Indexed OCR Text
Pages 481-500
٤٨١ المقصد الرابع في معجزاته عَّ الدالّة على ثبوت نبّته وقد أجاب عن ذلك القدماء من العلماء، فقال الزجاج في ((معاني القرءان)): أنكر بعض المبتدعة الموافقين لمخالفي الملة انشقاق القمر، ولا إنكار للعقل فيه، لأن القمر مخلوق لله أن يفعل فيه ما يشاء، كما يكوّره يوم القيامة ويفنيه. انتهى. وأما قول بعض الملاحدة: لو وقع هذا النقل متواترًا واشترك أهل الأرض كلهم في معرفته، ولم يختص بها أهل مكة، لأنه أمر صدر عن حسّ ومشاهدة، فالناس فيه شركاء، والدواعي متوفرة على رواية كل غريب، ونقل ما لم يعهد، ولو كان لذلك أصل لخلد في كتب التسيير والتنجيم، إذ لا يجوز إطباقهم على تركه وإغفاله مع جلالة شأنه ووضوح أمره. فأجاب عنه الخطابي وغيره: بأن هذه القصة خرجت عن الأمور التي ذكروها، لأنه شىء طلبه خاص من الناس، فوقع ليلاً، لأن القمر لا سلطان له بالنهار، ومن شأن الليل أن يكون الناس فيه نيامًا ومستكنين في الأبنية، وفي نسخة: استلزم الجواز وقوع ذلك معجزة، فيمكن أن يجاب على ثبوت الواو بأن وقوع بالرفع مبتدأ خبره محذوف، أي: وقوعه معجزة ثبتت بالقرءان، فيجب قبوله. (وقد أجاب عن ذلك القدماء من العلماء، فقال الزجاج،) بفتح الزاي والتشديد، نسبة إلى خرط الزجاج، أبو إسحق إبراهيم بن السري، الإمام، العلاّمة، المتوفّى سنة إحدى عشرة وثلاثمائة، وهو شيخ الزجاجي، صاحب الحمل (في معاني القرءان: أنكر بعض المبتدعة، الموافقين لمخالفي المّة،) الكفّار (انشقاق القمر،) لاستحالته بزعم الكاذب، (ولا إنكار للعقل فيه؛ لأن القمر هو مخلوق للَّه أن يفعل فيه ما يشاء، كما يكوّره،) أي: يلففه ويذهب نوره (يوم القيامة ويفنيه، انتهى). (وأمّا قول بعض الملاحدة: لو وقع هذا النقل متواترًا، اشترك أهل الأرض كلّهم في معرفته، ولم يختصّ به أهل مكة؛ لأنه أمر صدر عن حسّ،) أمر محسوس بحساسة البصر، (ومشاهدة) يشبه عطف التفسير، (فالناس فيه شركاء، والدواعي متوفّرة على رواية) نقل (كل غريب، ونقل ما لم يعهد، ولو كان لذلك أصل لخلد في كتب التسيير،) بفوقية، فسين مهملة، فتحتيتين، فراء، أي: الهيئة (والتنجيم، إذ لا يجوز) عقلاً وعادة (إطباقهم على تركه، وإغفاله مع جلالة شأنه ووضوح أمره، فأجاب عنه الخطابي وغيره: بأن هذه القصّة خرجت عن) بقيّة (الأمور التي ذكروها؛ لأنه شىء طلبه خاص من الناس، فوقع ليلاً، لأن القمر لا سلطان له بالنهار، ومن شأن الليل أن يكون الناس فيه نيامًا ومستكنين في الأبنية،) ٤٨٢ المقصد الرابع في معجزاته عُـ " الدالّة على ثبوت نبوّته والبارز منهم بالصحراء إذا كان يقظانًا يحتمل أن يتفق أنه كان مشغولاً في ذلك الوقت بما يلهيه من سمر وغيره. ومن المستبعد أن يقصدوا إلى مراكز القمر ناظرين إليه لا يغفلون عنه، فقد يجوز أنه وقع ولم يشعر به أكثر الناس، وإنما تصدى لرؤيته من اقترح وقوعه، ولعل ذلك إنما كان في قدر اللحظة التي هي مدرك البصر، وقد يكون القمر حينئذٍ في بعض المنازل التي تظهر لبعض الآفاق دون بعض، كما یکون ظاهر القوم غائباعن قوم، و کما یجد الکسوف أهل بلد دون بلد أخرى، وقد أبدى الخطابي حكمة بالغة في كون المعجزات المحمدية لم يبلغ منها شىء مبلغ التواتر الذي لا نزاع فيه كالقرءان بما حاصله: إن معجزة كل نبي كانت إذا وقعت عامة أعقبت هلاك من كذب به من لا يرون القمر، بل ولا السماء، (والبارز منهم بالصحراء إذا كان يقظانًا، يحتمل أن يتفق أنه كان مشغولاً في ذلك الوقت بما يلهيه من سمر:) حديث الليل (وغيره، ومن المستبعد) عقلاً وعادة (أن يقصدوا إلى مراكز القمر، ناظرين إليه لا يغفلون عنه، فقد يجوز أنه وقع، ولم يشعر به أكثر الناس، وإنما تصدّى لرؤيته من اقترح وقوعه،) وقد يقع بالمشاهدة في العادة أن ينكسف القمر، وتبدو الكواكب العظام، وغير ذلك في الليل، ولا يشاهدها إلا الآحاد، وكذلك الانشقاق آية وقعت في الليل لقوم سألوا واقترحوا، فلم يتأهّب لها غيرهم؛ كما في الفتح، تبعًا لما بسطه في الشفاء. (ولعلّ ذلك إنما كان في قدر اللحظة التي هي مدرك البصر،) يردّ على ترجية قول ابن عباس: قدر ما بين العصر إلى الليل؛ كما مرّ، إلاّ أن يحمل على أن الانشقاق الواقع في الابتداء كان بقدر إدراك البصر، ثم أخذ في الالتئام، فلم يتمّ، وبقي خلاء بين الفلقتين دام قدر ما بين العصر إلى الليل، (وقد يكون القمر حينئذ في بعض المنازل التي تظهر لبعض الآفاق) النواحي (دون البعض؛ كما يكون ظاهر القوم غائبًا عن قوم) فقد يكون ليلة انشقاقه طالعًا بمكّة دون غیرها، فلو قال غیرهم: لم نز انشقاقه تلك اللیلة لم یکذبوا، (و کما یجد الکسوف أهل بلد دون أهل بلد أخرى،) وفي بعضها كليّة، وفي بعضها جزئية، وفي بعضها لا يعرفها إلا المدّعون علمها، ذلك تقدير العزيز العليم. (وقد أبدى الخطابي حكمة بالغة في كون المعجزات المحمديّة لم يبلغ منها شىء مبلغ التواتر الذي لا نزاع فيه؛ كالقرءان) أي: كبلوغ القرءان. ولفظ الفتح: إلاّ القرءان، وكل صحيح، (بما حاصله: أن معجزة كل نبيّ كانت إذا وقعت عامّة أعقبت هلاك من كذب به من ٤٨٣ المقصد الرابع في معجزاته عَّ الدالّة على ثبوت نبوّته قومه، والنبي عَّ بعث رحمة للعاملين، فكانت معجزته التي تحدى بها عقلية، فاختص بها القوم الذي بعث منهم، لما أوتوه من فضل العقول وزيادة الإفهام، ولو كان إدراكها عامًا لعوجل من كذب به كما عوجل من قبلهم. انتهى. وكذا أجاب ابن عبد البر بنحوه. قومه، والنبيّ عَّةِ بعث رحمة للعالمين،) ولو كفّارًا، (فكانت معجزته التي تحدّى بها عقليّة، فاختصّ بها القوم الذين بعث منهم لما أوتوه من فضل العقول وزيادة الإفهام، ولو كان إدراكها عامًّا لعوجل من كذب به، كما عوجل من قبلهم، انتهى. زاد الحافظ: وذكر أبو نعيم في الدلائل نحو ما ذكره الخطابي، وزاد: ولا سيّما إذا وقعت الآية في كل بلدة، كان عامّة أهلها يومئذ الكفّار، الذين يعتقدون أنها سحر، ويجتهدون في إطفاء نور الله. قلت: وهو جيّد بالنسبة إلى من سأل عن الحكمة في قلّة من نقل ذلك من الصحابة، وأمّا من سأل عن السبب في كون أهل