Indexed OCR Text
Pages 61-80
٦١ إبراء ذوي العاهات وإحياء الموتى فشربوا حتى رووا، وبقي كأنه لم يشرب منه، رواه في الشفاء. [إبراء ذوي العاهات وإحياء الموتى وكلام الصبيان وشهادتهم له بالنبوة] ومن ذلك: إبراء ذوي العاهات، وإحياء الموتى، وكلامهم له، وكلام الصبيان وشهادتهم له بالنبوة. روى البيهقي في الدلائل: أنه عَِّ دعا رجلاً إلى الإسلام، فقال: لا أومن بك حتى يحيي لي ابنتي، فقال عَّله: أرني قبرها، فأراه إياها، فقال ◌َِّ: يا فلانة، بضم المهملة الأولى: قدح من خشب يروي الثلاثة والأربعة، أي: من لبن طلبه من أهله لهم، (فشربوا) منه (حتى رووا، وبقي كأنه لم يشرب منه) شىء، (رواه،) أي: ذكره بلا إسناد (في الشفاء،) وقد أخرجه أحمد والبيهقي بسند جيّد مطوّلاً عن عليّ. إبراء ذوي العاهات وإحياء الموتى وكلامهم له وكلام الصبيان وشهادتهم له بالنبوّة (ومن ذلك إبراء ذوي العاهات،) أي: الآفات: جمع عاهة، وهي في تقدير فعلة، بفتح العين، (وإحياء الموتى،) مصدر مضاف لمفعوله، والفاعل اللَّه، أو النبيّ عَلِّ؛ لأنه سببه، وإن كان الفاعل الحقيقي هو الله، وهو من أعظم معجزاته عَّةٍ، ولذا قال في البردة: لو ناسبت قدره آياته عظمًا أحيا اسمه حين يدعى دارس الرمم ومعناه: أنه لا يعدّ شىء من معجزاته عظيمًا بالنسبة إليه، إلاّ أن يكون كل أحد لو دعا باسمه وتوسّل في إحياء الموتى، وقع له ذلك واستشكل بأن منها القرءان، وفي حديث آية من كتاب اللَّه خبر من محمّد وآله، فكيف لا يكون فيها ما يناسب قدره شرفًا، وأجيب: بأن المراد ما أحدثه اللَّه على يديه والقرءان صفة قديمة للَّه، لكنّ الحديث المذكور، قال الحافظ وغيره: لم أقف عليه، (وكلامهم له) بدون إحياء، فالعطف مغاير لا خاصّ على عام؛ كما توهم، (وكلام الصبيان) الذين لم يصلوا لسن التكلّم، ولذا عطف على كلام الموتى؛ لأنه ليس من شأنهم الكلام، وأخّره لأنهم أحياء، شأنهم الكلام في الجملة، فهو دونه مرتبة، (وشهادتهم له بالنبوّة،) أي: قول من في المهد أنك نبيّ اللَّه ورسوله، وعطفه على ما قبله خاص على عامّ، وخصّهم بالذكر؛ لأن نطقهم نفسه معجزة، وإيمان الموتى به بعد إحيائهم ليس مقصودًا بكونه معجزة، بل المقصود من حيث كونه معجزة نفس الإحياء، وإزالة المرض عن ذوي العاهات. (روى البيهقي في الدلائل) النبوّية عن (أنه عَِّ دعا رجلاً إلى الإسلام، فقال: لا أؤمن بك حتى يحيي لي ابنتي، فقال النبيّ عَّلهُ: ((أرني قبرها))، فأراه إياه، فقال ◌َّ: ((يا فلانة،) أي: ناداها باسمها الخاص؛ كما في رواية: فنسى الراوي اسمها، فكنى بفلانة، ٦٢ إبراء ذوي العاهات وإحياء الموتى فقالت: لبيك وسعديك. فقال معَّ له: أتحبين أن ترجعي؟ فقالت: لا والله يا رسول الله، إني وجدت الله خيرًا لي من أبوي، ووجدت الآخرة خيرًا لي من الدنیا. وروى الطبري عن عائشة أن النبي عَّ نزل الحجون كئيبًا حزينًا، فأقام به ما شاء الله ثم رجع مسرورًا قال: سألت ربي عز وجل فأحيا لي أمي فآمنت بي ثم ردها. وكذا روى من حديث عائشة أيضًا إحياء أبويه معَِّ حتى آمنا به، أورده السهيلي في الروض، وكذا الخطيب في السابق واللاحق، (فقالت:) وقد خرجت من قبرها، (لبّيك:) إجابة لك بعد إجابة، (وسعديك:) إسعادًا، لك بعد إسعاد، ومعناه سرعة الإجابة والانقياد، (فقال ◌َ له: ((أتحبّين أن ترجعي))؟،) كذا في نسخ وهي ظاهرة، وفي بعضها: أن ترجعين بالنون، وهي لغة؛ كقوله: إن تقرآن على أسماء ويحكما مني السلام وأن لا تشعرا أحدًا (فقالت: لا واللَّه يا رسول اللَّه)) لا أحب ذلك، (إني وجدت الله) حين انتقلت إلى دار كرامته (خيراً لي من أبوي) وما عندهما (ووجدت الآخرة خيراً لي من الدنيا) لما فيها من التعب، وفيه إن صح: أن أطفال الكفار غير معذّبين، وهو الأصح، وهذه القصّة أوردها في الشفاء، بلفظ: وعن الحسن، أي: البصري: أتى رجل النبيّ معَّله، فذكر أنه طرح بنية له في وادي كذا، فانطلق معه إلى الوادي، وناداها باسمها: ((يا فلانة احيي بإذن اللَّه تعالى))، فخرجت وهي تقول: لبيك وسعديك، فقال لها: ((إن أبويك قد أسلما، فإن أحببت أن أردّك عليها))؟، قالت: لا حاجة لي فيهما، وجدت اللَّه خيرًا لي منهما، ولم يذكر مخرجه السيوطي من رواه. (وروى الطبري،) الحافظ، محبّ الدين، أحمد بن عبد اللَّه، بن محمد المكي، فقيه الحرم ومحدّثه، (عن عائشة: أن النبيّ عَِّ نزل الحجون) في حجّة الوداع (كئيبًا حزينًا،) صفة لازمة لكعيبًا، (فأقام به ما شاء اللَّه) أن يقوم (، ثم رجع مسرورًا، قال) يخاطب عائشة لمّا قالت له: نزلت من عندي وأنت باك، حزين، مغتمّ، فبكيت لبكائك، ثم إنك عدت إليّ وأنت فرح متبسّم، فممّ ذاك يا رسول اللَّه؟، (قال: ((سألت ربي عزّ وجلّ فأحيا لي أُمّي فآمنت بي، ثم ردّها))) إلى الموت، (وكذا روى من حديث عائشة أيضًا إحياء أبويه عٍَّ حتى آمنا به) جميعًا، (أورده السهيلي في الروض، وكذا الخطيب في) كتاب (السابق واللاحق،) أي: المتقدّم والمتأخّر، أي: المنسوخ والناسخ. ٦٣ إبراء ذوي العاهات وإحياء الموتى قال السهيلي: إن في إسناده مجاهيل، وقال ابن كثير: إنه منكر جدًا، وتقدم البحث في ذلك في أوائل المقصد الأول. وعن أنس أن شابًا من الأنصار توفي وله أم عجوز عمياء، فسجيناه وعزيناها، فقالت: مات ابني؟ قلنا: نعم، فقالت: اللَّهم إن كنت تعلم أني هاجرت إليك وإلى نبيك رجاء أن تعينني على كل شدة فلا تحملن علي هذه المصيبة، فما برحنا .. (قال السهيلي: إن في إسناده مجاهيل،) ومع ذلك قد قوّاه بقوله بعد: والله قادر على كل شىء وليس تعجز رحمته وقدرته عن شىء ونبيّه أهل أن يختصّه بما شاء من فضله، وينعم عليه بما شاء من كرامته. (وقال ابن كثير: إنه منكر،) أي: ضعيف (جدًا) لا موضوع، فالمنكر من أقسام الضعيف، (وتقدّم البحث في ذلك في أوائل المقصد الأوّل،) وقدّمت ثمّة فوائد، وأن الصواب؛ أن الحديث ضعيف، فقد تجوز روايته في الفضائل والمناقب، كما عليه الخطيب، وابن عساكر، وابن شاهين، والسهيلي، والمحب الطبري، وابن المنير، وابن سيّد الناس وغيرهم، لا موضوع كما زعم جماعة من الحفّاظ، ولا صحيح كما جازف بعض. (وعن أنس: أن شابًّا من الأنصار) لم يسمّ، (توفّي وله أُمُّ عجوز عمياء،) إشارة إلى شدّة حزنها لكبرها وعجزها المحوج لولدها، (فسجيناه،) بمهملة