Indexed OCR Text

Pages 241-260

٢٤١
الفصل الرابع ما اختصّ به عَّه من الفضائل والكرامات
وأما السنّة، ففي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة: أن رسول الله عَ له
قال: ((فضلت على الأنبياء بست)) فذكر منها، ((وأرسلت إلى الخلق كافة)) فإنه
يشمل الجن والأنس، وحمله على الإنس خاصة تخصيص بغير دليل فلا يجوز.
والكلام فيه كالكلام في آية الفرقان.
فإن قلت: إن قوله تعالى: ﴿قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم
جميعًا﴾ [الأعراف/٥٨]، ﴿ما أرسلناك إلا كافة للناس﴾ [سبأ/٢٨] ظاهر في
اختصاص رسالته عليه السلام بالإنس، واحتمال غير ذلك عدول عن الظاهر.
فالجواب: إن هذا إنما يتمشى على مذهب الدقاق
جنتان ولذا قيل: من الجنّ مقربون وأبرار كالإنس.
(وأمّا السنة) قسيم لمقدر كما مرّ، (ففي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة: أن
رسول اللَّه عَ لَّه قال: (((فضّلت على الأنبياء بست) من الخصال))، وليس المراد الحصر، لأنه
فضل بأكثر بل أخبر بما أُوحي إليه أوّلاً ثم أخبر بالباقي؛ كما مرّ بسطه. (فذكر) الحديث المتقدّم
لفظه في المتن أوّل الخصائص، فلا ننقله من غيره.
(منها: وأرسلت إلى الخلق كافّة) إرسالة عامة محيطة بهم لأنها إذا شملتهم فقد
كفتهم أن يخرج منها أحد منهم، وهذه أصرح الروايات وأشملها، (فإنه يشمل الجنّ والإنس)
بل والملائكة كما يأتي، (وحمله على الإنس خاصّة تخصيص بغير دليل، فلا يجوز) لأنه
تحكم، (والكلام فيه كالكلام في آية الفرقان) المذكورة أولاً إذ العالمين والخلق كل منهما
عام، (فإن قلت: إن قوله تعالى: ﴿قل يا أيها الناس إني رسول اللَّه إليكم جميعًا﴾) حال من
إليكم والخلق كل منهما عام، (وقوله: ﴿و(ما أرسلناك إلا كافة للناس﴾) إلاّ إرسالة عامة لهم
من الكفّ، فإنها إذا لحقتهم فقد كفتهم أن يخرج منها أحد أو إلّ جامعًا لهم في الإبلاغ فهو
حال من الكاف والتاء للمبالغة، ولا يجوز جعلها حالاً من الناس على المختار، قاله البيضاوي.
(ظاهر) ما ذكر من الآيتين ولذا لم يقل ظاهر إن (في اختصاص رسالته عليه السّلام بالإنس)
لأن الخطاب لهم، (واحتمال غير ذلك عدول عن الظاهر) فهل يخالف الآيات والأحاديث الدالّة
على بعثه إلى الجنّ؟ (فالجواب: إن هذا) السؤال (إنما يتمشّى على مذهب) الأستاذ أبي علي
الحسن بن علي النسابوري (الدقاق) إمام عصره برع في الفقه والأصول والعربية والتصوّف، قال
الغزالي: كان زاهد زمانه وعالم أوانه له كرامات ظاهرة ومكاشفات باهرة، قيل له: لم زهدت في
الدنيا؟ قال: لما زهد في أكثرها أنفت عن الرغبة في أقلّها، مات سنة خمس أو ستّ وأربعمائة:

٢٤٢
الفصل الرابع ما اختصّ به عَّةٍ من الفضائل والكرامات
القائل بأن مفهوم اللقب حجة، و ((الناس)) من قبيل اللقب، فإن المسألة المترجمة
في الأصول ((بمفهوم اللقب)) لا تختص باللقب، بل الأعلام وأسماء الأجناس كلها
كذلك ما لم تكن صفة. و ((الناس)) اسم جنس غير صفة فلا مفهوم له. فهذه الآية
ليس فيها أصلاً ما يفهم منه أنه ليس رسولاً إلى غيرهم إلا على مذهب الدقاق،
بل ولا يتم على مذهبه التمسك بهذا المفهوم أيضًا لأن الدقاق إنما يقول به حيث
لم يظهر غرض سواه في ذلك الاسم، وحيث غرض لا يقول بالمفهوم، بل يحمل
التخصيص على ذلك الغرض، والغرض في الآية التعميم في جميع الناس، وعدم
اختصاص الرسالة ببعضهم، فلا يلزم نفي الرسالة عن غيرهم، لا على مذهب الدقاق
ولا على مذهب غيره، وإنما خاطب الناس لأنهم الذين تغلب رؤيتهم والخطاب
معهم، فمقصود الآية خطاب الناس، والتعميم فيهم لا النفي عن
(ا قائل بأن مفهوم اللقب حجّة) خصه، لاشتهاره بذلك وإلا فقد قال به الصيرفي من الشافعية
وهو أقدم منه وأجلّ وابن خويز منداد من المالكية إذ لا فائدة لذكره إلّ نفي الحكم عن غيره
كالصفة. وأجيب بأن فائدته استقامة الكلام إذ بإسقاطه يختلّ بخلاف إسقاط الصفة، (والناس من
قبيل اللّقب) عند الأصوليين وهو الاسم الجامد سواء كان عالمًا أو اسم جنس لا عند النحاة
الذي هو ما أشعر برفعة المسمى أوضعته، (فإن المسألة المترجمة في الأصول بمفهوم اللقب
لا تختصّ باللقب) المشعر بمدح أو ذمّ، (بل الأعلام كلّها وأسماء الأجناس كلّها، كذلك لم
تكن صفة) ظاهره أنها من أسماء الأجناس، وفي المحلّى خلافه فكأن مراده أن أسماء الأجناس
لا تشمل الصفة فلا تدخل في اللقب، (والناس اسم جنس غير صفة فلا مفهوم له) فسقط
السؤال، (فهذه الآية ليس فيها أصلاً ما يفهم منه أنه ليس رسولاً إلى غيرهم،) أي: الإنس
(إلا على مذهب الدقاق) وهو ضعيف (بل) انتقالية، (ولا يتمّ على مذهبه التمسّك بهذا
المفهوم أيضًا؛ لأن الدقاق إنما يقول به حيث لم يظهر غرض سواه) أي غيره (في ذلك
الاسم) فيوافق الدقاق غيره على عدم اعتبار مفهوم اللّقب، (وحيث ظهر غرض) كموافقة الغالب
وما معها المذكور في الأصول، (لا يقول) الدقاق (بالمفهوم بل يحمل التخصيص على ذلك
الغرض، والغرض في الآية التعميم في جميع الناس وعدم اختصاص الرسالة ببعضهم) كما
زعم اليهود والنصارى لا نفي غير الناس، وحينئذ (فلا يلزم نفي الرسالة عن غيرهم لا على
مذهب الدقاق ولا على مذهب غيره) وهم الجمهور، (وإنما خاطب الناس) فقط؛ (لأنهم الذين
تغلب رؤيتهم والخطاب معهم، فمقصود الآية خطاب الناس والتعميم فيهم لا النفي عن

٢٤٣
الفصل الرابع ما اختصّ به عٍَّ من الفضائل والكرامات
غيرهم، وهذا إذا قلنا إن لفظ الناس لا يشمل الجن، فإن قلنا إنه يشملهم فواضح.
والاختلاف فيه مبني على الاختلاف في اشتقاق الناس، هل هو من النوس،
وهو الحركة، أو من الإنس وهو ضد الوحشة؟ فإذا قلنا بالأول أطلق على
الفريقين، ولكن استعماله في الإنس أغلب، فحيث أطلق فالمراد به ولد عادم، وإذا
قلنا بالثاني فلا، لأنا لا نبصر الجن ولا نأنس بهم، فدخول الجن في الآية إما
ممتنع وإما قليل فلا يحمل عليه، وبهذا يتبين ضعف الاستدلال بها، لكنها لا تدل
على خلافه.
وأما قول الضحاك ومن تبعه: أن الرسل إلى الجن منهم، لقوله تعالى: ﴿يا
معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم﴾ [الأنعام/١٣٠]، فهو ظاهر الآية،
غيرهم) حتى يتأتّى السؤال، (وهذا) كلّه إنما يحتاج إليه (إذا قلنا: إن لفظ الناس لا يشمل
الجنّ) كما هو أحد القولين، (فإن قلنا: إنه يشملهم) كما هو القول الآخر، (فواضح) عدم تأتي
السؤال وتكون الآيتان من جملة أدلّة العموم، (والاختلاف فيه) أي الشمول للجنّ (مبني على
الاختلاف في اشتقاق الناس هل هو من النوس) المصدر (وهو الحركة؛) لأن أصل
المشتقات المصدر على الراجح، وهو قول البصريين ولذا لم يقل من ناس إذا تحرّك لابتنائه على
قول الكوفيين إن أصلها الفعل، (أو من الإنس وهو ضدّ الوحشة، فإذا قلنا بالأوّل) من النوس
(أطلق على الفريقين؛) لأن الجنّ يتحرّكون كالإنس، (ولكن) مع ذلك (استعماله في الإنس
أغلب) من استعماله في الجنّ، (فحيث أطلق فالمراد به ولد ءادم) لأنه الأغلب، (وإذا قلنا
بالثاني) وهو الإنس، (فلا) يدخل الجن (لأنّا لا نبصر الجنّ ولا نأنس بهم، فدخول الجنّ في
الآية إما ممتنع) على أنه من الإنس. (وإمّا قليل) على أنه من النوس، (فلا يحمل عليه) الآية
(وبهذا يتبين ضعف الاستدلال بها) على أنه مرسل إليهم؛ (لكنّها لا تدلّ على خلافه) وهو
خروج الجنّ عن کونه مرسلاً إليهم بل هي ساكنة عنه.
(وأمّا قول الضحاك) بن مزاحم الهلالي أبو القاسم أو أبو محمّد الخراساني صدوق كثير
الإرسال روى له الأربعة مات بعد المائة، (ومن تبعه: أن الرسل إلى الجنّ منهم؛ لقوله تعالى:
﴿يا معشر الجنّ والإنس ألم يأتكم رسل منكم﴾، فهو ظاهر الآية) قال ابن جرير: لأن اللَّه
أخبر أن من الجنّ والإنس رسلاً أرسلوا إليهم، فلو جاز أن المراد برسل الجنّ رسل الإنس لجاز
عكسه وهو فاسد، وأجاب الجمهور بأن معنى الآية أن رسل الإنس رسل من قبل اللَّه إليهم ورسل
الجنّ بّهم الله في الأرض ليسمعوا كلام رسل الإنس ويبلغوه قومهم؛ كما قال تعالى: ﴿ولّوا إلى

