Indexed OCR Text

Pages 121-140

١٢١
الفصل الثاني: فيما خصّه اللَّه تعالى به
وعند الترمذي الحكيم من حديث عائشة، رفعته: إن الله أمرني بمداراة
الناس، كما أمرني بإقامة الفرائض.
ومنها مصابرة العدو وإن كثر عددهم.
ومنها تغيير المنكر إذا رآه، لكن قد يقال: كل مكلف تمكن من تغييره يلزمه
تغيير، فيقال: المراد أنه لا يسقط عنه مَّ ◌ُلّه بالخوف بخلاف غيره.
(وعند الترمذي الحكيم) محمّد بن علي، وكذا عند الديلمي بسند ضعيف (من حديث
عائشة، رفعته: ((إن الله أمرني بمداراة الناس،) أي: بملاطفتهم وملاينتهم، ومن ذلك المشاورة
والأمر للوجوب، (كما أمرني بإقامة الفرائض،) وفي رواية بدله القرءان، أي أمرني بملاطفتهم
قولاً وفعلاً والرفق بهم وتألّفهم ليدخل من يدخل في الدين، وبقي المسلمين شرّ من قدر عليه
الشقاء، ولذا قال حكيم: هذا أمر لا يصلحه إلا لين من غير ضعف، وشدّة بلا عنف، وهذه هي
المداراة.
أمّا المداهنة، وهي بدل الدين لصلاح الدنيا، فمحرمة، وأمره بالمداراة لا يعارض أمره
بالاغلاظ على الكفار وبعثه بالسيف، لأن المداراة تكون أوّلاً، فإن لم تفد، فالإغلاظ، فإن لم
يفد فالسّيف.
(ومنها: مصابرة العدوّ،) أي قتال الكفّار (وإن كثر عددهم) جدًا، قال بعض أصحابنا: ولو
أهل الأرض، لأن اللَّه وعده بالعصمة من الناس، ولأنه كما قال الرازي من العلم بأعلى مكان،
كبقيّة الرسل، فيعلمون أنه لا يتعجّل شىء عن وقته، ولا يتأخّر شىء عن وقته بخلاف غيرهم من
المكلّفين، فليس لهم مثل هذا الإيمان، ولا مثل هذا اليقين.
قال الجلال البلقيني: وهو حسن إقناعي، زاد الأنموذج: وإذا بارز رجلاً في الحرب لم يول
عنه قبل قتله.
(ومنها: تغيير المنكر،) وهو ما قبحه الشرع قولاً أو فعلاً ولو صغيرة، (إذا رآه) مطلقًا،
ووجه الخصوصية أنه فرض عين عليه بخلاف غيره، فكفاية ذكره الجرجاني وغيره، ففي قوله:
(لكن قد يقال كل مكلف تمكن من تغييره يلزمه تغييره) شىء، لأنه كفائي، (فيقال) في دفع
هذا الاستدراك: (المراد أنه لا يسقط عنه عَِّ بالخوف) على نفسه أو عضوه أو ماله، فإن الله
وعده بالعصمة، أي: بحفظ روحه، فلا يرد نحو شجّ رأسه على أنه قبل نزول الآية فالعصمة
محقّقة له، إن الله لا يخلف الميعاد، (بخلاف غيره) من الأمّة، فيسقط عنه إظهار الإنكار
للخوف على ما ذكر، زاد الأنموذج: ولا يسقط إذا كان المرتكب يزيده الإنكار إغراء، لئلاّ يتوهم

١٢٢
الفصل الثاني: فيما خصّه اللَّه تعالى به
ومنها قضاء دين من مات مسلمًا معسرًا، روى مسلم حديث: ((أنا أولى
بالمؤمنين من أنفسهم، فمن توفي وعليه دين فعلي قضاؤه، ومن ترك مالاً فلورثته)).
حال النووي: كان هذا القضاء واجبًا عليه عَ لِّ،
إباحته بخلاف سائر الأمم، ذكره السمعاني في القواطع، انتهى، وهذا هو المعتمد خلافًا للغزالي،
فالحاصل أنه واجب عليه عينًا بلا شرط.
(ومنها: قضاء دين من مات مسلمًا معسرًا،) لم يترك ما يوفي منه دينه، (روى مسلم)
لا وجه لتخصيصه، بل البخاري، وأحمد، والنسائي، وابن ماجه (حديث) أبي هريرة: أن
النبيّ عَِّ كان يؤتى بالرجل المتوفّي الذي عليه دين، فيسأل: ((هل ترك لدينه قضاء))، فإن حدث
أنه ترك قضاء صلّى عليه، وإلاّ قال: (صلّوا على صاحبكم)، فلما فتح اللَّه عليه الفتح، قال: ((أنا
أولى بالمؤمنين من أنفسهم) في كل شىء من أمر الدارين، لأنه الخليفة الأكبر الممدّ لكل
موجب، فيجب أن يكون أحبّ إليهم من أنفسهم، وإن حكمة انفذ عليهم من حكمها.
قال بعض الصوفية: وإنّما كان كذلك، لأن أنفسهم تدعوهم إلى الهلاك، وهو يدعوهم إلى
النجاة، فيجب عليهم إيثار الطاعة على شهوات نفوسهم، وإن شقّ عليهم، وأن يحيّوه بأكثر من
تحيتهم لأنفسهم، ومن محاسن أخلاقه السنيّة أنه لم يذكر ما له في ذلك من الحقوق، بل اقتصر
على ما هو عليه، فقال: (فمن توفّي) بالبناء للمجهول، أي: توفّاه، اللَّه، أي: مات من المؤمنين،
(وعليه دين،) بفتح الدال وفي رواية: فترك دينًا (فعليّ قضاؤه).
قال ابن بطال: هذا ناسخ لتركه الصّلاة على من مات وعليه دين، (ومن ترك مالاً،) أي:
حقًّا، فالمال اغلبي إذ الحقّ يورث كالمال، (فلورثته))) وفي رواية البخاري: فلترثه عصبته من
كانوا، وهذا تفريع على الأولوية العامّة له وعليه، لا تخصيص لها، كما فهمه القرطبي، فاعترض
التعميم؛ بأنه النبيّ عَُّلّه قد تولّى تفسيرها، ولا عطر بعد عروس، بل أفاد فائدة حسنة، وهو أن
مقتضى الأولوية مرعى في جانبه أيضًا، لكنه ترك ذكر ذلك تكرّمًا، قال الداودي: المراد بالعصبة
هنا الورثة لا من يرث بالتعصيب، وقيل: المراد قرابة الرجل، وهم من يلتقي مع الميّت في أب
ولو علا، وقال الكرماني: المراد العصبة بعد أصحاب الفروض، ويؤخذ حكمهم من ذكر العصبة
بطريق الأولى، ويشير إلى ذلك قوله: من كانوا؛ فإنه يتناول أنواع المنتسبين إليه بالنفس أو بالغير،
قال: ويحتمل أن تكون من شرطية.
(قال النووي: كان هذا القضاء واجبًا عليه عَّ).
قال ابن بطال، أي: ممّا يفيء اللّه عليه من المغانم والصدقات، قال: وهكذا يلزم المتولّي
لأمر المسلمين أن يفعله بمن مات وعليه دين، انتهى، وهذا هو الراجح عند الشافعية، فإن لم

١٢٣
الفصل الثاني: فيما خصّه اللّه تعالى به
قيل: تبرع منه، والخلاف وجهان لأصحابنا وغيرهم، قال: ومعنى الحديث: أنه
عليه الصلاة والسلام قال: أنا قائم بمصالحكم في حياة أحدكم أو موته، أنا وليه
فى الحالين، فإن كان عليه دين قضيته من عندي إن لم يخلف وفاء، وإن كان له
مال فلورثته، لا آخذ منه شيئًا، وإن خلف عيالاً محتاجين ضائعين فليأتوا إلي فعلي
نفقتهم ومؤنتهم، انتھی.
يفعل، فالإثم عليه إن كان حقّ الميّت في بيت المال يفي بقدر ما عليه من الدين، وإلا فبقسطه،
والمرجح عند المالكيّة؛ أنه من ماله الخاص به عليه السّلام، إذ حمله على مال المصالح
لا تحصل به خصوصية.
قال ابن بطال: فإن لم يعطِ الإمام عنه من بيت المال لم يحبس عن دخول الجنّة، لأنه
يستحقّ القدر الذي عليه في بيت المال، إلّ إذا كان دينه أكثر من القدر الذي له في بيت المال
مثلاً.
قال الحافظ: والذي يظهر أن ذلك يدخل في المقاصصة وهو كمن له حقّ، وعليه حقّ
وذلك أنهم إذا خلصوا من الصّراط حبسوا عند قنطرة بين الجنة والنار يتقاصون المظالم، حتى
إذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنّة، فيحمل قوله: لا يحبس، أي: معذّبًا مثلاً، انتهى،
(وقيل:) لم يكن واجبًا، بل هو (تبرع منه والخلاف) المذكور (وجهان لأصحابنا وغيرهم،)
والأرجح الوجوب، (قال:) أي النووي: (ومعنى الحديث أنه عليه الصّلاة والسّلام، قال: ((أنا
قائم بمصالحكم في حياة أحدكم أو موته، أنا وليّه في الحالين فإن كان عليه دين قضيته
من عندي:) مالي الخاص بي. أو مال المصالح، القولان (إن لم يخلف وفاء، وإن كان له
مال فلورثته، لا آخذ منه شيئًا، وإن خلف عيالاً محتاجين ضائعين، فليأتوا إليّ، فعليّ نفقتهم
ومؤنتهم))،) هذا زائد على معنى الحديث أتى به من الحديث الآخر، (انتهى) كلام النووي.
قال الحافظ: قال العلماء: كان الذي فعله عَّ من ترك الصّلاة على من عليه دين
ليحرض الناس على قضاء الديون في حياتهم والتوصّل إلى البراءة منها، لئلاّ تفوتهم صلاتهم
عليهم، وهل صلاته على المدين محرمة عليه أو جائزة وجهان.
قال النووي: الصواب الجزم بالجواز مع وجود الضامن؛ كما في حديث مسلم، وحكى
القرطبي؛ أنه ربما كان يمتنع من الصّلاة على من أدان دينًا غير جائز، وأمّا من استدان الأمر جائز،
فلا يمتنع، وفيه نظر إذ الحديث دالٌ على التعميم، حيث قال: ((من توفّي وعليه دين))، ولو كان
الحال مختلفًا لبيّته، نعم جاء عن ابن عباس؛ أنه عَِّ لما امتنع من الصّلاة على من عليه دين
جاء جبريل، فقال: ((إنما المظالم في الديون التي حملت في البغي والإسراف، فأمّا المتعفّف ذوا

