Indexed OCR Text
Pages 81-100
٨١ الفصل الثاني: فيما خصّه اللَّه تعالى به جهل فقال: إن كنت صادقًا فادع ذلك الحجر الذي في الجانب الآخر فليسبح ولا يغرق، فأشار إليه عَّهِ فانقلع الحجر من مكانه وسبح حتى صار بين يدي الرسول عَّ له وشهد له بالرسالة، فقال النبي عَل: ((يكفيك هذا؟ فقال: حتى يرجع إلى مكانه)). فلم أره لغيره والله أعلم بحاله. وأما إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام فكانت عليه نار نمرود بردًا وسلامًا، فأعطي سيدنا محمد عدّله نظير ذلك، إطفاء نار الحرب عنه عليه الصلاة والسلام وناهيك بنار حطبها السيوف ووهجها الحتوف وموقدها الحسد ومطلبها الروح والجسد، جهل) المسلم في فتح مكّة، (فقال: إن كنت صادقًا فادع ذلك الحجر الذي في الجانب الآخر، فليسبح:) يعوم على الماء، (ولا يغرق، فأشار إليه عليه الصّلاة والسّلام، فانقلع الحجر من مكانه، وسبح حتى صار بين يديّ الرسول عَلَه، وشهد له بالرسالة، فقال النبيّ عَُّله) لعكرمة: ((يكفيك هذا))، فقال: حتى يرجع إلى مكانه، فلم أرَه لغيره، واللّه أعلم بحاله،) أي: الحديث هل هو وارد، أم لا؟. (وأمّا إبراهيم الخليل عليه الصّلاة والسّلام، فكانت عليه نار نمرود،) بالدال مهملة، ومعجمة، وهو أصحّ لموافقته للقاعدة المنظومة في نحو قوله: إن تلت الدال صحيحًا ساكنًا أهملها الفرس وإلا أعجموا (برداً وسلامًا،) أي: ذات برد وسلام، فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه، أي: ابردي بردًا غير ضار، ولو لم يقل سلامًا لمات من بردها، فذهبت حرارتها، وبقيت إضاءتها، ولم يحترق غير وثاقه، والقصّة طويلة في التفاسير والتواريخ، (فأعطي سيّدنا محمّد عَِّ نظير ذلك إطفاء نار الحرب عنه عليه الصلاة والسلام)، أي: إبطال مكائدهم التي كانوا يديرونها لحربه بأن يوقع بينهم منازعة يكفون بها عنه شرّهم، (وناهيك): أنهاك (بنار حطبها)، أي: المستعان به فيها، بحيث يؤثر هلاك الأعداء، وهو (السيوف،) فهي مستعملة في حقيقته، والحطب مجاز عن الأسباب المؤثرة فيها، (ووهجها،) بفتحتين حرّها (الحتوف:) جمع حتف وهو الهلاك، والمعنى: أن الأسباب المؤثرة هي السيوف والآثار المترتبة عليها، المشبهة لحرارة النار في التأثير هي الهلاك، (وموقدها،) أي: السبب في وجودها (الحسد، ومطلبها،) مصدر ميمي بمعنى اسم المفعول، أي: الأمر الذي أريد بتلك الحروب وبآثارها هو (الروح والجسد،) والمعنى: أنهاك بنار موصوفة بما ذكر عن تطلّب معجزة تقاوم نار الخليل غير هذه، أي: إنها ٨٢ الفصل الثاني: فيما خصّه اللّه تعالى به قال تعالى: ﴿كلما أوقدوا نارًا للحرب أطفأها الله﴾ [المائدة/٦٤] فكم أرادوا أن يطفؤوا النور بالنار، وأبى الجبار إلا أن يتم نوره وأن يخمد شرورهم ويحمد لمحمد عدّ ◌ُلِّ سروره وظهوره. ويذكر أنه عليه الصلاة والسلام ليلة المعراج مر على بحر النار الذي دون سماء الدنيا مع سلامته منه، كما روي مما رأيته في بعض الكتب. وروى النسائي أن محمد بن حاطب غاية تنهاك عن تطلّب غيرها. (قال تعالى: ﴿كلّما أوقدوا نارًا للحرب أطفأها اللَّه﴾) الآية، قال البيضاوي: كلّما أرادوا حرب الرسول وإثارة شرّ عليه، ردّهم اللَّه، بأن أوقع بينهم منازعة، كفّ بها عنه شرّهم، أو كلما أرادوا حرب أحد غلبوا، فإنهم لمّا خالفوا حكم التوراة سلّط اللَّه عليهم بختنصر، ثم أفسدوا، فسلّط عليهم قطرس الرومي، ثم أفسدوا، فسلّط عليهم المجوس، ثم أفسدوا، فسلّط عليهم المسلمين، وللحرب صلة أوقدوا أو صفة نارًا، انتهى، (فكم) للتكثير، أي: فكثيرًا (أرادوا أن يطفئوا النور)، وهو حجّته الدالّة على وحدانيته وتقدّسه عن الولد أن القرآن، أو نبوّة محمّد عَّ (بالنار،) أي: محاربتهم ومعاداتهم له عَّةٍ، (وأبى. الجبار إلاّ أن يتمّ نوره) يظهر شرعه وبراهينه نبيّه وإعلاء دينه، (وأن يخمد) بضمّ الياء من أحمد، أي: يسكن (شرورهم) ويبطلها، شبه إبطال شرورهم بإطفاء النار، واستعار له الإخماد ثم اشتقّ منه الفعل، وهو يخمد، فهو استعارة تبعية، أو شبه الشرور بعد إبطالها ابنار أطفىء لهبها، ثم أثبت لها الإخماد، فهو استعارة بالكناية وتخييلية، (ويحمد لمحمّد عَّ سروره وظهوره، بالثناء على ما جاء به، وعلى ما حصل له من النصر على أعدائه، قال تعالى: ﴿هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون﴾ [التوبة/٣٣] الآية، إلى غير ذلك من الآيات الدالّة على حقية ما جاء به، وهذا النظير والسجع بعده جلبه المصنف من معراج ابن المنير، كغالب هذا المبحث، (ويذكر أنه عليه السّلام ليلة المعراج مرّ على بحر النار،) بأن سار مستعليًا عليه، حتى جاوزه (الذي دون سماء الدنيا مع سلامته منه، كما روي ممّا رأيته في بعض الكتب،) واللَّه أعلم بصحته. (وروى النسائي أن محمّد بن حاطب) بن الحرث بن معمر بن حبيب الجمحي، الكوفي، صحابي صغير، ولد بالسفينة قبل أن يصلوا إلى الحبشة، وهو أوّل من سمّي محمّدًا في الإسلام، واختلف في أن كنيته أبو القسم أو أبو إبراهيم، وروى عن النبيّ عَّده، وعن علي، وعن ٨٣ الفصل الثاني: فيما خصّه اللّه تعالى به قال: كنت طفلاً فانصب القدر علي واحترق جلدي كله، فحملني أبي إلى رسول الله عٍَّ فتفل عليه الصلاة والسلام في جلدي ومسح بيده على المحترق وقال: أذهب البأس رب الناس، فصرت صحيحًا لا بأس بي. أُقْه ◌ُمٌ جميل، وعنه أولاده إبراهيمٍ، وعمر، والحرث، وغيرهم ومات سنة أربع وسبعين، وقيل: سنة ستّ وثمانين، (قال: كنت طفلاً، فانصبّت القدر) التي كانت أُمّه تطبخ فيها (علي،) أي: علىٍ ذراعي، (واحترق جلدي كلّه، فحملني أبي) فيه، إن أباه مات بأرض الحبشة، وقدّمت به أمّ جميل القرشيّة، العامرية، من السابقات المهاجرات إلى المدينة مع أهل السفينة، كما في الإصابة وغيرها، والذي في الروايات أن الآتي به (إلى رسول اللَّه عَّه) أنّه، فإن كان لفظ أبي محفوظًا، فلعلّه أراد به أباه من الرّضاعة جعفر بن أبي طالب، فقد ذكر ابن أبي خيثمة، كما في الإصابة، أن أسماء بنت عميس أرضعت محمّد بن حاطب مع ابنها عبد الله بن جعفر، وأرضعت أمّ محمّد عبد الله بن جعفر، فنسب القدوم إليه تارة، وإلى أَمّه أخرى، (فتفل عليه الصّلاة والسّلام في جلدي، ومسح بيده على المحترق،) أي: المواضع التي مسّتها النار، فأثّرت فيها، ولا ينافيه قوله قبل: احترق جلدي كلّه، لجواز أن ما جاور ما مسته النار من جلده، صار