Indexed OCR Text
Pages 541-560
٥٤١ الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته انشقت الأرض وابتلعت بوله وغائطه وفاحت لذلك رائحة طيبة. قال غيره: ولم يطلع على ما يخرج منه بشر قط. وأسند محمد بن سعد كاتب الواقدي - كما هو في بعض نسخ الشفاء، وقالوا إنه ليس من الرواية ولا من حواشي أصل ابن جبير بل من حواشي غيره - عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت للنبي عَّله: إنك تأتي الخلاء فلا نرى منك شيئًا من الأذى فقال یا ثم كني به عما يقع فيه تسمية للحال باسم المحل، تحاشيًا عن لفظ العذرة، فإن قيل: فغائط اسم عين، فلا يشتق منه فعل عند البصريين، بل من المصدر، أجيب بأنه يقدر له مصدر، كالغوط، أو يشتق الفعل من المزيد، كالتغوُّط (انشقت الأرض، وابتلعت بوله وغائطه، وفاحت لذلك رائحة طيبة،) ولما لم يلزم من الابتلاع انطباقها عليه، بحيث لا يرى لجواز انشقاقها دون انطباق، احتاج قوله. (قال غيره: ولم يطلع على ما يخرج منه بشر قط،) ظاهره يعم البول، ولا ينافي رؤية أم أيمن، وغيرها للبول، وقول المقدسي: فقد شاهده غير واحد، لحمل ما هنا على البول، على الأرض، والآتي على ما إذا بال في إناء، كما هو صريح الكلامين، فلا خلاف، وهذا أولى من حمله على البول مع الغائط، لا وحده، ولو على الأرض لاحتياجه لدليل عليه، لإخراجه عن ظاهره، (وأسند محمد بن سعد) بن منيع الهاشمي، مولاهم البصري، نزيل بغداد، صدوق، حافظ، مات سنة ثلاثين ومائتين، وهو ابن اثنتين وستين سنة، ويعرف؛ بأنه (كاتب الواقدي») محمد بن عمر، بن واقد الأسلمي، أبو عبد اللّه، المدني، الحافظ، المتروك، مع سعة علمه مات، كما في الديباج، وغيره ليلة الاثنين لإِحدى عشرة ليلة خلت من ذي الحجة، سنة سبع ومائتين، وهو ابن ثمان وسبعين سنة، فسقط بعض الكلام على من قال: مات في ذي الحجة، سنة إحدى عشرة إذ لم يقله أحد، (كما هو في بعض نسخ الشفاء، وقالوا: أنه ليس من الرواية) عن عياض، (ولا من حواشي أصل،) أي: نسخة (ابن جبير، بل من حواشي غيره،) فأدخلوها في متن الشفاء، ولكن عزوه صحيح لابن سعد، قال في طبقاته: أنبأنا إسماعيل بن أبان الوراق، أنبأنا عنبسة بن عبد الرحمن التشيري، عن محمد بن زاذان، عن أم سعد. (عن عائشة رضي اللّه عنها، أنها قالت للنبي عَّله: إنك تأتي الخلاء) بالمد، أي المكان الخالي، البعيد عن البيوت، لأنهم كانوا قبل وضع المراحيض فيها يأتونه لقضاء الحاجة، ثم عبر به بعد ذلك عن محل التغوّط مطلقًا، ثم صار عرفًا اسمًا للبناء المعد لذلك، (فلا نرى منك شيئًا من الأذى،) بالمعجمة والقصر، أصله الضرر، ثم أريد به ما يكره، فالمراد به هنا الغائط، (فقال: ٥٤٢ الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته عائشة وما علمت أن الأرض تبتلع ما يخرج من الأنبياء فلا يرى منه شىء. انتهى. صَّ اللٍّ فى سفر فلما وفي الشفاء لابن سبع عن بعض الصحابة قال: صحبته عَدَّةٍ. أراد قضاء الحاجة تأملته وقد دخل مكانًا فقضى حاجته، فدخلت الموضع الذي خرج منه فلم أر له أثر غائط ولا بول، ورأيت في ذلك الموضع ثلاثة أحجار فأخذتهن فوجدت لهن رائحة طيبة وعطرًا. قلت: وقد سئل الحافظ عبد الغني المقدسي: هل روي أنه عَ ◌ِّ كان ما يخرج منه تبتلعه الأرض؟ فقال: قد روي ذلك من وجه غریب، (يا عائشة) قلت ذلك، (وما علمت أن الأرض تبتلع))،) تفتعل من البلع، وضبطه التلمساني، تبلع من بلع، كعلم يعلم، أي: يخفي (ما يخرج من الأنبياء) بحيث يغيب فيها، (فلا يرى منه شيء) تفسير للمراد من البلع، وتأكيد، إذ هو إدخال الطعام، والشراب في الحنجرة، والمريء، فاستعير لمطلق الإِخفاء، كقوله تعالى: ﴿يا أرض إبلعي ماءك﴾ [هود/٤٤]، أو هو بيان لحكمته، فليس بمستدرك، كما توهم، قيل: وحكمة إخفائه مع طيبة، وعدم استقداره، عدم الإِذكار لمحله الخارج منه، أو لتتبرك الأرض به، وينبغي ستره لأنه من المروأة، لأنه يخشى من أخذ الناس له، (انتهى) ما أسنده ابن سعد، ورجاله ثقات، إلاَّ محمد بن زاذان المدني، فمتروك، كما في التقريب، لكن له شواهد، يأتي بعضها، (وفي الشفاء)، أي كتاب شفاء الصدور، (لابن سبع)، بسكون الباء، بلفظ العدد، وقد تضم، كما في التبصير، (عن بعض الصحابة، قال صحبته عَّال. في سفر: فلما أراد قضاء الحاجة، تأملته، وقد دخل مكانًا، فقضى حاجته، فدخلت الموضع الذي خرج منه، فلم أرَ له أثر غائط، ولا بول، ورأيت في ذلك الموضع ثلاثة أحجار، فأخذتهن، فوجدت لهن رائحة طيبة وعطرًا،) بكسر العين، طيبًا معطوف على لهن، لا على رائحة، فالمعنى وجدتهن عطرًا، أي: كالعطر مبالغة، كأن عينهن انقلبت من الحجرية إلى العطرية، ويدل لذلك أن بقية ذا الخبر، كما في التلمساني، فكنت إذا جئت يوم الجمعة المسجد أخذتهن في كمي، فتغلب رائحتهن رائحة من تطيب، وتعطر، (قلت:) من المصنف، لا من تتمة كلام صاحب الشفاء، كما زعم، لأن ابن سبع متقدم على المقدسي بزمان، فلا ينقل عنه، (وقد سئل الحافظ عبد الغني)، بن عبد الواحد بن سرور (المقدسي)، ثم الدمشقي، الإِمام، محدث الإِسلام، تقي الدين الحنبلي، صاحب التصانيف، غزير الحفظ، والاتقان، قيم بجميع فنون الحديث، ورع كثير العبادة، يأمر بالمعروف وينهي عن المنكر، لا تأخذه في اللَّه لومة لائم، ونزل مصر في آخر عمره، وبها مات سنة ستمائة، وله تسع وخمسون سنة، (هل روي أنه عٍَّ كان ما يخرج منه تبتلعه الأرض؟، فقال) مجيبًا، (قد روى ذلك من وجه غريب،) أي: ضعيف، (والظاهر المنقول) ٥٤٣ الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته والظاهر المنقول يؤيده، فإنه لم يذكر عن أحد من الصحابة أنه رآه ولا ذكره، وأما البول فقد شاهده غير واحد. وشربته أم أيمن. انتهى. لكن قال البيهقي: وأما الحديث الذي أخبرنا به أبو الحسين بن بشران أخبرنا إسمعيل بن محمد الصفار قال حدثنا زيد بن إسمعيل الصائغ قال حدثنا حسين بن علوان عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: كان النبي عَّ إذا دخل الغائط دخلت في أثره فلا أرى شيئًا إلا أني كنت أشم رائحة الطيب، فذكرت ذلك له فقال: يا عائشة أما علمت أن أجسادنا تنبت على أرواح أهل الجنة وما خرج منها ابتلعته الأرض. فهذا من موضوعات الحسين بن علوان، لا ينبغي ذكره إلا لبيان أنه موضوع ففي الأحاديث الصحيحة والمشهورة في معجزاته كفاية عى كذب ابن علوان. انتھی. لكن للحديث طرق غير طريق ابن علوان: عن أحوال المصطفى، (يؤيده، فإنه لم يذكر عن أحد من الصحابة أنه رآه، ولا ذكره،) فلو لم تبلعه الأرض لرؤي في بعض الأوقات، (وأما البول، فقد شاهده غير واحد، وشربته أم أيمن،) قسيم لما فهم من بلع الأرض غائطة، (انتهى). جواب عبد الغني، (لكن قال البيهقي: وأما الحديث الذي أخبرنا به أبو الحسين بن