١٢٤
الفصل الثاني: فيما خصّه اللَّه تعالى به
وهي وجوب قضائه على الإمام من مال المصالح وجهان، لكن قال الإمام:
من استدان وبقي معسرًا إلى أن مات لم يقض دينه من بيت المال، فإن كان ظلم
بالمطل ففيه احتمال، والأولى: لا، والله أعلم.
ومنها تخيير نسائه عَّ في فراقه، وإمساكهن بعد أن اخترنه في أحد
الوجهين، ووجوب ترك التزوج عليهن والتبدل بهن مكافأة لهن، ثم نسخ ذلك،
لتكون المنة له عليه السلام عليهن، قال الله تعالى: ﴿يا أيها النبي قل لأزواجك
إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها﴾ [الأحزاب/٢٨] الآية.
العيال، فأنا ضامن له اؤدّي عنه))، فصلّى عليه النبيّ ◌َّه، وقال بعد ذلك: ((من ترك ضياعاً))
الحديث، وهو ضعيف، وليس فيه أن التفصيل المذكور كان مستمرًّا، وإنّما فيه أنه طرأ بعد ذلك،
وأنه السبب في قوله: ((من ترك دينًا فعليّ)).
(وفي وجوب قضائه على الإمام من مال المصالح،) أي: مال بيت المال (وجهان،)
المعتمد عدم الوجوب مطلقًا عندهم، والراجح عند المالكية وجوبه من بيت المال على الأئمّة إذا
عجز عن الوفاء قبل الموت، وتداينه في غير معصية أو فيها وتاب منها.
قال الشهاب القرافي: وأحاديث الجنس عن الجنّة منسوخة بما جعله اللَّه على الأئمة من
وجوب وفاء دين المسلم الميّت بالقيد من بيت المال، قال: وإّما كانت قبل الفتوحات، (لكن
قال الإمام: من استدان وبقي معسرًا إلى أن مات لم يقض دينه من بيت المال، فإن كان
ظلم بالمطل، ففيه احتمال، والأولى لا) يقضى، (والله أعلم) بالحكم.
(ومنها: تخيير نسائه،) مصدر مضاف لمفعوله، أي: أن المصطفى يخيّر نساءه (في
فراقه،) وفي بقائهن معه، (ومنها: (إمساكهنّ،) فرفع عطفًا على تخيير لا بالجرّ لفساده، إذ
يصير المعنى يجب عليه التخيير في الفراق وفي الإمساك، (بعد أن اخترنه) مكافأة لهن، وهذا
(في أحد الوجهين،) والثاني: لم يحرم عليه الطلاق أصلاً، بل له الفراق بعد اختيارهنّ البقاء
وهو الأصح، كما قاله شيخ الإسلام وغيره، (ووجوب ترك التزوّج عليهنّ) بعد أن اخترنه،
(وترك (التبدّل،) فهو بالخفض عطف على التزوّج (بهنّ مكافأة لهنّ،) قال تعالى: ﴿لا تحلّ
لك النساء من بعد ولا أن تبدّل بهن من أزواج ولو أعجبك حسنهنّ﴾ الآية، (ثم نسخ ذلك)
بقوله: ﴿يأيها النبيّ إنا أحللنا لك﴾ الآية، (لتكون المّة له عليه السّلام عليهنّ) بإمساكهنّ،
وترك التزوّج عليهنّ، (قال اللَّه تعالى: ﴿يا أيها النبيّ قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة،
أي: إن كان أعظم همتكن وأقصى طلبكن (﴿الدنيا﴾)، أي: التمتّع بها والنيل من نعيمها
(وزينتها﴾ الآية،) المال والبنين (الآية،) أي: جنسها، فيشملها والتي بعدها، إذ

١٢٥
الفصل الثاني: فيما خصّه اللّه تعالى به
واختلف في تخييره لهن على قولين، أحدهما: أنه خيرهن بين اختيار الدنيا
فيفارقهن، واختيار الآخرة فيمسكهن، ولم يخيرهن في الطلاق، وهذا هو قول
الحسن وقتادة، والثاني: أنه خيرهن بين الطلاق والمقام معه، وهذا قول عائشة
ومجاهد والشعبي ومقاتل.
واختلفوا في السبب الذي لأجله خير عَ لّه نساءه على أقوال:
أحدها: أن الله تعالى خيرة بين ملك الدنيا ونعيم الآخرة على الدنيا، فاختار
الآخرة وقال: اللَّهم احيني مسكينًا وأمتني مسكينًا واحشرني في زمرة المساكين،
فلما اختار ذلك أمره الله تعالى بتخيير نسائه ليكن على مثل
كلاهما مراد ولما نزلت بدأ بعائشة، وقال: ((إني ذاكر لك أمرًا، فلا تبادريني بالجواب حتى
تستأمري أبويك))، فاختارته وقالت: يا رسول اللَّه! لا تقل إني اخترتك، فقال: ((إن اللَّه لم يبعثني
معنّثًا ولا متعنًّا، وإنما بعثني معلّمًا ميسرًا))، رواه الشيخان عن عائشة، ومعنّتًا، بكسر النون، أي:
مشقًّا على عباده ومتعنًّا، أي: طالبًا للعنت، وهو العسر والمشقّة.
(واختلف في) صفة (تخييره لهن على قولين، أحدهما: أنه خيّرهن بين اختيار الدنيا
فيفارقهن، وبين (اختيار الآخرة فيمسكهن ولم يخبرهن في الطلاق، وهذا قول الحسن)
البصري، وقتادة بن دعامة، وأكثر أهل العلم، كما قال البغوي وهو ظاهر القرءان، قال غير واحد:
وهو الصحيح لقوله تعالى: ﴿فتعالين أمتعكن وأسرحكن﴾ [الأحزاب / ٢٨] الآية، فلو اخترن الدنيا
لم يقع عليه طلاق حتى يوقعه هو، (والثاني: أنه خيّرهن بين الطلاق،) بأن فوّضه إليهنّ، فلو
أوقعنه لوقع، (وبين المقام معه،) فلا يقع عليه، (وهذا قول عائشة، ومجاهد، والشعبي)
عامر بن شراحيل، (ومقاتل) بن.
(واختلفوا في السبب الذي لأجله خيّر عَِّ نساءه على أقوال، أحدها: أن اللَّه تعالى
خيّره بين ملك الدنيا ونعيم الآخرة،) فيقدّمه (على) نعيم (الدنيا، فاختار الآخرة، وقال) فيما
رواه ابن ماجه وغيره: ((اللَّهمّ أحيني مسكينًا، وأمتني مسكينًا واحشرني:) اجمعني (في
زمرة)، بضمّ الزاي: جماعة (المساكين)، أي: اجعلني منهم قال اليافعي: وناهيك بهذا
شرفًا، ولو قال: واحشر المساكين في زمرتي لكفاهم شرفًا، قال البيهقي: ولم يسأل مسكنة ترجع
إلى القلّة، بل إلى الإخبات والتواضع، ولذا قال شيخ الإسلام زكريا: معناه طلب التواضع
والخضوع، وأن لا يكون من الجبابرة المتكبّرين، والأغنياء المترفين، وتقدّم مزيد لهذا الفصل
الثالث من المقصد الثالث، (فلما اختار ذلك أمره الله تعالى بتخيير نسائه ليكن على مثل

