Indexed OCR Text

Pages 41-60

٤١
تكثير الطعام القليل ببركته ودعائه عن ايه.
فقال النبي عَّهِ: لا تنزلن برمتكم ولا تخبزن عجينكم حتى أجيء، ثم جاء
فأخرجت له عجينًا فبصق فيه وبارك ثم عمد إلى برمتنا فبصق وبارك ثم قال: ادع
خابزة فلتخبز معك،
وفي رواية في الصحيح، فقال: قوموا، فقام المهاجرون والأنصار، فلما دخل على امرأته
قال: ويحك جاء النبيّ عَّه بالمهاجرين والأنصار ومن معهم، قالت: هل سألك؟، قلت: نعم،
وفي سياقه احتصار، وبيانه في رواية يونس بن بكير في زيادات المغازي، قال: فلقيت من الحياء
ما لا يعلمه إلاّ الَّله، وقلت: جاء الخلق على صاع من شعير وعناق، فدخلت على امرأتي أقول:
افتضحت، جاءك رسول الَّله بالجند أجمعين، فقالت: هل كان سألك كم طعامك؟، فقلت: نعم،
فقالت: الَّله ورسوله أعلم، نحن أخبرناه بما عندنا، فكشفت عني غمًا شديدًا، وفي رواية
الصحيح: فجئت امرأتي، فقالت بك وبك، فقلت: قد فعلت الذي قلت، ويجمع بينهما بأنها أوّلاً
أمرته أن يعلمه بالصورة، فلما قال لها إنه جاء بالجميع، ظنّت أنه لم يعلم فخاصمته، فلما أعلمها
أنه أعلمه، سكن ما عندها، لعلمها بإمكان خرق العادة، ودلّ ذلك على وفور عقلها وكمال
فضلها، وقد وقع لها في قصة التمر أن جابرًا أوصاها لما زارهم النبيّ عَّ أن لا تكمله، فلما
أراد ◌َِّ الانصراف نادته: يا رسول الَّله! صلى عليّ وعلى زوجي، فقال عَّهِ: ((صلى الله عليك
وعلى زوجك))، فعاتبها جابر، فقالت له: أكتب تظن أن اللَّه يورد رسوله بيتي، ثم يخرج ولا أسأله
الدعاء، أخرجه أحمد بإسناد حسن، ذكره الحافظ.
(قال النبيّ عَّلَه) لجابر: ((لا تنزلن)، بضم الفوقية، وكسر الزاي، وضم اللام، (برمتكم،)
نصب على المفعولية ولأبي ذر: لا تنزل بفتح الزاي واللام مبني للمفعول، برمتكم بالرفع نائب
الفاعل، (ولا تخبزن،) بفتح الفوقية، وكسر الموحدة، وضم الزاي، وشد النون (عجينكم،)
بالنصب، ولأبي ذرّ، بضم التحتية، وفتح الموحدة، والزاي، ورفع عجينكم، (حتى أجيء) إلى
منزلكم، (ثم جاء) لفظ البخاري: فجئت وجاء عَّه يقدم الناس حتى جئت إلى امرأتي، فقالت:
بك وبك، فقلت الذي قلت، (فأخرجت) المرأة (له عجيبًا، فبصق فيه) بالصاد، ولأبو ذرّ،
والوقت، وابن عساكر: فبسق بالسين، ويقال بالزاي أيضًا، لكن قال النوري، بالصاد في أكثر
الأصول، وفي بعضها بالسين، وهي لغة قليلة، (وبارك))) في العجين، أي: دعا فيه بالبركة، (ثم
عمد،) بفتح الميم: قصد (إلى برمتنا، فبصق،) زاد الكشميني: فيها، أي: البرمة (وبارك) في
الطعام، (ثم قال) عَّ لجابر: ((ادع خابزة فلتخبز)، بسكون اللام (معك)، بكسر الكاف،
خطابًا لزوجة جابر، فخصّه بالأمر بالدعاء؛ لأنه صاحب المنزل المشار إليه بإذنه لمن شاء في
دخول منزله، وخاطب زوجته، بأنه إذا أحضرها يأمرها بالخبز معها، أي: مساعدتها فيه، ثم تباشر

٤٢
تكثير الطعام القليل ببركته ودعائه علي
واقدحي من برمتكم ولا تنزلوها، وهم ألف. فأقسم بالله لقد أكلوا حتى تركوه
وانحرفوا، وإن برمتنا لتغط كما هي، وإن عجيننا ليخبز كما هو، رواه البخاري
ومسلم.
وقوله: ((فانكفأت)) أي: انقلبت.
هي غرف الطعام، ولا ينافيه أن لفظ البخاري: فلتخبزي معي؛ لأن المراد وقولي لها لتخبزي
معي،أي: تعاونيني فيه، كذا أملانيه شيخنا قائلاً، ويدل عليه قوله: (واقدحي،) بسكون القاف،
وفتح الدال، وكسر الحاء المهملتين، أي: اغرفي (من برمتكم،) والمغرفة تسمّى المقدمة،
وقدحه من المرق غرفه منه، (ولا تنزلوها،) بضم الفوقية، وكسر الزاي، أي: البرمة من فوق
الأثافي، بفتح الهمزة والمثلثة فألف، ففاء مكسورة، فتحتية مشددة: حجارة ثلاثة يوضع عليها
القدر، (وهم)) أي: القوم الذين أكلوا (ألف،) وفي مستخرح أبي نعيم، وهو سبعمائة أو ثمانمائة،
وللأسمعيلي ثمانمائة أو ثلاثمائة، وفي مسلم: ثلاثمائة.
قال الحافظ والحكم: الزائد لمزيد علمه، ولأن القصة متحدة.
وفي رواية أبي الزبير عن جابر وأقعدهم عشرة عشرة يأكلوا، (فأقسم بالله لقد أكلوا حتى
تركوه وانحرفوا)، أي: مالوا عن الطعام، (وإن برمتنا لتغط) بكسر الغين المعجمة، وشد الطاء
المهملة، أي: تغلي وتفور بحيث يسمع لها غطيط، (كما هي، وإن عجيننا ليخبز كما هو،) لم
ينقص من ذلك شىء، وما في، كما كافّة، وهي مقمحة لدخول الكاف على الجملة، وهي
مبتدأ، والخبر محذوف، أي: كما هي قبل ذلك.
(رواه البخاري ومسلم) في المغازي من حديث سعيد بن مينا عن جابر، وأخرجه
البخاري وحده من رواية أيمن عن جابر بنحوه، وفي آخره: فقال عَّ ادخلوا ولا تضاغطوا،
فجعل يكسر الخبز ويجعل عليه اللحم، ويخمر البرم والتنور إذا أخذ منه، ويقرب إلى أصحابه، ثم
ينزع، فلم يزل يكسر الخبز ويغرف حتى شبعوا أو بقي بقية، قال: ((كلي هذا وأهدي، فإن الناس
أصابتهم مجاعة))، وفي رواية يونس بن بكر: فما يزال يقرب إلى الناس حتى شبعوا أجمعين،
ويعود التنور والقدر أملأ ما كانا، فقال: ((كلي وأهدي))، فلم نزل نأكل ونهدي يومنا أجمع، وفي
رواية أبي الزبير عن جابر: فأكلنا نحن وأهدينا لجيراننا، فلما خرج عَّ ذهب ذلك، انتهى.
وصريح هذا أن الذي باشر الغرف النبيّ عَّهِ، فيخالف ظاهر قوله: واقدحي من برمتكم
ولا تنزلوها، أي: اغرفي من أن مباشرة المرأة، ويمكن الجمع بينهما؛ بأنها كانت تساعد في
الغرف، ولم يتعرض الحافظ ولا المصنّف لهذا.
(وقوله: فانكفأت، أي: انقلبت) بالهمز وتركه، وهو الرواية على ظاهر كلام الحافظ بن