وجيم: غطّيناه أو كفّناه، (وعزّيناها،) أي: صبرناها وسليناها بذكر ما لها من الأجر ونحوه، ولعلّ وجه المبادرة بتعزيتها وقت الموت، أنهم رأوا عندها جزءًا قويًّا، (فقالت: مات،) أي: أمات (ابني،) فهمزة الاستفهام مقدّرة، وقالت ذلك لأنها لم تعلم، أو لذهولها بالمصيبة، أو لذكر ما بعده، (قلنا: نعم، فقالت: اللَّهمّ إن كنت تعلم أني هاجرت إليك،) لا ينافي أنه أنصاري؛ لأنه لا مانع أن أُّه مهاجرة، أو الهجرة الانتقال من بلد إلى آخر، وقد تكون سكنت في مكان بعيد، فهاجرت منه، وإن كانت أنصارية نسبًا، (وإلى نبيّك) الهجرة إلى اللَّه بالهجرة إلى نبيّة، وإلا فاللَّه معها أينما كانت، (رجاء) بالنصب مفعول له، (أن تعينني،) بالفوقية: خطابًا للَّه؛ لأنه هو المعين (على كل شدّة) صعوبة، أي: على كل أمر شاقّ، وعلّقته بأن المشعرة بعدم الجزم، باعتبار أن خلوصها في هجرتها مما يخفى على غيرها، ومن شأنه أن يشكّ فيه؛ لأنه لا يعلم ذلك، أو باعتبار القبول، أو تجاهلاً رجاء للإجابة، (فلا تحملن،) بمهملة، وشدّ الميم، ونون التأكيد، بمعنى: لا تكلّفني، لأن التكليف كالحمل الثقيل، فاستعير له؛ كقوله: لا تحمّلنا ما لا طاقة لنا به، أو المعنى: لا تنزلن (عليّ هذه المصيبة) بدوام موت ولدها، فأسألك رفعها عنّي بإحيائه، (فما برحنا،) بكسر الراء، أي: ما ذهبنا من مكاننا ٦٤ إبراء ذوي العاهات وإحياء الموتى أن كشف الثوب عن وجهه فطعم وطعمنا. رواه ابن عدي وابن أبي الدنيا والبيهقي وأبو نعيم. وعن النعمان بن بشير قال: كان زيد بن خارجة من سراة الأنصار، فبينما هو يمشي في طريق من طرق المدينة بين الظهر والعصر إذ خرّ فتوفي، فأعلمت به الأنصار، فأتوه فاحتملوه إلى بيته، وسجوه كساء وبردين، وفي البيت نساء من نساء الأنصار بيكين عليه، ورجال من رجالهم، فمكث على حاله الذي كنّا فيه، (أن كشف) ولدها (الثوب عن وجهه) بعدما غطّى به، (فطعم) أكل (وطعمنا،) أكلنا معه من طعام قدّم لنا، وعاش إلى وفاة النبيّ عَ لَّه. وروي: أنه بقي بعده وهلكت أُمّه في حياته، ووجه ذكره في المعجزات؛ أنه أحيى بالدعاء باسمه عَ ◌ِّ وحضوره، فلا يقال: هذه كرامة لأمّ الشاب، (رواه ابن عدي، وابن أبي الدنيا، والبيهقي، وأبو نعيم) بهذا اللفظ، ورووه أيضًا عن أنس، بلفظ: كنّا في الصفة عند رسول اللَّه عَّةِ. فأتته عجوز عمياء مهاجرة، معها ابن لها، قد بلغ فلم يلبث أن أصابه وباء بالمدينة، فمرض أيّامًا، ثم قبض، فغّضه رسول اللَّه عَ لّه وأمره، أي: أنسا بجهازه، فلمّا أردنا أن نغسله، قال: يا أنس! اثت أَمّه فأعلِمها، فأعلَمها، فجاءت حتى جلست عند قديمه، فأخذت بهما، ثم قالت: إني أسلمت إليك طوعًا، وخلعت الأوثان زهدًا، وهاجرت إليك رغبة، اللَّهمّ لا تشمّت بي عبدة الأوثان، ولا تحمّلني في هذه المصيبة ما لاطاقة لي بحمله، فوالله ما انقضى كلامها حتى حرّك قدميه، وألقى الثوب عن وجهه، وطعم وطعمنا معه، وعاش حتى قبض النبيّ عَّله وهلكت أُمّه. (وعن النعمن بن بشير،) بن سعد، بن ثعلبة الأنصاري، الخزرجي، له ولأبيه صحبة، سكن الشام، ثم ولّي أمرة الكوفة، ثم قتل بحمص سنة خمس وستّين، وله أربع وستون سنة، (قال: كان زيد بن خارجة،) بالخاء المعجمة والجيم، ابن زيد الأنصاري الخزرجي، شهد أبوه أحدًا، وقتل بها هو وابنه سعيد بن خارجة، وشهد زيد بدرًا، ومات في خلافة عثمن، ذكر البخاري وغيره أنه الذي تكلّم بعد الموت، وقيل: أبوه، وهو وهم؛ لأنه قتل بأحد، (من سراة) بفتح السين وفي نسخة: سروات، وكلاهما صحيح. قال المجد: السراة اسم جمع جمعه سروات، أي: أشراف (الأنصار،) زاد ابن منده في روايته: وخيارهم، (فبينما هو يمشي في طريق من طرق المدينة)، وفي رواية: في بعض أزقّة المدينة، فالمراد: الطرق التي يسلك منها في المدينة، (بين الظهر والعصر، إذ خرّ،) سقط من قيام، (فتوقّي:) مات، (فأعلمت به الأنصار، فأتوه، فاحتملوه) من المكان الذي سقط فيه، وذهبوا به (إلى بيته، وسجّوه كساء وبردين، وفي البيت نساء من نساء الأنصار بيكين عليه، ورجال من رجالهم، فمكث على حاله،) مسجّى كأنّهم شكوا في ٦٥ إبراء ذوي العاهات وإحياء الموتى حتى إذا كان بين المغرب والعشاء إذ سمعوا صوت قائل يقول: أنصتوا أنصتوا، فنظروا فإذا الصوت من تحت الثياب، فحسروا عن وجهه وصدره، فإذا القائل يقول على لسانه: محمد رسول الله النبي الأمي خاتم النبيين، لا نبي بعده، كان ذلك في الكتاب الأول، ثم قال: صدق صدق، ثم قال: هذا رسول الله، السلام عليك يا رسول الله ورحمته وبر كاته. رواه أبو بكر بن أبي الدنيا في كتاب من عاش بعد الموت. وعن سعيد بن المسيب أن رجلاً من الأنصار توفي، فلما كفن أتاه القوم يحملونه موته؛ لكونه فجأة، فأخّروا تجهيزه ودفنه، (حتى إذا كان بين المغرب والعشاء، إذ سمعوا صوت قائل يقول: انصتوا أنصتوا،) بالتكرير للتأكيد، أي: استمعوا، (فنظروا،) تأمّلوا، (فإذا الصوت من تحت الثّيابه) المسجى بها، (فحسروا:) كشفوا (عن وجهه) الغطاء، (وصدره، فإذا القائل يقول على لسانه،) مقتضى هذا أنه لم يتكلّم، بل ملك مثلاً، وليس بمراد إذ الكلام في كلام الموتى، وكأنه نسبه لقائل، وإن كان هو المتكلّم لموته، ولذا تصرّف فيه في الشفاء، فأتى بمعناه المراد، فقال: فرفع وسجّى، إذ سمعٍوه بين العشاءين والنساء يصرخن، يقول: أنصتوا أنصتوا، فقال: (محمّد رسول اللّه، النبيّ الأمّي، خاتم النبيين،) أي: آخرهم بعثًا؛ كما مر (لا نبيّ بعده، كان ذلك) المذكور (في الكتاب الأوّل،) أي: جنسه من الكتب المتقدّمة، كالتوراة، أو اللّوح المحفوظ، المكتوب فيه كل ما قدّره الله، (ثم قال) زيد مخاطبًا من عنده، أو من يصح توجّه الخطاب إليه، أو مجرّدًا من نفسه، مخاطبًا مأمورًا، إن كان قوله: (صدق صدق) أمرًا؛ كما قاله بعض شرّاح الشفاء، فإن كان ماضيًا، كما اعتمده آخر، فهو ظاهر، أي: صدق محمّد عَّهِ فيما بلّغ به عن اللَّه، والتكرير للتأكيد، (ثم قال: هذا رسول اللَّه،) فيه أنه حضر عنٍده وشاهده، فأشار إليه، (السلام عليك يا رسول اللّه) خصّ وصف الرسالة بالذكر؛ لانتفاع الأُمّة بها الذي هو من جملتهم، (ورحمته:) إنعامه وإحسانه، أو إرادتهما، (وبركاته:) جمع بركة، وهو الخير الإلهي. وفي الشفاء: وذكر أبا بكر، وعمر، وعثمن، ثم عاد ميتًا، أي: ذكرهم بالثناء عليهم بما فعلوه في خلافتهم، ولذا لم يذكر عليًّا؛ لأنه لم يدرك خلافته، إذ موته في زمن عثمن، (رواه أبو بكر،) عبد اللَّه (بن أبي الدنيا) القرشي، (في كتاب من عاش بعد الموت،) وكذا رواه ابن منده وغيره، وأورد أن الترجمة في معجزته بإحياء الموتى، وكلامهم له عليه الصّلاة والسّلام بعد الموت، وهذا الحديث ليس من ذلك، إذ هو بعد وفاة المصطفى بدهر، وأجيب بأنه من صحبه وكرامات الأُمّة، فضلاً عن الصحب من جملة كراماته. (وعن سعيد بن المسيب: أن رجلاً من الأنصار توفّي، فلمّا كفن أتاه القوم يحملونه، ٦٦ إبراء ذوي العاهات وإحياء الموتى تكلم فقال: محمد رسول الله، أخرجه أبو بكر بن الضحاك. وأخرج أبو نعيم: أن جابرًا ذبح شاة وطبخها، وثرد في جفنة، وأتى به رسول الله عَّ الله فأكل القوم، وكان عَّ يقول لهم: كلوا ولا تكسروا عظمًا، ثم إنه عليه الصلاة والسلام جمع العظام ووضع يده عليها ثم تكلم بكلام فإذا بالشاة قد قامت تنفض أذنيها، كذا رواه والله أعلم؟! وعن معرض بن معيقيب اليماني قال: حججت حجة الوداع، فدخلت دارًا بمكة، فرأيت فيها رسول الله عد له، ورأيت منه عجبًا، جاءه رجل من أهل اليمامة بغلام یوم ولد، فقال له تكلّم، فقال: محمّد رسول اللَّه)) يحتمل أنه زيد المذكور، وأنه تكلّم مرتين، فبذلك قبل التكفين، وبلفظ: محمّد رسول اللَّه بعده، ويحتمل أنه غيره، لكن الأصل عدم التعدّد، (أخرجه أبو بكر بن الضحاك). (وأخرج أبو نعيم: أن جابرًا) هو ابن عبد الله، (ذبح شاة وطبخها، وثرد:) فتّ الخبز (في جفنة،) ووضع عليه الشّاة، (وأتى به رسول اللَّه عَظّ، فأكل القوم) الذين عنده معه، (وكان عَّة. يقول لهم: ((كلوا ولا تكسروا عظمًا))، ثم أنه عليه الصّلاة والسّلام جمع العظام) في وسط الجفنة، (ووضع يده عليها، ثم تكلّم بكلام،) قال جابر: لم أسمعه، (فإذا الشاة قد قامت تنفض أذنيها،) فقال: ((خذ شاتك يا جابر، بارك اللَّه لك فيها))، فأخذتها ومضيت، وإنها لتنازعني أذنها حتى أتيت بها المنزل، فقالت المرأة: ما هذا يا جابر؟، قلت: واللَّه هذه شاتنا التي ذبحناها لرسول اللَّه عَّهِ، فأحياها، فقالت: أشهد أنه رسول اللَّه، (كذا رواه) أبو نعيم، (فالله أعلم) بصحّته، وكذا رواه الحافظ محمّد بن المنذر، المعروف بشكر في كتاب العجائب والغرائب. (و)روى (عن معرض،) بضم الميم، وفتح المهملة، وكسر الراء الثقيلة، ثم ضادّ معجمة؛ كما في الإصابة، وفي التلمساني وغيره اسم فاعل من أعرض، وروى بكسر أوّله كأنه آلة، (ابن معيقيب،) بياء آخره، وقيل: لام، (اليماني،) صحابي جاء عنه هذا الحديث، تفرّد به عنه ولده عبد اللَّه، (قال: حججت حجّة الوداع، فدخلت دارًا بمكّة، فرأيت فيها رسول اللَّه عَلٍ)) ووجهه مثل دارة البدر؛ كما في رواية الخطيب. وفي رواية ابن قانع: كأن وجهه القمر، (ورأيت منه عجبًا،) أمرًا عجيبًا وقع عنده، (جاءه رجل من أهل اليمامة بغلام يوم ولد،) وقد لفّه في خرقة؛ كما في الرواية، (فقال له ٦٧ إبراء ذوي العاهات وإحياء الموتى رسول الله عَّله: يا غلام، من أنا؟ قال: أنت رسول الله، قال: صدقت بارك الله فيك، ثم إن الغلام لم يتكلم بعد ذلك حتى شب، فكنا نسميه مبارك اليمامة. رواه البيهقي. رسول اللَّه عَ ◌ّ: ((يا غلام، من أنا)؟، قال: أنت رسول اللَّه، قال: ((صدقت بارك اللَّه فيك))، ثم إن الغلام لم يتكلّم بعد ذلك حتى شبّ، فكنّا نسميه مبارك اليمامة؛) لقول المصطفى له: ((بارك الله فيك))، (رواه البيهقي،) وابن قانع، والخطيب من طريق محمّد بن يونس الكديمي، قال: حدّثنا شاصونة بن عبيد، قال: أخبرنا معرض بن عبد اللَّه، بن معرض، بن معيقيب، عن أبيه، عن جدّه معرض بن معيقيب، قال: حججت، فذكره. قال الدارقطني: الكديمي متّهم بوضع الحديث، وممّا تكلّم به فيه حديث شاصونة، فقيل: إنه حدث عمّن لم يخلق، ولذا قال ابن دحية وغيره: إنه موضوع، لكنّه ورد من غير طريق الكديمي. قال في الإصابة: معرض وشيخه مجهولان، وكذلك شاصونة، واستنكروه على الكديمي، لكن ذكر أبو الحسن العتقي في فوائده، قال: سمعت أبا عبد اللَّه البجلي، مستملي ابن شاهين، يقول: سمعت بعض شيوخنا يقول: لمّا أملى الكديمي هذا الحديث استعظمه الناس، وقالوا: هذا كذب من هو شاصونة، فلمّا كان بعد مدّة، جاء قوم ممّن جاء من عدن، فقالوا: دخلنا قرية يقال لها الحردة، فلقينا بها شيخًا، فسألناه: هل عندك شىء من الحديث؟، قال: نعم، فقلنا: ما اسمك؟، قال: محمد، بن شاصونة، وأملى علينا هذا الحديث فيما أملى عن أبيه، وأخرجه أبو الحسن بن جميع في معجمه، عن العباس بن محمّد، بن شاصونة، بن عبيد، عن معرض ابن عبد اللَّه بن معرض عن أبيه عن جدّه، وأخرجه الخطيب عن الصّوري عن ابن جميع، وكذا أخرجه البيهقي من طريقه، وأخرجه الحاكم في الإكليل من وجه آخر عن العباس بن محمّد بن شاصونة، انتھی. وذكر نحوه السيوطي في خصائصه الكبرى، وقال: فقد وقعت روايته من طرق، فهو حديث حسن، قال: وسبب إنكاره أنه من الأمور الخارقة للعادة، وقد وقع في حجّة الوداع مع كثرة الناس، فكان حقّه أن يشتهر، انتهى، لكنّ تحسينه لا يظهر، إذ مداره على شاصونة، وهو مجهول كشيخه وشيخ شيخه؛ كما في الإصابة، فغاية ما يفيده تعدّد طرقه عن شاصونة، أنه ضعيف لزوال ما كان يخشى أنه من وضع الكديمي. أمّا الحسن، فمن أين، ومداره على مجاهيل ثلاثة، وقد قال الشفاء: يعرف ذلك بحديث شاصونة اسم راويه، وهو بشين معجمة، وألف، وصاد مهملة، وواو ساكنة، ونون، وهاء. ٦٨ إبراء ذوي العاهات وإحياء الموتى وعن فهد بن عطية، أن النبي عَّ أتي بصبي قد شب لم يتكلم قط فقال له: من أنا؟ قال: أنت رسول الله، رواه البيهقي. وعن ابن عباس قال: إن امرأة جاءت بابن لها إلى رسول الله عَ ◌ّه فقالت: يا رسول الله، إن ابني به جنون، وإنه ليأخذ عند غدائنا وعشائنا، فمسح رسول الله عَّ صدره فشع ثعة وخرج من جوفه مثل الجرو الأسود يسعى. رواه الدارمي. وقوله: ((ثع)) يعني قاء. (وعن فهد بن عطية،) بفاء مفتوحة، وهاء ساكنة، ودال مهملة، وفي نسخة: وراء مهملة، قال في المقتفى: لا أعرفه بدال، ولا براء، والذي في البيهقي؛ أنه عن شمر بن عطية عن بعض أشياخه، فيحتمل أنه تحرّف على الناسخ، انتهى، وهو كما قال، فليس في الصحابة من يسمّى بذلك، بدال، ولا براء، إذ لم يذكر ذلك في الإصابة مع استيعابه، ولا في القسم الرابع، فإِنّما هو عن شمر، بكسر الشين المعجمة، وسكون الميم، وراء بلا نقط، ابن عطية الأسديّ، الكاهلي، الكوفي صدوق، من أتباع التابعين عن بعض أشياخه، فهو مرسل، (أن النبيّ عَّ أُتي بصبي قَد شبّ:) كبر وصار شابًّا، وهو (لم يتكلّم قطّ،) من طفوليته لشبابه؛ لأنه خلق أخرس، (فقال له: (من أنا)؟