Indexed OCR Text

Pages 141-160

١٤١
النوع الأول في عيشه عَّ في المأكل والمشرب
من طعام ثلاثة أيام تباعًا حتى قبض. رواه الشيخان.
وعن ابن عباس قال: كان رسول الله عَّ يبيت الليالي المتتابعة وأهله طاويًا
لا يجدون عشاء، وإنما كان عشاؤهم خبز الشعير. رواه الترمذي وصححه.
وفي حديث مسعر عند مسلم: ما شبع آل محمد يومين من خبز البر، إلا
وأحدهما تمر.
وأخرج ابن سعد من طريق عمران بن زيد المدني: قال حدثني والدي قال:
دخلنا على عائشة فقالت: خرج - تعني النبي عَّهِ - من الدنيا ولا امتلأ بطنه في
يوم من طعامين، كان إذا شبع من التمر لم يشبع من الشعير،
ما شبع محمد وأهله (من طعام ثلاثة أيام،) ولمسلم ثلاث ليال، فالمراد هنا الأيام بلياليها، كما
أن المراد الليالي بأيامها، كما في الفتح (تباعًا،) بكسر الفوقية، وخفة الموحدة، أي: متتابعة
متوالية، (حتى قبض، رواه الشيخان) في الأطعمة وغيرها.
(وعن ابن عباس، قال: كان رسول اللَّه عَِّ يبيت الليالي المتتابعة؛) المتوالية المتصلة،
(وأهله) مفعول معه، أي: مع أهله، فأفرد (طاويًا،) أي: خالي البطن، نظرًا لمطابقة الفاعل، وجمع
(لا يجدون،) نظرًا لمشاركتهم له في عدم وجدانهم، (عشاء،) بالفتح، ما يؤكل عند العشاء،
بالكسر، بمعنى آخر النهار، والذي في رواية الترمذي جامعًا، وشمائل لفظه: كان يبيت الليالي
المتتابعة، طاويًا هو وأهله، لا يجدون عشاء، بلفظ هو تأكيد لفاعل، طاويًا لتصحيح عطفه عليه؛
(وإنما كان عشاؤهم خبز الشعير،) بفتح الشين، وكسرها لغة.
(رواه الترمذي وصححه،) وكذا رواه أحمد، وابن سعد، (وفي حديث مسعر،) بكسر
الميم، وسكون السين، وفتح العين المهملتين، وبالراء ابن كدام بكسر الكاف، وخفة المهملة،
الهلالي، الكوفي، ثقة، ثبت، فاضل، روى له الستة، مات سنة ثلاث، أو خمس وخمسين ومائة،
أي: عن هلال بن حميد، عن عروة، عن عائشة، كما هو (عند مسلم، ما شبع آل محمد يومين
من خبز البر) القمح، (إلاَّ وأحدهما،) أي: اليومين، (تمر) لقلة خبز البر.
وأخرجه البخاري من هذا الطريق، عنها، بلفظ: ما أكل آل محمد أكلتين في يوم، إلاّ
وإحداهما تمر، ولأبي ذر تمرًا، بالنصب، أما على تقدير إلاَّ كانت إحداهما تمرًا، وأما جعل
إحداهما تمرّا؛ (وأخرج ابن سعد) محمد في الطبقات، (من طريق عمران بن زيد المدني، قال:
جدثني والدي، قال: دخلنا على عائشة، فقالت: خرج تعني:) تريد (النبي عَّله، من الدنيا،)
أي: مات، (ولا امتلأ بطنه في يوم من طعامين، كان إذا شبع من التمر، لم يشبع من الشعير،

١٤٢
النوع الأول في عيشه عَّ في المأكل والمشرب
وإذا شبع من الشعير لم يشبع من التمر.
وليس في هذا ما يدل على ترك الجمع بين لونين، فقد جمع القثاء بالرطب
كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
وعن الحسن قال: خطب رسول الله عَّه فقال والله ما أمسى في آل محمد
صاع من طعام، وإنها لتسعة أبيات، والله ما قالها استقلالاً لرزق الله ولكن أراد أن
تتأسى به أمته. رواه الدمياطي في السيرة له.
وعن عائشة قالت: كان يعجب نبي الله عَِّ من الدنيا ثلاثة أشياء: الطيب
والنساء والطعام، فأصاب اثنتين ولم يصب واحدة، أصاب النساء والطيب، ولم
يصب الطعام. ذكره الدمياطي أيضًا.
وإذا شبع من الشعير، لم يشبع من التمر، وليس في هذا ما يدل على ترك الجمع بين لونين،)
نوعين من الطعام، إذ صريحه عدم امتلائه منهما، أما الجمع فقدر آخر.
(فقد جمع عَّ القثاء بالرطب، كما سيأتي إن شاء اللَّه تعالى) قريبًا، (وعن الحسن)
البصري، لأنه المراد عند الإطلاق مرسلاً، (قال: خطب رسول اللَّه عَ لَّه، فقال: ((واللَّه ما أمسى
في آل محمد صاع من طعام وإنها)))، أي: آل محمد، (التسعة))،) أي: أهل تسعة، ((أبيات)،)
هي أبيات زوجاته، ((والله ما قالها))،) هذه الكلمة ((استقلالاً لرزق اللَّه)،) إذ لا يتأتى ذلك منه
((ولكن أراد أن تتأسى)،) تقتدي (به أمته) في القناعة والرضا بالمقسوم، (رواه الدمياط في
السيرة له،) وجزم شيخنا، بأن القسم من الحسن راوي الحديث، والأصل أنه من المرفوع، لأن
الإِدراج إنما يكون بورود رواية تبين القدر المدرج، أو استحالة أن المصطفى بقوله، ولا استحالة
هنا، فقد يكون، قال ذلك خوفًا على بعض أمته، اعتقاد أنه قاله، استقلالاً فيهلك بذلك، كما قال
الرجل مر عليه، ومعه زوجه صفية، إنها صفية، فقال الرجل: أفيك يا رسول اللَّه؟، فقال: ((خشيت
عليك الشيطان)).
(وعن عائشة قالت: كان يعجب نبي اللَّه عَِّ من الدنيا ثلاثة أشياء: الطيب، والنساء،)
لأنهما حببا إليه، (والطعام،) لأن به قوام البدن، والقوة على الطاعات، (فأصاب اثنتين، ولم
يصب واحدة، أصاب النساء والطيب، ولم يصب الطعام،) ومع ذلك كان على غاية من القوة
والنشاط في العبادة والجماع، خرق عادة له، (ذكره الدمياطي أيضًا) في السيرة، وأبعد المصنف
النجعة، وتنزل في العز، وفقد رواه الإمام أحمد في المسند، عن عائشة، بلفظه وإسناده صحيح،

١٤٣٠
النوع الأول في عيشه عَّة في المأكل والمشرب
وفي الشمائل للترمذي عن النعمان بن بشير: لقد رأيت نبيكم وما يجد من
الدَقَل ما يملأ بطنه.
وفي رواية مسلم: يظل اليوم يلتوي ما يجد من الدَقَّل ما يملأ بطنه.
وقالت عائشة: إن كنا آل محمد نمكث شهرًا ما نستوقد بنار، إن هو إلا
الماء والتمر.
إلاّ أن فيه رجلاً لم يسم، (وفي الشمائل للترمذي) حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا أبو الأحوص،
عن سماك بن حرب، (عن النعمان بن بشير،) قال: ألستم في طعام وشراب ما شئتم؟، (لقد رأيت
نبيكم) إضافة إليهم للتشريف، ولإلزام المشي على طريقته، وللتسلية عن التطلع إلى نعيم الدنيا،
والترغيب في القناعة، وأما قتل خالد بن الوليد لملك بن نويرة، فلما قال له: كان صاحبكم يقول
كذا، فقال: صاحبنا وليس بصاحبك، ثم قتله، فليس لمجرد هذه اللفظة، بل لسماعه عنه أنه
ارتد، وتأكد ذلك عنده بما أباح له الإقدام على قتله، قال بعض: والظاهر أنه قال صاحبكم دوني،
أو ما يوجب الكفر الصريح، (وما يجد) لإِعراضه عن الدنيا وما فيها من الدقل،) بفتحتین، رديء
التمر ويابسه، وما ليس له اسم خاص، فضلاً عن أفضل منه (ما يملأ بطنه،) فقد من اللَّه عليكم،
فكيف ساغ لكم الغفلة عن الشكر؟، قال المصنف: رأيت إن كانت بصرية، فقوله وما يجد جملة
حالية، وإن كانت علمية، فهو مفعول ثانٍ.
(وفي رواية مسلم،) عن النعمان (يظل اليوم،) أي: يستمر جميع نهاره، (يلتوي) من
الجوع، ويظهر عليه أثر الشدة، (ما يجد من الدقل ما يملأ بطنه،) تضعيفًا لأجره، وهو مع ذلك
نضير الجسم، محفوظ القوة، حتى إن رأيته لا تقول به جوع، كما يأتي، وفي مسند الحرث بن
أبي أسامة، عن أنس: جاءت فاطمة، بكسرة خبز إلى النبي عَّه، فقال: ((ما هذه))؟، قالت: قرص
خبزته، فلم تطب نفسي حتى أتيتك بهذه، فقال: ((أما أنه أول طعام دخل فم أبيك منذ ثلاثة
أيام)»؟، (وقالت عائشة) فيما رواه الترمذي وغيره: (إن) محفة من الثقيلة، أي: أنا (كنا،) أعني، أو
أخص (آل محمد،) فهو منصوب، وبالرفع بدل من ضمير الفاعل، وجعله خبر، كنا بعيد، لأن
القصد ليس كونهم آله، بل قوله: (نمكث شهرًا،) لا يشكل عليه رواية الصحيحين الآتية عنها
شهرين، لأن الأكثر لا ينفي الأقل، ولا اتفاق النحاة على لزوم اللام في الفعل الواقع في خبر أن
المخففة، لأنه محمول على الغالب؛ فعائشة من فصحاء العرب، وقد نطقت به بلا لام (ما
نستوقد،) حال، وجعله خبرًا بعد خبر بعيد (بنار،) أي: لا نهبىء شيئًا نطبخه بها لقولها: (إن هو،)
أي: الذي نتناوله، (إلاَّ الماء والتمر،) والجملة مستأنفة جوابًا، لنحو ما كنتم تثقوتون، ويحتمل