٢٤٤
الفصل الرابع ما اختصّ به عَّه من الفضائل والكرامات
لكن لم يقل الضحاك ولا أحد غيره باستمرار ذلك فى هذه الملة. وإنما محل
الخلاف في ذلك في الملل المتقدمة خاصة، وأما في هذه الملة فنبينا محمد عد اله
هو المرسل إليهم وإلى غيرهم، ولم ينقل أحد عن الضحاك أن رسل الجن منهم
مطلقًا، ولا ينبغي أن ينسب إليه ما يخالف الإجماع، على أن الأكثرين قالوا: لم
تكن الرسل إلا من الإنس، ولم يكن من الجن قط رسول، لكن لما جمعوا مع
الجن في الخطاب صح ذلك. ونظيره قوله: ﴿يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان﴾
[الرحمن/٢٢]، وهما يخرجان من الملح دون العذب، وقيل الرسل من الجن رسل
الرسل من بني ادم إليهم لا رسل الله، لقوله تعالى: ﴿ولوا إلى قومهم منذرين﴾
[الأحقاف/٢٩]،
قومهم منذرين قالوا يا قومنا إنّا سمعنا كتابًا أنزل من بعد موسى﴾ الآية؛ (لكن لم يقل الضحاك
ولا أحد غيره باستمرار ذلك في هذه الملّة) المحمديّة، (وإنّما محل الخلاف في ذلك في
الملل المتقدّمة خاصة. وأمّا في هذه الملّة فنبيّا عَِّ هو المرسل إليهم وإلى غيرهم) إجماعاً
حكاه ابن عبد البرّ وابن حزم وغيرهما، (ولم ينقل أحد عن الضحاك أن رسل الجنّ منهم
مطلقًا) أي: في الأمم السابقة وهذه الأمة بدليل قوله: (ولا ينبغي أن ينسب إليه ما يخالف
الإجماع) ويحتمل أن معنى الإطلاق لا بأنفسهم ولا عن أحد من البشر، فهو مقابل قوله الآتي،
وقيل: الرسل من الجنّ وفيه بعد (على أن الأكثرين قالوا: لم تكن الرسل إلاّ من الإنس)
خاصّة، (ولم يكن من الجنّ رسول قطّ لكن لما جمعوا مع الجنّ في الخطاب صحّ ذلك)
من باب الحكم على المجموع فلا يستلزم الحكم على الجميع، (ونظيره قوله: ﴿يخرج﴾)
بالبناء للفاعل والمفعول (﴿منهما اللؤلؤ والمرجان﴾، وهما) إنما (يخرجان من الملح دون
العذب) على الصحيح، وقول الجمهور: خلافاً لقوم أنه يخرج من العذب أيضًا، قال ابن عطية:
وقد ردّ الناس هذا القول لأن الحسّ يكذبه ووجهت آية ﴿يا معشر الجنّ والإنس﴾ أيضًا بأنه لما
كان النداء لهما معًا والتوبيخ جرى الخطاب عليهما على سبيل التجوّز المعهود في كلام العرب
تغليبًا للإِنس لشرفهم وتأوّله الفراء على حذف مضاف، أي: من أحدكم؛ كقوله: ﴿يخرج منهما
اللؤلؤ والمرجان﴾، أي: من أحدهما وهو الملح؛ وكقوله: ﴿وجعل القمر فيهن نورًا﴾، أي: في
إحداهنّ وهي سماء الدنيا، و﴿يذكروا اسم اللَّه في أيام معلومات﴾ أراد بالذكر التكبير وبالأيام
العشر، أي: أحد أيام العشر وهو يوم النحر.
(وقيل: الرسل من الجنّ رسل الرّسل من بني آدم إليهم) فهم رسل اللَّه بواسطة إذ هم
رسل رسله، (لا رسل الله) بلا واسطة؛ (لقوله تعالى: ﴿ولّوا إلى قومهم منذرين﴾،) وهذا

٢٤٥
الفصل الرابع ما اختصّ به عَّةٍ من الفضائل والكرامات
قاله بعض العلماء.
ومنها أنه أرسل إلى الملائكة في أحد القولين، ورجحه السبكي.
منقول عن ابن عباس والضحاك أيضًا ونقل بعضهم عنه موافقة الجمهور أيضًا، (قاله بعض
العلماء.) وقيل: بعث اللَّه رسولاً واحدًا من الجنّ إليهم اسمه يوسف ونقل عن ابن عباس أنه
المراد في قوله تعالى: ﴿ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات﴾، واحتجّ ابن حزم على أن الرسل
إلى الجنّ منهم في الأمم السابقة بقوله عَّه: ((وكان النبيّ يبعث إلى قومه خاصّة))، وليس الجنّ
من قوم الإنس فيثبت أنه كان منهم أنبياء إليهم، وفي استدلاله بالحديث نظر. وما أخرجه
الحاكم والبيهقي عن ابن عباس في قوله: ((ومن الأرض مثلهن))، قال: سبع أرضين في كل أرض
وادم كآدمكم ونوح كنوحكم وإبراهيم کإبراهيمكم وعیسی کعيساكم ونبيّ كنبيّكم، فقال
البيهقي: إسناده صحيح لكنه شاذ بمرة، يعني: فلا يلزم من صحة إسناده صحة متنه فقد يصح
الإسناد، ويكون في المتن شذوذًا وعلّة تقدح في صحته؛ كما تقرّر عند المحدثين. قال ابن
كثير: وهذا إن صح عنه يحمل على أنه أخذه من الإسرائيليّات، وهذا أو أمثاله إذا لم يخبر به
ويصح سنده إلى معصوم فهو مردود على قائله، انتهى. وعلى تقدير ثبوته يكون المعنى أن ثم من
يقتدي به مسمّى بهذه الأسماء وهم الرسل المبلغون إلى الجنّ عن أنبياء الله سمى كل منهم
باسم النبيّ الذي يبلغ عنه، والله أعلم.
(ومنها: أنه أرسل إلى الملائكة) قال في فتح الباري: قال جمهور أهل الكلام من
المسلمين: الملائكة أجسام لطيفة أعطيت قدرة على التشكّل بأشكال مختلفة ومسكنها
السلطوات، وأبطل قول من قال إنها الكواكب أو الأنفس الخيّرة التي فارقت أجسادها وغير ذلك
من الأقوال التي لا يوجد في الأدلّة السمعية شىء منها، وجاء في صفتهم وكثرتهم أحاديث، منها
ما أخرجه مسلم عن عائشة مرفوعًا: ((خلقت الملائكة من نور)) الحديث، وأخرج الترمذي وابن
ماجه والبزار عن أبي ذرّ مرفوعًا: ((أطت السماء وحقّ لها أن تئطّ ما فيها موضع أربع أصابع إلاّ
وعليه ملك ساجد)) الحديث. وروى الطبراني عن جابر رفعه: (ما في السموات موضع قدم ولا
شبر ولا كفّ إلاّ وفيه ملك قائم أو راكع أو ساجد». وذكر في ربيع الأبرار عن سعيد بن
المسيّب، قال: الملائكة ليسوا ذكورًا ولا إناثًا، ولا يأكلون ولا يشربون، ولا يتناكحون، ولا
يتوالدون، وفي قصّة الملائكة مع إبراهيم وسارة ما يؤيّد أنهم لا يأكلون. وأمّا ما وقع في قصّة
الأكل من الشجرة أنها الخلد التي تأكل منها الملائكة فليس بثابت، وفي هذا ما ورد من القرءان
ردّ على أن من أنكر وجود الملائكة من الملاحدة، انتهى.
(في أحد القولين، ورجّحه السبكي) والبارزي وابن حزم والسيوطي لأنهم مكلّفون