، قال: أنت رسول اللَّه))) فأنطقه الله، معجزة بعدما كان أبكم، فهو بمنزلة الميّت والجماد، لعدم القدرة على النطق، (رواه البيهقي) مرسلاً؛ كما علم، فعجب للمصنف، يعزوه له، ويتبع عياضًا في قوله: فهد أو فهر، مع أنه لم يعزه لأحد. (وعن ابن عباسٍ،) ممّا رواه أحمد، وابن أبي شيبة، والبيهقي، (قال: إن امرأة جاءت بابن لها إلى رسول اللَّه عَّة، فقالت: يا رسول الله! إن ابني به جنون، وإنه ليأخذه عند غدائنا،) بدال مهملة (وعشائنا، فمسح رسول اللَّه عَ ل صدره) بيده الميمونة، (فتع ثّة،) بفتح المثلثة، وروى بفوقية بدلها، وشدّ العين المهملة، (وخرج من جوفه) بطنه (مثل الجرو،) بجيم مثلثة: الصغير من أولاد الكلاب والسباع، (الأسود،) ويطلق الجرّ، وأيضًا على صغار الحنظل والقثاء، وهو محتمل هنا؛ كما قال بعض. (يسعى،) أي: يمشي، والذي في الشفاء: فشفي، بالبناء للمفعول، أي: شفاه اللَّه، (رواه الدارمي٤) كذا في بعض النسخ، (وقوله: ثع، يعني: قاء) مرّة واحدة؛ كما قاله جمهور أهل اللغة. وقال بعضهم: يعني سعل، وفي القاموس في المثلثة ثمّ بشع: قاء، وفيه في الفوقية الثع والثقّة: التقيؤ. ٦٩ إبراء ذوي العاهات وإحياء الموتى وأصيبت يوم أُحد عين قتادة بن النعمان حتى وقعت على وجنته، فأتى بها إلى رسول الله عَّله فقال: يا رسول الله، إن لي امرأة أحبها وأخشى إن رأتني تقذرني فأخذها رسول الله عَ ليه بيده وردها إلى موضعها وقال: اللَّهم اكسه جمالاً، فكانت أحسن عينيه وأحدَّهما نظرًا، وكانت لا ترمد إذا رمدت الأخرى. وقد وفد على عمر بن عبد العزيز رجل من ذريته فسأل عمر: من أنت؟ فقال: أبونا الذي سالت على الخد عينه فردت بكف المصطفى أيما رد وروى ابن أبي شيبة عن أُمّ جندب، أنه ◌ُِّ أنته امرأة من خثعم، معها صبيّ به بلاء لا يتكلّم، فأتى بماء فمضمض فاه، وغسل يديه، وأعطاه إياه، وأمرها بسقيه، ومسحه به، فبرأ الغلام، وعقل عقلاً يفضل عقول الناس، والمتبادر أن هذه قصّة أخرى غير التي ذكرها المصنّف لما بينهما من الخلاف، فلا وجه لجعلهما واحدة، (وأصيبت،) بالتأنيث بسهم، ويقال: برمح، وفي نسخ: أصيب بالتذكير للتأويل بالعضو، أو للفصل بينهما بقوله: (يوم أحد،) رار مسوّغ؟ كقوله: لا يقبل منها شفاعة في قراءة التحتيّة، (عين قتادة بن النعمن) بن زيد الأوسي، المدني، أخي أبي سعيد لأَمّه، شهد بدرًا وغيرها، ومات سنة ثلاث وعشرينٍ على الصحيح، وصلّى عليه عمر، ونزل في قبره، وما رواه أبو يعلى أن أبا ذرّ أصيبت عينه يوم أحد، فاعله ابن عبد البرّ؛ بأن فيه عبد العزيز بن عمران متروك، وبأن أبا ذرّ لم يحضر بدرًا، ولا أُحدًا، ولا الخندق، (حتى وقعت على وجنته،) أعلى خدّه وما يلي العين من الوجه، وتطلق على الوجه كلّه، وفي رواية: فسالت حدقته على وجنته، وأخرى صارت في يده، (فأتى بها إلى رسول اللَّه عَّ، فقال): ((إن شئت صبرت ولك الجنّة، وإن شئت رددتها ودعوت اللَّه لك، فلم تفقد منها شيئًا))، فقال: (يا رسول اللَّه!) إن الجنّة لجزاء جميل، وعطاء، جليل، ولكنّي رجل مبتلي بحبّ النساء، و(إن لي امرأة أحبّها، وأخشى إن رأتني تقذرني،) أي: تكرهني ولكن تردّها، وتسأل الله لي الجنّة، قال: ((افعل يا قتادة)، (فأخذها رسول اللَّه عَ ◌ّه بيده، وردّها إلى موضعها، وقال: ((اللَّهمّ اكسه جمالاً)، فكانت أحسن عينيه،) أجملهما وأقواهما حسنًا، أي: أحسن عينيه قبل ما أصيبت وردت، فلا يردّ أن الشىء لا يكون أحسن من نفسه، (وأحدهما:) أقواهما (نظرًا، وكانت لا ترمد إذا رمدت الأخرى. وفي رواية: وكان لا يدري أي عينيه أصيبت، (وقد وفد على عمر بن عبد العزيز،) الإمام العادل في خلافته، (رجل من ذرّيته،) هو حفيده عاصم بن عمر بن قتادة، (فسأله عمر: من أنت؟، فقال) على البديهة: (أبونا) رواية الأصمعي وغيره: ٧٠ إبراء ذوي العاهات وإحياء الموتى فعادت كما كانت لأوّل أمرها فيا حسن ما عين ويا حسن ما خد فوصله عمر وأحسن جائزته. قال السهيلي: ورواه محمد بن أبي عثمن الأموي عن عمار بن نصر عن ملك بن أنس عن محمد بن عبد الله بن أبي صعصعة عن أبيه عن أبي سعيد الخدري عن أخيه قنادة بن النعمان قال: أصيبت عيناي يوم أحد فسقطتا على وجنتيَّ، فأتيت بهما النبي عَّلِ فأعادهما مكانهما وبصق فيهما فعادتا تبرقان، قال الدارقطني: هذا حديث عن لملك ٠٠٠ تفرد به عمار بن نصرعن ملك وهو ثقة،. أنا ابن (الذي سالت على الخدّ عينه فردّت بكف المصطفى أيما ردّ) الذي رواه الأصمعي وغيره:أحسن الردّ. (فعادت كما كانت لأول أمرها فيا حسن ما عين) بزيادة ما (ويا حسن ما خدّ). هكذا رواه الأصمعي، وبه تعقّب البرهان إنشاده اليعمري، ويا حسن ما ردّ، وعلى تقدير صحّته، فلا إبطاء؛ لأن الأوّل معرف، والثاني منكر، (فوصله عمر وأحسن جائزته،) وأنشد: تلك المكارم لاقعبان من لبن شيبًا بماء فعادا بعد أبوالا وقال: بمثل هذا فليتوسّل المتوسلون. (قال السهيلي: ورواه محمّد بن أبي عثمن الأمويّ،) أبو مروان العثماني، المدني، نزيل مكة، صدوق، روى له النسائي، وابن ماجه، مات سنة إحدى وأربعين ومائتين، (عن عمّار بن نصر) السعدي، المروزي، نزيل بغداد، صدوق، مات سنة تسع وعشرين ومائتين، (عن ملك بن أنس، عن محمّد بن عبد الله بن أبي صعصعة) المدني، ثقة، روى له البخاري، والنسائي، وابن ماجه، مات سنة تسع وثلاثين ومائة، (عن أبيه) عبد اللَّه بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة الأنصاري، المدني، الثقة، التابعي الوسط، (عن أبي سعيد الخدري) سعد بن ملك، له ولأبيه صحبة، واستصغر يوم أحد، وشهد ما بعدها، وروى الكثير، (عن أخيه) لأَمّه (قتادة بن النعمن، قال: أصيبت عيناي يوم أحد،) ويروى يوم بدر، ويروى الخندق، والصحيح الأوّل، قاله أبو عمر، (فسقطتا على وجنتيَّ) بالتثنية، (فأتيت بهما النبيّ عَّ، فأعادهما مكانهما وبصق فيهما، فعادتا تبرقان) تلمعان. (قال