بشران،) بكسر الموحدة، وإسكان المعجمة، ثقة، مشهور، من شيوخ البيهقي، (أخبرنا إسمعيل بن محمد الصفار،) قال في اللسان: ثقة، مشهور، أخطأ ابن حزم حيث جهله، (قال: حدثنا زيد بن إسمعيل الصائغ، قال: حدثنا حسين بن علوان، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: كان النبي عَّةٍ، إذا دخل الغائط،) أي: المكان الذي يريد قضاء الحاجة فيه، (دخلت في أثره، فلا أرى شيئًا، إِلاَّ أني كنت أشم رائحة الطيب، فذكرت ذلك له، فقال: (يا عائشة أما علمت أن أجسادنا) معاشر الأنبياء (تنبت،) أي تخلق، وتوجد (على) صفة (أرواح أهل الجنة، وما خرج منها ابتلعته الأرض، فهذا من موضوعات الحسين بن علوان، لا ينبغي ذكره إلاَّ لبيان أنه موضوع، ففي الأحاديث الصحيحة، والمشهورة في معجزاته، كفاية عن كذب ابن علوان، انتهى). إذ فيها ما هو أجل من ذلك بكثير، (لكن للحديث طرق غير طريق ابن علوان،) فلا ينبغي ٥٤٤ الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته فعند الدارقطني في الافراد: حدثنا محمد بن سليمن الباهلي أنبأنا محمد بن حسان الأموي، أنبأنا عبدة بن سليلمن عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: يا رسول الله، إني أراك تدخل الخلاء ثم يأتي الذي بعدك فلا يرى لما يخرج منك أثرًا، فقال يا عائشة أما علمت أن الله أمر الأرض أن تبتلع ما يخرج من الأنبياء، ومحمد بن حسان بغدادي ثقة، وعبدة من رجال الصحيح. وله طريق أخرى عند ابن سعد، وأخرى عند الحاكم في مستدر كه. وروي أنه كان يتبرك ببوله ودمه ع .. دعوى وضعه مع وجودها، (فعند الدارقطني في) كتاب (الأفراد))) بفتح الهمزة، (حدثنا محمد بن سليمن، الباهلي،) النعماني، قال تلميذه الدارقطني: وكان من الثقات، قال: (أنبأنا محمد بن حسان الأموي،) بفتح الهمزة وضمها، البغدادي، قال: (أنبأنا عبدة،) بفتح العين، وإسكان الموحدة، فدال فهاء، (ابن سليمن) الكلابي أبو محمد الكوفي، يقال اسمه عبد الرحمن، ثقة، ثبت، مات سنة سبع وثمانين ومائة، وقيل بعدها: روى له الأئمة الستة، (عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: يا رسول اللَّه إني أراك تدخل الخلاء، ثم يأتي الذي بعدك، فلا يرى، لما يخرج منك أثرًا، فقال: ((يا عائشة أما علمت أن اللَّه أمر الأرض أن تبتلع ما يخرج من الأنبياء،) بولاً، أو غائطًا على ظاهر عمومه، كما مر، وهو من خصائص نبينا على الأمم، (ومحمد بن حسان بغدادي، ثقة،) صالح، (وعبدة، من رجال الصحيح،) ولذا قال السيوطي: هذا سند ثابت، وهو أقوى طرق هذا الحديث، انتهى. فقد تابع عبدة حسين بن علوان في روايته، عن هشام، وتابعه أيضًا أرطأة بن قيس الأسدي، عن هشام أخرجه أبو بكر الشافعي، وهي متابعة تامة، فكيف يكون موضوعًا، (وله طريق أخرى عند ابن سعد،) تقدمت قريبًا، وأن رجالها ثقات، إلاَّ ابن زاذان، (وأخرى عند الحاكم في مستدركه)) قال: أخبرني مخلد بن جعفر، نبأنا محمد بن جرير نبأنا موسى بن عبد الرحمن، المسروقي، نبأنا إبراهيم بن سعد، نبأنا المنهال بن عبد اللّه، عمن ذكره عن ليلى، مولاة عائشة، عنها، وله طريق أخرى عند أبي نعيم، وأخرى عند أبي بكر الشافعي، فقول البيهقي: إنه موضوع محمول على أنه لم يطلع على هذه الطرق، إذ يتعذر معها دعوى الوضع، أو على أنه خاص بالطريق التي ذكرها، دون البقية، أو على خصوص لفظه، والأظهر، بل