Indexed OCR Text

Pages 181-200

١٨١
القسم الثالث: ما اختصّ به عَّمه من المباحات
لا يجب، وقطع به بعضهم، فإن تكرر دخوله كالحطابين ونحوهم ففيه خلاف
مرتب وهو أولى بعدم الوجوب وهو المذهب.
وقال بعض الحنابلة بوجوب الإحرام إلا على الخائف وأصحاب الحاجات،
وأوجبه المالكية في المشهور عندهم على غير ذوي الحاجات، وأوجبه الحنفية
مطلقًا إلا من كان داخل الميقات.
وقد تحرر أن المشهور من مذهب الشافعي: عدم الوجوب مطلقًا. ومن
مذاهب الأئمة الثلاثة الوجوب إلا فيما استثنى.
ومن خصائصه ◌َّ أنه كان يقضي بعلمه من غير خلاف.
وأن يقضي لنفسه ولولده، وأن يشهد لنفسه ولولده.
ولا تكره له الفتوى ولا القضاء في حال
لا يجب،) إن لم يرد نسكًا، بل يستحبّ، (وقطع به بعضهم، فإن تكرّر دخوله كالحطّابين
ونحوهم، ففيه خلاف مرتّب،) مفرع على الخلاف المذكور، فإن قلنا: لا يجب على من لم
يتكرّر، قلنا بعدمه على من تكرّر قطعًا، وإن قلنا: يجب به على من لم يتكرّر، ففي وجوبه على
من تكرّر خلاف أصحه لا يجب؛ كما قال: (وهو أولى بعدم الوجوب، وهو المذهب،) أي:
المعتمد من التعبير بالكل عن الجزء؛ لأنه الأهم عند الفقيه المقلّد.
(وقال بعض الحنابلة بوجوب الإحرام إلاّ على الخائف وأصحاب الحاجات
المتكرّرة، وأوجبه المالكية في المشهور عندهم على غير ذوي الحاجات، وأوجبه
الحنفية مطلقًا إلاّ من كان داخل الميقات، وقد تحرّر) من هذا؛ (أن المشهور من مذهب
الشافعي عدم الوجوب مطلقًا، ومن مذاهب الأئمّة الثلاثة الوجوب إلاّ فيما استثني،) وفي
رواية عن كل منهم: لا يجب، وقدّم هذا في فتح مكّة بنحوه، والله أعلم.
(ومن خصائصه عَّة، أنه كان يقضي بعلمه) لنفسه ولغيره، زاد الأنموذج، ولو في الحديد
(من غير خلاف،) وفي غيره خلاف أصحه عند الشافعية: إن القاضي المجتهد له الحكم بعلمه
إلاّ في الحدود، بخلاف غير المجتهد والحدود فلا يقضي بعلمه للريبة، والراجح عند المالكية
منعه في الحدود وغيرها إلاّ في التعديل والتجريح، (وأن يقضي لنفسه ولولده،) أي: فروعه، لأن
المنع في حقّ غيره للريبة، وهي منتفية عنه قطعًا، (وأن يشهد لنفسه ولولده) لانتفاء الريبة، زاد
الأنموذج: وأن يقبل شهادة من شهد له ولولده، (ولا تكره له الفتوى، ولا القضاء في حال

١٨٢
القسم الثالث: ما اختصّ به عَّلَّه من المباحات
الغضب، كما ذكره النووي في شرح مسلم، وقد قضى للزبير بشراج الحرة بعد أن
أغضبه خصم الزبير. لعصمته عَّة، فلا يقول في الغضب إلا كما يقول في الرضى.
الغضب) لأنه لا يخاف عليه من الغضب ما يخاف على غيره إذا غضبه لله لا لحظّ نفسه، (كما
ذكره النووي في شرح مسلم) عند حديث اللقطة، فإنه عَّ أفتى فيه وقد غضب حتى
احمرّت وجنتاه؛ كما في الصحيحين: أن النبيّ عَّه سأله رجل عن اللقطة، فقال: ((اعرف وكاءها
وعفاصها ثم عرّفها سنة، ثم استمتع بها، فإن جاء ربّها فادّها إليه))، قال: فضالّة الإبل؟، فغضب
حتى احمرّت وجنتاه، فقال: ((ما لك ولها، معها سقاؤها وحذاؤها ترد الماء وترعى الشجر، فذرها
حتى يلقاها ربّها))، قال: فضالّة الغنم؟، قال: ((لك أو لأخيك أو للذئب)).
(وقضى للزبير) بن العوام، أحد العشرة، (بشراج،) بكسر الشين المعجمة، آخره جیم،
جمع شرج، بفتح، فسكون، بزنة بحر وبحار، ويجمع على شروج، وأضيف إلى (الحرّة،) بفتح
الحاء والراء المشدّدة المهملتين، موضع معروف بالمدينة لكونه فيه، والمراد: مجاري الماء الذي
يسيل منها (بعد أن أغضبه خصم الزبير،) هو حميد، رواه أبو موسى المديني في الذيل بسند
جيّد.
قال الحافظ: ولم أرّ تسميته إلّ في هذا الطّريق، وهو مردود بما في بعض طرق الحديث،
أي عند البخاري في الصلح أنه شهد بدرًا وليس في البدريّين أحد اسمه حميد، وقيل: هو
ثابت بن قيس بن شماس، حكاه ابن بشكوال واستبعد، وقيل: حاطب بن أبي بلتعة، حكاه ابن
باطيش، ولا يصحّ، لأن حاطبًا ليس أنصاريًّا، وأجيب: بحمله على المعنى اللغوي، أي: من كان
ينصر النبيّ عَّهِ لا أنه من الأنصار المشهورين، وردّ بأن في رواية الطبراني أنه من بني أميّة بن
زيد، وهم بطن من الأوس، ودفع باحتمال أن مسكنه كان في بني أميّة، لا أنهم منهم، وقد روى
ابن أبي حاتم عن سعيد بن المسيّب في قوله: ﴿فلا وربّك﴾ الآية، قال: أنزلت في الزبير بن
العوام وحاطب بن أبي بلتعة، اختصما في ماء، فقضى النبيّ عَّله، أن يسقي الأعلى، ثم الأسفل،
وهذا مرسل، ولكن فيه فائدة تسمية الأنصاري (لعصمته عَّهِ، فلا يقول في الغضب إلاّ كما
يقول في الرضى)، إذ كل من غضبه ورضاه لله، أخرج الأثمّة السّة عن عبد الله بن الزبير، قال:
خاصم الزبير رجلاً من الأنصار في شراج الحرّة التي يسقون بها النخل، فقال النبيّ عَ له: ((اسقٍ
يا زبير، ثم أرسل الماء إلى جارك))، فقال الأنصاري: يا رسول اللَّه! إن كان ابن عمّتك، فتلوّن
وجه رسول اللَّه، ثم قال: ((اسقِ يا زبير، ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر، ثم أرسل الماء
إلى جارك))، واستوعى للزبير حقّه، وكان أشار عليهما بأمر لهما فيه سعة، قال الزبير: فما أحسب
هذه الآية إلا نزلت في ذلك: ﴿فلا وربّك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم﴾، الآية،

١٨٣
القسم الثالث: ما اختصّ به عَّله من المباحات
وكان له أن يدعو لمن شاء بلفظ الصلاة، وليس لنا أن نصلي إلا على نبي
أو ملك.
وكان له أن يقتل بعد الأمان، وأن يلعن من شاء بغير سبب: واستبعد ذلك.
وجعل الله تعالى شتمه ولعنه قربة للمشتوم والملعون لدعائه علیه
٠
وأن بفتح الهمزة للتعليل مقدّرة باللام، أي: حكمت له بالتقديم لأجل أنه ابن عمّتك، وادّعى
الكرماني إن في بعضها أن بكسر الهمزة.
قال الحافظ: على أنها شرطية، والجواب محذوف، ولا أعرف هذه الرواية، وحكى
القرطبي فتح الهمزة والمدّ على أنه استفهام إنكاري، ولم يقع لنا في الرواية.
قال المصنّف: لكن رأيته في الأصل المقروء، وعلى الميدومي وغيره، وفي الفرع مصحح
عليه بالمدّ والجذر، بفتح الجيم، وسكون المهملة: ما وضع بين شربات النخل، كالجدار أو
الحواجز التي تحبس الماء، وقال القرطبي: هو أن يصل الماء إلى أصول النخل، قال: ويروى
بكسر الجيم، وهو الجدار، والمراد جدران الشربات، وهي الحفر التي تحفر في أصول النخل،
انتھی.
(وكان له أن يدعو لمن شاء بلفظ الصّلاة) استقلالاً بلا كرامة لحديث الصحيحين
وغيرهما، عن عبد الله بن أبي أوفى علقمة رضي الله عنهما، قال: كان إذا أتاه قوم بصدقتهم،
قال: (اللَّهمّ صلّ على آل فلان))، فأتاه أبي بصدقته، فقال: ((اللَّهمّ صلّ على آل أبي أوفى))،
(وليس) أي: يكره تنزيهًا على الأصح (لنا أن نصلّي إلاّ على نبيّ، أو ملك) استقلالاً، لأنه
صار شعارًا لهم، إذا ذكروا فلا يقال لغيرهم، وإن كان معناه صحيحًا إلا تبعًا فيجوز، (وكان له
أن يقتل بعد الأمان،) كذا نقله إمام الحرمين والرافعي، وغيرهما عن ابن القاص، وخطؤه فيه،
وتعقّبهم ابن الرفعة، بأن لفظه في تلخيصه لا يعطي ذلك، فإنه قال: يجوز له القتل في الحرم بعد
إعطاء الأمان، وهذا معناه أنه إذا قال: من دخل الحرم فهو آمن، فدخله شخص، وثَمّ سبب
يقتضي قتله أبيح، فهو إشارة لقصّة عبد الله بن خطل في الصحيحين عن أنس أنه عَّه دخل مكّة
يوم الفتح وعلى رأسه المغفر، فلما نزعه جاء رجل، فقال: ابن خطل متعلّق بأستار الكعبة، فقال:
(اقتلوه)، وابن القاص معذور، لأنه رأى حديث الأمان في دخول المسجد، ورأى في هذا الأمر
بقتله فاستنبط هذه الخصوصيّة، وهذا نهاية أمر الفقيه جمعًا بين الأحاديث، لكن النبيّ معَّله لما
أمن الناس استثنى ابن خطل وغيره؛ كما سبق في الفتح.
(وأن يلعن من شاء بغير سبب) يقتضيه، (واستبعد ذلك،) أي وقوعه منه، (وجعل الله
تعالى شتمه،) سبّه (ولعنه قربة للمشتوم والملعون،) تقرّبه إلى اللَّه يوم القيامة؛ (لدعائه عليه

