Indexed OCR Text
Pages 221-240
٢٢١ النوع الأول في عيشه عَّة في المأكل والمشرب التمر حرام. ومثل البيضاوي في منهجاه للندب بقوله عَّةٍ: كل مما يليك. وتعقبه الشيخ تاج الدين بن السبكي في شرحه: بأن الشافعي نص في غير هذا الموضع على أن من أكل مما لا يليه عالمًا بالنهي كان عاصيًا آثمًا، قال: وقد جمع والدي نظائر هذه المسألة في كتاب له سماه ((كشف اللبس عن المسائل الخمس) ونصر القول بأن الأمر فيها للوجوب. قال شيخ الإسلام ابن حجر، بعد أن ذكر ذلك: ويدل على وجوب الأكل باليمين ورود الوعيد في الأكل بالشمال، ففي صحيح مسلم أن النبي عٍَّ رأى رجلاً (في التمر،) وهو أن يجمع بين تمرتين في الأكل (حرام،) والأصح أن الثلاثة مكروهة لا حرام، ومحله إن لم يعلم رضا من يأكل معه، وإلاّ فلا حرمة ولا كراهة قاله المكي، وذكر المصنف كلام البويطي، لتعلقه بطلب الأكل مما يليه، بجعله الأكل من رأس الثريد حرامًا، ولا يضر في الدليل زيادته على المدعي، (ومثل البيضاوي في منهاجه) في الأصول (للندب،) أي: لما ورد أمرًا مرادًا به الندب، (بقوله عَّهُ: ((كل مما يليك))، وتعقبه الشيخ تاج الدين بن السبكي في شرحه) للمنهاج المذكور، (بأن الشافعي نص في غير هذا الموضع، على أن من أكل مما لا يليه،) كذا في النسخ الصحيحة بحرف النفي، وهي التي في الفتح، وفي نسخ إسقاطه، وهي خطأ لفساد المعنى، (عالمًا بالنهي) الوارد عن الأكل مما لا يليه، أعم من أن يصرح به في الحديث، أو يستفاد من الأمر بضده، كقوله: كل مما يليك، (كان عاصيًا آثمًا،) فهذا تصريح من الشافعي بالوجوب، إذ لا عصيان، ولا إثم في خلاف مندوب، وهل يشترط في العلم بالنهي الخصوص؟، أو يكفي العموم خلاف أرجحه الثاني. (قال) التاج (وقد جمع والدي،) العلامة، التقى، السبكي، (نظائر هذه المسألة في كتاب له، سماه كشف اللبس عن المسائل الخمس،) الأكل مما يلي، ومن رأس الثريد، والتعريس على قارعة الطريق، واشتمال الصماء، والقران بين تمرتين أكلاً، (ونصر القول بأن الأمر فيها للوجوب،) لكنه اختیار له المعتمد خلافه. (قال شيخ الإسلام ابن حجر بعد أن ذكر ذلك) في فتح الباري، (ويدل على وجوب الأكل باليمين،) يدل على أنه أقر الحمل على الندب في غيره من باقي الخمس، (ورود الوعيد في الأكل بالشمال، ففي صحيح مسلم،) عن سلمة بن الأكوع: (أن النبي عَُّ رأى رجلاً،» ٢٢٢ النوع الأول في عيشه عَّ في المأكل والمشرب يأكل بشماله فقال: كل بيمينك، قال: لا أستطيع، فقال: لا استطعت، فما رفعها إلى فيه بعد. فإن قلت: إنه عليه الصلاة والسلام كان يتتبع الدباء من حوالي القصعة وهو يعارض الأكل مما يلي. فالجواب: أنه يحمل الجواز هو بسر، بضم الموحدة، وإسكان المهملة، ابن راعي العير، بفتح العين، وإسكان التحتية، الأشجعي، قال في الإِصابة، وقد قيل فيه بشر بالمعجمة، وبذلك ذكره ابن منده، وأنكره أبو نعيم، ونسبه إلى التصحيف، ولم يحك الدارقطني، ولابن ماكولا خلافًا أنه بالمهملة، وأما البيهقي، فحكي في السنن بالمعجمة أصح. روى الدارمي، وعبد بن حميد، وابن حبان، والطبراني، عن سلمة؛ أن النبي عَّه بسر بن راعي العير (يأكل بشماله، فقال: ((كل بيمينك)، قال: لا أستطيع فقال: ((لا استطعت))، فما رفعها إلى فيه بعد،) أي: فما استطاع رفعها إلى فيه بعد ذلك، لا أنه تركه مع القدرة عليه. وزاد في رواية لمسلم لم يمنعه إلاَّ الكبر، وبه استدل عياض في شرح مسلم على أنه كان منافقًا، وزيفه النووي بأن ابن منده، وأبا نعيم، وابن ماكولا وغيرهم ذكروه في الصحابة، قال في الإصابة، وفيه نظر، لأن جميع من ذكره لم يذكر له سندًا إلاّ هذا الحديث، فالاحتمال قائم، ويمكن الجمع بأنه لم يكن في تلك الحالة أسلم، ثم أسلم بعد انتهى. وفي الفتح أن النووي رده أيضًا، بأن الكبر والمخالفة لا يقتضي النفاق، لكنه معصية إن كان الأمر للوجوب، وقد أجيب عن الاستدلال لوجوب الأكل باليمين بهذا الحديث؛ بأن الدعاء ليس لترك مستحب، بل لقصده المخالفة كبرًا بلا عذر، فدعا عليه، فشلت يمينه، وبهذا لا يرد أن دعاءه عليه السلام المقصود به الزجر لا الحقيقي، وقد زاد الحافظ تقوية للوجوب قوله، وأخرج الطبراني، ومحمد بن الربيع الجيزي، بسند حسن عن عقبة بن عامر أن النبي ◌َّ رأى سبيعة الأسلمية تأكل بشمالها، فقال عَّ أخذها داء غزة، فقل أن بها قرحة، فقال: وإن فمرت بغزة، فأصابها الطاعون فماتت، وثبت النهي عن الأكل بالشمال، وأنه من عمل الشيطان، من حديث ابن عمر، وجابر عند مسلم، ولأحمد بسند حسن، عن عائشة، رفعته: من أكل بشماله أكل معه الشيطان، وهو على ظاهره، لأن الشيطان يأكل حقيقة، والعقل لا يحيله، وقد ثبت به الخبر، فلا يحتاج إلى تأويله بأن معناه إن فعلتم كنتم أولياءه؛ لأنه يحمل أولياءه على ذلك، انتهى. باختصار، (فإن قلت: أنه عليه الصلاة والسلام كان يتتبع الدباء من حوالي القصعة،) جوانبها، كما تقدم، (وهو يعارض الأكل،) أي: طلبه، (مما يلي، فالجواب أنه يحمل الجواز ٢٢٣ النوع الأول في عيشه عَّ في المأكل والمشرب على ما إذا علم رضا من يأكل معه، فإذا علم كراهة من يأكل معه لذلك لم يأكل إلا مما يليه. قال ابن بطال: وإنما جالت يد رسول الله عَّه في الطعام، لأنه علم أن أحدًا لا ينكر ذلك ولا ينقذره، بل كانوا يتبركون بريقه ومماسة يده، بل كانوا يتبادرون إلى نخامته فيتدلکون بها. وقال غيره: إنما فعل ذلك لأنه كان يأكل وحده. وهو غير مسلَّم، لأن أنشا أكل معه عَ له. وحدیث عكراش على ما إذا علم رضا من يأكل معه)،) وبهذا جمع البخاري بين الحديثين، (فإذا علم كراهة من يأكل معه، لذلك لم يأكل،) أي: لم يجز له الأكل مستوى الطرفين، (إلاَّ مما يليه) فلو أكل من غيره كره، لا يقال أكله مما يلي غيره يأذيه، وهو حرام، لأنه ليس كل مؤذٍ حرامًا لتفاوت مراتب الإيذاء، فخفيفة محتمل، فيكره فقط، نعم إن علم أن صاحب الطعام لا يرضى، ذلك حر لعدم الإذن فيه. (قال ابن بطال: وإنما جالت يد رسول اللَّه عَّ في الطعام، لأنه علم أن أحدًا لا ينكر)) أي: لا يكره، كما هو لفظ ابن بطال في الفتح، (ذلك منه، ولا يتقذره:) يعافه، (بل كانوا يتبركون بريقه ومماسة يده، بل كانوا يتبادرون إلى نخامته، فيتدلكون بها،) وحاصله أن علة النهي: التقذر، والإيذاء، وذلك منتف في حقه عَّه. (وقال غيره) هو ابن التين، (إنما