Indexed OCR Text

Pages 181-200

١٨١
النوع الأول في عيشه عَّ في المأكل والمشرب
صفوان بن أمية فهو حسن لكن ليس فيه ما زاده أبو معشر من التصريح بالنهي عن
قطع اللحم بالسكين. وأكثر ما في حديث صفوان أن النهش أولى. انتهى.
ويمكن الجمع: بأن النهش مما على العظم الصغير، والاحتراز مما على
الكبير.
وأكل عَُّلِّ الشوي، فعن أم سلمة أنها قربت إلى النبي عَّة جنبًا مشويًا
آخر عن صفوان بن أمية، فهو حسن) قال مغلطاي: وفيه شيء آخر، وهو أن حديث ابن أبي
عاصم متصل، وحديث الترمذي منقطع، فيما بين عثمن بن أبي سليلمن وصفوان، (لكن ليس فيه
ما زاده أبو معشر، من التصريح بالنهي عن قطع اللحم بالسكين، وأكثر ما في حديث صفوان؛
أن النهش أولى) من القطع بالسكين، وذلك لا يستلزم نهيًا، قال ابن العربي: وإذا فعل ذلك
لا يرده في القصعة، وليحبسه بيده أو يضعه أمامه انتهى).
وقال الحافظ في كتاب الوضوء: استنبط منه جواز قطع اللحم بالسكين، وفي النهي
حديث ضعيف في سنن أبي داود، فإن ثبت خص بعدم الحاجة الداعية إلى ذلك، لما فيه التشبه
بالأعاجم وأهل الترف؛ (ويمكن الجمع) على تقدير الصحة، (بأن النهش مما على العظم
الصغير، والاحتزاز) بالسكين (مما على) العظم (الكبير؛) وهذا نظر فيه للغالب، وعبر البيهقي
عنه بقوله: النهي عن قطعه بالسكين، في لحم تكامل نضجه، أي: فينهش، وما لم يتكامل،
فيقطع بالسكين أو النهي، وأراد في غير المشوي أو محمول على ما إذا اتخذ الحز عادة؛ وقال
العراقي: ثبت الحز من الكتف، فيختلف باختلاف اللحم، كما لو عسر نهشه بالسن، فيقطع
بالسكين، وكذا لو لم تحضر سكين، وكذا يختلف بحسب العجلة والتأني، (وأكل عَ د.
الشوي،) بفتح الشين، وکسر الواو، وشد الياء، على إحدى لغاته، كما في النسخ رسمه بالياء،
قال المجد: الشوي، بالكسر والضم، وكفني، أي: بفتح المعجمة، وكسر النون ضد فقير،
واقتصر في الفتح والمصباح على الكسر مع المدن.
(فعن أم سلمة) زوجه عَّةٍ (إنها قربت إلى النبي عَّ ي جنبًا،) بفتح الجيم، وسكون
النون، وموحدة، شق الإِنسان، وغيره كما في القاموس، ولذا أطلق على الشق الذي قدمته له من
شاة، كما قال بعض الشراح؛ وزعم أنه لا دليل عليه يدفعه، أنه الظاهر من أحوالهم (مشويًا،)
بمطلق نار أو بالحجارة المحماة، كما قيل في قوله تعالى: ﴿فجاء بعجل حينئذٍ﴾ الآية، أي:
مشوي بالرضف، أي: الحجارة المحماة، وقال ابن عباس: أي نضيج، وهو أخص منه.
قال العراقي: وقع الاصطلاح في هذه الأعصار، على أن المراد بالشواء اللحم السميط،

١٨٢
النوع الأول في عيشه عَّةٍ في المأكل والمشرب
فأكل منه ثم قام إلى الصلاة وما توضأ، قال الترمذي حديث صحيح.
وأكل عليه الصلاة والسلام القديد، كما في حديث في السنن عن رجل
قال: ذبحت لرسول الله عَ ليه شاة ونحن مسافرون. فقال: أصلح لحمها، فلم أزل
أطعمه منه إلى المدينة.
وأكل عليه الصلاة والسلام من الكبد المشوية رواه.
وأكل لحم الدجاج. رواه الشيخان والترمذي وغيرهم.
وأكل لحم حمار الوحش
وإنما كان يطلق قبل هذا على المشوي، ولم يكن السميط على عهده عَّةٍ؛ ولا رأى شاة سميطًا
قط، (فأكل منه، ثم قام إلى الصلاة و) الحال أنه، (ما توضأ) وضوءه للصلاة، كما يدل عليه مقابلته لها (قال
الترمذي) بعدما رواه (حديث صحيح).
وروى الترمذي أيضًا عن عبد الله بن الحرث، قال: أكلنا مع رسول اللَّه عَّهِ شواء
بالمسجد، (وأكل عليه الصلاة والسلام القديد،) اللحم المملوح المقدد، أي: المجفف في
الشمس، وفي شرح المصنف للبخاري القديد: لحم مشرر مقدد، أو ما قطع منه طوالاً، (كما
في حديث في السنن،) لأربعة (عن رجل) من الصحابة، ولا ضير في إبهامه لعدالة جميعهم،
(قال ذبحت لرسول اللَّه عٍَّ شاة، ونحن مسافرون، فقال: أصلح لحمها،) أي: اجعله قديدًا،
على حالة يبقى معها، بحيث لا يسرع فساده بدليل قوله، (فلم أزل أطعمه منه إلى المدينة،)
فظاهره طوال المدة، إذ هي التي يتمدح بها في مثل هذا المقام، وفي لفظ أملحٍ لحمها، بالميم،
أي: اجعل عليه ملحًا، ليمنعه العفونة، وفي الصحيح عن أنس: رأيت رسول اللَّه عَّةٍ أتى بمرقة،
فيها دباء وقديد، فرأيته يتبع الدباء يأكلها؛ (وأكل عليه الصلاة والسلام من الكبد المشوية، رواه)
بیاض.
وقد روى الدارقطني أنه عَّه لم يكن يفطر يوم النحر، حتى يرجع ليأكل من كبد
أضحيته، (وأكل لحم الدجاج،) اسم جنس، مثلث الدال، ذكره المنذري، وابن لملك وغيرهما،
ولم يحك النووي، الضم، والواحدة دجاجة مثلثة أيضًا وضعف فيها، الضم، سمي بذلك
لإِسراعه، إقبالاً وإدبارًا من دج بدج، إذا أسرع.
(رواه الشيخان، والترمذي، وغيرهم،) عن أبي موسى، في حديث طويل، ولا يعارضه خبر
ابن عدي، كان عٍَّ إذا أراد أن يأكل دجاجة، أمر بها، فربطت ثلاثة أيام، ثم يأكلها بعد لأنه في
الجلالة المخلاة، فكان يحبسها حتى يذهب اسم الجلالة عنها، (وأكل لحم حمار الوحش.

١٨٣
النوع الأول في عيشه مَّ في المأكل والمشرب
رواه الشيخان.
وأكل لحم الجمل سفرًا وحضرًا.
وأكل لحم الأرنب. رواه الشيخان.
وأكل من دواب البحر. رواه مسلم.
وأكل الثريد - وهو بفتح المثلثة - أن يثرد الخبر بمرق اللحم، وقد يكون معه
اللحم. ومن أمثالهم: الثريد أحد اللحمين.
(رواه الشيخان)) عن أبي قتادة في حديث، (وأكل لحم الجمل سفرًا وحضرًا،) أي:
الذكر من الإِبل، كبيرًا وصغيرًا، وإن قالوا لا يسمى حملاً إلاَّ إذا بزل، روى النسائي عن جابر:
قدم عليّ بهدى للنبي عَِّ من اليمن، وقدم رسول اللَّه بهدى، فكان الجمع مائة بدنة، فنحر
عَِّ ثلاثا وستين، ونحر علي سبعا وثلاثين، وأشرك عليًا في بدنة، ثم أخذه من كل بدنة بضعة،
فجعلت في قدر، فطبخت، فأكل عَّه وعلي من لحمها، وشربا من مرقها، (وأكل لحم الأرنب،
رواه الشيخان) عن أنس، أنه أصاب أرنبًا بمر الظهران، فأتى به أبا طلحة، فذبحه بمروة، وشواها،
وبعث معي بعجزها، وفي لفظ بوركها، وفي لفظ بفخذها إلى رسول اللَّه عَّهِ، فقبلها، والبخاري
في الهبة، فأكلها، وفي رواية أكله قيل له: أكله، قال قبله، (وأكل من دواب البحر، رواه مسلم).
وتقدم في سرية الخبط قول المصنف، روى الأئمة الستة عن جابر، بعثنا عَه ثلثمائة
راكب أميرنا أبو عبيدة، فأقمنا على الساحل حتى فني، زادنا حتى أكلنا الخبط، ثم إن البحر
ألقي لنا دابة يقال لها العنبر، فأكلنا منها نصف شهر حتى صحت أجسامنا، فأخذ أبو عبيدة ضلعًا
من أضلاعه، فنصبه، ونظرنا إلى أطول بعير، فجاز تحته، زاد الشيخان في رواية، فلما قدمنا
المدينة ذكرنا ذلك للنبي عَّة، فقال: هو رزق أخرجه الله لكم، فهل معكم شيء من لحمه،
فتطعمونا، فأرسلنا إليه منه، فأكل (وأكل الثريد، وهو بفتح المثلثة(،) وكسر الراء فعيل، بمعنى
مفعول، ويقال أيضًا مثرود؛ (أن يثرد الخبز،) أي: يفت، ثم يبل، (بمرق اللحم، وقد يكون معه
لحم،) قضيته إذا ثرد بمرق غير اللحم لا يسمى ثريدًا، وظاهر القاموس والمصباح، أي: مرق كان
وكذا قول الزمخشري: ثردت الخبز ثرده، وهو أن تفته، ثم تبله بمرق وتشرفه في وسط الصحفة،
وتجعل له رقبة (ومن أمثالهم الثريد أحد اللحمين) لأن المرق يطبخ باللحم فتنزل خاصية اللحم
في المرق، ومحل اللذة والقوة إذا كان اللحم نضيجًا في المرق؛ أكثر مما في اللحم وحده،
فإن كان معه لحم، فهو الثريد الكامل، وعليه قول الشاعر:

١٨٤
النوع الأول في عيشه عَّ في المأكل والمشرب
وروى أبو داود من حديث ابن عباس قال: كان أحب الطعام إلى رسول الله عَلَّه
الثريد من الخبز والثريد من الحيس.
وأكله عليه الصلاة والسلام بالسمن، وأكل الخبز بالزيت.
وعن حذيفة بن اليمان أن رسول الله عَّ قال: إن جبريل أطعمني الهريسة،
يشد بها ظهري لقيام الليل، رواه الطبراني في الأوسط، وفيه محمد بن الحجاج
اللخمي، وهو الذي وضع
إذا ما الخبر تأدمه بلحم فذاك أمانة اللَّه الثريد
(وروى أبو داود)) والحاكم، وصححه، (من حديث ابن عباس قال: كان أحب الطعام
إلى رسول اللَّه عَِّ الثريد من الخبز،) لمزيد نفعه وسهولة مساغه، وتيسر تناوله، وبلوغ الكفاية
منه بسرعة، واللذة والقوة، وقلة المؤنة في المضغ؛ ولذا قال عليه الصلاة والسلام: ((أثرد وأولو
بالماء».
رواه الطبراني، والبيهقي مبالغة في تأكد طلبه، والمراد، ولو مرقًا بقرب من الماء، (والثريد
من الحيس،) بفتح المهملة، وإسكان التحتية، ومهملة تمر خلط باقط وسمن، والأصل فيه
الخلط؛ قال الشاعر:
التمر والثمن جميعًا وإلاَّ قط الحيس إلاَّ أنه لم يختلط
وقضية تفسيره الثريد، أن إطلاقه على ما ثرد من الحيس، مجاز علاقته المشابهة، وروى
أحمد، والترمذي في الشمائل، والحاكم بسند جيد، عن أنس: كان عٌَّ يعجبه الثقل، بضم
المثلثة، وكسرها، وقاف في الأصل ما يثقل من كل شيء، وفسر في خبر بالثريد، وبما يقتات به،
بما يعلق بالقدر، وبطعام فيه سيء من حب أو دقيق، قيل والمراد هنا الثريد.
قال ابن الأثير: سمي ثقلاً، لأنه من الأقوات الثقيلة، بخلاف المائعات، وحكمة إعجابه
له؛ أنه أنضج وألذ، ولدفع ما قد يقع لمن ابتلى، بالترفه من ازدرائه، وفيه فضل الثريد، قال
الحافظ: وورد فيه أخص من هذا، فعند أحمد، عن أبي هريرة، دعا عَّه بالبركة في السحور
والثريد، وفي سنده ضعف، وللطبراني عن سللمن: دفعه البركة في ثلاثة: الجماعة، والسحور،
والثريد، (وأكله عليه الصلاة والسلام بالسمن، وأكل الخبز بالزيت،) وأمر بأكله، (وعن
حذيفة بن اليمان أن رسول اللَّه عَّ. قال: ((إن جبريل أطعمني الهريسة، يشد بها ظهري لقيام
الليل))، رواه الطبراني في الأوسط، وفيه محمد بن الحجاج اللخمي، وهو الذي وضع هذا

١٨٥
النوع الأول في عيشه عَّ في المأكل والمشرب
هذا الحديث.
وأكل عليه الصلاة والسلام الدباء وكانت تعجبه، وكانت يتبعها من حوالي
القصعة، قال أنس فلم أزل أحب الدباء من يومئذٍ. رواه مسلم.
قال النووي: فيه أنه يستحب أن تحب الدباء وكذلك كل شىء كان يحبه
صَلىالله
وكذلك أكل عليه الصلاة والسلام السلق مطبوخًا بالشعير. قال الترمذي:
الحديث،) وقد تقدم، (وأكل عليه الصلاة والسلام الدباء،) بضم الدال، وشد الموحدة، والمد،
على الأشهر، وحكى عياض القصر، وهو ثمر شجر اليقطين.
قال الزمخشري: واحدة دباءة، ووزنة فعال، ولامه همزة، كالثاء على اعتبار ظاهر اللفظ،
لأنه لم يعلم انقلاب لامه عن واو أو باء، كما قال سيبويه، (وكانت تعجبه) لجودة تغذيتها،
ولأنها طعام المحرورين، تطفىء الحرارة وتبرد، وتسكن اللهيب والعطش، حيد للصفراوي لم
يتداو المحرور بمثله، ولا أعجل نفعًا منه، ويلين البطن، ويزيد في الدماغ، وينفع البصر كيف
استعمل إلى غير ذلك مما يطول، ولما خصها اللَّه به من إنباتها على يونس، فتربى في ظلها،
وكانت له كالأم الحاضنة لفرخها، (وكان يتبعها من حوالي،) بفتح الواو، وسكون التحتية، مفرد
مثنى الصورة، أي: جوانب (القصعة)، بفتح القاف، على الأكثر الأشهر، ومن ظرف الأدباء،
لا تكسر القصعة، لا تفتح الجراب.
(قال أنس: فلم أزل أحب الدباء من يومئذٍ،) وللترمذي من حديث طالوت الشامي،
دخلت على أنس، وهو يأكل قرعًا، وهو يقول: يا لك شجرة، ما أحبك إليّ بحب
رسول اللَّه عَِّ إياك، ولا حمده غيره أنه عَِّ قال لعائشة: إذا طبخت قدرًا، فأكثري فيها من
الدباء، فإنها تشد قلب الحزين، (رواه مسلم،) والبخاري، وغيرهما.
(قال النووي فيه: أنه يستحب أن تحب الدباء،) أي: يسعى في الأسباب المحصلة إلى
محبتها، (وكذلك كل شيء كان يحبه عَّهه) لأن من خالص الإِيمان حب ما كان يحبه، واتباع
ما كان يفعله، وقد قال: ((عليكم بالقرع فإنه يزيد في الدماغ)).
رواه الطبراني، وللبيهقي، فإنه يزيد في العقل ويكبر الدماغ، ويروى، ويجلو البصر، ويلين
القلب، (وكذلك أكل عليه الصلاة والسلام السلق،) بكسر السين، وإسكان اللام، بقلة معروفة،
تجلو، وتحلل، وتلين، وتفتح السدد، وتسر النفس، نافع للنقرس والمفاصل، وعصير أصله سعوطًا
ترياق وجع السن، والأذن والشقيقة، ذكره المصنف (مطبوخًا بالشعير، قال الترمذي) بعدما رواه