إليه ألم مما مسّته النار، فسماه محرّوقًا كلّه لوصول الألم إليه، (وقال: ((أذهب البأس،) بالموحدة، أي: الشدّة، أي: ما أصاب جلده من أثر النار عن هذا يا (ربّ الناس))،) والجملة دعائية، (فصرت صحيحًا لا بأس بي). وأخرج الإمام أحمد والبخاري في التاريخ، والنسائي وغيرهم، عن محمّد، بن حاطب عن أُتْه أُمّ جميل، قالت: أقبلت بك من أرض الحبشة حتى إذا كنت من المدينة على ليلة أو ليلتين، طبخت لك طبيخًا، ففي الحطب، فخرجت أطلب الحطب، فتناولت القدرة، فانكفأت على ذراعك، فأتيت بك رسول اللَّه عٍَّ، فقلت: يا رسول الله! هذا ابن أخيك، وقد أصابه هذا الحرق من النار، فادع له، وفي رواية: فقلت: هذا محمّد بن حاطب، وهو أول من سمّي بك، قالت: فمسح على رأسك، ودعا لك بالبركة، وجعل يتفل على يدك، وهو يقول: ((أذهب البأس ربّ الناس، اشف أنت الشافي، لا شفاء إلاّ شفاؤك شفاء لا يغادر سقمً، قالت: فما قمت بك من عنده حتى برأت يدك، وقد خمدت نار فارس لنبينا، وكان لها ألف عام لم تخمد. وروى ابن سعد عن عمرو بن ميمون، قال: أحرق المشركون عمّار بن ياسر بالنار، فكان عَِّ يمرّ به، ويمرّ يده على رأسه، فيقول: ((يا نار كوني بردًا وسلامًا على عمّار، كما كنت على إبراهيم، تقتلك الفئة الباغية)). وروى أبو نعيم عن عباد بن عبد الصّمد: أتينا أنس بن لملك، فقال: يا جارية هلمّي المائدة ٨٤ الفصل الثاني: فيما خصّه اللَّه تعالى به وأما ما أعطيه إبراهيم عليه الصلاة والسلام من مقام الخلة فقد أعطيه نبينا عَطٌ، وزاد بمقام المحبة، وقد روي في حديث الشفاعة أن الخليل إبراهيم عليه الصلاة والسلام إذ قيل له: اتخذك الله خليلاً فاشفع لنا نتغذّى، فأتت بها، ثم قال: هلمّي المنديل، فأتت بمنديل وسخ، فقال: اسجري التنور، فأوقدته، فأمر بالمنديل، فطرح فيه، فخرج أبيض كأنه اللبن، فقلنا: ما هذا؟، قال: هذا منديل كان عَّه يمسح به وجهه، فإذا اتّسخ صنعنا به هكذا، لأن النار لا تأكل شيئًا مرّ على وجوه الأنبياء، وألقى غير واحد من أُقته في النار، فلم تؤثر فيه. روى ابن وهب عن ابن لهيعة؛ أن الأسود العنسي لما ادّعى النبوّة، غلب على صنعاء، أخذ ذؤيب بن كليب بتصغيرهما، فألقاه في النار لتصديقه بالنبيّ عَّهِ، فلم تضرّه النار، فذكر ذلك النبيّ عَِّ لأصحابه، فقال عمر: الحمد لله الذي جعل في أمّتنا مثل إبراهيم الخليل، وسمّاه ابن الكلبي ذؤيب بن وهب، وقال في سياقه: طرحه في النار، فوجده حيًّا، ولم يذكر النبيّ عَّه، وهو مخضرم، أسلم في العهد النبويّ، قال عبدان: إنه أول من أسلم من أهل اليمن، ولا أعلم له صحبة. وروى ابن عساكر: أن الأسود بن قيس، بعث إلى أبي مسلم الخولاني، فأتاه، فقال: (أتشهد أني رسول اللَّه)؟، قال: ما أسمع، قال: ((أتشهد أن محمّدًا رسول اللَّه)؟، قال: نعم فأُتي بنار عظيمة، فألقاه فيها، فلم تضرّه، فقبل للأسود إن لم تنف هذا عنك. أفسد عليك من اتّبعك، فأمره بالرحيل، فقدم المدينة، وقد قبض النبيّ عَيَّة، واستخلف أبو بكر، فقال أبو بكر: الحمد لله الذي ألبثني حتى أراني في أَمّة محمّد من صنع به، كما صنع إبراهيم. (وأمّا ما أعطيه إبراهيم عليه الصّلاة والسّلام من مقام الخلّة،) بفتح الخاء وضمّها: الصداقة، (فقد أعطيه نبيّا عٌَّ، وزاد بمقام المحبّة،) فجمع له بينهما، روى أبو يعلى في حديث المعراج، فقال له ربّه: اتّخذتك خليلاً وحبيبًا، وفي التوراة: محمّد حبيب الله، وروى ابن ماجه وأبو نعيم مرفوعًا: ((أن اللَّه اتّخذني خليلاً، كما اتّخذ إبراهيم خليلاً، فمنزلي ومنزل إبراهيم في الجنّة تجاهين، والعباس بيننا، مؤمن بين خليلين)). وروى أبو نعيم عن كعب بن ملك: سمعت رسول اللَّه عَ لّه يقول قبل وفاته بخمس: ((إن اللّه اتخذ صاحبكم خلیلاً). (وقد روي في حديث الشفاعة؛ أن إبراهيم عليه الصّلاة والسّلام إذا قيل له: اتّخذك الله خليلاً،) أي: اصطفاك وخصّك بكرامة تشبه كرامة الخليل عند خليله، (فاشفع لنا) في ٨٥ الفصل الثاني: فيما خصّه اللَّه تعالى به قال: ((إنما كنت خليلاً من وراء وراء)) اذهبوا إلى غيري إلى أن تنتهي الشفاعة إلى النبي عَّهِ فيقول: ((أنا لها، أنا لها))، وهذا يدل على أن نبينا عليه الصلاة والسلام كان خليلاً مع رفع الحجاب وكشف الغطاء ولو كان خليلاً من وراء وراء لاعتذر كما اعتذر إبراهيم عليه الصلاة والسلام. وفيه تنبيه ظاهر على أنه عليه الصلاة والسلام فاز برؤية الحق سبحانه وتعالى وكشف له الغطاء حتى رأى الحق بعيني رأسه، كما سيأتي البحث في ذلك إن شاء الله تعالى في المقصد الخامس. والملخص من هذا: أن النبي عَِّ نال درجة الخلة التي اشتهرت لإبراهيم عليه الصلاة والسلام على وجه نطق إبراهيم بأن نصيب سيدنا محمد عليه الصلاة فصل القضاء، (قال: إنّما كنت خليلاً من وراء وراء،) ضبط بفتح الهمزة وضمّها بلا تنوين، فيهما بناء، قال النووي: الفتح أشهر، ومعناه: لم أكن في التقرّب والإدلال بمنزلة الحبيب، وقال صاحب التحرير: هذه كلمة تقال على وجه التواضع، قاله في البدور، وقيل: مراده أن الفضل الذي أعطيه كان بسفارة جبريل، ولكن ائتوا موسى الذي كلّمه اللّه بلا واسطة، وكرّر وراء إشارة إلى نبيّا عَّ؛ لأنه حصلت له الرؤية والسماع بلا واسطة، فكأنه قال: أنا من وراء موسى الذي هو من وراء محمّد، حكاه المصنف فيما يأتي قائلاً: وراء بفتح الهمزة بلا تنوين، ويجوز البناء على الضم للقطع عن الإضافة نحو من قبل ومن بعد، واختاره أبو البقاء. قال الأخفش: يقال لقيته من وراء بالضمّ، ثم قال: ويجوز فيها النصب والتنوين جوازاً جيّدًا، قاله أبو عبد اللَّه الأبيّ. (اذهبوا إلى غيري،) فيذهبون إلى موسى وعيسى (إلى أن تنتهي الشفاعة إلى النبيّ عَّهِ، فيقول: (أنا لها أنا لها)،) بالتكرير، وصرفوا عن الإتيان له ابتداء، مع أنه صاحبها إذاعة لفضله على رؤوس الخلائق، (وهذا يدلّ على أن نبيّنا عليه الصّلاة والسّلام كان خليلاً مع رفع الحجاب) عنه، (وكشف الغطاء) له، (ولو كان خليلاً من وراء وراء لاعتذر، كما اعتذر إبراهيم عليه الصّلاة والسّلام وفيه تنبيه ظاهر على أنه عليه الصُّلاة والسّلام، فاز برؤية الحقّ سبحانه وتعالى، وكشف له الغطاء) ليلة الإسراء، (حتى رأى الحقّ) رؤية بصرية (بعيني رأسه) على المذهب المشهور، وقال به ابن عباس نفيًا لمن قال بعيني قلبه، وإذا جوّزه العقل، وشهد به النقل لم يبقَ للاستبعاد موقع ولا