١٨٤
القسم الثالث: ما اختصّ به عَّ من المباحات
السلام بذلك. قاله ابن القاص، وردوه عليه، حكاه الحجازي في مختصر الروضة
عن نقل الرافعي.
السّلام بذلك،) بقوله: ((اللَّهمّ إني أتّخذ عندك عهدًا لن تخلفنيه إنما أنا بشر، فأيما مؤمن أذيته أو
شتمته أو جلدته أو لعنته، فاجعلها صلاة وزكاة وقربة تقرّبه بها إليك يوم القيامة))، رواه الشيخان
من حديث أبي هريرة واللفظ لمسلم، وفي لفظ له: ((اللَّهمّ إني بشر، أرضى كما يرضى البشر
وأغضب كما يغضب البشر، فأيما أحد دعوت عليه من أُمّتي بدعوة ليس هو لها بأهل أن تجعلها
له طهورًا وزكاة وقربة تقرّبه بها إليك يوم القيامة))، وفيه روايات أُخر متقاربة.
وفي مسلم أيضًا عن عائشة: دخل على النبيّ عَّه رجلان، فكلّماه بشىء لا أدري ما هو،
فأغضباه، فسبّهما ولعنهما، فلمّا خرجا قلت له، فقال: ((أو ما علمت ما شارطت عليه ربّي، قلت:
اللَّهم إِنّما أنا بشر فأيما)) الحديث، قال في الفتح: قال المازري: إن قيل كيف يدعو بدعوة على
من ليس لها بأهل، قيل: المراد ليس بأهل لذلك عند اللَّه فى باطن الأمر، لا على ما يظهر مما
يقتضيه حاله وجنايته حين دعا عليه، فكأنه يقول: من كان في باطن أمره عندك ممن ترضى عنه،
فاجعل دعوتي عليه التي اقتضاها ما ظهر لي من مقتضى حاله حينئذ طهورًا وزكاة، قال: وهذا
معنى صحيح لا استحالة فيه؛ لأنه عَّ متعبّد بالظواهر، وحساب الناس في البواطن على اللَّه،
انتهى. لكنّه مبني على أنه كان يجتهد في الأحكام ويحكم بما أدّى إليه اجتهاده.
أمّا على أنه لا يحكم إلّ بالوحي، فلا يتأتّى فيه هذا، وأجاب المازري أيضًا بأن ما وقع من
سبّه ودعائه ونحوه ليس بمقصود بل هو ممّا جرت به عادة العرب في كلامها بلا نيّة؛ كقوله لغير
واحد: تربت يمينك وعقري حلقي ومثل لا كبرت سنك ولا أشبع الله بطنك، ونحو ذلك مما
لا يقصد منه حقيقة الدعاء، فخاف عَِّ أن يصادف شيئًا من ذلك، فسأل اللَّه، ورغّب إليه أن
يجعل ذلك رحمة، وكفارة، وقربة، وطهورًا، وأجرًا، وهذا إنما يقع منه في النادر الشاذّ من الزمان،
ولم يكنِ عَِّ فاحشًا، ولا متفحشًا، ولا لعانًا، ولا منتقمًا لنفسه، وقيل له: ادع على دوس،
فقال: ((اللَّهمّ اهدِ دوسًا))، وقال: ((اللَّهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون))، وأشار عياض إلى ترجيح
هذا الجواب.
قال الحافظ: وهو حسن إلاّ أنه يرد عليه قوله في إحدى الروايات أو جلدته، إذ لا يقع
الجلد بلا قصد، وقد ساق الجميع مساقًا واحدًا، إلاّ أن يحمل على الجلدة الواحدة فيتّجه، (قاله
ابن القاص وردّوه عليه، حكاه الحجازي في مختصر الرّوضة عن الرافعي،) ولعلّ وجه ردّه
لشمول كلامه لمن دعا عليه بسبب يقتضي الدعاء، وإلا فالحديث كما رأيت مصرّح بما قاله.
وفي الشاميّة: وبأن له تعزير من شاء، أي: باللعن وغيره بغير سبب يقتضيه، ويكون له

١٨٥
الفصل الرابع ما اختصّ به عَّه من الفضائل والكرامات
وكان يقطع الأراضي قبل فتحها، لأن الله ملكه الأرض كلها. وأفتى الغزالي
بكفر من عارض أولاد تميم الداري فيما أقطعهم النبي عَّه وقال: أنّه عَِّ كان
يقطع أرض الجنة فأرض الدنيا أولى.
الفصل الرابع
ما أختص به عَِّ من الفضائل والكرامات
رحمة، ذكره ابن القاص، وتبعه الإمام والبيهقي، ولا يلتفت لقول من أنكره، (وكان يقطع
الأراضي قبل فتحها،) بخلاف غيره من الأئمة، فإنما يقطع بعد فتحها؛ (لأن اللَّه ملكه الأرض
كلّها)، ولا ينقض شىء ممّا أقطعه بعده بحال، (و) لذا (أفتى الغزالي بكفر من عارض أولاد تميم
الداري فيما أقطعهم النبيّ عَّ) من الأرض بالشّام، (وقال: إنه عَّ كان يقطع أرض الجنّة)
ما شاء منها لمن شاء، (فأرض الدنيا أولى،) ونقله عن الغزالي ابن العربي في القانون، وأقرّه،
وأفتى به السبكي أيضًا، روى الشافعي والبيهقي عن طاوس مرسلاً عن النبيّ عَّةٍ: ((عادى الأرض
لله ولرسوله، ثم لكم من بعده، قال الرافعي: يقال للشىء القديم عادى نسبة إلى عاد الأولى،
والمراد هنا الأرض غير المملوكة الآن، وإن تقدم ملكها ومضت عليه الأزمان، فلا يختصّ ذلك
يقوم عاد، فالنسبة إليهم للتمثيل لما لم يعلم مالكه، وقوله: (للَّه ولرسوله))، أي: مختصّ بهما، فهو
فيء یتصرّف فیه رسول الله ێ، انتهى.
الفصل الرابع ما اختصّ به علي من الفضائل والكرامات
(الفصل الرابع،) وفي بعض نسخ: القسم الرابع، (ما)، أي: شىء (اختصّ به) على الأُمّة،
وإن شاركه الأنبياء في بعضها (عَّه)) وتفسير ما بشىء لا يقتضي حصرًا ولا استيعابًا، ولا يفسّر
بالذي لأنه يصير معرفة، فيقتضي الحصر، والواقع أنه لم يستوعب جميع ما اختصّ به (من
الفضائل:) جمع فضيلة، وهي الفضل والخير، وهو خلاف النقيصة والنقص؛ كما في المصباح،
وقضيته أن ما لا نقص فيه ولا كمال، يسمّى فضيلة وفضلاً؛ لأنه خلاف النقص، والظاهر كما
قال شيخنا أنه غير مراد، وأن الفضيلة ما فيه مزية لصاحبها على غيره، فما لا كمال فيه، ولا
نقص، واسطة بين الفضيلة والنقيصة، انتهى.
وقد قال القرطبي في المفهم: الفضائل جمع فضيلة، وهي الخصال الجميلة التي يحصل
لصاحبها بسببها شرف وعلوّ منزلة، أمّا عند الحقّ، وأمّا عند الخلق، والثاني لا عبرة به إلاّ إِن
أوصل إلى الأوّل، انتهى. (والكرامات) عطف خاص على عام: جمع كرامة أمر خارق للعادة غير
مقرون بالتحدّي، فيظهر على يد أولياء اللَّه، ودرجة الأنبياء قبل النبوّة لا تقصر عن الولاية، فيجوز