١٨٦
النوع الأول في عيشه عَّ في المأكل والمشرب
حديث حسن غريب.
وأتى الحسن بن علي وابن عباس وابن جعفر رضي الله عنهم إلى سلمى
فقالوا: اصنعي لنا طعامًا مما كان يعجب رسول الله عٍَّ ويحسن أكله، فقالت:
يا بني لا تشتهيه اليوم، قال: بلى اصنعيه، فقامت سلمى فأخذت شيئًامن الشعير
فطحنته ثم جعلته في قدر وصبت عليه شيئًا من زيت ودقت الفلفل والتوابل
(حديث حسن غريب،) معنی تفرد به راويه، فلا ينافي أنه حسن.
وفي الصحيحين، عن سهل بن سعد: إن كنا لنفرح بيوم الجمعة، كانت لنا عجوز تأخذ
أصول السلق، فتجعله في قدرها؛ فتجعل عليه حبات من شعير، إذا صلينا الجمعة زرناها، فقربته
إلينا، والله ما فيه شحم ولا ودك، (وأتى الحسن بن علي) السبط، خاتم خلافة النبوة،
(وابن عباس) عبد اللّه؛ (وابن جعفر) عبد اللَّه (رضي اللَّه عنهم، إلى سلمى) أم رافع، زوج أبي
رافع قابلة فاطمة في ابنيها، وغاسلتها مع علي، وأتوها زائرين لكونها خادمة المصطفى وطباخته،
(فقالوا: اصنعي لنا طعامًا مما،) أي: من الطعام الذي (كان يعجب،) روي بضم أوله، وكسر ثالثه
من الإِعجاب، وروي بفتح الياء والجيم من باب علم (رسول اللَّه)) بنصبه على الأول، ورفعه
على الثاني (عَّه)) وقال بعض الشراح: يعجب على صيغة المعلوم، أما من الإِعجاب، فرسول اللَّه
مفعوله والضمير المستتر فيه للموصول، ويمكن أن رسول اللَّه فاعل، وأما من العجب، بفتحتين،
من باب علم يعلم، فهو فاعل، وضمير الموصول في الصلة محذوف، أي: مما كان يعجب منه،
(ويحسن) من الإِحسان، أو التحسين، (أكله،) بفتح، فسكون مصدر، (فقالت: يا بني) روى
مصغر للشفقة، وأفردت مع أن الأحق الجمع، أما إيثار الخطاب أعظمهم، وهو الحسن، لأنه
المخاطب لها منهم، كما في رواية، ونسب إليهم لرضاهم به، وأما لأنهم لكمال الملاءمة،
والارتباط، والمناسب بينهم، واتحاد بغيتهم، صاروا كواحد.
وروي، كما قال بعض الشراح: يا بني مكبرًا، وقال آخر: يدفعه (لا تشتهيه) بالأفراد، لكن
حيث ثبت رواية فلا دفع، فالمعنى لا تشتهيه نفوسكم؛ (اليوم،) أي: زمن اعتياد الناس الأطعمة
اللذيذة، التي يطبخها الأعاجم المختلطة بكم، فكلوا ما يوافق أبدانكم وعاداتكم، وإن كان غير
ما أكله عَّهِ؛ فإن ذلك أمر يتفاوت بالأزمنة وتغير العادات، واستعينوا به على أداء العبادة، (قال:
بلى) نشتهيه (اصنعيه) لنا، قال: (فقامت سلمى، فأخذت شيئًا من الشعير) بالتعريف، وروى
بالتنكير، (فطحنته، ثم جعلته في قدر، وصبت عليه شيئًا من زيت، ودقت الفلفل،) بفاءين
مصروف الواحدة فلفلة، (والتوابل،) بفوقية بزنة مساجد: أبزار الطعام جمع تابل، بفتح الباء، وقد
تکسر.

١٨٧
النوع الأول في عيشه عَّةٍ في المأكل والمشرب
فقربته إليهم فقالت: هذا مما كان يعجبه عَّه ويحسن أكله. رواه الترمذي.
وأكل عليه الصلاة والسلام الخزيرة - وهي بخاء معجمة مفتوحة ثم زاي
مكسورة، وبعد التحتانية الساكنة راء- ما يتخذ من الدقيق على هيئة العصيدة،
لكن أرق منها، قاله الطبري. وقال ابن فارس: دقيق يخلط بشحم، وقال القتبي
وتبعه الجوهري: أن يؤخذ اللحم فيقطع صغارًا ويصب عليه ماء كثير فإذا نضج
ذر عليه الدقيق، فإن لم يكن فيها لحم فهي عصيدة. وقيل: مرقة تصفى من بلالة
النخلة ثم تطبخ، وقيل: الخزيرة بالإعجام من النخالة، والحريرة - يعني بالإهمال -
من اللبن.
قال الجواليقي: وعوام الناس تفرق بين التابل والأبزار، والعرب لا تفرق بينهما، وفيه أنه
عٍَّ كان يحب تطييب الطعام بما سهل وتيسر، وذلك لا ينافي الزهد، (فقربته،) أي: فوضعته
على الطعام وقربته (إليهم؛ فقالت: هذا مما كان يعجبه عَّ، ويحسن أكله) من الإِحسان أو
التحسین.
(رواه الترمذي) في الجامع والشمائل، عن سلمى أن الحسن، وابن عباس، وابن جعفر
أتوها، فذكرته، (وأكل عليه الصلاة والسلام الخزيرة،) كما في الصحيح من حديث عتبان بن
ملك؛ (وهي بخاء معجمة مفتوحة، ثم زاي مكسورة، وبعد التحتانية الساكنة راء، ما يتخذ من
الدقيق على هيئة العصيدة، لكنه أرق منها، قاله الطبري).
(وقال ابن فارس)، أحمد اللغوي، الفقيه، المالكي، (دقيق يخلط بشحم وقال القتبي:
بضم القاف، وفتح الفوقية، ويقال القتيبي، بالتصغير، أبو محمد، عبد الله بن مسلم بن قتيبة
الدينوري، الأخباري، صاحب التصانيف، كما في التبصير وغيره، وتقدم مرارًا، (وتبعه الجوهري
أن يؤخذ اللحم، فيقطع) قطعًا (صغارًا، ويصب عليه ماء كثير، فإذا نضج) استوى (ذر عليه
الدقيق، فإن لم يكن فيها لحم، فهي عصيدة،) وكذا ذكر يعقوب بن السكيت، وزاد من لحم
بات ليلة، (وقيل مرقة تصفى من بلالة،) بضم الموحدة، أي: ندوة، (النخلة، ثم تطبخ، وقيل
الخزيرة بالأعجام، من النخالة،) أي: من بلالتها، (والحريرة يعني بالإِهمال من اللبن؛) نقل
البخاري هذا القول عن النضر بن شميل، قال في الفتح، ووافقه عليه أبو الهيثم، لكنه، قال: من
الدقيق بدل اللبن، وهذا هو المعروف، ويحتمل أن يكون معنى من اللبن إنها تشبه اللبن في
البياض، لشدة تصفيتها، انتھی.

١٨٨
النوع الأول في عيشه عَّ في المأكل والمشرب
وقال عتبان: غدا علي رسول الله عَّه وأبو بكر رضي الله عنه حين ارتفع
النهار، وحبسناه على خزير صنعناه.
وأكل عليه الصلاة والسلام الإقط، كما قاله ابن عباس فيما رواه وهو جبن
اللبن المستخرج زبده، أكلته وهو كثير بمكة والمدينة زادهما الله شرفًا، وهو أشبه
شىء بالكشك.
وأكل عليه الصلاة والسلام الرطب والتمر والبسر. رواه مسلم والترمذي وغيرهما.
وفي القاموس: الحريرة يعني بالإِهمال دقيق يطبخ بلبن، أو دسم، (وقال عتبان،) بكسر
العين، وقد تضم، ففوقية ساكنة، فموحدة، فألف، فنون، ابن لملك الخزرجي، السلمى من بني
سالم بن عوف، بن عمرو بن الخزرج، صحابي، شهير، بدري، مات في خلافة معوية، في حديثه
الذي أخرجه البخاري في أكثر من عشرة مواضع، مطولاً ومختصرًا، أنه أتى رسول اللَّه عَّةٍ،
فقال: إني أنكرت بصري، وأنا أصلي لقومي، فإذا كانت الأمطار سأل الوادي، فلم أستطع أن آتي
مسجدهم، فوددت إنك تأتي فتصلي في بيتي، فأتخذه مصلى، قال: ((سأفعل إن شاء اللَّه))، قال
عتبان فـ (غدًا على رسول اللَّه عَّه، وأبو بكر رضي الله عنه حين ارتفع النهار) يوم السبت، وفي
رواية، ومعه أبو بكر وعمر، فاستأذن، فأذنت له، فدخل، ثم قال: ((أين تحب أن أصلي من
بيتك))؟، فأشرت إلى ناحية من البيت، فكبر، فصفغنا وراءه، فصلى ركعتين، ثم سلم،
(وحبسناه،) أي: منعناه على الرجوع بعد الصلاة، (على خزير صنعناه))) أي: منعناه ليأكل من
الخزير الذي صنعناه، والرواية خزير، بلا هاء في البخاري، فلا يقال ذكره باعتبار كونها طعامًا،
وفي القاموس الخزير، والخزيرة شبه عصيدة بلحم، وبلا لحم، عصيدة، أو مرقة من بلالة النخالة،
(وأكل عليه الصلاة والسلام الإِقط،) مثلثة، وتحرك، وككتف، ورجل، وإبل شيء يتخذ من
المخيض الغنمي، قاله القاموس، (كما قاله ابن عباس فيما رواه،) كذا في النسخ بعده بياض،
وقد رواه البخاري عن ابن عباس، قال: أهدت خالتي إلى النبي عَّةٍ ضبابًا واقطًا ولبنًا، فوضع
الضب على مائدته، فلو كان حرامًا لم يوضع وشرب اللبن، وأكل الإِقط، (وهو جبن اللبن
المستخرج زبده) لا الحليب، ويوافقه قول الأزهري: الإِقط يتخذ من اللبن المخيض، ثم يترك
حتى يمصل، أي: تسيل عصارته، وهي ماؤه الذي يخرج منه حين يطبخ (أكلته،) أخبار عن نفسه،
(وهو كثير بمكة والمدينة؛ زادهما اللَّه شرفًا، وهو أشبه شيء بالكشك،) وزان، فليس ما يعمل
من الحنطة، وربما عمل من الشعير، قال المطرزي: فارسي معرب، قاله المصباح، (وأكل عليه
الصلاة والسلام الرطب، والتمر، والبسر) في وقت واحد في حديقة الأنصاري؛ (رواه مسلم،