الدارقطني: هذا حديث عن ملك، تفرّد به عمّار بن نصر،) ، أي: لم يروه غيره، (عن ملك، وهو ثقة،) فتقبل زيادته، لكن قال النووي: قال أبو نعيم: سالت عيناه وغلّطوه انتهى، ٧١ إبراء ذوي العاهات وإحياء الموتى رواه الدارقطني عن إبراهيم الحربي عن عمار بن نصر. وأخرج الطبراني وأبو نعيم عن قتادة قال: كنت يوم أحد أتقي السهام بوجهي دون وجه رسول الله عَّله، فكان أخرها سهمًا ندَرت منه حدقتي فأخذتها بيدي وسعيت إلى رسول الله عَّه، فلما رآها في كفي دمعت عيناه فقال: اللَّهم قِ قتادة كما وقى وجه نبيك بوجهه، فاجعلها أحسن عينيه وأحدهما نظرًا. وفي البخاري في غزوة خيبر أنه عَ لَّه قال: أين علي بن أبي طالب فقالوا: يا رسول الله هو يشتكي عينيه، قال: وقد جمع بأن رواية الإفراد من التعبير عن العضوين المتفقين ذاتاً وصفة واسماً بأحدهما، وهو فصيح مشهور، كما يقال: نظر بعينه، ومشى بقدمه، وبأن إحداهما سقطت حدقتها، وخرجت عن محلّها بالكليّة، والأخرى خرج بعضها ولم ينفصل، فصدق أن كلاً منهما أصيب، وخرجت حدثتهما، ويردّه قوله: فسقطتا على وجنتيَّ. (ورواه الدارقطني عن إبراهيم الحربي،) الحافظ المشهور، فحصل لمحمّد بن أبي عثمن، متابع في روايته، (عن عمّار بن نصر،) لكن لم يحصل متابع لعمّار في روايته عن ملك. (وأخرج الطبراني وأبو نعيم عن قتادة، قال: كنت يوم أحد أتّقي السهام بوجهي دون وجه رسول اللَّه ◌َّه، فكان آخرها سهمًا نذرت)، بالنون؛ سقطت (منه حدقتي) بالإفراد، (فأخذتها بيدي وسعيت إلى رسول اللَّه عَّةِ، فلمّا رآها في كفي دمعت،) بفتح الميم (عيناه، فقال: (اللّهمّ قٍ،) فعل امر، أي: احفظ (قتادة، كما وقّى وجه نبيّك بوجهه، فاجعلها أحسن عينيه وأحدّهما نظرًا))،) فكان كذلك. وأخرج البغوي، وأبو يعلى من طريق عاصم بن عمر بن قتادة، عن جدّه؛ أنه أصيبت عينه يوم بدر، فسالت حدقته على وجنته، فأرادوا أن يقطعوها، فقالوا: لا حتى نستأمر رسول اللّه فاستأمروه، فقال: ((لا))، ثم دعاه فوضع راحته على حدقته، ثم غمرها، فكان لا يدري، أي: عينيه أصيب، كذا في الرواية يوم بدر، وقد علمت أن الصحيح يوم أحد، (وفي البخاري في غزوة خيبر،) وفي غيرها من صحيحه، عن سهل بن سعد؛ (أنه مَِّ، قال:) ((لأعطينّ الراية غدًا رجلاً يفتح اللَّه على يديه، يحبّ اللَّه ورسوله، ويحبّه الله ورسوله)، فلمّا أصبح الناس غدوا على رسول اللَّه عَّهِ كلّهم يرجون أن يُعطاها، فقال: ((أين عليّ بن أبي طالب))؟، فقالوا: يا رسول اللَّه! هو يشتكي عينيه)) وفي حديث سلمة عند البخاري: وكان رمدًا، وللطبراني: أرمد شديد الرمد، ولأبي نعيم: أرمد لا يبصر، (قال: ٧٢ إبراء ذوي العاهات وإحياء الموتى فأرسلوا إليه، فأتى به، فبصق رسول الله عَ ليه في عينيه ودعا له فبرأ حتى كأن لم یکن به وجع. وعند الطبراني من حديث علي قال: فما رمدت ولا صدعت منذ دفع إلي رسول الله عُّ الراية يوم خيبر. وفي رواية مسلم من طريق إياس بن سلمة عن أبيه قال: فأرسلني النبي عَّه. إلى علي فجئت به أقوده أرمد، فبصق في عينيه فبرأ. وعند الحاكم من حديث علي قال: فوضع عّ لّه رأسي في حجره ثم بصق في راحته فدلك بها عيني. وعند الطبراني: فما اشتكيتهما حتى الساعة، قال: ودعا لي عَّ فقال: اللَّهم أذهب عنه الحر والقر،. فأرسلوا إليه،) قال المصنّف: بكسر السين، أمر من الإرسال، وبفتحها، أي: قال سهل: فأرسلوا، أي: الصحابة إلى عليّ، وهو بخيبرٍ لم يقدر على مباشرة القتال لرمده، (فأتى به،) الآتي به سلمة بن الأكوع، (فبصق رسول اللَّه عَلَّ في عينيه،) فيه تجوّز بيتا رواية عليّ عند الحاكم الآتية، (ودعا له،) فقال: ((اللَّهمّ أذهب عنه الحرّ والقرّ)، كما يأتي، (فبرأ،) بفتح الراء والهمزة، بوزن ضرب، ويجوز كسر الراء بوزن علم، كما في الفتح (حتى كأن لم يكن به وجع،) وتتمّة ذا الحديث مرّت في خيبر، (وعند الطبراني من حديث عليّ، قال: فما رمدت ولا صدعت منذ دفع إليّ رسول اللَّه عَّهُ الراية يوم خيبر). (وفي رواية مسلم من طريق إياس بن سلمة،) بن الأكوع، التابعي، الثقة، مات سنة تسع عشرة ومائة، وهو ابن سبع وسبعين سنة، (عن أبيه قال: فأرسلني النبيّ عَّ إلى عليّ، فجئت به أقوده أرمد، فبصق في عينيه فبراً. قال الحافظ: فظهر من هذا؛ أنه الذي أحضره، ولعلّ عليًّا حضر إليهم، ولم يقدر على مباشرة القتال لرمده، فأرسل إليه النبيّ عَّله، فحضر من المكان الذي نزل به، أو بعث إليه إلى المدينة، فصادف حضوره، فلا ينافي رواية البخاري عن سلمة: كان عليّ تخلّف عن النبيّ، وكان رمدًا، فقال: أنا أتخلّف عن النبيّ عَّهِ، فلحق به. (وعند الحاكم من حديث عليّ، قال: فوضع عَّه رأسي في حجره، ثم بصق في راحته،) لفظه في ألية راحته، والألية: اللحمة التي تحت الإبهام، أو باطن الكفّ، (فدلك بها عيني) بالتثنية. (وعند الطبراني) عن عليّ: (فما اشتكيتهما حتى السّاعة، قال: ودعا لي عَِّ، فقال: ((اللّهمّ أذهب عنه الحرّ والقرّ)،) بضم القاف البرد، وحكى ابن قتيبة تثليثه، وإنّما دعا له بذلك، ٧٣ إبراء ذوي العاهات وإحياء الموتى قال: فما اشتكيتهما حتى يومي هذا. وأصيب سلمة يوم خيبر أيضًا بضربة في ساقه، فنفث فيها عَ لَّه ثلاث نفثات فما اشتكاها قط. رواه البخاري. ونفث في عيني فديك وكانتا مبيضتين لا يبصر بهما شيئًا، وكان وقع على بيض حية، فكان يدخل الخيط في الإبرة وإنه لابن ثمانين سنة وإن عينيه لمبيضتان، رواه ابن أبي شيبة والبغوي والبيهقي والطبراني وأبو نعيم. مع أن تألّمه كان من الرمد، لأنه علم أن رمده من زيادة الدم الحاصل من الحرّ، فدعا له بإذهابه عنه، وزاد عليه القرّ، لأنه ضدّه، فربما أذاه لقوّته بعدم ضدّه، (قال: فما اشتكيتهما حتى يومي هذا. وفي رواية: وكان عليّ يلبس القباء المحشو الثخين في شدّة الحرّ، فلا يبالي الحرّ، ويلبس الثوب الخفيف في شدّة البرد، فلا يبالي البرد فشئل فأجاب: إن ذلك بدعائه عَِّ يوم خيبر، (وأصيب سلمة) بن الأكوع (يوم خيبر أيضًا بضربة في ساقه، فنفث فيها) لفظ الحديث فيه، قال الحافظ وغيره: أي موضع الضربة (ثلاث نفثات،) بمثلثة بعد الفاء المفتوحة فيهما جمع نفثة، وهي فوق النفخ ودون التفل وقد يكون بلا ريق بخلاف التفل، وقد يكون بريق خفيف بخلاف النفخ، انتهى، (فما اشتكاها قطّ، رواه) بمعناه (البخاري) ثلاثيًّا، فقال: حدّثني المكي بن إبراهيم، قال: حدّثنا يزيد بن أبي عبيد، قال: رأيت أثر ضربة بساق سلمة، فقلت: يا أبا مسلم! ما هذه الضربة؟