للإنكار موضع، (كما سيأتي البحث في ذلك إن شاء اللّه تعالى في المقصد الخامس، والملخص من هذا؛ أن النبيّ عَّ نال درجة الخلّة التي اشتهرت لإبراهيم عليه الصّلاة والسّلام،) بقوله تعالى: ﴿واتّخذ اللّه إبراهيم خليلاً﴾) الآية، (على وجه نطق إبراهيم؛ بأن نصيب سيّدنا محمّد عليه الصّلاة والسّلام منه الأعلى، بمفهوم قوله عن نفسه: إنّما كنت خليلاً من وراء وراء، فلم يشفع وفيه دليل على ٨٦ الفصل الثاني: فيما خصّه الله تعالى به والسلام منه الأعلى، بمفهوم قوله عن نفسه: ((إنما كنت خليلاً من وراء وراء، فلم يشفع وفيه دليل على إنه إنما يشفع من كان خليلاً لا من وراء وراء، بل مع الكشف والعيان وقرب المكانة من حظيرة القدس، لا المكان، وذلك مقام محمد عَّ بالدليل والبرهان. ومما أعطيه إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وانفراده في الأرض بعبادة الله وتوحيده، والانتصاب للأصنام بالكسر والقسر، أعطي سيدنا محمد عَ لِّ كسرها بمحضر من أولي نصرها بقضيب ليس مما يكسر إلا بقوة ربانية ومادة إلهية، اجتراء فيها بالأنفاس من الفاس، وما عوّل على المعول، لا عرض في القول ولا تمرض من الصول بل قال جهرًا بغير سر: ﴿وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقًا﴾ [الإسراء/٨١]. ومما أعطيه الخليل عليه الصلاة والسلام بناء البيت الحرام، ولا خفاء أن البيت أنه إنّما يشفع من كان خليلاً لا من وراء وراء، بل مع الكشف والعيان وقرب المكانة من حظيرة القدس لا المكان؛) لاستحالته عليه تعالى، (وذلك مقام محمّد عَّ بالدليل والبرهان،) وهذا ساقه كلّه ابن المنير في المعراج، والله المستعان. (وممّا أعطيه إبراهيم عليه الصّلاة والسّلام انفراده في الأرض بعبادة اللَّه، وتوحيده، والانتصاب للأصنام بالكسر والقسر،) بفتح القاف، وسكون السين، وبالراء: القهر والغلبة، (أعطي سيدنا محمد عَّ كسرها بمحضر من أولى نصرها) وهم أذلاء لا يستطيعون نصرها (بقضيب ليس مما يكسر إلا) بمعنى، لكن (بقوّة ربانيّة ومادّة إلهيّة، اجتراء،) أي: اكتفاء (فيها بالأنفاس من الفاس وما عوّل على المعوّل،) كما فعل إبراهيم حيث علّقه في عنق كبيرهم الذي تركه لعلهم إليه يرجعون، (ولا عرض في القول،) كتعريض إبراهيم بقوله: بل فعله كبيرهم هذا، (ولا تمرض من الصول،) أي: لم يظهر مرضًا لأجل الصول على تلك الأصنام، كما فعل إبراهيم، حيث قال: إنّي سقيم، اعتذارًا عن عدم خروجه معهم إلى عيدهم، وجعل ذلك. وسيلة إلى كسر الأصنام في غيبتهم، (بل قال جهرًا بغير سرّ)، زيادة إطناب، (﴿وقل)) عند دخول مكّة (﴿جاء الحقّ﴾:) الإسلام، (﴿وزهق الباطل):) بطل الكفر، (﴿إن الباطل كان زهوقًا﴾،) مضمحّلاً زائلاً، وقد دخلها عَّه وحول البيت ثلاثمائة وستّون صنمًا، فجعل يطعنها بعود في يده ويقول ذلك حتى سقطت، رواه الشيخان، وتقدّم بسطه في فتح مكّة. (وممّا أعطيه الخليل عليه الصّلاة والسّلام بناء البيت الحرام) الذي بوأه اللَّه له، (ولا خفاء أنّ البيت جسد) تشبيه بليغ، (وروحه الحجر الأسود، بل هو سويداء القلب، بل ٨٧ الفصل الثاني: فيما خصّه اللَّه تعالى به جسد وروحه الحجر الأسود بل هو سويداء القلب، بل جاء (أنه يمين الرب)) كناية عن استلامه كما تستلم الأيمان عند عقد العهود والأيمان، وقد أعطي سيدنا محمد عَ له أن قريشًا لما بنت البيت بعد تهدمه ولم يبق إلا وضع الحجر تنافسوا على الفخر الفخم والمجد الضخم، ثم اتفقوا على أن يحكموا أوّل داخل، فاتفق دخول سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام فقالوا: هذا الأمين، فحكموه في ذلك فأمر ببسط ثوب ووضع الحجر فيه ثم قال: يرفع كل بطن بطرف، فرفعهوه جميعًا، ثم أخذه سيدنا محمد عَ طه فوضعه في موضعه، فادخر الله له ذلك المقام ليكون منقبة له على مدى الأيام. وأما ما أعطيه موسى عليه الصلاة والسلام من قلب العصا حية غير ناطقة، فأعطي سيدنا محمد ے حنین الجذع، وقد جاء أنه يمين الربّ،) كما روى الديلمي عن أنس مرفوعًا: ((الحجر يمين اللَّه، فمن مسحه فقد بايع اللَّه))، (كناية عن استلامه، كما تستلم الأيمان) الأيمان، بالفتح: جمع يمين العضو المخصوص، (عند عقد العهود، والأيمان،) بالفتح أيضًا بمعنى القسم، والمعنى: أنه يستلم باليدٍ من أراد عهدًا أو يمينًا يمين صاحبه عند معاهدة غيره، والحلف كما كان عادتهم، (وقد أُعطي سيّدنا محمّد عَّ أن قريشًا لما بنت البيت بعد تهدّمه،) بسيل أو غيره، (ولم يبقَ إلا وضع الحجر) في محلّه، (تنافسوا على الفخر الفخم:) العظيم القدر، (والمجد:) العزّ والشّرف (الضخم:) العظيم فالفخم والضخم مختلفان مفهومًا: متّحدان ما صدّقا، (ثم اتّفقوا على أن يحكموا أوّل داخل) من باب بني شيبة، (فاتّفق دخول سيّدنا محمّد عليه الصّلاة والسّلام، فقالوا: هذا الأمين،) رضينا بحكمه، (فحكموه في ذلك، فأمر ببسط ثوب، ووضع) النبيّ عَّه (الحجر فيه،) أي: الثوب بيده الكريمة، فعند ابن إسحق فقالوا: هذا الأمين رضينا، وأخبروه الخبر، فقال: ((هلمّ إليّ ثوبًا))، فأتى به، فأخذ الركن، فوضعه فيه بيده، (ثم قال: ((يرفع،) وفي نسخة: ليرفع، أي: ليأخذ (كل بطن) من بطون قريش))، (بطرف،) وفي رواية: ((لتأخذ كل قبيلة بناحية من الثوب))، (فرفعوه جميعًا، ثم) لما بلغوا به موضعه، (أخذه سيّدنا محمّد عَّةِ، فوضعه في موضعه، فادّخرِ اللَّه له ذلك المقام ليكون منقبة له على مدى الأيّام،) وكان سنة خمسًا وثلاثين سنة على الأشهر، وهذا الذي ذكره المصنّف أيضًا لفظ ابن المنير. (وأمّا ما أُعطيه موسى عليه الصّلاة والسّلام من قلب العصا حيّة،) وتقدّم ذكر ذلك قريبًا أوّل المعجزات وأعاد الشارح نقله هنا (غير ناطقة،) لعلّ ذكره مع أنه لازم للحية، لبيان التفاضل بين المعجزتين، وهو أن العصا لم تنطق لموسى، بخلاف الجذع، فنطق للمصطفى بكلام حتى سمعه من يليه زيادة على الحنين، كما مرّ، (فَأُعطي سيّدنا محمّد عَّ حنين الجذع، وقد ٨٨ الفصل الثاني: فيما خصّه اللَّه تعالى به مرت قصته. وحكى الإمام الرازي - في تفسيره - وغيره: أنه لما أراد أبو جهل أن يرميه عليه الصلاة والسلام بالحجر رأى على كتفيه ثعبانين فانصرف مرعوبًا. وأما ما أعطيه موسى عليه الصلاة والسلام أيضًا من اليد البيضاء، وكان بياضها يغشى البصر، فأعطي سيدنا محمد عَّله أنه لم يزل نورًا ينتقل في أصلاب الآباء وبطون الأمهات من لدن ادم إلى