المتعين الأول، (وروي أنه كان يتبرك ببوله، ودمه عَّة،) أي بشربهما، كما هو المروي، وإن شمل لفظه هنا الإِدهان، ونحوه، وأتى بصيغة التمريض نظرًا إلى أن كل فرد منها مقالاً، فلا يرد عليه أن بعضها يعتضد ٥٤٥ الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته فروى ابن حبان في ((الضعفاء)) عن ابن عباس قال: حجم النبي عَُّ غلام لبعض قريش، فلما فرغ من حجامته أخذ الدم فذهب به من وراء الحائط، فنظر يمينًا وشمالاً فلم ير أحدًا، فحسا دمه حتى فرغ ثم أقبل فنظر في وجهه فقال: ويحك ما صنعت؟ فقلت غيبته من وراء الحائط، قال ابن عيينة قلت: يا رسول الله نفست على دمك أن أهريقه في الأرض فهو في بطني فقال: اذهب فقد أحرزت نفسك من النار. وفي سنن أبي سعيد بن منصور من طريق عمرو بن السائب .... لبعض، لأنه بالنظر إلى المجموع، ولا يرد أن حديث شرب المرأة بوله صحيح، لأنها شربته للعطش، غير عالمة أنه بوله، فلم تقصد التبرك، (فروى ابن حبان في) كتاب (الضعفاء. عن ابن عباس قال: حجم النبي عَُّ غلام لبعض قريش، فلما فرغ من حجامته، أخذ الدم، فذهب به من وراء الحائط،) الظاهر أن وراء هنا، بمعنى قدام، كما هو أحد إطلاقها، يعني أنه ذهب بالدم إلى جهة الحائط، بحيث صار قدامها، لا تخطاها بحيث صارت خلفه، (فنظر يمينًا وشمالاً، فلم يرَ أحدًا، فحسا دمه،) بفاء العطف على ما قبله، وفي نسخة تحسى، والأولى أظهر، (حتى فرغ) أي: من شربه شيئًا، فشيئًا إلى فراغه، (ثم أقبل، فنظر) عَّةٍ (في وجهه، فقال: ويحك ما صنعت؟،) والظاهر أن ابن عباس حمله عن الغلام بقوله: (فقلت غيبته) في جوفي (من وراء الحائط،) فليس كذبًا، (قال إبن عيينة) تفرس فيه، أو ألهم أنه شربه، فسأله ثانيًا، أو المراد في أي مكان من وراء الحائط، فلا يرد أنه لا فائدة في السؤال الثاني، (قلت يا رسول اللَّه نفست) بكسر الفاء، ضننت (على دمك أن أهريقه في الأرض، فهو في بطني،) قال في القاموس: نفس به كفرح ضن، وعليه بخير جسده، وعليه الشيء نفاسة، لم يره أهلاً له، والظاهر صحة الثلاثة، فالأول تكون عليّ، بمعنى الباء، والثاني فيه حذف المفعول، وهو جائز، أن نفست الأرض على دمك، أي حسدتها، والثالث لم أرَ دمك أهلاً لإِراقته في الأرض لعظمته، قرره شيخنا، (فقال) عَ ◌ّهِ: ((إذهب، فقد أحرزت نفسك من النار))،) لأن دمه، لا تمسه النار، وقد مازج لحمه ودمه، (وفي سنن أبي سعيد،) بكسر العين، (ابن منصور) بن شعبة، أبي عثمن الخراساني، نزيل مكة، حافظ، ثقة، مصنف روي عن ملك، والليث، وابن عيينة، وخلق، وعنه الإِمام أحمد، وقال: إنه من أهل الفضل، والصدق، ومسلم وأبو داود، وأبو حاتم، وقال: إنه من المتقنين الإِثبات، وخلق سواهم صنف السنن بمكة، وبها مات سنة سبع وعشرين ومائتين (من طريق عمرو،) بفتح العين. قال الحافظ: وصوابه عمر، بضمها (ابن السائب،) ابن أبي راشد المصري، مولى بني ٥٤٦ الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته أنه بلغه أن ملكًا والد أبي سعيد الخدري لما جرح النبي =٣ مص جرحه حتى أنقاه ولاح أبيض فقال: مجه، فقال: والله لا أمجه أبدًا، ثم ازدرده فقال النبي عَّه: من أراد أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا فاستشهد. وأخرج البزار والطبراني والحاكم والبيهقي وأبو نعيم في الحلية، من حديث عامر بن عبد الله بن الزبير عن أبيه قال: احتجم رسول الله عَّ فأعطاني الدم بعد فراغه من الحجامة، وقال: اذهب يا عبد الله فغيبه وفي رواية اذهب بهذا الدم فواره حيث لا يراه أحد فذهبت فشربته ثم أتيته عَُّ فقال: ما صنعت؟ قلت: غيبته، قال: لعلك شربته. قلت: شربته، وفي رواية قلت: جعلته في أخفى مكان ظننت أنه خاف عن الناس، قال لعلك شربته؟ قلت: شربته، فقال: ويل لك من الناس وويل للناس منك. زهرة، أبو عمرو، صدوق، ففيه مات سنة أربع وثلاثين ومائة، (أنه بلغه،) والبلاغ من أقسام الضعيف، (إن مالكًا) هو ابن سنان (والد أبي سعيد الخدري، لما جرح النبي عَّ) في وجهه يوم أحد، (مص جرحه حتى أنقاه،) بنون وقاف، (ولاح،) ظهر بعد المص محل الجرح (أبيض، فقال: (مجه)، فقال: والله،) وفي نسخة، لا واللَّه (لا أمجه أبدًا، ثم ازدرده) ابتلعه، (فقال النّبِي عَّة: ((من أراد أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة، فلينظر إلى هذا))، فاستشهد) يومئذٍ بأحد، فظهر صدق قوله أنه من أهل الجنة، وروى سعيد بن منصور أيضًا، أنه عَّ ◌ُلّه قال: ((من سره أن ينظر إلى رجل خالط دمي دمه، فلينظر إلى ملك بن سنان))، (وأخرج البزّار، والطبراني، والحاكم، والبيهقي، وأبو نعيم في الحلية من حديث عامر بن عبد الله بن الزبير،) الأسدي، أبي الحرث المدني، التابعي، الثقة، العابد، مات سنة إحدى وعشرين ومائة، روى له الستة، (عن أبيه، قال: احتجم رسول اللّه عَّةٍ، فأعطاني الدم بعد فراغه من الحجامة، وقال: «إذهب یا عبد الله، فغيبه))). (وفي رواية: ((إذهب بهذا الدم فواره حيث، لا يراه أحد)»، فذهبت، فشربته، ثم أتيته عَّ، فقال: ((ما صنعت)))، أي بالدم، (قلت غيبته، قال: ((لعلك شربته))، قلت: شربته، وفيه رواية، قلت: جعلته في أخفى مكان، ظننت أنه خاف عن الناس،) وفي هذا مزيد حذقه رضي الله عنه، مع صغر سنه، فإنه ولد سنة الهجرة، وكان أول مولود للمهاجرين (قال: ((لعلك شربته))، قلت: شربته قال: ((ويل) للتحسر، والتألم (لك من الناس))،) إشارة إلى محاصرته، وتعذيبه، وقتله، وصلبه على يد الحجاج، ((وويل للناس منك))،) لما أصابهم من حروبه، ومحاصرة مكة بسببه، وقتل من قتل، وما أصاب أمه، وأهله من المصائب، وما لحق قاتليه من الإِثم العظيم، وتخريب الكعبة، فهو ٥٤٧ الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته وفي رواية فقال له رسول الله عَّةٍ فما حملك على ذلك قال: علمت أن دمك لا تصيبه نار جهنم فشربته لذلك، فقال: ويل لك من الناس، وويل للناس منك. وعند الدارقطني من حديث أسماء بنت أبي بكر نحوه، وفيه: ولا تمسك . النار، بيان، لما تسبب عن شرب دمه، فإن بضعة من النبوة نورانية قوت قلبه، حتى زادت شجاعته وعلت همته عن الانقياد لغيره ممن لا يستحق إمارة فضلاً عن الخلافة، وزعم أنه إشارة إلى ما يلحقه من قدح الجهلة فيه بسبب شرب الدم، مما لا ينبغي ذكره وسقوطه مغن عن رده، (وفي رواية، فقال له رسول اللَّه عَّ: ((فما حملك على ذلك؟))