١٢٦
الفصل الثاني: فيما خصّه اللَّه تعالى به
اختياره. حكاه أبو القسم النميري.
والثاني: لأنهن تغايرن عليه.
والثالث: لأن أزواجه طالبنه وكان غير مستطيع، فكان أولهن أم سلمة سألته
سترًا معلمًا، وسألته ميمونة حلة يمانية، وسألته زينب ثوبًا مخططًا وهو البرد اليماني،
وسألته أم حبيبة ثوبًا سحوليًا، وسألته كل واحدة شيئًا إلا عائشة. حكاه النقاش.
والرابع: أن أزواجه عليه السلام اجتمعن يومًا فقلن: نريد ما تريد النساء من
الحلي فأنزل الله آية التخيير، حكاه النقاش أيضًا، وذلك أنه لما نصر الله تعالى
رسوله
اختياره،) فليس أمره بذلك بمعنى قام بهن من طلب شىء ونحوه، بل لئلاّ يكون مكرها لهنّ
على ما اختاره لنفسه، (حكاه أبو القسم النميري،) بضمّ النون، وفتح الميم، وسكون التحتية،
وراء نسبة إلى نمير بن عامر بن صعصعة بن معوية بن بكر بن هوازن، كما في اللباب.
(والثاني: لأنهنّ تغايرن عليه،) قال قتادة: سبب الآية غيرة غارتها عائشة، وقال ابن زيد:
وقع بين أزواجه تغاير ونحوه مما يتغيّر به مزاجه، فنزلت، حكاهما ابن عطيّة.
(والثالث: لأن أزواجه،) الأولى حذف اللام فيه وفيما قبله (طالبنه) بالنفقة وشططن عليه
في تكليفه منها فوق سعته، (وكان غير مستطيع، فكان أولهنّ أُمّ سلمة سألته سترًا معلّمًا،)
بضم الميم، وسكون المهملة، وفتح اللام اسم مفعول من أعلمت الثواب، أي: جعلت له علمًا
من طراز ونحوه، (وسألته ميمونة) بنت الحرث الهلاليّة (حلّة يمانية، وسألته زينب) ابنة جحش
الأسدية، لما تقدّم في الزوجات، أن آية التخيير إنما نزلت وفي عصمته التسع التي توفّي عنهن،
فليس المراد زينب ابنة خزيمة لموتها عندهٍ عَّ له قبل نزول الآية، (ثوبًا مخطّطًا، وهو البرد
اليماني، وسألته أُمّ حبيبة) بنت أبي سفين الأمويّة (ثوبًا سحوليّاً،) بسين وحاء مهملتين.
قال في المصباح: مثل رسول بلدة باليمن يجلب منها الثياب، وينسب إليها على لفظها،
فيقال: أثواب سحولية، وبعضهم يقول: سحولية، بالضم نسبة إلى الجمع، وهو غلط؛ لأن النسبة
إلى الجمع، أي وهو سحل بضمّتين إذا لم يكن علمًا، وكان له واحد من لفظة ترد إلى الواحد
بالاتّفاق، (وسألته كل واحدة) من باقي التسع (شيئًا إلا عائشة، حكاه النقاش) في تفسيره.
(والرابع: أن أزواجه عليه السّلام اجتمعن يومًا، فقلن: نريد ما تريد النساء من
الحلي؟، فأنزل الله آية التخيير، حكاه النقاش أيضًا، وذلك أنه لما نصر الله تعالى رسوله،

١٢٧
الفصل الثاني: فيما خصّه اللَّه تعالى به
وفتح عليه قريظة والنضير، ظن أزواجه أنه اختص بنفائس اليهود وذخائرهم، فقعدن
حوله وقلن يا رسول الله، بنات كسرى وقيصر في الحلي والحلل، ونحن على ما
تراه من الفاقة والضيق، وآلمن قلبه لمطالبتهن له بتوسعة الحال، وأن يعاملن بما
يعامل به الملوك والأكابر أزواجهم، فأمره الله تعالى أن يتلو عليهن ما نزل في
أمرهن لئلا يكون لأحد منهن عليه منة في الصبر على ما اختاره من خشونة
العيش.
وفتح عليه قريظة،) بالظاء المشالة، (والنضير ظنّ أزواجه أنه اختصّ بنفائس اليهود
وذخائرهم،) بذال وخاء معجمتين: أموالهم المعدّة لوقت الحاجة: جمع ذخيرة، (فقعدن حوله،
وقلن: يا رسول اللَّه! بنات كسرى وقيصر في الحلي والحلل، ونحن على ما تراه من
الفاقة،) أي: الجاجة (والضيق، وآلمن قلبه لمطالبتهنّ له بتوسعة الحال،) مع أنه خلاف مراده،
(وأن يعاملن بما تعامل به الملوك والأكابر أزواجهم) من الحلى والحلل وتوسيع العيش، (فأمره
اللَّه تعالى أن يتلو عليهن ما نزل في أمرهنّ، لئلا يكون لأحد منهنّ عليه منّة في الصبر على
ما اختاره من خشونة العيش).
وأخرج مسلم، وأحمد، والنسائي عن جابر: أقبل أبو بكر يستأذن على رسول اللَّه عَلَّهِ،
فلم يؤذن له، ثم أقبل عمر، فاستأذن، فلم يؤذن له، ثم أذن لهما فدخلا، والنبيّ عَ لّه جالس
وحوله نساؤه، وهو ساكت، فقال عمر: لأكلمنّ النبيّ عَّ لعلّه يضحك، فقال عمر:
يا رسول اللَّه! لو رأيت ابنة زيد امرأة عمر سألتني النفقة آنفًا، فوجأت عنقها، فضحك
النبيّ عَّ حتى بدا ناجذه، وقال: ((هنّ حولي يسألنني النفقة))، فقام أبو بكر إلى عائشة
يضربها، وقام عمر إلى حفصة كلاهما يقول: تسألان النبيّ عَِّ ما ليس عنده، فنهاهما
رسول اللَّه عَّه، فقال نساؤه: واللَّه لا نسأله بعد هذا المجلس ما ليس عنده ثم اعتزلهن
شهرًا، ثم نزلت علي هذه الآية: ﴿يا أيها النبيّ قل لأزواجك﴾ الآية، إلى قوله: ﴿عظيمًا﴾،
الآية، فبدأ بعائشة، فقال: ((إني ذاكر لك أمرًا ما أحب أن تعجليني فيه حتى تستأمري
أبويك))، قالت: ما هو؟، فتلا عليها ﴿يا أيها النبيّ قل لأزواجك﴾ الآية، قالت: أفيك أستأمر
أبوي، بل أختار اللَّه ورسوله.
وفي البخاري وغيره عن عمر في قصّة المرأتين اللتين تظاهرتا، فذكر الحديث بطوله،
وفيه: فاعتزل النبيّ عَّه نساءه من أجل ذلك الحديث حين أفشته حفصة إلى عائشة، وكان قد
قال: ((ما أنا بداخل عليهن شهرًا)) من شدّة توجده حين عاتبه اللّه، فلمّا مضت تسع وعشرون

١٢٨
الفصل الثاني: فيما خصّه اللَّه تعالى به
فلما اخترنه وصبرن معه عوضهن الله على صبرهن بأمرين: أحدهما أن
جعلهن أمهات المؤمنين تعظيمًا لحقهن وتأكيدًا لحرمتهن، وتفضيلهن على سائر
النساء بقوله: ﴿لستن كأحد من النساء﴾ [الأحزاب/٣٢]، والثاني: أن حرم الله عليه
طلاقهن والاستبدال بهن فقال تعالى: ﴿لا تحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل
بهن من أزواج﴾ [الأحزاب/٥٢] الآية، فكان تحريم طلاقهن مستدامًا،
دخل على عائشة، قالت: فأنزلت آية التخيير، فبدأ بي أول امرأة في فتح الباري، فاتّفق الحديثان
على أن آية التخيير نزلت عقب فراغ الشهر الذي اعتزلهنّ فيه، لكن اختلفا في سبب الاعتزال،
ويمكن الجمع بأن يكونا جميعًا سبب الاعتزال، فإن قصّة المتظاهرتين خاصّة بهما، وقصّة سؤال
النفقة عامّة في جميع النسوة، ومناسبة آية التخيير لقصّة سؤال النفقة أليق منها بقصّة المتظاهرتين،
انتهى، (فلمّا اخترنه) كلهنّ على الصحيح الثابت في البخاري ومسلم وغيرهما، وما يروى عند
ابن إسحق أن فاطمة بنت الضحاك الكلابية اختارت الدنيا، فكانت تلقط البعر، وتقول هي
الشقية.
وعند ابن سعيد: أن العامرية اختارت قومها، فكانت تقول: هي الشقيّة، فضعفه ابن
عبد البرّ، وتبعوه بأن الآية إنما نزلت وفي عصمته التسع اللاتي توفى عنهنّ، وقد صرحت عائشة
في الصحيحين بأنهنّ كلهنّ اخترن اللَّه ورسوله والدار الآخرة، وقد تقدّم بسط ذلك في
الزوجات، (وصبرن معه عوضهن،) أي: قابلهن (اللّه على صبرهن بأمرين،) الباء للمقابلة، وهي
الداخلة على الأعواض أثمانًا أو غير أثمان نحو: اشتريته بألف وكافأت إحسانه بضعف، فالمعنى
جعل لهن عوضًا عن صبرهن أمرين، (أحدهما: أن جعلهنّ أمّهات المؤمنين) في الاحترام
والتعظيم لا في الخلوة بهنّ ومنع نكاح بناتهنّ وأخواتهنّ، كما أفاده قوله: (تعظيمًا لحقّهن،
وتأكيدًا لحرمتهنّ، وتفضيلهن على سائر النساء،) وهذا يصلح جعله أمرًا مستقلاً، وإن أدمجه
المصنف فيما قبله، (بقوله: ﴿يا نساء النبيّ لستنّ كأحد من النساء﴾ [الأحزاب/ ٣٢].
قال السبكي: ظاهر الآية أن أزواجه عٍَّ أفضل النساء مطلقًا حتى مريم، وظاهرها أيضًا
تفضيلهنّ على بناته إلاّ أن يقال بدخولهنّ في اللفظ، لأنهنّ من نساء النبيّ، نقله عنه السيوطي في
الأكليل وأقرّه، (والثانى، أن حرّم عليه طلاقهنّ والاستبدال بهنّ، فقال تعالى: ﴿لا تحلّ لك
النساء من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج﴾ [الأحزاب/٢٥]، فكان تحريم طلاقهنّ مستدامً)
في أحد الوجهين، والآخر أن له الفراق بعد اختيارهن البقاء معه، وهو الأصح، كما مرّ، وأمّا قوله
تعالى: ﴿من بعد﴾، أي: من بعد التسع، ففيه خلاف، فقيل: إنها حظرت عليه النساء، إلا التسع
اللواتي كن عنده.

