Indexed OCR Text

Pages 281-300

٢٨١
النوع الثاني في لباسه وفراشه
والحبرة: ضرب من البرود فيه حمرة.
وعن أبي رمثة قال: رأيت رسول الله عَّ ◌ُله وعليه بردان أخضران رواه
الترمذي.
وعن عطاء عن أبي يعلى عن أبيه قال: رأيت النبي عَّه يطوف بالبيت
مضطجعًا ببرد أخضر.
أقرانه، (رواه الترمذي)، والبخاري، ومسلم، وأبو داود، فقصر المصنف شديدًا، (والحبرة) بزنة
عنبة، (ضرب من البرود:) القطن اليمانية (فيه حمرة،) سميت حبرة لأنها تحبر، أي: تحسن،
والتحبير التحسين والتزيّن، قاله القرطبي.
وقال الداودي: لونها أخضر، لأنها لباس أهل الجنّة، كذا قال.
وقال ابن بطال: هي من برود اليمن تصنع من قطن، وكانت أشرف الثياب عندهم، ذكره
في الفتح، ومرّ الجمع بينه وبين حديث أمّ سلمة: كان أحبّ الثياب إليه القميص بوجهين،
وجمع أيضًا بأن حبه للقميص حين يكون عند نسائه، وللحبرة حين يكون عند صحبه؛ لأن عادة
العرب الإئتزار والإرتداء؛ وبأنه كان يتّخذ القميص من الحبرة.
قال الزين العراقي: وإن رجعنا إلى الترجيح عند التعارض، فحديث أنس هذا أصح لاتفاق
الشيخين عليه، وحديث أمّ سلمة إنما يعرف من ذلك الوجه فقط.
(وعن أبي رمثة،) بكسر الراء، وسكون الميم، بعدها مثلثة: البلوى، ويقال: التميمي،
ويقال: التيمي، ويقال: هما اثنان، قيل: اسمه رفاعة بن يثربي، ويقال: عكسه، ويقال: عمارة بن
يثربى، ويقال: حبان بن وهيب، وقيل: جندب، وقيل: خشخاش صحابي.
قال ابن سعد: مات بأفريقية، ذكره التقريب، (قال: رأيت رسول اللَّه عٍَّ وعليه بردان،)
تثنية برد، وهو ثوب مخطّط (أخضران،) أي: ذو خطوط خضر؛ كذا قاله بعضهم، واعترض بأنه
خروج عن الظاهر بلا دليل ورد؛ بأن البرد لغة ثوب مخطط، كما علم، فوصفه بالخضرة يدل
على أنه مخطّط بها، ولو كان أخضر خالصًا لم يكن بردًا، (رواه الترمذي).
(وعن عطاء، عن أبي يعلى، عن أبيه)، كذا في نسخ، وفي أخرى: عن عطاء، عن أبي
يعلى عن أبيه، وكلتاهما لا يصح، فالحديث في أبي داود، والترمذي، والنسائي، عن أبي يعلى
لا ذكر فيه لعطاء أصلاً، وابن يعلى كما جزم به الولي العراقي في شرح أبي داود هو صفوان بن
يعلى بن أُميّة ثقة، روى له السّة، وأبوه يعلى بن أَميّةٍ، التميمي، الحنظلي، وهو الذي يقال له
يعلى بن منية، بضم الميم، وسكون النون، وهي أُمّه، ويقال: أُمّ أبيه، صحابي شهد حنينًا
والطائف وتبوك، وله أحاديث، (قال: رأيت النبيّ عَّةِ يطوف بالبيت مضطبعًا ببرد أخضر؛) بأن

٢٨٢
النوع الثاني في لباسه وفراشه
رواه الترمذي.
وعن عروة بن المغيرة بن شعبة عن أبيه أن النبي عَ ◌ّهِ لبس جبة رومية ضيقة
الكمين. رواه الترمذي.
وعن أبي ذر: أتيت النبي عَّهِ وعليه ثوب أبيض.
جعل وسطه تحت إبطه الأيمن، وألقى طرفيه على كتفه الأيسر من جهة صدره وظهره، وسمي
اضطباعًا لإبداء الضبعين، وهما العضدان، ويقال للإِبط: ضبع، المجاورة، وقيل: الضبع وسط
العضد، وقيل: ما بين الإبط إلى نصف العضد، وقيل: هو ما تحت الإبط، (رواه الترمذي) في
الحج: حدّثنا محمود بن غيلان، حدّثنا قبيصة، عن سفين، عن ابن جريج، عن عبد الحميد بن
جبير بن شيبة، عن ابن يعلى، عن أبيه: أن النبيّ عٍَّ طاف بالبيت مضطبعًا وعليه برد، وقال:
هذا حديث حسن صحيح.
وفي نسخة: رواه أبو داود، وهي صحيحة أيضًا، فقد رواه في الحج: حدّثنا محمد بن
كثير، أنبأنا سفين، عن ابن جريج، عن ابن يعلى، عن يعلى، قال: طاف النبيّ عَِّ مضطبعًا ببرد
أخضر.
وأخرجه النسائي عن محمّد بن يحيى وقبيصة، كلاهما عن سفين، عن ابن جريج، عن
عبد الحميد، عن ابن يعلى، عن أبيه: أن النبيّ عَّ ﴾ طاف مضطبعًا، قال قبيصة: وعليه برد.
قال الولي العراقي: فظهر بهذا أنه اختلف فيه على سفين الثوري، والظاهر أن رواية إدخال
عبد الحميد أرجح؛ لأن معها زيادة علم، فهي أولى بالتقديم، وانضم إلى ذلك كون ابن جريج
مدلسًا، ولم يصرح بالسماع من صفوان بن أميّة، فعنعنته غير مقبولة.
(وعن عروة بن المغيرة بن شعبة،) الثقفي، الكوفي، ثقة، روى له الستّة، (عن أبيه: أن
النبيّ عَّهِ لبس) وهو سائر إلى تبوك (جبّة رومية،) بتشديد الياء وتخفّف، قال الحافظ: وأكثر
الروايات شامية ولا تناقض؛ لأن الشام كانت يومئذ مساكن الروم، قال ابن الأثير: وجاء في بعض
الطرق؛ أنها كانت من صوف، وإنما نسبها للروم أو الشام؛ لكونها من عمل أهله أو ملابسهم،
(ضيّقة الكمّين،) فتوضّأ فلم يستطع أن يخرج ذراعيه منهما، حتى أخرجهما من أسفل الجبة،
فغسل ذراعيه، كما في الحديث، (رواه الترمذي) بهذا اللفظ مختصرًا، وإلا فهو في الصحيحين
وغيرهما مطوّلاً.
(وعن أبي ذر، قال: أتيت النبيّ عَّه، وعليه ثوب أبيض،) وهو نائم، ثم أتيته وقد
استيقظ، فقال: ((ما من عبد قال لا إله إلاَّ اللَّه، ثم مات على ذلك، إلاّ دخل الجنّة)، قلت: وإن
زنى وإن سرق؟ قال: ((وإن زنى وإن سرق))، قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: ((وإن زنى وإن