١٤٤
النوع الأول في عيشه عَّ في المأكل والمشرب
وقال عتبة بن غزوان: لقد رأيتني - وإني لسابع سبعة - مع رسول الله عَ ليه ما
لنا طعام إلا ورق السمر، حتى تقرحت أشداقنا.
وفي رواية البخاري ومسلم: كانت عائشة تقول لعروة: والله يا ابن أختي،
عدم الاستبعاد مطلقًا لرواية غيرها: يمر به الشهر ونصف الشهر، ما يوقد في بيته نار لمصباح،
ولا لغيره، والأول أنسب هنا.
(وقال عتبة،) بضم العين، وإسكان الفوقية، وموحدة، (ابن غزوان،) بفتح المعجمة،
وسكون الزاي، ابن جابر، بن وهب، المازني، حليف بني عبد شمس، أو بني نوفل، من السابقين
الأولين، وهاجر إلى الحبشة، ثم رجع مهاجرًا إلى المدينة، وشهد بدرًا، وما بعدها، وروى له
مسلم، وأصحاب السنن وولاه عمر في الفتوح، فاختط البصرة، وفتح فتوحًا، وكان طوالاً جميلاً،
قال ابن سعد وغيره: قدم على عمر يستعفيه من الإمارة، فأبى، فرجع في الطريق بمعدن بني
سليم، فدعا اللَّه، فمات سنة سبع عشرة، وقيل سنة عشرين، وقيل قبل ذلك، وعاش سبعًا
وخمسين سنة، وفي مسلم والترمذي من حديثه: (لقد رأيتني) رؤية بصرية، (وإني لسابع سبعة)
قال الزمخشري: السابع يكون اسمًا لواحد من سبعة، واسم فاعل من سبعت القوم إذا كانوا ستة،
فأتممتهم بك سبعة، فالأول يضاف إلى العدد الذي منه اسمه، فيقال: سابع سبعة إضافة محضة،
بمعنى أحد سبعة، ومثله في التنزيل ثاني اثنين، وثالث ثلاثة، والثاني يضاف إلى العدد الذي دونه،
فيقال: سابع ستة، إضافة غيره من أسماء الفاعلين، كضارب زيد، والمعنى سابع ستة اهـ.
وقضية قوله الآتي بيني وبين سبعة، أنه هنا ثامن، وقوله بعده أولئك السبعة، أنه سابع (مع
رسول اللّه عَدٍ، ما لنا طعام إلا ورق السمر،) لفتح السين، وضم الميم: شجر الطلح، وهو نوع
من العضاء، وهي شجر أم غيلان، أو كل شجر عظيم له شوك، (حتى تقرحت،) بالقاف مثقلاً:
جرحت (أشداقناء) أي: طلعت في جانب أفواهنا قروح، فصارت كأشداق الإِبل، وبقية هذا
الحديث، فالتقطت بردة، فقسمتها بيني وبين سبعة، فما منا من أولئك السبعة إلاّ، وهو أمير مصر
من الأمصار، وستجربون الأمراء بعدنا (وفي رواية البخاري) في الهبة والرقائق، (ومسلم: كانت
عائشة تقول لعروة) بن الزبير ترغيبًا للمسلمين، وتذكيرًا للنعم الطارئة عليهم بعده ببركته
عليه السلام، وحملاً على التأسي به في التقلل من الدنيا: (واللَّه يا ابن أختي) أسماء، ذات
النطاقين، وهذا لفظ مسلم، ولفظ البخاري؛ إنها قالت لعروة ابن أختي، قال المصنف: بوصل
الهمزة، تكسر في الابتداء وفتح النون على النداء، وأداته محذوفة، كذا في روايتنا، بوصل
الهمزة، وهو الذي في الفرع.
وقال الزركشي: بفتح الهمزة، قال الدماميني: فالهمزة نفسها حرف نداء، ولا كلام في

١٤٥
النوع الأول في عيشه عَّة في المأكل والمشرب
إن كنا لننظر إلى الهلال ثم الهلال ثم الهلال، ثلاثة أهلة في شهرين وما أوقد في
أبيات رسول الله عَّةٍ نار، قال: قلت يا خالة فما كان يعيشكم؟ قالت: الأسودان،
التمر والماء، إلا أنه كان لرسول الله عَ لَّه جيران من الأنصار، وكانت لهم منائح
فکانوا یرسلون إلى رسول الله ع آه من ألبانها فيسقیناه.
ذلك، مع ثبوت الرواية، (إن كنا) أن مخففة من الثقيلة، دخلت على الفعل الماضي الناسخ،
واللام في (لننظر)، فارقة بينها وبين النافية عند البصريين، قاله المصنف (إلى الهلال، ثم الهلال،
ثم الهلال، ثلاثة أهلة) بجر ثلاثة، ونصبه بتقدير لننظر (في شهرين،) باعتبار رؤية الهلال أول
الشهر الأول، والثاني، وآخره ليلة الثالث، فالمدة ستون يومًا، والمرئي ثلاث أهلة، (وما أُوقد،)
بضم الهمزة، وكسر القاف، (في أبيات رسول اللَّه عَّةِ نار،) بالرفع نائب عن الفاعل، لا لطبخ،
ولا لغيره، فعند ابن جرير، عنها: أهدى لنا أبو بكر رجل شاة، فإني لا أقطعها في ظلمة البيت،
فقيل لها: أما كان لكم سراج؟، فقالت: لو كان لنا ما نسرح به أكلناه.
(قال) عروة: (قلت يا خالة،) بضم التاء، منادى مفرد، وفي رواية خالتي، (فما كان
يعيشكم،) بضم أوله، من أعاشه الله يعيشه، وضبطه النووي بتشديد الياء الثانية، أي: مع فتح
العين، قاله الحافظ وغيره: أي يدفع عنكم ألم الجوع، ويكون سببًا في الحياة.
قال الحافظ: وفي بعض النسخ ما كان يغنيكم، بسكون الغين المعجمة، بعدها نون
مكسورة، فتحتية، وزعم العيني أنه تصحف عليه، فجعله من الأغناء، وإنما هو من المعونة، وتبرأ
منه المصنف بقوله كذا، قال: لأن نسبة التصحيف إلى مثل الحافظ، لا تنبغي بدون ثبت،
فالرواية في الصحيحين، بياء أوله قطعًا وتصحفت بإسقاطها في الشامية، في سياق الحديث من
النساخ بدليل أنه في الغريب أتى بلفظ الحافظ، فلا يقال الذي في الشامي عیشکم، فإنه عجب،
(قالت: الأسودان التمر والماء،) هو على التغليب، فالماء لا لون له، وكذا قالوا: الأبيضان اللبن
والماء، وإنما أطلق على التمر أسود، لأن غالب تمر المدينة أسود، (إلاّ أنه كان لرسول اللَّه عَّه.
جيران،) بكسر الجيم جمع جار، وهو المجاور في السكن (من الأنصار) سعد بن عبادة،
عبد الله بن عمرو، بن حرام، وأبو أيوب خالد بن زيد، وسعد بن زرارة وغيرهم، قاله الحافظ، وتبعه
المصنف في الهبة، فعجب قوله في الرقاق: لم أعرف أسماءهم (وكانت لهم منائح،) بنون
ومهملة جمع منيحة، وهي العطية لفظاً ومعنى، أي: غنم فيها لبن وأصلها عطية الناقة، أو الشاة،
وقبل لا يقال منيحة إلاّ للناقة، وتستعار للشاة، قال الحربي: يقولون منحتك الناقة، وأعريتك
النخلة، وأعمرتك الدار، وأخدمتك العبد، وكل ذلك هبة منافع لا رقبة.
(فكانوا يرسلون إلى رسول اللَّه عٍَّ من ألبانها، فيسقيناه،) أي: منه، لا يخصهم بجميعه،