١٨٦
الفصل الرابع ما اختصّ به عَّله من الفضائل والكرامات
منها: أنه أوّل النبيين خلقًا، كما تقرر في أول هذا الكتاب، وأنه كان نبيًا
وعادم بين الروح والجسد، رواه الترمذي من حديث أبي هريرة.
ومنها: أنه أوّل من أخذ عليه الميثاق كما مر.
ومنها: أنه أوّل من قال: ((بلى)) يوم ((ألست بربكم)) رواه أبو سهل القطان في
جزء من أماليه.
ومنها: أن عادم وجميع المخلوقات خلقوا لأجله، رواه البيهقي وغيره.
ومنها: أن الله كتب اسمه الشريف على العرش،
ظهورها علی یدهم.
(منها: أنه أوّل النبيّين خلقًا) وآخرهم بعثًا، رواه ابن أبي حاتم وغيره عن أبي هريرة،
مرفوعًا بلفظ: ((كنت أوّل)) ... الخ، ورواه هو والديلمي، وأبو نعيم، وغيرهم عن أبي هريرة،
مرفوعًا بلفظ: ((كنت أوّل النبيّين في الخلق وآخرهم في البعث))؛ (كما تقرّر في أوّل هذا
الكتاب) بأدلّته وتفسير معناه، (وأنه كان نبيًّا وءادم بين الروح والجسد،) ظرف زمان، بمعنى
أنه محكوم بها ظاهرة بين خلق روح عادم وجسده، حيث نبأه في عالم الأرواح، وأمرها بمعرفة
نبوّته والإقرار بها، (رواه الترمذي) وقال: حديث حسن (من حديث أبي هريرة) أنهم قالوا:
يا رسول اللّه! متى وجبت لك النبوّة؟، قال: ((وعادم بين الروح والجسد)).
(ومنها: أنه أوّل من أخذ عليه الميثاق) يوم ألست بربّكم؛ (كما مرّ أوّل الكتاب.
(ومنها: أنه أوّل من قال: بلى) أنت ربّنا (يوم ألست بربكم، رواه أبو سهل القطّن في
جزء من أمالیه،) عن عليّ يإسناد ضعيف.
(ومنها: أن آدم وجميع المخلوقات خلقوا لأجله رواه البيهقي وغيره)، كشيخه
الحاكم، وصححه عن ابن عباس: ((أوحى اللَّه إلى عيسى أن آمن بمحمّد وأمر أمّتك أن يؤمنوا به،
فلولا محمّد ما خلقت ءادم ولولا محمّد ما خلقت الجنّة والنار)) الحديث، وهو لا يقال رأيًا،
فحكمه الرفع.
وروى ابن عساكر: ((لقد خلقت الدنيا وأهلها، أعرفهم كرامتك ومنزلتك عندي، ولولاك
ما خلقت الدنیا)).
(ومنها: أن الله كتب اسمه الشريف على العرش،) لفظ الرواية عن كعب على ساق
العرش كما مرّ في الأسماء، أي: قوائمه.
وروى ابن عدي: ((لما عرج بي، رأيت مكتوبًا على ساق العرش لا إله إلاّ اللّه محمّد

١٨٧
الفصل الرابع ما اختصّ به عدّله من الفضائل والكرامات
وعلى كل سماء، وعلى الجنان وما فيها. رواه ابن عساكر عن كعب الأحبار.
ومنها: أن الله تعالى أخذ الميثاق على النبيين، ادم فمن بعده، أن يؤمنوا به
وينصروه، قال الله تعالى: ﴿وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب
وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه﴾ [آل عمران/
٨١] قال علي بن أبي طالب: لم يبعث الله نبيًا من عادم فمن بعده إلا أخذ عليه
العهد في محمد عَّه لئن بعث وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه ويأخذ العهد بذلك
على قومه.
رسول اللَّه أيدته بعليّ، (وعلى كل سماء) من السموات السبع، (وعلى الجنان وما فيها) من
قصور وغرف، وعلى نحور الحور العين، وورق شجرة طوبى، وسدرة المنتهى، وأطراف
الحجب، وبين أعين الملائكة، (رواه ابن عساكر عن كعب الأحبار،) قال: ((أنزل اللَّه على ءادم
عصيًّا بعدد الأنبياء والمرسلين، ثم أقبل على ابنه شيث، فقال: أي بنيّ أنت خليفتي من بعدي،
فخذها بعمارة التقوى والعروة الوثقى، فكلّما ذكرت اللَّه، فاذكر اسم محمّد، فإني رأيت اسمه
مكتوبًا على ساق العرش)) الحديث بطوله، قدّمه المصنّف في الأسماء، وهو من الإسرائيليّات،
وحكم بعض الحفّاط بوضعه.
وأجاب شيخنا بأن الحكم بوضع جملة ألفاظه، لا يستلزم عدم ثبوت معانيها، إذ يجوز
ثبوت معاني بعضها في أحاديث، فنظروا إليها من حيث وجودها في غير حديث كعب، كذا
قال، وهو تجويز عقلي لا يلتفت إليه المحدثون، إذ كلامهم إنما هو في الإسناد الذي هو المرقاة
وثبوت معنى الموضوع، ولو في القرءان فضلاً عن تجويز ثبوته بأحاديث لا يؤيّد الموضوع،
فينفي عنه الوضع، كما هو مقرّر عند أدنى من له إلمام بالفن.
(ومنها: أن اللَّه تعالى أخذ الميثاق على النبيّين ءادم، فمن بعده) حتى عيسى إن قلنا
بالمشهور، أنه ليس بينه وبين المصطفى نبيّ، أو من بعده أيضًا، كخالد بن سنان (أن يؤمنوا به
وينصروه، قال الله تعالى: ﴿و﴾ اذكر ﴿إِذ﴾ حين ﴿أخذ اللَّه ميثاق النبيّين﴾ عهدهم
﴿لما﴾، بفتح اللام للابتداء، وتوكيد معنى القسم الذي في أخذ الميثاق، وكسرها متعلّق بأخذ،
وما موصولة على الوجهين، أي: للذي ﴿آتيتكم﴾ إياه، وقرىء: آتيناكم (من كتاب وحكمة، ثم
جاءكم رسول مصدّق لما معكم﴾ لمن الكتاب والحكمة، وهو محمّد عَّه، ﴿لتؤمنّ به
ولتنصرنه﴾) الآية، جواب القسم وأممهم تبع لهم في ذلك. (قال عليّ بن أبي طالب) في
تفسير هذه الآية فيما رواه ابن جرير: (لم يبعث اللَّه نبيًّا من ءادم، فمن بعده إلاّ أخذ عليه
العهد في محمّد عَّه لئن بعث، وهو حيّ ليؤمننّ به ولينصرنّه ويأخذ العهد بذلك على

١٨٨
الفصل الرابع ما اختصّ به معَّله من الفضائل والكرامات
ومنها: أنه وقع التبشير به في الكتب السالفة كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
ومنها: أنه لم يقع في نسبة من لدن دام سفاح. رواه البيهقي والطبراني في
الأوسط وأبو نعيم في الدلائل.
ومنها: أنه نكست الأصنام لمولده رواه الخرائطي - في الهواتف - وغيره.
قومه) الرواية بنصب يأخذ؛ كما أفاده عياض بالعطف على تؤمنن، بتقدير نون التوكيد الخفيفة،
كذا وجهها الشمني والمصنّف، وردّ بأنه حينئذ يكون من جزاء الشرط، فيلزم أن الأخذ من الأمة
بعد بعث، المصطفى، وليس المقصود، فالعطف على جملة: لئن بعث، ... الخ على أنها في
موضع مفرد، والوجه أن التقدير، وأمر أن يأخذ على حَدِّ :
وزججن الحواجب والعيونا،
وفي البغوي: اختلف في معنى الآية، فقيل: أخذ ميثاق النبيّين أن يصدق بعضهم، وأخذ
العهد على كل نبيّ أن يؤمن بمن يأتي بعده، وينصره إن أدركه، وألا يأمر قومه بنصره، فأخذ
الميثاق من موسى أن يؤمن بعيسى، ومن عيسى أن يؤمن بمحمّد، وقيل: إنّما أخذ عليهم الميثاق
في محمّد عَ﴾.
واختلف على هذا، فقيل: الأخذ على النبيّين وأُممهم، واكتفى بذكر الأنبياء؛ لأن العهد
على المتبوع عهد على التابع، وقيل: المراد أن اللَّه أخذ عهد النبيّين، أن يأخذوا الميثاق على
أُممهم بذلك، انتهى بحروفه، وقد مرّ بسط ذلك في أوّل هذا الكتاب.
(ومنها: أنه وقع التبشير به في الكتب السالفة،) كالتوراة والإنجيل، ونعته فيها، ونعت
أصحابه وخلفائه؛ (كما سيأتي إن شاء اللَّه تعالى) في النوع الرابع من المقصد السادس.
(ومنها: أنه لم يقع في نسبه من لدن آدم،) أي: زمنه؛ لأن لدن وإن كان الأصل أنها
ظرف مكان بمعنى عند، لكنها قد تستعمل للزمان، كما هنا، (سفاح،) أي: زنا، بكسر السين
المهملة من سفح الماء أو الدم أو الدمع إذا انصبّ؛ لأن الزاني يصب المني في غير حقّه لعدم
ثبوت النسب والتوارث فيه، ولكونه من الكليّات الخمس التي لم تبح في ملّة من الملل. قال
بعض المحقّقين: والمراد بالسفاح ما لم يوافق شريعة، (رواه البيهقي والطبراني في الأوسط،
وأبو نعيم في الدلائل) بإسناد حسن عن عليّ مرفوعًا: ((خرجت من نكاح ولم أخرج من سفاح
من لدن ءادم إلى أن ولدني أبي وأُمّي، ولم يصبني من سفاح الجاهليّة شىء).
(ومنها: أنه نكست الأصنام لمولده، رواه الخرائطي في الهواتف وغيره؛) كابن
عساكر، عن عروة: أن نفرًا من قريش منهم ورقة بن نوفل، كانوا في صنم لهم يجتمعون إليه،
فدخلوا عليه ليلة، فرأوه مكبوباً على وجهه، فأخذوه، وردّوه إلى حاله، فلم يلبث حتى انقلب