٢٨٣
النوع الثاني في لباسه وفراشه
رواه البخاري.
وعن عائشة قالت: خرج النبي عَّةٍ. ذات غداة وعليه مرط شعر أسود، رواه
الترمذي.
وعن أنس قال كان رسول الله عَّله يلبس الصوف، وكان له كساء ملبد
يلبسه ويقول: إنما أنا عبد ألبس كما يلبس العبد، رواه الشيخان.
فإن قلت قد علم من هذا، ومن سيرة السلف
سرق))، قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: ((وإن زنى وإن سرق على رغم أنف أبي ذر))، (رواه
البخاري) هكذا في اللباس، ومسلم في الإيمان، فاقتصر المصنف منه على حاجته.
(وعن عائشة، قالت: خرج النبيّ عٍَّ ذات غداة،) بزيادة لفظ ذات للتأكيد، أي: بكرة،
والعرب تستعمل ذات يوم، وذات ليلة، ويريدون حقيقة المضاف نفسه، (وعليه مرط،) بكسر،
فسكون، ومهملة: كساء، (شعر) بالإضافة، وفي رواية: من شعر، واستعمال المرط في الشعر
مجاز، ففي القاموس: أنه ما نسج من صوف أو خز، وهما غير الشعر، (أسود) صفة مرط أو
شعر، فعلى الأوّل: قيدت به؛ لأن المرط إذا أطلق إنما يكون أخضر، وعلى الثاني: قيدت به؛ لأن
الشعر يكون أسود وغير أسود، وزعم أن ظاهر قولها: وعليه مرط أنه جعله على رأسه مشتملاً
عليه، لأنه اتزر به، بأنه ليس فيه ما يفيد ذلك، ويؤيده إطباقهم على تفسير المرط، بأنه كساء من
خز أو صوف يؤتزر به، (رواه الترمذي) ومسلم أيضًا.
(وعن أنس، قال: كان رسول اللَّه عَّ له يلبس الصوف) من مزيد تواضعه، ولبسه من سنن
الأنبياء، قال ابن مسعود: كانت الأنبياء يركبون الحمر، ويلبسون الصوف، ويحتلبون الشاة، رواه
الطيالسي، وعنه عٌَّ قال: ((كان على موسى يوم كلّمه ربّه كساء سوف، وكمّة صوف، وجبّة
صوف، وسراويل صوف، وكانت نعلاه من جلد حمار ميّت))، رواه الترمذي، وقال غريب،
والحاكم، وصححه على شرط البخاري، كلاهما عن حميد الأعرج، عن عبد اللَّه بن الحرث،
عن ابن مسعود، قال المنذري، توهم الحاكم عن حميدًا الأعرج، هذا هو حميد بن قيس المكي،
وإنما كان حميد بن علي، وقيل: ابن عمّار أحد المتروكين والكلمة، بضمّ الكاف، وشدّ الميم:
القلنسوة الصغيرة، (وكان له كساء ملبّد،) أي: مرقع، أو ما ثخن وسطه حتى صار يشبه اللّبد،
كما يأتي قريبًا في المصنف، (يلبسه، ويقول: ((إنما أنا عبد، ألبس كما يلبس العبد))، رواه
الشيخان) ولم أرَه فيهما، ولا في أحدهما بهذا اللفظ في مظانه، فليراجع.
(فإن قلت: قد علم من هذا) المنقول عن المصطفى في لباسه، (ومن سيرة السلف:)

٢٨٤
النوع الثاني في لباسه وفراشه
الصالح، بذاذة الهيئة ورثاثة الملابس، فما بال الشادلية من الصوفية يجملون هيآتهم
وملابسهم، وطريقهم الاقتداء بالسنة الشريفة والسلف الصالح.
أجاب العارف الرباني سيدي علي الوفائي، أذاقنا الله حلاوة مشربه، ومن
خطه الكريم نقلت بما لفظه: ذلك لأنهم نظروا إلى المعاني والحكم. فوجدوا
السلف الصالح لما وجدوا أهل الغفلة والشغل بدنياهم منهمكين على الزينة
الظاهرة، تفاخرًا بدنياهم واطمئنانًا إليها وإشعارًا بأنهم من أهلها، خالفوهم إظهارًا
لحقارة ما حقره الحق مما عظمه الغافلون وتنويهاً بالغنى عما اطمأن إليه الغافلون،
فكأن أطمارهم
جمع سالف وهو المتقدّم، ويجمع أيضًا على سلاف؛ كخدم وخدام، وجمع سلف على أسلال؛
كسبب وأسباب، فقوله: (الصالح) راعى فيه لفظ سلف، ولو راعى معناه، لقال: الصالحين،
(بذاذة الهيئة،) بموحدة ومعجمتين، بينهما ألف، ثم تاء تأنيث، أي: سوءها، (ورثاثة الملابس،)
أي: عدم حسنها، فهو بمعنى البذاذة؛ كما في القاموس، (فما بال الشادلية،) بالدال المهملة
ومعجمة، نسبة إلى شادلة: بلدة بالمغرب، (من الصوفية) صفة مقيدة (يجملون هيآتهم،) أي:
يحسنون صورهم وأحوالهم الظاهرة، (وملابسهم») فيلبسون الثياب الفاخرة، (وطريقهم الاقتداء
بالسنّة الشريفة، والسلف الصالح) جملة خالية، قلت: (أجاب العارف الرباني،) أي: العابد
العارف باللَّه تعالى، (سيدي علي) ابن العارف الكبير، سيدي محمّد، (الوفائي،) اليقظ، الحاد
الذهن، العديم، النظير، المالكي الشاذلي، إنسان عين الأولياء، العلم الشهير، (أذاقنا اللَّه حلاوة
مشربه،) أي: ما كان عليه من المعاني والتجليات والمعارف، مصدر بمعنى الشرب نفسه؛ كما
في القاموس، لكنه هنا من إطلاق المصدر، بمعنى اسم المفعول، والمعنى: رزقنا اللَّه حالة نستلذ
بما يجيء عنه من العلوم والمعارف كلّة شارب الحلوبة، (ومن خطه الكريم نقلت بما لفظه:)
متعلّق بأجاب، (ذلك،) أي: تجميلهم الهيئة والملابس، (لأنهم نظروا إلى المعاني والحكم:)
جمع حكمة، وهي تحقيق العلم، واتقان العمل، وفيها أقوال كثيرة، (فوجدوا السلف الصالح
لما وجدوا أهل الغفلة) عن حقوق اللَّه تعالى، (والشغل) بحظوظ أنفسهم (بدنياهم منهمكين،)
مقبلين (على الزينة الظاهرة،) جادين في طلبها، (تفاخرًا بدنياهم، واطمئنانًا إليها، وإشعارًا
بأنهم من أهلها) وجواب لما (خالفوهم إظهاراً لحفاوة، ما حقره الحق مما عظمه الغافلون،)
من الشهوات الفانية، مما فيه حظ للنفس من مال ونساء وغيرهما، (وتنويهًا،) إظهارًا ورفعة، شأن
(بالغنى عما اطمأن) ركن (إليه الغافلون، فكأن أطمارهم:) جمع طمر، بكسر، فسكون ثيابهم

٢٨٥
النوع الثاني في لباسه وفراشه
يومئذٍ تقول الحمد لله الذي أغنانا به عما أفقر نفسه من همه دنياه. فلمّا طال
الأمد وقست القلوب بنسيان ذلك المعنى، واتخذ الغافلون رثاثة الأطمار وبذاذة
الهيئة حيلة على جلب دنياهم انعكس الأمر، فصار مخالفة هؤلاء في ذلك الله هو
قول السلف وطريقتهم كما تقدم.
قال: وقد أرشد الأستاذ أبو الحسن الشاذلي، قدس الله سره العزيز، إلى ذلك
بقول لبعض من أنكر عليه جمال هيئته من أصحاب الرثاثة: يا هذا هيئتي هذه
تقول: الحمد لله، وهيئتك هذه تقول: أعطوني شيئًا من دنياكم.
والقوم أفعالهم دائرة مع الحكمة الربانية مرادهم رضا ربهم.
الخلقة (يومئذ، تقول: الحمد لله الذي أغنانا به،) أي: اللَّه من الشغل بما هو سبب للسعادة
الأبدية دون التفات لما في أيدي الناس مما عظّموه وقدموه على ما سبب لذلك، (عمّا أفقر،)
أحوج (نفسه) إليه (من) فاعر أبقر (همّه) اهتمامه (دنياه،) أي: تحصيلها، فالراغب فيها يجعلها
نصب عينه ويشتغل بها، فتلهيه عن الطاعات، (فلمّا طال الأمد:) الزمن، (وقست القلوب) لم
تكنُّ لذكر اللَّه (بنسيان ذلك المعنى، واتّخذ الغافلون رثاثة الأطمار، وبذاذة الهيئة حيلة على
جلب دنياهم، انعكس الأمر،) أي: أن رثاثة الهيئة كانت سببًا للوصول إلى الحق، بالإعراض عن
الدنيا، فصارت سببًا للهلاك بالوقوع في المعاصي، بالتحيّل على أكل المال بالباطل، (فصار
مخالفة هؤلاء في ذلك للّه هو قول السلف وطريقتهم، كما تقدم).
قال) سيدي علي: (وقد أرشد الأستاذ أبو الحسن الشاذلي،) بدال معجمة ومهملة،
نسبة إلى شاذلة: قرية بأفريقية، الشريف تقي الدين علي بن عبد الله بن عبد الجبّار، شيخ الطائفة،
من ذرية محمّد بن الحنفية.
قال ابن دقيق العيد: ما رأيت أعرف باللَّه من الشاذلي، وقال ابن عطاء اللَّه: نشأ بالغرب
الأقصى، ومبدأ ظهوره بشاذلة، ولم يدخل في طريق اللَّه حتى كان يعدّ للمناظرة في العلوم
الظاهرة وعلوم جمّة، وجاء في الطريق بالعجب العجاب، وكان العزّ بن عبد السلام يحضر
مجلسه، مات في ذي القعدة سنة ستّ وخمسين وستمائة بصحراء عيذاب متوجّهًا إلى مكّة
ودفن هناك، (قدّس اللَّه سرّه العزيز، إلى ذلك بقوله لبعض من أنكر عليه جمال هيئته من
أصحاب الرثاثة،) متشبئًا بأنها سيرة السلف، (يا هذا هيئتي هذه تقول: الحمد لله) الذي أغنائي
عن الناس والإلتفات لما في أيديهم، (وهيئتك هذه تقول: أعطوني شيئًا من دنیاکم) أصلح به
رثاثتي، (والقوم أفعالهم دائرة مع الحكمة الربانية، مرادهم رضا ربهم،) إذ الحكم يدور مع