فعل ذلك) التتبع للدباء من حوالي القصعة، (لأنه كان يأكل وحده، وهو غير مسلم، لأن أنسًا أكل معه عَِّ) كما هو صريح حديثه في الصحيحين، أن خياطًا دعا رسول اللَّه عَِّ لطعام صنعه، قال أنس: فذهبت معه إلى ذلك الطعام، فقرب إليه خبزًا ومرقًا، فيه دباء وقديد، فرأيته يتتبع الدباء من حوالي القصعة، فلم أزل أحب الدباء من يومئذٍ، وبه احتجوا على طلب الأكل مع الخادم. (وحديث عكراش،) بكسر العين المهملة، وسكون الكاف، وراء، فألف، فشين معجمة، ابن ذؤيب، بضم المعجمة مصغر ابن حرقوص، بضم المهملة، وسكون الراء، وضم القاف وصاد مهملة، ابن جعدة، بفتح الجيم، ابن عمرو بن النزل، بفتح النون، وشد الزاي، ولام، ابن سيرة التميمي، السعدي، أبو الصهباء، كان أرمى أهل زمانه، صحب النبي عَّله، وسمع منه، وذكر ابن قتيبة، وابن دريد أنه شهد الجمل مع عائشة، فقالت للأحنف: كأنكم، وقد أتى به قتيلاً، أو به جراحة لا تفارقه حتى يموت، فضرب ضربة على أنفه، عاش بعدها مائة سنة، وأثر الضربة به. ٢٢٤ النوع الأول في عيشه عَّةٍ في المأكل والمشرب عند الترمذي: الذي فيه التفصيل بين ما إذا كان لونًا واحدًا فلا يتعدى ما يليه، أو أكثر من لون فيجوز، ضعيف والله أعلم. وقرب إليه عَِّ طعام، فقالوا: ألا نأتيك بوضوء؟ قال: إنما أمرت بالوضوء إذا قمت إلى الصلاة. رواه الترمذي. وفي رواية له: أنه قال في الإصابة: وهذه الحكاية إن صحت حملت على أنه أكمل المائة، لأنه استأنفها من يومئذٍ، وإلاّ لاقتضى أن يكون عاش إلى دولة بني العباس، وهو محال، وفي التقريب عكراش ابن ذؤيب السعدي، صحابي، قليل الحديث، عاش مائة سنة. (عند الترمذي،) وابن ماجه من طريق عبد الله بن ذؤيب، عن أبيه، قال: أخذ بيدي رسول اللَّه عَِّ، فانطلق إلى بيت أم سلمة، فقال: ((هل من طعام))؟ فأتينا بجفئة كثيرة الثريد والودك، فأكلنا منها، فخبطت بيدي في نواحيها، وأكل عَّهِ من بين يديه، فقبض بيده اليسرى على يدي اليمنى، ثم قال: يا عكراش كل من موضع واحد، فإنه طعام واحد، ثم أتينا بطبق فيه ألوان التمر أو الرطب، شك عبد اللَّه، فجعلت آكل من بين يدي، وجالت يد رسول اللَّه عَّه في الطبق، فقال: يا عكراش كل من حيث شئت، فإنه غير لون واحد، فساقه المصنف بمعناه، فقال: (الذي فيه التفصيل بين ما إذا كان لونًا واحدًا، فلا يتعدى ما يليه، أو أكثر من لون، فيجوز ضعيف،) فلا حجة فيه لمن جمع بين الحديثين بذلك، حيث قال: كان الطعام مشتملاً على مرق ودباء وقديد، فأكل مما يعجبه، وهو الدباء، وترك القديد، لكن وإن كان ضعيف فله شواهد، فعند ابن ماجه، وغيره، عن عائشة: كان إذا أتى بطعام أكل مما يليه، وإذا أتى بالتمر جالت يده فيه وللطبراني، وأبي نعيم وغيرهما: كان إذا أكل لم تعد أصابعه ما بين يديه، ما لم يكن تمرّا، فإن كان ذلك جالت يده، (والله أعلم) بضعفه في نفس الأمر، وصحته، أو حسنه، (وقرب إليه معيّة. طعام، فقالوا: ألا تأتيك بوضوء)) بالفتح، ما يتوضأ به، وسبب قولهم ذلك اعتقادهم وجوبه عند الطعام، فأجيبوا بأن الأمر منحصر أصالة في القيام للصلاة، وكان بادر إلى الطعام قبل إحضارهم الوضوء، (قال: إنما أمرت بالوضوء،) بالضم، أي: بفعله، (إذا قمت،) أي: أردت القيام (إلى الصلاة،) كما قال تعالى: ﴿إذا متم﴾ الآية، فالجواب طبق السؤال الآية، قال الحافظ العراقي: وفيه تقديم الحقيقة الشرعية على اللغوية، من النبي عَّةٍ ومنهم، وإلاَّ لقالوا: إنما أردنا أن تنظف يديك للأكل، وفيه أنه كان يجب عليه الوضوء لكل صلاة، متطهرًا، أو محدثًا، وكان يفعل ذلك، ثم تركه يوم الفتح، وفي أبي داود أنه كان أمر بذلك، ثم خفف عنه، وأمر بالسواك. (رواه الترمذي،) عن ابن عباس، بسند صحيح، (وفي رواية له،) أي: الترمذي عن سلمن، ٢٢٥ النوع الأول في عيشه عَّةٍ في المأكل والمشرب قال عليه الصلاة والسلام: بركة الطعام الوضوء قبله والوضوء بعده. فيحمل الوضوء الأول على الشرعي والثاني على اللغوي. وروى أبو يعلى بإسناد ضعيف من حديث ابن عمر مرفوعًا: من أكل من هذه اللحوم شيئًا فليغسل يده من ريح وضره، ولا يؤذي من حذاءه. ولم يكن عٍَّ يأكل طعامًا حارًا، فروى الطبراني في (أنه) قال: قرأت في التوراة أن بركة الطعام الوضوء بعده، فذكرت ذلك للنبي عَ﴾. وأخبرته بما قرأت، (فقال عليه الصلاة والسلام: بركة الطعام الوضوء قبله،) أي: غسل اليدين، أي: عند إرادته، بحيث ينسب إليه عرفًّا، (والوضوء بعده،) غسلهما أيضًا عقب فراغه من الأكل، أي: بركة أثاره استمرائه على آكله، ونموه، وحصول نفعه به، وزوال مضرته عنه، وترتيب الأخلاق الكريمة، والعزائم الجميلة، ويحصل ذلك بالأول وتعظم فائدته بالتالي، لاستلزامه زوال الدسم، ونحوه المستلزم لبعد الشيطان، أو بركة نفس الطعام، لما ينشأ عن نظافة اليد من طرد الشيطان، والأول أولى، لاحتياج الثاني إلى تأويل البركة للغسل بعده، أنه يقصد الغسل الصادر قبله، وقيل بركة الغسل قبله فيه، وبعده في آثاره، قال الترمذي: لا يعرف هذا الحديث إلاّ من حديث قيس بن الربيع، وهو ضعيف، فهذا الحديث معارض لما قبله، فجمع بينهما، فقال: (فيحمل الوضوء الأول،) الذي في حديث: إنما أمرت بالوضوء إذا قمت إلى الصلاة، (على الشرعي،) لأنه لا يشرع للأكل، (والثاني) في الحديث بعده (على اللغوي،) وهو غسل اليدين، فلا تعارض بين الحديثين، فمراد المصنف الجمع بينهما؛ لا ما فهمه شيخنا، من أن الأول الذي قبل الأكل، والثاني الذي بعده، واعترضه بأنه لا يستحب الشرعي عند الطعام، إلاَّ للجنب، كما في البهجة؛ فالمتعين حمل الوضوئين على اللغوي، انتهى. إذ يلزم من هذا الفهم عدم علم المصنف بمذهبه، وبفاء التعارض بين حديثي الترمذي، (وروى أبو يعلى بأسناد ضعيف) لأن فيه محمد بن سلمة، فإن كان ابن كهيل، فهو واهي الحديث، أو اليماني، فتركه ابن حبان عن الوازع بن نافع، قال أحمد: ليس بثقة. وقال غيره متروك (من حديث ابن عمر مرفوعًا: من أكل من هذه اللحوم شيئًا، فيغسل يده من ريح، وضره،) بفتح الواو، والضاد المعجمة وسخ الدسم واللبن، يعني يزيل ذلك بالغسل بالماء أو بغيره، لكن بعد لعق أصابعه حيازة البركة الطعام كما تقدم، (لا يؤذي من حذاءه،) بكسر المهملة ومعجمة ممدود، أي: عنده من آدمي أو ملك، فترك غسل اليد من الطعام الدسم، مكروه لتأذي الحافظين به وغيرهم، (ولم