٢٤٦
الفصل الرابع ما اختصّ به عَّله من الفضائل والكرامات
قال تعالى: ﴿تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرًا﴾
[الفرقان/١] ولا نزاع أن المراد من العبد ها هنا محمد عليه الصلاة والسلام،
والعالم هو ما سوى الله تعالى، فيتناول جميع المكلفين من الجن والإنس
والملائكة، وبطل بذلك قول من قال: إنه كان رسولاً إلى البعض دون البعض، لأن
لفظ ((العالمين)) يتناول جميع المخلوقات، فتدل الآية على أنه رسول إلى الخلق.
ولو قيل لمدعي ((خروج الملائكة من هذا العموم)» أقم الدليل عليه ربما عجز
عنه، فإنه يحتمل أن يكون من الملائكة من أنذره عَّه إما ليلة الإسراء وإما غيرها.
لكن لا يلزم من الإنذار والرسالة إليهم في شىء خاص أن يكون
بالطاعات العمليّة؛ كما قال تعالى: ﴿لا يعصون الله ما أمرهم﴾، وإن لم يكونوا مكلّفين
بالوحدانيّة لظهورها لهم فتكليفهم بها تحصيل للحاصل ودليل رجحان هذا القول ما (قال
تعالى: ﴿تبارك﴾) تعالى ((الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرًا﴾،) مخوّفًا من
عذاب الله، (ولا نزاع أن المراد من العبد لههنا محمّد عليه الصّلاة والسّلام) إذ الإضافة
عهدية وجاء استعماله بهذا اللفظ فيه: أسرى بعبده أنزل على عبده الكتاب، واشتهر حتى صار
كالعلم المخصوص به عَ ليه فهو دفع لتجويز أن المراد غيره، (والعالم) بفتح اللام والرفع اسئناف
(هو ما سوّى اللَّه) وليس بالخفض عطفًا على العبد؛ لأنه يكون التقدير ولا نزاع في أن المراد
من العالم ما سوّاه (تعالى) مع أن فيه النزاع، قال المجد: العالم الخلق كلّه أو ما حواه بطن الفلك،
وفي المصباح: العالم الخلق، وقيل: مختصّ بمن يعقل؛ (فيتناول جميع المكلّفين) على أنه
الخلق كلّه (من الجنّ والإنس والملائكة،) وعلى أنه اسم للعاقل فالمكلّفون مفهومه والتناول
فيه باعتبار كل فرد أو نوع، (وبطل بذلك) أي: شمول الآية لجميع المكلّفين (قول من قال: إنه
كان رسولاً إلى البعض دون البعض٤) لمخالفة التخصيص لصريح الآية، (لأن لفظ العالمين
يتناول جميع المخلوقات) توجيه للإبطال، (فتدلّ الآية على أنه رسول إلى الخلق) كلّهم
ومنهم الملائكة فثبت المطلوب. (ولو قيل لمدعي خروج الملائكة من هذا العموم: أقم
الدليل عليه) لأن تخصيص العام لا بدّ له من دليل، (رَبّما عجز عنه) فإن اعتلّ بأنه قال نذيرًا
فيخرج الملائكة لعصمتهم، ولأنه لم ينذرهم لم تقبل علّته، (فإنّه يحتمل أن يكون من الملائكة
من أنذره عَّهِ إمّا ليلة الإسراء وإمّا غيرها،) وإذا احتمل ذلك بطل تخصيصها بغير الملائكة إذ
لا يثبت إلا بدليل، وظاهر الآية شمولها لهم وهو كاف في الاستدلال إذ ليس كل احتمال يقدح
فيه بل إنما يقدح الاحتمال القوي، وكذا لا يلزم من العصمة عدم الإنذار ومن يقل منهم إني إله
فقد أنذرهم مع العصمة، (لكن لا يلزم من الإنذار والرسالة إليهم في شىء خاص أن يكون

٢٤٧
الفصل الرابع ما اختصّ به عٍَّ من الفضائل والكرامات
بالشريعة كلها.
وإذا قلنا إن الملائكة هم مؤمنو الجن السماوية، فإذا ركب هذا مع القول
بعموم الرسالة للجن الذي قام الإجماع عليه، لزم عموم الرسالة لهم، لكن القول
بأن الملائكة من الجن قول شاذ.
والجمهور: على أن ((العالمين)) في آية الفرقان عام مخصوص بالإنس والجن
بالشريعة كلها،) إذ لا تتأتى كلّها فيهم وممّا يدلّ على شمول الآية للملائكة قوله تعالى: ﴿ومن
يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم﴾، قال السيوطي: لم أقف على إنذار في القرءان
للملائكة سوى هذه الآية، والحكمة في ذلك واضحة؛ لأن غالب المعاصي راجعة إلى البطن
والفرج وذلك ممتنع عليهم من حيث الخلقة فاستغنى عن إنذارهم فيه.
(وإذا قلنا: إن الملائكة هم مؤمنو الجن السموية) كما ذهب إليه من زعم أن العقلاء
الناطقين فريقان إنس وجان، وكل فريق أخيار وأشرار، فأخيار الإنس هم الأبرار منهم رسل وغير
رسل، وأشرارهم الفجار كفار وغير كفار، وأخيار الجنّ هم الملائكة منهم رسل وغير رسل،
وأشرارهم الشياطين، واستدلّ من قال الملائكة هم خيار الجنّ، بقوله تعالى: ﴿وجعلوا بينه وبين
الجنّة نسبًا﴾، والمراد قول الكفار الملائكة بنات اللَّه تعالى عن ذلك، فدلّ على أن الملائكة من
الجنّ، وبقوله تعالى: ﴿خلق الإنسان من صلصال كالفخار وخلق الجان من مارج من نار﴾، فلو
كانت الملائكة صنفًا ثالثًا لما ترك التمدح بالقدرة على أشرف خلقه وذكر ما دونه، وردّ بأن هذه
الآية لبيان ما ركبه من خلق متقدّم فلم تدخل الملائكة فيه لأنهم مخترعون، قال تعالى لهم
كونوا فكانوا؛ كما قال للأصل الذي خلق منه الإنس والجن وهو التراب والماء والنار والهواء:
﴿كن﴾ فكان، فالملائكة في الاختراع كأصول الإنس والجنّ لا كأعيانهم، فلذا لم يذكروا معهم
كما في الحبائك. (فإذا ركب هذا مع القول بعموم الرسالة للجنّ الذي قام الإجماع عليه،)
أي: عموم رسالته للجنّ بأن يقال للملائكة مؤمنو الجنّ السلطوية ورسالته إلى الجنّ مجمع عليها،
(لزم عموم الرسالة) لهم؛ (لكن القول بأن الملائكة من الجنّ قول شاذ) لا اعتداد به؛ لقيام
الأدلّة على خلافه، ومن أصرحها قوله عَ له: ((خلقت الملائكة من نور وخلق الجان من مارج من
نار، وخلق ءادم مما وصف لكم))، رواه مسلم. قال البيهقي: ففي فصله بينهما دليل على أنه نور
آخر غیر نور النار، انتھی.
(والجمهور على أن العالمين في آية الفرقان عام مخصوص بالإنس والجن،) فيخرج
الملائكة، وهذا من حين الاستدراك الذي قبله، ويمكن أن مراد الجمهور أنها مخصوصة بهما من
حيث عمومها لجميع الأحكام من أمر ونهي، فلا ينافي أن إرساله للملائكة لأمر خاص؛ كما