١٢٩
الفصل الثاني: فيما خصّه اللَّه تعالى به
وأما تحريم التزويج عليهن فنسخ، قالت عائشة: ما مات رسول الله عَّه حتى أحل
الله له النساء، يعني اللاتي حرمن عليه، وقيل: الناسخ لتحريمهن عليه قوله تعالى:
﴿إنا أحللنا لك أزواجك﴾ [الأحزاب/٥٠] الآية.
وقال النووي في الروضة: لما خيرهن فاخترنه كافأهن على حسن صنيعهن
بالجنة فقال: ﴿فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرًا عظيمًا﴾ [الأحزاب/٢٩]،
انتھی.
وإنما اختص عَّةٍ بوجوب التخيير لنسائه بين التسريح والإمساك، لأن الجمع
بين عدد منهن يوغر صدورهن بالغيرة التي هي أعظم الآلام، وهو إيذاء يكاد ينفر
القلب ويوهن الاعتقاد، وكذا إلزامهن على الصبر والفقر يؤذيهن، ومهما ألقى زمام
الأمر إليهن خرج عن أن يكون ضررًا،
قال ابن عطية: وكأن الآية ليست متّصلة بما قبلها، وقال أُبيّ بن كعب وعكرمة، أي: من
بعد الأصناف التي سمّيت، ومن قال الإباحة كانت مطلقة، قال هنا معناه لا تحلّ لك اليهوديّات،
ولا النصرانيّات، وهذا تأويل في بعد، وإن روي عن مجاهد، انتهى.
(وأمّا تحريم التزويج عليهنّ فنسخ، قالت عائشة: ما مات رسول الله عَُّلِّ حتى أحلّ الله له
النساء، يعني اللاتي حرمن عليه،) ولذا تزوّج، كما مرّ تفصيله في الزوجات، (وقيل: الناسخ
لتحريمهن عليه قوله تعالى: ﴿إِنّا أحللنا لك أزواجك﴾ [الأحزاب/ ٥٠]،) وإن تقدّم عليه في
التلاوة، وفي ابن عطية ذهب هبة الله إلى أن قوله تعالى: ﴿ترجي من تشاء﴾ الآية، ناسخ لقوله
﴿ولا تحلّ لك النساء من بعد﴾ الآية، وقال: ليس في كتاب اللَّه ناسخ تقدم المنسوخ إلّ هذا،
قال: و كلامه مضعف من جهات، انتهى.
(وقال النووي في الروضة: لما خيرهنّ فاخترنه، كافأهنّ اللَّه عزّ وجلّ على حسن
صنيعهنّ بالجنّة، فقال: ﴿إن كنتن تردن اللَّه ورسوله والدار الآخرة﴾، ﴿﴿فإن
اللَّه أعدّ﴾:) يشر وهيّاً (﴿للمحسنات﴾) المطيعات (﴿منكن أجرًا عظيمًا﴾ الآية،) أي الجنة؛
كما قال، (انتهى، وإنّما اختصّ عَّله بوجوب التخيير لنسائه بين التسريح والإمساك لأن الجمع
بين عدد منهن يوغر،) بضم التحتيّة، وكسر المعجمة وبالراء، أي: يهيج (صدورهن) بالغيظ
والضغن والعداوة (بالغيرة،) أي: بسببها (التي هي أعظم الآلام، وهو) أي: الألم (إيذاء يكاد ينفو
القلب ويوهن الاعتقاد، وكذا إلزامهنّ على الصبر والفقر يؤذيهن، ومهما ألقى زمام الأمر
إليهن) بالتخيير (خرج عن أن يكون) ما هنّ عليه (ضررًا،) فلا يردّ أن الأولى أن

١٣٠
الفصل الثاني: فيما خصّه اللَّه تعالى به
فنزه عن ذلك منصبه العالي. وقيل له: ﴿يا أيها النبي قل لأزواجك﴾.
ومنها: إتمام كل تطوع شرع فيه، حكاه في الروضة وأصلها، قال النووي:
وهو ضعيف. وفرعه بعض الأصحاب: على أنه كان يحرم عليه معَّه إذا لبس لأمته
أن ينزعها حتى يلقى العدوّ ويقاتل ذكره في تهذيب الأسماء واللغات.
ومنها: أنه كان يلزمه أداء فرض الصلاة بلا خلل. قاله الماوردي: قال
العراقي في شرح المهذب: إنه كان معصومًا عن نقص الفرض، والمراد خلل لا
يبطل الصلاة.
وقال بعضهم: كان يجب عليه عَّه إذا رأى ما يعجبه أن يقول: لبيك أن
العيش عيش الآخرة، ثم قال: هذه كلمة صدرت منه عَّه في أنعم حالة يسر بها،
يكون ضاراً لهنّ، (فتزه عن ذلك منصبه العالي) على كل منصب، (وقيل له: ﴿يا أيّها النبيّ قل
لأزواجك﴾، (ومنها إتمام كل تطوّع شرع فيه، حكاه في الروضة وأصلها).
(قال النووي: وهو ضعيف) لخبر مسلم؛ أنه قال لعائشة ذات يوم: ((هل عندكم شىء)؟،
قالت: أُهدي لنا حيس، قال: ((هاتيه))، فأكله، ثم قال: ((لقد كنت أصبحت صائمًا))، فلو وجب
عليه لم يفطر بعد الشروع في الصّوم، (وفرعه بعض الأصحاب على أنه كان يحرم عليه عَّ.
إذا لبس لأَمّته،) أي ذرعه تجمع على الأم مثل تمرة وتمر، وعلى لؤم كنقر على غير قياس، كأنه
جمع لؤمة، قاله الجوهري. (أن ينزعها حتى يلقى العدو ويقاتل، ذكره في تهذيب الأسماء
واللغات) الواقعين في الشرح الكبير للرافعي على وجيز الغزالي، (ومنها: أنه كان لزمه أداء فرض
الصّلاة بلا خلل) يفسد كمالها، (قاله الماوردي،) وإيضاحه ما (قال العراقي) أبو إسحق
إبراهيم بن منصور المصري، ولد بمصر سنة عشر وخمسمائة، وقيل له العراقي، لأنه سافر إلى
بغداد، وأقام بها مدّة يشتغل، ثم عاد إلى مصر، وتولّى خطابة الجامع العتيق، مات سنة ستّ
وتسعين (في شرح المهذب،) وهو شرح حسن، قاله السيوطي؛ (إنه كان معصومًا عن نقص
الفرض، انتهى، والمراد خلل لا يبطل الصّلاة،) كترك خشوع، فأمّا المبطل، فلا يتوهّم وقوعه
منه، وألحق بالصّلاة غيرها من عباداته، كالصوم.
(وقال بعضهم:) من خصائصه؛ أنه (كان يجب عليه عَّه إذا رأى ما يعجبه أن يقول:
لبّيك إن العيش) المعتر الدائم (عيش الآخرة،) لا عيش الدنيا لكدره، وكونه مع المنغصات
الكثيرة، ثم هو فان، وإن طال قلّ متاع الدنيا قليل، (ثم قال) هذا البعض: (هذه الكلمة صدرت
منه عَّ في أنعم حالة يسرّ بها،) ويحتمل أن الهاء ضمير عائد له عليه السّلام، وهذا أنسب