يكن عَّ يأكل طعامًا حارًا، فروى الطبراني في ٢٢٦ النوع الأول في عيشه عَّة في المأكل والمشرب الصغير والأوسط من حديث بلال ابن أبي هريرة عن أبيه أن النبي عَّ أتي بصحفة تفور، فقال: إن الله لم يطعمنا نارًا، قال الطبراني وبلال قليل الرواية عن أبيه. انتھی. وعند أبي نعيم في الحلية، من حديث أنس مرفوعًا كان النبي عَّهِ يكره الكي والطعام الحار ويقول: عليكم بالبارد فإنه ذو بركة، ألا وإن الحار لا بركة له. الحدیث. ولأحمد ولأبي نعيم من حديث أسماء أنها كانت إذا ثردت غطته بشىء حتى يذهب فوزه ثم تقول: إني سمعت رسول الله عَّه يقول: هو أعظم بركة. الصغير، والأوسط من حديث بلال ابن أبي هريرة عن أبيه: أن النبي ◌َّ أتى بصحفة تفور) فرفع يده منها، وفي لفظ: فأشرع يده فيها، ثم رفع يده عنها، (فقال: ((إن اللَّه لم يطعمنا نارًا))، قال الطبراني وبلال: قليل الرواية عن أبيه،) ولا يلزم من قلتها عدم قبولها، (انتهى). وفي إسناده عبد اللَّه بن يزيد البكري، ضعفه أبو حاتم، (وعند أبي نعيم في الحلية، من حديث أنس، مرفوعًا: كان النبي عَّ يكره الكي) بلا ضرورة، وورد أنه كوى جابرًا في أكحله، وكوى أسعد بن زرارة، وغيرهما، فصار جمع إلى التوفيق، بأنه خيف عليهم الهلاك والأكلة، وحمل النهي على من اكتوى طلبًا للشفاء. قال ابن القيم: ولا حاجة لذلك، فإن كراهته. له، لا تدل على المنع منه والثناء على تاركيه في خبر السبعين ألفًا، إنما يدل على أن تركه أفضل فقط، (والطعام الحار،) أي: يكره أكله حارًا، ويصبر حتى يبرد، (ويقول عليكم بالبارد،) أي: ألزموه، (فإنه ذو بركة)، أي: خير كثير، (ألا) بالتخفيف حرف تنبيه، (وإن الحار لا بركة له) أي: ليس فيه زيادة في الخير، ولا نمو، ولا يستمريه الآكل، ولا يستلذ به، وهو بيان الحكمة، كراهته للحار، (الحديث) تتمته، وكانت له مكحلة يكتحل بها عند النوم ثلاثًا ثلاثًا. (ولأحمد ولأبي نعيم من حديث) ابن لهيعة عن عقيل عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير عن (أسماء) بنت الصديق، (إنها كانت إذا ثردت) الثريد، (غطته بشيء حتى يذهب فوره) غليانه. قال المصباح: فأردت القدر فورًا وفورانًا غلت، (ثم تقول إني سمعت رسول اللَّه عَلّه، يقول: هو) أي: الطعام البارد، (أعظم بركة،) نموّا وزيادة في البدن، وقد علمت أن في إسناده ابن لهيعة، وفيه ضعف، وكذا في أسانيد الأحاديث التي ساقها قبل مقال، فلا تصلح للحجية، ٢٢٧ النوع الأول في عيشه عَّة في المأكل والمشرب لكن عند البيهقي - بسند صحيح - عن أبي هريرة قال: أتي النبي ◌َّه يومًا بطعام سخن فقال: ما دخل بطني طعام سخن منذ كذا وكذا قبل اليوم. وكان له عليه الصلاة والسلام قدح من خشب مضبب بحديد، قال أنس لقد سقيته عليه الصلاة والسلام بهذا القدح الشراب كله: الماء والنبيذ والعسل. وفي البخاري عن سهل بن سعد في أنه لم يأكل طعامًا حارًا لضعف مفرداتها، فلذا استدرك لها بما يقوّيها، فقال: (لكن عند البيهقي بسند صحيح، عن أبي هريرة قال: أتى النبي عَّةٍ يومًا بطعام سخن، فقال) إظهارًا لكراهته الأكل من الحار: ((ما دخل بطني طعام سخن منذ كذا، وكذا قبل اليوم)))) ولم يأكله حال حرارته هذا ظاهره، ولكن قال السخاوي: هو عند ابن ماجه من وجه آخر، عن أبي هريرة بلفظ أتى يومًا بطعام سخن، فأكل منه، فلما فرغ، قال الحمد لله، ما دخل، وذكره وجعل بعضهم الاستدراك، لدفع ما يوهمه حديث أسماء، أنه ما كان يقدم له سخن فدفعه بأنه قدم له، (وكان له عليه الصلاة والسلام قدح،) بفتحتين ما يشرب فيه، كما في المغرب وغيره. وقال ابن الأثير: هو إناء بين إناءين، لا صغير ولا كبير، وربما وصف بأحدهما، وقال المجد: آنية تروي الرجلين، أو اسم يجمع الكبار والصغار، جمعه أقداح. قال المصباح: كسبب، وأسباب (من خشب) تواضعًا، وليقتدي به أمته، وهو من جملة خمسة أقداح، واحد من زجاج، وآخر من فخار، يشرب منهما، كما قدمه المصنف في أواخر المقصد الثاني، واقتصر هنا على الخشب، لأنه الذي كان عند أنس (مضبب،) أي: مشعب، إذ الضبة ما تشعب به الإِناء، وجمعها ضبات، كجنة وجنات، وضببته بالتشديد جعلت له ضبة (بحديد)) كما في رواية الترمذي، ورواية الصحيح بغضة وهي أصح، اللهم إلاَّ أن يكون تجوز بضبة الحديد، عن الحلقة التي كانت فيه، ونهى أبو طلحة أنسا عن تغييرها، أو كانت ضبة الحديد فيه أولاً، ثم لما صدع، سلسل بفضة، فصار فيه الضبتان. (قال أنس: لقد سقيته عليه الصلاة والسلام بهذا القدح،) المذكور، أي فيه: (الشراب،) وهو ما يشرب من المائعات (كله،) أي: أنواعه كلها، (الماء والنبيذ) ماء حلو يجعل فيه تمرات ليحلو، (والعسل) واللبن، كما في رواية مسلم، والترمذي، وكأن اللبن سقط من قلم المصنف والأربعة، بدل بعض من كل، اهتمامًا بها، لأنها أفضل المشروبات، أو لأنه إنما سقاه الأربعة، وسماها كل الشراب، لأنها أشهر أنواعه، أو لكثرة تناولها، (وفي البخاري) في الطلاق والشرب من طريق أبي حازم، بالمهملة، والزاي، سلمة بن دينار، (عن سهل بن سعد) الساعدي، قال: ذكر ٢٢٨ النوع الأول في عيشه عية في المأكل والمشرب قال: فأقبل النبي عَِّ حتى جلس في سقيفة بني ساعدة هو وأصحابه، ثم قال اسقنا يا سهل، فأخرجت لهم هذا القدح فأسقيتهم فيه، فأخرج لنا سهل ذلك القدح فشربنا منه ثم استوهبه عمر بن عبد العزيز بعد ذلك فوهبه له. الحديث. وكان عمر بن عبد العزيز قد ولي حينئذٍ إمرة المدينة. للنبي عَّ امرأة من العرب، فأمر أبا أسيد الساعدي أن يرسل إليها، فأرسل إليها، فقدمت، فنزلت في أجم بني ساعدة، فخرج عٍَّ حتى جاءها، فدخل عليها، فإذا أمرأة منكسة رأسها، فلما كلمها مٍَّ، قالت: ((أعوذ بالله منك))، فقال: ((قد أعذتك مني))، فقالوا لها: أتدري من هذا؟