٤٣
تکثیر الطعام القليل ببر كته ودعائه مل.
وقوله: ((داجن)) يعني سمينة.
وقوله: ((فذبحتها)) بسكون الحاء، و((طحنت)) بسكون التاء، يعني إن الذي
ذبح هو جابر، والتي طحنت هي امرأته سهيلة بنت معوذ الأنصارية.
وقوله: ((سور)) بضم المهملة وسكون الواو بغير همز: قال ابن الأثير: أي
طعامًا يدعو الناس إليه. قال: واللفظة فارسية.
وقوله: ((فحي هلا بكم)) كلمة استدعاء فيه حث، أي هلموا مسرعين.
وقوله: ((واقدحي)) أي: اغرفي.
وقوله: ((إن برمتنا لتغط)) بالغني المعجمة والطاء
حجر، وظاهر تصويب الحافظ أبي ذرّله بالهمز؛ كما مرّ، (وقوله: داجن، يعني: سمينة،) كما
ورد صريحًا في رواية أحمد، قال الحافظ: الداجن التي تترك في البيت ولا تفلت للرعي، ومن
شأنها أن تسمن.
وفي رواية أحمد: سمينة، (وقوله: فذبحتها، بسكون الحاء))) وضم التاء، (وطحنت،
بسكون التاء) الفوقية، قبلها نون، فحاء فطاء مفتوحات، (يعني: إن الذي ذبح هو جابر، والتي
طحنت هي امرأته : سهيلة)، بلفظ التصغير، (بنت معوذ،) صوابه كما في الفتح وغيره: بنت
مسعود بن أوس بن لملك، بن سواد (الأنصارية،) الظفرية، زوجة جابر وأم ولده عبد الله، ذكرها
ابن حبيب في المبايعات؛ كما في الإصابة.
(وقوله: سوار بضم المهملة، وسكون الواو بغير همز،) قال الحافظ: هو هنا الصنيع
بالحبش، وقيل العرس بالفارسية، ويطلق أيضًا على البناء الذي يحيط بالمدينة، وأمّا الذي بالهمز،
فهو البقية، (قال ابن الأثير، أي: طعامًا يدعو الناس إليه،) زاد المصنّف: أو الطعام مطلقًا،
(قال: واللفظ فارسية)) قال الطيبي: تظاهرت أحاديث صحيحة؛ أنه عٍَّ تكلم بالألفاظ الفارسية،
أي: كقوله للحسن: ((كخ))، ولعبد الرحمن: ((مهيم))، أي: ما هذا، ولام خالد: ((سنا سنا)، يعني:
حسنة، وهو يدل على جوازه، ذكره المصنّف، ولعله عَّهِ عبّر بها دون طعامًا، لعمومه في كل
مأكول، بخلاف الطعام، فيخص بالحنطة عند أهل مكة، فقد يفهم بعض السامعين غير المراد، أو
لبيان الجواز.
(وقوله: فحيّ) بالفتح مثقلاً (هلاء) بفتح الهاء، واللام مخفّفًا (بكم)، وفي رواية: أهلاً بكم،
بزيادة ألف، والصواب حذفها، قاله الحافظ. (كلمة استدعاء فيه، أي: الاستدعاء، ولفظ الحافظ
فيها: أي الكلمة والأمر سهل، (حث على الإجابة، (أي: هلمّوا مسرعين، وقوله: واقدحي، أي:
اغرفي،) والمقدحة: المغرفة، (وقوله: وإن برمتنا لتغط بالغين المعجمة) المكسورة، (والطاء

٤٤
تكثير الطعام القليل ببركته ودعائه عد اله
المهملة، أي: تغلي ويسمع غطيطها.
وعن أنس قال: قال أبو طلحة لأم سليم، لقد سمعت صوت رسول الله عَ ليه
ضعيفًا، أعرف فيه الجوع، فهل عندك من شىء، فقالت: نعم، فأخرجت أقراصًا من
شعير، ثم أخرجت خمارًا، فلفت الخبز ببعضه ثم دسته تحت يدي ولائتني ببعضه
- أي أدارت بعض الخمار على رأسي مرتين كالعمائم - ثم أرسلتني إلى
رسول الله عَّ ◌ُله، فذهبت به فوجدت .
المهملة) المشدّدة، (أي: تغلي ويسمع غطيطها:) صوتها بالغليان، كغطيط النائم.
(وعن أنس) بن ملك (قال: قال أبو طلحة،) زيد بن سهل الأنصاري، زوج أم سليم،
والدة أنس (لأم سليم،) قال الحافظ: اتفقت الطرق على أن الحديث المذكور من مسند أنس،
وقد وافقه على ذلك أخوه لإمه عبد اللَّه بن أبي طلحة، فرواه مطوّلاً عن أبيه، قال: دخلت
المسجد، فعرفت في وجه رسول اللَّه عَّةِ الجوع ... الحديث، أخرجه أبو یعلی بإسناد حسن،
(لقد سمعت صوت رسول اللَّه عَّه ضعيفًا؛ أعرف فيه الجوع،) فيه العمل بالقرائن، وكأنه لم
يسمع من صوته حين تكلّم الفخامة المألوفة منه، فحمله على الجوع، ولأحمد عن أنس، أن أبا
طلحة رآه طاويًّا، وفي مسلم جئت وقد عصب بطنه بعصابه، فسألت، فقالوا: من الجوع،
فأخبرت: أبا طلحة، فدخل على أم سليم، قال: (فهل عندك من شىء) يأكله النبي عَّه؟،
(فقالت: نعم، فأخرجت أقراصًا:) جمع قرص، بالضم: قطعة عجين مقطوع منه (من شعير،)
ولأحمد: عمدت أم سليم إلى نصف مد من شعير فطحنته. وللبخاري: عمدت إلى مد من شعير
جشته، ثم عملته عصيدة، وفي لفظ خطيفة، وهي العصيدة وزنًا ومعنى، وفي مسلم وأحمد: أتي
أبو طلحة بمدين من شعير، فأمر، فصنع طعامًا، قال الحافظ: ولا منافاة لاحتمال تعدد القصة، أو
أن بعض الرواة حفظ ما لم يحفظ الآخر، ويمكن الجمع بأن يكون الشعير في الأصل کان صاعًا،
فردّت بعضه لعيالهم وبعضه للنبيّ عَّةٍ، ويدل على التعدد ما بين العصيدة والخبز المفتوت،
الملتوت بالسمن من المغايرة، (ثم أخرجت خمارًا،) بكسر الخاء المعجمة، أي: نصيفًا لها،
(فلفت الخبز ببعضه، ثم دسته،) أي: أخفته(تحت يدي))) بكسر الدال، أي: إبطي
(ولاثني بمثلثة، ففوقية ساكنة، فنون مكسورة: لفتني، (ببعضه) ببعض الخمار، (أي: أدارت بعض
الخمار على رأسي مرّتين، كالعمائم،) وفي الفتح، أي: لفتني به يقال: لاث العمامة على
رأسه، أي. عصبها، والمراد أنها لفت بعضه على بعض رأسه، وبعضه على إبطه، وللبخاري في
الأطعمة: فلفت الخبز ببعضه، ودست الخبز تحت ثوبي وردّتني ببعضه، يقال: دسّ الشىء يدسه
دسًا، إذا أدخله في الشىء بقهر وقوّة، (ثم أرسلتني إلى رسول اللَّه عَلّ، فذهبت به، فوجدت

٤٥
تکثیر الطعام القلیل بیر کته ودعائه عځ.
رسول الله عَّةٍ في المسجد ومعه الناس، فسلمت عليه، فقال لي رسول الله عَّ له.
أرسلك أبو طلحة؟ قلت: نعم، قال: لطعام؟ قلت: نعم، فقال رسول الله عَ لّه لمن
معه: قوموا، فانطلق وانطلقت بين أيديهم، حتى جئت أبا طلحة فأخبرته، فقال أبو
طلحة: يا أم سليم قد جاء رسول الله عٍَّ بالناس، وليس عندنا ما نطعمهم، فقالت:
الله ورسوله أعلم، فانطلق أبو طلحة حتى لقي رسول الله عَّله، فأقبل رسول الله عَ ليه
وأبو طلحة معه، فقال رسول الله عَّله: هلمي يا أم سليم ما عندك، فأنت بذلك
الخبز، فأمر به رسول الله عَّلِ ففت، وعصرت أم سليم عكة
رسول اللَّه عَّ في المسجد ومعه الناس، فسلمت عليه،) لفظ البخاري: فقمت عليهم،
(فقال لي رسول اللّه عَّة: أرسلك)، بهمزة ممدودة للاستفهام، كذا في الفتح (أبو طلحة؟))،
قلت: نعم، قال: ((الطعام))؟)، أي: لأجله، (قلت: نعم فقال رسول اللّه عَّ لمن معه) من صحبه:
(قوموا يأتي الجواب عمّا فيه من شبه التنافي، (فانطلق) وأصحابه ولأبي نعيم، فقال للقوم:
انطلقوا وهم ثمانون رجلاً، (وانطلقت بين أيديهم،) ولأبي نعيم: أخذ عَّ بيدي، فشده، ثم
أقبل بأصحابه حتى إذا دنوا، أرسل يدي، فدخلت وأنا حزين لكثرة من جاء معه، (حتى جئت أبا
طلحة، فأخبرته:) بمجیئهم.
وفي رواية: قال يا أنس فضحتنا، وللطبراني: فجعل يرميني بالحجارة، (فقال أبو طلحة: يا
أم سليم، قد جاء رسول اللَّه عَّم بالناس، وليس عندنا ما نطعمهم،) أي: قدر ما يكفيهم،
(فقالت: اللَّه ورسوله أعلم؛) كأنها عرفت أنه فعل ذلك عمّدا ليظهر الكرامة في تكثير الطعام،
ودل ذلك على فضل أم سليم، ورجحان عقلها، (فانطلق أبو طلحة حتى لقى رسول) عَبد،
وقال: إنما أرسلت أنسا يدعوك وحدك، ولم يكن عندنا ما يشبع من أرى إنما هو قرص، فقال: ((إن
اللَّه سيبارك فيه))؛ كما في روايات تأتي، (فأقبل رسول اللَّه عَّهُ وأبو طلحة معه) حتى دخل
على أم سليم، (فقال رسول اللَّه عَّةِ: ((هلمي،) كذا لأبي ذر عن الكشميهني، بالتحتية، وهي
لغة تميم، وللأكثر: هلمّ، بفتح الميم مشدّدة مع خطاب المؤنثة، وهي لغة حجازية لا يؤنث ولا
يجمع، ومنه: والقائلين لإخوانهم هلمّ إلينا، والمراد: الطلب، أي: هات (يا أم سليم ما عندك))
فأنت بذلك الخبز) الذي كانت أرسلته مع أنس، ويحتمل أنه لما أخبره أخذته منه؛ وأنه كان
باقيًا معه، وخاطبها لأنها هي المتصرفة، (فأمر به رسول عَّةٍ ففت) بضم الفاء، وشد الفوقية،
أي: كسر، (وعصرت أم سليم عكة،) بضم المهملة، وشد الكاف إناء من جلد مستدير، يجعل
فيه السمن غالبًا والعسل، وفي رواية: فقال: هل من سمن؟، فقال أبو طلحة: قد كان في العكة
شىء، فجعلا يعصرانها حتى خرج، ثم مسح عَّ به سبابته، ثم مسح القرص فانتفخ، وقال:

٤٦
تكثير الطعام القليل ببركته ودعائه سلطته.
فأدمته، ثم قال رسول الله عٍَّ فيه ما شاء الله أن يقول، ثم قال: ائذن لعشرة، ثم لعشرة،
فأذن لهم فأكلوا حتى شبعوا والقوم سبعون أو ثمانون رجلاً. رواه البخاري ومسلم.
والمراد بالمسجد - هنا - الموضع الذي أعده النبي عَّه للصلاة فيه حين
حاصره الأحزاب بالمدينة في غزوة الخندق.
وفي رواية: لمسلم أنه قال: ائذن لعشرة، بالدخول فدخلوا فقال: كلوا وسموا
الله، فأكلوا حتى فعل ذلك بثمانين رجلاً، ثم أكل النبي علّهه وأهل البيت وتركوا
سؤرًا. أي بقية وهو بالهمزة.
وفي رواية للبخاري:
(بسم اللَّه))، فلم يزل يصنع ذلك القرص والقرص ينتفخ حتى رأيت القرص في الجفنة يتسع،
(فأدمته،) أي: صيّرت ما خرج من العكة إدامًا له، (ثم قال رسول اللَّه عَ لَّه فيه ما شاء اللَّه أن
يقول) في رواية أحمد: فقال: ((بسم الله))، وفي مسلم: فمسحها ودعا فيها بالبركة، ولأحمد:
فجئت بها، ففتح رباطها، ثم قال: ((بسم اللَّه الَّلهم أعظم فيها البركة))، (ثم قال: ((ائذن لعشرة))
بالدخول؛ لأنه أرفق، (ثم لعشرة) ثانية، (فأذن لهم، فأكلوا حتى شبعوا، والقوم سبعون أو
ثمانون رجلاً،) بالشك من الراوي، وعند أحمد ومسلم وغيرهما، حتى فعل ذلك بثمانين رجلاً
بالجزم، ولأحمد أيضًا: كانوا نيفًا وثمانين ولا منافاة، لأنه ألغى الكسر، وفي مسلم وفضلت
فضله، فأهدينا لجيراننا، ولأبي نعيم: حتى أهديت أم سليم لجيرانها، (رواه البخاري ومسلم،)
كلاهما في الأطعمة من رواية إسحق بن عبد اللَّه بن أبي طلحة، عن أنس والبخاري أيضًا في
علامات النبوّة، وروى بعضه في الصّلاة، وأخرجه الترمذي في المناقب والنسائي في
الوليمة، (والمراد بالمسجد هنا: الموضع الذي أعده النبيّ عَّةٍ للصّلاة فيه حين حاصره
الأحزاب بالمدينة في غزوة الخندق،) لا المسجد النبوي.
(وفي رواية لمسلم، أنه قال: (ائذن لعشرة)) بالدخول، فأذن لهم (فدخلوا، فقال:
((كلوا وسمّوا الله))، فأكلوا،) وفي رواية أحمد: ((فوضع يده وبسط القرص، وقال: ((كلوا بسم
الله))، فأكلوا من حوالي القصعة حتى شبعوا، ثم قال لهم: ((قوموا وليدخل عشرة مكانكم))،
(حتى فعل ذلك بثمانين رجلاً،) فجزم بثمانين، (ثم أكل النبيّ عَ ليه) بعد ذلك (وأهل البيت،
وتركوا سؤرًا، أي: بقية، وهو بالهمزة) الفضلة والبقية.
(وفي رواية للبخاري ) في الأطعمة عن أنس: أن أمّه عمدت إلى مدّ شعير جشته، منه
خطيفة، وعصرت، عكة عندها، ثم بعثتني إلى النبيّ عَّله، فأتيته وهو في أصحابه، فدعوته، قال:

٤٧
تكثير الطعام القليل ببركته ودعائه مياه.
وقال: أدخل على عشرة، حتى عد أربعين، ثم أكل النبي عَِّ ثم قام، فجعلت
أنظر هل نقص منها شىء.
وفي رواية يعقوب: أدخل علي ثمانية ثمانية، فما زال حتى دخل عليه
ثمانون، ثم دعاني ودعا أمي وأبا طلحة فأكلنا حتى شبعنا. انتهى.
وهذا يدل على تعدد القصة، فإن أكثر الروايات فيها أنه أدخلهم عشرة
عشرة سوى هذه، قال الحافظ بن حجر، قال: وظاهره أنه عليه الصلاة والسلام
دخل لمنزل أبي طلحة وحده، وصرح بذلك في رواية عبد الرحمن بن أبي ليلى
ولفظه: فلما انتهى رسول الله عَّةٍ إلى الباب قال لهم: اقعدوا ودخل. وفي رواية
يعقوب عن أنس:
ومن معي، فقلت: أنه يقول ومن معي، فخرج إليه أبو طلحة، فقال: يا رسول اللَّه! إنما هو شىء
صنعته أم سليم، فدخل وجىء به، (وقال: ((أدخل،) بفتح الهمزة، وكسر الخاء (على عشرة)
من الذين حضروا معه، فدخلوا معه، فأكلوا حتى شبعوا، ثم قال: ((أدخل عليّ عشرة))، فدخلوا،
فأكلوا حتى شبعوا، ثم قال: ((أدخل عليّ عشرة))، (حتى عدّ أربعين) رجلاً،(ثم أكل النبيّ عَبێ،
ثم قام،) قال أنس: (فجعلت أنظر) إلى القصعة (هل نقص منها شىء) من الطعام، إشارة إلى أنه
لم ینقص شىء منها.
وفي رواية أحمد: حتى أكل منها أربعون رجلاً، وبقيت كما هي، قال الحافظ: وهذا يدل
على تعدد القصة.
(وفي رواية يعقوب بن عبد الله، بن أبي طلحة، عن أنس عند مسلم: ((أدخل عليّ
ثمانية ثمانية))) بالتكرير، أي: ثمانية بعد ثمانية، (فما زال حتى دخل عليه ثمانون، ثم دعاني
ودعا أمي) أم سليم، (وأبا طلحة) زوجها، (فأكلنا حتى شبعنا، انتهى، وهذا يدل على تعدد
القصة، فإن أكثر الروايات فيها، أنه أدخلهم عشرة عشرة سوى هذه،) فقال: ((أدخلهم ثمانية
ثمانية)).
(قال الحافظ ابن حجر في الفتح، (قال) فيه أيضًا: (وظاهره،) أي: قوله ائذن لعشرة،
فأذن لهم؛ (أنه عليه الصّلاة والسلام دخل لمنزل أبي طلحة وحده، وصرّح بذلك في رواية
عبد الرحمن بن أبي ليلى،) عن أنس عند أحمد ومسلم، (ولفظه: فلما انتهى رسول
اللَّه عَّه إلى الباب قال لهم: ((اقعدوا))، ودخل).
(وفي رواية يعقوب) بن عبد اللَّه بن أبي طلحة، ثقة، من صغار التابعين، (عن أنس) عند