٢٤٨
الفصل الرابع ما اختصّ به عٍَّ من الفضائل والكرامات
كما فسر بهما حديث ((وأرسلت إلى الخلق كافة)) المروي في مسلم.
وصرح الحليمي والبيهقي في الباب الرابع من شعب الإيمان بأنه عليه الصلاة
والسلام لم يرسل إلى الملائكة، صرح في الباب الخامس عشر بانفکا کهم عن شرعه.
وفي تفسير الإمام فخر الدين الرازي، والبرهان النسفي: حكاية الإجماع في
تفسير آية الفرقان على أنه لم يكن رسولاً إليهم، كما حكاه العلامة الجلال
المحلي، والله أعلم.
وعبارة النسفي: ثم إنهم قالوا هذه
يقوله السبكي والمحقّقون، كشرفه ودخولهم تحت دعوته، واتّباعه تشريفًا له على سائر المرسلين
(كما فتر بهما حديث: ((وأرسلت إلى الخلق كافّة))، المروي في مسلم) بهذا اللفظ عن
أبي هريرة؛ كحديثه عن جابر بلفظ: ((وبعثت إلى كل أحمر وأسود))، وللبخاري: ((إلى الناس
كافّة))، (وصرّح الحليمي) العلاّمة البارع، رئيس أهل الحديث بما وراء النهر القاضي أبو عبد الله
الحسين بن الحسين بن محمّد بن حليم، نسبه إلى جدّه هذا البخاري الشافعي من أصحاب
الوجوه، وأذكياء زمانه، وفرسان النظر له اليد الطولى في العلوم والأدب.
قال الذهبي: وما هو من فرسان هذا الشأن، أي: الحديث، مع أن له فيه عملاً جيّدًا، مات
سنة ثلاث وأربعمائة، (والبيهقي) أحمد بن الحسين الحافظ الشهير، (في الباب الرابع من
شعب الإيمان بأنه عليه الصّلاة والسّلام لم يرسل إلى الملائكة، وصرّح في الباب الخامس
عشر) من الشعب (بانفكاكهم عن شرعه، وفي تفسير الإمام فخر الدين الرازي) المسمّى
بأسرار التنزيل، (و)تفسير (البرهان النسفي حكاية الإجماع على أنه لم يكن رسولاً إليهم،
كما حكاه) شارح جمع الجوامع في الكتاب السابع (العلامة الجلال،) أي: جلال الدين
محمّد بن أحمد بن محمّد بن إبراهيم (المحلّى،) ولد بمصر سنة إحدى وتسعين وسبعمائة،
واشتغل وبرع في الفنون فقهًا، وكلامًا، وأصولاً، ونحوًا وغيرها وأخذًا عن الأقصراي والبيجوري
والبساطي وغيرهم، وكان آية في الذكاء والفهم، قال في بعض أهل عصره: ذهنه يثقب ألماس،
وقال: هو فهمي، لا يقبل الخطأ، ولم يكن يقدر على حفظ كراس، وكان ورعًا، صالحًا، آمرًا
بالمعروف، ناهيًا عن المنكر، يواجه بذلك أكابر الظلمة والحكّام، ويأتون إليه، فلا يلتفت إليهم،
ولا يأذن لهم بالدخول عليه، توفّي أول يوم من سنة أربع وستين وثمانمائة، (واللَّه أعلم) بما في
نفس الأمر.
(وعبارة النسفي) ليست صريحة في حكاية إجماع الأُمّة، فإنّه قال: (ثم إنهم قالوا: هذه

٢٤٩
الفصل الرابع ما اختصّ به عَ لَّه من الفضائل والكرامات
الآية تدل على أحكام: أولها: إن قوله: ﴿ليكون للعالمين نذيرًا﴾ يتناول جميع
المكلفين من الجن والإنس والملائكة. لكنا أجمعنا على أنه عُ لِّ لم يكن رسولاً
إلى الملائكة، بل يكون رسولاً إلى الجن والإنس جميعًا.
وقد تعقب الجلال المحلي العلامةُ كمال الدين بن أبي شريف فقال: اعلم
أن البيهقي نقل ذلك عن الحليمي، فإنه قال: هذا معنى كلام الحليمي، وفي قوله
هذا إشعار التبري من عهدته، وبتقدير أن لا إشعار فيه فلم يصرح بأنه مرضي عنده.
وأما الحليمي فإنه وإن كان من أهل السنة فقد وافق المعتزلة في تفضيل الملائكة
على الأنبياء عليهم السلام. وما نقل عنه موافق لقوله بأفضلية الملائكة، فلعله بناه
علیه.
وأما ما ذكره من حكاية الراوي والنسفي الإجماع على أنه عليه الصلاة
والسلام لم
الآية تدلّ على أحكام، أوّلها إن قوله: ﴿ليكون للعالمين نذيرًا﴾ الآية، يتناول جميع
المكلّفين من الجنّ والإنس والملائكة، لكنّا) لا نسلّم تناوله للملائكة لأنّا (أجمعنا على أنه
لم يكن رسولاً إلى الملائكة،) وهذه العبارة تستعمل في إجماع الخصمين المتناظرين، كما
يأتي، وبفرض تسليمه، فيمكن حمله على أنه لم يكن رسولاً إليهم بشرع، يعملون به؛ لأنهم
مطبوعون على ما به، أمروا حتى أن العبادة لهم كالأمور الضرورية لنا، بحيث لا يفترون عنها
كالنفس للحيوان، فلا ينافي أنه رسول إليهم بغير ذلك، (بل يكون رسولاً إلى الجنّ والإنس
جميعًا) بلا نزاع، (وقد تعقب الجلال) مفعول (المحلّي) وفاعله، (العلاّمة كمال الدين بن
أبي شريف) المقدسي، ثم المصري الفقيه الأصولي، (فقال: اعلم أن البيهقي نقل ذلك عن
الحليمي، فإنه قال هذا معنى كلام الحليمي، وفي قوله هذا إشعار بالتبرّي من عهدته،) فلا
ينبغي نسبته حكاية الإجماع للبيهقي، (وبتقدير أن لا إشعار فيه) بالتبرّي، (فلم يصرّح بأنه
مرضي عنده،) فكان ينبغي أن يقول: قال البيهقي: عن الحليمي.
(وأمّا الحليمي فإنه وإن كان من أهل السنّة، فقد وافق المعتزلة في تفضيل الملائكة
على الأنبياء عليهم السّلام،) ومحلّ الخلاف ما عدا نبيّنا، فإنه أفضل من الملائكة بإجماع
حتى من المعتزلة؛ كما قاله جمع من المحقّقين، كالإمام الرازي، (وما نقل عنه موافق لقوله:
بأفضليّة الملائكة، فلعلّه بناه عليه،) وهو مردود، فكذا ما بني عليه.
(وأمّا ما ذكره من حكاية الرازي والنسفي: الإجماع على أنه عليه الصّلاة والسّلام لم

٢٥٠
الفصل الرابع ما اختصّ به عَّ من الفضائل والكرامات
يكن رسولاً إليهم، فقد وقع في نسخ من تفسير الرازي: لكنّا بيّنا بدل أجمعنا،
على أن قوله: ((أجمعنا)) ليس صريحًا في إجماع الأمة، لأن مثل هذه العبارة
تستكل لإجماع الخصمين المتناظرين، بل لو صرح به لمنع، فقد قال الإمام
السبكي في قوله تعالى: ﴿ليكون للعالمين نذيرًا﴾ قال المفسرون كلهم في
تفسيرها للجن والإنس، وقال بعضهم: وللملائكة، انتهى.
وبالجملة: فالاعتماد على تفسير الرازي والنسفي في حكاية إجماع انفردا
بحكايته أمر لا ينهض حجة على طريق علماء النقل، لأن مدارك نقل الإجماع من
كلام الأئمة وحفاظ الأمة كابن المنذر وابن عبد البر، ومن فوقهما في الاطلاع
كالأئمة أصحاب المذاهب المتبوعة .
يكن رسولاً إليهم) فغير مسلم، (فقد وقع في نسخ من تفسير الرازي: لكنّا بينا بدل أجمعنا،)
وهذا لا إشعار فيه بإجماع (على أن قوله) في النسخ الأخرى: (أجمعنا) ومثله في النسفي
(ليس صريحًا في إجماع الأمة؛ لأن مثل هذه العبارة،) أي: هي ومثلها (تستعمل لإجماع
الخصمين المتناظرين،) فلا يلزم منها عدم الخلاف، فضلاً عن الإجماع، (بل لو صرّح به) بأن
قال: أجمعت الأمة (لمنع) بوجود الخلاف، (فقد قال الإمام السبكي في) تفسير (قوله تعالى:
﴿ليكون للعالمين نذيرا﴾ الآية).
(قال المفسّرون كلّهم في تفسيرها: للجنّ والإنس، وقال بعضهم:) لهما (وللملائكة،)
فدعوى الإجماع على عدمها باطلة، فمن حفظ حجّة، (انتهى) كلام السبكي، ومعناه: أنّهم اتّفقوا
على إرساله للثقلين، واختلفوا في الملائكة، كما هو واضح جدًا، ولم يفهمه من قال قوله، كلّهم
ينافي قوله: وقال بعضهم، فهذا من سوء الفهم ما تنبّه للواو، (وبالجملة فالاعتماد على تفسير
الرازي والنسفي في حكاية إجماع انفردا بحكايته، أمر لا ينهض حجّة على طريق علماء
النقل؛ لأن مدارك:) جمع مدرك مصدر ميمي نفسي الإدراك، أو الشىء المدرك (نقل الإجماع من
كلام الأئمة) متعلق بنقل، (وحفاظ الأمّة كابن المنذر) محمّد بن إبراهيم بن المنذر النيسابوري،
الحافظ، العلاّمة، الفقيه، شيخ الحرم، وصاحب الكتب التي لم يصنف مثلها، كان غاية في معرفة
الخلاف، والدليل مجتهدًا لا يقلّد أحدًا، مات بمكّة سنة ثمان عشرة وثلاثمائة، (وابن عبد البرّ)
يوسف بن عبد اللَّه بن محمّد بن عبد البرّ بن عاصم، الإمام، الحافظ ساد أهل الزمان في الحفظ
والاتقان، كان فقيهًا، حافظًا، مكثرًا، عالمًا، بالقراءات والرجال، والحديث والخلاف، (ومن
فوقهما في الاطّلاع) الواسع؛ (كالأئمّة أصحاب المذاهب المتبوعة،) المقلّدة أربابها، المدونة
كتبها كالأربعة المشهورة، والسفيانين، والليث، وابن راهويه، وابن جرير، وداود الظاهري