١٣١
الفصل الثاني: فيما خصّه اللّه تعالى به
وهو يوم حجه بعرفة، وفي أشد حالة وهو يوم الخندق، انتهى.
ومنها: أنه كان يؤخذ عن الدنيا حالة الوحي، ولا يسقط عنه الصوم والصلاة
وسائر الأحكام، كما ذكره في زوائد الروضة عن ابن القاص والقفال، وكذا ذكره
ابن سبع.
ومنها: أنه كان يغان
بقوله: (وهو يوم حجّه بعرفة، وفي أشدّ حالة، وهو يوم الخندق، انتهى) ما قاله بعضهم، وهو
وجه حكاه في الروضة، وأصلها كما في الأنموذج.
قال شارحه: والثاني لا يجب، وهو الأصح، لأنه رأى ما يعجبه يوم وقعة بدر التي أعزّ اللَّه
فيها الإسلام وأهله، والفتح الأعظم الذي هو فتح مكّة، ولم ينقل أنه قاله مع توفّر الدواعي على
نقله، فلو وقع لنقل، انتهى.
(ومنها: أنه كان يؤخذ عن الدنيا حالة الوحي،) أي: عند تلقّيه، (ولا يسقط عنه الصّوم
والصّلاة وسائر الأحكام؛) التي كلّف بها، بل هو مخاطب بها في تلك الحالة، وهو آية كمال
عقله فيها، وإن أخذه إنما هو بحسب الظاهر، لا الحقيقة، (كما ذكره) النووي (في زوائد
الرّوضة عن ابن القاص والقفال، وكذا ذكره ابن سبع،) والبيهقي وغيرهم، وحديث شأن
الوحي في الصحيحين صريح في أنه عَّه كان يتنقّل من حالته المعروفة إلى حالة تستلزم
الاستغراق والغيبة عن الحالة الدنيويّة حتى ينتهي الوحي ويفارقه الملك.
قال السراج البلقيني: وهي حالة يؤخذ فيها عن حال الدنيا من غير موت، فهو مقام
برزخي يحصل له عند تلقّي الوحي، ولما كان البرزخ العام ينكشف فيه للميّت كثير من
الأحوال، خصّ اللَّه نبيّه بيرزخ في الحياة يلقى اللَّه فيه، وهو مشتمل على كثير من الأسرار، وقد
وقع لكثير من الصلحاء عند الغيبة بالنوم أو غيره اطّلاع على كثير من الأسرار، وذلك مستمدّ من
المقام النبويّ، ويشهد لذلك حديث: ((رؤيا المؤمن جزء من ستّة وأربعين جزءًا من النبوّة))، انتهى.
وتوقّف شيخنا في عدّ هذا خصوصية، حيث كان عقله في تلك الحالة حاضرًا، لأنه لو
حصل مثله لآحاد البشر، خرقًا للعادة، فاستغرق في مشاهدة اللَّه مع حضور قلبه ومعرفة ما يردّ
عليه من نفع أو ضرّ لكان مكلّفًا، اللَّهمّ إلّ أن يقال عدّ خصوصية لكمال استغراقه حتى إن
ما يدركه في تلك الحالة، كإدراكه في حالة نومه للمعاني والأحكام، لأنه لا ينام قلبه، وذلك
بحسب ظاهر الحال يقتضي عدم التكليف، انتهى. فليتأمل.
(ومنها: أنه كان يغان،) بغين معجمة من الغين، وهو الغطاء، قال النووي: بالنون والميم،

١٣٢
الفصل الثاني: فيما خصّه اللّه تعالى به
على قلبه فيستغفر الله سبعين مرة. ذكره ابن القاص ونقله عنه ابن الملقن في كتاب
الخصائص، ورواه مسلم وأبو داود من حديث الأغر المزني بلفظ: ((إنه ليغان على
قلبي وإني لأستغفر الله
بمعنى، والمراد هنا ما يغشى (على قلبه، فيستغفر اللّه سبعين مرّة،) رواه الترمذي عن أبي هريرة
رفعه: ((إني لأستغفر اللَّه في اليوم سبعين مرّة)، ورواه النسائي وابن حبّان من حديث أنس بلفظ:
(إني لأتوب إلى اللَّه في اليوم سبعين مرّة))، وروى البخاري عن أبي هريرة رفعه: سمعت
رسول اللَّه عَّهِ يقول: ((والله إنّي لأَستغفر اللَّه وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرّة).
قال السيوطي رحمه اللَّه: المختار أن هذا من المتشابه الذي لا يخاض في معناه، وقد
سئل عنه الأصمعي، فقال: لو كان قلب غير النبيّ عَّه لتكلّمت عليه، ولكن العرب تزعم أن
الغین الغیم الرقيق، انتهى.
(ذكره ابن القاص، ونقله عنه ابن الملقن في كتاب الخصائص) وأقرّه، ولا يخفى أن
ضمير منها لما وجب، عليه لكن في الجزم بعزوه لابني القاص والملقن نظر، إذ لم يصرّحا
بالوجوب، إنّما قالا: وكان يغان على قلبه فيستغفر اللَّه سبعين مرّة، ولذا أشار السيوطي إلى التوقّف
في مراد ابن القاص، وتابعه، فقال بعد نقله: وعبارة أبي سعد في شرفى المصطفى، ويستغفر اللّه
في كل يوم سبعين مرّة، ولا يدرى، وعبارة رزين ومما وجب عليه أن يستغفر الله في كل يوم
سبعين مرّة، (ورواه مسلم) في الدّعوات، (وأبو داود) في الصّلاة (من حديث الأغرّ،) بفتح
الهمزة والغين المعجمة، وبالراء ابن عبد اللَّه، ويقال ابن يسار (المزني،) ويقال: الجهني من
المهاجرين، ومال ابن الأثير إلى التفرقة بين المزني والجهني، وليس بشىء، لأن مخرج الحديث
واحد، وقد أوضح البخاري العلّة فيه، وإن مسعرًا تفرّد بقوله الجهني، فأزال الإشكال.
قال ابن السكن: حدّثنا محمّد بن الحسن عن البخاري قال: كان مسعر يقول في روايته
عن الأغر الجهني والمزني أصح، وجزم أبو نعيم وابن عبد البرّ؛ بأن المزني والجهني واحد كما
بيّته في الإصابة، فقوله في التقريب: ومنهم من فرّق بينهما هو بفاء أوّله، وقاف آخره، أي:
جعلهما اثنين، إشارة لابن الأثير، وتصحفت في عبارة، بقاف أوّله، ونون آخره من النساخ،
فأحوجت الشارح إلى قوله: ولعلّ وجه من قرن بينهما، أنه كان من إحدى القبيلتين نسبًا، وحليفًا
للأخرى، أو نحو ذلك، (بلفظ: أنه،) أي: الشأن (ليغان على قلبي:) نائب فاعل يغان، أي:
ليغشى على قلبي، وقال الطيبي: اسم أن ضمير الشأن، والجملة بعده خبر له، ومفسّرة والفعل
مسند إلى الظرف، ومحلّه رفع بالفاعلية، أي: المجازية، وهي النيابة، (وإنّي لأستغفر اللَّه)) أي
أطلب منه الغفر، أي: الستر، هذا ظاهره، قال الحافظ: ويحتمل أن المراد هذا اللفظ بعينه،