التنجيم لم يذكروه، فجوابه؛ أنه لم ينقل عن أحد منهم أنه نفاه، وهذا كاف؛ فإنّ الحجّة فيمن أثبت، لا فيمن لم يوجد عنه صريح النفي، حتى إن كل من وجد منه صريح النفي يقدم عليه من وجد منه صريح الإثبات، انتهى. (وكذا أجاب ابن عبد البرّ بنحوه،) أي: بنحو جواب الخطابي، وقال: قد يطلع على قوم قبل طلوعه على أخرين، وأيضًا فإنّ زمن الانشقاق لم يطل، ولم تتوفر الدواعي على الاعتناء بالنظر إليه، ومع ذلك فقد بعث أهل مكّة، إلى آفاق مكّة يسألون عن ذلك، فجاءت السفار، وأخبروا بأنهم عاينوا ذلك، وذلك لأن المسافرين في الليل غالبًا يكونون في ضوء القمر، ولا يخفى عليهم ذلك. وقال القرطبي: الموانع من مشاهدة ذلك إذا لم يحصل القصد إليه غير منحصرة، ويحتمل أن اللَّه صرف جميع أهل الأرض، غير أهل مكّة وما حولها، عن الالتفات إلى القمر في تلك الساعة، ليختصّ بمشاهدته أهل مكّة، كما اختصّوا بمشاهدة أكثر الآيات، ونقلوها إلى غيرهم. قال الحافظ: وفيه نظر؛ لأن أحدًا لم ينقل أن أحدًا من أهل الآفاق غير أهل مكّة، ذكروا أنهم رصدوا القمر تلك الليلة المعينة، فلم يشاهدوا انشقاقه؛ فلو نقل ذلك لكان الجواب الذي أبداه القرطبي جيّدًا، ولكن لم ينقل عن أحد من أهل الأرض شىء من ذلك، فالاقتصار حينئذ على جواب الخطابي، ومن وافقه أوضح. ٤٨٤ ردّ الشمس له عَّ. تنبيه: ما يذكره بعض القصاص: أن القمر دخل في جيب النبي عَّهُ. وخرج من كمه، فليس له أصل، كما حكاه الشيخ بدر الدين الزركشي عن شيخه العماد بن كثير. [رد الشمس له ێ] وأما رد الشمس له عَّله، فروي عن أسماء بنت عميس أن النبي عَّ كان یوحي إليه ورأسه في حجر علي رضي الله عنه، تنبيه (ما يذكره بعض القصاص أن القمر دخل في جيب النبيّ عَّهُ وخرج من كمّه، فليس له أصل؛ كما حكاه الشيخ بدر الدين الزركشي، عن شيخه العماد بن كثير،) وسبقهما لذلك النووي في الفتاوي، فإنه سئل عن رجلين تنازعا في انشقاق القمر على عهده عَّة، فقال أحدهما: انشقّ فرقتين، دخلت إحداهما في كمّه، وخرجت من الكمّ الآخر، وقال الآخر: بل نزل إلى بين يديه فرقتان، ولم يدخل في كمّه؛ فأجاب: الاثنان مخطئان، بل الصواب: إنه انشقّ وهو في موضعه من السماء، وظهرت منه إحدى الشقّتين فوق الجبل، والأخرى دونه؛ وهكذا ثبت في الصحيحين من رواية ابن مسعود رضي الله عنه، انتهى. وذ الشمس له عَـ (وأمّا ردّ الشمس له عٌَّ) قسيم قوله: أما معجزة القمر ... الخ، تفصيلاً لقوله أولاً: وجدتها شاملة العلوي والسفلي ... الخ، ومن جملته القمر والشمس، (فروي عن أسماء بنت عميس،) بمهملتين مصغر، الخثعمية، تزوّجها جعفر بن أبي طالب، ثم أبوٍ بكر، ثم عليّ، وولدت لهم، وماتت بعد عليّ، وهي أخت ميمونة بنت الحرث، أَمّ المؤمنين لأمّها، ووزن أسماء فعلاء عند سيبويه، وأصله: وسماء من الوسامة، أي: الحسن، فأبدلت الواو همزة، وقيل: أفعال جمع اسم. قال التلمساني: والأول أَوْلى، أي: لأن المسموع منع الصرف، وإن جعله كذلك يفيد أن سبب الآخذ حسنها، وأعلّ ابن تيمية حديث أسماء هذا؛ بأنها كانت مع زوجها بالحبشة. قال الشامي: وهو وهم بلا شك، إذ لا خلاف أن جعفرًا قدم من الحبشة هو وامرأته على رسول اللَّه عَِّ، وهو بخيبر بعد فتحها، وقسم لهما ولأصحاب سفينتهما، (أن النبيّ عَّه كان يوحى إليه) مرّة بالصهباء، (ورأسه في حجر عليّ رضي الله عنه،) جملة خالية، وحجر مثلث ٠٠ ٤٨٥ ردّ الشمس له على فلم يصل العصر حتى غربت الشمس، فقال رسول الله عَّ له: أصليت يا علي؟ فقال: لا، فقال رسول الله عَّ: اللَّهم إنه كان في طاعتك وطاعة رسولك، فاردد عليه الشمس، قالت أسماء: فرأيتها غربت ثم رأيتها طلعت بعد ما غربت ووقعت على الجبال والأرض، وذلك بالصهباء في خيبر، رواه الطحاوي في مشكل الحديث، كما حكاه القاضي عياض في . بالحاء، بمعنى: الحضن، والأظهر: أن الرأس كان على ركبته وهو نائم، فاستعمل في المفيدة للظرفية، ويجعل الحضن محلاً للرأس، تجوّزًا من إطلاق اسم الشيء وهو الحجر على ما يقرب منه وهو الفخذ، وبالغ في تمكّن رأسه من فخذه، فشبّه ذلك التمكّن بالظرفية، واستعمل فيه ما يستعمل فيها استعارة تبعية، (فلم يصل) على (العصر حتى غربت الشمس). وأمّا المصطفى فكان قد صلاها؛ كما يأتي في الرواية الأخرى، (فقال رسول اللَّه عَلَّهِ: (أُصلّيت يا عليّ))؟،) استفهام تقريري ليرتّب عليه الدعاء له، وإظهار المعجزة أو حقيقي، ولا يشكل بأن قلبه لا ينام لاشتغال قلبه حينئذ بالوحي، فاستغرق فيه، (قال: لا،) لأنهم كانوا لا يوقظونه؛ كما في الصحيح، وقد وضع رأسه في حجره فهو عذر في إخراج الصّلاة عن وقتها، ولم يصلّها بنحو الإيماء؛ لجواز أنه لم يكن شرع حينئذ، (فقال رسول اللَّه عَّهُ: ((اللّهمّ إله كان في طاعتك وطاعة رسولك))،) لأنه لم يزعجه من منامه، وانتظر يقظته، وذلك تعظيم للَّه برعاية نبيّه ولرسوله بترك ما يؤذيه، (فأردد) بفك الإدغام على إحدى اللغتين الفصيحتين، ويأتي رواية الطبراني: فردّ بالإدغام، وقد قرىء من يرتدّ بالإدغام والفكّ. (عليه الشمس،) أي: أعدها لمكانها الذي غربت منه ليصلّي العصر في وقتها، (قالت أسماء) بنت عميس: (فرأيتها غربت، ثم رأيتها طلعت) بدعاء المحتبي (بعدما غربت، ووقعت،) أي: نزلت (على الجبال والأرض وذلك بالصهباء في خيبر،» بعد مفارقتها لهما، فوقعت بعين مهملة، وقول الدلجي بالفاء من الوقوف، أي: لم تسر، وتبيّ رجوعها إن ثبت رواية، وإلاّ فالعين أوفق؛ لقولها: بعدما غربت، (رواه)، العلاّمة الإمام الحافظ أحمد بن محمد، بن سالم، بن سلمة الأزدي، أبو جعفر (الطحاوي،) بفتح المهملتين نسبة لطحا قرية بصعيد مصر، على ما قاله ابن الأثير. وردّه السيوطيّ: بأنه ليس منها، بل من طحطوط بقربها، فكره أن يقال الطحطوطي المصري، ابن أخت المزني، سمع يونس بن عبد الأعلى، ولهرون بن سعيد، وعنه الطبراني وغيره، وكان ثقة، ثبتًا، فقيهًا، حنفيًا، لا مالكيًّا؛ كما زعم بعض، انتهت إليه رئاسة أصحاب أبي حنيفة، وله مؤلفات، ولد سنة تسع وثلاثين ومائتين، ومات سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة، (في مشكل