٢٥١
الفصل الرابع ما اختصّ به عي ◌ّة من الفضائل والكرامات
ومن يلحق بهما في سعة دائرة الاطلاع والحفظ والإتقان لها من الشهرة عند علماء
النقل ما يغني عن بسط الكلام فيها.
واللائق بهذه المسألة التوقف عن الخوض فيها على وجه يتضمن دعوى
القطع في شىء من الجانبين، انتهى.
والأوزاعي، فكان لكلّ من هؤلاء أتباع يفتون بقولهم ويقضون، وإنما انقرضوا بعد الخمسمائة
لموت العلماء وقصور الهمم.
ذكره السيوطي، وذكر عياض أن أتباع الطبري انقرضوا بعد أربعمائة، وأن الثوري لم تكثر
أتباعه ولم يطل تقليده، وانقطع مذهبه عن قريب، (ومن يلحق بهما،) أي: ابن المنذر وابن
عبد البّر، وفي نسخة: بها، أي: الأئمة، وفي أخرى: بهم (في سعة دائرة الاطّلاع والحفظ
والاتقان،) وقوله: (لها) خبر أن في قوله: لأن مدارك أي للمدارك (من الشهرة عند علماء النقل
ما يغني عن بسط الكلام فيها،) فكيف يعتمد على إجماع انفرد بنقله رجلان ليسا من الحفاظ،
ولا لهما سعة اطّلاع، وقد ذكر الحافظ أن الرازي نوزع في ذلك.
قال في الإصابة: هل تدخل الملائكة في حدّ الصحابي محل نظر، وقال بعضهم: إن
ذلك ينبغي على أنه كان مبعوثًا إليهم، أم لا؟، وقد نقل الرازي الإجماع على أنه لم يرسل إليهم،
ونوزع في هذا النقل، بل رجح الشيخ تقي الدين السبكي إرساله إليهم، واحتج بأشياء يطول
شرحها، وفي صحة بناء هذه المسألة على هذا الأصل نظر لا يخفى، انتهى.
وفي الإصابة أيضًا أنكر ابن الأثير على أبي موسى المديني ترجمة الجنّ في الصحابة، ولا
معنى لإنكاره، لأنهم مكلفون، وقد أرسل إليهم النبيّ عَ}.
وأمّا قوله: كان الأولى أن يذكر جبريل، ففيه نظر؛ لأنه عَّه بعث إليهم قطعًا، وهم
مكلفون، فيهم العصاة والطائعون، فمن عرف اسمه منهم لا ينبغي التردّد في ذكره في الصحابة،
وإن كان ابن الأثير عاب ذلك على أبي موسى، فلم يستند في ذلك إلى حجّة، وأمّا الملائكة
فيتوقّف عدّهم فيهم على ثبوت بعثته إليهم، فإن فيه خلافًا بين الأصوليين حتى نقل بعضهم
الإجماع على ثبوته وعکس بعضهم، انتهى.
(واللائق بهذه المسألة التوقف عن الخوض فيها) لا مطلقًا، بل (على وجه يتضمّن
دعوى القطع في شىء من الجانبين) لتعشّره أو تعذّره، (انتهى) كلام ابن أبي شريف.
وفي كشف الأسرار لابن العماد أن عادم عليه السّلام أرسل إلى الملائكة لينبئهم بما علّم
من الأسماء، نقله الحبائك، وهو منابذ لعدّه في الأنموذج من الخصائص التي اختصّ بها عن
جميع الأنبياء، ولم يؤتها نبيّ قبله أنه أرسل إلى الملائكة في أحد القولين، ورجّحه السبكي، زاد

٢٥٢
الفصل الرابع ما اختصّ به عَّةٍ من الفضائل والكرامات
ومنها: أنه أرسل رحمة للعالمين، كما قال تعالى: ﴿وما أرسلناك إلا رحمة
للعالمين﴾ [الأنبياء/١٠٧] قال السمرقندي: يعني للجن والإنس، وقيل لجميع
الخلق، رحمة بالهداية للمؤمن ورحمة للمنافق بالأمان من القتل. (وقال ابن عباس:
رحمة للبر والفاجر، لأن كل نبي إذا كذيا أهلك الله من كذبه، ومحمد عَّه أخر
من كذبه إلى الموت أو القيامة. وأما من صدقه فله الرحمة في الدنيا والآخرة.
فذاته عليه الصلاة والسلام - كما روي -رحمة نعم المؤمن والكافر كما قال تعالى:
﴿وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم﴾ [الأنفال/٣٣] وقال: ((إنما أما رحمة مهداة)).
البارزي: وإلى الحيوانات والجمادات.
(ومنها: أنه أرسل رحمة للعالمين،) منّ بها على عباده لطفًا منه تعالى، ومحض جود
وفضل، لا وجوبًا، كما زعمت المعتزلة؛ (كما قال تعالى: ﴿وما أرسلناك إلاّ رحمة
للعالمين﴾،) قال أبو بكر بن ظاهر: زيّن اللَّه تعالى محمّدًا عَّله بزينة الرحمة، فكوّنه وجميع
شمائله وصفاته وحياته وموته رحمة؛ كما قال: ((حياتي خير لكم ومماتي خير لكم))، وقال: ((إذا
أراد اللَّه رحمة بأُمّة قبض نبيّها قبلها فجعله لها فرطًا وسلفًا).
(قال السمرقندي: يعني للجنّ والإنس) تفسير للعالمين، لإرشاده لهم ولطفه بهم، وحمله
لهم على ذلك، الراحمون يرحمهم الرحمن ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء،
(وقيل لجميع الخلق) أهمّ من الثقلين، وهو المتبادر من العالمين (رحمة بالهداية) للمؤمن،
(ورحمة للمنافق بالأمان من القتل)، وتأخير عذابهم، وللكفار بالأمن من المسخ والخسف، وعذاب
الاستئصال (وقال ابن عباس: رحمة للبر والفاجر، لأن كل نبي إذا كذب أهلك الله من كذبه
ومحمد عَّ أخّر من كذبه إلى الموت أو إلى القيامة)، والتأخير رحمة.
(وأمّا من صدقه، فله الرحمة في الدنيا والآخرة) بالشفاعة التي ادّخرها لأُمّته في
القيامة، (فذاته عليه الصّلاة والسّلام، كما روى رحمة، نعم المؤمن والكافر؛ كما قال تعالى:
﴿وما كان الله ليعذّبهم﴾) بما سألوه (﴿وأنت فيهم﴾ الآية،) لأن العذاب إذا نزل عمّ ولم
تعذّب أُمّة إلاّ بعد خروج نبيّها، والمؤمنين منها.
(وقال عليه الصّلاة والسلام: ((إنما أنا رحمة)،) أي: ذو رحمة، أو بالغ في الرحمة حتى
كأنّي عينها، لأن الرحمة ما يترتّب عليه النفع ونحوه وذاته كذلك فصفاته التابعة لها، كذلك
(مهداة))) بضمّ الميم، وللطبراني: ((بعثت رحمة مهداة)).
قال ابن دحية: معناه إن اللَّه بعثني رحمة للعباد، لا يريد لها عوضًا؛ لأن المهدي إذا كانت
هديته عن رحمة لا يريد لها عوضًا، وقال غيره: أي ما أنا إلّ رحمة أهداها اللَّه للعالمين، فمن

٢٥٣
الفصل الرابع ما اختصّ به عَ لَّهِ من الفضائل والكرامات
رواه الدارمي والبيهقي من حديث أبي هريرة، وسيأتي في المقصد السادس مزيد
لذلك إن شاء الله تعالى. والله الموفق.
ومنها: أن الله خاطب جميع الأنبياء بأسمائهم في القرءان، فقال: يا ءادم، يا
نوح، يا إبراهيم، يا داود، يا زكريا، يا يحيى، يا عيسى، ولم يخاطبه هو إلا بـ ((يا
أيها الرسول)) ((يا أيها النبى)) ((يا أيها المزمل)) ((يا أيها المدثر)).
ومنها أنه حرم على الأمة نداءه باسمه، قال تعالى: ﴿لا تجعلوا دعاء
الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضًا﴾ [النور/٦٣] أي لا تجعلوا نداءه وتسميته
قبلها أفلح ونجا، ومن أبى خاب وخسر، ولا يشكل الحصر بوقوع الغضب منه كثيرًا؛ لأنه لم
يقصد من بعثته، بل المقصود بالذات الرحمة والغضب بالتبعية بل في حكم العدم مبالغة، أو
المعنى أنه رحمة على كل فرد، لأن غضبه للَّه كانتقامه؛ كقوله: ﴿ولكم في القصاص حياة﴾
الآية، أو أنه رحمة في الجملة، فلا ينافي الغضب في الجملة.
(رواه الدارمي) عبد الله بن عبد الرحمن الحافظ، وفي المقصد السادس الديلمي،
(والبيهقي،) وشيخه الحاكم (من حديث أبي هريرة،) وقال: على شرطهما، وأقرّه الذهبي،
وفي الصحيحين عن أبي هريرة مرفوعًا: ((إنما بعثت رحمة ولم أبعث عذابً).
وروى ابن عساكر عن ابن عمر، رفعه: ((إنّ اللَّه بعثني رحمة مهداة، بعثت برفع قوم
وخفض آخرين))، أي: برفعهم بالسبق إلى الإيمان وإن كانوا من الضعفاء، وخفض من أبى وإن بلغ
غاية الشرف؛ لأنه لم تنفع فيه الآيات والنذر، أي: أنه يضع قدرهم ويذلّهم باللسان والسنان،
(وسيأتي في المقصد السادس مزيد لذلك) قليل (إن شاء اللَّه تعالى، والله الموفّق) لا غيره.
(ومنها: أن اللَّه خاطب جميع الأنبياء) الذين ذكرهم في القرءان، أو الذين بلغنا في
القرءان أنه خاطبهم (بأسمائهم،) فلا يرد أنه لم يقم دليلاً على خطاب الجميع، إنّما ذكر آيات
ذكروا فيها بأسمائهم، وذلك لا يستلزم خطاب غيرهم لا باسمه ولا بغيره، (فقال: ((يا ءادم)
﴿اسكن أنت وزوجك الجنّة﴾ (يا نوح) ﴿اهبط بسلام منا﴾، الآية، (يا إبراهيم) ﴿أعرض عن هذا
يا موسى﴾،) ﴿وما تلك بيمينك يا موسى﴾ الآية، (يا داود) ﴿إنّا جعلناك خليفة في الأرض﴾
الآية، (يا زكريّاً) ﴿إِنّا نبشرك بغلام﴾ الآية، (يا يحيى) ﴿خذ الكتاب بقوّة﴾ الآية، (يا عيسى)
﴿إني متوفيك ورافعك إليَّ﴾ الآية، (ولم يخاطبه هو) تشريفًا وإجلالاً (إلاّ بـ ﴿يا أيها الرسول)
بلغ ما أنزل إليك﴾ الآية، (﴿يا أيّها النبي) إنا أرسلناك شاهدًا﴾ الآية، (﴿يا أيها المزمل﴾
الآية)، ﴿قم الليل﴾، (﴿يا أيها المدثر قم فأنذر﴾) الآية، ومشى هنا على قول السهيلي: ليس