١٣٣
الفصل الثاني: فيما خصّه اللَّه تعالى به
في اليوم مائة مرة)) وهذا لفظ مسلم، وقال أبو داود ((في كل يوم))، قال الشيخ
ولي الدين العراقي: والظاهر أن الجملة الثانية مرتبة على الأولى، وأن سبب
الاستغفار: الغين، ويدل لذلك قوله في رواية النسائي في عمل اليوم والليلة: إنه
ليغان على قلبي حتى أستغفر الله كل يوم مائة مرة، وفي رواية له أيضًا: فاستغفر
الله. وألفاظ الحديث يفسر بعضها بعضًا. ويحتمل من حيث اللفظ أن تكون
الجملة الثانية كلامًا برأسه غير متعلقة بما قبله، فيكون عليه السلام أخبر بأنه يغان
على قلبه، ويأنه يستغفر الله في اليوم مائة مرة،
ويرّحه ما أخرجه النسائي بسند جيّد، عن ابن عمر؛ أنه سمع النبيّ معَ ◌ّه يقول: ((أستغفر اللَّه
الذي لا إله إلاّ هو الحيّ القيوم وأتوب إليه)) في المجلس قبل أن يقوم مائة مرّة، وله، عن نافع،
عن ابن عمران: كنّا لنعد لرسول اللَّه عَّعليه في المجلس ربّ اغفر لي وتب عليّ إنك أنت التواب
الغفور مائة مرّة (في اليوم) الواحد من الأيام، ولم يرد يومًا معينًا (مائة مرّة،) لا يعارض رواية
سبعين، لأن المراد الكثرة لا التحديد ولا الغاية، فالمراد: أستغفره دائمًا أبدًا، وخصّ المائة لكمالها
في العدد المركّب من الآحاد والعشرات، حتى إن ما زاد عليها، كالتكرير لذلك، كما أشار إليه
الحرالي؛ لكن قال في الفتح: والمطالع كل ما جاء في الحديث من التعبير بالسبعين، قيل هو
على ظاهره وحصر عدده، وقيل المراد التكثير، والعرب تضع السبع والسبعين والسبعمائة موضع
الكثرة، قال في الفتح: وقوله في رواية البخاري: أكثر من سبعين، يحتمل أن يفسّر برواية مائة،
ووقع عند النسائي من رواية معمر عن الزهري بلفظ: إني لأستغفر الله في اليوم خمسمائة، مرة
لكن خالف معمر أصحاب الزهري في ذلك، (هذا لفظ مسلم).
(وقال أبو داود: في كل يوم) بدل قوله في اليوم، ولا منافاة بينهما؛ لأن المراد باليوم
ما صدقه، وهو يتحقّق مع ذلك، كما يتحقّق في بعض الأيّام.
(قال الشيخ ولي الدين العراقي: والظاهر أن الجملة الثانية،) أي قوله: وإني لأستغفر
اللَّه ... الخ، (مرتّبة على الأولى) التي هي أنه ليغان على قلبي، (وأن سبب الاستغفار الغين
ويدلّ لذلك قوله في رواية النسائي في عمل اليوم والليلة إنه ليغان على قلبي،) أي: ويدوم
أثر ذلك (حتى أستغفر اللَّه كل يوم مائة مرّة،) فيزول، (وفي رواية له أيضًا: فأستغفر اللَّه،)
فصرّح بفاء السببيّة، (وألفاظ الحديث المختلفة يفسر بعضها بعضًا،) فتحمل الجملة الثانية
على أنها مسبّة عن الأولى، فتوافق الروايتين، (ويحتمل من حيث اللفظ) بقطع النظر عن الروايتين
(أن تكون الجملة الثانية كلامًا برأسه، غير متعلّقة بما قبله، فيكون عليه السّلام أخبر بأنه يغان
على قلبه، وأخبر (بأنه يستغفر الله في اليوم مائة، مرة) وليس الاستغفار مسيّبًا عن الغين، فأخبر

١٣٤
الفصل الثاني: فيما خصّه اللَّه تعالى به
انتھی.
وقال أبو عبيد: أصل الغين فى هذا، ما يغشى القلب ويغطيه، وأصله: من
غين السماء، وهو إطباق الغيم عليها.
وقال غيره: الغين شىء يغشى القلب ولا يغطيه كل التغطية، كالغيم الرقيق
الذي يعرض في الهواء فلا يمنع ضوء الشمس.
قال القاضي عياض - بعد حكايته لذلك -: فيكون المراد بهذا الغين إشارة
إلى غفلات قلبه وفترات نفسه وسهوها عن مداومة الذكر ومشاهدة الحق بما
كان عَّهِ دفع إليه من مقاساة البشر وسياسة الأمة
بحصول الغين مع كثرة الاستغفار، فما الظنّ بمن ليس كذلك، والجملة حال مقدّرة، (انتهى)، لكن
الوجه الأول لقاعدة المحدثين أن خير ما نشرته بالوارد.
(وقال أبو عبيد) القُسم بن سلام بالتشديد البغدادي، الإمام المشهور، المصنّف، الثقة، الفاضل،
المتوفي سنة أربع وعشرين ومائتين في غريب الحديث، (أصل الغين،) أي: ما وضع له أوّلاً (في
هذا ما يغشى،) بفتح الياء والشين الخفيفة، أو بضتها وكسر الشين مشدّدة والأوّل أظهر
(القلب،) أي: يعرض له أو يستره (ويغطّيه،) عطف تفسير، وهو استعارة لما يشغله، (وأصله،)
أي: ما وضع له أوّلاً مأخوذ (من غين السماء، وهو إطباق الغيم عليها،) فأطلق على ما يغشى
لاشتراكهما في مجرد التغطية.
(وقال غيره: الغين شىء يغشى القلب ولا يغطيه كل التغطية،) أي لا يغطيه كلّه، (كالغيم
الرقيق الذي يعرض في الهواء،) أي: في الجوّ (، فلا يمنع ضوء الشمس) لرقّته.
(قال القاضي عياض) في الشفاء: (بعد حكايته لذلك) المذكور عن أبي عبيدة وغيره،
(فيكون المراد بهذا الغين إشارة إلى غفلات قلبه وفترات نفسه،) أي: فتورها (وسهوها،)
أي: زوال صورتها عن الفكر، وبين ما غفل عنه من فتور وسهو، فقال (عن مداومة الذكر،) أي
ذكره الله بلسانه وقلبه، (ومشاهدة الحق،) إن أريد به الله تعالى، فالمراد مشاهدته في مزايا
مصنوعاته حتى كأنه يراه عيانًا، وإن أُريد الحق الثابت المتيقّن من العلوم الحقّة والأمور اليقينيّة
اللدنية، فهو واضح، ولما كان هذا لايناسب مقامه عَّله، أشار إلى دفعه بما لم يتنبه له المعترض
بالتعقّب الآتي، فقال: (بما،): أي بسبب ما (كان عَّ دفع إليه) بالبناء للمجهول، أي: فوّض
إليه وأعطيه (من مقاساة البشر،) أي مكابدتهم، وتحمّل مشاقهم (وسياسة الأمّة) تدبيرهم
وأمرهم بما يصلح شأنهم من ساسه يسوسه إذا قام عليه لإصلاح أموره، وهو لفظ عربي لا معرب،

١٣٥
الفصل الثاني: فيما خصّه اللَّه تعالى به
ومعاناة الأهل، ومقاومة الولي والعدو، ومصلحة النفس، وكلفه من أعباء أداء الرسالة
وحمل الأمانة، وهو في كل هذا في طاعة ربه، وعبادة خالقه، لكن لما كان عد اله
أرفع الخلق عند الله مكانة وأعلاهم درجة، وأتمهم به معرفة، وكانت حالته عند
خلوص قلبه وخلو همته، وتفرده بربه وإقباله بكليته عليه، ومقامه هنالك أرفع حاليه،
رأى عليه السلام حال فترته عنها، وشغله بسواها غضًا
كما توهم، وهي حكم مخصوص بما يكون بطريق القهر والضبط، (ومعاناة الأهل،) أي: تحمل
المشاق من جهتهم، أي: الاعتناء بأمورهم والتقييد بما فيه معاشرهم، (ومقاومة الولي) من يواليه
ويتبعه، أي: القيام معه بالمناصرة والحفظ (والعدق بدفع شرّه وحمله على الإسلام والتمسّك
بالحق (ومصلحة النفس،) أي: نفسه في أمور معاشه، (وكلفه) بالبناء للمفعول، معطوف على
دفع إليه (من أعباء،) بفتح وإسكان، آخره همز: جمع عبء، بالكسر ويفتح، أي: أثقال حاصله
في (أداء الرّسالة،) وهو ما يكون له في تبليغها ودعوة الخلق، (وحمل) بفتح أوّله (الأمانة،) أي:
ما استودعه اللَّه تعالى من أسراره وإعطاء كل ذي حقّ حقّه، وليس المراد بها طاعة اللَّه التي
أوجبها عليه، كما قيل، كذا في النسيم، وحمل شيخنا على ما نفاه، فقال: أي ما كلّفه من
الأحكام الشرعية، سمّيت أمانة لوجوب أدائها، كما يجب أداء الوديعة مثلاً لمالكها، انتهى،
والمثبت أوجه، (وهو) عَِّ (في كل هذا) المذكور (في طاعة ربّه وعبادة خالقه))) عطف
أخصّ على أعمّ، وهذا دفع لتوهم أنه كان اللائق أن لا يشغله شىء عن ذكر ربّه ومشاهدته؛ بأنه
لم يشغله به لحظوظ نفسانيّة، ولا لأمور رئاسيّة، وإنما اللَّه شغله بذلك، فما حصل ذلك إلاّ لخدمته
التي أمره اللَّه بها، ولما ورد عليه إذا كان هذا طاعة وعبادة، فلم أستغفر منه وجهه على طريق
الاستدراك بقوله: (ولكن لما كان عَّ أرفع،) أعلى (الخلق عند اللَّه مكانة،) أي: رتبة ومنزلة،
(وأعلاهم درجة) تمييز (وأنّهم:) أكملهم (به،) أي: اللَّه (معرفة)) فهو أعرف باللَّه ممن سواه،
وأخّر هذا، لأنه مرتّب على ما قبله في المعقول والمحسوس، (وكانت حالته:) أمره وشأنه (عند
خلوص قلبه) للَّه، بحيث لا يمرّ به سواه، (وخلوّ همّته وتفرّده بربّه،) أي: جعل أمره منفردًا
بالتوجّه لجانبه إلاّ على، فيكون قلبه معه وحده في خلوته، فإن ذاكر الله جليس الرحمن، كما
ورد عنه عَّه (وإقباله بكليته،) أي: ذاته كلّها قلبًا وقالبًا (عليه، ومقامه هنالك،) أي: إقامته مع
اللَّه وحده في حظيرة قدس قربه، وأشار بالبعد لعلوّ مقامه ثمت (أرفع،) أي: أعلى (حاليه،) أي
حال اشتغاله بالظاهر، وحال كونه مع اللَّه، وكل منهما رفيعة، لكن هذه أرفع، (رأى عليه
السّلام) شاهدًا، وعلم (حال فترته عنها وشغله بسواها،) أي: اشتغاله بغيرها (غضَّا) بمعجمتين،