٤٨
تكشير الطعام القليل ببركته ودعائه عد له.
فقال أبو طلحة: يا رسول الله إنما أرسلت أنسًا يدعوك وحدك، ولم يكن عندنا ما
يشبع من أرى، وفي رواية عمرو بن عبد الله عن أنس: فقال أبو طلحة: إنما هو
قرص، فقال: إن الله سيبارك فيه.
قال العلماء: وإنما أدخلهم عشرة عشرة - والله أعلم - لأنها كانت قصعة
واحدة، لا يمكن الجماعة الكثيرة أن يقدروا على التناول منها مع قلة الطعام،
فجعلوا عشرة عشرة لينالوا من الأكل ولا يزدحموا،
وأما قوله عليه الصلاة والسلام: ((أرسلك أبو طلحة؟)) قلت: نعم، قال:
لطعام؟ قلت: نعم، فقال لمن معه: قوموا: فظاهره: أن النبي عَِّ فهم أن أبا طلحة
استدعاه إلى منزله، فلذلك قال لمن عنده قوموا، وأول الكلام يقتضي أن أم سليم
وأبا طلحة أرسلا الخبز مع أنس؟!
فيجمع: بأنهما أرادا بإرسال الخبز مع أنس لأن يأخذه النبي عٍَّ فيأكله،
فلما وصل به أنس
مسلم، (فقال أبو طلحة: يا رسول اللَّه! إنما أرسلت أنسًا يدعوك وحدك، ولم يكن عندنا ما
يشبع من أرى،) فقال: ((أدخل، فإن اللَّه سيبارك فيما عندك)).
(وفي رواية عمرو،) بفتح العين، (ابن عبد اللَّه،) بن أبي طلحة الأنصاري، التابعي،
الصغير، ثقة، عابد، (عن أنس) عند مسلم، (فقال أبو طلحة: إنما هو قرص،) تقدّم التعبير
بأقراص، فنزلها لقلّتها منزلة القرص الواحد، (فقال: ((إن اللَّه سيبارك فيه))).
(قال العلماء: وإنما أدخلهم عشرة عشرة، والله أعلم) بالحكمة في ذلك؛ (لأنها كانت
قصعة واحدة لا يمكن الجماعة الكثيرة أن يقدروا على التناول منها مع قلة الطعام، فجعلوا
عشرة عشرة لينالوا من الأكل ولا يزدحموا،) فهو أرفق بهم أو لضيق البيت؛ كما قال
السيوطي، أو لهما معًا.
(وأما قوله عليه الصلاة والسلام: ((أرسلك أبو طلحة))؟، قلت: نعم، قال: ((الطعام)؟، قلت:
نعم، فقال لمن معه: (قوموا))، فظاهره أن النبي ◌َّ فهم أن أبا طلحة استدعاه)، طلب حضور
(إلى منزله، فلذلك قال لمن عنده: ((قوموا))، وأول الكلام يقتضي) اقتضاءً صريحًا (أن أم
سليم وأبا طلحة أرسلا الخبز مع أنس،) وقوله: (فيجمع بأنهما أرادا بإرسال الخبز مع
أنس،) سقطت هذه الجملة من غالب نسخ المصنف سهوًا منه أو نساخه، وهي ثابتة في الفتح
الذي هو ناقل عنه، وبها يستقيم الكلام؛ (لأَن يأخذه النبي عَّ فيأكله، فلما وصل به أنس،

٤٩
تکثیر الطعام القليل ببر كته ودعائه .
ورأى كثرة الناس حول النبي عَّه استحيى، وظهر له أن يدعو النبي عَ ◌ّه ليقوم معه
وحده إلى المنزل فيحصل مقصودهم من طعامه.
ويحتمل أن يكون ذلك عن رأي من أرسله، عهد إليه أنه إذا رأى كثرة
الناس أن يستدعي النبي عَّه وحده، خشية أن ذلك لا يكفي النبي عَ ◌ّه هو ومن
معه، وقد عرفوا إيثاره عليه الصلاة والسلام، وأنه لا يأكل وحده.
ووقع في رواية يعقوب بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس - عند أبي نعيم
وأصله عند مسلم - قال لي أبو طلحة: يا أنس اذهب فقم قريبًا من رسول الله عَ ليه،
فإذا قام فدعه حتى تتفرق عنه أصحابه، ثم اتبعه حتى إذا قام على عتبة بابه فقل
له: إن أبي يدعوك، وفيه: فقال أبو طلحة: يا رسول الله إنما أرسلت أنسا
ورأى كثرة الناس حول النبيّ عَّهِ استحيا، وظهر له أن يدعو النبيّ عَّه ليقوم معه وحده
إلى المنزل، فيحصل مقصودهم من طعامه،) وذلك من مزيد فظنته على صغر سنّه، (ويحتمل
أن يكون ذلك عن رأي من أرسله عهد إليه،) أي: أوصاه، (إذا رأى كثرة الناس أن يستدعي
النبيّ عَّهُ وحده، خشية أن ذلك لا يكفي النبيّ عَِّ هو ومن معه، وقد عرفوا إيثاره عليه
الصّلاة والسلام) على نفسه (وأنه لا يأكل وحده،) زاد الحافظ عقب هذا: وجدت أكثر
الروايات يقتضي أن أبا طلحة استدعى النبيّ عَّه أدعوه، وقد جعل طعامًا.
وفي رواية عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أنس: أمر أبو طلحة أم سليم أن تصنع
للنبيّ عَّه لنفسه خاصة، ثم أرسلني إليه.
وفي رواية يعقوب: فدخل أبو طلحة على أمي، فقال: هل من شىء؟، فقالت: عندي
كسر من خبز، فإن جاءنا عَّه وحده أشبعناه، وإن جاء أحد معه قلّ عنهم، وجميع ذلك عند
مسلم، وفي رواية أحمد: أبا طلحة، قال: اعجنيه واصلحيه عسى أن ندعو رسول اللَّه.
(ووقع في رواية يعقوب بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس عند أبي نعيم، وأصله
عند مسلم، قال لي أبو طلحة: يا أنس! اذهب، فقم قريبًا من رسول اللَّه عَّهِ، فإذا قام،
فدعه حتى تتفرق عنه أصحابه، ثم اتبعه حتى قام على عتبة بابه) الذي يأوي إليه، (فقل له:
إن أبي) فيه تجوز لأنه ربيبه، (يدعوك))) روراية يعقوب هذه ذكرها الحافظ، استدلالاً على أن
طلحة استدعاه مسقطًا لفظ وقع، بل قال عقب ما ذكرته عنه.
وفي رواية يعقوب، فذكرها، (وفيه: فقال أبو طلحة: يا رسول الله! إنما أرسلت أنسًا

٥٠
تكثير الطعام القليل ببركته ودعائه عليه.
يدعوك وحدك، ولم يكن عندي ما يشبع من أرى، فقال: ادخل فإن الله يبارك فيما
عندك.
وإليك النظر، فقال هل من سمن؟ فقال أبو طلحة: قد كان في العكة شىء
فجاء بها، فجعلا يعصرانها حتى خرج،
يدعوك وحدك)، وهذا صريح أيضًا في أنه استدعاه لمنزله، (ولم يكن عندنا ما يشبع من أرى)
معك، (فقال: أدخل، فإن اللَّه يبارك فيما عندك))) وبقيّة الروايات التي استدلّ بها الحافط هي.
وفي رواية عمرو بن عبد الله بن أبي طلحة، عند أبي يعلم عن أنس، قال لي أبو طلحة:
اذهب فادع رسول اللَّه عَ لَّهِ.
وعند البخاري من رواية ابن سيرين في الأطعمة عن أنس: ثم بعثني إلى رسول اللَّه ◌ُ لِّ،
فأتيته، وهو في أصحابه، فدعوته.
وعند أحمد من رواية النضر بن أنس عن أبيه، قالت لي أمّ سليم: اذهب إلى
رسول اللَّه ◌َّهِ، فقل له: إن رأيت أن تغذّى عندنا، فافعل.
وفي رواية، عمرو بن يحيى المازني، عن أبيه، عن أنس عند البغوي، فقال أبو طلحة:
اذهب يا بني إلى النبيّ عَّه، فادعه، فجئته، إن أبي يدعوك.
وفي رواية محمّد بن كعب عند أبي نعيم، فقال: يا بني اذهب إلى رسول اللَّه عَ لَه،
فادعه، ولا تدع معه غيره، ولا تفضحني، انتهى. ولم يتنزل الحافظ للجمع بين هذه الروايات
وبين مقتضى أول الصحيحين لسهولته، وهو أنه أرسله يدعوه وحده، وأرسل معه الخبز، فإن جاء
قدّموه له، وإن شقّ عليه المجيء لمحاصرة الأحزاب، أعطاه الخبز سرًّا.
وأمّا اختلاف الروايات في أنه أقراص، أو كسر من خبز، فكانت أقراصًا مكسورة، وقوله:
اعجنيه واصلحيه يحمل على تليينه بنحو ماء أو سمن ليسهل تناوله، كأنه كان يابسًا، كما هو
شأن الكسر غالبًا، هذا ما ظهر لي، (وإليك النظر).
وفي رواية مبارك بن فضالة، بفتح الفاء، وتخفيف المعجمة، البصري، صدوق يدلس
ويسوى، مات سنة ست وستين ومائة على الصحيح، روى له أبو داود، والترمذي، وابن ماجه،
أي: روايته عن بكر بن عبد الله، وثابت، عن أنس عند الإمام أحمد، (فقال عَّه) لمّا دخل وأتته
أم سليم بذلك الخبز:) (((هل من سمن؟))؟، نأدم به الخير، (فقال أبو طلحة: قد كان في العكة
شىء) قليل من السمن، (فجاء بها، فجعلا يعصرانها حتى خرج،) لا ينافيه رواية الصحيحين
السابقة بلفظ: وعصرت أم سليم عكة، فأدمته؛ لاحتمال أنها حين أتت بها عصرتها، ثم أخذاها