١٤٦
النوع الأول في عيشه عَّ في المأكل والمشرب
ولمسلم أيضًا: قالت: لقد مات رسول الله عَّه وما شبع من خبز وزيت في
يوم واحد مرتین.
وقال أنس: ما أعلم أن رسول الله عَّهِ رأى رغيفًا مرققًا حتى لحق بالله، ولا
رأى شاة سميطًا بعينه حتى لحق بالله. رواه البخاري.
والمرقق: الملين المحسن كخبز الحوارى وشبهه، والترقيق: التليين، ولم
يكن عندهم مناخل، وقد يكون المرقق: الرقيق الموسع، قاله القاضي عياض. وجزم
به ابن الأثير فقال: وهو السميد وما يصنع من كعك وغيره،
بحيث لا يتناول منه شيئًا، ففي رواية الإِسمعيلي، فيسقينا منه، (ولمسلم أيضًا، قالت) عائشة:
(لقد مات رسول اللَّه عَّه، وما شبع من خبز وزيت في يوم واحد مرتين،) خصت الزيت، لأنهم
كانوا يأتدمونه كثيرًا، ومع ذلك لم يأكله في اليوم إلاّ مرة زهدًا في الدنيا.
(وقال أنس: ما أعلم أن رسول اللَّه عَّه رأى رغيفًا مرققًا،) وفي رواية في الأطعمة، عن
أنس: ما أكل خبزًا مرققًا، براء فقافين، (حتى لحق باللّه) عزّ وجلّ، (ولا رأى شاة سميطًا،)
بمهملتين، من سمط الشاة، إذا نتف صوفه بعد إدخاله في الماء الحار، فإن قلت القياس سميطة
قلت: لا إذ الفرق في الشاة ونحوها بين المذكر والمؤنث، بالصفة نحو شاة وحشي وحشية، أو
أن الفعيل، بمعنى المفعول، يستوي فيه التذكير والتأنيث، وغرضه أنه عَّ ما كان متنعمًا في
المأكولات، قاله الكرماني بعينه بالأفراد، قاله المصنف حتى لحق باللّه، وفي رواية حتى لقي
اللَّه، قال المصنف: وهذا يعارضه ما ثبت أنه عَّ أكل الكراع، وهو لا يؤكل إلاّ مسموطًا اهـ.
ولا معارضة إذ نفي رؤية الشاة بتمامها سميطًا، لا ينفي رؤية إلاَّ كارع، كما هو بين،
(رواه البخاري) في الرقائق بلفظه، والأطعمة بنحوه، عن قتادة، قال: كنا عند أنس وعنده خيار
له، فقال: كلوا، ما أعلم الحديث، ولم يعرف الحافظ اسم الخباز، وفي الطبراني كان لأنس
غلام يخبز له الحواري، ويعجنه بالسمن، فقال: كلوا الحديث (والمرفق الملين المحسن،
كخبز الحواري، وشبهه، والترقيق: التليين،) فالمعنى لم يأكل خبز مليئًا، أي: متخذًا من دقيق
ناعم، بحيث إذا عجن يلين عجينه، بل كان أكله من نحو الشعير الذي يغلب على عجينه اليبس،
(ولم يكن عندهم مناخل،) وذلك سبب لعدم لين خبزهم، (وقد يكون الموفق الرقيق
الموسع)، أي: يطلق عليه، (قاله القاضي عياض، وجزم به ابن الأثير، فقال: وهو السميد)، بالياء،
وبالدال المهملة، وبمعجمة أفصح الحواري، كما في القاموس، وفي اللب السمد، بكسرتين وشد
الميم، الخبز الأبيض يعمل للخواص، (وما يصنع من كعك وغيره).

١٤٧
النوع الأول في عيشه عٍَّ في المأكل والمشرب
وقال ابن الجوزي: هو الخفيف. كأنه أخذه من الرقاق وهي الخشبة التي يرقق
بها.
الحوراى : - بضم المهملة وتشديد الواو وفتح الراء - الخالص الذي ينخل
مرة بعد أخرى.
وقوله: ولا شاة سميطًا: وهو الذي أزيل شعره بالماء المسخن وشوي
بجلده، وإنما يصنع ذلك في الصغير السن، وهو من فعل المترفهين من وجهين:
أحدهما المبادرة إلى ذبح ما لو بقي لازداد ثمنه، وثانيهما: أن المسلوخ ينتفع
بجلده في اللبس وغيره. والسمط يفسده، وقد جرى ابن بطال وابن الأثير على أن
المسموط و المشوي، لكن الثاني ذكر أن أصله نزع صوفه بالماء الحار كما
تقدم، قال: وإنما يفعل ذلك في الغالب ليشوى.
ولعله يعني: أنه لم ير السميط في مأكوله،
(وقال ابن الجوزي: هو الخفيف كأنه أخذه من الرقاق)، بالضم، أي: الرقيق الواحدة
رقاقة، (وهي) في الأصل (الخشبة التي يرقق بها،) فيسمى الخبز باسمها، (الحواري، بضم)
الحاء (المهملة، وتشديد الواو، وفتح الراء) فزعم تشديد الياء لا يصح، (الخالص الذي ينخل
مرة بعد أخرى،) حتى ينعم، ويطلق أيضًا على كل ما بيض من الطعام، وقصر المقتصر على
الأول، (وقوله: ولا) رأى (شاة سميطًا، وهو،) أي: الشاة، وذكره بناءً على أن التاء في الشاة
للوحدة، لا التأنيث، أو رعاية لخبره، وهو (الذي أزيل شعره بالماء المسخن، وشوي بجلده،
وإنما يصنع ذلك في الصغير السن، وهو من فعل المترفهين،) أي: الأغنياء المتسعين، وفي نسخ
المسرفين، وهي أنسب بقوله (من وجهين: أحدهما المبادرة إلى ذبح ما لو بقي لازداد ثمنه»)
وعلى نسخة المترفهين إنما كان هذا من فعلهم، لأنهم لا يفوت غرضهم لزيادة ثمن مثل هذا،
(وثانيهما أن المسلوخ ينتفع بجلده في اللبس وغيره؛ والسمط يفسده) والمترفه لا يبالي بفوات
ذلك.
(وقد جرى ابن بطال، وابن الأثير على أن المسموط والمشوي، ولكن الثاني)
ابن الأثير، (ذكر أن أصله نزع صوفه بالماء الحار، كما تقدم،) وهذا مع السابق يفيد إطلاق
السميط على أولاد الضأن والمعز، وقول المصباح: سمط الجدي مثال، (وقال: وإنما يفعل ذلك
في الغالب ليشوى،) فأفاد أن الغالب في السميط نزع صوفه، ثم شيه، وقد يشوى بلا نزع
صوف، وابن بطال، وإن صدقت عبارته بذلك، لكن لم يصرح به، (ولعله،) أي: أنسا (يعني: أنه
لم يرَ السميط في مأكوله،) لأنه لم يتفق أنه هيىء له في بيته، ولا عند أحد من صحبة،

١٤٨
النوع الأول في عيشه عيد
في المأكل والمشرب
وإلا فإن لم يكن معهودًا فلا تمدح.
وعن أبي حازم أنه سأل سهلاً: هل رأيتم في زمان النبي عَِّ النقى؟ قال:
لا، فقلت: كنتم تنخلون الشعير؟ قال: لا، ولكنا كنا ننفخه. رواه البخاري.
وفي رواية: هل كانت لكم في عهد رسول الله عٍَّ مناخل؟ فقال: ما رأى
النبي عٍَّ منخلاً من حين ابتعثه الله تعالى حتى قبضه الله تعالى.
قال شيخ الإسلام ابن حجر: أظنه احترز عما
لتقللهم، وتركهم التنعم مع كونه معهودًا عندهم، (وإلاّ) أي: وإن لم يكن رآه، بمعنى علمه، لا في
مأكوله، ولا في غيره، (فإن لم يكن معهودًا) عندهم، (فلا تمدح) بعدم رؤيته وصفه بضيق العيش،
لم يكن لعجز عن السعة، بل باختياره لعظم ثوابه، (وعن أبي حازم،) بمهملة وزاي، سلمة بن
دينار التمار، المدني، ثقة، عابد، من رجال السنة، مات في خلافة المنصور، (أنه سأل سهلاً،)
بفتح السين المهملة، وسكون الهاء، أي: ابن سعد بن ملك بن خالد الأنصاري، الخزرجي،
الساعدي، أبا العباس، له ولأبيه صحبة، مشهور، مات سنة ثمان وثمانين، وقيل بعدها، وقد جاوز
المائة؛ وفي رواية للبخاري أيضًا عن أبي حازم، قال: سألت سهل بن سعد، فقلت: (هل رأيتم
في زمان النبي عَِّ النقي؟،) بفتح النون، وكسر القاف، وشد التحتية، الخبز الحواري، وهو ما
نقي دقيقه من الشعير وغيره، فصار أبيض، (قال: لا) ما رأيناه في زمانه، (فقلت له: كنتم
تدخلون الشعير) بعد طحنه؟، استفهام حذفت أداته، (قال) سهل: (لا ولكنا كنا ننفخه) بعد
طحنه، ليطير منه قشوره.
(رواه البخاري) في الأطعمة، في باب النفخ في الشعير، وهو من أفراده، (وفي رواية)
للبخاري أيضًا في باب يليه، وهو باب ما كان النبي عَّهِ وأصحابه يأكلون بأتم منه، ولفظه عن
أبي حازم، قال: سألت سهل بن سعد. فقلت: هل أكل رسول اللَّه عَِّ النقي؟، قال: ما رأى
رسول اللَّه عَّ النقي، من حين ابتعثه اللَّه حتى قبضه، فقلت: (هل كانت لكم في عهد
رسول اللَّه عَ لّ مداخل؟)) جمع منخل بضم الميم والخاء، ما ينخل به، وهو النوادر الواردة،
بالضم، والقياس الكسر، مع فتح الخاء، لأنه اسم آلة، (فقال: ما رأى النبيِ عَِّ منخلاً،) أي: ما
استعمله، وليس المرادِ نفي وجوده مطلقًا، ولا عدم علمه به كذا قال شيخنا: (من حين ابتعثه اللَّه
تعالى، حتى قبضه الله تعالى،) ثبت لفظ اللَّه الأخير لأبي ذر وسقط لغيره.
وبقية الحديث، قلت: كيف كنتم تأكلون الشعير غير منخول؟، قال: كنا نطحنه، وننفخه،
فيطير ما طار، وما بقي ثريناه فأكلناه، وهو بمثلثه، وراء ثقيلة مفتوحتين، أي: نديناه وليناه بالماء.
(قال شيخ الإسلام ابن حجر،) الحافظ في الفتح قوله: من حين ابتعثه اللَّه (أظنه احترز عما