١٨٩
النوع الأول في عيشه عَّ في المأكل والمشرب
وأكل الكباث. رواه مسلم، وهو بفتح الكاف وتخفيف الموحدة وبعد
الألف مثلثة، النضيج من تمر الأراك. وقيل ورق الأراك، وتعقبه الاسماعيلي فقال:
إنما هو تمر الأراك وهو البرير - بموحدة بوزن الحرير- فإذا اسود فهو الكباث.
وفي النهاية لابن الأثير: أنه عليه الصلاة والسلام كان يحب الجذب
- بالجيم والذال المعجمة المفتوحتين - أي الجمار، وهو شحم النخل واحدته
جذبة.
وأما الجبن، ففي السنن من حديث ابن عمر قال: أتي النبي عَّه ....
والترمذي، وغيرهما،) وتقدم الحديث عن أبي هريرة، (وأكل الكباث).
(رواه مسلم) عن فراغ وبوب عليه البخاري في الأطعمة باب الكباث، وروى فيه، وفي أحاديث
الأنبياء حديث جابر: كنا مع النبي عَّةِ بمر الظهر، أن نجني الكباث، فقال: ((عليكم بالأسود منه
فإنه أطيب))، فقيل أكنت ترعى الغنم؟، قال: ((نعم! وهل من نبي إلاّ رعاها))؟، (وهو، بفتح
الكاف، وتخفيف الموحدة، وبعد الألف مثلثة، النضيج من تمر الأراك،) بفتح الهمزة، وخفة
الراء، (وقيل ورق الأراك)) ذكره البخاري، فقال في رواية أبي ذر، عن مشايخ، وهو ورق الأراك،
(وتعقبه الإِسمعيلي، فقال: إنما هو تمر،) بفوقية مفتوحة، وميم ساكنة، ضبطه المصنف (الأراك،)
كما في رواية غير أبي ذر عن البخاري، على أن أبا ذر نفسه تعقبه بقوله كذا في الرواية،
والصواب تمر الأراك، كما في الفتح، (وهو البرير، بموحدة،) تليها راء، فتحتية، فراء، (بوزن
الحرير، فإذا اسود، فهو الكباث،) وفي المطالع الكباث تمر الأراك قبل نضجه، وقيل: بل هو
حضرمه، وقيل غضه، وقيل متزببه، (وفي النهاية لابن الأثير: أنه عليه الصلاة والسلام كان
يحب الجذب، بالجيم، والذال المعجمة المفتوحتين، أي: الجمار،) بضم الجيم، وفتح الميم
المشددة، (وهو شحم النخل،) وهو قلبها (واحدته جذبة،) بالهاء، ورطبه الحلو بارد يابس في
الأولى، وقيل في الثانية يعقل البطن، وينفع من المرة الصفراء، والحرارة والدم الحاد، وينفع من
الشرى أكلاً وضمادًا، وكذا من الطاعون، ويختم القروح، وينفع من خشونة الحلق نافع للسع
الذنبور ضمادًا، قاله صاحب نزهة الأفكار، وفي البخاري، عن ابن عمر: كنت جالسًا عند
رسول اللَّه، يأكل جمارة نخل، (وأما الجبن،) فيه لغات رواها أبو عبيد، عن يونس بن حبيب،
سماعًا من العرب، أجودها سكون الباء، والثانية ضمها للاتباع، والثالثة، وهي أقلها التثقيل، ومنهم
من يجعله من ضرورة الشعر.
(ففي السنن،) لأبي داود (من حديث ابن عمر، قال: أتى) بالبناء للمجهول، (النبي ◌َّ

١٩٠
النوع الأول في عيشه عَّةٍ في المآكل والمشرب
بجبنة في تبوك فدعا بسكين فسمى وقطع. رواه أبو داود.
وكان عليه الصلاة والسلام يراعي صفات الأطعمة وطبائعها واستعمالها على
قاعدة الطب، فإذا كان في أحد الطعامين ما يحتاج إلى كسر وتعديل كسره وعدله
بضده إن أمكنه، كتعديله حرارة الرطب بالبطيخ. وهذا أصل كبير في المركبات
من الأدوية، وإن لم يجد ذلك تناوله على حاجة وداعية من النفس من غير إسراف.
ورواية أبو داود من حديث أبي أسامة عن هشام أنه عٍَّ كان يأكل البطيخ
بالرطب،
بجبنة في تبوك،) من عمل النصارى، فقيل: هذا طعام تصنعه المجوس، (فدعا بسكين، فسمى
وقطع، رواه أبو داود،) ومسدد وغيرهما، وروى الطيالسي عن ابن عباس: أن النبي عَِّ، لما فتح
مكة رأى جبنة، فقال: ((ما هذا)؟، فقالوا: طعام يصنع بأرض العجم، فقالوا: ضعوا فيه السكين،
وكلوا، وروى أحمد، والبيهقي، عنه: أتى عَّ بجبنة في غزاة تبوك، فقال: أين صنعت هذه؟،
قالوا: بفارس ونحن نرى أن يجعل فيها ميتة، فقال عَّةٍ: أطعموا، وفي رواية ضعوا فيها السكين،
واذكروا اسم اللَّه تعالى وكلوا، قال الخطابي: أباحه عَّهِ على ظاهر الحال، ولم يمتنع من أكله،
لأجل مشاركة المسلمين للكفار في عمله، وتعقبه المقريزي بتوقفه على نقل، إذ لم يكن بفارس
والشام حينئذٍ أحد من المسلمين، قال الشامي: وهو ظاهر لا شك فيه.
(وكان عليه الصلاة والسلام يراعي صفات الأطعمة وطبائعها)، تفسيري، (و) يراعي.
(واستعمالها على قاعدة الطب، فإذا كان في أحد الطعامين ما يحتاج إلى كسر) الحر، أو برد
(وتعديل،) عطف تفسير، (كسره، وعدله بضده؛ إن أمكنه، كتعديله حرارة الرطب بالبطيخ،)
بكسر الباء، وبعص أهل الحجاز يجعل الطاء مكانها.
قال ابن السكيت: في باب ما هو مكسور الأول نقول هو البطيخ، والطبيخ والعامة تفتح
الأول، أي: فيهما، وهو غلط لفقد فعيل بالفتح، (وهذا أصل كبير في المركبات من الأدوية،
وإن) لم يمكنه بأن (لم يجد ذلك،) فهو قسيم قوله، قبل أن أمكنه، فلا حاجة لجعله قسمًا
لمقدر، (تناوله على حاجة وداعية من النفس، من غير إسراف،) إكثار في أكله، وهذا شبيه
بالتعديل أيضًا، إذ القليل مع طلب النفس لا ضرر فيه.
(وروى أبو داود من حديث أبي أسامة،) حماد بن أسامة القرشي، مولاهم الكوفي، مشهور
بكنيته ثقة، ثبت من رجال الجميع، مات سنة إحدى ومائتين، وهو ابن ثمانين، (عن هشام) بن
عروة، أي: عن أبيه، عن عائشة، كما في أبي داود؛ (أنه عَّ كان يأكل البطيخ بالرطب،) تمر