الحديث) كتاب جليل اشتهر بالآثار من طريقين عن أسماء؛ (كما حكاه القاضي عياض في ٤٨٦ ردّ الشمس له علـ الشفاء وقال: قال الطحاوي: إن أحمد بن صالح المصري كان يقول: لا ينبغي لمن سبيله العلم التخلف عن حفظ حديث أسماء لأنه من علامات النبوة. انتهى. قال بعضهم: هذا الحديث ليس بصحيح، وإن أوهم تخريج القاضي عياض له في الشفاء عن الطحاوي من طريقين، فقد ذكره ابن الجوزي في الموضوعات وقال: إنه موضوع بلا شك وفي سنده أحمد بن داود وهو متروك الحديث كذاب، كما قاله الدارقطني. وقال ابن حبان: كان يضع الحديث. قال ابن الجوزي: وقد روى هذا الحديث ابن شاهين فذكره ثم قال: وهذا حدیث باطل، الشفاء، وقال: قال الطحاوي: إن أحمد بن صالح المصري،) أبو جعفر بن الطبري، ثقة حافظ، روى عنه البخاري وأبو داود، تكلّم فيه النسائي، بسبب أوهام له قليلة، ونقل عن ابن معين تكذيبه، وجزم ابن حبان؛ بأنه إنما كذب أحمد بن صالح الشمومي، فظنّ النسائي أنه عنى ابن الطبري، مات سنة ثمان وأربعين ومائتين، وله ثمان وسبعون سنة، (كان يقول: لا ينبغي لمن سبيله:) طريقه السالك فيه (العلم،) أي: طلبه والاشتغال به، ومعرفة الحديث، فجعل نفس العلم طريقًا؛ لأنه يصل به صاحبه إلى سعادة الدارين، (التخلّف عن حفظ حديث أسماء) بنت عميس، هذا الذي روته في ردّ الشمس؛ (لأنه من علامات النبوّة) آياتها الدالّة عليها، إذ هو معجزة عظيمة، وهذا مؤيّد لصحّته، فإن أحمد هذا من كبار أئمة الحديث الثقات، وحسبه أن البخاري روى عنه في صحيحه، فلا يلتفت إلى من ضعّفه، وفي الألفيّة، قال: وربما كان بغير قادح كالنسائي في أحمد بن صالح (انتھی) کلام عیاض. (قال بعضهم) تعقّبًا عليه: (هذا الحديث ليس بصحيح، وإن أوهم تخريج،) أي: نقل (القاضي عياض له في الشفاء، عن الطحاوي من طريقين) صحّته، فالمفعول محذوف، أي: بقوله، قال: وهذان الحديثان ثابتان، رواتهما ثقات، (فقد ذكره ابن الجوزي في الموضوعات، وقال: إنه موضوع بلا شكّ، وفي سنده أحمد بن داود، وهو متروك الحديث كذّاب؛ كما قاله الدارقطني، وقال ابن حبان: كان يضع الحديث. (قال ابن الجوزي: وقد روى هذا الحديث ابن شاهين فذكره، ثم قال) ابن الجوزي: (وهذا حديث باطل،) وليس فاعل. قال ابن شاهين: لأن إسناده حسن، ولذا قال السيوطي، تبعًا للحافظ: أخطأ ابن الجوزي، ٤٨٧ ردّ الشمس له معه. قال: ومن تغفل واضعه أنه نظر إلى صورة فضيلة، ولم يلمح عدم الفائدة فيها، وإن صلاة العصر بغيبوبة الشمس تصير قضاء، ورجوع الشمس لا يعيدها أداء. انتهى. وقد أفرد ابن تيمية تصنيفًا مفردًا في الرد على الروافض ذكر فيه الحديث بطرقه ورجاله وأنه موضوع، والعجب من القاضي عياض مع جلالة قدره وعلو خطره وقد نصّ ابن الصلاح وسائر من تبعه على تساهل ابن الجوزي في كتاب الموضوعات بحيث خرج عن موضوعه؛ لمطلق الضعف. قال العراقي: وأكثر الجامع فيه إذ خرج لمطلق الضعف عنى أبا الفرج حتى إنه أدرج فيه كثيرًا من الأحاديث الصحيحة، قال السيوطي: ومن غريب ما تراه فاعلم فيه حديث من صحيح مسلم فهذه غفلة شديدة منه، يحكم بوضع حديث في أحد الصحيحين. (قال) ابن الجوزي: (ومن تغفل واضعه؛ أنه نظر إلى صورة فضيلة،) هي ردّ الشمس حتى صلّى علي العصر، (ولم يلمح عدم الفائدة فيها، وإن صلاة العصر بغيبوبة الشمس تصير قضاء، ورجوع الشمس لا يعيدها أداء، انتهى،) وتعقّب بأنه لا وجه له؛ لأنها فائته بعذر مانع من الأداء، وهو عدم تشويشه على النبيّ، وهذه فضيلة، ودلّ ثبوت الحديث على أن الصلاة وقعت أداء، وبذلك صرّح القرطبي في التذكرة، قال: فلو لم يكن رجوع الشمس نافعًا، وإنه يتجدّد الوقت لما ردّها عليه، ووجهه: أن الشمس، لمّا عادت كأنها لم تغب، وفي الإسعاد لو غربت الشمس ثم عادت عاد الوقت أيضًا؛ لهذا الحديث، وتجويز حمل الغروب في كلام أسماء على الشروع فيه أو مقارنته، فيكون عودها قبل غروب الشمس، فيحصل به بقاء الوقت، فمعنى: عادت: عاد ظهورها كاملة، فالوقت باق حقيقة فيه؛ أنه لا قرينة هنا على هذا الاحتمال الصارف؛ للفظ عن المتبادر منه، الذي حمله عليه الحفاظ المثبتون للحديث، والذين زعموا وضعه أو ضعفه، ولا دلالة في حديث جابر الآتي: أمر الشمس فتأخّرت ساعة من نهار على أنه قبل الغروب، بل الظاهر أنه بعد الغروب، بدليل قوله بعده: فزيد له في النهار ساعة، على أن حديث جابر قصة أخرى غير هذه، كما نبيته. (وقد أفرد ابن تيمية،) الحافظ أبو العباس أحمد الشهير (تصنيفًا مفردًا فى الردّ على الروافض، ذكر فيه هذا الحديث بطرقه ورجاله، وإنه موضوع، والعجب من القاضي عياض مع جلالة قدره) عظمته، (وعلوّ خطره))) بفتح الخاء والطاء: علوّ قدره ومنزلته على ما في المصباح، ففيه تجريد باستعمال الخطر في مجرّد القدر، أو أنه قصد المبالغة، وإن المعنى: علوّ ٤٨٨ ردّ الشمس له عَاليه. في علوم الحديث كيف سكت عنه موهمًا صحته، وناقلاً ثبوته، موثقًا رجاله. انتھی. وقال شيخنا: قال الإمام أحمد: لا أصل له، وتبعه ابن الجوزي فأورده في الموضوعات. ولكن قد صححه الطحاوي والقاضي عياض، وأخرجه ابن منده وابن شاهين من حدیث أسماء بنت عميس، وابن قدره، على أن في القاموس: الخطر قدر الرجل (في علوم الحديث،) إذ هو من الحفاظ النقّاد، (كيف سكت عنه موهمًا صحّته، وناقلاً ثبوته، موثقًا رجاله، انتهى،) ولا عجب أصلاً؛ لأن / إسناد حديث أسماء حسن، وكذا إسناد حديث أبي هريرة الآتي؛ كما صرّح به السيوطي، قائلاً: ومن ثمّ صححه الطحاوي والقاضي عياض، وذكره ابن الجوزي في الموضوعات فأخطأ، كما بيّته في مختصر الموضوعات، وفي النكت البديعات، انتهى، يعني: لما تقرّر في علوم الحديث: أن الحسن إذا اجتمع مع حسن آخر، أو تعدّدت طرقه ارتقى للصحة، فالعجب العجاب إنما هو من كلام ابن تيمية هذا، لا من عياض؛ لأنه الجاري على القواعد المعلومة في الألفية وغيرها؛ لصغار الطلبة. ولذا قال الحافظ في فتح الباري: أخطأ ابن الجوزي بذكره في الموضوعات، وكذا ابن تيمية في كتاب الردّ على الروافض في زعم وضعه، انتهى. (وقال شيخنا) السخاوي في المقاصد: (قال الإمام أحمد: لا أصل له، وتبعه ابن الجوزي، فأورده في الموضوعات،) وكذا نقل ابن كثير عن أحمد وجماعة من الحفّاظ: أنهم صرّحوا بوضعه. قال الشامي: والظاهر أنه وقع لهم من طريق بعض الكذّابين، ولم يقع لهم من الطرق السابقة، وإلا فهي يتعذّر معها الحكم عليه بالضعف، فضلاً عن الوضع، ولو عرضت عليهم أسانيدها لاعترفوا بأن للحديث أصلاً وليس بموضوع، وقال: وما مهدوه من القواعد، وذكر جماعة من الحفاظ له في كتبهم المعتمدة، وتقوية من قوّاه يردّ على من حكم عليه بالوضع، انتھی. ولذا استدرك السخاوي، زعم وضعه، فقال: (ولكن قد صححه الطحاوي، والقاضي عیاض) وناهيك بهما. (وأخرجه ابن منده، وابن شاهين من حديث أسماء بنت عميس،) بإسناد حسن، (وابن ٤٨٩ ردّ الشمس له عڭ مردويه من حديث أبي هريرة. انتهى. ورواه الطبراني في معجمه الكبير بإسناد حسن كما حكاه شيخ الإسلام ابن العراقي في شرح التقريب عن أسماء بنت عميس ولفظه: أن رسول الله عَ له صلى الظهر بالصهباء ثم أرسل عليًا في حاجة فرجع وقد صلى النبي عَّةِ العصر، فوضع عَّه رأسه في حجر علي فنام، فلم يحركه حتى غابت الشمس، فقال عليه الصلاة والسلام: اللَّهم إن عبدك عليًا احتبس بنفسه على نبيه فرد عليه الشمس، قالت أسماء: فطلعت عليه الشمس حتى وقعت على الجبال وعلى الأرض، وقام علي فتوضأ وصلى العصر ثم غابت وذلك بالصهباء. وفي لفظ آخر: كان عليه الصلاة والسلام إذا نزل عليه الوحي يغشى عليه، فأنزل عليه يومًا وهو في حجر علي، مردويه من حديث أبي هريرة،) بإسناد حسن أيضًا، (انتهى، ورواه الطبراني في معجمه الكبير، بإسناد حسن؛ كما حكاه شيخ الإسلام،) قاضي القضاة، (ابن العراقي) الحافظ ولي الدين، (في شرح التقريب عن أسماء بنت عميس، ولفظه: أن رسول اللَّه عَّله صلّى الظهر بالصهباء، ثم أرسل عليًّا في حاجة،) هي قسم غنائم خيبر؛ كما في رواية للطبراني أيضًا، (فرجع وقد صلّى النبيّ عَِّ العصر، فوضع عَّه رأسه في حجر عليّ، فنام فلم يحرّكه حتى غابت الشمس،) فاستيقظ فسأله: (أصلّيت))؟، قال: لا، (فقال عليه الصّلاة والسّلام: ((اللّهمّ إن عبدك عليًّا احتبس نفسه،) امتنع من الحركة، قاصرًا نفسه (على) حفظ (نبيّه) وخدمته، (فردّ عليه الشمس))،) كي يصلّي العصر أداء، (قالت أسماء: فطلعت عليه الشمس حتى وقعت على الجبال وعلى الأرض، وقام عليّ فتوضّأ وصلّى العصر، ثم غابت، وذلك بالصهباء. وعند الطبراني أيضًا عن أسماء، قالت: اشتغل عليّ مع رسول اللَّه عَّةِ في قسمة الغنائم يوم خيبر حتى غابت الشمس، فقال عَّةِ: ((يا علي أصلّيت العصر))؟، قال: لا يا رسول اللَّه، فتوضّأْ عَّهِ في المجلس، فتكلّم بكلمتين أو ثلاثة، كأنها من كلام الحبشة، فارتجعت الشمس كهيئتها في العصر، فقام عليّ فتوضّأ وصلّى العصر، ثم تكلّم عَّ بمثل ما تكلّم به قبل ذلك، فرجعت الشمس إلى مغربها، فسمعت لها صريرًا كالمنشار في الخشبة، وطلعت الكواكب، وبهذا الحديث أيضًا بان أن الصّلاة ليست قضاء، بل يتعيّ الأداء، وإلاّ لم يكن للدعاء فائدة. (وفي لفظ آخر) عند الطبراني أيضًا في الكبير: (كان عليه الصّلاة والسّلام إذا نزل عليه الوحي يغشى عليه،) ويعرف ذلك حاضروه، (فأنزل عليه يومًا، وهو في حجر عليّ، ٤٩٠ ردّ الشمس له عية فقال له النبي عَُّله: صليت العصر؟ قال: لا، يا رسول الله، فدعا الله فرد عليه الشمس حتى صلى العصر، قالت أسماء: فرأيت الشمس طلعت بعد ما غابت حين ردت حتى صلى العصر علي. قال: وروى الطبراني أيضًا في معجمه الأوسط بإسناد حسن عن جابر: أن رسول الله عَّه أمر الشمس فتأخرت ساعة من نهار. وروى يونس بن بكير في زيادات المغازي عن ابن إسحق، مما ذكره القاضي عياض: لما أُسري بالنبي عَّ. وأخبر قومه بالرفقة والعلامة التي في العير، قالوا: متى تجىء؟ قال يوم الأربعاء، فقال له النبيّ عَّه) لمّا سرّي عنه: ((صلّيت العصر))؟ قال: لا،) أي: لم أصلّه، (يا رسول اللَّه، فدعا اللَّه) بكلمتين أو ثلاثة، (فردّ عليه الشمس حتى صلّى العصر، قالت أسماء: فرأيت الشمس طلعت بعدما غابت؛ حين ردّت، حتى صلّى العصر عليّ،) ومن القواعد أن تعدّد الطرق يفيد أن للحديث أصلاً، ومن لطائف الاتّفاقات الحسنة؛ أن أبا المظفر الواعظ، ذكر يومًا قريب الغروب فضائل عليّ، وردّ الشمس له، والسماء مغيمة غيمًا مطبقًا، فظنّوا أنها غربت وهمّوا بالانصراف، فأصحت السماء ولاحت الشمس صافية الإشراق، فأشار إليهم بالجلوس، وقال ارتجالاً: مدحي لآل المصطفى ولنجله لا تغربي يا شمس حتى ينتهي واثني عنائك إذا أردت ثناءهم أنسيت إذا كان الوقوف لأجله إن كان للمولى وقوفك فليكن هذا الوقوف لخيله ولرجله (قال) ابن العراقي: (وروى الطبراني أيضًا في معجمه الأوسط، بإسناد حسن، عن جابر بن عبد اللَّه: (أن رسول اللَّه عَ ل أمر الشمس) أن لا تغرب حتى تقدم عير قريش التي رآها ليلة الإسراء، وأخبرهم بأنها تقدم يوم كذا، وولّى النهار ولم تجىء، (فتأخّرت ساعة من نهار) إلى أن قدمت، فهذه قصّة أخرى كانت، وهو بمكّة قبل الهجرة؛ كما حمله الحافظ ابن حجر مؤيّدًا به الحديث المنقطع المذكور، بقوله: (وروى يونس بن بكير) بن واصل الشيباني، أبو بكر الكوفي، صدوق، روى له مسلم، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، والبخاري تعليقًا، مات سنة تسع وتسعين ومائة، (في زيادات المغازي، عن) شيخه محمّد (بن إسحق،) بن يسار، إمام المغازي، (ممّا ذكره القاضي عياض) في الشفاء: (لمّا أُسري بالنبيّ ◌َّه، وأخبر قومه بالرفقة،) مثلث الراء الجماعة المترافقين في السفر ولا يذهب اسم الرفيق الا بالتعرف (والعلامة التي في العير) هي أن يتقدّمها جمل أو رق، (قالوا: متى تجيء؟