١٤٩
النوع الأول في عيشه عَّ في المأكل والمشرب
قبل البعثة، لكونه عَّه كان يسافر في تلك المدة إلى الشام تاجرًا، وكانت الشام
إذ ذاك مع الروم، والخبز النقى عندهم كثير، وكذا المناخل وغيرها من آلات
الترفه، ولا ريب أنه رأى ذلك عندهم، وأما بعد البعثة فلم يكن إلا بمكة والطائف
والمدينة، ووصل إلى تبوك وهي من أطراف الشام لكن لم يفتحها ولا طالت إقامته
بها. انتهى.
وقد تتبعت هل كانت أقراص خبزه عَّ ﴾ صغارًا أو كبارًا؟ فلم أجد في ذلك شيئًا
بعد التفتيش. نعم روي أمره بتصغيرها في حديث عند الديلمي عن عائشة رفعته
بلفظ: صغروا الخبز وأكثروا عدده يبارك لكم فيه، وهو واه، بحيث ذكره ابن
الجوزي في الموضوعات وقال: إن المتهم به جابر بن سليم. وروي عن ابن عمر
مرفوعًا: البركة في صغر القرص، ونقل عن النسائي أنه كذب. لكن روى البزار
بسند ضعيف
قبل البعثة، لكونه تعٍَّ كان يسافر في تلك المدة،) التي هي قبل البعثة (إلى الشام تاجرًا)
لخديجة، (وكانت الشام إذ ذاك مع الروم، والخبز النقي،) الأبيض الخالص (عندهم كثير،
وكذا، المناخل، وغيرها من آلات الترفه، ولا ريب أنه رأى ذلك عندهم، وأما بعد البعثة، فلم
يكن إلاَّ بمكة، والطائف، والمدينة،) وليس بها مناخل، ولا غيرها من آلات الترفه، (ووصل إلى
تبوك، وهي من أطراف الشام، لكن لم يفتحها، ولا طالت إقامته بها،) بل أقام بها بضع عشرة
ليلة، أو عشرين، (انتهى). كلام الحافظ.
(وقد تتبعت هل كانت أقراص خبزه مَّةٍ، صغارًا أم كبارًا؟، فلم أجد في ذلك شيئًا بعد
التفتيش، نعم روى أمره بتصغيرها في حديث عند الديلمي،) من طريق عبد اللَّه بن إبراهيم، حدثنا
جابر بن سليم الأنصاري، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة، (عن عائشة رفعته بلفظ صغروا الخبز،
وأكثروا عدده، يبارك لكم فيه، وهو واهٍ) جدًا؛ (بحيث ذكره ابن الجوزي في الموضوعات،
وقال: إن المتهم به،) أي: بوضعه، (جابر بن سليم) الأنصاري، (وروى عن ابن عمر مرفوعًا
البركة في صغر القرص،) وطول الرشاء، وصغر الجدول، (ونقل) ابن الجوزي (عن النسائي أنه
كذب).
قال السخاوي: وهو باللفظ الثاني عند الديلمي أيضًا بلا سند، عن ابن عباس، وكل ذلك
باطل، (لكن روى البزار،) وكذا الطبراني في الكبير (بسند ضعيف،) كما قال الحافظ، وقال
شيخه الهيثمي، فيه أبو بكر بن أبي مريم، وقد اختلط، وبقية رجاله ثقات.

١٥٠
النوع الأول في عيشه عَّة في المأكل والمشرب
عن أبي الدرداء مرفوعًا. قوتوا طعامكم يبارك لكم فيه. قال في النهاية: وحكي عن
الأوزاعي أنه تصغير الأرغفة، وكذا حكى البزار عن إبراهيم بن عبد الله بن الجنيد
عن بعض أهل العلم: أنه تصغير الأرغفة: أشار إلى ذلك شيخنا في المقاصد
الحسنة. ولعل هذا سند شيخي وقدوتي وإنسان عين بصيرتي العارف الرباني برهان
العارفين أبي إسحق إبراهيم المتبولي في تصغيره أرغفة سماطه كالشيخ أبي العباس
أحمد البدوي والسادات اكسير معارف السعادات أولى المواهب العلية والحقائق
المحمدية بني الوفاء أعاد الله من بركاتهم وواصل امداداتهم إلينا.
وعن عائشة قالت: توفي رسول الله عَّ وليس عندي شىء يأكله ذو كبد إلا
شطر شعير في رف لي، فأكلت منه حتى طال علي فكلته ففني. رواه البخاري ومسلم.
(عن أبي الدرداء مرفوعًا: قوتوا طعامكم يبارك لكم فيه، قال في النهاية: وحكي عن
الأوزاعي،) عبد الرحمن بن عمر، والفقيه، الثقة، الجليل، من رجال الجمع، مات سنة سبع
وخمسين ومائة، (أنه تصغير الأرغفة،) أخرج في الطيور، بات بسند فيه ضعف، عن بقية، قال:
سألت الأوزاعي ما معنى قوتوا؟، قال: صغروا الأرغفة، قال ابن الأثير: (وكذا حكى البزار؛ عن
إبراهيم بن عبد اللَّه، بن الجنيد، عن بعض أهل العلم؛ أنه تصغير الأرغفة،) وقال غيره، هو مثل
كيلوا، (أشار إلى ذلك شيخنا في المقاصد الحسنة، ولعل هذا سند شيخي، وقدوتي، وإنسان
عين بصيرتي، العارف الرباني، برهان العارفين، أبي إسحق إبراهيم المتبولي، في تصغيره أرغفة
سماطه،) ما يمد عليه الطعام، كما في القاموس، (كالشيخ أبي العباس، أحمد البدوي،) العارف
المشهور، الغني بذلك عن النعوت، (والسادات إكسير معارف السعادات، أولى المواهب
العلية، والحقائق المحمدية، بني الوفاء،) الذين لم يشتهر بالسادات في مصر أحد سواهم،
(أعاد اللَّه من بركاتهم) علينا، (وواصل إمداداتهم إلينا، وعن عائشة، قالت: توفي
رسول اللَّه ◌َا﴾، وليس عندي شيء يأكله ذو كبد)، شامل لكل حيوان، (إلا شطر شعير)، أي:
بعض شعير، أو نصف منه، قاله المصنف: (في رف لي،) بفتح الراء وشد الفاء مكسورة: خشب
يرفع عن الأرض في البيت، يوضع فيه ما يراد حفظه، قاله عياض، وفي الصحاح: الرف شبه
الطاق في الحائط، قيل، وهو أقرب هنا، لأن الخشب لا يحتمل وضع هذا المقدار عليه، وفيه
نظر لقلته، (فأكلت منه حتى طال عليّ،) بشد الياء، (فكلته) بكسر الكاف، (ففني،) زادت في
رواية، فیا ليتني لم أكله.
(رواه البخاري ومسلم،) فإن قيل مقتضى هذا أن الكيل سبب لعدم البركة، فيعارض قوله
عَّ لل كيلوا طعامكم يبارك لكم فيه.