، قالت: لا، قالوا: هذا رسول اللَّه جاء ليخطبك، قالت: كنت أنا أشقى من ذلك، (فأقبل النبي عَّ له) من الأجم، بضم الهمزة، والجيم، بناء يشبه القصر من حصون المدينة، (حتى جلس في سقيفة بني ساعدة،) موضع المبايعة بالخلافة للصديق، (هو وأصحابه، ثم قال: إسقنا يا سهل،) وفي مسلم من هذا الوجه: إسقنا لسهل، أي: قال لسهل إسقنا، ولأبي نعيم، فقال: إسقنا يا أبا سعد. قال الحافظ: والذي أعرفه في كنيته أبو العباس، فلعل له كنيتين، أواصله يا ابن سعد، فتحرفت، (فأخرجت لهم هذا،) وفي رواية: فخرجت لهم بهذا (القدح،) المعين. وفي مسلم قال سهل: فتوجهت إلى منزلي، فأتيتهم بماء، وأخرجت لهم من منزلي هذا القدح، (فأسقيتهم،) أي: رسول اللَّه ومن معه، (فيه، فأخرج لنا سهل:) قائل ذلك أبو حازم الراوي، عنه، صرح به في رواية مسلم، ولفظه قال أبو حازم: فأخرج لنا سهل (ذلك القدح،) الذي سقي فيه النبي عَّه، وأصحابه في ذلك اليوم، (فشربنا منه،) ولمسلم فشربنا فيه ماء، أي: تبركًا بآثاره عَّله، (ثم استوهبه عمر بن عبد العزيز) من سهل بن سعد (بعد ذلك فوهبه له،) وليست هبة حقيقية، بل من جهة الاختصاص. كذا قاله الحافظ: (الحديث، وكان عمر بن عبد العزيز قد ولى حينئذٍ،) أي: حسن استوهبه من سهل، (أمرة المدينة) كما في الفتح أي: من قبل ابن عمه الوليد بن عبد الملك، ولاه إياها من سنة ست وثمانين إلى سنة ثلاث وتسعين، فعزل، ثم تولى الخلافة بعهد من سليمن بن عبد الملك، في سفر سنة تسع وتسعين، كما في التواريخ، فقول السنباطي الظاهر أن ذلك، أي: استيهابه القدح، كان في حال خلافته لا يصح، فإن وفاة سهل كانت سنة ثمان وثمانين، وقيل بعدها، قبل ولاية عمر الخلافة بمدة. قال الحافظ: وفيه، أي: الحديث، التبسط على الصاحب واستدعاء ما عنده من مأكول ومشروب، وتعظيمه بدعائه، وكنيته، والتبرك بآثار الصالحين، واستيهاب الصديق ما لا يشق عليه ٢٢٩ النوع الأول في عيشه عَّ في المأكل والمشرب وعند البخاري من حديث عاصم الأحول قال: رأيت قدح النبي عَِّ عند أنس بن ملك، وكان قد انصدع فسلسله بفضة. هبته، ولعل سهلاً سمح بذلك لبدل كان عنده من ذلك الجنس، أو لأنه كان محتاجًا، فعوضه المستوهب ما سد به حاجته. وقد ترجم البخاري باب الشرب في قدح النبي عَّةٍ، قال ابن المنير: أراد بهذه الترجمة، دفع توهم أن الشرب في قدحه بعد وفاته تصرف في ملك الغير بلا إذن، فبين إن السلف كانوا يفعلون ذلك، لأنه لا يرث، وما تركه صدقة، ويرد أن الأغنياء كانوا يفعلون ذلك والصدقة لا تحل لغني؛ لأن الممتنع على الأغنياء صدقة الفرض وليس هذا منها. قال الحافظ: وهذا جواب غير مقنع، والذي يظهر أن الصدقة المذكورة من جنس الأوقاف المطلقة، ينتفع بها من يحتاج إليها، وتقر تحت يد من يؤتمن عليها، ولذا كان عند سهل قدح، وعند عبد الله بن قدح آخر؛ والجبة عند أسماء بنت أبي بكر، وغير ذلك، (وعند البخاري) أيضًا في الأشربة (من حديث عاصم) بن سليمن (الأحول)،) أبي عبد الرحمن، البصري، الحافظ، الثقة، من رجال الجميع؛ مات سنة أربعين ومائة. (قال: رأيت قدح النبي عٍَّ عند أنس بن ملك، وكان قد الصدع،) أي: انشق، (فسلسله)،) أي: وصل بعضه ببعض، (بفضة،) وظاهره إن الذي وصله أنس، ويحتمل أنه النبي عَّه، وهو ظاهر رواية أبي حمزة، عند البخاري في الخمس؛ بلفظ إن قدح النبي عَّهُ انكسر، فاتخذ مكان الشعب سلسلة من فضة، لكن رواه البيهقي من هذا الوجه بلفظ الصدع، فجعلت مكان الشعب سلسلة من فضة، قال: يعني أن أنسًا هو الذي فعل ذلك. قال البيهقي: كذا في سياق الحديث، فلا أدري من قاله من رواته، هل هو موسى بن هزون أو غيره؟، وتعقبه الحافظ؛ بأنه لم يتعين من هذه الرواية ما قاله، وهو جعلت بضم التاء على أنه ضمير القائل، وهو أنس، بل يجوز أن يكون جعلت، بضم أوله على البناء للمجهول، فيساوي رواية الصحيح. ووقع عند أحمد من طريق شريك عن عاصم، رأيت عند أنس قدح النبي عَّله فيه ضبة من فضة، وهذا يحتمل أيضًا والشعب، بفتح المعجمة، وسكون العين، هو الصدع، وكأنه سد الشقوق بخيوط من فضة، فصارت مثل السلسلة انتهى. وحاصله: تساوي احتمال أن المضبب له النبي عَّةٍ، لأنه ظاهر رواية الصحيح في فرض الخمس، واحتمال أنه أنس، لأنه ظاهر روايته في الأشربة، ففيه رد على ترجيح ابن الصلاح؛ أنه أنس، وقوله ما يوهمه بعض الروايات؛ أنه النبي عَّه ليس كذلك، وتبعه النووي، وقال: قد أشار إليه البيهقي وغيره. ٢٣٠ النوع الأول في عيشه عَّةٍ في المأكل والمشرب قال: وهو قدح جيد عريض من نضار، قال أنس: لقد سقيت رسول الله عَّةٍ في هذا القدح أكثر من كذا وكذا، قال: وقال ابن سيرين: إنه كان فيه حلقة من حديد فأراد أنس أن يجعل مكانها حلقة من ذهب أو فضة، فقال أبو طلحة: لا تغيرن شيئًا صنعه رسول الله عَّةٍ فتركه. وعنده: في فرض الخمس من طريق أبي حمزة السكري عن عاصم قال: رأيت القدح وشربت منه. وأخرجه أبو نعيم من طريق علي بن الحسن بن شقيق (قال) عاصم راويه: (وهو قدح جيد عريض،) أي: ليس بمتطاول، بل يكون طوله أقصر من عمقه، كما في الفتح وغيره، (من نضار، قال أنس: لقد سقيت رسول اللَّه عَّ في هذا القدح أكثر من كذا وكذا،) ولمسلم من طريق ثابت، عن أنس: لقد سقيت رسول اللَّه عَّله، بقدحي هذا الشراب كله العسل، والنبيذ، والماء، واللبن، (قال:) عاصم، (وقال ابن سيرين:) محمد؛ (أنه كان فيه حلقة،) بسكون اللام، والفتح لغة فيه حكاها أبو عمر، و (من حديد، فأراد أنس أن يجعل مكانها حلقة من ذهب أو فضة،) بالشك من الراوي أو هو تردد من أنس عند إرادة ذلك قاله، المصنف، (فقال أبو طلحة،) زيد بن سهل الأنصاري، زوج أم سليم، والدة أنس، (لا تغيرن») بفتح الراء، ونون التأكيد الثقيلة، وفي رواية: لا تغير بالنهي، بلا تأكيد، (شيئًا صنعه رسول اللَّه عَّةٍ، فتركه) بلا تغيير، وفي الحديث جواز اتخاذ ضبة الفضة، والسلسلة والحلقة، واختلف فيه، فمنع ذلك مطلقًا جمع من الصحابة والتابعين؛ وبه قال لملك والليث، وعن لملك أيضًا يجوز من الفضة إذا كان يسيرًا، وكرهه الشافعي لئلا يكون شاربًا على فضة، وخص أحمد والحنفية الكراهة بما إذا كانت الفضة موضع الشرب؛ والمقرر عند الشافعية تحريم الفضة إذا كانت كبيرة للزينة، وجوازها إذا صغرت لحاجة أو زينة أو كبيرة لحاجة، وتحريم ضبة الذهب مطلقًا، والمراد بالحاجة غرض الإصلاح دون التزين، لا العجز عن الذهب والفضة؛ إذ العجز عن غيرهما يبيح استعمال الإِناء الذي كله ذهب أو فضة، فضلاً عن المضبب، كذا في شرح المصنف، (وعنده،) أي: البخاري (في) باب درع النبي عَّهِ، وعصاه، وسيفه، وقدحه، وخاتمه من كتاب (فرض الخمس، من طريق أبي حمزة،) بحاء مهملة، وزاي، محمد بن ميمون (السكري،) المروزي، ثقة، فاضل، روى له الستة، مات سنة سبع أو ثمان وستين ومائة، (عن عاصم) الأحول، (قال: رأيت القدح) المذكور، (وشربت منه) تبركًا، (وأخرجه أبو نعيم من