسول اللَّه! إني كنت
أُصلّي، فقال: ((ألم يقل الله ﴿استجيبوا للَّه وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم)))، ثم قال:
(لأعلمتك سورة هي أعظم سورة في القرءان قبل أن تخرج من المسجد))، ثم أخذ بيدي فلما
أراد أن يخرج، قلت له: ألم تقل لأعلمنك سورة هي أعظم سورة في القرءان، قال: ((الحمد لله
رب العالمين هي السبع المثاني والقرءان العظيم الذي أُوتيته)) هذا لفظه، فاقتصر المصنف على
حاجته منه مشيرًا إلى ما حذفه بقوله: (الحديث وفيه: ((ألم يقل الله ﴿استجيبوا للَّه وللرسول
إذا دعاكم لما يحييكم﴾) من أمر الدين لأنه سبب للحياة الأبدية، (فإجابته فرض يعصي المرء
بتركها) اتّفاقًا، (و)اختلف العلماء (هل تبطل الصّلاة) بذلك (أم لا؟ صرّح جماعة من أصحابنا
الشافعية وغيرهم) كالعلاّمة بهرام من المالكية في طائفة منهم (أنها لا تبطل) ولو فرضًا بل هي
صحيحة ولو أجابه بالفعل فتجب ولا تبطل على الراجح، قال الإسنوي: وهو المتّجه. قال

٣١٩
الفصل الرابع ما اختصّ به عَّله من الفضائل والكرامات
وفيه بحث لاحتمال أن تكون إجابته واجبة مطلقًا، سواء كان المخاطب مصليًّا أو
غير مصل. أما كونه يخرج بالإجابة أو لا يخرج فليس في الحديث ما يستلزمه،
فيحتمل أن تجب الإجابة ولو خرج المجيب من الصلاة، وإلى ذلك جنح بعض
الشافعية، والله أعلم.
ومنها: أن الكذب عليه ليس كالكذب على غيره،
الخيضري: ومحلّه إذا اقتصر على لفظ يفهم منه الجواب كنعم أو لبّيك، فإن زاد بطلت فيما
يظهر، انتهى. لكن قال الرملي: لا فرق بين قليل الإجابة وكثيرها بالقول والفعل، فلو سأل مصليًّا
عن شىء وجبت إجابته وصحت صلاته كما ألحقه بعض بدعائه. أمّا لو ابتدأه المصلّي بالكلام
فإن تعلق بنحو الصّلاة والسّلام عليه اغتفر، وإلا كجاءك فلان أو نصرك اللَّه يوم بدر، فالمتجه
البطلان؛ لأنه كلام أجنبي غير محتاج إليه، ولا دعاء فيه للنبيّ عَّه ولا جواب. (وفيه بحث
لاحتمال أن تكون إجابته واجبة مطلقًا سواء كان المخاطب مصليًّا أو غير مصلٌ. أمّا كونه
يخرج من الصّلاة بالإجابة) لبطلانها، (أو لا يخرج)؛ لعدمه (فليس في الحديث) أي: حديث
ابن المعلّ المذكور (ما يستلزمه) ويدلّ عليه، (فيحتمل أن تجب الإجابة ولو خرج المجيب
من الصّلاة) كما لو وجب الكلام لنحو إنقاذ أعمى، فتبطل به الصّلاة، (وإلى ذلك جنح بعض
الشافعية،) وبعض المالكية أيضًا، وهو ضعيف والمعتمد في المذهبين الصحة، (والله أعلم)
بالحكم. وهذا أخذه المصنّف من فتح الباري، وزاد في الأنموذج: وكذلك الأنبياء، أي: تجب
إجابتهم ولا تبطل الصّلاة. وفي التحفة: وألحق به عيسى إذا نزل ولعلّ قائله غفل عن جعل هذا
من خصائص نبيّنا، أو رأى أنه من خصائصه على الأمّة لا على بقيّة الأنبياء وهو بعيد من
كلامهم، وكذا قال: ويوافقه قول بعض تسنّ إجابة عيسى وتبطل بها الصّلاة، والسيوطي حجّة في
النقل، وقد جزم بأن الأنبياء مثله.