١٥١
النوع الأول في عيشه عَّ في المأكل والمشرب
وعندهما أيضًا قالت: توفي عَِّ ودرعه مرهونة عند يهودي في ثلاثين صاعًا
من شعير.
وقال ابن عباس: ودرعه مرهونة بعشرين صاعًا من طعام أخذه لأهله. رواه
الترمذي.
وعن أبي هريرة قال: خرج رسول الله عَّم ذات يوم فإذا هو بأبي بكر وعمر
رضي الله عنهما، فقال: ما أخرجكما من بيوتكما هذه الساعة؟ قال: الجوع
یا رسول الله،
رواه البخاري وأحمد، عن المقدام بن معد يكرب، وفي الباب غيره، أجيب بأن البركة عند
البيع ودخوله البيت، وعدمها عند النفقة، وبأن المراد أن يكيله بشرط بقاء الباقي مجهولاً، أو لأن
الكيل عند الشراء مطلوب، لتعلق حق المتبايعين، فلذا ندب وحصلت البركة فيه، لامتثال أمر
الشارع، بخلاف كيله عند الانفاق للاختبار، فقد يبعث عليه الشح، فلذا كره وذهبت بركته،
والحاصل أن مجرد الكيل، إنما يحصل البركة، بقصد الامتثال فيما شرع كيله، ومجرد عدمه إنما
ينزعها إذا انضم له الاختبار والمعارضة، ولذا قال القرطبي: سبب رفع النماء الالتفات بعين
الحرص مع معاينة ادرار نعم اللَّه، ومواهب كراماته، وكثرة بركاته، والغفلة عن الشكر عليها، والثقة
بالذي وهبها، والميل إلى الأسباب المعتادة عند مشاهدة خرق العادة، (وعندهما،) أي البخاري،
ومسلم (أيضًا، قالت) عائشة: (توفي عَّ. ودرعه) ذات الفضول، بمعجمة (مرهونة) بالتأنيث، لأن
الدرع يؤنث ويذكر (عند يهودي) يسمى أبا الشحم، كما في رواية البيهقي (في) شأن، أو لأجل
ثمن (ثلاثين صاعًا من شعير) اشتراه لأهله بدينار إلى سنة، كما في رواية ابن حبان عن أنس،
(وقال ابن عباس، ودرعه مرهونة بعشرين صاعًا من طعام،) أي: شعير، (أخذه) اشتراه (لأهله)
بدینار.
(رواه الترمذي))) وكذا النسائي، قال الحافظ: ولعله كان دون الثلاثين، وفوق العشرين،
1
فجبر الكسر تارة، وألغي أخرى انتهى.
وهذا أولى من الجمع، بجواز أنه اشترى أولاً عشرين، ثم عشرة، وتفاسخا عقد الرهن
الأول وجدداه بالثلاثين، لأنه إنما يتم بتعدد الشراء، وأتى به، وذكر ابن الطلاع في الأقضية النبوية،
أن الصديق افتك الدرع بعده عَّه، (وعن أبي هريرة، قال: خرج رسول اللَّه عَّ. ذات يوم،) أو
ليلة، هكذا بالشك في مسلم، وفي رواية الترمذي، في ساعة لا يخرج فيها، ولا يلقاه فيها أحد،
(فإذا هو بأبي بكر، وعمر رضي اللَّه عنهما، فقال: ((ما أخرجكما من بيوتكما هذه الساعة)؟،
قال) كل منهما: أخرجنا (الجوع يا رسول اللَّه).

١٥١
النوع الأول في عيشه ◌َّة في المأكل والمشرب
قال وأنا والذي نفسي بيدي لأخرجني الذي أخرجكما، فأتى بهما رجلاً من
الأنصار، فإذا هو ليس في بيته، فلما رأته المرأة قالت: مرحبًا وأهلاً. فقال لها
رسول الله عَّه: أين فلان؟ قالت: ذهب يستعذب لنا الماء، إذ جاء الأنصاري، ...
وفي رواية الترمذي: فأتاه أبو بكر، فقال: ((ما جاء بك يا أبا بكر))؟، فقال: خرجت ألقى
رسول اللَّه، وأنظر في وجهه، وأسلم عليه، فلم يلبث أن جاء عمر، فقال: ما جاء بك يا عمر؟،
قال: الجوع يا رسول اللَّه، (قال: ((وأنا والذي نفسي بيده لأخرجني الذي أخرجكما)،) قاله
تسلية وإيناسًا لهما، لما علم من شدة جوعهما، وفي رواية الترمذي، قال عَّه: وأنا قد وجدت
بعض ذلك، والأصح أن هذه القصة كانت بعد فتح الفتوح، لأن إسلام أبي هريرة كان بعد فتح
خيبر، فروايته تدل على أنه بعد فتحها، ولا ينافي ضيقهم، لأنهم كانوا يبذلون ما يسألون، فربما
يحتاجون، قاله النووي، وتعقب بأن أبا هريرة، لعله روى الحديث بالسماع من غيره، لأنه تردد في
كونه ذات يوم، أو ليلة، كما في مسلم، فلو كانت روايته عن مشاهدة، لما تردد، وأجيب بمنع
كون التردد منه الجواز، أنه من أحد رجال الإِسناد، (فأني) عَّهِ (بهما رجلاً من الأنصار) وفي
رواية الترمذي، فانطلقوا إلى منزل أبي الهيثم بن التيهان الأنصاري، وكان رجلاً كثير النخل
والشياه، ولم يكن له خدم، ولذا قال المنذري: المبهم أبو الهيثم بن التيهان، بفتح الفوقية، وكسر
التحتية، وشدها، كما صرح به في الموطأ، والترمذي، وكذا البزار، وأبو يعلى، والطبراني عن
ابن عباس، والطبراني أيضًا عن ابن عمر، وللطبراني، وابن حبان عن ابن عباس، أنه أبو أيوب،
والظاهر أن القصة اتفقت مرة مع أبي الهيثم، كما صرح به في أكثر الروايات، ومرة مع أبي
أیوب، انتھی.
وإتيانهم إليه لا ينافي كمال شرفهم، فقد استطعم قبلهم موسى والخضر لإرادة الله
سبحانه، تسلية الخلق بهم، وأن يستن بهم السنن، ففعلوا ذلك تشريعًا للأمة، وهل خرج عَّه.
قاصدًا من أول خروجه إنسانًا معينًا، أو جاء التعيين بالاتفاق؟، احتمالان، قال بعضهم: الأصح أن
أول خاطر حركه للخروج لم يكن إلى جهة معينة، لأن الكمل لا يعتمدون إلاَّ على اللَّه، (فإذا هو
ليس في بيته، فلما رأته) عَّةِ (المرأة؛) زوجة الأنصاري، (قالت: مرحبًا وأهلاً،) وفي رواية
مرحبًا بنبي اللَّه وبمن معه، (فقال لها رسول اللَّه عَّه: ((أين فلان)،) يعني زوجها، وفي رواية
الترمذي، فقالوا: أين صاحبك، (قالت: ذهب يستعذب لنا الماء،) أي: يستسقي لنا ماء عذبًا من
بثر، ثم يأتينا به، وكانت أكثر مياه المدينة مالحة، وفيه حل استعذاب الماء، وأنه لا ينافي الزهد،
وأن النسيب لا ينافي التوكل، إذ هو اعتماد القلب على الله، وأن لا يكون للعبد وثوق يسوي ربه،
فالحركة الظاهرة لا تنافيه، وقصده بيت الأنصاري من ذا القبيل (إذ جاء،) أي: فبينما هم على
ذلك إذ جاء (الأنصاري)) وفي رواية الترمذي، فلم يلبثوا أن جاء أبو الهيثم، بقربة يزعبها، بفتح

١٥٣
النوع الأول في عيشه عَّ في المأكل والمشرب
فنظر إلى رسول الله عَّهِ وصاحبيه فقال: الحمد لله ما أحد اليوم أكرم أضيافًا مني.
فانطلق فجاءهم بعذق فيه بسر وتمر ورطب، فقال: كلوا، وأخذ المدية فقال له
رسول الله عَّله: إياك والحلوب، فذبح لهم فأكلوا من الشاة ومن ذلك العذق
وشربوا، فلما أن شبعوا ورووا قال عَّه لأبي بكر وعمر: والذي نفسي بيده لتسألن
عن هذا النعيم يوم القيامة.
التحتية، وإسكان الزاي، ومهملة، فموحدة، يدفعها لثقلها، فوضعها، ثم جاء يلتزم النبي عَّ
ويفديه بأبيه وأمه، (فنظر إلى رسول اللَّه عَّه، وصاحبيه، فقال: الحمد لله) على هذه النعمة
العظيمة، التي لم يظفر بها أحد غيري في هذا اليوم، (ما أحد اليوم أكرم أضيافًا مني، فانطلق)
بهم إلى بستانه، ففي رواية الترمذي، ثم انطلق بهم إلى حديقته، فبسط لهم بساطًا، ثم انطلق إلى
نخلة، (فجاءهم بعذق،) بكسر المهملة، وتفتح، وإسكان المعجمة، وقاف، ألقنو، بكسر القاف،
وسكون النون، وهو من النخل بمنزلة العنقود من الكرم، ولفظ الترمذي، فجاء بقنو (فيه بسر،)
بلح طري، (وتمر ورطب،) بضم ففتح: ثمر النخل إذا أدرك، ونضج قبل أن يثتمر، والرطب
نوعان: نوع لا يثتمر، وإذا تأخر أكله أسرع إليه الفساد، ونوع يثتمر، ويصير عجوة، وتمرًا يابشًا،
(فقال) بعد وضعه بين أيديهم: (كلوا،) قال القرطبي: إنما فعل ذلك، لأنه الذي تيسر فورًا بلا
كلفة، لا سيما مع تحققه حاجتهم، ولأن فيه ألوانًا ثلاثة، ولأن الابتداء بما يتفكه به من الحلاوة
أولى، لأنه مقوٍ للمعدة لأنه أسرع هضمًا، وفي رواية الترمذي، فقال عَّه: ((أفلا تنقيت أنا من
رطبه))؟، فقال: يا رسول اللَّه إني أردت أن تختاروا، في رواية أحببت أن تأكلوا من تمره وبسره
ورطبه، (وأخذ المدية) السكين، (فقال له رسول اللَّه عَّهِ: ((إياك والحلوب)))) أي: باعد نفسك
عنها، نهاه عن ذبحها، شفقة على أهله بانتفاعهم بلبنها، مع حصول المقصود بغيرها، فهو نهي
إرشاد لا كراهة في مخالفته، لزيادة إكرام الضيف، لكنه امتثل الأمر، (فذبح لهم) عناقًا، أو جديًا،
كما عند الترمذي بالشك والعناق، بالفتح، أنثى المعز لها أربعة أشهر، وقيل ما لم تتم سنة،
والجدي، بالفتح: ذکر العنز لم يبلغ سنة.
وفي رواية: فشوى نصفه، وطبخ نصفه، وأتاهم به، فلما وضع بين يديه عَّهِ، أُخذ من
الجدي، فجعله في رغيف، وقال الأنصاري: ((أبلغ بهذا فاطمة لم تصب مثله منذ أيام))، فذهب
به إليها، (فأكلوا من الشاة، ومن ذلك العذق، وشربوا) من ذلك الماء العذب، (فلما أن شبعوا،
ورووا، قال تعَّة: لأبي بكر، وعمر: ((والذي نفسي بيده:) بقدرته، (لتسألن عن هذا النعيم))،)
كل ما يتنعم، أي: يستطاب، ويستلذ به (يوم القيامة).
قال الله تعالى: ﴿ثم لتسئلن يومئذٍ عن النعيم﴾ [التكاثر/٨] الآية، وهذا ناظر لقوله في خبر