، قال: ((يوم الأربعاء))،) بتثليث ٤٩١ رةّ الشمس له عـ فلما كان ذلك اليوم أشرفت قريش ينتظرون، وقد ولى النهار، ولم تجىء، فدعا رسول الله عٍَّ فزيد له في النهار ساعة وحبست عليه الشمس. وهذا يعارضه ما في الحديث الصحيح: لم تحبس الشمس على أحد إلا لیوشع بن نون، الباء والكسر أولى؛ كما في المحكم وغيره، ممدود والهمزة مفتوحة على الثلاث، وحكى ابن هشام: فتح الهمزة، وكسر الباء، وكسر الهمزة، وفتح الباء، وقال: هذه أفصح اللغات، (فلمّا كان ذلك اليوم) بالرفع والنصب، والأوّل أَوْلى؛ لأنه نعت فاعل كان التامّة بمعنى وجد، (أُشرفت،) بمعجمة، وراء مهملة، وفاء (قريش،) أي: قامت على شرف، وهو المكان المرتفع لتنظر العير قادمة أم لا، (ينتظرون) حال أو مستأنف، أي: يترقّبون قدوم عيرهم في اليوم الموعود، (وقد ولّى النهار،) قارب ذلك اليوم أن يتمّ ويدخل الليل بغروب الشمس، (ولم تجىء) العير، (فدعا رسول اللَّه عَّ(،) سأله ربّه أن يمدّ له ذلك اليوم حتى تجيء العير قبل انقضائه، (فزيد له في النهار ساعة، و) ذلك أنّه (حبست عليه الشمس)، أمسكها اللَّه بقدرته وعوّقها عن سيرها المعتاد حتى قدمت العير قبل غروبها، وعورض هذا بما ورد، واقتصر عليه البيضاوي والزمخشري: أنه مَّةِ، قال: ((يقدمها جمل أو رق عليه غرارتان مخططتان، تطلع عليكم عند طلوع الشمس)، فخرجوا ينتظرون طلوعها، فقال قائل منهم: هذه الشمس قد طلعت، فقال آخر: وهذه الإبل قد طلعت يقدمها ... الخ، فقالوا: إن هذا إلاّ سحر مبين. وعند ابن أبي حاتم: فلمّا كان ذلك اليوم، أي: الذي قال إنهم يأتون فيها أشرف الناس ينتظرون، حتى إذا كان قرب نصف النهار أقبلت العير يقدمهم ذلك الجمل؛ كما وصف عَّةٍ، ولا معارضة؛ لأنه مرّ بغيرين، بل بثلاثة، وكان إحداها تأخرت. روى ابن مردويه والطبراني، عن أُمّ هانىء، قالوا: أخبرنا عن عيرنا، قال: ((أتيت على عير بني فلان بالروحاء قد أضلّوا ناقة لهم، فانطلقوا في طلبها، فانتهيت إلى رحالهم، فليس بها منهم أحد، وإذا قدح ماء، فشربت، منه ثم انتهيت إلى غير بني فلان، بمكان كذا وكذا، فيها جمل عليه غرارتان، غرارة سوداء وغرارة بيضاء، فلمّا حاذيت العير نفرت، وصرع ذلك البعير وانكسر، ثم انتهيت إلى عير بني فلان بالتنعيم، يقدمهم حمل أو رق عليه مسح أسود وغرارتان سوداوان» الحدیث. (وهذا يعارضه ما في الحديث الصحيح) الذي أخرجه أحمد برجال الصحيح: (لم تحبس الشمس على أحد،) لفظ أحمد عن أبي هريرة، قال عَّةٍ: إن الشمس لم تحبس لبشر (إلا ليوشع،) بالشين المعجمة، ومهملة (ابن نون،) مجرور بالإضافة، منصرف على الأصح، وإن ٤٩٢ ردّ الشمس له مع يعني حين قاتل الجبارين يوم الجمعة، فلما أدبرت الشمس خاف أن تغيب قبل أن يفرغ منهم ويدخل السبت فلا يحل له قتالهم فيه، فدعا فرد عليه الشمس حتى فرغ من قتالهم. قال الحافظ بن كثير: فيه أن هذا كان من خصائص يوشع، فيدل على ضعف الحديث الذي رويناه أن الشمس رجعت حتى صلى علي بن أبي طالب العصر، وقد صححه أحمد بن صالح المصري، ولكنه منكر، ليس في شىء من الصحاح والحسان، وهو مما تتوفر الدواعي على نقله، وتفردت بنقله امرأة من أهل البيت مجهولة لا يعرف حالها. انتهى. كان أعجميًّا لسكون وسطه؛ كنوح ولوط ونون ابن افرايم بن يوسف، كان يوشع يخدم موسى ويتّبعه، ولذا ستاه اللَّه فتاه، وبقيّة رواية أحمد: ليالي سار إلى بيت المقدس، وأخرجه الخطيب في تاريخه من حديث أبي هريرة، بلفظ: ما حبست الشمس على بشر قطّ إلاّ على يوشع، ليالي سار إلى بيت المقدس، (يعني: حين قاتل الجبّارين يوم الجمعة) بعد موت موسى ولهرون في التيه، وكان رحمة لهما، وعذاباً لأولئك، وسأل موسى ربّه أن يدنيه من الأرض المقدّسة رمية حجر، فأدناه؛ كما في الحديث: ونبّىء يوشع عند الأربعين، وأمر بقتال الجبارين، فسار بمن بقي معه وقاتلهم يوم الجمعة، (فلما أدبرت الشمس،) قاربت الغروب، (خاف أن تغيب قبل أن يفرغ منهم ويدخل السبت، فلا يحلّ له قتالهم فيه، فدعا اللَّه، فردّ عليه الشمس) ساعة (حتى فرغ من قتالهم،) ويقال: كان علم النجم صحيحًا قبل، فلمّا وقفت ليوشع بطل أكثره، ولمّا ردّت لعليّ بطل جميعه. (قال الحافظ ابن كثير: فيه أن هذا كان من خصائص يوشع) وبه اشتهر، حتى قال أبو تمام في قصيدة: فواللَّه ما أدري أأحلام نائم ألتت بنا أم كان في الركب يتوشع (فيدلّ على ضعف الحديث الذي رويناه؛ أن الشمس رجعت حتى صلّى عليّ بن أبي طالب العصر، وقد صححه أحمد بن صالح المصري، ولكنّه منكر،) أي: ضعيف، إذ المنكر من أقسامه، (ليس في شىء من الصحاح والحسان) ممنوع لوروده من طرق ثلاثة حسان؛ كما مرّ، وتقرّر أنه يرتقي بذلك للصحّة، (وهو ممّا تتوفّر الدواعي على نقله) لغرابته، (وتفرّدت بنقله امرأة من أهل البيت، مجهولة لا يعرف حالها،) فيه نظر أيضًا، فقد رواه جماعة وتعدّدت طرقه؛ كما بيّته في النكت، وتلخيص الموضوع، وسبل الهدى وغيرهم، (انتهى) كلام ابن كثير، ولم يثبت في كل النسخ، بل بعضها. ٤٩٣ ردّ الشمس له عن .. ويحتمل الجمع: بأن المعنى لم تحبس على أحد من الأنبياء غيري إلا لیوشع بن نون. وكذا روى حبس الشمس لنبينا محمد عَّه أيضًا يوم الخندق، حين شغل عن صلاة العصر، فيكون حبس الشمس مخصوصًا بنبينا وبيوشع، كما ذكره القاضي عياض في الإكمال، وعزاه لمشكل الآثار، ونقله النووي في شرح مسلم في باب حل الغنائم عن عياض، وكذا نقله الحافظ بن حجر في باب الأذان من تخريج أحاديث الرافعي ومغلطاي في الزهر الباسم، وأقروه. وتعقب: بأن الثابت في الصحيح وغيره: أنه عَِّ صلى العصر في وقعة الخندق بعد ما غربت الشمس. كما سبق في غزوتها. وذكر البغوي في تفسيره: (ويحتمل الجمع، بأن المعنى: لم تحبس على أحد من الأنبياء غيري، إلا ليوشع بن نون،) نحوه قال الحافظ: الحصر محمول على الماضي للأنبياء قبل نبينا، وليس فيه أنها لا تحبس بعد الماضي، انتهى. وهو متعيّ لدفع التعارض بين الحديثين، ومثله كثير في الأحاديث؛ كقوله: لم يتكلّم في المهد إلا ثلاثة، فالحصر إضافي، وجمع أيضًا بأن خبر يوسع في حبسها قبل الغروب، وخبر عليّ في ردّها بعده، وبأنه قال قبل قصّة خيبر. (وكذا روى حبس الشمس لنبيّا محمّد عَّةٍ أيضًا يوم الخندق حين شغل عن صلاة العصر، فيكون) على هذا (حبس الشمس مخصوصًا بنبينا وبيوشع،) بناء على أنها لم تحبس لغيرهما؛ لصحة خبريهما دون غيرهما مما يأتي، (كما ذكره،) أي: حبسها يوم الخندق (القاضي عياض في الإكمال) شرح مسلم له، (وعزاه لمشكل الآثار) للطحاوي، (ونقله النووي في شرح مسلم في باب حلّ الغنائم عن عياض) وأقرّه، (وكذا