٥١
تکثیر الطعام القلیل ببرکته ودعائه عباده.
ثم مسح رسول الله عَ﴾ القرص فانتفخ، وقال: بسم الله، فلم يزل يصنع ذلك
والقرص ينتفخ حتى رأيت القرص في الجفنة يتسع.
وفي رواية النضر بن أنس: فجئت بها ففتح رباطها ثم قال: بسم الله، اللَّهم
أعظم فيها البركة، وعرف بهذا المراد بقوله في رواية الصحيحين: ((قال ما شاء الله
أن يقول)).
وفي رواية عن أنس عند أحمد: أن أبا طلحة رأى رسول الله عَ لَه طاويًا.
وعند أبي يعلى من طريق محمد بن سيرين عن أنس: أن أبا طلحة بلغه أنه
ليس عند رسول الله عَّله طعام فآجر نفسه بصاع من شعير فعمل بقية يومه ذلك ثم
جاء به الحديث.
منها وعصراها، استفراغًا لما بقي فيها، أو أنهما ابتدءا عصرها، ثم حاولت بعد عصرهما إخراج
شىء منها، (ثم) بعد فراغ العصر ووصول السمن إلى الخبز، (مسح رسول اللَّه عَ ◌ّ القرص، )
لا ينافيه أن الخبز فتّ وجعل عليه السمن، كما مرّ؛ لأن السمن لما وضع على الفت اجتمع،
فصار كالقرص الواحد، فلذا عبّر به، وتقدم أن أبا طلحة عبّر عنها بقرص قبل فتّها لقلتها، وهذا
غير ذاك، (فانتفخ،، وقال:) ) (.بسم اللَّه)، (فلم يزل يصنع ذلك) المسح والتسمية، (والقرص
ينتفخ، حتى رأيت القرص في الجفنة يتسع، وفي رواية النضر بن أنس) بن ملك الأنصاري،
البصري، التابعي، الوسط، ثقة، روى له الجماعة، مات سنة بضع ومائة، أي: عن أبيه أنس في
مسند أحمد، (فجئت بها) أي: العكة، (ففتح عَّ رباطها) بيده الميمونة، (ثم قال:) (((بسم
اللَّه، اللَّهم أعظم فيها البركة))، وعرف بهذا المراد بقوله في رواية الصحيحين) المتقدّمة، ثم
(قال ما شاء اللَّه أن يقول،) فالروايات تفسر بعضها.
(وفي رواية) بكر وثابت، (عن أنس، عند أحمد؛ أن أبا طلحة رأى رسول اللَّه عَّ.
طاويًا،) فلذا قال: أعرف فيه الجوع.
(وعند أبي يعلى من طريق محمد بن سيرين، عن أنس: أن أبا طلحة بلغه؛ أنه ليس
عند رسول اللَّه عَِّ طعام، فآجر نفسه) في عمل (بصاع من شعير، فعمل بقية يومه ذلك، ثم
جاء به الحديث،) وهو مخالف للروايات السابقة واللاحقة؛ أنه سأل أم سليم، أعندها شىء؟،
فأخبرته بالخبز، وأنه فتّ وجعل عليه سمن، والجمع بينهما؛ أنه تعدد مرتين، مرّة سألها، فوجد
الخبز، ففعل ما ذكر، وبعثه مع أنس قبل ذلك؛ لاحتمال أن لا يجىء فيعطيه له فجاء ومعه ثمانون
أو أزيد، وأدخلهم عشرة عشرة، مرة لم يسألها، بل آجر نفسه بالصاع، وأتي به إليها، وقال:

٥٢
تكشير الطعام القليل ببركته ودعائه عن اليه.
وفي رواية عمرو بن عبد الله بن أبي طلحة عند مسلم وأبي يعلى قال: رأى
أبو طلحة رسول الله عَّ يتقلب ظهر البطن. وفي رواية يعقوب بن عبد الله بن أبي
طلحة عند مسلم أيضًا عن أنس قال: جئت رسول الله عَّم فوجدته جالسًا مع
أصحابه يحدثهم وقد عصب بطنه بعصابة، فسألت بعض أصحابه فقال من الجوع،
فذهبت إلى أبي طلحة فأخبرته، فدخل على أم سليم فقال: هل من شىء
الحدیث.
وفي رواية محمد بن كعب عن أنس عند أبي نعيم قال: جاء أبو طلحة إلى
أم سليم فقال: أعندك شىء؟ فإني مررت على النبي عَّ ◌ُلّه وهو يقرىء أصحاب
الصفة سورة النساء وقد ربط على بطنه حجرًا.
أعجنيه وأصلحيه، فجعلته عصيدة، ودعاه فجاء ومعه أربعون، وأدخله ثمانية، وبهذا تتضح
الروايات، وإليه أوما الحافظ وإن لم يفصح به، فقال في رواية ابن سيرين عن أنس غير القصة
التي رواها غيره، وقال قبل ذلك، كما قدمته عنه، يدل على التعدد ما بين العصيدة والخبز
المفتوت، الملتوت بالسمن من المغايرة انتهى. واللَّه أعلم.
(وفي رواية عمرو بن عبد الله بن أبي طلحة،) وهو أخو إسحق، روي حديث الباب،
(عند مسلم وأبي يعلى) عن أنس، ( قال: رأى أبو طلحة رسول اللَّه عَ لّه يتقلب ظهر البطن)
من الجوع، (وفي رواية يعقوب بن عبد الله بن أبي طلحة عند مسلم أيضًا، عن أنس، قال:
جئت رسول اللّه عَّةِ، فوجدته جالسًا مع أصحابه يحدثهم. وقد عصب بطنه بعصابة، فسألت
بعض أصحابه) لم عصب بطنه؟، (فقال: من الجوع، فذهبت إلى أبي طلحة، فأخبرته،
فدخل على أم سليم، فقال: هل من شىء ... الحديث.
(وفي رواية محمّد بن كعب) بن ملك الأنصاري، السلمي، بالفتح المدني، التابعي،
الوسط، ثقة، روى له مسلم وابن ماجة، (عن أنس عند أبي نعيم، قال: جاء أبو طلحة إلى أم
سليم،) بنت ملحان الأنصاري، اسمها سهلة، أو رملية، أو مليكة، أو أنيفة، اشتهرت بكنيتها،
وكانت من الصحابيّات الفاضلات، ماتت في خلافة عثمن، (فقال: أعندك شىء؟، فإني مررت
على النبيّ عٍَّ وهو يقرىء أصحاب الصفة سورة النساء، وقد ربط على بطنه حجرًا) من
الجوع، وفيه ردّ على دعوى ابن حبان؛ أنه لم يكن يجوع؛ لحديث: ((أبيت يطعمني ربّي
ويسقيني)، وأجيب بحمله على تعدد الحال، فكان أحيانًا يجوع إذا لم يواصل ليتأسى به أصحابه،
ولا سيما من لا يجد مردًا، فيصبر على الجوع فيتضاعف أجره، كما مرّ مفصّلاً.

٥٣
تكثير الطعام القليل ببركته ودعائه عند له
وعن أبي هريرة أنه قال: لما كان غزوة تبوك أصاب الناس مجاعة، فقال عمر:
يا رسول الله أدعهم بفضل أزوادهم، ثم ادع الله لهم عليها بالبركة، فقال: نعم،
فدعا بنطع فبسط، ثم دعا بفضل أزوادهم فجعل الرجل يجيء بكف ذرة، ويجيء
الآخرة بكسرة، حتى اجتمع على النطع شىء يسير، فدعا رسول الله عَ ليه بالبركة ثم
قال: خذوا في أوعيتكم، فأخذوا في أوعيتهم، حتى ما تركوا في العسكر وعاء إلا
ملؤوه. قال: فأكلوا حتى شبعوا وفضلت فضلة فقال رسول الله عَّه: أشهد أن لا
إله إلا الله، وأني رسول الله،
(وعن أبي هريرة، أنه قال: لمّا كان) تامّة، أي: وجد (غزوة تبوك أصاب الناس
مجاعة،) وفي رواية: مخمصة، فاستأذن الناس رسول اللَّه عَّه في نحر ظهورهم، قالوا: يبلغنا اللَّه
عزّ وجلّ، فأذن، فعلم عمر، فجاء فقال: يا نبيّ اللَّه! ماذا صنعت، أمرت الناس أن ينحروا الظهر،
فعلى ماذا يركبون؟، قال: ((فما ترى يا ابن الخطاب))؟، (فقال عمر: يا رسول الله! ادعهم)
ألزمهم، وفي لفظ: أرى أن تأمرهم أن يأتوا (بفضل أزوادهم،) أي: بقيّتها، أو ما فضل من
أزوادهم التي لا تكفيهم في الأكلة الثانية والألم يستأذنوه في نحر الظهر، (ثم ادع اللَّه لهم
عليها بالبركة:) النمو والزيادة فيها، فإن اللّه عوّدك في الدعاء خيرًا، (فقال: ((نعم))). (فدعا
بنطع،) بكسر النون، وفتح الطاء، على أفصح لغاته، وفتح النون والطاء، وفتح النون، وإسكان
الطاء: ما يتخذ من الأدم، وتقدّم مرارًا، (فبسط، ثم دعا بفضل أزوادهم، فجعل الرجل يجىء
بكف ذرة ويجىء الآخر بكسرة،) وفي رواية: فجعل الناس يأتون بالحثية من الطعام، وفوق
ذلك، أعلام من جاء بالصاع من التمر، فجعلها عَّه في ثوب، أي: فوق النطع، (حتى اجتمع
على النطع شىء يسير،) قال سلمة بن الأكوع: فحزرته، كربضة العنز، براء، موحدة، ومعجمة،
أي: مقدار جثة عنز باركة على الأرض، أو هو تقدير لموضع من النطع بموضع ربوضها، (فدعا
رسول اللَّه عَّه بالبركة، ثم قال: ((خذوا في أوعيتكم))، فأخذوا في أوعيتهم حتى ما تركوا
في العسكر وعاء إلا ملؤوه) مما اجتمع عنده.
وفي رواية لمسلم: حتى ملؤوا.
(قال: فأكلوا حتى شبعوا، وفضلت فضلة) منه وفي رواية: فملأ كل إنسان وعاءه، ولم
يبقَ في الجيش وعاء إلا ملؤوه، حتى إن الرجل ليعقد قميصه، فيأخذ فيه، وبقي منه،
فضحك ◌َِّ حتى بدت نواجذه، (فقال رسول اللَّه عَ له: ((أشهد أن لا إله إلاّ اللَّه، وأني رسول
اللَّه)))، مناسبتها لما قبلها من إظهار المعجزة، إعلامهم أن القصد منهم الثبوت عليها من غير