، قال: هذه ضربة أصابتها يوم خيبر، فقال الناس: أصيب سلمة، فأتيت النبيّ عَّهِ، فنفث فيه ثلاث نفئات، فما اشتكيتها حتى السّاعة، (ونفث في عيني فديك) بن عمرو السلاماني، وقيل: فريك، بالراء بدل الدال، قاله الطبراني، وقيل: فويك بالواو، قاله البغوي والأزدي، وابن شاهين، والمستغفري، وابن عبد البرّ وغيرهم، وقال ابن فتحون: رأيته في كتب ابن أبي حاتم وابن السكن، بالواو، كما في الإصابة، (وكانتا مبيضتين،) لغشاوة غطّتهما، أو هو عبارة عن العمى، (لا يبصر بهما شيئًا، وكان) سبب ذلك، أنه (وقع على بيض حيّة، فكان يدخل الخيط في الإبرة) لقوّة بصره وصحته، (وإنه لابن ثمانين سنة،) وهو سنّ يضعف فيه البصر، وإن لم يعرض له عارض، (وإن عينيه لمبيضّتان،) وفيه أن البياض لم يزل بهما مع شدّة نظرهما، وهذا أعظم في المعجزة، ولا ينافيه قوله في الحديث: فأبصر، (رواه ابن أبي شيبة والبغوي) الكبير في معجم الصحابة، (والبيهقي، والطبراني، وأبو نعيم،) كلّهم من طريق عبد العزيز بن عمران، عن رجل من بني سلامان، عن أمّه، أن خالها حبيب بن فديك حدّثُها: أن أباه خرج به إلى رسول اللَّه عَّهِ وعيناه مبيضّتان، لا يبصر بهما شيئاً، فسأله، فقال: كنت أروم ٧٤ الفصل الثاني: فيما خصّه اللَّه تعالى به الفصل الثاني فيما خصه الله تعالى به من المعجزات وشرفه به على سائر الأنبياء من الكرامات والآيات البينات اعلم نور الله قلبي وقلبك، وقدس سري وسرك، أن الله قد خص نبينا مَ اه بأشياء لم يعطها لنبي قبله، وما خص نبي بشىء إلا وقد كان لسيدنا محمد عد ◌ّه مثله، فإنه أوتي جوامع الكلم، وكان نبيًا وعدام بين الروح والجسد، وغيره من الأنبياء لم يكن نبيًا إلا في حال نبوته وزمان رسالته. ولما أعطي هذه المنزلة علمنا أنه معَّهِ الممد جملاً لي، فوقعت رجلي على بيض حيّة، فأصيب بصري، فنفث في عينيه، فأبصر، قال: فرأيته يدخل في الإبرة، وإنه لابن ثمانين، وإن عينيه لمبيضّتان. الفصل الثاني فيما خصّه الله تعالى به من المعجزات وشرفه به على سائر الأنبياء من الكرامات والآيات البيّنات (الفصل الثاني فيما خصّه الله تعالى به من المعجزات، وشرفه به على سائر:) باقي (الأنبياء من الكرامات،)، أي: الأمور الخارقة للعادة (والآيات البينات،) والأوّل في معجزاته، كما قدم، أي: التي وقع نظير بعضها لغيره في الجملة، وأمّا هذا الثاني، فالقصد به ما زاد به على غيره. (اعلم، نوّر اللَّه قلبي وقلبك:) جملة دعائية، صدر بها تنبيهًا على شرف ما هو شارع فيه، (وقدّس:) طهّر (سرّي وسرّك)))، أي: طهّر أفعالنا عمّا ينقصها، وهو عطف مباين، (إن الله قد خصّ نبيّا عَِّ بأشياء لم يعطها لنبيّ قبله)، أي: ولا رسول، ولا ملك، (وما خصّ نبيّ بشىء،) ، أي: ما أعطى نبيّ شيئًا لم يعطه أحد من أَمّته، أو من الأنبياء السابقين عليه، (إلاّ وقد كان لسيّدنا محمّد عَِّ مثله،) فلا يقال متى أعطي مثله لا يكون خصوصيّة، فجمع له كل ما أَوتيه الأنبياء من معجزات وفضائل، ولم يجمع ذلك لغيره، بل اختصّ كل بنوع؛ (فإنه أوتي جوامع الكلم،) كما قال ويأتي معناه، (وكان نبيًّا وءادم بين الروح والجسد،) كما مرّ، مشروحاً أوائل الكتاب، (وغيره من الأنبياء لم يكن نبيًّا،)، أي: موصوفاً بالنبوّة (إلاّ في حال نبوّته)، أي: بعد بعثته، (وزمان رسالته) بخلاف نبيّنا، فقد أفرغت عليه النبوّة قبل خلق ءادم، (ولمّا أعطي هذه المنزلة) التي لم يبلغها غيره، (علمنا أنه عَّيِ الممدّ:) اسم فاعل من أمدّ، ٧٥ الفصل الثاني: فيما خصّه اللَّه تعالى به لكل إنسان كامل مبعوث ويرحم الله الأديب شرف الدين الأبوصيري فلقد أحسن حيث قال: وكل آي أتى الرسل الكرام بها فإنما اتصلت من نوره بهم فإنه شمس فضل هم كواكبها يظهرن أنوارها للناس في الظلم قال العلامة ابن مرزوق: يعني أن كل معجزة أتى بها كل واحد من الرسل فإنما اتصلت بكل واحد منهم من نور محمد عَّه وما أحسن قوله: ((فإنمد اتصلت من نوره بهم)) فإنه يعطي أن نوره عَّه لم يزل قائمًا به ولم ينقص منه شىء، ولو قال: فإنما هي من نوره لتوهم أنه وزع عليهم وقد لا يبقى له منه شىء، وإنما كانت آيات كل واحد من نوره عٍَّ لأنه شمس فضل هم كواكب تلك الشمس يظهرن - أي تلك الكواكب - أنوار تلك الشمس للناس في الظلم. فالكواكب ليست مضيئة بالذات وإنما هي مستمدة من الشمس فهي عند غيبة الشمس تظهر نور الشمس. فكذلك الأنبياء قبل وجوده عليه الصلاة والسلام كانوا يظهرون فضله بمعنى زاد (لكل إنسان كامل مبعوث،) يعني أنه عَبّ أفاض على جميع من تقدّمه من الأنبياء والرسل أحوالاً كثيرة، زيادة على ما عندهم من الفضائل، (ويرحم الله الأديب شرف الدين الأبوصيري، فلقد أحسن، حيث قال) في الميمية المشهورة: (وكل آي:) جمع آية (أتى الرسل الكرام بها) داّة على نبوّتهم، (فإنما اتّصلت من نوره،) الكائن قبل ظهوره إلى الوجود الخارجي (بهم، فإنه شمس فضل هم كواكبها، يظهرن أنوارها للناس في الظلم. (قال العلامة) محمّد بن محمّد (بن مرزوق) في شرحها: (يعني أن كل معجزة أتى بها كل واحد من الرسل، فإنما اتّصلت بكل واحد منهم من نور محمّد عَّهِ) الذي أوجده اللَّه قبل وجوده في هذا العالم، (وما أحسن قوله: فإنّما اتّصلت من نوره بهم، فإنه يعطي أن نوره عدّله. لم يزل قائمًا به، ولم ينقص منه شيء، ولو قال: فإنما هي من نوره لتوهم أنه وزّع عليهم، وقد لا يبقى له منه شىء، وإنّما كانت آيات كل واحد من نوره عَّ له، لأنه شمس فضل هم كواكب تلك الشمس يظهرن، أي: تلك الكواكب أنوار تلك الشمس للناس في الظلم، فالكواكب ليست مضيئة بالذات، وإنما هي مستمدّة من الشمس، فهي عند غيبة الشمس تظهر نور الشمس،) ومستند هذا الحدس والتخمين، كما هو معلوم في محلّ، (فكذلك الأنبياء قبل وجوده عليه الصّلاة والسّلام كانوا يظهرون فضله) بالصفات التي اشتملوا عليها، وأوصلوها إلى أَممهم، فإنها وصلت إليهم من نوره عليه الصّلاة والسّلام، ومن ذلك إخبارهم عنه بما اشتملت ٧٦ الفصل الثاني: فيما خصّه اللَّه تعالى به فجميع ما ظهر على الرسل عليهم الصلاة والسلام سواه من الأنوار فإنما هو