نقله الحافظ ابن حجر في باب الأذان من) كتابه (تخريج أحاديث الرافعي، ومغلطاي في الزهر الباسم،) في سيرة المصطفى أبي القسم، (وأقرّوه،) لكنه في فتح الباري، قال: لم أقف عليه في مشكل الآثار، إنما فيه حديث أسماء المارّ(١)، فإن قلت: فهي قصّة أخرى ثالثة. (وتعقّب؛ بأن الثابت في الصحيح وغيره أنه عٍَّ صلّى العصر في وقعة الخندق بعدما غربت الشمس؛ كما سبق في غزوتها،) وأجيب؛ بأنه كان في يوم آخر إذ وقعة الخندق كانت أيّامًا، (وذكر البغوي في تفسيره) بلفظ: حكي عن عليّ؛ أن معنى ردّوها عليّ، يقول سليمن يأمر اللَّه الملائكة الموكلين بالشمس يردّها، فردّوها حتى صلّى العصر وقتها، وذلك أنه ٤٩٤ رةّ الشمس له عَـ إنها حبست لسليمن عليه السلام، لقوله: ﴿ردوها علي﴾ [ص/ ٣٣]. ونوزع فيه بعدم ذكر الشمس في الآية، فالمراد: الصافنات الجياد والله أعلم. قال القاضي عياض: واختلف في حبس الشمس المذكور هنا، فقيل: ردت على أدراجها وقيل: وقفت ولم ترد، وقيل: بطء حركتها. قال: وكل ذلك من معجزات النبوّة. انتهى. كان يعرض عليه الخيل الجياد غدوة، حتى توارت بالحجاب، فاختصره المصنّف، فقال: (إنها حبست لسليمن عليه السّلام أيضًا؛ لقوله: ﴿ردّوها عليّ﴾، ونوزع فيه بعدم ذكر الشمس في الآية، فالمراد: الصافئات:) الخيل (الجياد،) وأجيب؛ بأنه لو ثبت، عاد الضمير للشمس لعلمها، وإن لم يجرِ لها ذكر؛ كقوله تعالى: ﴿حتى توارت﴾ الآية. قال الحافظ: لكنه غير ثابت، وجاء أيضًا أنها حبست عن الطلوع لموسى، ففي المبتدأ لابن إسحق عن عروة: أنه تعالى أمر موسى أن يحمل تابوت يوسف، فلم يدلّ عليه حتى كاد الفجر يطلع، وكان وعدهم بالسير عند طلوع الفجر، فدعا ربّه أن يؤخّر الفجر حتى يفرغ، ففعل. قال الحافظ: وتأخير طلوع الفجر يستلزم تأخير طلوع الشمس؛ لأنه ناشىء عنها، فلا يقال: الحصر إنما وقع في يوشع بطلوع الشمس، فلا يمنع حبس الفجر لغيره، قال: وأخرج الخطيب في كتاب ذمّ النجوم عن عليّ، قال: سأل قوم يوشع أن يطلعهم على بدء الخلق وآجالهم، فأراهم ذلك في ماء من غمامة أمطرها اللَّه عليهم، فكان أحدهم يعلم متى يموت، فبقوا على ذلك إلى أن قاتلهم داود على الكفر، فأخرجوا إلى داود من لم يحضر أجله، فكان يقتل من أصحاب داود، ولا يقتل منهم، فشكا إلى اللّه ودعاه، فحبست عليه الشمس، فزيد في النهار، فاختلطت الزيادة الليل والنهار، فاختلط عليهم حسابهم، وإسناده ضعيف جدًّا، انتهى، (والله أعلم) بصحة ذلك كلّه في نفس الأمر وضعفه. (قال القاضي عياض: واختلف في حبس الشمس المذكور هنا، فقيل: ردّت على أدراجها،) أي: أحوالها التي كانت تسير عليها نهارًا، (وقيل: وقفت ولم ترد،) قال البرهان: وهو ظاهر قوله: فحبست، (وقيل: بطء حركتها،) قال ابن بطال: وهو أولى الأقوال، (قال) عياض: (وكل ذلك من معجزات النبوّة، انتهى). قال بعض شراح مسلم: والشمس أحد الكواكب السيّارة، وحركتها مترتّبة على حركة الفلك بها، فحبسها على التفاسير المذكورة، إنما هو لحبس الفلك لا حبسها في نفسها، انتھی. ٤٩٥ تسبيح الطعام والحصى في كفّه الشريف وأما ما روي من طاعات الجمادات وتكليمها له بالتسبيح والسلام ونحو مِّاللّ ذلك مما وردت به الأخبار، فمنها تسبيح الطعام والحصا في كفه الشريف عليه .. فخرج محمد بن يحيى الذهلي في الزهريات قال: أخبرنا أبو اليمان قال: أنبأنا شعيب عن الزهري قال: ذكر الوليد بن سويد ان رجلاً من بني سليم كبير السن كان ممن أدرك أبا ذر بالربذة: عن أبي ذر قال: هجرت تسبيح الطعام والحصى في كفّه الشريف . (وأمّا ما روي من طاعات،) أي: انقياد (الجمادات:) جمع جماد، وهو ما لا روح له؛ كالحجر والشجر، والمراد: جنسها لا جميعها، (وتكليمها) خطابها (له بالتسبيح والسلام، ونحو ذلك) كمجيء الشجر له، (مما وردت به الأخبار). (فمنها) أي: مما روي من الطاعات، (تسبيح الطعام والحصا) لف ونشر غير مرتّب، وهو أولى، وفي نسخة: تقديم الحصا على الطعام، (في كفّه الشريف عَِّ،) أي: قول سبحان اللّه، (فخرج محمّد بن يحيى،) بن عبد اللَّه (الذهلي،) بضمّ الذال المعجمة، وإسكان الهاء وباللام، النيسابوري الحافظ، روى عن أحمد، وإسحق، وابن المديني وخلق، وعنه البخاري. قال أبو بكر بن أبي داود: كان أمير المؤمنين في الحديث. وقال الخطيب: كان أحد الأئمّة العارفين، والحفاظ المتقنين، والثقات المأمونين، مات سنة ثمان وخمسين ومائتين، (في الزهريات،) بزاي وراء كتاب. قال الخطيب: جمع فيه حديث الزهري وجوّده، وكان ابن حنبل يثني عليه، ويشكر فضله. (قال: أخبرنا أبو اليمان) الحكم، بفتحتين، ابن نافع البهراني، بفتح الموحدة، الحمصي، مشهور بكنيته، ثقة، ثبت من رجال الجميع، يقال: إن أكثر حديثه عن شعيب مناولة، مات سنة اثنتين وعشرين ومائتين، (قال: أنبأنا شعيب) بن أبي حمزة، دينار الأموي، مولاهم الحمصي، ثقة عابد، روی له الجماعة. قال ابن معين: من أثبت في الزهري، مات سنة اثنتين وستّين ومائة أو بعدها، (عن الزهري) محمّد بن شهاب، العلم المنشور، (قال: ذكر الوليد بن سويد ان رجلاً من بني سليم،) بضم السين، (كبير السنّ كان ممّن أدرك أبا ذرّ بالربذة،) بفتح الراء والموحدة، والذال المعجمة: قرية قرب المدينة، كانت عامرة أوّل الإسلام، ذكر له (عن أبي ذر الغفاري، (قال: هجرت،) بفتح الهاء، وشدّ الجيم، سرت وقت الهاجرة، وهي اشتداد الحرّ نصف النهار، ٤٩٦ تسبيح الطعام والحصى في كفّه الشريف معَ ◌ّ. يومًا من الأيام، فإذا النبي مَِّ قد خرج من بيته فسألت عنه الخادم فأخبرني أنه ببيت عائشة، فأتيته وهو جالس ليس عنده أحد من الناس، وكأني حينئذٍ أرى أنه في وحي، فسلمت عليه فرد السلام، ثم قال: ما جاء بك قلت جاءني الله ورسوله، فأمرني أن أجلس فجلست إلى جنبه، لا أسأله عن شىء ولا يذكره لي، فمكثت غير كثير، فجاء أبو بكر يمشي مسرعًا فسلم عليه، فرد عليه السلام، ثم قال: ما جاء بك؟ قال: قلت جاء بي الله ورسوله، فأشار بيده أن اجلس، فجلس إلى ربوة مقابل النبي عّله، ثم جاء عمر ففعل مثل ذلك، وقال له رسول الله عَّم مثل ذلك، وجلس إلى جنب أبي بكر، ثم جاء عثمن كذلك وجلس إلى جنب عمر، ثم قبض رسول الله عٍَّ على حصيات سبع أو تسع أو ما قرب من ذلك، فسبحن في يده، حتى سمع لهن حنين كحنين النحل (يومًا من الأيام، فإذا النبيّ عَِّ قد خرج من بيته) الذي كنت أعهد جلوسه فيه، لا ينافي قوله: (فسألت عنه الخادم، فأخبرني أنه ببيت عائشة،) إذ بيتها بيته، وهو لم يعيّ بيته الأوّل الذي خرج منه. وفي رواية البيهقي وابن عساكر، عن أبي ذرّ: كنت أتتّبع خلواته عَّهِ، فرأيته يومًا خاليًا، فاغتنمت خلوته، (فأتيته وهو جالس عنده أحد من الناس، وكأني حينئذ أرى،) بالضم: أظنّ (أنه في وحي) أي: استماعه، وفي نسخة: إنه وحي، ومعناها وأرى أن ما هو مشغول به وحي، (فسلّمت عليه، فردّ السّلام، ثم قال: ((ما جاء بك))؟، قلت: جاءني اللَّه ورسوله)، أي: حبّهما، (فأمرني أن أجلس، فجلست إلى جنبه لا أسأله عن شىء، ولا يذكره لي فمكثت، غير كثير، فجاء أبو بكر يمشي مسرعًا، فسلّم عليه، فردّ عليه السّلام، ثم قال: ((ما جاء بك)»؟، قال: قلت: جاءني اللَّه ورسوله، فأشار بيده: أن أجلس،) بفتح الهمزة، وكسر النون، ووصل همزة اجلس، وهي أن المفسّرة؛ لأنها سبقت بجملة فيها معنى القول دون حروفه، وبعدها جملة، (فجلس إلى ربوة،) بتثليث الراء: ما ارتفع من الأرض؛ كما في القاموس وغيره، (مقابل النبيّ عَّه، ثم جاء عمر ففعل، مثل ذلك، وقال له: يا رسول الله! مثل ذلك، وجلس إلى جنب أبي بكر،) وفي رواية البيهقي وابن عساكر: وجلس عن يمين أبي بكر، (ثم جاء عثمن كذلك، وجلس إلى جنب عمر،) أي: عن يمينه؛ كما في رواية، (ثم قبض رسول اللَّه عَّه. على حصيات:) جمع حصاة، (سبع أو تسع أو ما قرب من ذلك،) بالشكّ من الراوي، ويأتي الجزم بسبع في رواية البزار ومن معه، فالشكّ ممن دون أبي ذرّ، (فسبحن في يده،) بأن قلن: بسبحان اللَّه، حتى (سمع لهنّ حنين): تصويت، (كحنين) تصويت (النحل)، بالمهملة، وهو ٤٩٧ تسبيح الطعام والحصى في كفّه الشريف عَ لّ. في كف رسول الله عَّهِ، ثم وضعهن وناولهن أبا بكر، وجاوزني، فسبحن في كف أبي بكر، ثم أخذهن منه فوضعهن في الأرض فخرسن وصرن حصى، ثم ناولهن عمر، فسبحن في كفه، كما سبحن في كف أبي بكر)» وناولهن عثمن فسبحن في كفه، كنحو ما سبحن في كف أبي بكر وعمر، ثم أخذهن فوضعهن في الأرض فخرسن. وقال الحافظ بن حجر: قد اشتهر على الألسنة تسبيح الحصى. ففي حديث أبي ذر: تناول النبي عَّ سبع حصيات فسبحن في يده حتى سمعت لهن حنيناً، ثم وضعهن في يد أبي بكر فسبحن، ثم وضعهن في يد عمر فسبحن، ثم وضعهن في يد عثمن فسبحن، أخرجه البزار، والطبراني في الأوسط. تشبيه في علوّ الصوت فقط، فلا يردّ أن دون النحل ليس بألفاظ، مفهومة، وتسبيح الحصى بألفاظ علم الحاضرون أنها تسبيح، ويأتي كل منها متكلّم باعتبار خلق الكلام فيها حقيقة، خرقًا للعادة، (في كفّ رسول اللَّه عَّة، ثم وضعهنّ) بالأرض فخرسن، ثم أخذهن، (وناولهن أبا بكر) كما في رواية البيهقي وغيره، والمخرج متّحد، ففيه هنا اختصار، (وجاوزني، فسبحن في كفّ أبي بكر،) حتى سمعت لهنّ حنينًا كحنين النخل؛ كما عند البيهقي وغيره (ثم أخذهن منه، فوضعهنّ في الأرض، فخرسن وصرن حصى) لا تسبيح فيه، (ثم) تناولهن، أي: من الأرض، و(ناولهنّ عمر، فسبحن في كفّه؛ كما سبّحن في كفّ أبي بكر)، وللطبراني والبيهقي: حتى سمعت لهنّ حنينًا كحنين النحل، (وناولهن عثمن فسبحن في كفّه؛ كنحو ما سبّحن في كفّ أبي بكر وعمر،) وللطبراني والبيهقي: حتى سمعت لهنّ حنينًا كحنين النحل، (ثم أخذهن، فوضعن في الأرض، فخرسن،) فقال عَّةٍ: «هذه خلافة النبوّة)؛ كما في رواية البيهقي والطبراني وغيرهما، وبه يعلم وجه مجاوزته عَّةٍ لأبي ذرّ، مع أنه كان أقرب إليه منهم في المجلس؛ لأنه ليس من الخلفاء. (وقال الحافظ ابن حجر) في فتح الباري، في شرح حديث: كنا نسمع تسبيح الطعام (قد اشتهر على الألسنة تسبيح الحصى، ففي حديث أبي ذرّ: تناول النبيّ عَّله سبع حصيات،) بسين قبل الموحدة، (فسبحن في يده حتى سمعت لهن حنيناً، ثم وضعهنّ في يد أبي بكر) بعد وضعهن في الأرض، (فسبحن، ثم وضعهن في يد عمر فسبحن، ثم وضعهن في يد عثمن فسبحن، أخرجه البزار والطبراني في الأوسط،) والبيهقي في الدلائل، وابن عساكر في التاريخ، وعندهم: أنه سمع لهنّ حنينًا كحنين النحل، وقت كونهن مع الخلفاء الثلاثة؛ كالنبيّ عَُّله، فالحافط اختصره. ٤٩٨ تسبيح الطعام والحصى في كفّه الشريف وفي رواية الطبراني: فسمع تسبيحهن من في الحلقة، ثم دفعهن إلينا فلم يسبحن مع أحد منا، قال البيهقي في ((الدلائل)): كذا رواه صالح بن أبي الأخضر - ولم يكن بالحافظ - عن الزهري عن سويد بن يزيد السلمي عن أبي ذر. والمحفوظ ما رواه شعيب بن أبي حمزة عن الزهري قال: ذكر الوليد بن سوید أن رجلاً من بني سلیم کان کبیر السن. انتھی. (وفي رواية الطبراني: فسمع تسبيحهنّ من في الحلقة،) بسكون اللام وفتحها لغة، (ثم دفعهنّ إلينا، فلم يسبحن مع واحد منّا،) ولم يذكر عليًّا، فإن كان تسبيحها مع غيره ◌َيَتّ. الله مخصوصًا بالخلفاء فهو خليفة، كابنه الحسن أيضًا، فيحتمل أنه لم يكن حاضرًا، أو لأن خلافته أدركت الفتنة، على أن مثله لا يشين مقامه مع ما له من المناقب؛ كما قاله بعض شرّاح الشفاء، واستظهر بعضهم تعدّد الواقعة؛ لأن الرواية الأولى تقتضي أنه لم يكن ثمة غير أبي ذرّ، والثانية تقتضي أنه حضرها جماعة من الصحابة؛ لقوله في رواية ابن عساكر، من حديث أنس بعد عثمن ثمّ وضعهنّ في أيدينا رجلاً، رجلاً فما سبّحت حصاة منهنّ، وعلى كليهما لم يحضر عليّ معهم، ففيه إشارة إلى عدم امتداد خلافته استقلالاً رضي اللَّه عنه، وفيه: أن الأصل عدم التعدّد، لا سيّما مع المخرج الذي هو أبو ذرّ، ووروده عن أنس لا يقتضي تعدّد القصّة، إذ هي قصة واحدة رواها اثنان، وكون مقتضى حديث أبي ذرّ؛ أنه لم يكن غيره ثمّة، ومقتضى حديث أنس: أنه حضرها جمع لا يقتضي التعدّد أيضًا؛ لأنه من اختلاف الرواية بالزيادة والنقص، وقد صرّح الحافظ وغيره بأن تسبيح الحصى إنما له هذه الطريق الواحدة، مع ضعفها. (قال البيهقي في الدلائل) النبوية: (كذا رواه صالح