٥٤
تكثير الطعام القليل ببركته ودعائه عـ
لا يلقى الله بهما عبد غير شاك فيحجز عن الجنة. رواه مسلم.
وعن أنس قال: كان رسول الله عَِّه عروسًا بزينب، فعمدت أمي أم سليم
إلى تمر وسمن وأقط فصنعت حيسًا، فجلعته في تور، فقالت: يا أنس اذهب بهذا
إلى رسول الله عَّلِ فقل: بعثت بهذا إليك أمي، وهي تقرئك السلام، فقال
رسول الله عَّله: ضعه، ثم قال: اذهب فادع لي فلانًا وفلانًا، رجالاً سماهم، وادع
لي من لقيت، فدعوت من سمى ومن لقيت، فرجعت فإذا البيت غاص
شك؛ كما أفاد بقوله: (((لا يلقى اللَّه بهما عبد غير شاك، فيحجز) بالنصب، أي: يمنع (عن
الجنّة) حجز تأييد، وكذا رواية: ((ألا حجبت عنه النار))، أي: حجب تأييد، فلا ينافي دخولها
البعض لتطهيره، ويحتمل أن عدم شكه قبل لقاء اللَّه، ملاحظًا التوبة إلى الله والتمحيص من
الذنوب، فلا يحجب عن الجنة ابتداء، بل يكون مع السابقين، وتحجب عنه النار من أول الأمر،
(رواه مسلم) وأحمد، وأخرجه البخاري عن سلمة بن الأكوع بنحوه.
(وعن أنس، قال: كان رسول اللَّه عَظَلِّ عروسًا بزينب) بنت جحش الأسدية، فقالت لي
أمّ سليم: لو أهدينا إلى رسول اللَّه هدية، فقلت لها: افعلي، (فعمدت،) بفتح الميم (أمّي أمّ
سليم إلى تمر وسمن وأقط، فصنعت حيًا،) بفتح الحاء المهملة، وإسكان الياء، وبالسين
المهملة، وهو خلط المذكور، قال:
التمر والسمن جميعًا والإقط الحيس إلاّ أنه لم يختلط
أي: لم يختلط فيما حضر الشاعر فيما عناه، فهو حيس بالقوّة لا بالفعل، وقيل: الحيس
تمر ينزع نواه، ويخلط بالسويق.
قال ابن قرقول: والأوّل أعرف، (فجعلته في تور،) بفتح الفوقية، وإسكان الواو: إناء من
صفر، أو حجارة.
وفي رواية البخاري: في برمة، أي: قدر، أو من حجر، (فقالت: يا أنس اذهب بهذا إلى
رسول اللّه عَّهِ، فقل: بعثت بهذا إليك أمّي، وهي تقرئك السلام).
وفي رواية البخاري: فأرسلت بها معي إليه، فانطلقت بها إليه، (فقال عَّ لِ: ((ضعه)))) أي:
التور، وفي رواية البخاري: ضعها، أي: البرمة، (ثم قال: ((اذهب فادع لي فلانًا وفلانًا))، رجالاً
سمّاهم،) أي: عينهم بأسمائهم، ((وادع لي من لقيت))،) بتاء الخطاب، تعميم بعد تخصيص،
(فدعوت من سمّى ومن لقيت).
وفي رواية البخاري: ففعلت الذي أمرني، (فرجعت، فإذا البيت غاصّ،) بغين معجمة،

٥٥
تکثیر الطعام القلیل بیر کته ودعائه ێ.
بأهله، قيل لأنس: عددكم كانوا؟ قال: زهاء ثلاثمائة، فرأيت النبي عَّ وضع يده
على تلك الحيسة وتكلم بما شاء الله، ثم جعل يدعو عشرة عشرة يأكلون منه،
ويقول لهم: اذكروا اسم الله، وليأكل كل رجل مما يليه، قال: فأكلوا حتى شبعوا،
فخرجت طائفة حتى أكلوا كلهم، قال لي: يا أنس ارفع فرفعت، فما أدري حين
وضعت كان أكثر أم حين رفعت. رواه البخاري ومسلم.
وصاد مهملة مشدّدة، بينهما ألف، أي: ممتلىء (بأهله، قيل لأنس: عددكم) معمول مقدّم؛
لقوله: (كانوا،) أي: عدد أي قدر كانوا، (قال: زهاء ثلاثمائة،) أي: مقدارها، (فرأيت
النبيّ عَ ﴾. وضع يده،) كذا بالإفراد، وفي البخاري: يديه، قال المصنف بالتثنية، (على تلك
الحيسة) التي أرسلتها أُمّ سليم لتحصل البركة، (وتكلّم بما شاء اللَّه) أن يتكلّم، وفي رواية:
فوضعه قدّامه، وغمس ثلاث أصابع، ولا منافاة، فإنّه وضع يديه جميعًا عليها حين الدعاء قبل
الأكل، ثم لما أطعم القوم أكل معهم بأصابعه الثلاث على سنّته، فلا تردّ الرواية التي في
المصنّف إلى الأخرى، فيقال: أي بعض يده، كما توهّم، (ثم جعل يدعو عشرة عشرة) من
القوم الذين اجتمعوا (يأكلون منه،) أي: الطعام المسمّى حيسة، أو الضمير للتور، (ويقول لهم:
(اذكروا اسم اللَّه)) بأن تقولوا: بسم اللَّه قبل الأكل، (وليأكل كل رجل مما يليه))، قال) أنس:
(فأكلوا حتى شبعوا، فخرجت طائفة حتى أكلوا كلّهم، قال لي: (يا أنس ارفع) الإناء، وفي
رواية: لترفع بلام الأمر والخطاب، والرواية الأولى أفصح، (فرفعت، فما أدري حين وضعت،)
بضم التاء للمتكلّم، أي: حين وضعته، أو بتاء تأنيث ساكنة، (كان) الطعام أو التور، وفي رواية:
كانت بالتأنيث، أي: الآتية (أكثر أم حين رفعت))،) بضمّ التاء وإسكانها، (رواه البخاري
ومسلم،) واللفظ لهما كلاهما في النكاح، وبقيّته عندهما: فخرج من خرج، وبقي نفر
يتحدّثون، وجعلت اغتمّ، ثم خرج النبيّ عَّه نحو الحجرات، وخرجت في أثره، فقلت: إنهم قد
ذهبوا، فرجع، فدخل البيت وأرخى الستر، وإني لفي الحجرة، وهو يقول: ﴿يا أيّها الذين آمنوا لا
تدخلوا بيوت النبي﴾ الآية، إلى قوله: ﴿واللَّه لا يستحيي من الحق﴾ [الأحزاب/٥٣] الآية.
قال في الفتح: استشكل عياض ما وقع هنا؛ أن الوليمة بزينب كانت من الحيس الذي
أهدته أم سليم، فالمشهور في الروايات أنه أولم عليها بالخبز واللحم، ولم يقع في القصّة تكثير
ذلك الطعام، وإنّما فيها أنه أشبع المسلمين خبزًا ولحمًا، فهذا وهم من راويه، وتركيب قصّة على
أخرى، وأجاب: بأن حضور الحيسة صادف حضور الخبز واللحم، فأكلوا كلّهم من ذلك.
وقال القرطبي: لعلّ الذين دعوا إلى الخبز واللحم أكلوا حتى شبعوا، وذهبوا ولم يرجعوا،
وبقي النفر الذين كانوا يتحدّثون عنده حتى جاء أنس بالحيسة، فأمره أن يدعو ناسًا آخرين ومن