٢٥٤
الفصل الرابع ما اختصّ به عَ ◌ّةٍ من الفضائل والكرامات
كنداء بعضكم بعضًا باسمه، ورفع الصوت به، والنداء وراء الحجرات، ولكن قولوا:
يا رسول الله، يا نبي الله، مع التوقير والتواضع وخفض الصوت،
المزمل والمدثر بأسم من أسمائه يعرف به، وإنما هو مشتقٌ من حالته التي كان متلبّسًا بها حالة
الخطاب، ملاطفة على عادة العرب؛ كقوله عَّله لعليّ: ((قم يا أبا تراب))، وقوله لحذيفة: ((قم يا
نومان))، لا على القول بأنهما من أسمائه لإشكاله، اللَّهمّ إلّ أن يكون لم يرد بغير الأسماء ما يراد
به مجرّد الذات الشريفة، وأراد بغير الذات ما يراد به الذات مع صفة قائمة بها، ومنه المزمل
والمدثر، ثم لا يخفى أن الخطاب نداء، فخرج به ذكره بلا نداء في محمّد رسول اللَّه، ﴿وما
محمّد إلاّ رسول﴾، ﴿ما كان محمد أبا أحد من رجالكم﴾، و﴿مبشّرًا برسول يأتي من بعدي
اسمه أحمد﴾ ﴿وآمنوا بما نزل على محمّد﴾؛ لأنه للتعريف بأنه الذي أخذ اللَّه عهده على الأنبياء
بالإيمان به، ولو لم يسمه لم يعرفوه.
وأمّا قول اللَّه سبحانه يوم القيامة: يا محمّد ارفع رأسك وقل تسمع إلى آخره، فتنويه بذكر
اسمه الدالّ على الصفة التي يحمده بها جميع الخلائق، فانظر إلى هذا التعظيم يناديه في كل
مقام بأشرف تعظيم يناسب ذلك المقام، ففي الدنيا بالنبّة والرسالة ليشهد له بهما، وفي الآخرة
لما تحققت الحقائق، ناداه باسمه لما اشتمل عليه من المعنى المناسب لذلك اليوم، وليفجأه
سبحانه بما يدلّ على صفة يحمده بها الخلق، ليستدلّ بالنداء بها على قبول شفاعته، ثم عقب
ذلك بقوله: قل تسمع، وسل تعط فهو تكريم بعد تكريم، وتعظيم بعد تعظيم.
زاد في الأنموذج: وخاطبه بألطف مما خاطب به الأنبياء، أي كقوله لداود: ﴿ولا تتبع
الهوى فيضلّك عن سبيل اللَّه﴾ الآية، وقال للمصطفى: ﴿وما ينطق عن الهوى﴾ تنويهًا له على
ذلك بعد الإقسام عليه، وقال موسى: ففرت منكم لما خفتكم، وقال عن نبيّنا: ﴿وإذ يمكر بك
الذين كفروا﴾ الآية، فكنى عن خروجه وهجرته بأحسن العبارات، ولم يذكره بالفرار الذي فيه
نوع غضاضة.
(ومنها: أنه حرّم على الأُمّة نداؤه باسمه) في كتابه العزيز، (قال تعالى: ﴿لا تجعلوا
دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضًا﴾ الآية، أي: لا تجعلوا دعاءه وتسميته،) فهو من
إضافة المصدر لمفعوله، أي: لا تجعلوا دعاءكم إياه (كنداء،) تفسير لدعاء (بعضكم بعضًا)
بخطابه (باسمه، ورفع الصوت به، والنداء وراء الحجرات،) بجرّهما عطفًا على اسمه، ذكرهما
لتمام التشبيه المستفاد من الآية، لا بالرفع على نداؤه لذكره حكمهما بعد، ولأنه في تمام تفسير
الآية بقوله: (ولكن قولوا يا رسول اللَّه، يا نبيّ اللَّه مع التوقير،) أي التعظيم (والتواضع:) التذلّل،
(وخفض الصّوت) لحرمة رفعه عليه والظرف، أي: بينكم متعلّق بتجعلوا، لا حال من الرسول
لأنه يوهم نداؤه باسمه بعد وفاته، مع أن الحرمة ثابتة مطلقًا.

٢٥٥
الفصل الرابع ما اختصّ به عَّيتم من الفضائل والكرامات
وقيل: لا تقيسوا دعاءه إياكم على دعاء بعضكم بعضًا في جواز الإعراض
والمساهلة في الإجابة.
ومنها أنه حبيب الله، وجمع له بين المحبة والخلة، وسيأتي تحقيق ذلك
وما فيه من المباحث في آخر المقصد السابع، إن شاء الله تعالى.
(وقيل:) المصدر مضاف إلى فاعله، أي: (لا تقيسوا دعاءه إياكم على دعاء بعضكم
بعضًا،) بظنّكم مساواته (في جواز الإعراض والمساهلة في الإجابة،) والرجوع بلا إذن فإن
المبادرة إلى إجابته واجبة، قال تعالى: ﴿استجيبوا للَّه وللرسول إذا دعاكم﴾ الآية، والرجوع بلا
إذن حرام؛ كما قال تعالى: ﴿قد يعلم اللَّه الذين يتسللون منكم لواذًا﴾ الآية، فالمعنى: لا تظنّوا
أنه مثلكم فتقيسوا، إذ القياس إلحاق فرع بآخر، لظنّ القائس اتّحاد الجامع، ولولا ملاحظة هذا
لورد أن القيام ليس من معنى الجعل.
زاد البيضاوي: أو لا تجعلوا دعاءه علیکم کدعاء بعضكم على بعض، فلا تنالوا بسخطه،
فإن دعاءه موجب، أي: لحصول ما دعا به أو لا تجعلوا دعاءه ربّه کدعاء صغیر کم کبیر کم،
يجيبه مرّة ويردّه أخرى، فإن دعاءه مستجاب، انتهى، ومعناه عليهما، أي: لا تظنّوا، أو تعتقدوا
هذا، وكره الشافعي أن يقال في حقّه الرسول لأنه ليس فيه من التعظيم، ما في الإضافة.
قال الحافظ: وعلى هذا فلا ينادى بكنيته، قال تلميذه الشيخ زكريا: وهو ممنوع، إذ
الكنية تعظيم باتّفاق، ولذا احتيج للجواب عن تكنية عبد العزّى في ﴿تبت يدا أبى لهب﴾ الآية،
مع أنه لا يستحقّ الكنية، لأنها تعظيم، فالأوجه جواز ندائه بكنيته، وإن كان نداؤه بوصفه أعظم،
وتعقّب بأن مقتضى آية النور المذكورة أنه ينادى بكنيته لأنهم كانوا يدعون بعضهم بعضًا بها،
والحافظ لم يعلّل الحكمة بترك التعظيم حتى يتوجّه عليه ما قاله تلميذه.
(ومنها: أنه حبيب اللَّه،) قال تعالى: ﴿قل إن كنتم تحبون اللَّه فاتبعوني يحيبكم اللَّهِ﴾.
الآية، فإذا كان متابعوه أحباءه، فنفسه أولى، وروى البيهقي عن أبي هريرة: أن النبيّ عَّه قال:
(اتّخذ اللَّه إبراهيم خليلاً، وموسى نجيًّا واتّخذني حبيبًا)، ثم قال: ((وعزّتي وجلالي لأوثرن
حبيبي على خليلي ونجيي)).
(وجمع له بين المحبّة والخلّة،) قيل: هما سواء، وقيل: الخلّة أرفع، والأكثر على أن
المحبة أعلى، (وسيأتي تحقيق ذلك وما فيه من المباحث في آخر المقصد السابع إن شاء
اللّه تعالى،) في نحو ورقة.
وقد روى أبو يعلى في حديث المعراج، فقال له ربّه: إني اتّخذتك خليلاً وحبيبًا، وصحّ
أنه عَِّ قال: ((إن اللَّه اتّخذني خليلاً كما اتّخذ إبراهيم خليلاً).