، قال: علمت أن دمك، لا تصيبه نار جهنم، فشربته لذلك، فقال: ويل لك من الناس، وويل للناس منك،) وقد سئل الحافظ ابن حجر عن الحكمة في تنوع القول، لابن الزبير، ولملك، ابن سنان مع اتحاد السبب، فأجاب؛ بأن ابن الزبير شرب دم الحجامة، وهو قدر كثير يحصل به الاغتذاء، وقوة جذب المحجمة تجلبه من سائر العروق، أو كثير منها. فعلم ګ أنه يسري في جمیع جسده، فتكتسب جميع أعضائه منه قوى من قوى النبي عَّه، فتورثه غاية قوة البدن، والقلب، وتكسبه نهاية الشهامة، والشجاعة، فلا ينقاد لمن هو دونه بعد ضعف العدل، وقلة ناصره، وتمكن الظلمة، وكثرة أعوانهم، فحصل له ما أشار إليه عَّةٍ، من تلك الحروب الهائلة التي تنتهك بها حرمته الناشئة، من حرمته عَّه، وحرمة البيت العتيق، فقيل له: ويل له، لقتله، وانتهاك حرمته، وويل لهم لظلمهم، وتعديهم عليه، وتسفيههم، وأما لملك، فازدرد ما مصه من الجرح الذي في وجهه عَّه، وهو أقل من دم الحجامة، وكأنه علم أنه يستشهد في ذلك اليوم، فلم يبق له من أحوال الدنيا ما يخبره به، فأعلمه بالأهم له مما يتلقاه من أنواع مسرات الجنان، انتهى. ولا عطر بعد عروس، وحاصله أنه اقتصر للملك على التبشير بالجنة، أنه لا تصيبه النار لعدم بقاء شيء له من الدنيا، بخلاف ابن الزبير، فأخبره بما يقع له في الدنيا، على سبيل الإِشارة، كما أشار له أيضًا، بأنه من أهل الجنة بقوله: لا تمسك النار، فزعم أن مقتضاه أنه لم يخاطب بهذا ابن الزبير، بل مالكًا ساقط إذ محط الفرق، إنما هو قوله ويل الخ ... ، وكيف يتوهم أنه لم يخاطب به ابن الزبير، (و)قد ورد (عند الدارقطني، من حديث أسماء بنت أبي بكر نحوه، وفيه: ولا تمسك النار،) فهل يظن بالحافظ أنه لم يرَ الدارقطني، وهو من جملة مروياته على شيوخ عدة، ولفظ الدارقطني في السنن عن أسماء، قالت: احتجم عَّارِ، فدفع دمه لابني، فشربه، فأتاه جبريل، فأخبره، فقال: ما صنعت، قال: كرهت أن أصب دمك، فقال عَّله: لا تمسك النار، ٥٤٨ الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته وفي كتاب الجوهر المكنون في ذكر القبائل والبطون: أنه لما شرب دمه عدّ. تضوّع فمه مسكًا، وبقيت رائحته موجودة في فمه إلى أن صلب رضي الله عنه. وأخرج الحسن بن سفين في مسنده والحاكم والدارقطني والطبراني وأبو نعيم من حديث أبي ملك النخعي عن الأسود بن قيس عن نبيح العنزي عن أم أيمن قالت: قام رسول الله عَّه من الليل إلى فخارة في جانب البيت فبال فيها، فقمت من الليل وأنا عطشانة فشربت ما فيها وأنا لا أشعر، فلما أصبح النبي عَّله قال: يا أم أيمن قومي ومسح على رأسه، وقال: ويل للناس منك، وويل لك من الناس، (وفي كتاب الجوهر المكنون في ذكر القبائل والبطون أنه،) أي: ابن الزبير، (لما شرب دمه علّ تضوّع،) أي: فاح (فمه مسكا،) تمييز، قال الجوهري: وضاع المسك، وتضوّع، وتضيع، أي: تحرك، فانتشرت رائحته، قال: تضوع مسكًا بطن نعمان إذ مشت به زينب في نسوة عطرات ثم قال: وتضيع المسك، لغة في تضوع، أي: فاح، (وبقيت رائحته موجودة في فمه، إلى أن صلب) بعد قتله (رضي الله عنه) سنة ثلاث وسبعين، وكانت خلافته تسع سنين، قال الإِمام ملك: وكان أحق بها من عبد الملك، وأبيه مروان، (وأخرج الحسن بن سفين) بن عامر الفسوي، بالفاء، إلى فسا من بلاد فارس، الحافظ، الإِمام، لقي إسحق، وابن معين، ومات سنة ثلاث ومائتين، وقد جاوز التسعين، (في مسنده،) وهو كبير، (والحاكم، والدارقطني، والطبراني، وأبو نعيم من حديث أبي ملك النخعي،) الواسطي اسمه عبد الملك وقيل: عبادة بن الحسين، ويقال له ابن ذر متروك، من السابعة روی له ابن ماجه، كما في التقريب، (عن الأسود بن قيس) العبدي، ويقال العجلي، الكوفي، يكنى أبا قيس، تابعي، صغير، ثقة، (عن نبيح،) بضم