٥٦
تكثير الطعام القليل ببركته ودعائه عنّيّ.
وعن جابر قال: إن أم لملك كانت تهدي إلى النبي عَّ في عكة لها سمنًا،
فيأتيها بنوها فيسألون الأدم، وليس عندهم شىء، فتعمد إلى الذي كانت تهدي فيه
للنبي عَّ ◌ُلّم فتجد فيه سمنًا، فما زال يقيم لها أدم بيتها حتى عصرته، فأنت
النبي عَّ له فقال: أعصرتيها؟ قالت: نعم، قال: لو تركتيها ما زال قائمًا. رواه مسلم.
لقى، فدخلوا فأكلوا أيضًا حتى شبعوا، واستمرّ أولئك النفر يتحدّثون، انتهى، ولعلّ جواب عياض
أقرب.
(وعن جابر، قال: إن أمّ لملك) الأنصارية، أوردها في الإصابة في الكنى ولم يسمّها، بل
ذكر هذا الحديث، (كانت تهدي إلى النبيّ عَّ في عكّة لها سمنًا، فيأتيها بنوها، فيسألون
الأدم،) أي: ما يأتدمون به، وفي رواية: فيسألون السمن، (وليس عندهم شىء، فتعمد،) بكسر
الميم: تقصد (إلى الذي كانت تهدي فيه) ذكره، باعتبار الوعاء (للنبيّ عَُّلّه، فتجد فيه
سمنًا، فما زال:) استمرّ السمن الذي تجده (يقيم لها أدم بيتها) واحد البيوت، وفي نسخة:
بنيها جمع ابن، والأولى أبلغ في المعجزة، (حتى عصرته،) أي: الظرف أو الإناء المعبّر عنه
بعكّة، أو الضمير للسمن باعتبار محلّه لكن في مسلم حتى عصرتها بالتأنيث، (فأتت
النبيّ عَّهِ) فذكرت ذلك له؛ كما في مسلم. (فقال: ((أعصرتيها))؟،) استفهام إنكاري، ولا
يخفى أن التاء فاعل، والياء للإشباع لا لغة، قال شيخنا في التقرير: وفي ظنّي أن في الرضى ما
يفيد جواز دخولها على ضمير الغيبة المؤنث أو المذكّر، كأخذتيه، (قالت: نعم، فقال: ((لو
تركتيها ما زال) السمن (قائمًا))، رواه مسلم) من طريق أبي الزبير عن جابر، وروى ابن أبي
عاصم، وابن أبي خيثمة، عن أمّ لملك الأنصاري: أنها جاءت بعكّة سمن إلى النبيّ عَّه، فأمر
بلالاً بعصرها، ثم دفعها إليها، فإذا هي مملوأة، فجاءت، فقالت: أنزل فيّ شىء؟، قال: ((وما
ذاك))؟، قالت: رددت عليّ هديتي، فدعا بلالاً فسأله، فقال: والذي بعثك بالحقّ لقد عصرتها
حتى استحييت، فقال: ((هنيئًا لك هذه بركة يا أم لملك، هذه بركة عجّل اللَّه لك ثوابها))، ثم
علّمها أن تقول دبر كل صلاة: سبحان اللَّه عشرًا، والحمد للَّه عشرًا، واللَّه أكبر عشرًا، وترجم
في الإصابة أمّ لملك، وساق حديث مسلم، ثم ترجم ثانيًا وذكر هذا الحديث، ثم قال: وكلام
ابن منذه ظاهر في أنهما واحدة، ووقع لأم سليم قصّة شبيهة بهذه.
أخرج الطبراني عن أنس عن أُمّه: كانت لي شاة، فجعلت من سمنها في عكّة، فبعثت بها
مع زينب إلى النبيّ عَّه، فقال: (أفرغوا لها عكّتها)، ففرغت وجاءت بها، فجاءت أُمّ سليمٍ فرأت
العكّة ممتلئة تقطر سمنًا، فقالت: يا زينب ألست أمرتك أن تبلغي هذه العكّة لرسول اللَّه عَّه.
يأتدم بها؟ قالت: قد فعلت، فإن لم تصدّقيني فتعالي معي، فذهبت معها إلى النبيّ عَّل. فأخبرته،

٥٧
تكثير الطعام القليل ببركته ودعائه عليه.
وعنه أن رجلاً أتى النبي عَ لَّه يستطعمه، فأطعمه شطر وسق من شعير، فما
زال يأكل منه وامرأته وضيفه حتى كاله، فأتى النبي معَِّ فأخبره، فقال: لو لم تكله
لأكلتم منه ولقام بكم. رواه مسلم أيضًا.
والحكمة في ذهاب بركة السمن حين عصرت العكة، وإعدام الشعير حين
كاله، أن عصرها وكيله مضاد للتسليم والتوكل على رزق الله تعالى، ويتضمن
التدبير والأخذ بالحول والقوة، وتكلف الإحاطة بأسرار حكم الله وفضله، فعوقب
فاعله بزواله، قاله النووي.
فقال: ((قد جاءت بها))، فقلت: والذي بعث بالهدى ودين الحقّ إنها ممتلئة سمنًا تقطر، فقال:
(أتعجبين يا أمّ سليم، إن اللَّه أطعمك)).
(وعنه،) أي: جابر (أن رجلاً من أهل البادية لم يسمّ، (أتى النبيّ عَّه يستطعمه:)
يطلب منه طعامًا له ولأهله لشدّة حاجته، (فأطعمه)،) أي: أعطاه؛ لأن الإطعام يكون بمعنى الإعطاء
كثيرًا، حتى إنه لكثرته يستعمل فيما لا يؤكل، كأطعمة السلطان بلدة، وهو مجاز مرسل، أو
استعارة. (شطر،) بفتح أوّله، ولا يصح الكسر، أي: نصف (وسق،) بفتح الواو وكسرها (من
شعير،) وقال النووي: الشطر هنا معناه شىء، كذا فسره الترمذي، (فما زال يأكل منه وامرأته) ،
بالرفع، عطف على الضمير المستتر في يأكل بلا فصل بمؤكّد، بل بقوله: منه، وهو فصيح،
والأفصح الفصل؛ كقوله: ((اسكن أنت وزوجك الجنّة))، وقد يعطف بلا فاصل، وهو قليل؛ كقول
عليّ: لو كنت، وأبو بكر، وعمر، (وضيفه،) أي: من ينزل عليه يطلق على الواحد وغيره، (حتى
كاله،) غاية، أي: استمرّ أكلهم منه بلا نقص شىء منه إلى أن كاله فظهر نقصه بعد الكيل بما
يأخذه منه، قال بعض: وهذا الرجل جدّ سعيد بن الحرث استعان بالنبيّ عَّ في إنكاحه فأنكحه
امرأة، فالتمس معَِّ ما سأله، فلم يجد، فبعث أبا رافع وأبا أيّوب بدرعة فرهنها عند يهودي في
شطر وسق من شعير، فدفعه عَّ إليه، قال: ((فأطعمنا منه))، وأكلنا منه سنة، ثم كلناه، فوجدناه
كما أدخلناه، (فأتى النبيّ عَّهِ فأخبره، فقال: ((لو لم تكله لأكلتم منه) دائمًا ما يكفيكم (ولقام
بكم))،) مدّة حياتكم من غير نقص، (رواه مسلم أيضًا) من طريق أبي الزبير عن جابر.
(والحكمة في ذهاب السمن حين عصرت) أم لملك (العكّة وإعدام الشعير حين كاله)
الرجل (أن عصرها، وكيله مضاد) كلّ منهما (للتسليم والتوكّل على رزق اللَّه تعالى، ويتضمّن
التدبير والأخذ بالحول والقوّة، وتكلّف الإحاطة بأسرار حكم) جمع حكمة (اللَّه وفضله،
فعوقب فاعله بزواله، قاله النووي) على مسلم.

٥٨
تكثير الطعام القليل ببركته ودعائه عَّا ه
وعن أبي العلاء سمرة بن جندب قال: كنا مع النبي عَّ نتداول من قصعة من
غدوة حتى الليل، يقوم عشرة ويقعد عشرة، قلنا: فما كانت تمد؟ قال: من أي شىء
تعجب ، ما كانت تمد إلا من لههنا، وأشار بيده إلى السماء، رواه الترمذي والدارمي.
وعنه: أُتي النبي ◌ُّ بقصعة فيها لحم، فتعاقبوها من غدوة حتى الليل،
يقوم قوم ويعقد آخرون، فقال رجل لسمرة: هل كانت تمد؟ قال: ما كانت تمد إلا
لههنا، وأشار بيده إلى السماء. رواه الدارمي وابن أبي شيبة والترمذي والحاكم
والبيهقي وصححوه، وأبو نعيم.
وقيل: إنما كان كذلك لإنشائه سرًّا من أسرار اللَّه ينبغي كتمه، وتقدّم أن هذا ونحوه
لا يعارض قوله عَطله: ((كيلوا طعامكم يبارك لكم فيه»؛ لأنه فيمن يخشى الخيانة، أو كيلوا
ما تخرجوه للنفقة منه لئلاّ يخرج أكثر من الحاجة، أو أقلّ، بشرط بقاء الباقي مجهولاً، أو كيلوه
عند الشراء، أو إدخاله المنزل.
(وعن أبي العلاء سمرة بن جندب،) بضمّ الدال وفتحها، ابن هلال الفزاري، حليف
الأنصار، الصحابي المشهور، مات بالبصرة، سنة ثمان وخمسين، وقيل: سنة تسع، وقيل: سنة
ستّین.
قال في الإصابة: يكنى أبا سليمن، (قال: كنّا مع النبيّ عَّ لم نتداول من قصعة،) بفتح
القاف فيها لحم، (من غدوة حتى اللّيل،) بالجرّ، ويجوز رفعه ونصبه، (يقوم عشرة ويقعد
عشرة(،) تفسير للتداول، قيل: المعروف من حديث سمرة من غدوة إلى الظهر يقوم قوم ويقعد
آخرون، (قلنا: فما كانت،) أي: أيّ شيء كانت (تمدّ،) أي: تزاد به، (قال: من أي شىء
تعجب؟، ما كانت تمدّ إلاّ من لههنا، وأشار بيده إلى السماء،) والمراد من إحسان اللَّه معجزة
له عَّ؛ كما يدلّ عليه السياق، لا أن الزيادة تنزل من السماء حقيقة، کنزول مائدة بني إسرائيل
بدعاء عيسى، (رواه الترمذي و) شيخه (الدارمي) عبد الله بن عبد الرحمن، (وعنه،) أي: سمرة
من وجه آخر، والحديث واحد. (أُتي) بالبناء للمفعول، إذ لا يتعلّق غرض ببيان الآتي
(النبيّ عَّ﴾ بقصعة فيها لحم) مطبوخ، (فتعاقبوها،) أي: قعد عليها عشرة بعد عشرة؛ كما في
رواية قبل، لأنّ كلاً منهم أتى عقب سابقة بلا فاصل، (من غدوة حتى اللّيل،) بالأوجه الثلاث،
(يقوم قوم ويقعد آخرون) تفسير للتعاقب وبين عدة القوم في الرواية قبله (فقال رجل لسمرة: هل
كانت تمد؟)، حتى كفت تلك المدّة الطويلة، (فقال: ما كانت تمدّ إلّ من لههنا، وأشار بيده
إلى السماء، رواه الدارمي) أيضًا، (وابن أبي شيبة، والترمذي، والحاكم، والبيهقي،