طريق علي بن الحسن،) بالتكبير، كما في الكاشف، والتقريب وغيرهما، فنسخ تصغيره، لا عبرة بها، ٢٣١ النوع الأول في عيشه عَّ في المأكل والمشرب عن أبي حمزة، ثم قال: قال علي بن الحسن وأنا رأيت القدح وشربت منه. وذكر القرطبي في مختصر البخاري أنه رأى في بعض النسخ القديمة من البخاري: قال أبو عبد الله البخاري : - رأيت هذا القدح بالبصرة وشربت منه، وكان اشتري من ميراث النضر بن أنس بثمانمائة ألف. ووقع عند أحمد من طريق شريك عن عاصم: قال رأيت عند أنس قدح النبي عَّله فيه ضبة من فضة. وقوله: من نضار - بضم النون وبالضاد المعجمة - الخالص من العود ومن كل شىء ويقال: أصله من شجر النبع، وقيل: من الأثل ولونه يميل إلى الصفرة. (ابن شقيق) العبدي، مولاهم، المروزي، الثقة، الحافظ، المتوفي سنة خمس عشرة ومائتين، وقيل: قبل ذلك، روى له الستة، (عن أبي حمزة) المذكور، (ثم قال: قال علي بن الحسن) بن شقيق المذكور، (وأنا رأيت القدح) المذكور، (وشربت منه) تبركًا. (وذكر القرطبي في مختصر البخاري: أنه رأى في بعض النسخ القديمة من البخاري، قال أبو عبد اللَّه البخاري: رأيت هذا القدح بالبصرة، وشربت منه، وكان اشترى من ميراث النضر،) بضاد معجمة، (ابن أنس) بن ملك الأنصاري، أبي لملك البصري، تابعي، ثقة، من رجال الجميع، مات سنة بضع ومائة، (بثمانمائة ألف،) قيل: درهم، وقيل: دنانير، والمتبادر الأول، لأنه المتعارف، وكأنّه عَِّ دفعه إلى أنس قبل وفاته، أو دفعه أبو بكر له بعدها صدقة، فلذا ورث عن ابنه النضر، ثم المتبادران هذا غير القدح الذي كان عند سهل بن سعد، (ووقع عند أحمد، من طريق شريك) بن عبد الله، بن أبي نمر المدني، صدوق، يخطىء، مات في حدود أربعين ومائة، (عن عاصم) الأحول، (قال: رأيت عند أنس قدح النبي عَّ فيه ضبة من فضة،) وأصل ضبة الإِناء، ما يصلح بها خلل من صفيحة أو غيرها، وتطلق على ما هو للزينة توسعًا، (وقوله من نضار، بضم النون،) أشهر من كسرها، (بالضاد المعجمة، الخالص من العود ومن كل شيء،) تبر أو خشب أو إثل أو غيرها، (ويقال أصله من شجر النبع،) بنون، فموحدة، فمهملة، الشجر للقسي وللسهام ينبت في الجبال، كما في القاموس. وفي النهاية، قيل: إنه شجر كان يطول ويدلو، فدعا عليه النبي عَّةِ، فقال: ((لا أطالك اللَّه من عود»، فلم يطل بعد، (وقيل من الإِثل،) بمثلثة، (ولونه يميل إلى الصفرة،) وفي بشرحه للبخاري، قيل أنه عود أصفر، يشبه لون الذهب، وفي القاموس النضار، بالضم: الجوهر الخالص ٢٣٢ النوع الأول في عيشه عَّةٍ في المأكل والمشرب ولم يأكل مَّ على خوان ولا أكل خبزًا مرققًا، رواه الترمذي. والخوان - بكسر الخاء المعجمة ويجوز ضمها - المائدة ما لم يكن عليها طعام. وأما السفرة: فاشتهرت لما يوضع عليه الطعام. من التبر، والخشب والإِثل؛ أو ما كان عذيًا، أي شجرًا على غير ماء، أو الطويل منه المستقيم الغصون، أو ما نبت منه في الجبل، وخشب للأواني، ويكسر، ومنه كان منبر النبي عَّه، (ولم يأكل عَُّ على خوان، ولا أكل خبزًا مرفقًا،) بقافين، ملينًا، محسنًا، أو موسعًا. (رواه الترمذي،) عن أنس في الأطعمة، وكذا ابن ماجه، والنسائي في الرقائق والوليمة، والبخاري في الأطعمة والرقائق، ولفظه عن أنس: لم يأكل النبي عَِّ على خوان حتى مات، وما أكل خبزًا مرققًا حتى مات، فاقتصار المصنف على العز، وللترمذي عجيب، (والخوان، بكسر الخاء المعجمة، يجوز ضمها،) والمشهور الكسر، كما في الفتح، وساوى بينهما المجد وغيره، وزاد إخوان، بهمزة مكسورة، وسكون الخاء. قال الحافظ: وسئل ثعلب، هل سمي الخوان، لأنه يتخون ما عليه أن ينتقص ما عليه؟، فقال: ما يبعد. قال الجواليقي: والصحيح أنه أعجمي معرب، ويجمع على أخونة في القلة، وخون، مضموم الأول في الكثرة، انتهى. وقال المصنف: الخوان طبق كبير تحته كرسي ملزق به، يوضع بين يدي المترفين والجبابرة، كي لا يفتقروا إلى التطاطؤ عند الأكل، (المائدة ما لم يكن عليها طعام؛) فيه مخالفة لقول القاموس: المائدة الطعام، والخوان عليه الطعام، كالميدة فيهما، فيفيد أن الطعام يسمى مائدة، وإن لم يكن على خوان، والخوان إذا كان عليه طعام، وبين الطعام مطلقًا؛ فيخالف مفاد المصنف أن السماط، الذي يوضع عليه الطعام، يسمى مائدة أيضًا، إن لم يكن عليه طعام. وفي المصباح: الخوان: ما يؤكل عليه معرب، (وأما السفرة،) بضم السين، (فاشتهرت لما يوضع عليه الطعام،) تسمية للمحل باسم الحال، فأصلها الطعام نفسه يتخذ للمسافر، وقد ثبت في حديث أبي أمامة: كان إذا رفع مائدته، قال: ((الحمد لله)) الخ ... ، وفسروا المائدة أنها خوان عليها طعام، فينافي قول أنس: لم يأكل على خوان، وأجيب بأن أنسًا ما رأى ذلك ورآه غيره، والمثبت مقدم على النافي، أو المراد بالخوان صفة مخصوصة، والمائدة تطلق على كل ما يوضع عليه الطعام، لأنها أما من ماد يميد إذا تحرك أو طعم، ولا تختص بصفة مخصوصة، وقد تطلق المائدة، ويراد بها نفس الطعام وبقيته، أو إناؤه، ونقل عن البخاري أنه قال: إذا أكل الطعام على شيء، ثم رفع، قيل: رفعت المائدة، انتهى من الفتح. ٢٣٣ النوع الأول في عيشه عَّ في المأكل والمشرب وكان عَّه ينهى عن النوم على الأكل، ويذكر أنه يقسي القلب، ذكره أبو نعيم، ولذا قال الأطباء - كما في الهدي - من أراد حفظ الصحة فليمش بعد العشاء ولو مائة خطوة ولا ينام عقبه فإنه يضر جدًا، والصلاة بعد الأكل تسهل هضمه. وأما شربه عَِّ فقد كان يستعذب له الماء، أي يطلب له الماء الحلو. قالت عائشة: كان يستعذب له الماء من بيوت السقيا. رواه أبو داود. (وكان عٍَّ ينهى عن النوم على الأكل، ويذكر أنه يقسي القلب، ذكره أبو نعيم،) نقل بالمعنى، فأخرج أبو نعيم في الطب، والبيهقي، والطبراني، والأوسط، وابن عدي، وابن السني، عن عائشة مرفوعًا: ((أذينوا طعامكم بذكر اللَّه والصلاة، ولا تناموا عليه فتقسو قلوبكم))؛ (ولذا قال الأطباء، كما في الهدى) لابن القيم: (من أراد حفظ الصحة، فليمش بعد العشاء، ولو مائة خطوة، ولا ينام عقبه، فإنه يضر جدًا، والصلاة بعد الأكل تسهل هضمه،) إطلاقه صادق بركعتين وركعة، لكن المراد أربع ركعات، كما هو أقله، قال الغزالي فيه أنه يستحب أن لا ينام على الشبع، فيجمع بين غفلتين، فيعتاد الفطور، ويقسو قلبه، ولكن ليصل، أو يجلس يذكر اللَّه، فإنه