١٣٦
الفصل الثاني: فيما خصّه اللَّه تعالى به
من عليٍّ حاله، وخفضًا من رفيع مقامه، فاستغفر الله من ذلك، قال: وهذا أولى
وجوه الحديث وأشهرها، وإلى معنى ما أشرنا إليه مال كثير من الناس، وحام حوله
فقارب ولم يرد، وقد قربنا غامض معناه، وكشفنا للمستفيد محياه، وهو مبني على
جواز الفترات والغفلات والسهو في غير طريق البلاغ، انتهى.
وتعقب: بأنه لا ترضى نسبته عَّ إلى ذلك، لما يلزم عليه من تفضيل
الملائكة عليه بعدم الفترة عن التسبيح والمشاهدة، ولقوله عليه السلام: (لست
أنسى ولكن أُنسي لأسّ)
أي: نقصًا كناية عن التنزيل (من علي حاله،) أي: حالة العلى، (وخفضًا،): أي حطًّا وتنزيلاً
(من رفيع مقامه) بالنسبة للحالة الأخرى، وإن لم يكن كذلك في نفسه، لأنه في عبادة،
(فاستغفر اللَّه من ذلك،) لعدّه بالنسبة لمقامه الآخر كالذنب.
(قال) عياض: (وهذا) التفسير (أولى وجوه الحديث) التي ذكرت في توجيهه
(وأشهرها: وإلى معنى ما أشرنا إليه، مال كثير من الناس، وحام حوله، فقارب ولم يرد،)
أي: لم يصل إليه استعارة من ورد الماء إذا أتاه ليستقي منه، وفيه أشارة إلى أن فيه شفاء العليل
وثلج الصدور، وإن للنفس ظماً إليه، وفيه بلاغة ظاهرة، (وقد قربنا غامض،) أي أدنينا لمن قاربه
خفي (معناه) الذي لم يتّضح، (وكشفنا للمستفيد) طالب الفائدة العلمية من تجارته الرابحة
(محياه،) بضمّ الميم، وفتح الحاء، وشدّ الياء: وجهه الحسن شبهه بحسان مخدرة (وهو)، أي:
هذا التفسير (مبني،) أي: متفرّع (على جواز الفترات والغفلات والسهو) على جميع الأنبياء
عليهم السّلام (في غير طريق البلاغ،) فلا يجوز ذلك فيه لمنافاته له، وقد انتقد عليه بناؤه على
هذا بأنه جعل أوّلاً الثلاثة عبارة عن اشتغاله بأمر أُمّته وأهله ولا غفلة ولا فترة ولا سهو حقيقة،
فكيف بناه على غير أساسه، فهو كالغفلة عما قاله، (انتهى) كلام عياض. (وتعقّب؛ بأنه لا ترضى
نسبته عَّه إلى ذلك) حتى قيل: لا ينبغى ذكره (لما يلزم عليه من تفضيل الملائكة عليه
بعدم الفترة عن التسبيح والمشاهدة،) وهو خلاف الإجماع من تفضيله عليهم، وقدّمنا الجواب
عنه؛ بأن هذا غفلة من المتعقّب؛ لأنه أشار إلى دفع هذا الاعتراض بقوله: بما كان دفع إليه ...
الخ، فلم يشتغل عن ذلك إلاّ لأمر اللّه له بهذا لما ترتّب عليه من حكم وأحكام شرعية.
(ولقوله عليه السلام: ((لست أنسى) تعليل ثان لكونه لا ترضى نسبته إلى ذلك، لأنه نفى
عنه النسيان هذا ظاهره، لكن يردّ عليه قوله: (ولكن أنسى) بالتشديد مبني للمجهول (لأُسنّ،)
فإنّه ظاهر في أن ذلك لم ينشأ عن غفلة، فالأولى جعله جوابًا عن التعقّب، وكأنه قال: ورد لقوله

١٣٧
الفصل الثاني: فيما خصّه اللّه تعالى به
فهذه ليست فترة وإنما هي لحكمة مقصودة يثبت بها حكم شرعي، فالأولى أن
يحمل على ما جعله علة فيه، وهو ما دفع إليه من مقاساة البشر وسياسة الأمة،
ومعاناة الأهل، وحمل كل أعباء النبوة وحمل أثقالها، انتهى.
وقيل: الغين شىء يعتري القلب مما يقع من حديث النفس، قال الحافظ شيخ
الإسلام ابن حجر: وهذا أشار إليه الرافعي في أماليه، وقال: إن والده كان يقرره.
وقيل: كانت حالة يطلع فيها على أحوال أمته فيستغفر الله لهم.
وقيل: هو السكينة التي تغشى قلبه، والاستغفار لإظهار العبودية لله تعالى،
والشكر
عليه السلام بدليل قوله: (فهذه ليست فترة))، وإنما هي لحكمة مقصودة يثبت بها حكم
شرعي،) كما أشار إليه عياض، (فالأولى أن يحمل) الحديث (على ما جعله) عياض (علّة فيه،
وهو ما دفع،) أي أوصل وفوّض (إليه من مقاساة البشر وسياسة الأمّة ومعاناة الأهل، وحمل
كل،) بفتح الكاف، وشدّ اللام (أعباء النبوّة، وحمل أثقالها) عطف تفسير، (انتهى).
وحاصله: إن ترك التسبيح ونحوه إنما هو لحكم وترتيب أحكام شرعيّة عليها، وقد صرّح
في الشفاء بعد هذا المبحث بكثير لما ذكر سهوه في الصّلاة بقوله: والسهو هنا في حقّه سبب
إفادة علم وتقرير شرع، كما قال: ((إني لأنسي أو أنسى لأسن))، بل قد روى لست أنسى، ولكن
أنسى لأسنّ، وهذه الحالة زيادة له في التبليغ، وتمام النعمة عليه بعيدة عن سمات النقص وأغراض
الطعن، انتهى.
(وقيل: الغين شىء يعتري القلب) الصافي (ممّا يقع من حديث النفس،) لا بالمعنى
الأول، فهو من جملة الأجوبة، وقال شيخنا: ليس مقابلاً للخلاف السابق في معناه، بل هو سبب
لما يحصل للقلب مما يغشاه، وفيه أن المتبادر خلافه، وقد جعله النووي من جملة الأجوبة،
ويدلّ على ذلك ما (قال الحافظ شيخ الإسلام ابن حجر في فتح الباري في كتاب الدّعوات:
(وهذا أشار إليه الرافعي في أماليه، وقال: إن والده كان يقرّره) جوابًا عن الحديث، (وقيل:
كانت) الهيئة التي تعتري القلب (حالة يطلع فيها على أحوال أُمّته، فيستغفر اللَّه لهم،) أي
يدعو بالمغفر لما صدر منهم، أو سيصدر، فالغين خواطره فيما يتعلّق بهم لاهتمامه بهم وكثرة
شفقته عليهم واستغفاره، إنما هو لهم، فلا أشكال أصلاً.
(وقيل: هو) ، أي: الغين (السكينة) الوقار والتأني والطمأنينة في الأمور (التي تغشي
قلبه،) أي: تعرض له، (والاستغفار) عندها (لإظهار العبوديّة للَّه تعالى،) والافتقار إليه، (والشكر