١٨٩
الفصل الرابع ما اختصّ به عٍَّ من الفضائل والكرامات
ومنها: أنه ولد مختونًا مقطوع السرة، رواه الطبراني وغيره، وتقدم ما فيه من
البحث أول الكتاب.
ومنها: أنه خرج نظيفًا، ما به من قذر، رواه ابن سعد.
ومنها: أنه وقع ساجدًا رافعًا إصبعيه كالمتضرع المبتهل. رواه أبو نعيم من
انقلابًا عنيفًا، فردّوه إلى حاله، فانقلب الثالثة، فقالوا: إن هذا لأمر حدث، فكان ذلك ليلة
ولد عَّهُ، وشاركه في هذه الخصوصيّة عيسى عليه الصّلاة والسّلام، روى عبد الرزّاق عن وهب:
لما ولد عيسى أتت الشياطين إبليس، فقالوا: أصبحت الأصنام منكوسة، فقال: هذا حادث
حدث، فطاف خافقي الأرض، فلم يرَ شيئًا، ثم البحار فلم يقف على شىء، ثم طاف أيضًا،
فوجد عيسى عليه السلام قد ولد، والملائكة قد حفّت حوله فرجع إليهم، فقال: إن نبياً ولد
البارحة
(ومنها: أنه ولد مختونًا،) أي: على صورة المختون، إذ الختن القطع، ولا قطع هنا.
(مقطوع السرّة) الأولى، حذف التاء؛ لأن السر، بالضم ما تقطعه القابلة من سرة الصبيّ، كما في
النهاية وغيرها، إلاّ أن يكون سمي السرسرة مجاز العلاقة المجاورة، أو فيه حذف، أي: مقطوع
منه ما يتّصل بالسرّة.
(رواه الطبراني وغيره،) وفي عدّه من الخصائص نظر إذ ولد سبعة عشر نبيًّا مختونين؛
كما مرّ نظمًا، وجماعة من هذه الأمّة ولدوا مختونين، ولذا قال ابن القيم: ليس هذا من
خصائصه، فإن كثيرًا من الناس ولد مختونًا، قال الشامي: حتى في عصرنا أخبر بعضهم أنه ولد
مختونًا، انتهى، ويمكن أن الخصوصية مجموع الختن وقطع السّة، وقيل: ختنه جدّه يوم سابعه،
وصنع له مأدبة، وقيل: ختنه جبريل عند حليمة، والأرجح الأوّل، فقد قال الحاكم: به تواترت
الأخبار، وابن الجوزي: لا شكّ أنه ولد مختونًا.
قال الخيضري: وأدّته مع ضعفها أمثل من أدلّة غيره، انتهى، بل له طريق جيّدة، صححها
الضياء المقدسي، وحسّنها مغلطاي، وهي ما رواه الطبراني، وأبو نعيم، وابن عساكر، عن أنس،
رفعه: ((من كرامتي على ربّي إني ولدت مختونًا، ولم يرَ أحد سوأتي))، (وتقدّم ما فيه من البحث
أوّل الكتاب) مع فوائد جليلة.
(ومنها: أنه خرج نظيفًا ما به قذر) مما جرت العادة به في المولود عقب ولادته، وهي
صفة موضحة للمبالغة في نظافته، إذ القذر ضدّ النظافة، (رواه ابن سعد) من طريق همام بن
يحيى، عن إسحق بن عبد الله، عن آمنة.
(ومنها: أنه وقع:) خرج من بطن أُمّه (ساجدًا) حقيقة، (رافعًا إصبعيه)، أي: سبابتيه إلى
السماء، قابضًا بقية أصابعه، (كالمتضرّع، المتذّل، المبتهل رواه أبو نعيم) في خبر طويل(من

١٩٠
الفصل الرابع ما اختصّ به علية من الفضائل والكرامات
حديث ابن عباس. ورأت أمه عند ولادته نورًا خرج منها أضاء له قصور الشام،
وكذلك ترى أمهات الأنبياء. رواه أحمد، وكان مهده علّم يتحرك بتحريك
الملائكة، كما ذكره ابن سبع في الخصائص، وكان القمر يحدثه وهو في مهده،
ويميل إليه حيث أشار إليه، رواه ابن طغر بك في ((النطق المفهوم)) وغيره. وتكلم
في المهد، رواه الواقدي وابن سبع،
حديث ابن عباس،) عن آمنة بلفظ: فوضعت محمّدًا، فنظرت إليه، فإذا هو ساجد قد رفع أصبعيه
إلى السماء، كالمتضرّع المبتهل، والطبراني: لما وقع إلى الأرض وقع مقبوضة أصابع يده، مشيرًا
بالسبابة، كالمسبح بها، (ورأت أمّه) رؤية عين بصرية، لا مناميّة، كما زعم، (عند ولادته نورًا
خرج منها، أضاء له قصور الشام،) أي: أضاء النور وانتشر حتى رأت قصور الشام، وأضاءت
تلك القصور من ذلك النور، (وكذلك ترى أُمّهات الأنبياء) نورًا يخرج منهنّ عند الولادة، وإن
لم يكن كالذي رأته آمنة من كل وجه، بحيث أن كل واحدة تضيء منها قصور الشام، هكذا
ترجاه شيخنا، (رواه أحمد،) والبزار، والطبراني، وصححه ابن حبان، والحاكم من حديث
العرباض مرفوعًا، وأحمد أيضًا من حديث أبي أمامة وابن إسحق عن خالد بن معدان، عن
أصحاب رسول اللَّه عَّه، وقال: وفيه أضاءت له قصور بصرى من أرض الشّام، (وكان مهده،)
أي: ما هيّىء له لينام فيه، (يتحرّك بتحريك الملائكة) له، قال بعض: ولم ينقل مثله لأحد من
الأنبياء؛ (كما ذكره ابن سبع) بإسكان الموحدة، وقد تضمّ؛ كما في التبصير (في الخصائص)
له، (كان القمر يحدثه، وهو في مهده، ويميل إليه حيث،) أي: في أيّ وقت (أشار إليه)
بأصبعه، فحيث هنا للزّمان، (رواه ابن طغربك،) بضم الطاء المهملة، وإسكان الغين المعجمة،
وضمّ الراء، وفتح الموحدة، (في) كتاب (النطق المفهوم وغيره،) كالبيهقي، والصابوني،
والخطيب، وابن عساكر، عن العباس بن عبد المطّلب، قلت: يا رسول اللَّه! دعاني إلى الدخول
في دينك إمارة لنبوّتك، رأيتك في المهد تناغي القمر، وتشير إليه بأصبعك، فحيث أشرت إليه
مال، قال: ((إني كنت أحدّثه ويحدّثني، ويلهيني عن البكاء، وأسمع وجبته حين يسجد تحت
العرش))، (وتكلّم في المهد، رواه الواقدي) إن أوّل ما تكلّم به لما ولد جلال ربّي الرفيع،
وروي أنه لما وقع على الأرض رفع رأسه، وقال بلسانٍ فصيح: ((لا إله إلاّ اللَّه، وإنّي رسول اللَّه)،
وعند ابن عائذ: أوّل ما تكلّم به حين خرج من بطن أُمّه: ((اللَّه أكبر كبيرًا، والحمد للَّه كثيرًا،
وسبحان الله بكرة وأصيلاً)، وطريق الجمع؛ أنه قال ذلك كلّه، (وابن سبع،) لكنّ عدّه من
الخصائص فيه نظر، إذ ليس من خصائصه، ولا من خصائص الأنبياء، فقد تكلّم فيه ابن ماشطة
بنت فرعون، وشاهد يوسف، وصاحب جريج، رواه أحمد، والحاكم مرفوعًا: ((وابن المرأة من