٢٨٦
النوع الثاني في لباسه وفراشه
انتهى ما قاله سيدي علي وفي.
وقد ورد في الحديث الصحيح عنه عٍَّ، إن الله جميل يحب الجمال ...
العلّة وجودًا وعدمًا، (انتهى ما قاله سيدي عليه، وفي) رحمة اللَّه تعالى، وهو كلام نفيس لا
غر، وفي صدوره ممن جمع بين العلم والولاية.
(وقد ورد في الحديث الصحيح) الذي أخرجه مسلم والترمذي، (عنه عٌَّ) من حديث
ابن مسعود، قال: قال رسول اللَّه عَ له: ((لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرّة من کبر))،
فقال رجل: إن الرجل يحبّ أن يكون ثوبه حسنًا ونعله حسن، فقال: ((إن الله جميل) ذاتًا
وأفعالاً والعرب تصف الشىء بفعل ما هو من سببه، قاله الزمخشري، وللّه تعالى الجمال المطلق،
ومن أحقّ بالجمال ممن كل جمال في الوجود من آثار صُنعِهِ، فله جمال الذات، وكمال
الصفات، ولولا حجاب النور لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه من خلقه، (يحبّ الجمال،)
أي: التجمّل منكم في الهيئة، أو في قلّة إظهار الحاجة لغيره، وسرّ ذلك أنه كامل في أسمائه
وصفاته ويحبّ ظهور آثارها في خلقه، فإنه من لوازم كماله وهو وتر يحب الوتر، جميل يحبّ
الجمال، عليم يحب العلماء، جواد يحب الجود، قوي يحب القوي، فالمؤمن القويّ أحب إليه
من الضعيف، حيّ يحب أهل الحياء والوفاء، شكور يحب الشاكرين، صدوق يحب الصادقين،
محسن يحب المحسنين، إلى غير ذلك.
وعبّر بالجمال دون الحسن؛ لأن الحسن إنما يوصف به المفرد نحو خاتم حسن، فإذا
اجتمع من ذلك جمل وصف صاحبها بالجمال، فالحسن متعلق بالمفردات، والجمال
بالمركبات، ذكره السهيلي وغيره.
وبقيّة الحديث عند مسلم والترمذي معًا، عقب قوله الجمال الكبر بطر الحق وغمط
الناس، بفتح الغين المعجمة، وإسكان الميم وبالطاء المهملة، رواية مسلم، ولفظ الترمذي:
غمص، بالصاد المهملة بدل الطاء، كما بيته عياض، ومعناهما واحد، أي: احتقارهم.
قال الحافظ: وأخرج الطبري من حديث عليّ: أن الرجل يعجبه أن يكون شراك نعله أجود
من شراك نعل صاحبه، فيدخل في قوله تعالى: ﴿تلك الدار الآخرة﴾ الآية، وقد جمع بينه وبين
حديث ابن مسعود: بأن حديث عليّ محمول على من فعل ذلك ليتعاظم به على صاحبه، لا من
أُحبّ ذلك ابتهاجًا بنعمة اللَّه، ثم الرجل المبهم في حديث ابن مسعود هو سواد بن عمر،
والأنصاري.
أخرجه الطبري من طريق، ووقع ذلك لجماعة غيره، والبيهقي من حديث أبي سعيد: ((إن
اللَّه جميل يحب الجمال، ويحبّ أن يرى أثر نعمته على عبده، ويبغض البؤس والتباؤس».

٢٨٧
النوع الثاني في لباسه وفراشه
وفي الحديث الآخر إن الله نظيف يحب النظافة، وفي السنن عن أبي الأحوص
الجشمي عن أبيه قال: رآني النبي عَّه وعلي أطمار - وفي رواية النسائي: وعلى
ثوب دون - فقال: هل لك من مال؟ قلت: نعم، قال: من أي المال؟ قلت: من
كل ما آتى الله من الإبل والشاة،، قال: فكثر نعمته وكرامته عليك، وفي رواية
النسائي قال: إذا آتاك الله مالاً فلير أثر نعمة الله عليك وكرامته.
(وفي الحديث الآخر) المروي عند ابن عدي، عن ابن عمر رفعه: ((إن اللَّه) جميل
يحب الجمال، سخي يحب السخاء، (نظيف يحب النظافة)؛) لأن من تخلّق بشىء من صفاته
ومعاني أسمائه محبوب له مقرّب عنده، ونظافة الثوب والبدن مطلوبة عقلاً وشرعًا وعرفًا، وتزيد
في العين مهابة، وفي القلب جلالة.
(وفي السنن) الثلاثة لأبي داود، والترمذي، والنسائي، وصححه الحاكم، وابن حبان، (عن
أبي الأحوص،) بالحاء والصاد المهملتين، عوف بن لملك (الجشمي،) بضم الجيم، وفتح
المعجمة، الكوفي، مشهور بكنيته، ثقة من أواسط التابعين، روى له مسلم والأربعة، قتل في ولاية
الحجاج على العراق، (عن أبيه) ملك بن نضلة، بفتح النون وسكون المعجمة، ويقال ابن نصلة،
صحابي، قليل الحديث، قال البغوي: سكن الكوفة وروى حديثين، (قال: رآني النبيّ عَليه
وعليّ أطمار) كأحمال: جمع طمر بزنة حمل، (وفي رواية النسائي: وعليّ ثوب دون،) أي:
حقير بدل أطمار، (فقال: ((هل لك من مال))؟ قلت: نعم، قال: ((من أي: المال))؟) أي: من
أي: نوع من أنواعه، (قلت: من كل ما آتى) - بالمدّ أعطى - (اللَّه من الإبل والشاة، قال: ((فكثر
نعمته وكرامته،) أي: أظهر أثرهما، (عليك))،) بحسن الملابس والهيئة.
(وفي رواية النسائي،) وأبي داود، والنسائي، والترمذي أيضًا والحاكم، كما في الجامع،
(قال) عَّ له: ((إذا آتاك الله) بالمدّ (مالاً،) أي: شيئًا له قيمة يباع بها سمّي مالاً؛ لأنه يميل
القلوب، أو لسرعة ميله، أي: زواله، قاله سفين الثوري.
قال النووي: وهذه مناسبة معنوية، وإلا فليس مشتقًّا من ذلك، فإن عين المال واو، والإمالة
من الميل بالياء، ومن شرط الاشتقاق الاتّفاق في الحروف الأصلية، (فلير) بالبناء للمجهول،
أي: فليرَ الناس (أثر) - بالتحريك - (نعمة اللَّه عليك،) أي: سمة أفضاله، فإن من شكر النعمة
إفشاءها؛ كما في خبر، (وكرامته))،) قال البغوي: هذا في تحسين ثيابه بالتنظيف والتجديد عند
الإمكان من غير مبالغة في النعومة والترفّه، ومظاهرة الملبس على الملبس، على عادة العجم
والمترفهين.