١٥٤
النوع الأول في عيشه عَّة في المأكل والمشرب
أخرجكم من بيوتكم الجوع، ثم لم ترجعوا حتى أصابكم هذا النعيم. رواه مسلم
وغيره.
وهذا السؤال سؤال تشريف وإنعام وتعديد فضل وإفضال وإنعام.
وعن طلحة بن نافع أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: أخذ رسول الله عليه.
بیدي ذات یوم إلى منزله
آخر، حلالها حساب، وحرامها عقاب، ((أخرجكم من بيوتكم الجوع، ثم لم ترجعوا حتى
أصابكم هذا النعيم)».
وفي رواية الترمذي، فقال: ((هذا والذي نفسي بيده من النعيم الذي تسألون عنه يوم
القيامة، ظل بارد ورطب طيب، وماء بارد))، فانطلق أبو الهيثم يصنع لهم طعامًا، فظاهر سياقه أنه
قال لهم ذلك قبل أكلهم من الشاة، وفي رواية: فتكبر ذلك على أصحابه، فقال: ((إذا أصبتم مثل
هذا، فصار بأيديكم، فقولوا: بسم اللَّه، فإذا شبعتم، فقولوا: الحمد لله الذي هو أشبعنا، وأنعم
علينا، وأفضل، فإن هذا كفاف هذا))، فأخذ عمر العذق، فضرب بها الأرض حتى تناثر البسر، ثم
قال: يا رسول اللَّه أنا لمسؤولون عن هذا يوم القيامة؟، قال: ((نعم إلاّ من ثلاث، كسرة يسد بها
الرجل جوعته، أو ثوب يستر به عورته، أو جحر يدخل فيه من القر والحر)).
(رواه مسلم وغيره،) كأصحاب السنن الأربعة والترمذي أيضًا، في الشمائل كلهم من
حديث أبي هريرة، ورواه لملك عنه في الموطأ بلاغًا والبزار، وابن المنذر، وابن أبي حاتم،
والحاكم عن عمر بن الخطاب، وابن حبان عن ابن عباس، وابن مردويه عن ابن عمر، والطبراني
عن ابن مسعود، وفي سياقهم اختلاف بالزيادة والنقص، (وهذا السؤال) يوم القيامة (سؤال
تشريف وإنعام، وتعديد فضل وإفضال وإنعام،) لا سؤال تقريع وتوبيخ ومحاسبة، والمراد أن كل
أحد يسأل عن نعيمه الذي كان فيه، هل ناله من حله أم لا؟، فإذا خلص من هذا سئل هل قام
بواجب الشكر، فاستعان به على الطاعة أم لا؟، فالأول سؤال عن سبب استخراجه، والثاني عن
محل صرفه، قاله ابن القيم، وإنما ذكر عَُّ ذلك في هذا المقام، إرشادًا للآكلين والشاربين إلى
حفظ أنفسهم في الشبع، عن الغفلة والاشتغال بالحديقة والتنعم، عن الآخرة، أو هي تسلية
للحاضرين المفتقرين، عن فقرهم؛ بأنهم وإن حرموا من التنزه، فقد اتقوا السؤال عنه يوم القيامة،
ثم الحدیث له تتمة.
(وعن طلحة بن نافع،) الواسطي، أبي سفين، الإِسكاف، نزيل مكة، صدوق، من صغار
التابعين، (أنه سمع جابر بن عبد اللَّه يقول: أخذ رسولَ اللَّه عَّه بيدي ذات يوم، إلى منزله،

١٥٥
النوع الأول في عيشه عَّ في المأكل والمشرب
فأُخرِج إليه فلق من خبز، فقال ما من أدم؟ قالوا: لا، إلا شىء من خل، قال: نعم
الأدم الخل. قال جابر: فما زلت أحب الخل منذ سمعتها من نبي الله عَّه وقال
طلحة: فما زلت أحب الخل منذ سمعتها من جابر. رواه مسلم.
وروي عن ابن بجير قال: أصاب النبي ◌َّ الجوع يومًا، فعمد إلى حجر
فوضعه على بطنه ثم قال: ألا رب نفس
فأخرج إليه فلق،) بكسر، ففتح جمع فلقة، كقطعة وزنا ومعنى، (من خبز، فقال: ما،) أي: هل
عندكم شيء (من أدم؟،) بضم، فسكون، لأن أكل الخبز بالأدم من أسباب حفظ الصحة، (قالوا:
لا إلاَّ شىء من خل، قال: نعم الأدم الخل،) لأنه سهل الحصول، قامع للصفراء، نافع لأكثر
الأبدان.
قال ابن القيم: هذا ثناء عليه بحسب الوقت، لا لتفضيله على غيره بدليل سببه، فقال:
ذلك جبرًا لقلبهم، وتطييبًا لنفسهم، إذ لو حضر نحو لحم، أو عسل، أو لبن كان أحق بالمدح.
وقال الحكيم الترمذي: في الخل منافع الدين والدنيا، وهو بارد، يقطع حرارة السموم
ويطفئها، (قال جابر: فما زلت أحب الخل منذ سمعتها،) أي: مدحته (من نبي اللَّه عَّ(،) لأنهم
أشد حرصًا على التأسي به، (وقال طلحة) راويه عن جابر: (ما زلت أحب الخل منذ سمعتها،
من جابر رواه مسلم،) وله طرق، (روي عن ابن بجير،) بموحدة وجيم، صحابي يعد في
الشاميين، روى عنه جبير ابن نفير، هكذا أورده الذهبي، في التجريد فيمن عرف بأبيه، ولم يسم
تبعًا لأبي نعيم، وكذا تبعه الحافظ في أطراف الفردوس، والمنذري في الترغيب، وأورده الذهبي
أيضًا في باب الكنى.
فقال أبو البجير، صحابي روى عنه جبير بن نفير، ثم ترجم تلوه أبو بجير، روى عنه ابنه
بجير حديثًا، وفي الإصابة أبو بجير غير منسوب، ذكره ابن منده، وأخرج من طريق عثمن بن
عبد الرحمن بن عبد الله بن بجير، عن أبيه، عن جده عن النبي عَّةِ، قال: القرءان كلام ربي،
الحديث وسنده ضعيف، وترجم عقبة أبو البجير، استدركه ابن الأمين، وعزاه لابن العرضي في
المؤتلف، ولعله ابن البجير الآتي في المبهمات، انتھی.
فيجوز أن ابن بجیر یکنی ہأبي البجير، فلا خلف، ثم هما شخصان، کل یکنی بأبي
البجير، وراوي هذا الحديث ليس هو الذي روى عنه ابنه، بل الثاني الذي روى عنه جبير بن
نفير، كما بينه في الجامع الكبير، وأما الذي روى عنه ابنه فإنما له حديث القرءان كلام ربي،
كما رأيت، (قال: أصاب النبي عَّ الجوع يوماً، فعمد،) بفتح الميم (إلى حجر، فوضعه على
بطنه، ثم قال: ألا) حرف تنبيه، يؤكد بها الجملة المصدرة بها، (رب نفس،) وفي رواية ألا يا