من نوره الفائض ومدده الواسع من غير أن ينقص منه شىء. وأول ما ظهر ذلك في ءادم عليه السلام، حيث جعله الله تعالى خليفة وأمده بالأسماء كلها من مقام جوامع الكلم التي لمحمد عَّه فظهر بعلم الأسماء كلها على الملائكة القائلين: ﴿أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء﴾ [البقرة/٣٠]، ثم توالت الخلائف في الأرض عليه كتبهم من كمالاته وفضائله، (فجميع ما ظهر على يد الرسل عليهم الصّلاة والسّلام سواه من الأنوار، فإنما هو من نوره الفائض) الكثير الذي عمّ المشارق والمغارب، (ومدده الواسع من غير أن ينقص منه شىء») فيكون ذلك كنور السراج إذا أوقد من نحو شمعة فنورها لم ينقص منه شيء، ونور السراج نشأ عن نورها مع بقاء نورها بمحلّه، لكن قد يشكل ما قدّمه المصنف أوّل الكتاب، أن نوره عَّله قسم أجزاء، وأنه قسم الجزء الرابع إلى كذا وكذا، إلاّ أن يكون المراد بقوله: قسم زاد فيه، لا أنه قسم نفس النور الذي هو محمّد عَّ؛ لأن الظاهر أنه حيث صوّر نوره بصورة روحانية مماثلة لصورته التي يصير عليها بعد لا يقسمه إليه وإلى غيره. (وأول ما ظهر ذلك في ءادم عليه السّلام، حيث جعله الله تعالى خليفة) عنه في تنفيذ أوامره ونواهيه في الأرض، لا لحاجة به تعالى إلى من ينوب، بل لقصور المستخلف عليه عن قبول فيضه وتلقّي أمر بلا واسطة، (وأمدّه بالأسماء،) ، أي: أسماء المسميات (كلّها) حتى القصعة والمغرفة؛ بأن ألقى علمها في قلبه (من مقام جوامع الكلم التي لمحمّد عَّةٍ، فظهر بعلم الأسماء كلّها على الملائكة القائلين: ﴿أتجعل فيها من يفسد فيها﴾) بالمعاصي (﴿ويسفك الدماء؟﴾،) يريقها بالقتل، كما فعل بنو الجان وكانوا فيها، فلمّا أفسدوا، أرسل اللَّه إليهم الملائكة فطردوهم إلى الجزائر والجبال، (ثم توالت المخلائف فى الأرض،) أي: تتابعت الرسل بعد عادم وجعل الكل خلائف، لأنه استخلفهم كلّهم في عدة الأرض، والمشهور أن خليفة الله إنما يطلق على عادم وداود النصّ القرءان: ﴿إني جاعل في الأرض خليفة﴾ الآية، ﴿يا داود إنّا جعلناك خليفة في الأرض﴾ الآية، فأمّا غيرهما فلا فقد، قال رجل لأبي بكر الصدّيق: يا خليفة اللَّه، فقال: أنا خليفة محمّد عَّه، وأنا راض بذلك، وقال رجل لعمر: يا خليفة اللَّه! فقال: ويلك، وزجره، وقيل: يجوز إطلاق ذلك على غيرهما أيضًا لقيامه بحقوقه في خلقه، ولقوله تعالى: ﴿هو الذي جعلكم خلائف الأرض﴾ الآية، ولأن اللَّه جعل كلاًّ خليفة، كما جعله سلطانًا، فقد سمع سلطان اللَّه، وجنود اللَّه، وحزب اللَّه، لكن قال الماوردي: امتنع جمهور العلماء من ذلك، ونسبوا قائله إلى الفجور، وفي المصباح: ٧٧ الفصل الثاني: فيما خصّه اللَّه تعالى به إلى أن وصل إلى زمان وجود صورة جسم نبينا عَّة الشريف لإظهار حكم منزلته، فلما برز كان اندرج في نوره كل نور، وانطوى تحت منشور آياته كل آية لغيره من الأنبياء، ودخلت الرسالات كلها في صلب نبوته، والنبوات كلها تحت لواء رسالته، فلم يعط أحد منهم كرامة أو فضيلة إلا وقد أعطي عَ لّه مثلها. فآدم عليه الصلاة والسلام أعطي أن الله خلقه بيده، فأعطي سيدنا محمد ملوكاله شرح صدره، تولى الله شرح صدره بنفسه، وخلق فيه الإيمان والحكمة، وهو الخلق النبوي، فتولى من ءادم الخلق الوجودي ومن سيدنا محمد عَّ الخلق النبوي، مع أن المقصود - كما مر - من خلق ادم خلق نبينا في صلبه، فسيدنا محمد عَّه المقصود وعادم الوسيلة، والمقصود سابق على الوسيلة. والخليفة بمعنى السلطان الأعظم، يجوز أن يكون فاعلاً، لأنه خلف من قبله، أي: جاء بعده، ويجوز أن يكون مفعولاً، لأن اللَّه جعله خليفة، أو لأنه جاء بعد غيره، (إلى أن وصل) حال الخلائف، وهو ما جاؤوا به من الأحكام والشرائع، (إلى زمان وجود صورة: جسم نبيّا عَّه الشريف:) صفة لجسم أو نبيّنا، (لإظهار حكم منزلته،) أي: مقدارها وشرفها عند اللَّه، (فلما برز:) ظهر (اندرج في نوره كل نور) لغلبته عليه، (وانطوى تحت منشور آياته كل آية لغيره من الأنبياء، ودخلت الرسالات كلّها في صلب نبوّتِهِ، والنبوّات كلّها تحت لواء) علم (رسالته، فلم يعطَ أحد منهم كرامة أو فضيلة إلّ وقد أُعطي عَّ مثلها،) فجمع فيه ما فرّق فيهم، وهذه خصوصية مع زيادته عليهم، ولما ذكر أن اللَّه جمع له عليه السّلام خصائص الأنبياء وزاده عليهم فضلٍ بعض ذلك، وهو في غالبه تابع، لأن المنير في معراجة، فقال: (فآدم عليه الصّلاة والسّلام أُعطي أن اللَّه خلقه بيده) من أديم الأرض، أي: وجهها بأن قبض منها قبضة من جميع ألوانها، وعجنت بالمياه المختلفة وسواه، ونفخ فيه الروح، فصار حيوانًا حسّاسًا بعد أن كان جمادًا، (فأعطي سيّدنا محمّد عَِّ شرح صدره، تولّى اللَّه شرح صدره بنفسه)،) أي: ذاته، وفي إطلاق النفس على اللَّه خلاف والأصح الجواز، (وخلق فيه الإيمان والحكمة، وهو الخلق النبويّ، فتولّى من ءادم الخلق الوجودي، ومن سيّدنا محمّد عَّهِ الخلق النبويّ. زاد ابن المنير: وهو بالحقيقة متولّي كل خلق، لكن المراد تخصيص التشريف وهو أعلى، (مع أن المقصود، كما مرّ) من قوله تعالى لآدم: ﴿لولاه ما خلقتك﴾ الآية، (من خلق ءادم خلق نبيّنا في صلبه، فسيّدنا محمّد عَِّ المقصود وءادم الوسيلة، والمقصود سابق على الوسيلة،) فلا شكّ في أنه أجلّ. ٧٨ الفصل الثاني: فيما خصّه اللَّه تعالى به وأما سجود الملائكة لآدم، فقال الإمام فخر الدين الرازي في تفسيره: إن الملائكة أمروا بالسجود لآدم لأجل نور نبينا محمد عٍَّ كان في جبهته، ولله در القائل: تجليت جل الله في وجه عادم فصلى له الأملاك حين توسل وعن أبي عثمن الواعظ، فيما حكاه الفاكهاني قال: سمعت الإمام سهل بن محمد يقول: هذا التشريف الذي شرف الله به محمدًا عَّه بقوله: ﴿إن الله وملائكته يصلون على النبي﴾ [الأحزاب/٥٦]، وأجمع من تشريف وادم عليه الصلاة والسلام بأمر الملائكة له بالسجود، لأنه لا يجوز أن يكون الله مع الملائكة في ذلك التشريف، فتشريف يصدر عنه تعالى وعن الملائكة والمؤمنين أبلغ من تشریف تختص به الملائكة، انتھی. قال بعضهم: وأما تعليم ادم أسماء كل شىء، فروى الديلمي في مسند الفردوس من حديث أبي رافع (وأمّا سجود الملائكة لآدم فقال الإمام فخر الدين الرازي في تفسيره: إِن الملائكة أمروا بالسجود لآدم، لأجل أن نور نبيّنا محمّد