النون، وموحدة، ومهملة مصغر ابن عبد اللّه، (العنزي،) بفتح المهملة، والنون، ثم زاي، نسبة إلى عنزة بن أسد أبي عمر، والكوفي، مقبول من الطبقة الوسطى من التابعين، (عن أم أيمن، قالت: قام رسول اللّه عٍَّ من الليل،) من ظرفية بمعنى في لا زائدة، وقد عده من معانيها الكوفيون، وابن ملك، وأنشدوا: غسى سائل ذو حاجة إن منعته من اليوم سؤلانا له بعد في غد وقال تعالى: ﴿نودي للصلاة من يوم الجمعة﴾ [الجمعة/٩]، أي: فيه (إلى فخارة)، جرة (في جانب البيت، فبال فيها، فقمت من الليل، وأنا عطشانة،) قيل المعروف لغة عطشى، فهذا سماعي على خلاف القياس، كألفاظ جاءت على فعلان وفعلانة، فيصرف فعلان، لأن شرط منع صرفه وجود، فعلى، أو فقد فعلانة، وفي القاموس أن عطشانة لغة في عطشى، (فشربت ٥٤٩ الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته فأهريقي ما في تلك الفخارة، فقلت: قد والله شربت ما فيها قالت: فضحك رسول الله عَّه حتى بدت نواجذه، ثم قال: أما والله لا يبجعن بطنك أبدًا. وعن ابن جريج قال: أخبرت أن النبي عَّله كان يبول في قدح من عيدان ثم يوضع تحت سريره فجاء فإذا القدح ليس فيه شىء فقال لامرأة يقال لها بركة كانت تخدم أم حبيبة جاءت معها من أرض الحبشة أين البول الذي كان في القدح؟ قالت: شربته. قال: صحة ما فيها، وأنا لا أشعر) أنه بول لطيب رائحته، (فلما أصبح النبي عَّهِ، قال: ((يا أم أيمن قومي، فاهريقي)،) بفتح الهمزة، من أهرق، أي صبي ((ما في تلك الفخارة))، فقلت: قد واللّه شربت ما فيها،) أقسمت عليه تأكيدًا، (قالت: فضحك رسول اللّه عٍَّ حتى بدت نواجذه، ثم قال: ((أما،) بالفتح، وخفة الميم، (واللَّه، لا يبجعن،) بالباء الموحدة، والجيم، كذا قال السيوطي في المناهل، لكنه لا يناسب قول القاموس، بجعة بالجيم، قطعة بالسيف، لأن ما هنا من الوجع، أي المرض، وصرح المجد، بأنه يقال يوجع، بالواو، ويبجع، بالياء، فهو، بتحتيتين، أولاهما مفتوحة، ومكسورة، أي: لا يصيب (بطنك) وجع (أبداً، وعن) عبد الملك بن عبد العزيز (بن جريج،) بجيمين أولاهما مضمومة، الأموي مولاهم، المكي، ثقة، فاضل، فقيه، روى له الستة، وكان يدلس، ويرسل، مات سنة خمسين ومائة، أو بعدها، وقد جاوز التسعين، وقيل جاوز المائة، ولم يثبت (قال: أخبرت أن النبي عَّله، كان يبول في قدح من عيدان،) بفتح المهملة، وإسكان التحتية، ومهملة مفتوحة، جمع عيدانة، بالهاء، وهو الطوال من النخل، كما ضبطه جمع منهم المجد، وجوّز التلمساني، كسر العين، على أنه جمع عود، وهو مخالف لهم، قال الشاعر: إن الرياح إذا ما أعصفت قصفت عيدان نجد ولم يعبأن بالريم (ثم يوضع تحت سريره،) فإن قيل ما الحاجة لوضعه مع إن الأرض تبتلعه، فلا يرى له أثر، أجيب بأنه عَ له، كان يكره الخروج ليلاً من بيته، وهو مصلی نافلته، ومحل نزول الوحي، والملائكة، فلا يليق أن يمس باطنه، وظاهره شيء من الفضلات، وإن ظاهره تعظيمًا لعبادة ربه، وتأدبًا، ثم لا ينافيه قوله عَُّله: لا ينقع بول في طشت في البيت، فإن الملائكة، لا تدخل بيتًا فيه بول مستنقع، رواه الطبراني بسند حسن عن ابن عمر، لإِمكان حمله على الفعل، بلا ضرورة، أو على تركه في الإِناء مدة بحيث ينشر به الإِناء، كما يشعر به ينقع، ومستنقع ومدة تركه علي كانت يسيرة، (فجاء، فإذا القدح ليس فيه شيء، فقال لامرأة، يقال لها بركة كانت تخدم أم حبيبة) بنت أبي سفين، أم المؤمنين، (جاءت معها من أرض الحبشة: ((أين البول الذي كان في القدح))؟