١٩١
الفصل الرابع ما اختصّ به عَّةٍ من الفضائل والكرامات
وظللته الغمامة في الحر، رواه أبو نعيم والبيهقي، ومال إليه فيء الشجرة إذا سبق
إليه، رواه البيهقي.
ومنها: شق صدره الشريف. رواه مسلم وغيره.
وغطه جبريل عند ابتداء الوحي ثلاث غطات. عد هذه بعضهم من
خصائصه كما نقله الحافظ ابن حجر، قال: ولم ينقل عن أحد من
٠٠
..
أصحاب الأخدود))، رواه مسلم ومبارك اليمامة، رواه البيهقي، وكذا الطفل الذي مرّت عليه أمة
تنسب إلى الزنا، فقالت أُمّه: اللَّهمّ لا تجعل ولدي مثلها، فقال: اللَّهمّ اجعلني مثله، فهؤلاء ستّة
تكلّموا في المهد، وليسوا بأنبياء، وللسيوطي نظم شهير في جملة من تكلّم، (وظلّلته الغمامة:)
السحابة (في الحرّ، رواه أبو نعيم والبيهقي،) عن ابن عباس: كانت حليمة لا تدعه يذهب مكانًا
بعيدًا، فغفلت عنه، فخرج مع أخته في الظهيرة، فخرجت حليمة تطلبه حتى تجده مع أخته، قالت:
في هذا الحرّ، قالت: ما وجد أخي حرًّا، رأيت غمامة تظلّ عليه إذا وقف وقفت، وإذا سار سارت،
حتى انتهى إلى هذا الموضع الحديث، وهذا كان قبل النبوّة، فهو من الكرامات.
وفي الصحيح: فإذا أنا بسحابة قد أظلّتني، ولذا قال ابن جماعة: من زعم أن حديث
إظلال الغمامة لم يصح، فهو باطل، نعم قال السخاوي وغيره: لم يكن دائمًا لما في حديث
الهجرة: أن الشمس أصابته، وظلّله أبو بكر بردائه، وثبت أنه كان بالجعرانة ومعه ثوب قد أظلّ
عليه، وإنّهم كانوا إذا أتوا على شجرة ظليلة تركوها له عليه الصّلاة والسّلام وغير ذلك، (ومال
إليه فيء) ظلّ (الشجرة إذا سبق إليه) إكرامًا له، (رواه البيهقي،) والترمذي، وحسّنه،
والحاكم، وصححه، وغيرهم عن أبي موسى الأشعري، قال: خرج أبو طالب إلى الشام ومعه
النبيّ ◌َ له في أشياخ من قريش الحديث، وفيه: أن بحيرا الراهب صنع لهم طعامًا، وأتاهم به،
وكان عَّ في رعية الإبل، فقال بحيرا: أرسلوا إليه، فأقبل وعليه غمامة تظلّه، فلما دنا من القوم
وجدهم قد سبقوه إلى فيء الشجرة، فلما جلس مال فيء الشجرة عليه، فقال: انظروا إلى فيء
الشجرة مال عليه.
(ومنها: شقّ صدره الشريف) أربع مرّات ولم تثبت الخامسة، (رواه مسلم وغيره،)
وتقدّم بسطه كجميع ما ذكره المصنّف من أوّل هذا الفصل إلى هنا في المقصد الأوّل إلّ
كتابة اسمه على العرش وغيره، ففي المقصد الثاني، (وغطّه،) بغين معجمة، فطاء مهملة
مشدّدة: ضمّه وعصره (جبريل عند ابتداء الوحي ثلاث غطّات) ليشغله عن الالتفات لشىء
آخر، ولإظهار الشدّة والجدّ في الأمر وأن يأخذ الكتاب بقوّة، وقيل غير ذلك، كما مرّ، (عدّ
هذه بعضهم من خصائصه؛ كما نقله الحافظ ابن حجر، قال: ولم ينقل عن أحد من

١٩٢
الفصل الرابع ما اختصّ به معَّه من الفضائل والكرامات
الأنبياء أنه جرى له عند ابتداء الوحي.
ومنها: أن الله ذكره في القرءان عضوًا عضوًا، فقلبه بقوله: ﴿وما كذب الفؤاد
ما رأى﴾ [النجم/١١]، وقوله: ﴿نزل به الروح الأمين على قلبك﴾ [الشعراء/
١٩٤]، ولسانه بقوله: ﴿وما ينطق عن الهوى﴾ [النجم/٣]، وقوله: ﴿فإنما يسرناه
بلسانك﴾ [مريم/٩٧]، وبصره بقوله: ﴿ما زاغ البصر وما طغى﴾ [النجم/ ١٧]،
ووجهه بقوله: ﴿قد نرى تقلب وجهك في السماء﴾ [البقرة/١٤٤]. يده وعنقه
بقوله: ﴿ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك﴾ [الإسراء/٢٩]، وظهره وصدره بقوله: ﴿ألم
نشرح لك صدرك ووضعنا عنك وزرك الذي أنقض ظهرك﴾ [الشرح/ ١، ٣]، أخرجه
البخاري في تاريخه الصغير من طريق علي بن زيد قال: كان أبو طالب يقول:
الأنبياء؛ أنه جرى له عند ابتداء الوحي،) لا مرّة ولا أكثر.
(ومنها: أن اللَّه ذكره في القرءان)) أي: ذكر أعضاءه التي أريد الإخبار عنها بصفة
تعلّقت بها فيها، ثناء عليه، مبيّنة (عضوًا عضوًا،) وهو بهذا المعنى لا يستلزم ذكر الجميع، فلا
يردّ أنه بقي من أعضائه الفخذان والرجلان وغيرهما، (فقلبه،) أي: فذكر قلبه (بقوله: ﴿ما كذب
الفؤاد وما رأى﴾ الآية، أي: ما رأه بقلبه، أي: ما أنكر قلبه ما رآه، ببصره من صورة جبريل، أو
الله تعالى؛ فإن الأمور القدسية تدرك أولاً بالقلب، ثم تنتقل منه الى البصر أو ما قال فؤاده لما رآه
لم أعرفك، لأنه عرفه بقلبه، كما رآه ببصره، والمعنى أنه ليس تخييلاً، ويدلّ له أنه عَّهِ سئل:
هل رأيت ربك؟، فقال: «رأيته بفؤادي))، رواه ابن جرير عن ابن عباس.
(وقوله: ﴿نزل به الرّوح الأمين جبريل على قلبك﴾) وفي قراءة بتشديد نزل ونصب
الرّوح، والفاعل اللَّه، (وذكر (لسانه بقوله: ﴿وما ينطق﴾،) بما يأتيكم به (﴿عن الهوى)الآية،
هوى نفسه، (وقوله: ﴿فإنما يسّرناه﴾) سهّلنا القرءان (﴿بلسانك﴾ الآية)، لغتك، (وبصره
بقوله: (ما زاغ البصر وما طغى﴾، الآية، أي: ما مال بصره علية عن مرتبة المقصود له
ولا جاوزه تلك اللّيلة، (ووجهه بقوله: ﴿قد﴾) للتحقيق (﴿نرى تقلّب﴾) تصرّف (﴿وجهك
في﴾) جهة (﴿السماء) الآية، متطلّعًا إلى الوحي، ومتشوّفًا إلى الأمر باستقبال الكعبة، وكان يودّ
ذلك، لأنها قبلة إبراهيم ولأنه أدعى لإسلام العرب، (ويده وعنقه بقوله: ﴿ولا تجعل يدك مغلولة
إلى عنقك﴾ الآية، أي: لا تمسكها عن الإنفاق كل المسك، (وظهره وصدره بقوله: ﴿ألم
نشرح لك صدرك﴾) بالنبوّة وغيرها، (﴿ووضعنا:) خططنا (﴿عنك وزرك الذي أنقض﴾:) أثقل
(﴿ظهرك﴾، الآية، وهذا كقوله: ﴿ليغفر لك اللَّه ما تقدّم من ذنبك﴾ الآية، ويأتي