١٥٦
النوع الأول في عيشه عٍَّ في المأكل والمشرب
طاعمة ناعمة في الدنيا جائعة عارية يوم القيامة، ألا رب مكرم لنفسه وهو لها
مهين، ألا رب مهين لنفسه وهو لها مكرم. رواه ابن أبي الدنيا.
وعن أنس عن أبي طلحة قال: شكونا إلى رسول الله عَّ الجوع ورفعنا عن
بطوننا عن حجر حجر، فرفع رسول الله عګے عن بطنه حجرین،
رب بأداة، النداء وحذف المنادى، أي: ألا يا قوم رب، وهي للتقليل، والمقام مقام تخويف
وتهويل، (طاعمة، ناعمة في الدنيا،) أي: مشغولة، بلذات المطاعم والملابس، غافلة عن أعمال
الآخرة (جائعة، عارية،) بالرفع خبر مبتدأ، أي: هي، لأنه أخبار عن حالها (يوم القيامة) لا في
الدنيا لوصفها فيها، بضد ذلك، أي: تحشر، وهي كذلك يوم الموقف الأعظم.
زاد في رواية ابن سعد، والبيهقي: ألا يا رب نفس جائعة عارية في الدنيا، طاعمة ناعمة
يوم القيامة، (ألا رب مكرم لنفسه) بمتابعة هواها، وتبليغها مناها بتبسطه بألوان طعام الدنيا
وشهواتها، وتزينه بملابسها ومراكبها، وتقلبه في مبانيها وزخارفها، (وهو لها مهين،) لأن ذلك
يبعده عن اللَّه؛ ويوجب حرمانه من منال حظ المتقين في الآخرة، (ألا رب مهين لنفسه) بمخالفتها
وإذلالها، وإلزامها بعدم التطاول والاقتصار على الأخذ من الدنيا، بقدر الحاجة، (وهو لها مكرم)
يوم العرض الأكبر؛ لسعيه لها فيما يوصلها إلى السعادة الأبدية، والراحة السرمدية.
(رواه ابن أبي الدنيا،) وضعفه المنذري، وأخرجه ابن سعد والبيهقي، بزيادة ألا يا رب
متخوض ومتنعم، فيما أفاء اللَّه على رسوله، ماله عند اللَّه من خلاق؛ ألا وإن عمل الجنة حزن
بربوة، ألا وأن عمل النار سهل بسهوة، ألا يا رب شهوة ساعة أورثت حزنًا طويلاً، وروى ابن أبي
الدنيا وغيره عن أبي هريرة، دخلت على النبي عَّله، وهو يصلي جالسًا، فقلت: ما أصابك؟،
قال: ((الجوع))، فبكيت، فقال: ((لا تبك فإن شدة الجوع لا تصيب الجائع))، أي: في القيامة، إذا
احتسب في دار الدنيا، (وعن أنس) بن لملك (عن) زوج أمه (أبي طلحة)، زيد بن سهل
الأنصاري، (قال: شكونا إلى رسول اللّه مَّ الجوع؛ ورفعنا) أي: كشفنا (عن بطوننا عن حجر
حجر،) بدل اشتمال بإعادة الجار، أي: رفع كل واحد عن حجر مشدود على بطنه، كعادة
العرب، أو أهل المدينة إذا خلت أجوافهم، لئلا تسترخي، فالتكرير باعتبار تعدد المخبر عنهم،
فزعم أن فيه حرف عطف محذوفًا، لا حاجة إليه، بل ربما أفسد المعنى لإِيهامه أن لكل حجرين،
وتجويز أن عن حجر حجر صفة لمصدر محذوف، أي: كشفًا صادرًا عن حجر، غير متجه، إذ
الكشف ليس صادرًا عن الحجر، وإنما هو عن الثوب، فالمتعين أنه بدل، (فرفع رسول اللَّه عَلّ.
عن بطنه حجرين،) ليعلمهم أن ليس عنده ما يستأثر به عليهم، وتسلية لهم، لا شكاية أن ما بهم
من الجوع أصابه فوقه، حتى احتاج إلى حجرین.

١٥٧
النوع الأول في عيشه عَّة في المأكل والمشرب
قال الترمذي: هذا حديث غريب من حديث أبي طلحة لا نعرفه إلا من هذا
الوجه.
ومعنى قوله: ورفعنا عن بطوننا عن حجر. قال: كان أحدهم يشد الحجر من
الجهد والضعف الذي به من الجوع.
وقصة جابر - يوم الخندق - حين رأى النبي عَّةٍ يوم الخندق، وقد قام إلى
الكدية وبطنه معصوب بحجر. وتقدمت، وما أحسن قول الأبوصيري:
وشد من سغب أحشاءه وطوى تحت الحجارة كشحًا مترف الأدم
والكشح: كما ذكرته في شرح هذه القصيدة، ما بين خاصرته الشريفة
وأقصر ضلع من جنبه الشريف.
(قال الترمذي) عقب روايته (هذا حديث غريب من حديث أبي طلحة، لا نعرفه إلاَّ من
هذا الوجه) الذي رويناه منه، فهي بمعنى الفردية، فلا ينافي صحته، لأن رواته ثقات.
قال الترمذي: (ومعنى قوله: ورفعنا عن بطوننا عن حجر، قال: كان أحدهم يشد الحجر
من الجهد،) بضم الجيم، وفتحها: المشقة (والضعف الذي به من الجوع،) أي: من أجل ذلك،
وأفرد الوصف تنبيهًا على أن الضعف، كالتكرار للجهد، وفي تعبيره بمعنى تجوز، إذ معنى اللفظ
ما دل عليه؛ وإنما هذا بيان لحكمة وضع الحجر، وثبتت (قصة جابر يوم الخندق حين رأى
النبي عَّ يوم الخندق وقد قام إلى الكدية،) بكاف مضمومة، فمهملة، فتحتية، قطعة صلبة من
الأرض، لا تعمل فيها المعاول، فجاؤوا له، فقام (وبطنه معصوب بحجر) من الجوع، (وتقدمت)
القصة في الغزوة، ولا يعارض رواية حجرين، لأنه فعل هذا وهذا، (وما أحسن قول الأبوصيري،)
تقدم أن صوابه البوصيري، نسبة إلى بوصيري من قرى الصعيد، (وشد من سغب،) بمهملة،
فمعجمة، أي: جوع (أحشاءه،) جمع حشى، وهو المعي مثل سبب وأسباب، كما في المصباح.
وقال المجد: الحشي ما دون الحجاب مما في البطن، من كبد، وطحال، وكرش، وما
تبعه، وما بين ضلع الخلف التي في آخر الجنب إلى الورك، أو ظاهر البطن، فإن حمل أحشاءه
في البيت على الأول، فسماه شدًا مجازًا، إلاّ أنه لما شد ما فوقه، كأنه شده (وطوى تحت
الحجارة،) أي: جنسها، فيصدق بالواحد والاثنين، (كشحا) مفعول طوى، (مترف الأدم) صفته،
وأراد بطيه انضمام بعض الأمعاء إلى بعض، فسماه طيًا مجازًا؛ وعلى هذا، فهو مساوٍ لشد من
سغب، (والكشح،) بفتح، فسكون، (كما ذكرته في شرح هذه القصيدة، ما بين خاصرته
الشريفة، واقصر ضلع،) بكسر، ففتح، وقد تسكن، (من جنبه الشريف،) فالخاصرة ليست من