أقرب إلى الشكر، وأقل ذلك أن يصلي أربع ركعات، أو يسبح مائة تسبيحة عقب أکله، انتهى. (وأما شربه عَّةٍ) مثلث الشين، وبها قرىء شرب الهيم، فبالفتح مصدر، وبالضم، والكسر إسمان، كما في الصحاح، والمراد مشروبه الحلو البارد، (فقد كان يستعذب له الماء، أي يطلب له الماء الحلو،) فيؤتى له به، وهو تفسير مراد، وإلاّ فاستعذاب الماء وجد أنه عذبًا، قال المصباح: عذب الماء، بالضم، عذوبة، ساغ مشربه، فهو عذب، وجمعه عذاب، كسهم وسهام، واستعذبته رأيته عذبًا. (قالت عائشة: كان يستعذب له الماء،) لكون أكثر مياه المدينة مالحة، وقد كان يحب الحلو البارد، لأن الشراب كلما كان أحلى وأبرد كان أنفع للبدن، وينعش الروح والقوى والكبد، ينفذ الطعام إلى الأعضاء أتم تنفيذًا، لا سيما إذا كان بائنًا، فإن الماء البائت بمنزلة العجين الخمير، والذي يشرب لوقته كالفطير، (من بيوت السقيا، رواه أبو داود،) وأحمد، والحاكم، وقال: على شرط مسلم، وأقره الذهبي، وبه ختم أبو داود كتاب الأشربة، ساكتًا عليه. وفي رواية للحاكم وغيره، يستقى له الماء العذب من بثر السقيا، وسميت بذلك، لأن النبي عَّ استنبطها، وقال: هذه سقيا أخرج الطبراني وابن شاهين، عن بريح بن سدرة بن علي السلمي، عن أبيه، عن جده، قال: خرجنا مع رسول اللَّه صَّة، حتى نزلنا القاحة، فنزل بصدر الوادي، فبحث بيده في البطحاء، فنديت، فانبعث الماء، فسقى وأسقى كل من كان معه، وقال: ٢٣٤ النوع الأول في عيشه عٍَّ في المأكل والمشرب وهي - بضم المهملة وبالقاف - وهي عين بينها وبين المدينة يومان. قال ابن بطال: واستعذاب الماء لا ينافي الزهد، ولا يدخل في الترفه المذموم، بخلاف تطييب الماء بالمسك ونحوه، فقد كرهه لملك لما فيه من ((هذه سقيا سقاكموها اللَّه)، فسميت السقيا، قال أبو عمر، علي السلمي، صحابي من أهل قباء، (وهي بضم المهملة، وبالقاف) الساكنة، التحتية مقصور، (وهي عين بينها وبين المدينة يومان)، كما نقله أبو داود عقب روايته الحديث عن شيخه فيه قتيبة بن سعيد. قال السمهودي: وهو صحيح، لكنها ليست المراد هنا، وكأنه لم يطلع على أن بالمدينة بئرًا تسمى بذلك، وقد اغتر به المجد، فقال السقيا: قرية جامعة من عمل الفرع، ثم أورد حديث أبي داود، وقول النهاية: السقيا منزل بين مكة والمدينة قيل على يومين منها ومنه حديث كان يستعذب له الماء من بيوت السقيا، وقول أبي بكر بن موسى: السقيا بثر بالمدينة، أي: على بابها، وكان يستسقى لرسول اللَّه عَّةٍ منها، محمول على هذا، ثم لو سلم أن المراد الاستعذاب من العين التي ذكرها قتيبة، فمحمول على أنه كان يستعذب له منها، إذا نزل قربها في سفر حج أو غيره، أما استعذابه منها إلى المدينة فلا أراه وقع أصلاً انتهى. ويؤيده زيادة ابن حبان، وأبي الشيخ من بيوت السقيا، من أطراف الحرة، عند أرض بني فلان، فإن الحرة بظاهر المدينة، ليس بينهما يومان، وروى أيضًا أنه كان يستعذب له الماء من بثر غرس، ومنها غسل ولما نزل عند أبي أيوب، كان يستعذب من بئر لملك، والد أنس، ثم كان أنس، وهند، وجارية، أبناء أسماء يحملون الماء إلى بيوت نسائه من السقيا، وكان رباح الأسود يستقي له من بئر غرس مرة، ومن بيوت السقيا مرة. رواه ابن سعد، والواقدي، عن سلمى أم رافع، وغرس، بفتح الغين المعجمة، وإسكان الراء، كما قيده أبو عبيد، وياقوت وغيرهما، وبه تعقب الحافظ ضبط الذهبي للغين بالضم، قائلاً ذكره لي المطرزي، وقد قال المجد الصواب الذي لا محيد عنه، الفتح، ثم السكون، وقطع به ابن الأثير. (قال ابن بطال: واستعذاب الماء لا ينافي الزهد،) لأنه الاقتصار على الحلال المحقق، وعدم الرغبة في مشتهيات النفوس، (ولا يدخل في الترفه المذموم،) وهو التوسع في العيش والتمتع بملاذه، وليس شرب الماء العذب شيئًا من ذلك، بل فيه مزيد شهود عظائم نعم الحق، وإخلاص من الشكر له من غير تكلف، بخلاف المأكل، ولذا كان يستعمل أنفس الشراب، لا أنفس الطعام غالبًا، (بخلاف تطييب الماء بالمسك ونحوه، فقد كرهه ملك لما فيه من ٢٣٥ النوع الأول في عيشه عَّ في المأكل والمشرب السرف. وأما شرب الماء الحلو وطلبه فمباح فقد فعله الصالحون. وليس في شرب الماء المالح فضيلة. وقد كان عليه الصلاة والسلام يشرب العسل الممزوج بالماء البارد. قال ابن القيم: وفي هذا من حفظ الصحة ما لا يهتدي إلى معرفته إلا أفاضل الأطباء، فإن شرب العسل ولعقه على الريق يزيل البلغم ويغسل خمل المعدة، ويجلو لزوجتها ويدفع عنها الفضلات، ويسخنها باعتدال ويفتح سددها، والماء البارد رطب يقمع الحرارة ويحفظ البدن. وقالت عائشة: كان أحب الشراب إليه عَِّ الحلو البارد. السرف،) مجاوزة القصد، أي: التوسع، وشرب الماء كذلك مجاوزة للحد. (وأما شرب الماء الحلو، وطلبه، فمباح) كل منهما، (فقد فعله الصالحون) وسيدهم عَّةٍ، (وليس في شرب الماء الملح فضيلة) حتى يكون اختياره، والأعراض عن العذب مطلوبًا، بل قد يترتب على استعماله ضرر، فيكره أو يحرم، (وقد كان عليه الصلاة والسلام يشرب العسل) النحل، إذ هو المراد لغة وطبا، وفي القاموس العسل محركة لعاب النحل، (الممزوج بالماء البارد). (قال ابن القيم: وفي هذا من حفظ الصحة ما لا يهتدي إلى معرفته إلاّ أفاضل الأطباء)، لما فيه من التعديل، (فإن شرب العسل، ولعقه على الريق، يزيل البلغم، ويغسل خمل،) بفتحتين، (المعدة، ويجلو لزوجتها:) شيء كالدهن يتربى على فم المعدة، (ويدفع عنها الفضلات، ويسخنها باعتدال، ويفتح سددها،) بضم السين المهملة جمع سدة كغرفة وغرف، وهي الحاجز بين الشيئين، (والماء البارد رطب يقمع الحرارة، ويحفظ البدن،) فجمعه مع العسل غاية في التعديل، زاد غيره، ويفعل نحو ذلك بالكبد، والكلي، والمثانة، وإنما يضر بالعرض لصاحب الصفراء، لحدته وحدة الصفراء، فربما هيجها، فدفع ضرره لصاحبها بالخل. (وقالت عائشة: كان أحب الشراب إليه عَّ الحلو البارد) روى، بنصبه، خير أحب، المرفوع، وروى، برفعه اسم خبره أحب منصوبًا، قاله بعض الشراح، وروى أحمد يسئل عَّةٍ، أي الشراب أطيب؟