عٍَّ كان في جبهته) ظاهرًا، (وللَّه درّ القائل: تجلّيت جلّ اللَّه:) جملة معترضة (في وجه ءادم، فصلّى،) سجد (له الأملاك حين توسّل،) وقال ابن المنير: نظيره إنجاد الملائكة للمصطفى، فإنه أنزلهم له جندًا وأعوانًا تحت لوائه، وأنصارًا في طاعته، والأسجاد والأنجاد متقاربان، وورد أنه مَّهِ صلّى بالملائكة، بل ورد أن الملائكة تصلّي بصلاة آحاد أُمّته، ائتمامًا بهم، وسجودًا خلفهم، وهذا غاية الكرامة في هذا المعنى. (وعن أبي عثمن الواعظ فيما حكاه الفاكهاني، قال) أبو عثمن: (سمعت الإمام سهل بن محمّد يقول: هذا التشريف الذي شرّف اللَّه به محمّدًا عَّه بقوله: ﴿إِنّ الله وملائكته يصلّون على النبيّ﴾ الآية، أتمّ وأجمع من تشريف وادم عليه الصّلاة والسّلام، بأمر الملائكة له بالسجود، لأنه لا يجوز أن يكون اللَّه مع الملائكة في ذلك التشريف،) الاستحالته في حقّه سبحانه، إذ السجود من صفات الأجسام، (فتشريف يصدر عنه تعالى وعن الملائكة والمؤمنين أبلغ من تشريف تختصّ به الملائكة) وهو السجود، (انتهى). (قال بعضهم،) وهو الأستاذ أبو إسحق الإسفرايني: (وأمّا تعليم عادم أسماء كل شىء، فروى الديلمي في مسند الفردوس من حديث أبي رافع،) والحاكم، والديلمي أيضًا من ٧٩ الفصل الثاني: فيما خصّه اللَّه تعالى به قال: قال رسول الله عَّله: ((مثلت لي أمتي في الماء والطين، وعلمت الأسماء كلها كما علم مادم الأسماء كلها)). فكما أن عادم عليه الصلاة والسلام علم أسماء العلوم كلها كذلك نبينا عَّهِ، وزاد عليه - واصل الله صلاته وسلامه عليه - بعلم ذواتها. ولله در الأبوصيري حيث قال: لك ذات العلوم من عالم الغيـ ـب ومنها لآدم الأسماء ولا ريب أن المسميات أعلى رتبة من الأسماء لأن الأسماء يؤتى بها لتبيين المسميات، فهي المقصودة بالذات، وإليه الإيماء بقوله: ذات العلوم، والأسماء مقصودة لغيرها فهي دونها، ففضل العلم بحسب فضل معلومه. وأما إدريس عليه الصلاة والسلام، حديث أُمّ حبيبة، (قال: قال رسول اللَّه يَّهُ: ((مثلت لي أُمَّني،) وفي رواية: الدنيا بدل ◌ُّتي، (في الماء والطين وعلّمت الأسماء كلها كما علّم ءادم الأسماء كلّها)). وروى الطبراني والضياء المقدسي، عن حذيفة بن أسيد بن خالد الغفاري، قال: قال عَّه: ((عرضت عليّ أُمَتي البارحة لدى هذه الحجرة)، بالضم أي: عندها، ((أولها وآخرها)، فقيل: يا رسول اللَّه عرض عليك من خلق، فكيف من لم يخلق؟، فقال: ((صوّروا لي في الطين، حتى إتّي لأعرف بالإنسان منهم من أحدكم بصاحبه))، (فكما أن ءادم عليه الصّلاة والسّلام علّم أسماء العلوم كلّها، كذلك نبيّا عَِّ، وزاد عليه: واصل اللَّه صلاته وسلامه عليه بعلم ذواتها،) متعلّق بزاد، (ولله درّ الأبوصيري حيث قال) في الهمزية: (لك) لا لغيرك (ذات،) نفس وحقيقة (العلوم،) جمع علم، وهو هنا صفة ينجلّي بها المذكور لمن قامت به انجلاء تامًّا، والإدراك الجازم الذي لا يحتمل النقيض (من) فيض (عالم الغيب) الغائب، وهو ما لم يشاهد بالنسبة إلينا، وأمّا بالنسبة إليه تعالى، فالكل من عالم الشهادة، (ومنها،) أي: العلوم بمعنى المعلومات (لآدم) أبي البشر (الأسماء:) مبتدأ مؤخر خبره منها، جمع اسم، وهو هنا ما دلّ على معنى فيشمل الفعل والحروف أيضاً، (ولا ريب أن المسميات أعلى رتبة من الأسماء، لأن الأسماء يؤتى بها لتبيّين المسميات، فهي المقصودة بالذات، وإليه الإيماء بقوله: ذات العلوم والأسماء مقصودة لغيرها،) وهي المسميّات، (فهي دونها، ففضل العالم بحسب فضل معلومه)، فهو أفضل من ءادم. (وأمّا إدريس عليه الصّلاة والسّلام،) قيل: سرياني، وقيل: عربي مشتق لكثرة درسه الصحف، واسمه خنوخ، بخاءين معجمتين، بينهما نون، فواو، ويقال: أخنوخ، بألف أوّله، ابن ٨٠ الفصل الثاني: فيما خصّه اللَّه تعالى به فرفعه الله مكانًا عليًا، فأعطي سيدنا محمد عَّه المعراج، ورفع إلى مكان لم يرفع إليه غيره. وأما نوح عليه الصلاة والسلام فنجاه الله تعالى ومن آمن معه من الغرق ونجاه من الخسف، فأعطي سيدنا محمد عَّ أنه لم تهلك أمته بعذاب من السماء. قال الله تعالى: ﴿وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم﴾ [الأنفال/٣٣]. وأما قول الفخر الرازي في تفسيره: ((أكرم الله تعالى نوحًا بأن أمسك سفينته على الماء وفضل محمد عَّةٍ أعظم منه. روي أنه عَِّ كان على شط ماء وقعد عكرمة بن أبي يارد بن مهلائيل، بن قينان، بن أنوش، بن شيث، بن ءادم، وهو أبو جد نوح، كذا ذكر المؤرّخون، قال المازري: فإن قام دليل على أنه أرسل، لم يصح قولهم لحديث الصحيحين: (ائتوا نوحًا، فإنه أول رسول بعثه اللَّه إلى أهل الأرض)، وإن لم يقم جازمًا، قالوا: وحمل على أنه كان نبيًّا ولم يرسل، وأجيب بأن حديث أبي ذرّ عند ابن حبان يدلّ على أن عادم وإدريس رسولان، فالمراد أول رسول بعثه اللَّه بالإهلاك وإنذار قومه، فأما رسالة عادم وشيث وإدريس، فإنّما هي رسالة تبليغ الإيمان وطاعة اللَّه، لأنهم لم يكونوا كفّارًا (فرفعه اللَّه مكانًا عليًّا،) قيل: هو الجنّة، وقيل: السماء الرابعة، كما ورد في حديث المعراج، وقيل: السادسة، واختلف في أنه في السماء ميّت أو حي، وقيل: المراد شرف النبوّة والزلفى عند اللَّه، (فأعطي سيّدنا محمّد : المعراج، ورفع إلى مكان لم يرفع إليه غيره،) لا رسول ولا ملك. (وأمّا نوح عليه الصّلاة والسّلام) ابن لمك، بفتح اللام، وسكون الميم، وکاف، ابن متوشلخ، بفتح الميم، وضمّ الفوقية، الثقيلة، وسكون الواو، وفتح الشين، المعجمة، وإسكان اللام، وآخره خاء معجمة، (فنجّاه اللَّه تعالى ومن آمن معه،) وما آمن معه إلاّ قليل، قيل: كانوا ستّة رجال ونساءهم، وقيل: كانوا ثمانين، نصفهم رجال، ونصفهم نساء، وهم أصحاب السفينة، (من الغرق، ونجاه من الخسف، فأعطى سيّدنا محمّد عَِّ أنه لم تهلك أُمّته بعذاب من السماء؛) لأنه رحمة، (قال اللّه تعالى: ﴿وما كان اللَّه ليعذّبهم وأنت فيهم﴾) الآية، لأن العذاب إذا نزل عمّ، ولم نعذّب أُمّة إلا بعد خروج نبيّها والمؤمنين منها، هكذا في التفسير، ولا يلائمه سياق المصنّف. (وأمّا قول الفخر الرازي في تفسيره: أكرم اللَّه تعالى نوحّا؛ بأن أمسك سفينته على الماء، وفضل محمّد عَِّ أعظم منه، روي أنه عَِّ كان على شطّ ماء، وقعد عكرمة بن أبي