أن انتقل إلى عبد الله أبيه. وأعطى عد اله قتادة بن النعمان وقد صلى العشاء في ليلة مظلمة مطيرة عرجونا وقال: انطلق به فإنه سيضيء لك من بين يديك عشرًا، ومن خلفك عشرًا، مرّت قصّته) قريبًا. (وحكى الإمام الرازي فى تفسيره وغيره: أنه لمّا أراد أبو جهل أن يرميه عليه الصّلاة والسّلام بالحجر رأى على كتفيه) بالتثنية، أي: النبيّ عليه السّلام، وفي نسخة: كتفه بالإفراد على إرادة الجنس (ثعبانين، فانصرف مرعوبًا،) كما انصرف فرعون مرعوبًا من العصا، ولمّا كان أشدّ الفراعنة رأى ثعبانين. (وأمّا ما أُعطي موسى عليه الصّلاة والسّلام أيضًا من اليد البيضاء) اليمنى، بمعنى الكفّ، كما قال تعالى: ﴿واضمُمْ يدك إلى جناحك تخرج بيضاء من غير سوء﴾ [طه: ٢٢] الآية، فأدخلها تحت جناحه، أي: جنبه الأيسر تحت الإبط، أو في جيبه، ثم نزعها، فإذا هي بيضاء نورانيّة من غير سوء، أي: برص، (وكان بياضها يغشى البصر،) وغلب شعاعها شعاع الشمس، وكان موسى عادم شديد الأدمة، أي: السمرة، (فَأُعطي سيّدنا محمّد عَّ؛ أنه لم يزل نورًا ينتقل في أصلاب الآباء، وبطون الأمّهات، من لدنّ عادم إلى أن انتقل إلى عبد الله أبيه،) ثم منه إلى آمنة أُمّه، وكان بيّنًا ظاهرًا في جباههم، (وأعطى عَّلِ قتادة بن النعمن) الأوسي، البدري، (والحال أنه (قد صلّى العشاء في ليلة مظلمة مطيرة،) فعيلة بمعنى فاعلة، وإسناد المطر إليها مجاز، ولا يقال إنها بمعنى مفعولة، أي: ممطور فيها، لوجود الهاء، إذ لا يقال ممطورة فيها، قاله الكرماني. (عرجونًا:) أصل العذق الذي يعوج، وتقطع منه الشماريخ، فيبقى على النخل يابسًا، سمّي بذلك لانعراجه وانعطافه، ونونه زائدة، (وقال: ((انطلق به، فإنه سيضيء لك من بين يديك عشراً) من الأذرع، (ومن خلفك عشرًا))) من الأذرع، هذا هو المتبادر، ومثله لا ينظر فيه، وذلك أعظم من اليد، فإن خلق الضوء في العرجون ٨٩ الفصل الثاني: فيما خصّه اللَّه تعالى به فإذا دخلت بيتك فسترى سوادًا فاضربه عشرًا، حتى يخرج فإنه الشيطان، فانطلق فأضاء له العرجون حتى دخل بيته ووجد السواد وضربه حتى خرج. رواه أبو نعيم. وأخرج البيهقي، وصححه الحاكم عن أنس: كان عباد بن بشر وأسيد ابن حضير عند رسول الله عَّ في حاجة: حتى ذهب من الليل ساعة، وهي ليلة شديدة الظلمة، ثم خرجا وبيد كل واحد منهما عصا. فأضاءت لهما عصا أحدهما، فمشيا في ضوئها، على هذا الوجه أعظم من البياض الذي في اليد، (فإذا دخلت بيتك فسترى سوادًا، فاضربه حتى يخرج، فإنه الشّيطان) على غير صورته الأصلية، فلا ينافيه قوله تعالى: ﴿من حيث لا ترونهم﴾ الآية، قال البيضاوي: ورؤيتهم إيّانا من حيث لا نراهم في الجملة، لا تقتضي امتناع رؤيتهم وتمثّلهم لنا، (فانطلق، فأضاء له العرجون حتى دخل بيته، ووجد السواد، وضربه حتى خرج، رواه أبو نعيم). وأخرج أحمد عن أبي سعيد، قال: هاجت السماء، فخرج النبيّ عَّة لصلاة العشاء، فبرقت فرأى قتادة بن النعلمن، فقال: ((ما السري يا قتادة))؟، قال: يا رسول الله! إن شاهد العشاء قليل، فأحببت أن أشهدها، قال: ((فإذا صلّيت فأتٍ))، فلمّا انصرف أعطاه عرجونًا، فقال: ((خذ هذا، فسيضيء لك، فإذا دخلت البيت ورأيت سوادًا في زاوية البيت فاضربه قبل أن تتكلّم، فإنّه شيطان))، وأخرج هذه القصّة الطبراني، وقال: إنه كان في صورة قنفذ. (وأخرج البيهقي، وصححه الحاكم عن أنس، قال: كان عبّاد،) بفتح العين، وشدّ الموحدة (ابن بشر،) بكسر الموحدة، وسكون المعجمة، ووقع للقابسي بشير، بفتح أوله، وكسر ثانيه، وزيادة تحتيّة، وهو غلط نبّه عليه في الفتح ابن وقش، بفتح الواو، والقاف، ومعجمة الأنصاري من قدماء الصحابة، أسلم قبل الهجرة، وشهد بدرًا، وأبلى يوم اليمامة بلاء حسناً، فاستشهد بها، (وأُسيد،) بضمّ الهمزة، وفتح السين، (أبن حضير،) بضمّ المهملة، وفتح الضاد المعجمة، ابن سماك الأنصاري، الأشهلي، صحابي جليل، مات سنة عشرين أو إحدى وعشرين، روى البخاري في تاريخه، وأبو يعلى، وصححه الحاكم عن عائشة، قالت: ثلاثة من الأنصار لم يكن أحد يعقد عليهم فضلاً، كلّهم من بني عبد الأشهل سعد بن معاذ، وأُسيد بن حضر، وعباد بن بشر، (عند رسول اللَّه عَّ في حاجة،) ولعبد الرزّاق، تحدثا عنده (حتى ذهب من الليّل ساعة، وهي ليلة شديدة الظّلمة، ثم خرجا وبيد كل واحد منهما عصًا، فأضاءت لهما عصا أحدهما، فمشا في ضوئها،) إكرامًا لهما ببركة نبيّهما، آية له عَّهُ، إذ خصّ بعض أتباعه ٩٠ الفصل الثاني: فيما خصّه اللَّه تعالى به حتى إذا افترقت بهما الطريق اضاءت للآخر عصاه، فمشى كل واحد منهما في ضوء عصاه حتى بلغ هديه، ورواه البخاري بنحوه في الصحيح. وأخرج البخاري في تاريخه والبيهقي وأبو نعيم عن حمزة الأسلمي قال: كنا مع النبي عٍَّ في سفر فتفرقنا في ليلة ظلماء، فأضاءت أصابعي حتى جمعوا عليها ظهرهم وما هلك منهم وإن أصابعي لتنير. بهذه الكرامة عند الاحتياج إلى النور وإظهار السرّ، قوله عَّ له: ((بشّر المشّائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة))، رواه أبو داود وغيره وادّخر لهما يوم القيامة ما هو أعظم وأتمّ من ذلك، (حتى إذا افترقت بهما الطّريق أضاءت للآخر عصاه، فمشى كل واحد منهما في ضوء عصاه حتى بلغ هديه،) أي: مقصده الذي لا يحتاج بعد الوصول إلى ما يرشده، لكنّ الذي في فتح الباري والمصنّف وغيرهما أهله بدل هديه، (ورواه البخاري بنحوه في الصحيح) من رواية قتادة عن أنس: أن رجلين خرجا من عند النبيّ عَِّ، فإذا نور بين أيديهما يضيء حتى تفرّقا، فتفرّق النور معهما لفظ المناقب، ولفظه في الصّلاة وعلامات النبوّة: ومعهما مثل المصباحين يضيئان بين أيديهما فلما افترقا صار مع كل واحد منهما واحد حتى أتى أهله، قال البخاري في المناقب: وقال معمر عن ثابت عن أنس، أن أُسيد بن حضير، ورجلاً من الأنصار. وقال حماد: أخبرنا ثابت عن أنس، قال: كان أُسيد بن حضير وعباد بن بشر عند النبيّ عَّ﴾. قال الحافظ: رواية معمر، وصلها عبد الرزّاق عنه ومن طريقه الإسمعيلي بلفظ فذكره أعني الحافظ مثل سياق المصنّف، قال: ورواية حماد وصلها أحمد والحاكم بلفظ: إن أُسيد بن حضير، وعبّادًا كانا عند النبيّ عَّه في ليلة ظلماء حندس، فلما خرجا أضاءت عصا أحدهما، فمشيا في ضوئها، فلمّا افترقت بهما الطرق، أضاءت عصا الآخر. (وأخرج البخاري في تاريخه، والبيهقي وأبو نعيم عن حمزة،) بحاء مهملة، ابن