٢٨٨
النوع الثاني في لباسه وفراشه
وفي حديث جابر أنه عَِّ رأى رجلاً شعثًا قد تفرق شعره فقال: ما كان
يجد هذا ما يسكن به رأسه، ورأى رجلاً عليه ثياب وسخة فقال: ما كان يجد
هذا ما يغسل به ثيابه رواه أحمد.
وفي السنن: إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده.
فهو سبحانه يحب ظهور أثر نعمته على عبده، فإنه من الجمال
(وفي حديث جابر) بن عبد اللَّه، (أنه) قال: (رأى) رسول اللَّهُ عَُّ (رجلاً شعثًا،) أي: لم
يتعهد نفسه بما يصلحه، (قد تفرّق:) انتشر (شعره، فقال: ((ما كان،) أي: أما كان؛ كما في
الرواية، فلعلّ الهمزة سقطت من قلم المصنف، (يجد هذا) الرجل الشعث (ما يسكن) - بضمّ
أوله وشدّ الكاف ـ (به رأسه))،) أي: شعر رأسه، أي: بضته ويليته من نحو زيت، فعبّر بالسكون
عن ذلك، والاستفهام فيه وفيما بعده للتوبيخ، والغرض منه التشريع والحثّ على النظافة والاحتراز
عن الرثاثة، (ورأى رجلاً) آخر؛ كما هو الرواية (عليه ثياب وسخة، فقال: ((ما كان) بسقوط
همزة الاستفهام سهوًا، وإلاَّ فهي ثابتة في الرواية أيضًا، (يجد هذا) الرجل الوسخ الثياب (ما
يغسل به ثيابه) من نحو غاسول أو صابون؛ كذا قاله بعض، فما بالقصر بمعنى شيئًا، وضبطه
بعضهم ماء بالمدّ منون، قائلاً: وفيه الأمر بغسل الثوب إذا كثر وسخه، ولو بالماء فقط، إذ به
يزال الوسخ والنجاسة إذا كانت فيه، والاستفهام إنكاري توبيخي، أي: كيف لا يتنظف ويحسّن
هيئته مع تيسّر تحصيل الدهن والصابون وما يقوم مقامه، مع أنه عام الوجود، سهل التحصيل،
خفيف المؤنة والمنّة.
قال الطيبي: أنكر عليه بذاذته لما يؤدي إلى ذلّته، وأما خبر البذاذة من ايمان، فإِثبات
للتواضع للمؤمن؛ كما ورد: ((المؤمن متواضع وليس بذليل، وله العزّة دون الكبر))، ومنه حديث
أبي بكر: إنك لست ممن يفعله خيلاء، فيستحب التنظف مؤكّدًا من الأوساخ الظاهرة على
الثوب والبدن.
قال الشافعي: من نظف ثوبه قل همّه، (رواه أحمد) وأبو داود، وصححه ابن حبان
والحاكم قائلاً: على شرطهما، وأقرّه الذهبي.
(وفي السنن) للترمذي، وقال: حسن صحيح وصححه، الحاكم من حديث عبد الله بن
عمرو بن العاصي، مرفوعًا: ((إن اللَّه يُحِبُ أن يرى أثر نعمته،) أي: إنعامه (على عبده)))) وله
شاهد من حديث أبي سعيد عند أبي يعلى، أي: بأن يلبس ثيابًا تليق بحاله من النفاسة والنظافة،
ليعرفه المحتاجون للطلب منه، مع مراعاة القصد وترك الإسراف جمعًا بين الأدلة، قاله في الفتح،
(فهو سبحانه يحب ظهور أثر نعمته على عبده،) بمعنى: يثيبه على ذلك، (فإنه من الجمال

٢٨٩
النوع الثاني في لباسه وفراشه
الذي يحبه، وذلك من شكره على نعمه، وهو جمال باطن، فيجب أن يرى على
عبده الجمال الظاهر بالنعمة والجمال الباطن بالشكر عليها، ولأجل محبته تعالى
للجمال أنزل على عباده لباسًا يجمل ظواهرهم، ويقوى تجمل بواطنهم فقال
تعالى: ﴿يا بني ادم قد أنزلنا عليكم لباسًا يواري سوءاتكم وريشًا ولباس
التقوى ذلك خير﴾ [الأعراف/٢٦] وقال في أهل الجنة: ﴿ولقاهم نضرة وسرورا،
وجزاهم بما صبروا جنة وحريرا﴾ [الإنسان/١١، ١٢] فجمل وجوههم بالنضرة
وبواطنهم بالسرور وأبدانهم بالحرير.
فهو سبحانه كما يحب الجمال في الأقوال والأفعال واللباس والهيئة، يبغض
الذي يحبّه، وذلك من شكره على نعمه، وهو) أي: الشكر (جمال باطن، فيحب أن يرى
على عبده الجمال الظاهر بالنعمة، والجمال الباطن بالشكر عليها، ولأجل محبته تعالى
للجمال أنزل على عباده،) أي: خلق لهم (لباسًا يجمّل به ظواهرهم، ويقوّي تجمل بواطنهم،
فقال تعالى: ﴿يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسًا﴾) الآية، أي: خلقناه لكم بأسباب من السماء
كالمطر؛ لأن به تتكون الأشياء التي منها يحصل اللباس، فصار كأنه تعالى أنزل اللباس، أي:
أنزلنا أسبابه، فعبّر بالسبب عن المسبّب، ﴿(يواري)﴾ الآية، يستر، ﴿سوءاتكم وريشًا﴾ الآية،
وهو ما يتجمّل به من الثياب؛ لأن الريش زينة للطائر، كما أن الوريش زينة للآدميين، ولذا قال
الزجاج: والوريش لباس الزينة، استعير من ريش الطير؛ لأنه لباسه وزينته، ويحتمل أنه عطف، أي:
أنزلنا لباسين لباسًا موصوفًا بالمواراة ولباسًا موصوفًا بالزينة، وهذا اختيار الزمخشري.
قال الطيبي: إنما عطف ريشًا على لباسًا ليؤذن بأن الزينة أيضًا غرض صحيح؛ كقوله
تعالى: ﴿والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة﴾ الآية، وكما أن ستر العورة مأمور به، كذلك
أخذ الزينة مأمور به، قال تعالى: ﴿خذوا زينتكم عند كل مسجد﴾ الآية، ﴿﴿ولباس التقوى) ﴾
[الأعراف/٢٦]) الآية، العمل الصالح أو السمت الحسن بالنصب، عطفًا على لباسًا، والرفع مبتدأ
خبره، ﴿ذلك خير﴾ الآية،) ذلك من آيات الله، أي: دلائل قدرته لعلّهم يذكرون فيؤمنون، وفيه
التفات عن الخطاب إلى الغيبة.
(وقال في أهل الجنّة: ﴿ولقاهم:) أعطاهم (﴿نضرة﴾) حسنًا، وإضاءة في وجوههم
(﴿وسرورًا وجزاهم بما صبروا﴾)، أي: بما صبروا عن المعصية ((جنّة﴾) أدخلوها،
(﴿وحريرًا﴾) ألبسوه، (فجمل وجوههم بالنضرة) الحسن، (وبواطنهم بالسرور) الفرح، (وأبدانهم
بالحرير، فهو سبحانه كما يحب الجمال في الأقوال والأفعال واللباس والهيئة، يبغض) بضم

٢٩٠
النوع الثاني في لباسه وفراشه
القبيح من الأقوال والأفعال والهيئة، فيبغض القبيح وأهله ويحب الجمال وأهله.
ولكن ضل في هذا الموضع فريقان:
فريق قالوا: كل ما خلقه الله تعالى جميل، فهو يحبه كما خلقه، ونحن
نحب جميع ما خلقه فلا نبغض منه شيئًا، قالوا: ومن رأى الكائنات منه سبحانه
رآها كلها جميلة، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿الذي أحسن كل شىء خلقه﴾
[السجدة/ ٧] فهؤلاء قد عدموا الغيرة لله من قلوبهم، والبغض في الله، وإنكار
المنكر وإقامة الحدود.
والفريق، الثاني قالوا: قد ذم الله تعالى جمال الصورة، وتمام القامة والخلقة،
فقال عن المنافقين: ﴿وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم﴾ [المنافقون/ ٤]،
........
الياء وكسر الغين، من أبغض على اللغة الفصحى، وضم الغين من بغض لغة رديئة؛ كما في
القاموس، ووقع لبعضهم فيه وهم فاحذره، ومرّ التنبيه عليه. (القبيح من الأقوال والأفعال،)
كالسبّ والضرب (والهيئة، فيبغض القبيح وأهله، ويحبّ الجمال وأهله، ولكن ضلّ) ليهتد
إلى الصواب.
(وفي هذا الموضع فريقان:) الفريق الأوّل (فريق قالوا: كل ما خلقه اللَّه تعالى جميل
فهو يحبّه، كما خلقه،) ويزعمون أنه لو لم يحبه ما خلقه، (ونحن نحبّ جميع ما خلقه، فلا
نبغض منه شيئًا، قالوا: ومن رأى الكائنات منه سبحانه رآها كلّها جميلة، واحتجّوا بقوله
تعالى: ﴿الذي أحسن كل شىء خلقه﴾[السجدة/٧]) الآية، بفتح اللام فعلاً ماضيًا صفة،
ويسكونها بدل اشتمال، ولا حجّة لهم فيها؛ لأن المراد أحسنه من حيث الإيجاد، (فهؤلاء قد
عدموا الغيرة للَّه من قلوبهم،) متعلّق بعدموا، (و) عدموا (البغض في اللَّه) لأنهم يحبّون إبليس
والكفار ونحوهمٍ، واللَّه يبغضهم، (وإنكار المنكر) لحتهم له، فلا ينكرونه، والله تعالى يقول:
﴿ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير، ويأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر﴾ الآية، ﴿كنتم
خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون تن المنكر﴾ الآية، (وإقامة الحدود،) فلزمهم
تعطيل الشرع.
(والفريق الثاني، قالوا: قد ذمّ اللّه تعالى جمال الصورة وتمام القامة والخلقة) أي:
سلامتها من الآفات، (فقال عن المنافقين:) ﴿إذا رأيتهم تعجبك أجسامهم﴾[المنافقون/٤] الآية،)
لجمالها.