١٩٣
الفصل الرابع ما اختصّ به علّ له من الفضائل والكرامات
واشتقّ اسمًا من اسم المحمود، ويشهد له ما أخرجه البخاري في تاريخه
الصغير من طريق عليّ بن زيد، قال: كان أبو طالب يقول:
وشق له من اسمه ليجله فذو العرش محمود وهذا محمد
وهو مشهور لحسان بن ثابت.
وسمي أحمد، ولم يسم به أحد قبله. رواه مسلم. ولأحمد من حديث
علي: أعطيت أربعًا لم يعطهنَّ أحد قبلي وذكر منها: وسميت أحمد.
ومنها أنه مَِّ كان يبيت جائعًا، ويصبح طاعمًا يطعمه ربه ويسقيه من
الجنة، كما سيأتي البحث فيه في صيامه عَ لّه من مقصد عباداته.
بیانه إن شاء الله تعالى.
(واشتقّ اسمًا من اسم المحمود،) بالجرّ بدل والنصب، بتقدير أعني، والرفع بتقدير وهو،
وقيل: من اسمه الحميد، ولكن المحمود أتمّ في الاشتقاق؛ لأن فيه ميمين، كمحمّد بخلاف
الحميد، (ويشهد له ما أخرجه البخاري في تاريخه الصغير من طريق عليّ بن زيد،) بن
عبد اللَّه، بن زهير بن عبد اللَّه، بن جدعان القرشي، التيمي، البصري، ضعيف من صغار التابعين،
(قال: كان أبو طالب يقول: وشقّ) بالبناء للفاعل من شق الشىء، جعله قطعتين، أي: اشتقّ اللَّه
تعالى (له من اسمه،) بقطع الهمزة للضرورة، اسمًا (ليجلّه:) ليعظّمه، (فذو العرش محمود، وهذا
محمّد،) وقدّم المصنّف هذا الحديث بلفظه في أسمائه عليه السّلام، (وهو مشهور لحسّان بن
ثابت) الأنصاري، المؤيّد بروح القدس، فتوارد حسّان مع أبي طالب، أو ضمنه شعره، وبه جزم
بعض، (وسمّ أحمد) أيس أحمد الحامدين لربه فالأنبياء حمادون وهو أحمدهم أي أكثرهن حمدا
( ولم يسم به أحد من قبله) منذ خلقت الدنيا، حماية من اللَّه لئلاّ يدخل، ليس على ضعيف
القلب، أو شكّ في أنه المنعوت بأحمد في الكتب السابقة، هكذا قاله الأكثرون، وبه جزم عياض
وغيره، وهو الصواب، والقول بأن الخضر اسمه أحمد مردود رواه، وكذا لم يتّسم به أحد في
حياته، وأوّل من سمّي به بعده والد الخليل بن أحمد على المشهور؛ كما مرّ مفصّلاً.
(رواه مسلم) عن عليّ مرفوعًا: ((أعطيت ما لم يعطّ أحد من الأنبياء قبلي: نصرت
الرعب، وأعطيت مفاتيح خزائن الأرض، وسميت أحمد، وجعل لي التراب طهورًا، وجعلت أُمّتي
خير الأمم)، (ولأحمد من حديث عليّ: (أُعطيت أربعًا لم يعطهنّ أحد قبلي))، وذكر منها:
((وسمّيت أحمد)،) وقدّم لفظه أوائل الخصائص.
(ومنها: أنه عَّ كان يبيت جائعًا، ويصبح طاعمًا، يطعمه ربّه ويسقيه من الجنّة:)
فكان يواصل، (كما سيأتي في البحث فيه في صيامه عَ لّه من مقصد عباداته) التاسع، (وكان

١٩٤
الفصل الرابع ما اختصّ به عٍَّ من الفضائل والكرامات
وكان يرى من خلفه كما يرى أمامه. رواه مسلم.
ويرى في الليل وفي الظلمة كما يرى بالنهار والضوء. رواه البيهقي.
وكان ريقه يعذب الماء الملح، رواه أبو نعيم. ويجزي الرضيع، رواه البيهقي.
ومنها: أنه عَ ◌ِّ كان إذا مشى في الصخر غاصت قدماه فيه وأثرت فيه،
كما هو مشهور قديمًا وحديثًا على الألسنة، ونطق به الشعراء في منظومهم، والبلغاء
في منثورهم، مع اعتضاده بوجود أثر قدمي الخليل إبراهيم عليه أفضل الصلاة
والسلام في حجر المقام المذكور في التنزيل في قوله تعالى: ﴿فيه آيات بينات
مقام إبراهيم﴾ وهو البالغ تعيينه - وأنه أثره - مبلغ التواتر، القائل فيه أبو طالب:
وموطىء إبراهيم في الصخر رطبة على قدميه حافيًا غير ناعل
يرى من خلفه، كما يرى من أمامه، رواه مسلم) عن أنس رفعه، وفيه: ((أيها الناس إني أمامكم،
لا تسبقوني بالركوع ولا بالسجود، فإني أراكم من أمامي ومن خلفي)، (ويرى في الليل وفي
الظلمة،) بضمّ، فسكون، وبضمّتين ذهاب النور، واحترز به عما إذا كان قمر، (كما يرى بالنهار
وفي الضوء، رواه البيهقي) في الدلائل عن ابن عباس به، وعنده أيضًا عن عائشة نحوه، وقدم
المصنّف بسط هذين في بصره من المقصد الثالث، (وكان ريقه يعذب الماء الملح، رواه أبو
نعيم) وغيره، عن أنس: بزق في بئر في دار أنس، فلم يكن في المدينة بئر أعذب منها،
(ويجزي،) يكفي (الرضيع) عن اللبن، (رواه البيهقي) في الدلائل بلفظ: أنه كان يدعو يوم
عاشوراء برضعائه ورضعاء ابنته فاطمة، فيتفل في أفواههم، ويقول للأمّهات: ((لا ترضعنهم إلى
اللّيل))، فكان ريقه يجزيهم، وقدّم هذين في ريقه من المقصد الثالث.
ويقع في بعض النسخ هنا زيادة، وهي: (منها: أنه عَّةٍ كان إذا مشى في الصخر،
غاصت قدماه فيه وأثرت فيه، كما هو مشهور قديمًا وحديثًا على الألسنة، ونطق به الشعراء
في منظومهم، والبلغاء في منثورهم،) وأنكره الحافظ السيوطي، وقال: لم أقف له على أصل،
ولا سند، ولا رأيت من خرجه في شىء من كتب الحديث، وكذا أنكره غيره، وحاول المصنّف
خلافه، فقال: (مع اعتضاده:) تقويته (بوجود أثر قدمي الخليل إبراهيم عليه أفضل الصّلاة
والسلام في حجر المقام المذكور في التنزيل في قوله تعالى: ﴿فيه آيات بينات﴾) منها
مقام إبراهيم﴾، الآية،) أي: الحجر الذي قام عليه عند بناء البيت، فأثر قدماه فيه، (وهو البالغ
تعيينه؛ وأنه أثره،) أي: إبراهيم (مبلغ التواتر القائل فيه أبو طالب) في قصيدته اللاميّة،
(وموطىء) بالجرّ عطفًا على المجرور قبله من قوله: أعوذ بربّ الناس، أي: محل وطء (إبراهيم
في الصخر:) الحجر (رطبة) حتى أثر فيه (على قدميه حافيًا غير باعل،) صفة كاشفة، (وبما

١٩٥
الفصل الرابع ما اختصّ به عَّهِ من الفضائل والكرامات
وبما في البخاري من حديث أبي هريرة مرفوعًا من معجزة تأثير ضرب
موسى في الحجر ستًا أو سبعًا إذ فرّ بثوبه لما اغتسل. إذ ما خص نبي بشىء من
المعجزات والكرامات إلا لنبينا مَّهِ مثله، كما نصوا عليه، مع ما يؤيد ذلك: وهو
وجود أثر حافر بغلته الشريفة على ما قيل - في مسجد بطيبة، حتى عرف المسجد
بها، فيقال مسجد البغلة، وما ذاك إلا من سره الساري فيها ليكون ذلك أقوى في
الآية. وأوضح في الدلالة على إيتائه عليه الصلاة والسلام هذه الآية التي أوتيها
الخليل في حجر المقام على وجه أعلى منه.
بل قال الزبير بن بكار فيما نقله المجد الشيرازي في المغانم
في البخاري،) ومسلم (من حديث أبي هريرة، مرفوعًا: ((من معجزة تأثير ضرب موسى في
الحجر) الذي كان يحمله معه في الأسفار، فيتفجر منه الماء (ستَّ) من الآثار، (أو سبعًا) بالشكّ
من الراوي، ولعلّه أوحى إليه أن يضربه، (إذ فر بثوبه لما اغتسل)، عن أبي هريرة، عن النبيّ ◌َّه.
قال: ((كانت بنو إسرائيل يغتسلون عراة، ينظر بعضهم إلى بعض، وكان موسى يغتسل وحده،
قالوا: واللَّه ما يمنع موسى أن يغتسل، معنا إلّ أنه آدر، فذهب مرّة يغتسل، فوضع ثوبه على حجر،
ففرّ الحجر بثوبه، فخرج موسى في أثره يقول: ثوبي يا حجر، ثوبي يا حجر حتى نظرت بنو
إسرائيل موسى، فقالوا: والله ما بموسى من بأس، وأخذ ثوبه فطفق بالجر ضربًا))، قال أبو هريرة:
واللَّه إنه لندب بالحجر ستة أو سبعة، رواه الشيخان.
قال الحافظ: فيه معجزة ظاهرة لموسى، وأن الآدمي يغلب عليه طباع البشر؛ لأن موسى
مع علمه أن الحجر ما سار بثوبه إلاّ بأمر الله، عامله معاملة من يعقل حتى ضربه، ويحتمل أنه أراد
بيان معجزة أخرى لقومه بتأثير الضرب بالعصا في الحجر، انتهى، وذكر وجه استشهاده به بقوله:
(إذا ماخصّ نبيّ بشىء من المعجزات والكرامات إلاّ ولنبيّا عَّه مثله، كما نصّوا عليه»)
لكن المثلية التي للمصطفى إما من جنسها، أو بغيرها أعلى أو مساوٍ؛ كما نصّوا عليه، فمثل هذا
لا يدفع إنكار وروده، (مع ما يؤيّد ذلك، وهو وجود أثر حافر بغلته الشريفة على ما قيل في
مسجد بطيبة حتى عرف المسجد بها، فيقال: مسجد البغلة،) وهذا لو ثبت لا ينتج الدعوى،
إذ لا يلزم من تأثير حافر بغلته، وإن كان إكرامًا له ومعجزة، إن نفس قدميه يؤثر الذي هو
المطلوب، (وما ذاك إلاّ من سرّه الساري فيها ليكون ذلك أقوى في الآية، وأوضح في
الدلالة على إيتائه عليه الصّلاة والسّلام هذه الآية التي أوتيها الخليل في حجر المقام
على وجه أعلى منه،) وهذا تصريح منه، بأنه لم يؤت مثله بخصوصه، فلم يثبت المطلوب، (بل
قال الزبير بن بكّار فيما نقله المجد الشيرازي،) صاحب القاموس (في) كتابه (المغانم