٥٩
تکثیر الطعام القلیل بیر کته ودعائه بۆ.
وفي حديث عبد الرحمن بن أبي بكر قال: كنا مع النبي عَِّ ثلاثين ومائة،
وذكر الحديث أنه عجن صاع، وصنعت شاة فشوي سواد بطنها، قال: وأيم الله، ما
من الثلاثين ومائة إلا وقد حزَّ له حزة من سواد بطنها، ثم جعل منها قصعتين فأكلنا
وصحّحوه، وأبو نعيم) في الدلائل، وفي فتح الباري، روى أحمد، والترمذي، والنسائي عن
سمرة، قال: أتى النبيّ عَّله بقصعة فيها ثريد، فأكل وأكل القوم، فلم يزالوا يتداولونها إلى قريب
الظهر، يأكل قوم، ثم يقومون ويجىء قوم فيتعاقبونه، فقال رجل: هل كانت تمدّ بطعام؟، قال: أما
من الأرض فلا، إلاّ أن تكون كانت تمدّ من السماء، قال بعض شيوخنا: يحتمل أن تكون هذه
القصعة هي التي وقع فيها ما وقع في بيت أبي بكر، انتهى.
(وفي حديث عبد الرحمن بن أبي بكر) الصدّيق، شقيق عائشة تأخّر إسلامه إلى قبيل
الفتح، وشهد اليمامة والفتوح، ومات سنة ثلاث وخمسين في طريق مكّة فجأة، وقيل: بعد ذلك،
(قال: كنّا مع النبيّ ◌َّله) حال من اسم كان، والخبر (ثلاثين ومائة،) أو هما خبران، أي: خبر
بعد خبر، (وذكر الحديث،) وهو: فقال النبيّ عَّه: ((هل مع أحد منكم طعام))؟، فإذا مع رجل
صاع من طعام أو نحوه، فعجن، ثم جاء رجل مشرك مشعان، طويل جدًا بغنم يسوقها، فقال
النبيّ عَّهِ: ((بيعًا أم عطية))؟، أو قال: ((أم هبة)؟، قال: لا بل بيع، فاشترى شاة، فصنعت وأمر،
النبيّ عَّه بسواد البطن أن يشوّى، وأيم اللَّه ما في الثلاثين ومائة إلا وقد حرّ له النبيّ عَلِ حزّة
من سواد بطنها، إن كان شاهدًا أعطاه إياه، وإن كان غائبًا خبّا له، فجعل منها قصعتين، فأكلوا
أجمعون، وشبعنا، ففاضت القصعتان، فحملنا على بعيرًا، وكما قال: هذا لفظ البخاري في الهبة،
ومشعان، بضم الميم، وسكون الشين المعجمة، فعين مهملة، فألف، فنون مشدّدة، وقوله: طويل
جدًا، أي: فوق الطوال، ويحتمل أنه تفسير للمشعان.
وقال القزاز: المشعان: الجافي الثائر الرأس، وقال غيره: طويل شعر الرأس جدًا، البعيد
العهد بالدهن أشعث، وقال عياض: ثائر الرأس متفرّقه.
قال الحافظ: ولم أقف على اسمه، ولا على اسم صاحب الصاع، فقوله: (أنه) أي: وفيه
أنه، (عجن صاع وصنعت،) أي: ذبحت (شاة، فشوی سواد بطنها:) كبدها خاصة أو حشوها،
والأول أظهر، وخصّ لأنه أصل الحياة، (قال) عبد الرحمن: (وأيم الله،) بوصل الهمزة: قسم،
(ما من الثلاثين ومائة،) الذين كانوا معه عليه الصّلاة والسّلام (إلاّ وقد حزّ) بفتح الحاء
المهملة، (له حزّة)) بفتح الحاء المهملة قطعة؛ كما ضبطه المصنف في الهبة.
وقال في الأطعمة: بضمّ الحاء قطعة (من سواد بطنها، ثم جعل منها قصعتين فأكلنا،)
لفظ البخاري في الأطعمة، ولفظه في الهبة: فأكلوا (أجمعون) تأكيدًا للضمير الذي في أكلوا.

٦٠
تكثير الطعام القليل ببركته ودعائه عَّه.
أجمعون وفضل في القصعتين فحملته على بعير. رواه البخاري.
وعن أبي هريرة قال: أمرني رسول الله عَّةٍ أن أدعو أهل الصفة، فتتبعتهم
حتى جمعتهم، فوضعت بين أيدينا صحفة فأكلنا ما شئنا وفرغنا، وهي مثلها حين
وضعت إلا أن فيها أثر الأصابع. رواه ابن أبي شيبة والطبراني وأبو نعيم.
وعن علي بن أبي طالب: قال جمع رسول الله علّه بني عبد المطلب وكانوا
أربعين، منهم قوم يأكلون الجذعة ويشربون الفرق، فصنع لهم مدًا من طعام، فأكلوا
حتى شبعوا، وبقي كما هو، ثم دعا بعس
قال الحافظ: يحتمل أنهم اجتمعوا على القصعتين، فيكون فيه معجزة أخرى لكونهما
وسعتا أيدي القوم، ويحتمل أنهم أكلوا كلّهم في الجملة أعمّ من الاجتماع والافتراق، (وفضل
في القصعتين فحملته،) أي: ما فضل لفظ الأطعمة، وفي الهبة: فحملناه بضمير ودونه (على
بعير،) أو كما قال بالشكّ من الراوي، كما وقع في المحلين، (رواه البخاري) في الهبة
والأطعمة تامًّا، وفي البيوع مختصرًا، وكذا رواه مسلم في الأطعمة تامًّا، قال الحافظ: وفيه
معجزة ظاهرة، وآية باهرة من تكثير القدر اليسير من الصاع، ومن اللحم، حتى وسع الجمع
المذكور وفضل منه، قال: ولم أرَ هذه القصّة إلاّ من حديث عبد الرحمن، وقد ورد تكثير الطعام
في الجملة من أحاديث جماعة من الصحابة.
(وعن أبي هريرة، قال: أمرني رسول اللَّه ◌َّ أن أدعو أهل الصفة) لطعام يأكلونه
عنده، (فتتبعتهم حتى جمعتهم؛) لأنهم كان منهم من يذهب لنحو الاحتطاب، (فوضعت بين
أيدينا صحفة) فيها طعام، (فأكلنا ما شئنا وفرغنا، وهي مثلها حين وضعت) لم تنقص شئًا، (إلاّ
أن فيها أثر الأصابع، رواه ابن أبي شيبة والطبراني وأبو نعيم) الأصبهاني.
(وعن عليّ بن أبي طالب، قال: جمع رسول اللَّه عَّله بني عبد المطّلب) بمكّة في
ابتداء البعثة، (وكانوا أربعين) رجلاً، (منهم قوم:) اسم جمع للرجال، خاصة لقيامهم بالأمور،
(يأكلون الجذعة،) بفتح الجيم، والمعجمة، والمهملة من الإبل، كما ورد في أحاديث، وهي
ما دخل في الخامسة، وقيل: الرابعة، ومن المعز ما تمّ له سنة، ومن الضأن ما أتى عليه ثمانية
أشهر أو تسعة، والمراد: أقلّ ما يكفيهم الجذعة، كما يقال لمن دونهم أكلة رأس، (ويشربون
الفرق،) بفتح الفاء، وإسكان الراء، ويفتحهما: إناء يسع اثني عشر صاعًا بصاعه عَّه، وهو ستّة
عشر رطلاً، وهو معروف بالمدينة، (فصنع لهم مدًّا من طعام،) أي: طبخه وسوّاه، (فأكلوا حتى
شبعوا، وبقي كما هو) قبل الأكل، أي: لم ينقص؛ كأنّه لم يؤكل منه شىء، (ثم دعا بعسّ،)