٢٩١
النوع الثاني في لباسه وفراشه
وفي صحيح مسلم مرفوعًا إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم وإنما ينظر إلى
قلوبكم وأعمالكم، قالوا: وقد حرم علينا لباس الحرير ولباس الذهب، والفضة، وآنية
الذهب والفضة، وذلك من أعظم جمال الدنيا. وقال تعالى: ﴿ولا تمدن عينيك
إلى ما متعنا به أزواجًا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتتهم فيه﴾ [طه / ١٣١] وفي
الحديث البذاذة من الإيمان وقد ذم الله المسرفين، والسرف كما يكون في الطعام
والشراب يكون في اللباس.
وفصل النزاع أن يقال: الجمال في الصورة
(وفي صحيح مسلم،) وسنن ابن ماجه من حديث أبي هريرة، (مرفوعًا) عن النبيّ ◌ٍَّ:
((إن الله لا ينظر إلى صوركم،) لا يجازيكم على ظاهرها، وفي رواية لمسلم أيضًا: إلى
أجسادكم، ولا إلى صوركم، (و)لا إلى (أموالكم) الخالية عن الخيرات، أي: لا يثيبكم عليها
ولا يقربكم منه، (وإنما ينظر إلى قلوبكم) التي هي محل التقوى، وأوعية الجواهر، وكنوز
المعرفة (وأعمالكم،) فمن كان يرجو لقاء ربه، فليعمل عملاً صالحًا، ومعنى النظر هنا الإخبار
بالرحمة والعطف، ومعنى نفيه نفي ذلك، فعبّر عن الكائن عند النظر بالنظر مجازًا.
(قالوا: وقد حرم علينا لباس الحرير ولباس الذهب والفضّة،) بل (و)استعمال (آنية
الذهب والفضّة) في نحو أكل وشرب، (وذلك من أعظم جمال الدنيا، وقال تعالى: ﴿ولا
تمدن عينيك﴾) الآية، أي: لا تنظر ﴿(إلى ما متّعنا به أزواجًا)﴾ الآية، أصنافًا ﴿منهم زهرة
الحياة الدنيا﴾ الآية، زينتها وبهجتها، بإسكان الهاء وفتحها يعقوب، وهما لغتان، (﴿لنفتتهم
فيه﴾ [طه/١٣١]) الآية، بأن بطغوا، إذ بزيادة النعمة يزداد الطغيان ﴿أن الإنسان ليطغى إن رآه
استغنى﴾ الآية، فجعل ذلك فتنة، ونهى أحبّ خلقه إليه عن النظر له.
(وفي الحديث) الذي رواه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، والحاكم، عن أبي أمامة، قال:
ذكر أصحاب رسول اللَّه عَ ◌ٍّ يومًا عنده الدنيا، فقال: ((ألا تسمعون ألا تسمعون))؟ ثم قال:
((البذاذة،) بفتح الموحدة وذالين معجمتين، أي: رثاثة الهيئة وترك الترفه، وإدامة التزيّن والتنعّم
في البدن والملبس، إيثارًا للخمول بين الناس، (من الإيمان،) أي: من أخلاق أهله إن قصد به
تواضعًا وزهدًا، وكفّ نفس عن فخر وتكبّر، لا إظهار فقر وصيانة مال، فتعريض للنعمة للكفران،
وإعراض عن شكر المنعم المنّان، وفهم هؤلاء الفريق الحديث على الإطلاق فضلّوا، (وقد ذمّ
اللَّه المسرفين) في غير ما آية (والسرف كما يكون في الطعام والشراب يكون في اللباس،)
بقياس المساواة، (وفصل النزاع) بيننا وبين هؤلاء الفريقين، (أن يقال الجمال في الصورة)

٢٩٢
النوع الثاني في لباسه وفراشه
واللباس والهيئة ثلاثة أنواع: منه ما يحمد، ومنه ما يذم، ومنه ما لا يتعلق به مدح
ولا ذم.
فالمحمود منه، ما كان لله وأعان على طاعة الله، وتنفيذ أوامره،
والاستجابة له، كما كان النبي عٍَّ يتجمل للوفود، وهو نظير لباس آلة الحرب
للقتال، ولباس الحرير في الحرب والخيلاء فيه، فإن ذلك محمود إذا تضمن إعلاء
كلمة الله ونصر دينه وغيظ عدوه.
والمذموم منه: ما كان للدنيا والرئاسة والفخر والخيلاء، وأن يكون هو غاية
العبد وأقصى مطلبه، فإن كثيرًا من الناس ليس له همة في سوى ذلك.
وأما ما لا يحمد ولا يذم فهو ما خلا عن هذين القصدين، وتجرد عن
الوصفين.
والمقصود من هذا الحديث أن الله تعالى يحب من عبده أن يجمل لسانه
بالصدق
لتحسينها بإزالة الشعث، (واللباس) بكونه ليس جنس لابسه، (والهيئة ثلاثة أنواع: منه ما يحمد،
ومنه ما يذمّ، ومنه ما لا يتعلّق به في مدح ولا ذمّ،) فهو جائز، (فالمحمود منه ما كان للّه،
وأعان على طاعة اللَّه وتنفيذ أوامره والاستجابة،) أي: الإجابة (له كما كان عَّهُ يتجمّل
للوفود،) لملاقاتهم استعانة على تنفيذ أوامر الله، لما جرت به عادة البشر من انقيادهم لصاحب
الهيئة وقبول كلامه، (وهو نظير لباس آلة الحرب للقتال) لإعلاء كلمة اللَّه وتخويف أعدائه،
(ولباس الحرير في الحرب) على قول من أجازه، (والخيلاء:) التبختر فيه وإظهار العجب،
(فإن ذلك محمود إذا تضمّن إعلاء كلمة اللَّه) الشهادة له بالوحدانية ولنبيّه بالرسالة، (ونصر
دينه، وغيظ عدوّه والمذموم منه)، وهو النوع الثاني (ما كان للدنيا والرئاسة والفخر والخيلاء،
وأن يكون هو غاية العبد وأقصى مطلبه، فإن كثيرًا من الناس ليس له همّة في سوى ذلك)
المذ کور، وبئست الهمّة؛ كما قال الشاعر يهجو:
إني رأيت من المكارم حسبكم أن تلبسوا خزّ الثياب وتشيعوا
(وأمّا ما لا يحمد ولا يذمّ،) وهو النوع الثالث، (فهو ما خلا عن هذين القصدين،
وتجرّد عن) هذين (الوصفين) لا يحمد ولا يذم، فهو جائز، (والمقصود من هذا الحديث:
أن اللَّه تعالى يحبّ من عبده أن يجمّل لسانه بالصدق،» بأنه لا يكذب لمجانبته للإيمان،