(ومنها: أن الكذب) أي: الإخبار عنه بشىء على خلاف ما هو (عليه) ولو في غير
الأحكام كترغيب وترهيب ووعظ (ليس كالكذد على غيره؛) كما قال عَّة: ((إن كذبا عليّ
ليس ككذب على أحد، فمن كذب عليّ متعمّدًا فليتبوأ مقعده من النار))، أخرجه الشيخان من
حديث المغيرة وأبو يعلى والبزار وكثيرون عن سعيد بن زيد، وظاهره حتى على الأنبياء عليهم
الصّلاة والسّلام، وكان حكمة ذلك أنه يصير شرعًا مستمرًّا، لأنه بصدد بعثة نبيّ بعده تبيّن
ما كذب عليه بخلاف نبيّنا فلا نبيّ بعده، فمن قال الأنبياء مثله فيما يظهر فيه نظر للفرق، وأيضًا
فالخصائص إنما تثبت بدليل صحيح لا بالاحتمال ولا مفهوم لقوله: ((عليّ))، لأنه لا يتصوّر أن
يكذب له لنهيه عن مطلق الكذب، وقد اغترّ قوم من الجهلة كالكرامية فجوّزوا ووضعوا أحاديث

٣٢٠
الفصل الرابع ما اختصّ به عَّ من الفضائل والكرامات
في الترغيب والترهيب، وقالوا: إنه كذب له لا عليه، وهذا جهل باللغة العربية وما دروا أن
قوله تعَّله: ((من نقل عنّي ما لم أقل يقتضي الكذب على الله تعالى))؛ لأنه إثبات حكم سواء كان
في الإيجاب أو الندب، وكذا مقابلهما وهو الحرام والمكروه، وقد اشتدّ النكير على من كذب
على اللّه في قوله: ﴿فمن أظلم ممّن افترى على اللَّه كذبًا أو كذب بآياته﴾، فسوّى بين من
كذب عليه وبين الكافر. وقال: ﴿ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودّة﴾،
والآيات في ذلك متعدّدة، فلذا شدّد في الكذب عليه عَّه وتمسّك بعضهم بما ورد في بعض
طرق الحديث من زيادة لم تثبت، وهي ما أخرجه البزار عن ابن مسعود: ((من كذب عليّ ليضل
به الناس)) الحديث، ورجح الدارقطني والحاكم إرساله، ورواه الدارمي عن يعلى بن مرّة بسند
ضعيف وعلى تقدير ثبوته فليست اللام للعلّة بل للصيرورة؛ كقوله تعالى: ﴿فمن أظلم ممّن
افترى على اللَّه كذبًا ليضلّ الناس﴾، والمعنى أن مآل أمره إلى الإضلال أو هو من تخصيص
بعض أفراد العموم بالذكر فلا مفهوم له؛ كقوله: ﴿لا تأكلوا الربا أضعافًا مضاعفة ولا تقتلوا
أولادكم من إملاق﴾، فقتلهم ومضاعفة الرّبا والإضلال إنما هو لتأكيد الأمر فيها لا لاختصاص
الحكم؛ كما قاله الحافظ رحمه اللّه تعالى. قال: وقوله تعَّله: ((من كذب عليّ متعمّدًا فليتبوّأ
مقعده من النار))، رواه عنه خلق كثير من الصحابة، واعتنى جماعة من الحفاظ بجمع طرقه، فأوّل
من وقفت على كلامه في ذلك عليّ بن المديني وتبعه يعقوب بن شيبة، فقالا: إنه ورد عن
عشرين صحابيًّا ثم إبراهيم الحربي والبزار، فقالا: ورد عن أربعين وزاد ابن صاعد قليلاً. وقال
الصيرفي: رواه ستّون، وجمع الطبراني فزاد قليلاً. وقال ابن منده: رواه أكثر من ثمانين، وجمع
ابن الجوزي طرقه في مقدّمة الموضوعات فجاوز تسعين، وبه جزم ابن دحية. وقال أبو موسى
المديني: يرويه مائة صحابي وجمعها بعده الحافظ المزي وأبو علي البكري، وهما متعاصران،
فوقع لكل ما ليس عند الآخر ومجموع ما ذكراه مائة على ما فيها من صحيح وحسن وضعيف
وساقط مع أن فيها ما هو في مطلق ذم الكذب عليه من غير تقييد بهذا الوعيد الخالص ونقل
النووي أنه جاء عن مائتين من الصحابة، ولأجل كثرة طرقه أطلق جماعة أنه متواتر، ونازع بعض
مشائخنا في ذلك بأن شرط التواتر استواء طرفيه، وما بينهما في الكثرة، وليست موجودة في كل
طريق بمفردها.
وأجيب: بأن المراد بإطلاقه كونه متواترًا رواية المجموع عن المجموع من ابتدائه إلى
انتهائه في كل عصر، وهذا كاف في إفادة العلم وأيضًا فطريق أنس وحدها قد رواها عنه العدد
الكثير، وتواترت عنهم. وحديث عليّ رواه عنه ستّة من مشاهير التابعين، وكذا حديث ابن
مسعود، وأبي هريرة، وعبد الله بن عمرو؛ فلو قيل في كل منها أنه متواتر عن صحابيه لكان