٢٥٦
الفصل الرابع ما اختصّ به عَّه من الفضائل والكرامات
ومنها أنه تعالى أقسم على رسالته وبحياته وببلده وعصره، كما سيأتي ذلك
في المقصد الثالث إن شاء الله تعالى.
ومنها أنه كلم بجميع أصناف الوحي، كما نقل عن ابن عبد السلام، وسبق
تحقيقه في المبعث من المقصد الأول.
ومنها أن إسرافيل هبط عليه، ولم يهبط على نبي قبله، أخرج الطبراني من
حديث ابن عمر: سمعت رسول الله عٍَّ يقول: لقد هبط علي ملك من السماء ما
هبط على نبي قبلي، ولا يهبط على أحد بعدي، وهو إسرافيل، فقال: أنا رسول
ربك إليك أمرني أن أخيرك إن شئت نبيًا عبدًا، وإن شئت نبيًا ملكًا، فنظرت إلى
جبريل فأومأ إلي بيده أن تواضع،
(ومنها: أنه تعالى أقسم على رسالته) بقوله تعالى: ﴿يس والقرءان الحكيم إنك لمن
المرسلين﴾، (وبحياته،) فقال: ﴿لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون﴾ الآية، (وببلده) ﴿لا أقسم
بهذا البلد﴾ الآية، (وعصره) ﴿والعصر إن الإنسان﴾ السورة، قال أبو هريرة: ما حلف اللَّه بحياة
أحد إلاّ بحياة محمد، رواه ابن مردويه؛ (كما سيأتي ذلك في المقصد الثالث إن شاء اللَّه
تعالى) مطوّلاً.
(ومنها: أنه كلّم) بالبناء للمفعول (بجميع أصناف الوحي، كما نقل عن) الشيخ عزّ الدين
(بن عبد السّلام، وسبق تحقيقه في المبحث من المقصد الأوّل.
(ومنها: أن إسرافيل هبط عليه، ولم يهبط على نبيّ قبله،) عدّ هذه ابن سبع،
(أخرج الطبراني من حديث) عبد اللَّه (بن عمر: سمعت رسول اللَّه عَظله يقول: ((لقد هبط:)
نزل (عليّ ملك من السماء ما هبط على نبيّ قبلي، ولا يهبط على أحد بعدي،) إذ لا نبيّ
بعده (وهو إسرافيل، فقال: أنا رسول ربّك إليك،) استدلّ به السيوطي على ضعف مرسل
الشعبي أن إسرافيل أتاه في ابتداء الوحي، فقرن بنبوّته ثلاث سنين، قال: لأن هذه القصّة بعد
ابتداء الوحي بعدة سنين؛ کما قدمته.
(أمرني أن أُخيّرك إن شئت نبيًّا عبدًا) قدم العبودية إشارة إلى أنه يختارها، (وإن شئت
نبيًّا ملكًا، فنظرت إلى جبريل،) وكان جالسًا عنده قبل نزول إسرافيل، (فأومأ إليّ).
وفي رواية: فأشار جبريل إليّ (بيده أن تواضع،) وسبب هذا التخيير ما رواه الطبراني
بإسناد حسن عن ابن عباس: كان عُِّ ذات يوم وجبريل على الصفاء، فقال: يا جبريل والذي
بعثك بالحقّ ما أمسى آل محمّد سفة من دقيق، ولا كفّ من سويق، فلم يكن كلامه بأسرع من

٢٥٧
الفصل الرابع ما اختصّ به عَ لّه من الفضائل والكرامات
فلو أني قلت نبيًا ملكًا، لسارت الجبال معي ذهبًا.
ومنها أنه سيد ولد عادم، رواه مسلم من حديث أبي هريرة بلفظ: أنا سيد
ولد وادم يوم القيامة، وعند الترمذي من حديث أبي سعيد الخدري أنا سيد ولد
عادم يوم القيامة ولا فخر، وبيدي لواء الحمد، ولا فخر.
أن سمع هدة من السماء أفزعته، فقال عَّهِ: ((أمر اللَّه القيامة أن تقوم))، قال: لا، ولكن أمر
إسرافيل، فنزل إليك حين سمع كلامك، فأتاه إسرافيل، فقال: إن الله قد سمع ما ذكرت، فبعثني
إليك بمفاتيح خزائن الأرض، وأمرني أن أعرض عليك، أسير معك جبال تهامة زمردًا وياقوتًا وذهبًا
وفضّة، فإن شئت نبيًّا ملكًا، وإن شئت نبيًّا عبدًا، ثلاثًا، (فلو أني قلت نبيًّا ملكًا لسارت
الجبال معي ذهبًا).
وأخرج الترمذي عن أبي أمامة أنه سَ ◌ِّ قال: ((عرض عليّ ربّي ليجعل لي بطحاء مكّة
ذهبًا، فقلت: ((لا يا رب)) الحديث، ذكرهما المصنف في عيشه من المقصد الثالث، فمعيب نقل
أحدهما من غيره، لكن آفة العلم النسيان، وبهما يعلم وجه ترتّب قوله: ((فلو أني قلت)، إذ هي
قصّة واحدة، طوّلها راوٍ واختصرها آخر، فلا يردّ أنه لا تلازم بين قوله نبيًا ملكًا، وبين سير الجبال
معه ذهبًا وفضّة، وكأنه اقتصر عليها في هذه الرواية مع ذكر إسرافيل له الزمرذ والياقوت أيضًا؛
لأن المخاطب لا يعلم غيرهما ولا يتعامل به.
(ومنها: أنه سيّد ولد ءادم،) بضم الواو، وكسرها جمع ولد بفتحها، (رواه مسلم) في
المناقب، وأبو داود في السنّة (من حديث أبي هريرة، مرفوعًا بلفظ: ((أنا سيّد ولد وادم يوم
القيامة)) خصّه لأنه يوم مجموع له الناس فيه من سؤدده لكل أحد عيانًا، وصف نفسه بالسؤدد
المطلق المفيد للعموم في المقام الخطابي على ما تقرّر في علم المعاني، فيفيد تفوقه على
جميع ولد عادم حتى أولي العزم من الرسل واحتياجهم إليه كيف لا وهو واسطة كل فيض،
وتخصيص ولد عادم ليس للاحتراز فهو أفضل حتى من الملائكة إجماعًا؛ كما حكاه الرازي
وغيره، ولأن الآدمي أفضل من الملك وتتمّة هذا الحديث في مسلم وأبي داود: ((وأَوّل من ينشق
عنه القبّر، وأوّل شافع، وأوّل مشفّع)).
(وعند الترمذي) في المناقب، وقال: حسن صحيح، وابن ماجه، والإمام أحمد (من
حديث أبي سعيد الخدري) رفعه: ((أنا سيّد ولد ءادم،) دخل عادم لأن في ولده من هو أفضل
منه كإبراهيم (يوم القيامة ولا فخر،) أي: أقول ذلك شكرًا لا فخرًا، أي: لا أقوله تكبّرًا على
الناس وتعاظمًا وإن كان فيه فخر الدارين، فهو من قبيل قول سليمن: ﴿علّمنا منطق الطير وأوقينا
من كل شىء﴾ الآية، وقيل غير ذلك، (وبيدي لواء الحمد))،) بالكسر والمدّ: علمه، والعلم في