٢٩٣
النوع الثاني في لباسه وفراشه
وقلبه بالإخلاص والمحبة والإنابة، وجوارحه بالطاعة، وبدنه بإظهار نعمه عليه في
لباسه وتطهيره له من الأنجاس والأحداث والشعور المكروهة، والختان وتقليم
الأظافر وغير ذلك مما وردت به السنة.
وعن جابر بن سمرة قال: رأيت النبي عَّةٍ في ليلة مقمرة أضحيان، فجعلت
أُنظر إليه ◌َّهِ وإلى القمر، وعليه حلة حمراء، فإذا هو أحسن عندي من القمر.
رواه الدارمي والترمذي.
(وقلبه بالإخلاص والمحبة والإنابة) الرجوع، (وجوراحه بالطاعة،) فرضًا ونقلاً، (وبدنه بإظهار
نعمه عليه في لباسه،) يلبس الوسط اللائق بمثله، لا الفائق جدًا، ولا الدون، (وتطهيره له من
الأنجاس والأحداث،) كما قال تعالى: ﴿وثيابك فطهر﴾ الآية، (و)بإلزالة (الشعور
المكروهة،) كالعانة والإبط، (والختان) للرجال، والخفاض للنساء، (وتقليم الأظفار، وغير
ذلك مما وردت به الستّة) الشريفة.
(وعن جابر بن سمرة) بن جنادة، بضم الجيم، بعدها نون، السوائي، بضم المهملة والمدّ،
صحابي ابن صحابي، نزل الكوفة، مات بها بعد سنة سبعين، (قال: رأيت النبيّ عَّ في ليلة
إضحيان،) بكسر الهمزة، وسكون المعجمة، وكسر المهملة، أي: مقمرة منيرة، لا ظلمة فيها،
ولا غيم من أولها إلى آخرها.
· قال الزمخشري: وافعلان في كلامهم قليل جدًا، ونونه منوّنة، صفة لليلة، وإن كانت ألفه
ونونه زائدتين؛ كما في النهاية، والقياس: إضحيانة، وكأنه لتأويل ليلة بليل ومنع بعض إضافته؟
لأنه صفة للقمر، أي: ليلة قمر ضاح، وتعقّب بأنه لا يمنع من الإضافة لجواز أن ليلة مضافة إلى
إضحيان بعد حذف موصوفة، والأصل ليلة قمر إضحان، فحذف الموصوف، وأقيمت الصفة
مقامه، (فجعلت أُنظر إليه عَّله) مرة، (وإلى القمر) أخرى، لأنظر أيهما أحسن في عيني،
(وعليه حلَّة حمراء،) بيان لما أوجب التأمل فيه لمزيد حسنه حينئذ، (فإذا هو أحسن عندي من
القمر،) قيد بالعندية فخارًا؛ باعتنائه بهذه القصّة لا لتخصيصه وإخراج غيره؛ فإنه عند كل أحد
واجهه كذلك.
وفي رواية عند ابن الجوزي وغيره، عن جابر: في عيني، بدل عندي، (رواه الدارمي)
عبد اللَّه بن عبد الرحمن بن الفضل بن بهرام السمرقندي، أبو محمّد الحافظ، صاحب المسند،
ثقة، متقن، روى عنه مسلم، وأبو داود، والترمذي، مات سنة خمس وخمسين ومائتين، وله أربع
وستون، (والترمذي) كلاهما من حديث ابن سمرة، وزعم النسائي إن إسناده إلى جابر خطأ، إنما
هو مسند عن البراء بن عازب فقط، وتعقّب بأن الحديث صحيح عنه، وعن البراء معًا؛ كما قاله

٢٩٤
النوع الثاني في لباسه وفراشه
وعن عون بن أبي جحيفة عن أبيه قال: رأيت النبي عَّه وعليه حلة حمراء
كأنني أنظر إلى إبريق ساقيه. قال سفين: أراه حبرة.
وعن البراء بن عازب قال: ما رأيت أحدًا من الناس أحسن في حلة حمراء
من رسول الله عَّله. رواهما الترمذي.
وفي رواية
البخاري، وقدّم المصنف هذا الحديث في أوّل هذا المقصد، قاصدًا منه مزيد جماله عَّ
وأعاده هنا لقوله: وعليه حلّة حمراء، فلا تكرار.
(وعن عون،) بمهملة مفتوحة، فواو ساكنة، فنون، (ابن أبي جحيفة) السوائي، الكوفي،
روى عن أبيه وجماعة، وعنه شعبة وسفين وغيرهما، ثقة، روى له الستّة، مات سنة ستّ عشرة
ومائة، (عن أبيه) أبي جحيفة، وهب بن عبد اللَّه السوائي، بضمّ المهملة والمدّ، ويقال اسم أبيه
وهب أيضًا، مشهور بكنيته، ويقال له: وهب الخير، صحابي معروف، وصحب عليًّا، ومات سنة
أربع وسبعين، (قال: رأيت النبيّ عَّه) في بطحاء مكّة في حجّة الوداع؛ كما صرّح به عند
البخاري، (وعليه حلّة حمراء))) هذا هو المقصود من سوق الحديث هنا، (كأني أنظر إلى
إبريق) لمعان مصدر، لا بمعنى البروق، وإلاّ لقال: بريقي، (ساقيه،) وفيه جواز نظر ساقي الرجل،
وهو إجماعٍ حيث لا فتنة، (قال سفين:) راوي هذا الحديث عن عون، قيل: هو الثوري، وقيل
ابن عيينة (أراه) بالضم أظنّه، أي: الثوب، (حبرة،) وفي نسخة: أراها على الأصل، أي: أظنّها
مخطّطة لا حمراء قانية، قاله لأن مذهبه حرمة الأحمر الخالص، لكن لم يبدٍ لذلك مستندًا يصلح
للاستدلال به، وتأويله فيه الصرف عن الظاهر، والظن ليس بكاف فيه، وقول الشارح: وذلك لما
يأتي أنه لم يكن أحمر خالصًا، بل فيه خطوط حمر، فيه أن الآتي إنما هو كلام ابن القيّم،
لا دليل، ويأتي أنه غلط، وأمّا قوله عقب ذلك، فلم يتأمّله سفين حقّ التأمّل لمهابة النبيّ عَّهِ،
فظنّه أحمر، فإحدى الكبر إذ يوهم أن سفين صحابي، مع أنه تابع تابعي.
(وعن البراء بن عازب) بن الحرث، بن عدي الأنصاري، الأوسي، صحابي ابن صحابي،
نزل الكوفة وكان لدّة ابن عمر، واستصغر يوم بدر، ومات سنة اثنتين وسبعين، (قال: ما رأيت
أحدًا من الناس أحسن في حلّة حمراء،) قيد لبيان الواقع لا للتقييد، (من رسول اللَّه عَ لَّه))) بل
هو الأحسن، كما هو مفاد التفضيل عرفًا، وإن صدق لغة بالتساوي لنذرته بين شيئين والغالب
التفاضل، فإذا نفى أفضلية أحدهما ثبتت أفضليّة الآخر، بدلالة العرف مجازًا أو استعمالاً للأخص
في الأعمّ.
(رواهما،) أي: حديث أبي جحيفة والبراء، (الترمذي) في الجامع والشمائل، (وفي رواية

٢٩٥
النوع الثاني في لباسه وفراشه
البخاري ومسلم: رأيته في حلة حمراء لم أر شيئًا قط أحسن منه.
وفي رواية لأبي داود قال ما رأيت من ذي لمة في حلة حمراء أحسن من
رسول الله عَليه.
وقوله: من ذي لمة : - بكسر اللام - أي شعر الرأس، دون الجمة، سميت
بذلك لأنها ألمت بالمنكبين، فإذا زادت فالجمة.
وفي رواية النسائي: ما رأيت رجلاً أحسن في حلة حمراء من
رسول الله عَبد.
البخاري ومسلم) عن البراء، قال: كان عٍَّ رجلاً مربوعًا (رأيته في حلّة حمراء لم أرَ شيئًا،)
أي: أحدًا، وعبّر عنه بشيئًا منكرًا مبالغة في التعميم والتأكيد، فيشمل غير البشر أيضًا، كالشمس
والقمر، (قطّ،) بضمّ الطاء، ثقيلة على أشهر اللغات، (أحسن منه،) وأتى بقطٌ، إشارة إلى أنه كان
كذلك من المهد إلى اللحد، (وفي رواية لأبي داود) والترمذي أيضًا، كلاهما عن البراء،
(قال: ما رأيت من) زائدة لتأكيد النفي والنص على استغراق جميع الأفراد أو بيانية، أي: أحدًا
من (ذي) صاحب (لمّة في حلّة حمراء أحسن من رسول اللّه عَّ) ولا مثله، فهو أحسن
صورة، قيل: أو سيرة، أو هما، واستبعد بقوله في بقية الحديث: له شعر يضرب منكبيه، بعيد ما
بين المنكبين، لم يكن بالقصير ولا بالطويل، (وقوله: من ذي لمّة، بكسر اللام) وشدّ الميم،
(أي: شعر الرأس، دون) أي: أقلّ من (الجمّة) بضمّ الجيم وتثقيل الميم، (سمّيت بذلك لأنها
ألمّت بالمنكبين،) ولم تصل إليهما، (فإذا زادت) بأن وصلت المنكبين (فالجمة).
قال الحافظ الزين العراقي: ورد في شعره عَّله ثلاثة أوصاف جمّة، ووفرة ولمّة، فالوفرة:
ما بلغ شحمة الأذن، واللّمة: ما نزل عن شحمة الأذن، والجمّة: ما نزل عن ذلك إلى المنكبين،
هذا قول جمهور أهل اللغة، وهو الذي ذكره صاحب المحكم، والنهاية المشارق وغيرهم،
واختلف فيه كلام الجوهري، فذكره على الصواب في مادة لم، فقال: واللّمة، بالكسر: الشعر
المتجاوز شحمة الأذن، فإذا بلغت المنكبين، فهي جمّة، وخالف ذلك في مادة وفر، فقال:
والوفرة إلى شحمة الأذن، ثم الجمّة، ثم اللمّة، وهي التي ألمّت بالمنكبين، وما قاله في باب
الميم هو الصواب الموافق لقوله غيره من أهل اللغة، انتهى.
(وفي رواية النسائي) عن البراء: (ما رأيت رجلاً أحسن في حلّة حمراء من
رسول اللَّه عَّه)) فاتّفقت الروايات عن البراء مع تعدّد طرقها على وصف الحلّة، بأنها حمراء،