عمرو بن عويمر بن الحرث بن سعد (الأسلميّ،) المدني، كنيته أبو صالح، وقيل: أبو محمد، صحابي جليل، سأل النبيّ عَّةِ عن الصّوم في السفر، وكان يسرد الصوم، روى عنه أبو مراوح، مات سنة إحدى وستّين، وله إحدى وسبعون، وقيل: ثمانون له في مسلم، والترمذي، والنسائي، وعلّق له البخاري، (قال: كنّا مع النبيّ ◌َّله في سفر، فتفرقنا في ليلة ظلماء، فأضاءت أصابعي حتى جمعوا عليها ظهرهم،) أي: ركابهم، (وما هلك)،) أي: أشرف على الهلاك (منهم،) بسبب تفرّقهم لما أصابهم من شدّة الظلمة، وقد ساقه الشاميّ بلفظ: وما سقط من متاعهم، وعزاه لمن عزاه له المصنّف، فلعلّهما روايتان، (وإن أصابعي لتنير،) بضمّ التاء من أنار، أي: تضيء. ٩١ الفصل الثاني: فيما خصّه اللَّه تعالى به ومما أعطيه موسى عليه السلام أيضًا انفراق البحر له، أعطي نبينا محمد عَّ انشقاق القمر - كما مر - فموسى تصرف في عالم الأرض وسيدنا محمّد عَِّ تصرف في عالم السماء، والفرق بينهما واضح، وقال ابن المنير. وذكر ابن حبيب أن بين السماء والأرض بحرًا يسمى المكفوف، تكون بحار الأرض بالنسبة إليه كالقطرة من البحر المحيط، قال: فعلى هذا يكون ذلك البحر انفلق لنبينا عَِّ حتى جاوزه - يعني ليلة الإسراء - قال وهو أعظم من انفلاق البحر لموسى عليه الصلاة والسلام. ومما أعطيه موسى عليه الصلاة والسلام إجابة دعائه، أعطي نبينا معَ له من ذلك ما لا يحصى. (وممّا أُعطيه موسى عليه السّلام أيضًا انفراق البحر له، أعطى نبيّا عَ لِّ انشقاق القمر، كما مرّ؛) فهو نظيره، بل أعظم، (فموسى تصرّف في عالم الأرض) بضربه البحر بالعصا، كما أمره الله فانفلق، (وسيّدنا محمّد عَِّ تصرّف في عالم السماء) لما سأل الله انشقاق القمر حين طلبوه منه تعنًّا، (والفرق بينهما واضح). قال ابن المنير: فإذا عرضت الآيتين على العقول حقّ العرض، سمت آية السماء على آية الأرض، (وقال ابن المنير) في معراجه: (وذكر ابن حبيب) محمد الأخباري: (أن بين السماء والأرض بحرًا يسمّى المكفوف، تكون بحار الأرض بالنسبة إليه كالقطرة من البحر المحيط) بالدنيا، وهو الملح. (قال) ابن المنير: (فعلى هذا) الذي ذكره ابن حبيب، إن صح (يكون ذلك البحر انفلق لنبيَّا مَِّ حتى جاوزه،) أي: قطعه وفارقه، (يعني: ليلة الإسراء،) ومقتضى انفلق؛ أنه صار فرقتين، كما افترق لموسى فرقًا بينهما مسالك، (قال: وهو أعظم من انفلاق البحر لموسى عليه الصّلاة والسّلام؛) لأن بحار الأرض قد يقع فيها زوال الماء في مواضع منها، بحيث تصير فرقًا يمشي في الأرض التي بينها والبحر الذي بين السماء والأرض، لا مقرّ له من الأرض حتى يسلك فيه، بل هو على صفة اللَّه أعلم بها. (وممّا أعطيه موسى عليه الصّلاة والسّلام إجابة دعائه) في نحو قوله: ﴿ربّ اشرح لي صدري ويسر لي أمري، واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي، واجعل لي وزيرًا من أهلي﴾ الآية، قال اللَّه تعالى: ﴿قد أوتيت سؤلك يا موسى﴾ ﴿ربنا اطمس على أموالهم﴾ الآية، (أُعطى نبيّا عَّ. من ذلك) إجابة دعائه (ما لا يحصى، وممّا أُعطيه موسى عليه ٩٢ الفصل الثاني: فيما خصّه اللَّه تعالى به ومما أعطيه موسى عليه الصلاة والسلام تفجير الماء له من الحجارة، أعطي سيدنا محمد عَّ أن الماء تفجر من بين أصابعه، وهذا أبلغ لأن الحجر من جنس الأرض التي ينبع الماء منها، ولم تجر العادة بنبع الماء من اللحم، ويرحم الله القائل: وكل معجزة للرسل قد سلفت وافى بأعجب منها عند إظهار فما العصا حية تسعى بأعجب من شكوى البعير ولا من مشي أشجار ولا انفجار معين الماء من حجر أشد من سلسل من كفه جار ومما أعطيه موسى عليه الصلاة والسلام الكلام، أعطي سيدنا محمد عد اله مثله ليلة الإسراء وزيادة الدنو والتدلي، وأيضًا كان مقام المناجاة في حق نبينا عَّه فوق السموات العلى وفوق سدرة المنتهى، والمستوى، وحجب النور والرفوف، ومقام الصّلاة والسّلام تفجير الماء له من الحجارة؛) كما قال تعالى: ﴿وإذا استسقى موسى لقومه فقلنا، اضرب بعصاك الحجر، فانفجرت منه اثنتا عشرة عينًا﴾ الآية، (أعطى سيّدنا محمّد عَّ أن الماء تفجّر من بين أصابعه، وهذا أبلغ) في المعجزة؛ (لأن الحجر من جنس الأرض التي ينبع الماء منها،) بل قال تعالى: ﴿وإنّ من الحجارة لما يتفجّر منه الأنهار، وإن منها لما يُشقق فيخرج منه الماء﴾ الآية، (ولم تجرِ العادة بنبع الماء من اللّحم،) بل لم يقع لغير المصطفى، كما مرّ، (ويرحم الله القائل: وكل معجزة للرّسل قد سلفت، وافى:) أتى (بأعجب منها عند إظهار) اللَّه تعالى له، وتأييده بالمعجزات، (فما العصا حيّة) حال موطئة، (تسعى) صفتها (بأعجب) خبر ما، (من شكوى البعير، ولا من مشي أشجار،) بل هما أعجب، (ولا انفجار معين الماء من حجر،) من إضافة الصفّة للموصوف (أشدّ:) أقوى في المعجزة (من سلسل من كفّه)) متعلّق بقوله: (جار،) بل هو أشدّ. (وممّا أعطيه موسى عليه الصّلاة والسّلام الكلام أعطي سيّدنا محمّد عَّ مثله ليلة الإسراء، وزيادة الدنو) مجاز عن القرب المعنوي لإظهار منزلته عند ربّه، (والتدلّي:) طلب زيادة القرب؛ كما قال بعضهم: فليس عطف تفسير، والمقصود كما في البيضاوي تمثيل ملكة الاتّصال، وتحقيق استماعه لما أوحي إليه بنفي البعد الملبس، (وأيضًا كان مقام المناجاة في حقّ نبيّا عَّهِ فوق السموات العلا وفوق سدرة المنتهى والمستوى) الذي سمع فيه صريف الأقلام، (وحجب النور) بالنسبة للمخلوق (والرفرف،) أي: البساط، قاله المصنّف، (ومقام ٩٣ الفصل الثاني: فيما خصّه اللَّه تعالى به المناجاة لموسى عليه الصلاة والسلام طور سيناء. وأما ما أعطيه لهرون عليه الصلاة والسلام من فصاحة اللسان، فقد كان نبينا معَّهِ من الفصاحة والبلاغة بالمحل الأفضل والموضع الذي لا يجهل. ولقد قال له بعض أصحابه: ما رأينا الذي هو أفصح منك فقال: وما يمنعني وإنما أنزل القرءان بلساني، لسان عربيّ مبين. وقد كانت فصاحه لهرون غايتها في العبرانية، والعربية أفصح منها. وهل كانت فصاحة هرون معجزة أم لا؟ قال ابن المنير: الظاهر أنها لم تكن معجزة، ولكن فضيلة، المناجاة لموسى عليه الصّلاة والسّلام طور سيناء:) جبل موسى بين مصر وأيلة، وقيل: بفلسطين، ولا يخلو من أن يكون الطور اسمًا للجبل، وسيناء: اسم بقعة أضيف إليها، أو المركب منهما علم له كامرىء القيس، كما في البيضاوي. (وأمّا ما أعطيه لهرون عليه الصّلاة والسّلام من فصاحة اللّسان)، أي: القدرة على النطق بلا ركّة، ولا تلعثم، ومن بلاغة الألفاظ التي يؤدى بها، لأنها التي تحسن المقابلة بينها وبين فصاحة المصطفى، فالمراد بالّسان الجارحة واللغة معًا، لا الجارحة فقط بدليل قوله الآتي: فصاحة هرون غايتها في العبرانية، إذ العبرانية لغة لا آلة، (فقد كان نبيّا عَّم من الفصاحة والبلاغة بالمحل الأفضل، والموضع الذي لا يجهل،) بل يعلمه كل أحد لما فيه من البلاغة المشاهدة لكل من سمعه، وبالجملة فلا يحتاج العلم بفصاحته إلى شاهد، ولا ينكرها موافق ولا معاند، (ولقد قال له بعض أصحابه: ما رأينا الذي هو أفصح منك؟،) أي: ما رأينا أحدًا هو أفصح منك، بل أنت أفصح من رأيناه على مفاد النفي عرفًا، وإن صدق لغة بالتساوي، وأمّا إشعاره بأن ثم أفصح منه، لكنهم لم يروه، فليس بمراد إذ يأباه سياقه في مقام المدح، (فقال: وما يمنعني،) أي: شىء يمنعني من بلوغ الغاية القصوى في الفصاحة والتميّز فيها عن سائر الخلق، بحيث لا يساويني، بل ولا يقاربني فيها أحد، (وإنما أُنزل القرآن بلساني،) أي: لغتي جملة حالية، قصد بها تحقيق ما انتهى إليه من الفصاحة (لسان،) بدل ممّا قبله (عربيّ مبين،) نعت له، وذكر لسان نظر الكون اللغة لفظًا، (وقد كانت فصاحة لهرون غايتها في) لغته (العبرانية،) بكسر العين (والعربية أفصح منها) ومن غيرها، (وهل كانت فصاحة لهرون معجزة أم لا؟). (قال ابن المنير) في المعراج: (الظاهر أنها لم تكن معجزة، ولكن فضيلة؛) لأن حكم الفصاحة مطلقًا الظفر، وإقامة الحجّة، وكبت الخصوم، وإفهامهم، وإفحامهم، وإظهار نقائص ٩٤ الفصل الثاني: فيما خصّه اللَّه تعالى به ولم يتحد نبي من الأنبياء بالفصاحة إلا نبينا عَِّ، لأن هذه الخصوصية لا تكون لغير الكتاب العزيز، وهل فصاحته عّلّم في جوامع الكلم التي ليست من التلاوة ولكنها معدودة من السنة، هل تحدّى بها أم لا؟ وظاهرقوله عليه الصلاة والسلام: ((أوتيت جوامع الكلم)) أنه من التحدث بنعمة الله تعالى عليه وخصائصه، ولا خلاف أنها باعتبار ما اشتملت عليه من الإخبار بالمغيبات ونحوها معجزة. وأما ما أعطيه يوسف عليه الصلاة زالسلام من شطر الحسن، فأعطي نبينا معَّ ◌ُلِّ الحسن كله، وستأتي الإشارة إلى ذلك إن شاء الله المتبوعين عند الاتّباع، ودرء الشبهة، ودفع الشكوك، كما بسطه ابن المنير، قائلاً: (ولم يتحد نبيّ من الأنبياء بالفصاحة إلّ نبيّا مَّه، لأن هذه الخصوصيّة لا تكون لغير الكتاب العزيز؛) لأن غيره لا يقاربه في الفصاحة، ولم يقصد به الإعجاز، وهذا مستأنف لبيان الواقع، ويحتمل أنه عطف علّة على معلول، يعني أن فصاحته ليست معجزة، لأنها ما تحدّى بها، ولم يثبت أن غير نبيّنا تحدّى بذلك، لكن إنما يتمّ هذا لو كان التحدّي شرطًا، مع أنه ليس بشرط، بل يكفي وقوعها بعد دعوى النبوّة، سواء طلب المعارضة به أم لا، وإلاّ لزم أن أكثر الخوارق ليست معجزة، إذ لم يتحد بغير القرءان، كما مرّ. (وهل فصاحته،) أي: نبينا (عليه السّلام،) ولفظ ابن المنير: واختلف الناس في فصاحته (في جوامع الكلم التي ليست من التلاوة،) أي: القرءان، (ولكنّها معدودة من السنّة، هل تحدّى بها أم لا؟،) كذا في النسخ الصحيحة: هل بلا واو، بدل مفصل من مجمل قوله: أو لا، وهل فصاحته، فهو مساو لجعل ابن المنير قوله: هل بيانًا لقوله: اختلف، فما يوجد في بعض نسخ المصنف، وهل تحدّى بزيادة واو فيه شيء، ويحتاج إلى تقدير خبر لقوله: أو لا هل فصاحته، أي: معجزة أم لا؟ (وظاهر قوله عليه الصلاة والسلام: ((أُوتيت جوامع الكلم))، أنه من التحدّث بنعمة اللَّه تعالى عليه،) ومزاياه، عنده (وخصائصه،) فهو دليل القول؛ بأنه لم يتحدّ بها، (ولا خلاف أنها باعتبار ما اشتملت عليه من الأخبار بالمغيبات ونحوها معجزة) كالقرءان، ولا يضرّ اشتماله على بلاغات تزيد عليها؛ لأن الكلام، وإن بلغ أعلى طبقات البلاغة، أو قارب تتفاوت مراتبه. (وأمّا ما أعطيه يوسف عليه الصّلاة والسّلام من شطر الحسن،) أي: نصفه، (فأعطي نبينا ◌َِّ الحسن كلّه،) لكن مهابته منعت رؤيته على وجهه، ولذا قال القرطبي: لم يظهر لنا تمام حسنه، لأنه لو ظهر ما أطاقت الأعين رؤيته عَلَّهِ، (وستأتي الإشارة إلى ذلك إن شاء اللّه ٩٥ الفصل الثاني: فيما خصّه اللَّه تعالى به في مقصد الإسراء، ومن تأمل ما نقلته في صفته عليه الصلاة والسلام تبين له من ذلك التفضيل لنبينا على كل مشهور بالحسن في كل جيل. وأما ما أعطيه يوسف عليه الصلاة والسلام أيضًا من تعبيره الرؤيا، فالذي نقل عنه من ذلك ثلاث منامات، إحداها: حين رأى أحد عشر كوكبًا والشمس والقمر، والثاني: منام صاحبي السجن، والثالث: منام الملك، وقد أعطي نبينا عَِّ من ذلك ما لا يدخله الحصر، ومن تصفح الأخبار وتتبع الآثار وجد من ذلك العجب العجاب، وستأتي تعالى في مقصد الإسراء، ومن تأمّل ما نقلته في صفته عليه الصّلاة والسّلام) فيما مرّ أوّل المقصد الثالث، (تبيّ له من ذلك التفصيل،) بصاد مهملة التبيين (التفضيل،) بمعجمة: فاعل تبين (لنبينا على كل مشهور بالحسن في كل جيل،) بالجيم. (وأمّا ما أعطيه يوسف عليه الصّلاة والسّلام أيضًا من تعبيره الرؤيا، فالذي نقل عنه من ذلك) في القرآن (ثلاث منامات، إحداها: حين رأى أحد عشر كوكبًا) هي الجریان، وطارق، والذيال، وذو الكتفين، وقابس، ووثاب، وعمودان، والفيلق، والمصبح، والضروح، وذو الفرع، أخرجه الحاكم في مستدركه مرفوعًا، كما في المبهمات، (والشمس والقمر،) فعيّرهم بأبويه وأخوته. (والثاني: منام صاحبي السجن،) وهما غلامان للملك، أحدهما ساقيه، والآخر صاحب طعامه، رأياه يعبّر الرؤيا، فقالا: لنختبرّنه، قال الساقي: إني أراني أعصر خمرًا، وقال صاحب الطعام: إني أراني أحمل فوق رأسي خبزًا تأكل الطير منه، فأوّله بأن الساقي يخرج بعد ثلاث، فيسقي سيده خمرًا على عادته، وأمّا الآخر فيخرج بعد ثلاث، فيصلب، فتأكل الطير من رأسه، فقالا: ما رأينا شيئًا، قال قضي الأمر الذي فيه تستفتيان. (والثالث: منام الملك) ملك مصر الريّان بن الوليد: إني أرى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأُخر، أي: سبع سنبلات يابسات، قال: تزرعون سبع سنين دأبًا، أي: متتابعة، وهذا تأويل السبع السمان، والسنبلات الخضر، ثم يأتي من بعد ذلك سبع شداد، أي: مجدبات، وهي تأويل السبع العجاف واليابسات. (وقد أعطي نبيّا عَلٍَّ من ذلك ما لا يدخله الحصر،) أي: يضبطه، هذا هو المراد لا الدخول الذي هو الظرف، (ومن تصفّح الأخبار وتتبع الآثار، وجد من ذلك العجب العجاب،) وإنما لم يوصف بعلم التعبير لاشتغاله بما هو أهمّ منه من بيان الشرع والجهاد وغير ذلك، ويوسف عليه السّلام عبّر للملك وقت الحاجة، ولصاحبي السجن، فوصف به (وستأتي ٩٦ الفصل الثاني: فيما خصّه اللّه تعالى به نبذة من ذلك إن شاء الله تعالى. وأما ما أعطيه داود عليه الصلاة والسلام من تليين الحديد له، فكان إذا مسح الحديد لان، فأعطي نبينا مُّ أن العود اليابس اخضر في يده وأورق، ومسح عَ لّه شاة أم معبدة الجرباء، فدرت. وأما ما أعطيه سليمن عليه الصلاة والسلام من كلام الطير وتسخير الشياطين والريح، والملك الذي لم يعطه أحد من بعده، فقد أعطي نبذة،) بضم النّون (من ذلك إن شاء اللّه تعالى) في الفصل الثاني من المقصد الثامن. (وأمّا ما أعطيه داود عليه الصّلاة والسّلام من تليين الحديد له) كما قال تعالى: ﴿ولنّا له الحديد﴾ الآية، (فكان إذا مسح الحديد لان) اللَّه جعله في يده، كالعجين والشمع يمزقه كيف شاء من غير إحماء، ولا طرق بآلة أو بقوّة، (فأعطي نبيّنا محمّد عَّ؛ أن العود اليابس اخضرّ في يده وأورق، ومسح عَّ شاة أم معبدة الجرباء): صفة شاة (فدرّت)، وقصّتها في الهجرة. مرّت. (وأما ما أعطيه سليمن عليه الصّلاة والسّلام من كلام الطّير،) أي: نطقه مصدر مضاف لفاعله، أي: أن سليمن علم منطق الطير المعتاد له، لا أن الطير نفسه خرج عن عادته، فنطق بالعربية، كما وقع لنبيّنا في الظبية والذئب، بل وفي الجماد وغيره، فإنه لم يرد نطق الطير لسليمن وإنما فهم سليمن من تصويته معنى، كما أشار إليه البيضاوي في قوله تعالى: ﴿وعلّمنا منطق الطير﴾ الآية، إذ قال: ولعلّ سليمن مهما سمع صوته علم بقوّته القدسية النخيل الذي صوّته، والغرض الذي توجّاه به، ومن ذلك ما حكي؛ أنه مرّ ببلبل يصوّت ويرقص، فقال: يقول إذا أكلت نصف ثمرة فعلى الدنيا العفاء، وصاحت فاختة، فقال: إنها تقول ليت الخلق لم يخلقوا، فلعلّ صوت البلبل كان عن شبع وفراغ بال، وصياح الفاختة عن مقاساة: شدّة وتألّم قلب، (وتسخير الشياطين)، كما قال: ﴿ومن الشياطين من يغوصون له ويعملون عملاً دون ذلك وكنّا لهم حافظين﴾ الآية، أي: من أن يفسدوا ما عملوا، لأنهم إذا فرغوا من العمل قبل الليل أفسدوه، إن لم يشتغلوا بغيره، وكما قال: والشياطين كل بناء وغوّاص وآخذت مقرنين في الأصفاد، أي: بيني الأبنية العجيبة، وغواص في البحر يستخرج اللؤلؤ، ومقرنين مشدودين في الأصفاد: القيود بجمع أيديهم إلى أعناقهم ليكفّوا عن الشرّ (والريح،) كما قال: ﴿فسخّرنا له الريح تجري بأمره رخاء﴾ الآية، أي: لينة حيث أصاب، أي: أراد ولسليلمن الريح غدوّها شهر، ورواحها شهر، (والملك الذي لم يعطه أحد من بعده، فقد أعطي سيّدنا محمّد عَّ مثل ذلك وزيادة،) ٩٧ الفصل الثاني: فيما خصّه اللَّه تعالى به سیدنا محمد عێ مثل ذلك وزيادة. أما كلام الطير والوحش فنبينا عَة كلمه الحجر، وسبح في كفه الحصى، وهو جماد، وكلمه ذراع الشاة المسمومة - كما تقدم في غزوة خيبر -، وكذلك كلمه الظبي وشكا إليه البعير - كما مر -. وروي أن طيرًا أفجع بولده فجعل يرفرف على رأسه ويكلمه فيقول: أيكم فجع هذا بولده، فقال رجل أنا فقال: اردد ولده. ذكره الرازي ورواه أبو داود بلفظ: كنا مع النبي ◌َّه في سفر فانطلق لحاجته، فرأينا حمرة معها فرخان، فأخذنا فرخيها، فجاءت الحمرة فجعلت تفرش - أي تدنو - من الأرض، فجاء النبي ◌َ ◌ّه فقال: من فجع هذه بولدها؟ ردوا ولدها إليها، الحديث. وبيّته بقوله: (أمّا كلام الطير والوحش، فنبيّا عَّ كلّمه الحجر) بكلام فهمه المصطفى وغيره، (وسبح في كفّه الحصى) حتى سمعه الحاضرون، (وهو جماد،) فهو أبلغ إعجازًا، (وكلّمه ذراع الشاة المسمومة، كما تقدّم في غزوة خيبر،) وهو قويّ في الإعجاز، أبلغ من إحياء الإنسان الميت، لأنه جزء حیوان دون بقیته، فهو معجزة لو كان متّصلاً بالبدن، فكيف وقد أحياه وحده منفصلاً عن بقيته مع موت البقيّة، وأيضًا فقد أعاد عليه الحياة مع الإدراك والعقل، ولم يكن يعقل في حياته، فصار جزؤه حيًّا عاقلاً، وأقدره اللَّه على النطق والكلام، ولم يكن حيوانه يتكلّم، وهذا أبلغ من إحياء الموتى لعيسى، وإحياء الطيور لإبراهيم، (وكذلك كلّمه الظبي) والضبّ، وسمعه حاضروه، (وشكا إليه البعير، كما مرّ) قريبًا. (وروي؛ أن طيرا أفجع) أصيب (بولده، فجعل يرفرف:) يبسط جناحيه، يريد أن يقع (على رأسه) عَّه بدليل قوله: (ويكلّمه، فيقول: ((أيّكم، فجع هذا بولده))؟، فقال رجل: أنا، فقال: ((اردد ولده))، ذكره الرازي) الإمام فخر الدّين، (ورواه أبو داود،) والحاكم، وصححه عن ابن مسعود، (بلفظ: كنا مع النبيّ عَهُ في سفر، فانطلق لحاجته، فرأينا حمرة،) بضمّ الحاء المهملة، وشدّ الميم المفتوحة، وقد تخفّف، وبالراء ضرب من الطير، كالعصفور، (معها فرخان فأخذنا فرخيها، فجاءت الحمرة، فجعلت تفرش،) بضم الراء وكسرها، (أي: تدنو من الأرض، فجاء النبيّ ◌َّله)) وفي رواية الطيالسي والحاكم: فجاءت الحمرة ترف على رسول اللّه وأصحابه، (فقال: ((من فجع هذه بولدها؟ ردّوا ولدها إليها)) الحديث،) تتمّته: ورأى قرية نمل قد حرقناها، فقال: ((من حرق هذه)؟، قلنا: نحن، قال: ((إنه لا ينبغي أن يعذّب بالنار إلاّ ر"، النار))، وقرية النمل موضعه. ٩٨ الفصل الثاني: فيما خصّه اللَّه تعالى به وقصة كلام الذئب مشهورة. وأما الريح التي كانت غدوّها شهر ورواحها شهر، تحمله أين أراد من أقطار الأرض، فقد أعطي سيدنا محمد عَِّ البراق الذي هو أسرع من الريح، بل أسرع من البرق الخاطف، فحمله من الفرش إلى العرش في ساعة زمانية، وأقل مسافة في ذلك سبعة آلاف سنة، وتلك مسافة السموات، وأما إلى المستوى وإلى الرفرف فذلك ما لا يعلمه إلا الله. وروى الطيالسي، والحاكم، وصححه عن ابن مسعود: كنّا عند النبيّ عَ ◌ّهِ، فدخل رجل غيضة، فأخرج منها بيض حمرة، فجاءت الحمرة ترفّ على رسول اللَّه عَ له وأصحابه، فقال عَ له: ((أيّكم فجع هذه)؟. فقال رجل: أنا يا رسول اللَّه، أخذت بيضها، وفي رواية الحاكم: أخذت فرخيها، فقال: «ردّه رحمةً لها). وروى الترمذي، وابن ماجه، عن عامر الرام: أن جماعة من الصحابة دخلوا غيضة، فأخذوا فرخ طائر، فجاء الطير إلى رسول اللَّه عَّهِ يرفّ، فقال: ((أيّكم أخذ فرخ هذا))؟