١٩١
النوع الأول في عيشه عَّ في المأكل والمشرب
ويقول يكسر حر هذا ببرد هذا، وبرد هذا بحر هذا.
ورواه يزيد بن رومان عن الزهري عن عروة بتقديم ((الطاء) كما للنوقاتي،
وبتأخيرها كما للنسائي في الوليمة، فكأنه عند هشام باللفظين.
وكذا رواه ابن حبان في صحيحه من حديث محمد بن عبد الرحمن بن
الأشعث العجلي أبي بكر الشامي الدمشقي إمام عن الإمام أحمد بن حنبل عن
وهب بن جرير بن حازم، حدثنا أبي، قال سمعت حميدًا يحدث عن أنس أن
النبي عٍَّ كان يأكل الطبيخ أو البطيخ بالرطب، وقال
النخل إذا أدرك قبل أن يتتمر، (ويقول بكسر حر هذا،) أي: الرطب (ببرد هذا،) أي: البطيخ
(وبرد هذا بحر هذا،) كذا وقع للمصنف بيرد بحر، بالباء، فيهما تبعًا لشيخه في المقاصد، تبعًا
لشيخه في الفتح، فيحتمل أن أوله، نكسر بنون، مبني للفاعل، وأنه بتحتية مبني للمجهول،
وساقه، الجامع بدون موحدة فيهما، وكل عزا لأبي داود، (ورواه يزيد،) بياء قبل الزاي، (ابن
رومان،) بضم الراء، المدني، أبو روح، مولى آل الزبير، ثقة، روى له الجميع، مات سنة ثلاثين
ومائة (عن الزهري،) محمد بن مسلم، الفقيه، الحافظ، المتفق على جلالته واتقانه، مات سنة
خمس وعشرين ومائة، وقيل قبلها بسنة، أو سنتين، (عن عروة،) يعني عن عائشة الطبيخ، (بتقديم
الطاء، كما للنوقاتي،) بضم النون، وقبل القاف، واو، ومثناة قبل ياء النسب، نسبة إلى نوقات
قرية من سجتان؛ الحافظ أبو عمر بن محمد بن أحمد، بن عمر بن سليمن السجزي.
روي عن عبد المؤمن بن خلف النسفي، وطبقته، وله تصانيف، كما في التبصير،
(وبتأخيرها) البطيخ، (كما للنسائي في الوليمة،) ورواه الحميدي عن ابن عيينة، عن هشام عن
أبيه بتقديم الطاء في أصل من مسند الحميدي، وفي أصل قديم عنه بتقديم الباء، وكذا رواه
جماعة عن هشام، كما بسطه السخاوي، وفرع عليه قوله، (فكأنه كان عند هشام باللفظين،)
فكان يرويه تارة بالتقديم للباء، وأخرى بتأخيرها، فأما على سياق المصنف، فلا يتفرع ذلك؛ إذ لم
يذكر الاختلاف فيه على هشام، إنما ذكره على عروة، (وكذا رواه ابن حبان في صحيحه، من
حديث محمد بن عبد الرحمن بن الأشعث العجلي، أبي بكر الشامي، الدمشقي، إمام) الجامع،
ثقة، مات سنة ست وستين ومائتين، (عن الإِمام أحمد بن حنبل، عن وهب بن جرير بن حازم،)
بمهملة وزاي، ابن زيد الأزدي، أبي عبد الله البصري، ثقة، له في الستة، قال: (حدثنا أبي)
جرير بن حازم أبو النضر البصري، ثقة، له أوهام إذا حدث من حفظه، روى له الجميع، مات سنة
سبعين ومائة بعد ما اختلط، لكن لم يحدث حال اختلاطه، (قال: سمعت حميدًا) الطويل
(يحدث، عن أنس: أن النبي عٍَّ كان يأكل الطبيخ) بتقديم الطاء، (أو البطيخ) بتقديم الباء،

١٩٢
النوع الأول في عيشه عَّة في المأكل والمشرب
عقبة: الشك من أحمد. وتقديم الطاء لغة حكاها صاحب المحكم.
وقد كان محمد بن أسلم لا يأكل البطيخ لأنه لم ينقل كيفية أكل
رسول الله علّ له.
وروى الطبراني في الأوسط من حديث عبد الله بن جعفر قال: رأيت في
يمين النبي ◌َّهُ قثاء وفي شماله رطبًا وهو يأكل من ذا مرة، ومن ذا مرة، وفي
سنده ضعف.
(بالرطب، وقال) ابن حبان: (عقبه،) أي: بعد روايته الحديث.
(الشك من أحمد) ابن حنبل، قال السخاوي: وفيه نظر، وكأنه إنما أراد بيان كونه مرويًا
بهما، فقد رواه مسلم بن إبراهيم، عن جرير بالطبيخ، بتقديم الطاء بلا شك، أخرجه أبو نعيم، وأبو
بكر الشافعي في الغيلانيات، وكذا أبو يعلى عن حبان بن هلال عن جرير، بلفظ: رأيت
رسول اللَّه عَّه يجمع بين البطيخ والرطب.
ورواه عثمن الدارمي، عن مسلم بن إبراهيم، كالجادة، أي: بتقديم الباء، لكن حديث وهب
عند الترمذي في الشمائل، والنسائي في الوليمة، بلفظ كان يجمع بين الخريز والرطب، وهو
الذي رأيته في موضعين من مسند أحمد، عن وهب، فالظاهر أنه من حديثه خارج المسند، وأنه
عند جرير باللفظين ..
ورواه الدارمي في الأطعمة، عن سهل بن سعد: أن النبي عٍَّ كان يأكل الطبيخ بالرطب،
إلى غيرها من الروايات، وبالجملة، فقد ثبت الحديث أيضًا بتقديم الطاء على الباء، (وتقديم الطاء
لغة حكاها صاحب المحكم،) ابن سيده، (وقد كان محمد بن أسلم) الطوسي، الزاهد، الورع،
المقتدي بالآثار، وصفه ابن المبارك؛ بأنه ركن من أركان الإسلام.
قال ابن الجوزي: لما مات صلى عليه ألف ألف تقريبًا، يقول صالحهم وطالحهم: لم
نعرف له نظيرًا، وأدرك جماعة من التابعين، (لا يأكل البطيخ) تورعًا، (لأنه لم ينقل كيفية أكل
رسول اللَّه عَِّ له،) هل بقشره ولبه، أو بدونهما؟، فلعل هذا مراده، وإلاّ فقد ورد كيفية جمعه
بين الرطب والقثاء، أو البطيخ، كما أفاده. بقوله: (وروى الطبراني في الأوسط، من حديث
عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، (قال: رأيت في يمين النبي عَّ ( قشاء)، بكسر القاف أكثر من
ضمه: نوع من الخيار أخف منه، وقيل هو اسم جنس، لما يقول له الناس الخيار، والعجور
والفقوس، واحدته قثاءة، (وفي شماله رطبًا، وهو يأكل من ذا مرة، ومن ذا مرة،) فاستعان بيديه
جميعًا، (وفي سنده ضعف،) لأن في إسناده أصرم بن حوشب ضعيف جدًا؛ ولعله إن ثبت كان