، قال: الحلو البارد، ولا يشكل بحديث ابن عباس، كان أحب الشراب إليه اللبن. رواه أبو نعيم في الطب، لأن الكلام في شراب هو ماء، أو فيه ماء، وأما حديث عائشة كان أحب الشراب إليه العسل. رواه ابن السني، وأبو نعيم في الطب، فالمراد الممزوج بالماء، كما قيد به في رواية ٢٣٦ محمـ النوع الأول في عيشه عَّ في المأكل والمشرب رواه الترمذي. ويحتمل أن تريد به الماء الممزوج بالعسل أو الذي نقع فيه التمر والزبيب. وكان ينبذ له أول الليل ويشربه إذا أصبح يومه ذلك، والليلة التي تجيء، والغد إلى العصر، فإن بقي منه شىء سقاه الخادم أو أمر به فصب. رواه مسلم. وهذا النبيذ: هو ماء يطرح فيه تمر يحليه، وله نفع عظيم في زيادة القوة، ولم يكن يشربه بعد ثلاث خوفًا من تغيره إلى الإسكار. وكان عليه الصلاة والسلام يشرب اللبن خالصًا تارة، وتارة مشوبًا بالماء البارد، أخرى، قال في العارضة: العسل، واللبن مشروبان عظيمان، سيما لبن الإبل، فإنها تأكل من كل الشجر، وكذا النحل لا تبقى نورًا إلاَّ أكلت منه، فهما مركبان من أشجار مختلفة؛ وأنواع من النبات متباينة، فكأنهما شرابان مطبوخان مصعدان، ولو اجتمع الأولون والآخرون، على أن يركبوا شیئین منهما لما أمكن، فسبحان جامعهما. (رواه الترمذي) في الأشربة، وأحمد، وصححه الحاكم، ورده الذهبي بأنه من رواية عبد الله بن محمد بن يحيى بن عروة، عن هشام، عن أبيه عن عائشة وعبد اللَّه هالك، ولذا قال الترمذي: الصحيح عن الزهري مرسلاً، ثم يحتمل أن تريد الماء الحلو لحديثها، كان يستعذب له الماء، (ويحتمل أن تريد) عائشة (به الماء الممزوج بالعسل، أو الذي نقع فيه التمر والزبيب،) الواو بمعنى أو. قال ابن القيم: والأظهر أنه يعم الثلاثة جميعًا، (وكان ينبذ له أول الليل) تمر في الماء، كما يأتي في المتن قريبًا تلو الحديث، (ويشربه إذا أصبح يومه ذلك، والليلة التي تجيء) بعد اليوم، (والغد إلى العصر، فإن بقي منه شيء سقاه الخادم،) لاستغنائه عنه، ورفقًا بالخادم على عادته عَ لِّ، (أو أمر به، فصب،) أي: إذا ظهر له أنه وصل إلى حالة لا يشرب معها، بعد ذلك الوقت خوف الإِسكار أمر بصبه، لأنه صار في حكم العدل، فلا يقال صبه إضاعة مال، وقد نهى عنه. (رواه مسلم، وهذا النبيذ) الذي كان يشربه عَّة، ولم يقل والنبيذ، لأنه كل ما ينبذ من غير العنب، من تمر، أو زبيب، أو قمح، فبين أن المراد هنا (هو ماء) حلو، (يطرح فيه تمر يحليه،) أي: يزيد حلاوته، (وله نفع عظيم في زيادة القوة،) لملاءمته للمزاج، (ولم يكن يشربه بعد ثلاث خوفًا من تغيره إلى الإِسكار،) فإن لم يتغير سقاه الخادم وإلاّ صبه، (وكان عليه الصلاة والسلام يشرب اللبن خالصًا تارة، وتارة) أخرى (مشوبًا) مخلوطًا (بالماء البارد،) ولا يرد ٢٣٧ النوع الأول في عيشه عَّ في المأكل والمشرب لأن اللبن عند الحلب يكون حارًا، وتلك البلاد في الغالب حارة، فكان يكسر حر اللبن بالماء البارد. وعن جابر أنه عَِّ دخل على رجل من الأنصار، ومعه صاحب له، فسلم فرد الرجل وهو يحول الماء في حائطه، فقال عٍَّ: إن كان عندك ماء بات في شنة وإلا كرعنا، فقال: عندي ماء بات في شن، فانطلق إلى العريش فسكب في قدح ماء ثم حلب عليه من داجن له، فشرب عليه الصلاة والسلام الحديث. ... أن اللبن بارد، (لأن اللبن عند الحلب،) بفتح اللام، وسكونها، أي: إخراجه من الضرع، لوصف اللبن به، أو يطلق أيضًا على اللبن نفسه، (يكون حارًا،) أي: فيه حرارة بالنسبة لما بعد الحلب بمدة، (وتلك البلاد) الحجازية (في الغالب حارة، فكان يكسر حر اللبن) النبي (بالماء البارد،) على عادته في التعديل. (وعن جابر) بن عبد اللّه، (أنه مَّ دخل على رجل من الأنصار) بستانه، وهو أبو الهيثم بن التيهان، جزم به في المقدمة، ومرضه في الشرخ، لأن راويه الواقدي، وهو متروك، (ومعه صاحب له) أبو بكر الصديق، (فسلم) النبي ◌َّله، وصاحبه كما في الرواية أي: وسلم صاحبه على الرجل، (فرد الرجل) السلام عليهما. زاد في رواية للبخاري، وقال: يا رسول اللَّه بأبي أنت وأمي، وهي ساعة حارة، (وهو،) وفي رواية: والرجل، (يحول الماء في حائطه،) أي: ينقله من عمق البئر إلى ظاهرها، أو يجري الماء من جانب إلى جانب من بستانه، ليعم أشجاره بالسقي، (فقال عَّ) للرجل: (إن كان عندك ماء بات في شنة،) بفتح المعجمة، والنون المشددة، وتاء تأنيث، قربة خلق، وجواب الشرط محذوف، صرح به في رواية ابن ماجه، فقال: فاسقنا منه، (وإلاّ) يكن عندك، (كرعنا،) بفتح الكاف، والراء، وتكسر، أي: شربنا من غير إناء، ولا كف، بل بالفم، (فقال) الرجل: (عندي ماء بات في شن). قال الجوهري: الشن والشنة القربة الخلق، وقال الداودي: هي التي زال شعرها من البلى، (فانطلق) بفتحات النبي عَّ. وصاحبه، مع الرجل بطلبه (إلى العريش،) الموضع المسقف من البستان بالأغصان، وأكثر ما يكون في الكروم، وعليه عشب وثمام. وفي رواية للبخاري: فانطلق، بكسر اللام، وإسكان القاف، فانطلق بهما، (فسكب) الرجل (في قدح ماء، ثم حلب عليه) لبنًا (من داجن له،) بجيم، ونون: شاة تألف البيوت، (فشرب عليه الصلاة والسلام الحديث) بقيته، ثم شرب الرجل الذي جاء معه، وفي رواية أحمد، وشرب ٢٣٨ النوع الأول في عيشه عَّ في المأكل والمشرب رواه البخاري. وكان عليه الصلاة والسلام يقول: ليس يجزى من * وسقى صاحبه، قال الحافظ: واظهره أنه شرب فضلة النبي، لكن في رواية لأحمد النبى ◌ّٹ أيضًا، وابن ماجه ثم سقاه، ثم صنع لصاحبه مثل ذلك، أي: حلب له أيضًا، وسكب عليه من الماء البائت، هذا هو الظاهر، ويحتمل أن المثلية في مطلق الشرب، انتهى. ولم لا يقال إن ظاهر الأول مصروف للثاني، لصراحته مع اتحاد المخرج، لا سيما مع رواية أبي داود، والبرقاني، بلفظ، ثم عاد إلى العريش؛ ففعل مثل ذلك، فسقي صاحبه. (رواه البخاري) في موضعين من الأشربة، وأبو داود، وابن ماجه في الأشربة عن جابر، وروى الواقدي عن الهيثم بن نصر الأسلمي، قال: خدمت النبي عَّةٍ ولزمت بابه، فكنت آتيه بالماء من بئر جاسم، وهي بئر أبي الهيثم بن التيهان، وكان ماؤها طيبًا، ولقد دخل يومًا صائفًا، ومعه أبو بكر على أبي الهيثم، فقال: هل من ماء بارد؟