، فأمره أن يرده فردّه، وحكمة الأمر بالردّ؛ أنها لما استجارت به أجارها، فوجب ردّها، واحتمال كونهم محرمين بعيد مع قوله: رحمة لها، (وقصّة كلام الذئب) بكلام الإنس العربي (مشهورة،) وتقدّمت قريبًا. (وأمّا الريح التي كانت غدوّها) سيرها من الغدوة بمعنى الصباح إلى الزوال (شهر)) أي: مسيرته، (ورواحها،) أي: سيرها من الزوال إلى الغروب (شهر تحمله أين أراد من أقطار الأرض،) قال الحسن: كان يغدو من دمشق، ويقيل باصطخر، وبينهما شهر للراكب المسرع، ثم يروح من اصطخر، فيبيت بكابل، وبينهما مسيرة شهر، (فقد أعطي سيّدنا محمّد عَّ البراق،) بضمّ الموحدة (الذي هو أسرع من الريح، بل أسرع من البرق الخاطف، فحمله من الفرش إلى العرش) عرش الرحمن (في ساعة زمانيّة، وأقلّ مسافة في ذلك سبعة آلاف سنة، وتلك مسافة السموات؛) لأن بين كل سماء وسماء خمسمائة عام، وسمك كل سماء خمسمائة، فهي سبعة آلاف. (وأمّا إلى المستوى وإلى الرفرف، فذلك ما لا يعلمه إلاّ اللَّه))) وفي الشاميّة أعطي البراق سارية، مسيرة خمسين ألف سنة في أقلّ من ثلث ليلة، انتهى، وهذا كلّه على أحد القولين: أن العروج إلى السموات كان على البراق، والصحيح الذي تقرّر من الأحاديث الصحيحة؛ كما قال السيوطي وغيره: إنه كان على المعراج الذي تعرج عليه أرواح بني ادم، ولذا قال ابن كثير: لما فرغ من أمر بيت المقدس، نصب له المعراج، وهو السلم، فصعد فيه إلى السماء، ولم يكن ٩٩ الفصل الثاني: فيما خصّه اللَّه تعالى به وأيضًا: فالريح سخرت لسليمن لتحمله إلى نواحي الأرض، ونبينا عَِّ زويت له الأرض - أي جمعت - حتى رأى مشارقها ومغاربها، وفرق بين من يسعى إلى الأرض، وبين من تسعى له الأرض. وأما ما أعطيه من تسخير الشياطين فقد روي أن أبا الشياطين إبليس اعترض سيدنا محمد عَّ وهو في الصلاة، فأمكنه الله منه وربطه بسارية من سواري المسجد. وخير مما أوتيه سليمن من ذلك إيمان الجن بمحمد عليه، فسليمن استخدمهم ومحمد استسلمهم. الصعود على البراق، كما قد يتوهّم بعض الناس، بل كان البراق مربوطًا على باب مسجد بيت المقدس ليرجع عليه إلى مكّة، (وأيضًا فالريح سخّرت لسليمن لتحمله إلى نواحي الأرض، ونبيها عَّه) لا يحتاج إلى ذلك؛ لأنه (زويت له الأرض،) بالزاي المنقوطة، أي: جمعت (حتى رأى مشارقها ومغاربها،) وما يبلغه ملك أُمّته منها، (وفرّق بين من يسعى إلى الأرض، وبين من تسعى له الأرض،) وهو المصطفى. (وأمّا ما أعطيه من تسخير الشياطين) في الأعمال الشاقّة، كالبناء والغوص يعملون له ما يسار من محاريب، وهي أبنية مرتفعة، يصعد إليها بدرج وتماثيل: جمع تمثال وهو كل شيء مثلته بشىء، أي: صورًا من نحاس وزجاج، ورخام ولم يكن اتّخاذ الصور حرامًا في شريعته، وجفان: جمع جفنة، كالجوابي: جمع جابية، وهي حوض كبير يجتمع على الجفنة ألف رجل يأكلون منها، وقدور راسيات ثابتات، لها قوائم لا تحرّك عن أماكنها، تتّخذ من الجبال باليمن، يصعد إليها بسلالم. (فقد روي أن أبا الشياطين إبليس اعترض سيّدنا محمّد عَّ وهو في الصلاة، فأمكنه اللَّه منه، وربطه بسارية من سواري المسجد) النبويّ، لكن الذي روى البخاري عن أبي هريرة عن النبيّ عَّه، قال: ((إن الشيطان عرض لي، فشدّ عليّ ليقطع الصّلاة عليَّ، فأمكنني الله منه فذعته، ولقد هممت أن أوثقه إلى سارية حتى تصبحوا فتنظروا إليه، فذكرت قول سليمان: ﴿ربّ هب لي ملكًا لا ينبغي لأحد من بعدي﴾ الآية، فردّه اللَّه خاسًا)، وأخرجه مسلم والبخاري أيضًا بلفظ: أن عفريتًا من الجنّ تفلّت عليّ البارحة ليقطع عليّ الصّلاة، فذكره، وهذا ظاهر في أن المراد غير إبليس، كما قال الحافظ: وهو نصّ في أنه تمكّن منه، لكنه لم يربطه مراعاة لسليمن وذعته، بذال معجمة، وعين مهملة خفيفة، وفوقيّة ثقيلة: خنقته خنقًا شديدًا، (وخير ممّا أوتيه سليمن من ذلك) التسخير (إيمان الجنّ بمحمّد عَّ، فسليمن استخدمهم،) ولم يؤمنوا به، (والنبيّ عَِّ استسلمهم،) ولا شىء أعلى من الإسلام. ١٠٠ الفصل الثاني: فيما خصّه اللَّه تعالى به وأما عد الجن من جنود سليمن في قوله تعالى: ﴿وحشر لسليمن جنوده من الجن﴾ [النمل/١٧]، فخير منه عد الملائكة، جبريل ومن معه من جملة أجناده عليه الصلاة والسلام باعتبار الجهاد وباعتبار تكثير السواد على طريقة الأجناد. وأما عد الطير من جملة أجناده، فأعجب منه حمامة الغار وتوكيرها في الساعة الواحدة، وحمايتها له من عدوه، والغرض من استكثار الجند إنما هو الحماية، وقد حصلت من أعظم شىء بأيسر شىء. وأما ما أعطيه من الملك، فنبينا عَّه خيّر بين أن يكون نبيًا ملكًا أو نبيًّا عبدًا، فاختار عَّ له أن يكون نبيًا عبدًا، ولله در القائل: يا خير عبد على كل الملوك ولي وأما ما أعطيه عيسى عليه الصلاة والسلام من إبراء الأكمة والأبرص وإحياء (وأمّا عد الجن من جنود سليمن في قوله تعالى: ﴿وحشر لسليمن جنوده من الجنّ والإنس﴾ [النمل /١٧] الآية،) والطير في مسير له فهم له يوزعون، أي: يجمعون، ثم يساقون، (فخير منه عدّ الملائكة جبريل ومن معه من جملة أجناده عليه السّلام، باعتبار الجهاد) في بدر العظمى، (وباعتبار تكثير السواد) في غيرها لإرهاب العدوّ (على طريقة الأجناد)، كما وقع في أُحد والخندق وحنين؛ كما مرّ بيانه في محاله. (وأمّا عدّ الطير من جملة أجناده) في الآية الكريمة، (فأعجب منه حمامة الغار،) أي: جنسها، فلا ينافي كونهما حمامتين، كما مرّ في الهجرة (وتوكيرها،) أي: اتّخاذها الوكر (في الساعة الواحدة، وحمايتها له من عدوّه، والغرض من استكثار الجند إنما هو الحماية) من الأعداء، (وقد حصلت من أعظم شىء،) وهم كفّار قريش الذين خرجوا في طلبه، وجعلوا مائة ناقة لمن ردّه أو قتله (بأيسر شىء،) وهو تعشيش الحمامة، (وأمّا ما أعطيه من الملك) بطلبه، (فنبينا عَظُلٍ خير،) بلا طلب (بين أن يكون نبيًّا ملكًا، أو نبيًّا عبدًا،) أو بمعنى الواو؛ كقوله: قوم إذا سمعوا الصريخ رأيتهم ما بين ملجم مهره أو سافع لأن بين ظرف مبهم لا يبين معناه إلا بإضافته إلى اثنين فصاعداً، أو ما يقوم مقام ذلك؛ كقوله: عوان بين ذلك، كما بيّ في موضعه)، (فاختار عَِّ أن يكون نبيًّا عبدًا، وللَّه درّ القائل: يا خير عبد على كل الملوك ولّي،) أي: جعلت له الولاية عليهم، وكفى بذلك شرفًا. وأمّا ما أعطيه عيسى عليه الصّلاة والسّلام من إبراء الأكمه،) الذي ولد أعمى،