١٩٣
النوع الأول في عيشه عَّهُ في المأكل والمشرب
وأخرج فيه، وفي الطب لأبي نعيم من حديث أنس: كان عَّه يأخذ الرطب
بيمينه والبطيخ بيساره، فيأكل الرطب بالبطيخ، وكان أحب الفاكهة إليه. وسنده
ضعيف أيضًا.
وأخرج النسائي بسند صحيح عن حميد عن أنس: رأيت رسول الله عَ لَّه
يجمع بين الرطب والخربز - وهو بكسر الخاء المعجمة وسكون الراء وكسر
الموحدة بعدها زاي - نوع من البطيخ الأصفر.
وفي هذا تعقب على من زعم أن المراد بالبطيخ في الحديث الأخضر،
واعتلوا بأن الأصفر فيه حرارة كما في الرطب، وقد ورد التعليل بأن
يأخذ بيده اليمنى من الشمال رطبة رطبه، فيأكلها مع القثاء التي في يمينه.
وفي الصحيحين عن عبد الله بن جعفر، رأيت رسول اللَّه عَ لّه يأكل الرطب بالقثاء،
(وأخرج) الطبراني (فيه))) أي: في الأوسط، (وفي الطب لأبي نعيم،) وأبو الشيخ في الأخلاق
النبوية، وأبو عمر النوقاتي في البطيخ، والحاكم في الأطعمة، (من حديث أنس: كان عَلَّ) إذا
أكل رطبًا وبطيخًا معًا؛ (يأخذ الرطب بيمينه))) أي: بيده اليمنى، (والبطيخ بيساره، فيأكل
الرطب بالبطيخ) للتعديل، (وكان،) أي: البطيخ، (أحب الفاكهة إليه، وسنده ضعيف أيضًا،) لأن
فيه عند الجميع يوسف بن عطية، وهو واهٍ متروك، وفيه جواز الأكل باليدين جميعًا، ويشهد له ما
رواه أحمد، عن عبد الله بن جعفر: آخر ما رأيت، رسول اللَّه عَّهِ في إحدى يديه رطبات، وفي
الأخرى قثاء يأكل بعضًا من هذه، وبعضًا من هذه، لكن لا يلزم منه لو ثبت أكله بشماله، فلعله
كان يأخذ بيده اليمنى من الشمال فيأكلها، مع ما في يمينه، إذ لا مانع من ذلك، وأما أكله
البطيخ بالسكر، فلم أرَ له أصلاً، إلاّ في خبر معضل ضعيف، رواه النوقاتي، وأكله بالخبز لا أصل
له، إنما ورد في أكل العنب بالخبز، حديث رواه ابن عدي، بسند ضعيف، عن عائشة له جميعه
الحافظ زين الدين العراقي.
(وأخرج النسائي بسند صحيح عن حميد) الطويل، (عن أنس: رأيت رسول اللَّه عَل يجمع
بين الرطب والخربز،) وأخرج الطيالسي بسند حسن، عن جابر: كان عٍَّ يأكل الخربز بالرطب،
ويقول هما الأطيبان: (وهو بكسر الخاء المعجمة، وسكون الراء، وكسر الموحدة، بعدها زاي،
نوع من البطيخ الأصفر، وفي هذا تعقب على من زعم أن المراد، بالبطيخ في الحديث
الأخضر، واعتلوا بأن الأصفر فيه حرارة، كما في الرطب، وقد ورد التعليل بأن أحدهما يطفىء

١٩٤
النوع الأول في عيشه عَّ في المأكل والمشرب
أحدهما يطفىء حرارة الآخر.
والجواب عن ذلك بأن في الأصفر بالنسبة للرطب برودة، وإن كان فيه
لحلاوته طرف حرارة، والله أعلم.
وفي رواية النسائي أيضًا، بسند صحيح عن عائشة أن النبي عَّ أكل البطيخ
والرطب جميعًا.
وأخرج ابن ماجه عن عائشة: أرادت أمي معالجتي للسمنة لتدخلني على
رسول الله عَّ فما استقام لها ذلك حتى أكلت الرطب بالقثاء، فسمنت عليه
كأحسن سمنة. ورواه النسائي وقال: بالتمر، مكان الرطب.
حرارة الآخر،) فحمله على الأصفر منافٍ له، (والجواب عن ذلك بأن في الأصفر بالنسبة
للرطب برودة،) لأن الرطب حار في الأولى رطب في الثانية، بخلاف أصفر البطيخ، فبارد، (وإن
كان فيه لحلاوته طرف حرارة(،) بالنسبة للأخضر، (والله أعلم) بما كان يأكله رسوله منهما مع
الرطب.
وقال صاحب المناهج: البطيخ في الحديث الأخضر، وقيل الأصفر، ورجع، ولا مانع أنه
أكلهما.
(وفي رواية النسائي أيضًا بسند صحيح، عن عائشة: أن النبي عَّ أكل البطيخ والرطب
جميعًا) للتعديل، وفي الصحيحين عن عبد الله بن جعفر:، رأيت رسول اللَّه عَّ يأكل الرطب
بالقثاء، أي: للتعديل، فكل منهما يصلح الآخر، ويزيل أكثر ضرره؛ فالقثاء مسكن للعطش، منعش
للقوى، بشمه، لما فيه من العطرية، مطف لحرارة المعدة الملتهبة، غير سريع الفساد، والرطب
حار في الأولى، رطب في الثانية، يقوي المعدة الباردة لكنه معطش، سريع التعفن معكر للدم،
مصدع، فقابل الشيء البارد بالمضاد له، فالقثاء إذا أكل معه ما يصلحه، كرطب، أو زبيب، أو
عسل، عدله، ولذا كان مسمنًا، مخصبًا للبدن.
(وأخرج ابن ماجه) وأبو داود، (عن عائشة: أرادت أمي معالجتي للسمنة، لتدخلني
على رسول اللَّه عَّه؛ فما استقام لها ذلك))) وفي رواية: فلم أقبل عليها بشيء، (حتى أكلت))
وفي رواية حتى أطعمتني (الرطب بالقثاء، فسمنت عليه، كأحسن سمنة،) وفي رواية السمن،
أي: المعتدل.
(ورواه النسائي) عنها: لما تزوجني النبي عَّ﴾. عالجوني بغير شيء، فأطعموني القثاء
بالتمر، فسمنت عليه كأحسن الشحم، فقال: الشحم مكان سمنة، (وقال: بالتمر مكان الرطب،)

١٩٥
النوع الأول في عيشه عَّ في المأكل والمشرب
وأما فضائل البطيخ فأحاديثه باطلة، وإن أفرده النوقاتي في جزء كما قاله
الحفاظ والله أعلم.
وقد كان عليه الصلاة والسلام يأكل التمر بالزبد ويعجبه. فعن عبد الله
وعطية ابني بسر، قالا: دخل علينا رسول الله عليه فقدمنا له زبدًا وتمرًا، وكان
يحب الزبد والتمر. رواه أبو داود وابن ماجه.
وسمى مَِّ اللبن بالتمر الأطيبين
وهو من اختلاف الرواة لاتحاد المخرج، وعند أبي نعيم في الطب، عنها: أن النبي عَّه أمر
أبويها بذلك، (وأما فضائل البطيخ، فأحاديثه باطلة، وإن أفرده النوقاتي في جزء، كما قاله
الحفاظ، والله أعلم) بما في نفس الأمر، (وقد كان عليه الصلاة والسلام يأكل التمر بالزبد،)
بضم، فسكون، ما يستخرج بالخض من لبن البقر والغنم، أما المستخرج من لبن الإِبل، فلا يسمى
زبد إبل، يقال: حباب، (ويعجبه) ذلك المذكور من الإِعجاب، أي: يحبه، (فعن عبد اللَّه) بن بسر
المازني، له ولأبويه ولأخويه عطية والصماء صحبة.
روى عن النبي عَّهِ وعن أبيه، وأخيه، وعنه جماعة: مات بالشام، وقيل بحمص منها، سنة
ثمان وثمانين، وهو ابن أربع وتسعين، وهو آخر من مات بالشام من الصحابة، وقيل مات سنة
ست وتسعين، وهو ابن مائة، روى البخاري في تاريخه الصغير، عنه: أن النبي عَّهِ، قال له:
(يعيش هذا الغلام قرنًا»، فعاش مائة سنة، (وعطية) صحابي صغير، نزل حمص.
وروى عن النبي عَّه: أيما عبد جاءته موعظة من اللَّه في دينه، فإنها نعمة من اللَّه، فإن
قبلها بشكر، وإلاّ كانت حجة من اللَّه ليزداد إثمًا، (ابني بسر) بضم الموحدة، وسكون
المهملة، المازني، من بني مازن بن منصور بن عكرمة.
روى ابن السكن عنه: أتانا النبي عَّ، وهو راكب على بغلة، كنا نسميها حمارة شامية،
(قالا: دخل علينا رسول اللَّه عَّه، فقدمنا له زبدًا وتمرًا،) فأكل منه ليتم الدليل وترك الظهور،
وعطف عله على مملوك قوله: (وكان يحب الزبد والتمر،) أي: الجمع بينهما في الأكل، لأن
الزبد حار رطب، والتمر يابس، ففيه إصلاح كل بالآخر.
(رواه أبو داود، وابن ماجه) بإسناد حسن، كما قال: بعض الحفاظ وفيه جواز أكل شيئين
من فاكهة وغيرها معًا، وجوز أكل طعامين معًا، والتوسع في المطاعم، وما روي عن السلف من
خلافه محمول على الكراهة في التوسع والترفه، والإكثار لغير مصلحة دينية، قال القرطبي:
ويؤخذ منه مراعاة صفة الأطعمة، وطبائعها، واستعمالها على الوجه اللائق، على قاعدة الطب،
(وسمى عَّ اللبن بالتمر الأطيبين،) لأنهما أطيب ما يؤكل.