٢٥٨
الفصل الرابع ما اختصّ به عَّر من الفضائل والكرامات
وإنما قال ذلك إخبارًا عما أكرمه الله به من الفضل والسؤدد، وتحدثا بنعمة
الله عنده، وإعلامًا لأمته ليكون إيمانهم به على حسبه وموجبه، ولهذا أتبعه بقوله:
((ولا فخر)) أي أن هذه الفضيلة التى نلتها كرامة من الله، لم أنلها من قبل نفسي،
ولا بلغتها بقوتي، فليس لي أن أفتخر بها.
ومنها أنه غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر،
العرصات مقامات لأهل الخير والشر، نصب في كل مقام لكل متبوع لواء يعرف به قدره، وأعلى
مقامات الخير مقامات الحمد، فلمّا كان أعظم الخلائق أُعطي أعظم الألوية، وهو لواء الحمد
ليأوي إليه الأوّلون والآخرون، فهو حقيقي وعند اللَّه علم حقيقته.
وأمّا ما روي من صفته فموضوع بين الوضع، كما أفاده المصنّف في المقصد الأخير، فلا
وجه لعدول الطيبي ونحوه عن الحقيقة، وحمله على انفراده بالحمد، وشهرته به على رؤوس
الخلائق، وبقيّة هذا الحديث عند الترمذي ومن معه: ((وما من نبيّ يومئذ ءادم فمن سواه إلاّ
تحت لوائي، وأنا أوّل من تنشقّ عنه الأرض ولا فخر، وأنا أوّل شافع وأول مشفع ولا فخر»،
(وإنما قال ذلك)، كما قال ابن الأثير في النهاية: (إخبارًا عمّا أكرمه الله به من الفضل والسؤدد
وتحدّثًا بنعمة الله عنده)،) امتثالاً لقوله: ﴿وأما بنعمة ربّك فحدّث﴾ الآية، (وإعلامًا لأمّته،) فهو
من البيان الذي يجب عليه تبليغه إليهم؛ (ليكون إيمانهم به على حسبه وموجبه) بفتح الجيم:
ما يتسبّب عن الشىء فهو تفسير لحسبه، والمعنى: ليكون على قدر ما علموه من فضله؛ بأن
يكون إيمانًا تامًا لا شبهة فيه، لأنهم حيث علموا كمال فضله، استحقّ أن يعظموه ويعتقدوا فيه
الكمال اللائق بمن قام به هذا الفضل، (ولهذا أتبعه بقوله: ((ولا فخر))، أي: إن هذه الفضيلة
التي نلتها كرامة من اللَّه لم أنلها من قبل،) بكسر، ففتح، أي: جهة (نفسي ولا بلغتها
بقوّتي،) إذ ليست في طوق البشر، (فليس لي أن أفتخر بها،) وإنما أفتخر بمن أعطانيها، وأمّا
خبر: ((لا تفضلوا بين الأنبياء))، فمعناه تفضيل مفاخرة، وهو ادّعاء العظم والمباهاة، أو في نفس
النبوّة، فلا تفاضل فيها. وإنما التفضيل بنحو الخصائص، ولا بدّ من اعتقاده تلك الرسل فضلنا
بعضهم على بعض، وقيل غير ذلك.
(ومنها: أنه غفر له ما تقدّم من ذنبه) أن لو كان كما قاله ابن عباس: أي أنه على سبيل
الفرض والتقدير؛ لأنه كغيره من الأنبياء معصومون حتى من الصغائر قبل النبوّة، ولو سهوًا على
الأصح لكرامتهم على اللَّه، خلافًا للأكثر في تجويز وقوع الصغائر منهم سهوًا إلاّ الدالّة على
خشة كتطفيف، وينبّهون عليها، واحتجّوا بظواهر، قالوا بها: أفضت بهم إلى خرق الإجماع،
وما لا يقول به مسلم، كما بسطه عياض في الشفاء. (وما تأخّر) لا يشكل بأن الغفر الستر،

٢٥٩
الفصل الرابع ما اختصّ به عَ من الفضائل والكرامات
قال تعالى: ﴿إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر﴾ .
قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام: من خصائصه عَ للِ أنه أخبره الله تعالى
بالمغفرة ولم ينقل أنه أخبر أحدًا من الأنبياء بمثل ذلك ويدل له قولهم في
الموقف: نفسي نفسي.
وقال ابن كثير في تفسير هذه الآية - يعني آية الفتح - لم يشاركه فيها
غيره.
وقد أخرج أبو يعلى والطبراني والبيهقي عن ابن عباس قال: إن الله فضل
محمدًا عَ لِّ على أهل السماء وعلى الأنبياء، قالوا: فما فضله على أهل السماء،
قال: إن الله تعالى قال لأهل السماء: ﴿ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك
نجزيه جهنم﴾ [الأنبياء/٢٩]، وقال لمحمد عَ له: ﴿إنا فتحنا لك فتحًا مبينًا
ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر﴾ فقد كتب له براءة،
فكيف يتصوّر فيما لم يقع؛ لأن ما لم يقع يفوض وقوعه مبالغة، (قال تعالى: ﴿إنا فتحنا لك
فتحًا مبينًا ليغفر لك اللَّه ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر﴾ الآية،) وفيها وجوه أُخر، ذكر بعضها
في المقصد السادس، وبعضها لا يرضي.
(قال الشيخ عز الدين بن عبد السّلام: من خصائصه عَّهِ أنه أخبره اللَّه بالمغفرة،
ولم ينقل أنه أخبر أحدًا من الأنبياء بمثل ذلك،) فالخصوصيّة إخباره بذلك تعظيمًا له بإدخال
السرور عليه، (ويدلّ قولهم في الموقف) يوم القيامة، حيث تطلب الشفاعة في فصل
القضاء من عادم، ونوح، وإبراهيم، وموسى وعيسى، فيقول كل منهم: (نفسي نفسي، وقال ابن
كثير في تفسير هذه الآية، يعني آية الفتح: لم يشاركه فيها غيره،) ولذا قال ابن عطية:
المعنى التشريف بهذا الحكم، ولم تكن ذنوب البتّة، (وقد أخرج أبو يعلىّ) أحمد بن عليّ
الموصلي الحافظ الثقة، (والطبراني) سليمن بن أحمد بن أيوب، (والبيهقي) أحمد بن
الحسين، (عن ابن عباس، قال: إن اللَّه فضل محمّدًا على أهل السماء وعلى الأنبياء،
قالوا: فما فضله على أهل السماء؟، قال: إِن اللَّه تعالى قال لأهل السماء،) أي: الملائكة
(﴿ومن يقل منهم إنّي إله من دونه) أي اللَّه، أي غيره، (فذلك نجزيه جهنم) الآية، وقال
لمحمّد عَّ: ﴿إنا فتحنا لك فتحًا مبينًا ليغفر لك اللَّه ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر﴾
الآية، فقد كتب له براءة) من الذنوب أن يفعلها، وإذا منعه من فعلها فقد سترها عنه، وهذا
من ألطف الأجوبة.

٢٦٠
الفصل الرابع ما اختصّ به عَّ اليٍ من الفضائل والكرامات
قالوا: فما فضله على الأنبياء؟ قال: إن الله تعالى قال: ﴿وما أرسلنا من رسول إلا
بلسان قومه﴾ [إبراهيم/٤]، وقال لمحمد: ﴿وما أرسلناك إلا كافة للناس﴾ [سبأ)
٢٨] فأرسله إلى الإنس والجن.
ومنها أنه أكرم الخلق على الله، فهو أفضل من كل المرسلين، وجميع
الملائكة المقربين، وسيأتي الجواب عن قوله عليه الصلاة والسلام في حديث ابن
عباس، عند مسلم: ما ينبغي لعبد أن يقول أنا خير من يونس بن متى، ونحو ذلك
في المقصد السادس إن شاء الله تعالى.
ومنها إسلام قرينه. رواه مسلم من حديث ابن مسعود
(قالوا: فما فضله على الأنبياء؟، قال: إن اللّه تعالى قال: ﴿وما أرسلنا من رسول إلا
بلسان قومه﴾ الآية،) أي: بلغتهم، (وقال لمحمّد: ﴿وما أرسلناك إلا كافّة للناس) الآية،
فأرسله إلى الإنس والجنّ) جميعاً، تفضيلاً له على جميع المرسلين.
(ومنها: أنه أكرم الخلق على اللَّ) تعالى بنصّ قوله: ﴿كنتم خير أُمّة أخرجت للناس﴾
الآية، إذ خيريّتها تستلزم خيرية نبيّها، وإن صفاته أعلى وأجلّ، وذاته أفضل وأكمل، ويصرح به
قوله: ﴿فبهداهم اقتده﴾ الآية، (فهو أفضل من كل المرسلين وجميع الملائكة المقرّبين،)
حتى الروح الأمين إجماعًا، وغلط الزمخشري في تفضيله عليه؛ بأن المعتزلة مجمعون على
استثنائه من الخلاف في التفضيل بين البشر والملك فقد جهل مذهبه، (وسيأتي الجواب عن
قوله عليه الصّلاة والسّلام في حديث ابن عباس عند مسلم) والبخاري: ((ما ينبغي لعبد أن
يقول أنا خير من يونس بن متى))، ونحو ذلك) كحديث الصحيحين: ((لا تفضلوني على
الأنبياء)).
وفي رواية: ((لا تفضلوا بين الأنبياء))، وأخرى: ((لا تخيّروا بين الأنبياء))، وقوله تعالى:
﴿لا تفرّق بين أحد منهم﴾ الآية، (في المقصد السادس إن شاء اللّه تعالى) بأجوبة سبعة، منها
قول ابن أبي جمرة أنه بالنسبة إلى القرب والبعد، فمحمّد عَّه وإن أسري به لفوق السبع الطباق
واخترق الحجب، ويونس عليه الصّلاة والسّلام وإن نزل به إلى قعر البحر، هما بالنسبة إلى القرب
والبعد من اللَّه على حدّ واحد، وروى هذا الجواب عن ملك الإمام ونحوه لإمام الحرمين في
قصة شهيرة.
(ومنها: إسلام قرينه،) أي صاحبه الموكل به من الجنّ، (رواه مسلم) وأحمد (من
حديث ابن مسعود): أن النبيّ عَّه قال: ((ما منكم من أحد إلاّ وقد وكل به قرينه من الجن وقرينه من