بن أبي الأخضر) اليمامي، مولى هشام بن عبد الملك: نزل البصرة ضعيف يعتبر به، مات بعد الأربعين ومائة، روى له الأربعة؛ كما في التقريب، وسقط في نسخ المصنف لفظ أبي قبل الأخضر، مع أنه في الفتح عن البيهقي، بلفظ: أداة الكنية، وهو الصواب، (ولم يكن بالحافظ،) وإن روى (عن الزهري عن سويد بن يزيد السلمي عن أبي ذر. والمحفوظ ما رواه شعيب بن أبي حمزة) ونافع، وروى عنه ابن مهدي ومسلم، وكان يخدم الزهري، فقد لينه البخاري واسمه دينار، (عن الزهري، قال: ذكر الوليد بن سويد؛ أن رجلاً من بني سليم كان كبير السنّ) ممن أدرك أبا ذرّ بالربذة، ذكر له عن أبي ذرّ، (انتهى). وذكر ابن الحاجب عن بعض الشيعة: أن انشقاق القمر، وتسبيح الحصى، وحنين الجذع، وتسليم الغزالة، مما نقل آحادًا مع توفّر الدواعي على نقله، ومع ذلك لم تكذب رواتها، وأجاب؛ بأنه استغنى عن نقلها تواترًا بالقرءان، وأجاب غيره: بمنع نقلها آحادًا، وعلى تسليمه، فمجموعها ٤٩٩ تسبيح الطعام والحصى في كفّ الشريف عَّ. وليس لحديث تسبح الحصى إلا هذه الطريق الواحدة مع ضعفها، لكنه مشهور عند الناس. وما أحسن قول سيدي محمد وفي: لسبحة ذاك الوجه قد سبخ الحصا ومن سخ سحب الكف قد سبح الرعد وقول الآخر: ياحبدا لو لثمت كفّا قد سبحت وسطها الحصاء وقد أخرج البخاري من حديث ابن مسعود: يفيد القطع، والذي أقول: أنها كلّها مشتهرة عند الناس. أمّا من حيث الرواية، فليست على حدّ سواء، فحنين الجذع وانشقاق القمر، نقل كلّ منهما نقلاً مسعفيضًا، يفيد القطع عند من يطّلع على طرق ذلك من أئمة الحديث دون غيرهم، ممن لا ممارسة له في ذلك. وأمّا تسبيح الحصى، فليس له إلاّ هذه الطريق الواحدة مع ضعفها. وأمّا تسليم الغزالة، فلم أجد له إسنادًا لا من وجه قويّ، ولا من وجه ضعيف، ذكره الحافظ عقب كلام البيهقي، بلفظ: فائدة: فاقتصر منه المصنّف على قوله: (وليس لحديث تسبيح الحصى إلاّ هذه الطريق الواحدة،) وكأنه لم يعتبر طريق صالح؛ لقول البيهقي: إنها غير محفوظة، وإلّ فهما طريقان: طريق صالح، وطريق شعيب، وإن اتّحد المخرج، لكن يردّ عليه أن ابن عساكر أخرجه عن أنس، فهي طريق ثان؛ لاختلاف المخرج، وإن أتّحدت القصّة، (مع ضعفها، لكنه مشهور عند الناس،) وذلك يجبر ضعف الطريق، (وما أحسن قول سيدي محمد وفي: لسبحة(،) بضمّ السين: بهاء ونور، (ذاك الوجه) النبوي (قد سبّح الحصى،) دلالة على صدقه، (ومن سخ) بفتح السين وشدّ الخاء المهملتين: صبّ وسيلان، (سحب:) جمع سحاب (الكفّ،) أي: ومن أجل عطاياه المشبّهة للماء الكثير الذي يصبّه السحاب، (قد سبّح الرعد،) دلالة على كماله عَّه، (وقول الآخر: يا حبّذا لو لثمت كفَّا قد سبّحت وسطها،) بالسكون (الحصاء،) بالمدّ للضرورة، على أحد القولين في جواز مدّ المقصور، وفي نسخة: الحصاة، أي: جنسها، وفي نسخة: الحصباء، بزيادة باء، وهي تحريف ينزحف به البيت. (وقد أخرج البخاري) في علامات النبوّة، والترمذي في المناقب، (من حديث ابن مسعود،) قال: كنّا نعدّ الآيات بركة، وأنتم تعدّونها تخويفًا، كّا مع رسول اللَّه عَّه في سفر فقلّ الماء، فقال: ((اطلبوا فضلة من ماء))، فجاؤا بإناء فيه ماء قليل، فأدخل يده في الإناء، ثم قال: ٥٠٠ تسبيح الطعام والحصى في كفّه الشريف عَّ كنا نأكل مع رسول الله عَّله الطعام، ونحن نسمع تسبيح الطعام. وعن جعفر بن محمد عن أبيه قال: مرض النبي عَّ فأتاه جبريل بطبق فيه رمان وعنب فأكل منه النبي عَّه. فسبح. رواه القاضي عياض في ((الشفاء)) (حيّ على الطهور المبارك، والبركة من اللَّه))، فلقد رأيت الماء ينبع من بين أصابعه عَلّه، ولقد كنّا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل، هذا لفظ البخاري. وأمّا قوله: (كنّا نأكل مع رسول اللّه عَّةٍ الطعام ونحن نسمع تسبيح الطعام)، فهو لفظ الترمذي، فتسامح المؤلف بعزوه للبخاري وإتيانه بلفظ الترمذي، فلو عزاه لهما لسهل ذلك، وقد قال الحافظ وتبعه المصنّف، قوله: كنّا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل، أي: في عهد رسول اللَّه عَّ غالبًا، ووقع ذلك عند الإسمعيلي صريحًا من الوجه الذي أخرجه منه البخاري، بلفظ: كنّا نأكل مع النبيّ عية الطعام، ونحن نسمع تسبيح الطعام، زاد الحافظ: وله شاهد عند البيهقي، كان أبو الدرداء وسللمن إذا كتب أحدهما إلى الآخر، قال: بآية الصحفة، وذلك أنهما بينا هما يأكلان في صحفة إذ سبحت وما فيها، انتهى، ولأبي الشيخ عن أنس: أتى عَِّ بطعام ثريد، فقال: ((إن هذا الطعام يسبّح))، قالوا: أوّ تفقه تسبيحه؟ قال: نعم، ثم قال لرجل: ((أدن هذه القطعة من هذا الرجل))، فأدناها، فقال: نعم يا رسول اللَّه، هذا الطعام يسبح، ثمّ قال: ((ردّها)، فردها، وظاهر هذين الحديثين: أنه كان يسبح وهو في الإناء، وظاهر حديث البخاري: أنه كان يسبّح بعد وضعه في الفمّ، ولا مانع منهم، ثم هذا كلّه مما يستأنس به؛ لأن معنى قوله تعالى: ﴿وإن من شيء إلا يسبح بحمده﴾ الآية، تسبيح حقيقي بلسان المقال لا بلسان الحال، ويشهد له قوله: ﴿ولكن لا تفقهون تسبيحهم﴾ الآية، إذ لو كان بلسان الحال لفهمناه وفي قوله: كّا دليل على تكرّره، وأنه وقع مرارًا عديدة، وهو آية للنبيّ عَّ أعظم من تسبيح الجبال مع داود، وفهم نطق الطير لسليمن. (وعن جعفر) الصّادق (بن محمّد، عن أبيه) محمّد الباقر بن عليّ، زين العابدين بن الحسين، بن عليّ بن أبي طالب، (قال) محمّد: (مرض النبيّ عَُّله، فأتاه جبريل بطبق،) أي: وعاء مجازًا، وإن كان الطبق لغة الغطاء؛ لأنه على هيئته، (فيه رمّان وعنب) من الجنّة على الظاهر، وزعم أنهما من الدنيا، إذ لو كانا من الجنّة لم يفنيا؛ لقوله: ﴿أكلها دائم لا يسمع﴾؛ الآية، لأن ذلك في يوم القيامة، (فأكل منه النبيّ عَّله فسبح،) أي: فأراد الأكل منه، إذ تناوله بيده لا بعد الأكل؛ كقوله: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا﴾ [المائدة/٦] الآية، كذا لبعض (رواه)، أي: ذكره (القاضي عياض في الشفاء) بلا إسناد تعليقًا. قال السيوطي: ولم أجده في كتب الحديث، يعني المشهورة؛ فلا ينافي اطّلاع عياض