١٣٨
الفصل الثاني: فيما خصّه اللَّه تعالى به
لما أولاه.
وقال شيخ الإسلام ابن العراقي أيضًا: هذه الجملة حالية، أخبر عليه السلام
أنه يغان على قلبه من أن حالة الاستغفار في اليوم مائة مرة، وهي حال مقدرة، لأن
الغين ليس موجودًا في حال الاستغفار، بل إذا جاء الاستغفار أذهب ذلك الغين.
قال: وعلى تقدير تعلق إحدى الجملتين بالأخرى، وأن الثانية مسببة عن الأولى،
فيحتمل أن يكون هذا الغين تغطية للقلب عن أمور الدنيا، وحجابًا بينه وبينها،
فيجتمع القلب حينئذٍ على الله تعالى ويتفرغ للاستغفار شكرًا وملازمة للعبودية، قال:
وهذا معنى ما قاله القاضي عياض، انتهى ومراده قوله في ((الشفاء)): وقد يحتمل أن
تكون هذه الإغانة حالة خشية وإعظام تغشى قلبه فيستغفر حينئذٍ شكرًا لله تعالى،
وملازمة لعبوديته.
لما أولاه،) فالغين ليس نقصًا، بل صفة كمال، إذ هو خضوع وخشوع، والاستغفار عنه شكرًا
لتلك النعمة.
(وقال شيخ الإسلام) الحافظ ولي الدين أحمد (بن) الحافظ عبد الرحيم (العراقي
أيضًا: هذه الجملة حالية أخبر عليه السّلام؛ أنه يغان على قلبه مع أن حالة الاستغفار في
اليوم مائة مرة، وهي حال مقدّرة؛ لأن الغين ليس موجودًا في حال الاستغفار، بل إذا جاء
الاستغفار أذهب ذلك الغين،) فليست الجملة الثانية مسببة عن الأولى.
(قال) ابن العراقي: (وعلى تقدير تعلّق إحدى الجملتين بالأخرى، وأن الثانية مسببة
عن الأولى،) كما هو الظاهر المؤيّد بروايتي النسائي: فاستغفر وحتى أستغفر؛ كما مرّ، (فيحتمل
أن يكون هذا الغين تغطية للقلب عن أمور الدنيا وحجابًا بينه وبينها، فيجتمع القلب حينئذ،)
أي حين يحصل له ذلك (على اللّه تعالى ويتفرّغ للاستغفار شكرًا وملازمة للعبوديّة،) وهذا
قريب أو مساوٍ للسكينة التي حكاها أوّلاً بقوله: وقيل هو السكينة ... الخ، كذا قيل قطعًا، وقد
ذكر الأمرين في الشفاء؛ كما (قال: وهذا معنى ما قاله القاضي عياض، انتهى) كلام الولي.
(ومراده قوله في الشفاء: وقد يحتمل الحديث أن تكون هذه الإغانة حالة خشية
وإعظام) للَّه، ومنه (تغشى قلبه،) أي: تعرّض له من تصوّر ذلك (فيستغفر حينئذ،) أي حين
غشيته هذه الحالة (شكرًا لله تعالى) على نعمة جليلة؛ أن عرّفه عظمته وخشيته، وهو أعظم
المعلومات، (وملازمة) مداومة (لعبوديّته،) إذ مقتضاها عدّه نفسه مقصرًا لا يفي بأداء خدمته،
فلذلك يستغفره، وبقيّة قول الشفاء: كما قال عَّ﴾ في ملازمة العبادة: ((أفلا أكون عبدًا شكورًا)).

١٣٩
الفصل الثاني: فيما خصّه اللَّه تعالى به
قال الشيخ ابن العراقي: وهو عندي كلام حسن جدًا، وتكون الجملة الثانية
مسببة عن الأولى، لا بمعنى أنه يسعى بالاستغفار في إزالة الغين، بل بمعنى أن الغين
أصل محمود، وهو الذي تسبب عنه الاستغفار، وترتب عليه، وهذا أنزه الأقوال
وأحسنها لأن الغين حينئذٍ وصف محمود وهو الذي نشأ عنه الاستغفار، وعلى
الأول يكون ((الغين)) مما يسعى في إزالته بالاستغفار، وما ترتب الإشكال وجاء
السؤال إلا على تفسير الغين بذلك، وأهل اللغة إنما فسروا الغين بالغشاء، فنحمله
على غشاء يليق بحاله عٍَّ، وهو الغشاء الذي يصرف القلب ويحجبه عن أمور
الدنيا، لا سيما وقد رتب على أمر الغشاء أمرًا محمودًا وهو الاستغفار، فما نشأ
هذا الأمر الحسن إلا عن أمر حسن، وانتهى.
وذكر الشيخ تاج الدين بن عطاء الله في كتابه ((لطائف المتن) أن الشيخ أبا
الحسن الشاذلي قال: رأيت النبي عَّه في النوم فسألته عن هذا الحديث ((إنه ليغان
على قلبي)) فقال
(قال الشيخ ابن العراقي: وهو عندي كلام حسن جدًا،) بالغ في الحسن، (وتكون
الجملة الثانية مسببة عن الأولى لا بمعنى أنه يسعى بالاستغفار في إزالة الغين٤) لأنه كمال،
(بل بمعنى أن الغين أصل محمود،) أي: أمر يحمد عليه، (وهو الذي تسبّب عنه الاستغفار،
وترتّب عليه، وهذا أنزه الأقوال:) أبعدها عن الاعتراض والتكلّفات (وأحسنها؛ لأن الغين حينئذ
وصف محمود، وهو الذي نشأ عنه الاستغفار،) فنشأ محمود عن محمود، (وعلى الأوّل)
الذي هو الغفلات والفترات بالمعنى المتقدّم (يكون الغين مما يسعى في إزالته بالاستغفار، وما
ترتّب الإشكال وجاء السؤال إلاّ على تفسير الغين بذلك،) أي: الغفلة والسهو بالمعنى المارّ،
(وأهل اللّغة إنما فشّروا الغين بالغشاء،) وهو في كل محل بما يناسبه، (فتحمله على غشاء يليق
بحاله عَّهِ، وهو الغشاء الذي يصرف القلب ويحجبه عن أمور الدنيا، لا سيّما وقد رتّب على
أمر الغشاء) إضافة بيانيّة (أمرًا محمودًا، وهو الاستغفار، فما نشأ هذا الأمر الحسن إلاّ عن
أمر حسن، انتهى) كلام ابن العراقي.
(وذكر الشيخ تاج الدين بن عطاء الله) ما يقوّي هذا (في كتابه لطائف المتن) في
مناقب الشيخ أبي العباس والشيخ أبي الحسن؛ (أن الشيخ أبا الحسن) عليّ بن عبد الله المغربي
(الشاذليّ) الشريف الهاشمي، من ذريّة محمّد بن الحنفيّة، مرّ بعض ترجمته شيخ الشاذليّة،
(قال: رأيت النبيّ عَّ في النوم، فسألته عن هذا الحديث: ((أنه ليغان على قلبي))، فقال

١٤٠
القسم الثاني: ما اختصّ به عَّةٍ ممّا حرّم عليه
لي: يا مبارك: ذلك غين الأنوار، لا غين الأغيار.
القسم الثاني: ما اختص به عَّة.
لي: يا مبارك ذلك غين الأنوار) الواردة عليه، (لا غين الأغيار) إذ لا يعتريه، ولذا قال المحاسبي:
خوف المقرّبين من الأنبياء والملائكة خوف إجلال وإعظام، وإن كانوا آمنين عذاب اللَّه.
وقال السهروردي: لا تعتقد أن الغين حالة نقص، بل هو كمال، أو تتمّة كمال ثم مثل
ذلك بجفن العين، حين يسيل ليدفع القذى عن العين، مثلاً فإنه يمنعها من الرؤية، فهو صورة نقص
من هذه الحيثية، وفي الحقيقة هو كمال هذا محصل كلامه بعبارة طويلة، قال: فهكذا بصيرة
النبيّ عَ له متعرّضة للأغبرة الثائرة من أنفاس الأغيار، فدعت الحاجة إلى الستر على حدقة بصيرته
صيانة لها ووقایة عن ذلك، انتھی.
وقد استشكل وقوع الاستغفار من النبيّ عَّ له. وهو معصوم، والاستغفار يستدعي وقوع
معصية، وأجيب بأجوبة منها ما تقدّم في تفسير الغين، ومنها قول ابن الجوزي: هفوات الطباع
البشري لا يسلم منها أحد، والأنبياء وإن عصموا من الكبائر لم يعصموا من الصغائر، كذا قال
وهو مفرع على خلاف المختار، والراجح من عصمتهم من الصغائر أيضاً، ومنها قول ابن بطال:
الأنبياء أشدّ الناس اجتهادًا في العبادة لما أعطاهم اللَّه من المعرفة، فهم دائبون في شكره،
معترفون له بالتقصير، انتهى.
ومحصل جوابه؛ أن الاستغفار من التقصير في أداء الحقّ الواجب له تعالى، ويحتمل أن
يكون لاشتغاله بالأمور المباحة من أكل، أو شرب، أو جماع، أو نوم، أو راحة، أو مخاطبة الناس
والنظر في مصالحهم، ومحاربة عدوّهم تارة ومداراته أخرى، وتأليف المؤلفة، وغير ذلك ممّا
يحجبه عن الاشتغال بذكر اللَّه والتضرّع إليه، ومشاهدته ومراقبته، فيرى ذلك ذنبًا بالنسبة إلى المقام
العلي، وهو الحضور في حظيرة القدس، ومنها أن استغفاره تشريع لأَمّته أو من ذنوبهم، فهو
كالشفاعة لهم، وقال الغزالي: كان عَّهِ دائم الترقّي، فإذا ارتقى إلى حال رأى ما قبلها ذنبًا، فاستغفر
ء، الحال السابق، وهذا مفرع على أن العدد المذكور في استغفاره كان مفرّقًا بحسب تعدّد
الأحوال، وظاهر ألفاظ الحديث يخالف ذلك، إذ ليس فيها ما يدلّ على افتراق واجتماع اهـ، وقد
اقتصر المصنّف في هذا القسم على ما ذكره وزاد عليه غيره: فيه أكثر مما ذكر.
القسم الثاني
ما اختصّ به عَّةٍ ممّا حرّم عليه
(القسم الثاني: ما،) أي: أشياء (اختصّ به عَلّهِ) عن الأُمّة، فلا ينافي مشاركة الأنبياء له