١٥٨
النوع الأول في عيشه عٍَّ في المأكل والمشرب
وإنما فعل هذا عٍَّ ليسكن بعض ألم الجوع، وإنما كان هذا الفعل مسكنًا
لأن كلب الجوع من شدة حرارة المعدة الغريزية، فهي إذا امتلأت من الطعام
اشتغلت تلك الحرارة بالطعام، فإذا لم يكن فيها طعام طلبت رطوبات الجسم
وجواهره، فيتألم الإنسان بتلك الحرارة فتتعلق بكثير من جواهر البدن، فإذا انضمت
على المعدة الأحشاء والجلد خمدت نارها بعض الخمود فقل الألم.
وإنما تألمه بالجوع ليحصل له تضعيف الأجر مع حفظ قوته وبمقدرة نضارة
جسمه، حتى إن من رآه لا يظن أن به جوعًا، لأن جسمه عَِّ إنما كان يرى أشد
نضارة من أجسام المترفين بالنعم في الدنيا. وهذا المعنى هو الذي قصده الناظم
بقوله ((مترف الأدم)) وهو من باب الاحتراس والتكميل، لأنه لما ذكر أنه شد من
سغب. خاف أن يتوهم أن جسمه الشريف حينئذٍ يظهر فيه أثر الجوع فاحترس
ورفع ذلك الإبهام بقوله: مترف الأدم.
وقد أنكر أبو حاتم
الكشح، إذ جعله بينها وبين الضلع، ومقتضى المصباح أن الخاصرة مبدؤه ومنتهاها الضلع، (وإنما فعل
هذا عٍَّ ليسكن بعض ألم الجوع، وإنما كان هذا الفعل مسكنًا، لأن كلب،) بفتح الكاف، واللام
(الجوع،) أي: حرارته، ناشئة (من شدة حرارة المعدة الغريزية، فهي إذا امتلأت من الطعام،
اشتغلت تلك الحرارة بالطعام، فإذا لم يكن فيها طعام، طلبت رطوبات الجسم وجواهره،
فيتألم الإِنسان بتلك الحرارة، فتتعلق) الحرارة، (بكثير من جواهر البدن، فإذا انضمت على
المعدة الأحشاء والجلد خمدت،) بفتح الميم، (نارها بعض الخمود، فقل الألم) الحاصل
بالجوع؛ (وإنما تألمه بالجوع،) أي: تأثره به، بحيث أصابه منه ألم لا التوجع، وهو التشكي من
الوجع، إذ ليس سبًا للأجر، وقد قال: (ليحصل له تضعيف الأجر) وكان ذلك (مع حفظ قوته،)
فهو متعلق (وبمقدر نضارة،) حسن (جسمه حتى إن من رآه لا يظن أن به جوعًا،) وإنما يعرفه بعض
الخواص، كأبي طلحة بالصوت ونحوه، (لأن جسمه عَّ إنما كان يرى أشد نضارة؛) حسنًا (من
أجسام المترفين،) أي: المتلذذين بالنعم، المتوسعين، وفي نسخة، بهاء بعد الفاء، أي: المتنعمين
(بالنعم في الدنيا،) ويجوز أن يراد بالمترفين: الطاغين بسبب النعم، ففي المختار: أترفته النعمة:
أطغته والأول أولى، (وهذا المعنى هو الذي قصده الناظم بقوله: مترف،) بإسكان الفوقية، وفتح
الراء (الأدم،) بفتحتين: الجلد، أي: حسن الجلد ناعمه، (وهو من باب الاحتراس والتكميل، لأنه
لما ذكر أنه شد من سغب، خاف أن يتوهم، أن جسمه الشريف يظهر فيه أثر الجوع،» وهو
الضعف، (فاحترس ورفع ذلك الإِيهام بقوله مترف الأدم،) فهو بديع، (وقد أنكر أبو حاتم)

١٥٩
النوع الأول في عيشه عَّة في المأكل والمشرب
ابن حبان أحاديث وضع الحجر على بطنه الشريف من الجوع، وقال: إنها باطلة،
متمسكًا بحديث الوصال ((لست كأحدكم إني أطعم وأسقى)) قال وإنما معناها:
الحجز، بالزاي وهو طرف الإزار، لأن الله تعالى كان يطعم رسوله ويسقيه إذا
واصل، فكيف يحتاج إلى شد الحجر على بطنه؟ وما يغني الحجر من الجوع.
انتھی.
وقال بعضهم: يجوز أن يكون عصب الحجر لعادة عند العرب أو أن أهل
المدينة
محمد (بن حبان،) بكسر المهملة، وشد الباء الموحدة، ابن أحمد بن معاذ، التميمي، الدارمي،
البستي، بضم الموحدة، وإسكان السين، وفوقية، نسبة إلى بست، من بلاد الغور بطرف خراسان،
الإِمام، أحد الحفاظ الكبار، ذو التصانيف العديدة، سمع النسائي، وأبا يعلى؛ وابن خزيمة، وخلقا
وعنه الحاكم وآخرون، مات سنة أربع وخمسين وثلثمائة ببست، وفي نسخة أبو حاتم،
وابن حبان، بزيادة واو، وهي خطأ، إذ أبو حاتم كنية، ابن حبان، كما قال الحافظ وغيره، وكذا ما
وقع في بعض نخس الشامية أبو حاتم علي بن حبان، خطأ أيضًا، لما علم، ولا يصح حملها على
أبي حاتم الرازي، لتقدمه على بن حبان، فكيف ينكر عليه (أحاديث وضع الحجر على بطنه
الشريف من الجوع، وقال: إنها باطلة، متمسكًا بحديث الوصال، ((لست كأحدكم إلي أطعم
وأسقي))، قال: وإنما معناها الحجز،) بضم الحاء، وفتح الجيم، وعبر بمعنى مع أنه لفظه، كأنه،
لأن الرواة لم تتفق على لفظ الحجر، بل تارة الحجر، وأخرى الحجرين، فكأنه يقول: كلما
وردت سواه بلفظ التثنية أو الإِفراد، معناها الحجز (بالزاي:) جمع حجزة، التي يشد بها الوسط،
(وهو طرف الإِزار، لأن اللَّه تعالى كان يطعم رسوله ويسقيه، إذا واصل) الصوم، (فكيف يحتاج
إلى شد الحجر على بطنه)؟، وماذا (يغنى الحجر من الجوع؟ انتهى) كلامه، وتقدم رده بقوله:
وإنما كان هذا الفعل مسكنًا الخ ... ، وقد رده عليه الخطابي، والحافظ، وأكثر الناس، في الرد
عليه لرده الأحاديث الصحيحة، وحكمه ببطلانها وتصحيفها، بمجرد توهم المعارضة، وعدم فهم
الحكمة، وإن وافقه جماعة، قال الخطابي: أشكل الأمر في شد الحجر على قوم توهموا أنه
تصحيف من الحجز، بالزاي جمع الحجزة التي يشد بها الوسط، لكن من أقام بالحجاز عرف
عادة أهله في إصابة المجاعة لهم كثيرًا، فإذا خوى البطن، لم يمكن معه الانتصاب، فيعمد إلى
صفائح رقاق في طول الكشف تربط على البطن، فتعتدل القامة بعض الاعتدال، (وقال بعضهم)
في الرد على ابن حبان: (يجوز أن يكون عصب الحجر لعادة عند العرب، أو أن أهل المدينة

١٦٠
النوع الأول في عيشه عَّ في المأكل والمشرب
يفعلون ذلك إذا خلت أجوافهم وغارت بطونهم يشدون عليها حجرًا ففعل عَّه
ذلك ليعلم أصحابه أنه ليس عنده ما يستأثر به عليهم.
والصواب: صحة الأحاديث، وأنه معَّ فعل ذل اختيار للثواب.
وقد استشكل كونه عليه الصلاة والسلام وأصحابه كانوا يطوون الأيام
جوعًا، مع ما ثبت أنه كان يرفع لأهله قوت سنة، وأنه قسم بين أربعة أنفس من
أصحابه ألف بعير مما أفاء الله عليه، وأنه ساق في عمرته مائة بدنة فنحرها
وأطعمها المساكين، وأنه أمر لأعرابي بقطيع من الغنم، وغير ذلك، مع من كان معه
من أصحاب الأموال كأبي بكر وعمر وعثمن وطلحة وغيرهم، مع بذلهم أنفسهم
وأموالهم بين يديه. وقد أمر بالصدقة فجاء أبو بكر بجميع ماله، وعمر بنصفه،
وحث على تجهيز جيش العسرة فجهزهم عثمن بألف بعير إلى غير ذلك.
وأجاب عنه
يفعلون ذلك إذا خلت أجوافهم، وغارت بطونهم، يشدون عليها حجرًا، ففعل عَّ ذلك؛ ليعلم
أصحابه أنه ليس عنده ما يستأثر به عليهم،) وإن لم يحصل له ألم الجوع، وكان هذا التجويز
على تسليم دعواه عدم الحاجة إلى شد الحجر، (والصواب صحة الأحاديث،) لاجتماع شروط
الصحة فيها، (وأنه عَّ فعل ذلك اختيارًا للثواب،) لا لعدم ما يدفع به الجوع عن نفسه،
كاختيار الشبع، ودفع الألم من غير طعام، وحديث الوصال لا يستلزم عدم الجوع إن لم يواصل،
فجمع له الأمر أن زيادة في الإِكرام وتعظيم الأجر، (وقد استشكل كونه عليه الصلاة والسلام،
و) كون (أصحابه)، فهو بالجر عطفًا على الضمير، ويجوز نصبه مفعولاً معه، (كانوا يطوون الأيام
جوعًا، مع ما ثبت أنه كان يرفع،) أي: يدخر (لأهله قوت سنة،) وسماه رفعًا تجوزًا، (وأنه قسم
بين أربعة أنفس من أصحابه، ألف بعير مما أفاء اللَّه عليه، وأنه ساق في عمرته مائة بدنة،
فنحرها، وأطعمها المساكين، وأنه أمر لإِعرابي بقطيع من الغنم وغير ذلك،) كإعطائه جماعة
كثيرة من خيبر، وقد فتحها اللَّه عليه، وفدك وقريظة والنضير، وكانت خالصة له، (مع) وجود
(من كان معه من أصحاب الأموال، كأبي بكر، وعمر، وعثمن، وطلحة) بن عبيد اللَّه، (وغيرهم)
كالزبير، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن عبادة، (مع بذلهم أنفسهم وأموالهم بين يديه، وقد أمر
بالصدقة، فجاء أبو بكر بجميع ماله،) وقال: أبقيت اللَّه ورسوله لعيالي، (وعمر بنصفه، وحث
على تجهيز جيش العسرة،) غزوة تبوك حين أراد السير إليها، (فجهزهم عثمن بألف بعير،) وجاء
بعشرة آلاف درهم إلى النبي عَّةٍ، فوضعها بين يديه (إلى غير ذلك، وأجاب عنه،) عن هذا