١٩٦
الفصل الرابع ما اختصّ به عَلّ من الفضائل والكرامات
المطابة بعد ذكره لأثر حافر البغلة ومسجدها: وفي غربي هذا المسجد أثر كأنه أثر
مرفق يذكر أنه عليه الصلاة والسلام اتكأ ووضع مرفقه الشريف عليه، وعلى حجر
آخر أثر الأصابع، والناس يتبركون بهما.
وقال السيد نور الدين السمهودي في كتابه ((وفاء الوفا)) بعد إيراد ذلك: قلت
ولم أقف في ذلك على أصل إلا أن ابن النجار قال في في المساجد التي أدركها
خرابًا بالمدينة ما لفظه: ومسجدان قرب البقيع، أحدهما يعرف بمسجد الإجابة،
والثاني يعرف بمسجد البغلة، فيه إسطوان واحد، وهو خراب، وحوله نشر من
الحجارة، فيه أثر يقولون إنه أثر حافر بغلة النبي عێ، انتهى.
وكان إبطه معَِّ لا شعر عليه، قاله القرطبي، وكان أبيض غير متغير اللون،
كما ذكره الطبري وعده من الخصائص، وذكره بعض الشافعية، لحديث أنس -
المتفق عليه - أنه عٍَّ كان يرفع يديه في الاستسقاء حتى يرى بياض إبطيه.
وقال الشيخ جمال الدين
المطابة) في فضائل طابة، (بعد ذكره لأثر حافر البغلة ومسجدها، وفي غربي هذا المسجد
أثر؛ كأنه أثر مرفق).
(يذكر أنه عليه الصّلاة والسّلام اتّكأ عليه، ووضع مرفقه الشريف عليه، وعلى حجر
آخر أثر الأصابع والناس يتبرّكون بهما،) أي: أثر المرفق وأثر الأصابع، (وقال السيّد) الشريف
(نور الدين) علي (السمهودي في كتابه وفاء الوفاء) تاريخ المدينة (بعد إيراد ذلك: ولم أقف
في ذلك على أصل إلّ أن ابن النجار) الحافظ الشهير، (قال) في تاريخ المدينة (في
المساجد التي أدركها خرابًا بالمدينة ما لفظه: ومسجدان قرب البقيع، أحدهما يعرف
بمسجد الإجابة؛) كأنه لإجابة الدعاء فيه، (والثاني يعرف بمسجد البغلة فيه اسطوان) عمود
(واحد، وهو خراب وحوله نشز،) بالزاي: مرتفع (من الحجارة فيه أثر، يقولون: إنه أثر خافر
بغلة النبيّ عَّله، انتهى) كلام السمهودي، وهذا آخر ما في بعض النسخ، وأكثرها سقوطه، ولعلّه
أولى، (وكان إبطه عليه الصّلاة والسّلام لا شعر عليه، قاله القرطبي).
(وكان أبيض غير متغيّر الّون،) قيّد به دفعًا لتوهم أن خلوّه من الشعر لمرض منع
ظهوره، (كما ذكره الطبري) الحافظ محب الدين المكي، (وعدّه في الخصائص، وذكره
بعض الشافعية) كالأسنوي؛ (لحديث أنس المتفق، عليه،) أي: الذي رواه الشيخان؛ (أنه عَّ.
كان يرفع يديه في الاستسقاء حتى يرى بياض إبطيه،) لفظ الحديث عندهما: كان لا يرفع
يديه حتى يرى بياض إبطيه، فاقتصر المصنّف على حاجته منه، (رقال الشيخ جمال الدين)

١٩٧
الفصل الرابع ما اختصّ به عَّله من الفضائل والكرامات
الأسنوي في ((المهمات)) إن بياض الإبط كان من خواصه عَّةٍ، انتهى.
قال في شرح تقريب الأسانيد: وما ادعاه من كون هذا من الخصائص فيه
نظر، إذ لم يثبت ذلك بوجه من الوجوه، بل لم يرد ذلك في شىء من الكتب
المعتمدة، والخصائص لا تثبت بالاحتمال، ولا يلزم من ذكر أنس وغيره، بياض
إبطيه أن لا يكون له شعر، فإن الشعر إذا نتف بقي المكان أبيض، وإن بقي فيه
آثار الشعر، ولذلك ورد في حديث عبد الله بن أقرم الخزاعي، أنه صلى مع رسول
الله عَّله فقال: كنت أنظر إلى عفرة آبطيه إذا سجد، خرجه الترمذي، وحسنه،
والنسائي وابن ماجة. وقد ذكر الهروي في ((الغريبين))، وابن الأثير في ((النهاية)) أن
العفرة بياض ليس بالناصع ولكن كلون عفرة الأرض، وهو وجهها، وهذا يدل على
أن آثار الشعر هو الذي جعل المكان أعفر، وإلا فلو كان خاليًا من نبات الشعر
جملة لم يكن أعفر.
عبد الرحيم بن الحسن بن علي (الأسنوي))) شيخ الشافعية وصاحب التصانيف السائرة، إمام زمانه
البارع، توفي سنة سبع وسبعين وسبعمائة، وله أربع وسبعون سنة، (في) كتاب (المهمّات: أن
بياض الإبط كان من خواصّه عَّ، انتهى).
(قال في شرح تقريب الأسانيد) الولي العراقي: (وما ادّعاه من كون هذا من الخصائص
فيه نظر، إذ لم يثبت ذلك بوجه من الوجوه، بل لم يرد ذلك في شىء من الكتب
المعتمدة، والخصائص لا تثبت بالاحتمال) القائم من ذكر أنس وغيره بياض إبطيه، وإنما تثبت
بالنص الصريح، (ولا يلزم من ذكر أنس وغيره بياض إبطيه؛ أن لا يكون له شعر٤) لاحتمال أنه
كان يديم تعاهده، (فإن الشعر إذا نتف بقي المكان أبيض، وإن بقي فيه آثار الشعر، ولذلك
ورد في حديث عبد اللَّه بن أقرم،) بفتح الهمزة والراء، بينهما قاف ساكنة، ثم میم، ابن زيد
(الخزاعي،) أبي معبد المدني، صحابي، نقل له حديثان، (أنه صلّى مع رسول اللَّه عَظله)
فقال: كنت أنظر إلى عفرة،) بضم المهملة، وسكون الفاء (إبطيه إذا سجد، خرّجه الترمذي،
وحسّنه النسائي، وابن ماجه، وقد ذكر الهروي،) بفتح الهاء والراء أحمد بن محمّد، أبو عبيد
المشهور (في الغربيين) للقرءان والحديث نسبة إلى هراة مدينة بخراسان، وليس هو عليًّا أبا
الحسن بن إدريس، كما توهم، (وابن الأثير في النهاية، أن العفرة بياض ليس بالناصع،) أي:
الخالص، (ولكن) هو (كلون عفرة الأرض، وهو وجهها، وهذا يدلّ على أن آثار الشعر هو
الذي جعل المكان أعفر، وإلاّ فلو كان خاليًا من نبات الشعر جملة لم يكن أعفر،) وقد تمنع

١٩٨
الفصل الرابع ما اختصّ به عَّ من الفضائل والكرامات
نعم الذي يعتقد فيه عَّله أنه لم يكن لإبطه رائحة كريهة، بل كان نظيفًا
طيب الرائحة، كما ثبت في الصحيح.
وكان عليه الصلاة والسلام يبلغ صوته وسمعه ما لا يبلغه صوت غيره ولا
سمعه.
وكان تنام عينه ولا ينام قلبه. رواه البخاري.
وما تثاءب قط. كما رواه ابن أبي شيبة والبخاري في تاريخه من مرسل يزيد
ابن الأصم قال: ما تثاءب النبي عَ ◌ّله قط، وأرج الخطابي من طريق مسلمة بن عبد
دلالته على ذلك بقول الحافظ: إن شأن المغابن أن يكون لونها في البياض دون لون بقيّة
الجسد، (نعم الذي يعتقد فيه عَّه) وجوبًا، (أنه لم يكن لإبطه رائحة كريهة، بل كان نظيفًا،
طيّب الرائحة؛ كما ثبت في الصحيح،) عن أنس وغيره، وقد روى البزار عن رجل، قال: ضمّني
رسول اللَّه عَّله، فسال عليّ من عرق إبطيه مثل رائحة المسك، (وكان عليه الصّلاة والسّلام
يبلغ صوته وسمعه ما لا يبلغه صوت غيره ولا سمعه) من الأصوات والأسماع المعتادين، فقد
كان يخطب، فتسمعه العوائق في البيوت، ويسمع أطيط السماء؛ كما مرّ بسط ذلك في شمائله،
(وكان تنام عينه ولا ينام قلبه،) وكذلك الأنبياء، فهو خصوصيّة له على الأمم؛ كما مرّ مبسوطًا،
(رواه البخاري)،) ومسلم، وغيرهما بلفظ: ((يا عائشة إن عينيّ تنامان ولا ينام قلبي))، وأخرجه
بلفظ المصنف الحاكم من حديث أنس: ((كانت تنام)) الخ ....
وتقدّم أيضاً. (وما تثاءب،) بالهمز تثاؤبًا، وزان تثاقل تثاقلاً، قيل: هي فترة تعتري
الشخص، فيفتح عندها فمه وتثاوب بالواو عامي؛ كما في المصباح، وقال غيره: هو التنفس الذي
ينفتح منه الفم لدفع البخار المنخفق في عضلات الفك (قطّ،) وكذلك الأنبياء، لأن سببه ناشىء
عن إبليس، لأنه يدعو إلى الشهوات التي منها الامتلاء من الطعام الذي ينشأ عنه التثاؤب غالبًا،
وهم معصومون من ذلك؛ (كما رواه ابن أبي شيبة والبخاري في تاريخه من مرسل يزيد،) بياء
قبل الزاي، (ابن الأصم،) ضد السامع، ونسخة الأعصم بزيادة عين تصحيف من الجهال، واسم
الأصم عمرو، وقيلٍ: يزيد بن عمرو بن عبيد العامري، البكائي، بفتح الموحدة، والكاف الثقيلة،
ابن أخت ميمونة أمّ المؤمنين، من الثقات، مات سنة ثلاث ومائة، (قال: ما تثاءب النبيّ عَّه
قطّ،) وظاهر هذا اختصاصه، لكن في رواية عن يزيد المذكور عند ابن أبي شيبة أيضًا، بلفظ:
(ما تثاءب نبيّ قط))؛ كما قدّمه المؤلف في الصوت الشريف وهذا يعمّ جميع الأنبياء ونحوه قوله
هنا: (وأخرج الخطابي من طريق مسلمة بن عبد الملك) بن مرون الأموي، الأمير، مقبول،