٢٩٦
النوع الثاني في لباسه وفراشه
قال في القاموس: الحلة - بالضم - إزار ورداء، برد أو غيره، ولا تكون حلة
إلا من ثوبين أو ثوب له بطانة.
وقال ابن القيم: وغلط من ظن أنها كانت حمراء بحثًا، لا يخالطها غيرها،
وإنما الحلة الحمراء بردان يمانيان منسوجان بخطوط حمر مع الأسود، كسائر البرود
اليمانية، وهي معروفة بهذا الاسم باعتبار ما فيها من الخطوط الحمر، وإلا فالأحمر
البحث ينهى عنه أشد النهي، وفي صحيح البخاري: أنه عَِّ نهى عن المياثر
الحمر وفي صحيح مسلم عن ابن عمر قال: رأى النبي عَّ علي ثوبين معصفرين
فقال: إن هذا لباس الكفار فلا تلبسهما
والمتبادر الحمرة الخالصة، فدعوى عدمها بلا دليل غير مسموعة، (قال في القاموس: الحلّة،
بالضم إزار ورداء،) مثلاً (برد أو غيره،) وإلاَّ فمتى وجد ثوبان على البدن، كانا حلّة على ما
يفيده قوله: (ولا تكون،) أي توجد (حلّة إلاَّ من ثوبين أو ثوب له بطانة،) وفي المصباح: الحلّة
لا تكون إلاّ من ثوبين من جنس واحد، والجمع حلل؛ كغرفة وغرف.
وفي الفتح: قال أبو عبيد: الحلل برود اليمن، والحلة إزار ورداء، ونقله ابن الأثير، وزاد:
إذا كانا من جنس واحد، وقال ابن سيّده في المحكم: الحلّة برد أو غيره، وحكى عياض: أن
أصل تسمية الثوبين حلّة؛ أنهما يكونان جديدين، كما حلّ خيطهما، وقيل: لا يكون الثوبان حلّة
حتى يلبس أحدهما فوق الآخر، فإذا كان فوقه فقد حلّ عليه، والأول أشهر، انتهى.
(وقال ابن القيّم: وغلط من ظنّ أنها كانت حمراء بحثًا،) بفتح الموحدة، وسكون
المهملة، وفوقية خالصة، (لا يخالطها غيرها،) أي: الحمرة، (وإنما الحلّة الحمراء)،) أي: المراد
بها هنا (بردان يمانيّان منسوجان،) وجملة (بخطوط حمر مع الأسود،) حال من ضمير
منسوجان، (كسائر البرود اليمانية، وهي معروفة بهذا الاسم باعتبار ما فيها من الخطوط
الحمر،) فغلبت على غيرها، (وإلاّ فالأحمر البحث) الخالص (ينهى عنه أشدّ النهي) فهو حرام،
ولكن يحتمل أن المبالغة في النهي؛ لأنه شعار المتكبّرين لا لحرمة ذاته.
(وفي صحيح البخاري) من حديث طويل عن البراء: (أنه عَّ نهى عن المياثر
الحمر،) بمثلثة: جمع ميثرة، بكسر الميم، وسكون التحتية، وفتح المثلثة: ما جلّل به الثياب،
وتطلق أيضًا على الأوطية الحرير؛ كم في القاموس وغيره، فيحتمل أنها من حرير، فنهى عنه
لأجله، ويحتمل لحمرتها، فلا حجّة فيه.
(وفي صحيح مسلم، عن ابن عمر، قال: رأيت النبيّ عَِّ على ثوبين معصفرين،)
مصبوغين بالمعصفر، (فقال: ((إن هذا لباس الكفار،) أي: مما تلبسه، (فلا تلبسهما)،

٢٩٧
النوع الثاني في لباسه وفراشه
ومعلوم أن ذلك إنما يصبغ صباغًا أحمر.
قال: وفي جواز لبس الأحمر من الثياب والجوخ وغيرهما نظر، وأما كراهته
فشديدة، فكيف يظن به عَِّ أنه لبس الأحمر القاني، كلا لقد أعاذه الله منه، وإنما
وقعت الشبهة من لفظ الحلة الحمراء والله أعلم. انتهى.
وقال النووي: اختلف العلماء في الثياب المعصفرة، وهي المصبوغة بعصفر
فأباحها جميع العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، وبه قال الإمام الشافعي
وأبو حنيفة ولملك، لكنه قال: غيرها أفضل منها.
حذار من التشبه بهم، فيما هو مخصوص بهم، (ومعلوم أن ذلك) المعصفر (إنما يصبغ صباغًا
أحمر،) فالنهي عن لبسه نهي عن الأحمر، فيفيد حرمته، والجواب أنه إنما نهى عنه، لأنه من لباس
الكفار، وكانوا كثيرًا، فمحط النهي التشبه بهم، وقد ارتفع ذلك، فصار داخلاً في عموم المباح.
.(قال) ابن القيّم: (وفي جواز لبس الأحمر من الثياب، والجوخ وغيرهما نظر، وأما
كراهته فشديدة، فكيف يظنّ به عَّةٍ أنه لبس الأحمر القاني؟) بالقاف والنون، أي: الخالص،
وهذه من الكلمات التي إنما تستعمل تابعة، كأصفر فاقع، وأبيض يققٍ، وأسود حالك، (كلاً لقد
أعاذه الله منه، وإنما وقعت الشبهة من لفظ الحلَّة الحمراء، والله أعلم، انتهى) كلام ابن
القيّم.
قال الشهاب المكي: وما قاله هو الغلظ؛ لأن حمل الحلّة على ما ذكره لا يشهد له لغة
ولا شرع، فإن زعم أنه عرف ذلك الزمن، قلنا: أين دليلك على ذلك؟ وليس النهي عن المعصفر
لمجرد الحمرة، بل لما فيه من التشبه بالنساء، وإنه من زينتهن وحدهن، وليس في لبسه عَّ.
الأحمر القاني محذور؛ لأنه لبيان الجواز، فهو واجب عليه، وإن نُهي عنه، انتهى.
(وقال النووي: اختلف العلماء في الثياب المعصفرة، وهي المصبوغة بعصفر،
فأباحها جميع العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، وبه قال الإمام الشافعي، وأبو
حنيفة، ولملك، ولكنه قال: غيرها أفضل منها،) فهي خلاف الأولى، وزعم بعض: أن الرواية عن
ملك إنما هي في المزعفر لا المعصفر، فاشتبه على النووي خطأ صراح؛ لأن عنه روايتين،
إحداهما الإباحة المستوية الطرفين، نقلها ابن العربي في كتاب الجامع، فقال: وأما الأحمر ومنه
المعصفر والمزعفر، فأجازه لملك والشافعي، وأبو حنيفة، وكره بعض العراقيين المزعفر للرجال،
انتهى، والثانية: الكراهة، وهي المشهورة في المذهب، ففي المدونة كره لملك الثوب المعصفر،
المقدم للرجال في غير الإحرام، انتهى، والمقدم، بضم الميم، وسكون الفاء، وفتح الدال