١٩٦
النوع الأول في عيشه عَّ في المأكل والمشرب
رواه أحمد.
وكان يأكل الخبز مأدومًا ما وجد له إدامًا، فتارة يأدمه باللحم ويقول: هو
سيد الطعام لأهل الدنيا والآخرة، وتارة بالبطيخ وتارة بالتمر، فإنه وضع تمرة على
كسرة من خبز الشعير، وقال هذه إدام هذه، رواه أبو داود والترمذي بسند حسن
من حديث يوسف بن عبد الله بن سلام أنه قال: رأيت النبي صَّةِ أخذ ...
(رواه أحمد) بإسناد قوي عن بعض الصحابة، قال: كان عَّ يتمجع اللبن بالتمر،
ويسميهما الأطيبين، وفي رواية له عن أبي خالد، دخلت على رجل، وهو يتمجع لبنًا بتمر، فقال:
إدن فإن رسول اللَّه عَّه سماهما الأطيبين، قال المجد: تمجع أكل التمر اليابس باللبن معًا، أو
أكل التمر، وشرب عليه اللبن، وعن عائشة كان عَّةٍ يسمي التمر واللبن الأطيبين.
رواه الحاكم، وصححه ورده الذهبي، بأن طلحة بن زيد راويه عن هشام عن عروة عنها
ضعيف، (وكان يأكل الخبز مأدومًا ما وجد له أداما،) وهو ما يؤتدم به مائعًا كان، أو جامدًا؛ وما
مصدرية ظرفية، أي: مدة وجود أدام، ومفهومه إن لم يجده أكل الخبز مجردًا، (فتارة يأدمه،)
بكسر الدال، من باب صرب، فيكتب بالألف، وفي لغة (٢) بضمها، من باب أكرم، فيرسم بالواو،
قال المصباح: أدمت الخبز من باب صرب، وآدمته بالمد إذا أصلحت إساغته بالأدام، (باللحم،
ويقول) ما معناه: (هو سيد الطعام لأهل الدنيا والآخرة، وتارة بالبطيخ).
رواه) كذا بيض له، وقد قال الحافظ العراقي: أكله الخبز بالبطيخ، لا أصل له، كما مر
قريبًا، (وتارة بالتمر، فإنه وضع ثمرة على كسرة،) هي قطعة من شيء مكسورة، (من خبز الشعير،
وقال: هذه) التمرة (أدام هذه) الكسرة، لأن التمر كان طعامًا مستقلاً غير متعارف للائتدام، فأخبر
أنه يصلح له.
(رواه أبو داود والترمذي،) في جامعه وشمائله، (بسند حسن من حديث يوسف بن
عبد الله بن سلام)، بن الحرث الإِسرائيلي أبي يعقوب المدني؛ رأى النبي عَّة، وهو صغير،
وأجلسه في حجره، وحفظ عنه، وعند الترمذي، عنه سماني رسول اللَّه يوسف، وروى أيضًا عن
أبيه وعثمن، وعلى غيرهم؛ وذكر ابن أبي حاتم؛ أنه قال لأبيه: ذكر البخاري أن ليوسف صحبة،
فقال: أبي له رؤية، قال في الإِصابة، وكلام البخاري أصح، وقد قال البغوي: روى عن النبي عَّة
وذكره ابن سعد في الطبقة الخامسة من الصحابة.
وذكره جمع ممن ألف في الصحابة، وتوفي في خلافة عمر بن عبد العزيز، وقال بعضهم:
بقي إلى سنة مائة، (أنه قال: رأيت النبي عَّ أخذ) كسرة من خبز شعير، فوضع عليها تمرة،

١٩٧
النوع الأول في عيشه عٍَّ في المأكل والمشرب
فذ کره.
قال ابن القيم: وهذا من تدبير الغذاء، فإن الشعير بارد يابس، والتمر حار
رطب - على أصح القولين - فأدم خبز الشعير به من أحسن التدبير.
وتارة بالخل، ويقول: نعم الادام الخل رواه مسلم، وتقدم.
قال الخطابي والقاضي عياض: معناه مدح الاقتصاد في المأكل، ومنع النفس
من ملاذ الأطعمة، تقديره: انتدموا بالخل وما في معناه مما تخف مؤنته ولا يعز
وجوده، ولا تنافسوا في الشهوات فإنها مفسدة للدين مسقمة للبدن.
وتعقبه النووي فقال: الذي ينبغي أن يجزم به، أنه مدح للخل نفسه، وأما
الاقتصاد في المطعم فمعلوم من قواعد أخر. انتهى.
وقال (فذكره، قال ابن القيم: وهذا من تدبير الغذاء))) أي: النظر في عاقبته، فيتغدى بما تحمد
عاقبته، وعلله بقوله: (فإن الشعير بارد يابس، والتمر حار رطب، على أصح القولين،) والثاني بارد
يابس، (فأدم،) بفتح الهمزة، وسكون الدال، أي: إصلاح وتعديل (خبز الشعير به من أحسن
التدبير، وتارة بالخل، ويقول نعم الأداء،) وفي رواية الأدم (الخل).
(رواه مسلم وتقدم)، قريبًا، (قال الخطابي والقاضي عياض: معناه)، أي: حديث نعم الادام الخل،
(مدح الاقتصاد) التوسط بين الإِسراف والتقتير، (في المأكل،) مصدر ميمي بمعنى الأكل لكنه
استعمل بمعنى المفعول، أي: المأكول؛ فقوله: (ومنع النفس من ملاذ الأطعمة،) كالتفسير له،
وليس المدح مقصورًا على الخل، بل عام فيه، وفي نظائره، كما أفاده بقوله: (تقديره ائتدموا
بالخل، وما في معناه مما تخف مؤنته،) ولا ضرر فيه على البدن، (ولا يعز،) يقل (وجوده،
ولا تنافسوا في الشهوات،) أي: لا تتغالبوا في الرغبات، فيما تشتهون، فتتغالوا في تحصيلها،
(فإنها،) أي: التنافس، بمعنى المغالبة (مفسدة للدين،) إذ قد تحمله على تحصيلها من حرام
(مسقمة،) بفتح الميم، وضمها، وكسرها، أي: آلة سقم (للبدن))) لأن من تبع هواه في شهوة
نفسه، أكل ما يضره لرغبة نفسه فيه، (وتعقبه النووي، فقال: الذي ينبغي أن يجزم به أنه مدح
للخل نفسه،) إذ هو الظاهر المتبادر من نعم، (وأما الاقتصاد في المطعم،) بالفتح، يطلق ويراد
به ما يتناول استطعامًا، كما في المصباح، (فمعلوم من قواعد أخر،) فلا حاجة إلى أخذه من ذا
الحديث، لما فيه من صرفه عن ظاهره، (انتهى).
ووقع للمكي في شرح الشمائل أنه قال: أفاد مدحه أنه أدم فاضل جيد، والاقتصار عليه