١٩٩
الفصل الرابع ما اختصّ به عَ له من الفضائل والكرامات
الملك، قال ما تثاءب نبي قط ويؤيده ذلك. أن التثاؤب من الشيطان. رواه البخاري.
وما احتلم قط، وكذلك الأنبياء. وراه الطبراني. وكان عرقه أطيب من
المسك. رواه أبو نعيم وغيره.
وإذا مشى مع الطويل طاله، رواه البيهقي، ولم يقع له ظل على الأرض، ولا
رؤي له ظل في شمس ولا قمر.
روى له أبو داود، ولم يلقَ أحدًا من الصحابة، مات سنة خمس وعشرين ومائة أو بعدها، (قال:
ما تثاءب نبيّ قط،) وهذا يعمّ الجميع، فهو من خصائصهم على الأُمّم.
(ويؤيّده ذلك أن التثاؤب من الشّيطان؛) لأنه الحامل على سببه بتزيين الشهوات، (رواه
البخاري) ومسلم، عن أبي هريرة مرفوعًا: ((التثاؤب من الشيطان، فإذا تثاءب أحدكم فليردّه
ما استطاع))، (وما احتلم قطّ،) أي: ما رأى في منامه ما يقتضي خروج المني؛ لأنه من الشّيطان،
ولا سبيل له عليك، (وكذلك الأنبياء)،) هذا هو المراد، وإن أطلق الاحتلام لغة على الرؤيا
المنامية، لا بهذا القيد، (رواه الطبراني) عن ابن عباس، قال: ((ما احتلم نبيّ قطّ، وإنّما الاحتلام
من الشيطان؛ كما قدّمه في جماعة عَّ ◌ُله، (وكان عرقه أطيب من المسك، رواه أبو نعيم
وغيره) بلفظ: كان عرقه في وجهه مثل اللؤلؤ، أي: في البياض والصفاء أطيب من المسك الأذفر
بالمعجمة، أي: الطيب الريح، ومرّ بسط هذا في الشمائل.
(وإذا مشى مع الطويل طاله)) أي: زاد عليه في الطول، مع أنه ربعة إكرامًا من اللَّه حتى
لا يزيد عليه أحد صورة، كما لا يزيد معنى، فمثل ارتفاعه في عين الناظر يراه رفعة حسيّة، وهذا
من المعجزات.
(رواه البيهقي) وغيره عن عائشة، قالت: لم يكن بالطويل البائن، ولا بالقصير المتردّد،
وكان ينسب إلى الربعة إذا مشى وحده، ولم يكن على حال يماشيه أحد من الناس ينسب إلى
الطول الإطالة، ولربما اكتنفه الرجلان الطويلان، فيطولهما، فإذا فارقاه ينسب إلى الربعة.
وروى عبد اللَّه بن أحمد عن عليّ: كان عَِّ ليس بالذاهب طولاً وفوق الربعة، إذا جامع
القوم غمرهم، بفتح المعجمة والميم، أي: زاد عليهم في الطول من غمر الماء إذا علا، ولذا زاد
رزين وابن سبع: أنه كان إذا جلس يكون كتفه أعلى من جميع الجالسين، وتوقّف بعض فيه؛ بأنه
لم يره إلاّ في كلام رزين، وكلام الناقلين عنه تقصير، فإن المجامعة شاملة للجلوس والمشي.
(ولم يقع له ظلّ على الأرض، ولا رؤي له ظلّ في شمس ولا قمر،) رواه الحكيم
الترمذي مرسلاً، قال ابن سبع: لأنه كان نورًا كلّه، وقال رزين: لغلبة أنواره، قيل: وحكمته صيانته

٢٠٠
الفصل الرابع ما اختصّ به علّه من الفضائل والكرامات
ويشهد له أنه مٍَّ لما سأل الله تعالى أن يجعل في جميع أعضائه وجهاته نورًا،
ختم بقوله: واجعلني نورًا.
وكان عَِّ لا يقع على ثيابه ذباب قط. نقله الفخر الرازي، ولا يمتص دمه
البعوض، كذا نقله الحجازي وغيره، وما آذاه القمل، قاله ابن سبع في ((الشفاء))
والسبتي في ((أعظم الموارد)).
ومنها: انقطاع الكهنة عند مبعثه، وحراسة السماء من استراق السمع،
عن أن يطبأ كافر ظلّه، وإطلاق الظل على القمر مجاز؛ لأنه إنما يقال ظلمة القمر ونوره، وروى
ابن المبارك وابن الجوزي عن ابن عباس: لم يكن للنبيّ عَّهِ ظلّ، ولم يقم مع الشمس قطّ إلّ
غلب ضوءه ضوء الشمس، ولم يقم مع سراج قطّ إلا غلب ضوءه ضوء السراج، وتقدّم هذا كلّه
في مشيه عَّةِ، (ويشهد له أنه عَّ لما سأل الله تعالى أن يجعل في جميع أعضائه وجهاته
نورًا، ختم بقوله: واجعلني نورًا،) أي: النور لا ظلّ له، وبه يتمّ الاستشهاد، (وكان عَّ لا يقع
على ثيابه ذباب قط، نقله الفخر الرازي) عن بعضهم، (ولا يمتصّ دمه البعوض؛ كذا نقله
الحجازي وغيره،) ونوزع بعدم ثبوته، (وما أذاه القمل) لعدم وجوده فيه، (قاله) أبو ربيع،
سليمن (بن سبع،) بإسكان الموحدة، وقد تضمّ السبتي (في) كتاب (الشفاء،) أي: شفاء
الصدور في اعلام نبوّة الرسول وخصائصه، ولفظه: لم يكن فيه قمل، لأنه نور، ولأن أصله من
العفونة، ولا عفونة فيه، وأكثره من العرق، وعرقه طيّب.
(والسبتي،) يفتح، فسكون، نسبة إلى سبتة بالمغرب، وجزم الرشاطي؛ بأن سبتة، بالفتح،
والذي ينسب إليها السبتي، بالكسر (في) كتابه (أعظم الموارد) وأطيب الموالد، وقدّم
المصنف في اللباس، أنه يشكل عليه حديث عائشة: كان يفلّي ثوبه، ومن لازمه وجود شىء
يؤذيه قمل أو برغوث أو نحو ذلك، ويجاب بأن التفلى لاستقدار ما علق بثوبه من غيره، وإن لم
يؤذه، وفيه: إن أذاه غذاؤه من البدن، وإذا امتنع الغذاء لم يعش الحيوان غالبًا، انتهى ملخّصًا، ومرّ
أن شيخنا دفع بحثه، بأن التفلية لإزالة القذر الحاصل من غيره، لا القمل ونحوه، ولا يلزم أنه
حيوان، وبتقديره حيوانًا يجوز أنه فلاه قبل مضي مدّة، لا يصبر فيها على عدم الغذاء.
(ومنها: انقطاع الكهنة،) بمعنى الكهانة تجوز العلاقة التعلّق بينهما: فأطلق اسم المتعلّق،
وأراد به المتعلّق، فهو مجاز لغوي، أو هو من مجاز النقص، أي: إخبار الكهنة، إذ نفس الكهنة
لم ينقطعوا: جمع كاهن، وهو المخبر ببعض المغيبات كتابيًّا أو غيره، (عند مبعثه) أي عقبه
(وحراسة السماء من استراق السمع،) أي: استراق الشياطين لاستماع ما تقوله الملائكة