٢٩٨
النوع الثاني في لباسه وفراشه
وفي رواية عنه أنه أجاز لباسها في البيوت وأفنية الدور وكرهه في المحافل
والأسواق وغيرها.
وقال جماعة من العلماء: هو مكروه كراهة تنزيه، وحملوا النهي على هذا،
لأنه ثبت أنه عليه الصلاة والسلام لبس حلة حمراء. وفي الصحيحن من حديث
ابن عمر أنه عَّه صبغ بالصفرة. وحمل بعضهم النهي على المحرم بالحج أو
العمرة.
وقد أتقن البيهقي المسألة في ((معرفة السنن)) فقال: نهى الشافعي الرجل عن
المزعفر، وأباح له المعصفر،
المهملة، القوي الصبغ، المشبّع، الذي ردّ في العصفر مرة بعد أخرى، قال في التوضيح: وأما
المعصفر غير المقدم، والمزعفر فيجوز لبسهما في غير الإحرام، نصّ على الأول في المدونة،
وعلى المزعفر في غيرها.
قال الملك: لا بأس بالمزعفر لغير الإحرام، وكنت ألبسه، (وفي رواية عنه: إنه أجاز لباسها
في البيوت وأقنية الدور، وكرهه في المحافل، والأسواق وغيرها) كالمساجد.
(وقال جماعة من العلماء: هو مكروه كراهة تنزيه،) ومنهم لملك والشافعي في المعتمد
في مذهبيهما، (وحملوا النهي) الوارد في الصحيحين عن أنس: نهى النبيّ عَّ له أن يتزعفر الرجل
(على هذا) المذكور من كراهة التنزيه؛ (لأنه ثبت أنه عليه الصّلاة والسلام لبس حلّة حمراء)))
فلبسه لبيان الجواز لا ينافي نهيه، وابن القيم هو الغالط؛ كما مرّ.
وروى أبو الشيخ، وابن سعد من طريق عليّ بن زيد، عن إسحق بن عبد الله بن الحرث بن
نوفل، عن أبيه، قال: اشترى رسول اللَّه عَِّ حلّة بسبع وعشرين ناقة، فلبسها، ولفظ ابن سعد:
أوقية، ورجاله ثقات، لكن عليّ وإسحق فيهما كلام.
(وفي الصحيحين من حديث ابن عمر: أنه عَّ صبغ بالصفرة،) أي: الورس؛ كما في
رواية أبي داود الآتية، ولابن سعد عن بكر المزني: كانت له ملحفة مورسة، فإذا دار على نسائه
رشّها بالماء، وله عن قيس بن سعد: أتانا عَّة، فوضعت له غسلاً فاغتسل، ثم أتيناه بملحفة
ورسية فاشتمل بها، فكأني أنظر إلى أثر الورس على عكنه، بضم ففتح، أي: طيّات بطنه، (وحمل
بعضهم النهي على المحرم بالحج أو العمرة،) لأن الصبغ بنحو الورس من الطيب، وقد نهى
المحرم عنه، (وقد أتقن البيهقي المسألة في) كتاب (معرفة السنن، فقال: نهى الشافعي
الرجل عن المزعفر) نهي كراهة، (وأباح له المعصفر).

٢٩٩
النوع الثاني في لباسه وفراشه
قال الإمام الشافعي: وإنما رخصت في المعصفر لأني لم أجد أحدًا يحكي عنه عَِّ النهي
عنه، إلا ما قال علي رضي الله عنه أنه عَّه نهاني ولا أقول نهاكم. قال
البيهقي: وقد جاءت أحاديث تدل على أن النهي على العموم، ثم ذكر حديث
مسلم أن هذه من لباس الكفار وأحاديث غيرها، ثم قال: ولو بلغت هذه الأحاديث
الشافعي لقال بها إن شاء الله، ثم ذكر بإسناده ما صح عن الشافعي أنه قال: إذا
صح الحديث بخلاف قولي فاعملوا بالحديث ودعوا قولي. وفي رواية: مذهبي.
قال البيهقي: قال الشافعي: وأنهى الرجل الحلال بكل حال أن يتزعفر قال
وآمره إذا تزعفر أن يغسله، قال البيهقي: فتبع السنة في المزعفر فمتابعتها في
المعصفر أولی به، انتھی.
ورأيت في فتاوى شيخنا العلامة قاسم أحد أئمة الحنفية ومحققيها
(قال الإِمام الشافعي: وإنما رخصت في المعصفر؛ لأني لم أجد أحدًا يحكي عنه عَّة.
النهي عنه، إلاّ ما قال عليّ رضي اللَّه عنه: أنه عَّة نهائي ولا أقول نهاكم) عن المعصفر،
أي: فالنهي خاص به لمعنى اقتضاء في وقت النهي.
(قال البيهقي: وقد جاءت أحاديث تدلّ على أن النهي على العموم) الشامل
للمعصفر، (ثم ذكر حديث مسلم) السابق قريبًا: ((أن هذه من لباس الكفار))،) ومرّ الجواب
عنه، (وأحاديث غيرها، ثم قال: ولو بلغت هذه الأحاديث الشافعي لقال بها إن شاء اللَّه،) إذ
لا تسعه مخالفتها، لكنه علق ذلك؛ لاحتمال أنها بلغته وأبدى فيها فادحًا، (ثم ذكر بإسناده ما
صحّ عن الشافعي؛ أنّه قال: إذا صح الحديث بخلاف قولي، فاعملوا بالحديث، ودعوا
قولي.
(وفي رواية: مذهبي،) ومراده من سوقه أن يكون مذهبه النهي عن المعصفر أيضًا.
(قال البيهقي: قال الشافعي: والنهي الرجل الحلال بكل حال) خاليًا أو مع الناس؛ (أن
يتزعفر) وخصّ الحلال؛ لأنه الذي يظنّ به لبس المزعفر ونحوه، أمّا المحرم، فلا يظنّ به ذلك،
لأَنّه طيب، (قال: وآمره إذا تزعفر أن يغسله،) ولا ينافيه أن المصطفى كان يصبغ ثيابه
بالزعفران، كما يأتي، لأنه لبيان الجواز كما مرّ، أو لأنه لم يصبغ الثوب كلّه، والنهي على كلّه.
(قال البيهقي: فتبع) الشافعي (السّة في المزعفر، فمتابعتها في المعصفر أولى به)
لكثرة أحاديثه الثابتة عند البيهقي على أحاديث المزعفر، (انتهى) كلامه.
(ورأيت في فتاوى شيخنا العلامة قسم، أحد أئمّة الحنفية) في زمانه (ومحقّقيها

٣٠٠
النوع الثاني في لباسه وفراشه
كراهته للتحريم مع صحة الصلاة فيه، واستدل له بما ذكرته من الأحاديث، وبما في
حديث طاووس عند الحاكم وقال على شرطهما عن ابن عمرو بن العاصي قال:
دخلت على النبي عَّه وعلي ثوب معصفر، قال: من أين لك هذا؟ قال: صبغته
لي أهلي قال: احرقه. انتهى.
وعن جابر بن عبد الله قال: كان رسول الله عَّه يلبس برده الأحره في
العيدين والجمعة، وعن يحيى بن عبد الله بن ملك قال: كان رسول الله عَُّله يصبغ
ثيابه بالزعفران قميصه ورداءه وعمامته. رواهما الدمياطي. وهو عند أبي داود بلفظ:
یصبغ بالورس والزعفران ثیابه حتى عمامته،
كراهته للتحريم مع صحة الصلاة فيه، واستدلّ له بما ذكرته من الأحاديث) التي فيها النهي
عنه، إبقاء لها على ظاهرها، (وبما في حديث طاووس) بن كيسان اليماني، (عند الحاكم،
وقال على شرطهما، عن ابن عمرو بن العاصي، قال: دخلت على النبيّ ◌َّه وعليّ ثوب
معصفر) وصبغ أحمر، كما مرّ، (قال: ((من أين لك هذا)؟ قال: صبغته لي أهلي) حليلتي،
(قال: ((إحرقه))،) بكسر الهمزة وفتحها مقطوعة، قال في القاموس: حرقه بالنار، وأحرقه وحرّقه،
بمعنى: فاحترق، والغرض منه الزجر فقط، لا الأمر بحرقه حقيقة؛ لأنه إضاعة مال، (انتهى) كلام
قسم.
(وعن جابر بن عبد اللَّه، قال: كان رسول اللَّه عَّ يلبس برده الأحمر في العيدين
والجمعة،) ليبيّن حل لبس ذلك فيهما، ففيه ردّ على محرم لبس الأحمر القاني، وزعم أن المراد
بالأحمر هنا ما هو ذو خطوط تحكم بلا دليل، كما مرّ، فكأن الشارح لم يرَ كلام المكي، وقال
على ذا الحديث: لعلّه فعل ذلك في الجمعة في بعض الأحيان لبيان الجواز فيها، وأن لبس
البيض فيها أفضل، لا واجب.
(وعن يحيى بن عبد اللَّه بن ملك، قال: كان رسول اللَّه عَّ يصبغ،) مثلّث بالياءِ،
(ثيابه بالزعفران، قميصه) بالنصب بدل من ثيابه، (ورداءه وعمامته، رواهما الدمياطي).
وفي الأول تقصير، فقد رواه البيهقي في السنن عن ابن عمر، بلفظه، (وهو) أي: الثاني
(عند أبي داود بلفظ: يصبغ بالورس،) بفتح الواو، وسكون الراء، آخره سين مهملة: نبت يصبغ
به، (والزعفران ثيابه حتى عمامته،) فصرّح في الحديثين؟ بأن الصبغ للثياب، ولذا رجّح عياض
في حديث ابن عمر؛ أنه رأى النبيّ عَّله يصبغ بالصفرة، يعني ثيابه، وقيل: شعره، لما في السنن