١٩٨
النوع الأول في عيشه عَّ في المأكل والمشرب
وقال ابن القيم: هذا ثناء عليه بحسب مقتضى الحال الحاضر، لا تفضيل له
على غيره كما ظنه بعضهم، قال: وسبب الحديث أنه دخل على أهله يومًا فقدموا
له خبزًا فقال: ما من أدم؟ فقالوا: ما عندنا إلا خل، فقال: نعم الأدم الخل. كما
تقدم، والمقصود أن أكل الخبز مع الأدم من أسباب حفظ الصحة بخلاف
الاقتصار على أحدهما، وسمي الأدم أدمًا لإصلاحه الخبز وجعله ملائمًا لحفظ
الصحة، وليس في هذا تفضيل له على اللحم واللبن والعسل والمرق، ولو حضر
لحم أو لبن لكان أولى بالمدح منه، فقال هذا جبرًا وتطييبًا لقلب من قدمه له، لا
تفضيلاً له على سائر أنواع الأدام.
وكان عليه الصلاة والسلام يأكل من فاكهة بلده
في الأدم مدح الاقتصاد، واستفادة هذين من الحديث أولى من اقتصار القاضي، كالخطابي على
الثاني؛ ومن اعتراض النووي عليهما، بأن الحديث إنما يفيد الأول والثاني، معلوم من قواعد أخر،
قال شيخنا في حواشيه: وهو ظاهر من حيث أنه يمكن حمل اللفظ عليه، والنووي إنما أراد ما يدل
عليه المقام؛ إذ لم يكن، ثم أنواع متعددة اختار منها الخل، مقدمًا له على باقيها (وقال ابن القيم
هذا ثناءً عليه، بحسب) بموحدة، وهي ظاهرة وفي نسخة بالنون، أي: بحسن (مقتضى الحال
الحاضر) لتيسره دون غيره، يعني أن المتيسر حقيقي؛ بأن يوصف بالحسن ذلك الوقت، لا لأنه
نفيس في ذاته، (لا تفضيل له على غيره، كما ظنه بعضهم،) إذ المدح إنما يقتضي تفضيله في
نفسه لا على غيره، ألا ترى حديث ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها؟، مع أن الوتر أفضل
منهما، (قال وسبب الحديث) يدل على ذلك، وهو (أنه دخل على أهله يومًا، فقدموا له خبزًا،
فقال: (ما) عندكم شيء (من أدم))؟، فقالوا: ما عندنا إلاَّ خل، نعم الأدم الخل، كما تقدم) من
رواية مسلم.
(والمقصود إن أكل الخبز مع الأدم من أسباب حفظ الصحة، بخلاف الاقتصار على
أحدهما، فقد يتولد منه أمراض وسمي الأدم،) أي: ما صدق عليه من تمر وغيره، (أدمًا لإِصلاحه
الخبز، وجعله ملائمًا لحفظ الصحة، وليس في هذا تفضيل له) للخل (على اللحم، واللبن
والعسل والمرق، ولو حضر لحم، أو لبن، لكان أولى بالمدح منه، فقال هذا جبرًا وتطييبًا لقلب
من قدمه له،) سواء التي سألها، فقالت: إلاَّ خل، أو غيرها، (لا تفضيلاً له على سائر) أي: باقي
(أنواع الأدام،) فلا ينافي أحاديث مدح اللحم والثريد وغيرهما، (وكان عليه الصلاة والسلام
يأكل من فاكهة بلده،) أي ما يتحدد منها كخوخ ورمان في أوانهما، لا بمعناها اللغوي، وهو ما

١٩٩
النوع الأول في عيشه ◌َّ في المأكل والمشرب
عند مجيئها، ولا يحتمي عنها. وهذا من أكبر أسباب الصحة، فإن الله سبحانه
بحكمته جعل في كل بلد من الفاكهة ما ينتفع به أهلها في وقته، فيكون تناوله
من أسباب صحتهم وعافيتهم، ويغني عن كثير من الأدوية، وقل من احتمى عن
فاكهة بلده خشية السقم إلا وهو من أسقم الناس جسمًا وأبعدهم من الصحة
والقوة، فمن أكل منها ما ينبغي في الوقت الذي ينبغي، على الوجه الذي ينبغي
کان له دواء نافعًا.
وقد روى ابن عباس قال: رأيت رسول الله عَّ يأكل العنب خرطًا. رويناه
في الغيلانيات. لكن قال أبو جعفر العقيلي - كما حكاه في الهدي -: لا أصل لهذا
الحدیث.
يتنعم بأكله رطبًا كان، أو يابسًا كلوز، وبندق يابسين بدليل قوله: (عند مجيئها،) أي: وجودها
وظهورها، (ولا يحتمي) يمتنع (عنها، وهذا من أكبر أسباب الصحة، فإن اللَّه سبحانه بحكمته جعل
في كل بلد من الفاكهة ما ينتفع به أهلها في وقت؛ فيكون تناوله من أسباب صحتهم
وعافيتهم، ويغني عن كثير من الأدوية، وقل) بمعنى النفي الصرف، أي: انتفت الصحة عن (من
احتمى عن فاكهة بلده خشية السقم،) فلا يوجد أحد منهم (إلاّ، وهو من أسقم الناس جسمًا،
وأبعدهم من الصحة والقوة،) وليس المراد أن المحتمين المصابين بالسقم قليل (فمن أكل منها
ما ينبغي في الوقت الذي ينبغي، على الوجه الذي ينبغي، كان له دواءً نافعًا) يؤخذ منه، إن ما
يجلب من الفاكهة كتفاح من الشام إلى مصر؛ لا ينبغي تناوله إلاّ بعد معرفة إنه مما ينبغي تناوله
ذلك الوقت، إذ ليس من فاكهة بلده، وحاز أن فيه خواص تليق بأكله في محله دون ما جلب
له.
(وقد روى ابن عباس، قال: رأيت رسول اللَّه عَّ يأكل العنب خرطًا،) بفتح، فسكون
(رويناه في الغيلانيات) لأبي بكر، والشافعي، ورواه الطبراني في الكبير، وكذا العقيلي في
الضعفاء، كلهم من حديث داود بن عبد الجبار؛ عن أبي الجارود، عن حبيب بن يسار، عن
ابن عباس، (لكن، قال أبو جعفر العقيلي:) بعد ما رواه في كتاب الضعفاء والمتروكين، (كما
حكاه) ابن القيم (في الهدى) عنه، (لا أصل لهذا الحديث) وداود ليس بثقة، ولا يتابع عليه.
وقال البخاري: داود منكر الحديث، والنسائي متروك، وأخرجه البيهقي في الشعب من
طريقين، ثم قال: ليس فيه إسناد قوي، ورواه ابن عدي من طريق آخر، عن ابن عباس.
وقال العراقي: في تخريج أحاديث الأحياء طرقه كلها ضعيفة، وأورده ابن الجوزي في

٢٠٠
النوع الأول في عيشه عَّ في المأكل والمشرب
قال ابن الأثير: يقال خرط العنقود واخترطه إذا وضعه في فمه ثم يأخذ حبه
ويخرج عرجونه عاريًا منه. قال: وجاء في بعض الروايات خرصًا يعني بالصاد بدل
الطاء.
وأما البصل فروى أبو داود في سننه عن عائشة أنها سئلت عن البصل
فقالت: إن آخر طعام أكله رسول الله عَّه فيه بصل.
وثبت عنه أنه منع آكله من دخول المسجد.
وكان عليه الصلاة والسلام يترك الثوم دائمًا لأنه يتوقع مجيء الملائكة
والوحي كل ساعة.
الموضوع، ونوزع بأنه ضعيف حدًا لا موضوع.
(قال ابن الأثير) في النهاية: (يقال خرط العنقود واخترطه، إذا وضعه في فمه، ثم يأخذ
حبه، ويخرج عرجونه عاربًا منه، قال: وجاء في بعض الروايات خرصًا، يعني بالصاد) المهملة،
(بدل الطاء) أي: ومعناه مسالمًا، قبله، واقتصر المصنف هنا على أكله من الفاكهة العنب، وقدم
أكله الكباث والرطب، والتمر، والقثاء والجمار، والبطيخ.
روى ابن السني، وأبو نعيم عن أبي ذر، أهدى له عَّم طبق من تين، فقال: ((كلوا))، فلو
قلت: إن فاكهة نزلت من الجنة، بلا عجم، لقلت هي التين، وأنه يذهب بالبواسير، وينفع من
النقرس، ولأحمد أنه عَّه دخل بيت سعد بن عبادة، فقرب إليه زبيبًا، فأكل، وللطبراني أتى
النبي عَّةٍ بسفرجلة من الطائف، فقال: كلوه فإنه يذهب بطخاوة القلب، ويجلو الفؤاد، ويذهب
طخاء الصدر، ولابن حبان أتي رسول اللَّه عَّله برمان يوم عرفة، فأكل، وللخطيب عن البراء رأيت
رسول اللَّه عَِّ يأكل توتًّا في قصعة.
(وأما البصل فروى أبو داود في سننه) والنسائي والترمذي في الشمائل، وأحمد والبيهقي
(عن عائشة، إنها سئلت عن البصل، فقالت: إن آخر طعام أكله رسول اللَّه عٍَّ فيه بصل)
مطبوخ.
قال البيهقي: كان مشويًا في قدر، أي: مطبوخًا، (وثبت عنه) عَّ في الصحيحين (أنه
منع آكله،) بالمد، أي: الشخص الذي أكله نيًا (من دخول المسجد،) لأنه يؤذي بريحه، فرويا
عن جابر: نهى عَِّ عن أكل الثوم، والبصل، والكراث، فغلبتنا الحاجة، فأكلنا منها، فقال: من
أكل ثومًا أو بصلاً فليعتزلنا، أو ليعتزل مسجدنا، وليقعد في بيته.
(وكان عليه الصلاة والسلام يترك الثوم دائمًا، لأنه يتوقع مجيء الملائكة والوحي كل ساعة،