، فأتاه بشجب ماء، كأنه الثلج، فصب منه على لبن عنز له وسقاه، ثم قال له: إن لنا عريشًا باردًا، فقل في يا رسول اللَّه عندنا، فدخله وأبو بكر، وأتى أبو الهيثم بألوان من الرطب الحديث والشجب، كما في الفتح، بفتح المعجمة، وسكون الجيم، ثم موحدة، يتخذ من شنة تقطع، ويخرز رأسها، وعورض هذا الحديث بما أخرج ابن ماجه، عن ابن عمر: مررنا على بركة، فجعلنا نکرع فيها، فقال ◌َ: ((لا تكرعوا، ولكن اغسلوا أيديكم، ثم اشربوا)، بها الحديث، وفي سنده ضعف، فإن كان محفوظًا، فالنهي فيه للتنزيه، وقوله وإلاّ كرعنا لبيان الجواز، أو كان قبل النهي، أو النهي في غير حال الضرورة، وهذا الفعل كان لضرورة شرب الماء الذي ليس ببارد، فشرب بالكرع لضرورة العطش، لئلا تكرهه نفسه إذا تكررت الجرع، فقد لا يبلغ الغرض من الري، أشار إلى هذا الأخير ابن بطال، وإنما قيل للشرب بالفم كرع، لأنه فعل البهائم لشربها بأفواهها، والغالب أنها تدخل أكارعها حينئذٍ، وعند ابن ماجه من وجه آخر عند ابن عمر، نهانا رسول اللَّه أن نشرب على بطوننا، وهو الکرع، وسنده ضعيف أيضًا، فإن ثبت احتمل أن النهي خاص بهذه الصورة، وهي أن يكون الشارب منبطحًا على بطنه، ويحمل حديث جابر على الشرب بالفم من مكان عالٍ، لا يحتاج إلى الانبطاح، انتهى. (وكان عليه الصلاة والسلام يقول،) كما أخرجه أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، عن ابن عباس قال: كنت عند ميمونة، فدخل عَّ له ومعه خالد، فجاؤوا بصبين مشويين، فتبزق رسول اللَّه، فقال خالد: أراك تقذره، قال: ((أجل))، ثم أتى بلبن، فقال: إذا أكل أحدكم طعامًا فليقل: ((اللهم بارك لنا، فيه، وأبدلنا خيرًا منه))، وإذا شرب لبنًا، فليقل: ((اللهم بارك لنا فيه، وزدنا منه))، فإنه (ليس) شىء (يجزي،) بضم أوله، أي: يكفي، (من) بمعنى البدل لرواية الشمائل، ليس ٢٣٩ النوع الأول في عيشه عَّ في المأكل والمشرب الطعام والشراب إلا اللبن. قال الترمذي: حديث حسن. وللترمذي: عن ابن عمر مرفوعًا: ثلاثة لا ترد: اللبن والوسادة والدهن. وأنشد بعضهم: قد كان من سيرة خير الورى صلى الله عليه طول الزمن شيء يجزي مكان (الطعام والشراب، إلاَّ اللبن،) أي: لا يكفي في دفع الجوع، والعطش معًا شيء واحد إلاَّ هو، لأنه، وإن كان بسيطًا في الحس، لكنه مركب من أصل الخلقة تركيبًا طبيعيًا، من جواهر ثلاثة جبنية، وسمنية ومائية، فالجبنية باردة، رطبة، مغذية للبدن، والسمنية معتدلة الحرارة والرطوبة، ملائمة للبدن الإِنساني الصحيح، كثيرة المنافع، والمائية حارة، رطبة، مطلقة للطبيعة، مرطبة للبدن، فلذا لا يجزي عن الطعام والشراب إلاّ اللبن، وهو أفضل من العسل على ما قاله السبكي، وقال غيره: العسل أفضل، وجمع بأن اللبن أفضل من جهة التغذي والريّ، والعسل أفضل من حيث عموم المنافع، كالشفاء للناس، والحلاوة، ثم قضية الحديث أن اللبن أفضل من اللحم، ويعارضه ما سبق أفضل طعام الدنيا والآخرة اللحم. (قال الترمذي: حديث حسن،) وظاهره أنه كله مرفوع، وزعم الخطابي أن قوله، فإنه ليس يجزي الخ ... ، مدرج من قول مسدد، لا من تتمة الحديث، لكن الإِدراج إنما يكون بورود رواية مفصلة، أو استحالة أنه يقوله، (وللترمذي) في الاستئذان، وقال غريب. وقال الحافظ: إسناده حسن (عن ابن عمر، مرفوعًا ثلاثة، لا ترد،) مبتدأ وخبر، ولا بدّ من اعتبار معنى في ثلاثة، أي: عظيمة، شريفة، قليلة المنة، خفيفة المحمل، لئلا يكون نكرة، صرفة، ويجوز أن ثلاث مبتدأ، صفته لا ترد، والخبر (اللبن) وما بعده، ثم الرواية لا ترد بالفوقية، ووجهها ظاهر، ويروى بتحتية، ويحتاج إلى تأويل، (والوسادة،) بكسر الواو، جمعها وسائد ووسادات، ما يجعل تحت الرأس عند النوم، والمراد هنا إذا بسطت ليجلس عليها، ينبغي جلوسه نفيسة، أم لا لخلفة المنة، وليس المراد إهداءها حتى تقيد بغير النفيسة، (والدهن،) بالضم، كل ما يدهن به من زيت أو غيره، والمراد به هنا الذي له طيب، قاله بعض، وقال الترمذي، يعني به الطيب، فيدخل فيه أنواع الرياحين المشمومة، وأنواع طيب العطر، قال الطيبي: يريد إذا أكرم الضيف بالثلاثة، فلا يردها لقلة منتها، فلا ينبغي ردها انتهى. وقصر الإرادة على الضيف إن كان لرواية، وإلاَّ فالحديث يشمل الأهداء أيضًا، ولفظ الترمذي في الجامع والشمائل ثلاث لا ترد، الوسائد، والدهن، واللبن والوسائد جمع وسادة، والمصنف تبع في سياق لفظه شيخه السخاوي، (وأنشد بعضهم:) (قد كان من سيرة خير الورى صلى اللَّه عليه طول الزمن) ٢٤٠ النوع الأول في عيشه عَّ في المأكل والمشرب أن لا يرد الطيب والمتكا واللحم أيضًا يا أخي واللبن قال ابن القيم: ولم يكن عَّه يشرب على طعامه لئلا يفسده، ولاسيما إن كان حارًا أو باردًا فإنه رديء جدًا. انتهى. وكان عليه الصلاة والسلام يشرب قاعدًا وكان ذلك عادته. رواه مسلم. وفي رواية له أيضًا: أنه نهى عن الشرب قائمًا. وفي رواية له أيضًا عن أبي هريرة: لا یشربن أحد کم قائمًا، فمن نسي (أن لا يرد الطيب والمتكا واللحم أيضًا يا أخي واللبن) كذا أنشده تبعًا لشيخه، وقد كتب على المقاصد قديمًا، صواب قوله: واللحم والدهن، أي: ليوافق الحديث، وهو واضح، فقد أوصلها السيوطي إلى سبع، ما ذكر فيها اللحم؛ قال: عن المصطفى سبع يسن قبولها إذا ما بها قد أتحف المرء خلان فحلو وألبان ودهن وسادة ورزق لمحتاج وطيب وريحان (قال ابن القيم: ولم يكن عَّ يشرب على طعامه لئلا يفسده، ولا سيما إن كان حارًا أو باردًا، فإنه رديء جدًا انتھی) .. وهو حسن إن صح، (وكان عليه الصلاة والسلام يشرب قاعدًا، وكان ذلك عادته) المستمرة، فلذا ذكره بعد سابقه. (رواه مسلم، وفي رواية له أيضًا) من حديث قتادة، عن أنس، (أنه) عَِّ (نهى) ولمسلم أيضًا زجر (عن الشرب قائمًا،) قال قتادة: فقلنا، فالأكل قال: ذلك أشر وأخبث، هذا بقيته في مسلم، وكذا رواه أبو داود، والترمذي، قيل: وإنما جعل الأكل أشد لطول زمنه عن الشرب، وقال في المفهم، ووجهه بعضهم؛ بأنه يورث داء في الجوف؛ وهذا شيء لم يقل به أحد فيما علمت، وعلى ما حكاه النقلة الحفاظ، فهو رأيه، لا روايته والأصل الإِباحة والقياس، خلى عن الجامع، أي: فلا يكره الأكل قائمًا بحل؛ (وفي رواية له أيضًا) عن عمر بن حمزة، أخبرني أبو غطفان المريء، (عن أبي هريرة،) عن النبي عَّهِ ((لا يشربن أحدكم قائمًا، فمن نسي))،) وقید النسيان ليس للاحتراز، بل تنبيهًا على غيره؛ بطريق الأولى، لأنه إذا أمر به الناسي، وهو غير مخاطب، فالعامد المخاطب المكلف أولى، أو لأن المؤمن لا يقع ذلك منه بعد النهي إلاّ نسيانًا، قاله النووي والعراقي، أو لأنه لا يقع عمدًا إذ لا يفعل الإِنسان ما يضره. قال الحافظ: وقد يطلق النسيان، ويراد به الترك، فيشمل السهو والعمد، فكأنه قيل: من