، قالت: شربته، قال: صحة،) بكسر الصاد، والنصب، أي جعله اللَّه صحة، أو الرفع، أي: الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته يا أم يوسف فما مرضت قط حتى كان مرضها الذي ماتت فيه. رواه أبو داود عن ابن جريج عن حكيمة عن أمها أميمة بنت رقيقة. وصحح ابن دحية أنهما قصتان وقعتا لامرأتين وقد وضح أن بركة أم يوسف غير بركة أم أيمن، ما شربتيه صحة، أي سبب لها، وفيه أن قول ذلك مستحب للشارب، ويقاس عليه الأكل، وحكمته أنه يخشى منهما السقم ونحوه، كما قيل: فإن الداء أكثر ما تراه يكون من الطعام أو الشراب (يا أم يوسف فما مرضت قط حتى كان،) أي وجد (مرضها الذي ماتت فيه،) وهذا الحديث رواه عبد الرزاق في مصنفه عن ابن جريج، أخبرت الخ ... و(رواه أبو داود،) متصلاً (عن ابن جريج عن حكيمة،) بضم الحاء المهملة، وفتح الكاف مصغر، كما في التبصير، وغيره تابعية، وفي الإِصابة عن أبي نعيم لم يرَ، وعنها إلاّ ابن جريج، واسم والدها حكيم، (عن أمها أميمة،) بضم الألف، وميمين، بينهما تحتية مصغر، قالت: كان للنبي عَ ل قدح من عيدان يبول فيه، الحديث، وأبوها اسمه بجاد، بكسر الموحدة، والجيم، ابن عبد الله بن عمير، بن الحرث، بن جارية بن سعد، بن تيم بن مرة، القرشية، التيمية، ويقال: أميمة بنت عبد الله بن بجاد، إلى آخره، صحابية من المبايعات، روت عن النبي عَّهِ، وعنها محمد بن المنكدر، وبنتها حكيمة، واشتهرت بأمها، ولذا قال: (بنت رقيقة،) بضم الراء، وقافين مصغر، وهي بنت خويلد بن أسد، أخت خديجة أم المؤمنين، قال أبو عمر: كانت بنتها أميمة من المبايعات، وهي خالة فاطمة الزهراء، ورده ابن الأثير؛ بأنها بنت خالتها، لأن خويلد، والد خديجة، هو والد رقيقة، لا أميمة، قال في الإصابة: هذا يصح على قول من قال أنها رقيقة بنت أسد، بن عبد العزى، ومن ثم، قال المستغفري: هي عمة خديجة بنت خويلد، وترجم في الإصابة، تلو هذه أميمة بنت رقيقة، بنت أبي صيفي بن هاشم، بن عبد مناف، وهي أخت مخرمة بن نوفل لأمه، وأمها رقيقة، صاحبة الرؤيا في استقاء عبد المطلب، فرق أبو نعيم تبعًا، للطبراني بينها، وبين التي قبلها، وأخرج في ترجمة هذه حديث ابن جريج، فذكره، ثم قال: وأما ابن السكن، فجعلهما واحدة، ثم ترجم رقيقة بنت أبي صيفي، فنسبها، كما رأيت، وقال: ذكرها الطبراني، والمستغفري في الصحابة، وقال أبو نعيم: ما أراها أدركت الإِسلام، انتهى. فليتأمل، ثم أشار المصنف إلى الخلاف، في أن شاربة بوله عَّه امرأة واحدة، أو امرأتان، بقوله: (وصحح ابن دحية أنهما قصتان وقعتا لامرأتين)) إحداهما أم أيمن، والثانية بركة أم يوسف، وزعم أن أحداهما أميمة، وهم لأنها رواية فقط، كما علمت، (وقد وضح،) بفتح الضاد، كوعد ٥٥١ الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته وهو الذي ذهب إليه شيخ الإسلام البلقيني. وفي هذه الأحاديث دلالة على طهارة بوله ودمه عَ ◌ّةٍ. قال النووي في شرح المهذب: واستدل من قال بطهارتهما بالحديثين المعروفين: أن أبا طيبة الحجام حجمه عَ ◌ّه وشرب دمه ولم ينكر عليه، وأن امرأة شربت بوله عليّه فلم ينكر عليها. وحديث أبي طيبة ضعيف، وحديث شرب المرأة البول صحيح رواه الدراقطني قال: وهو حديث حسن صحيح، انكشف وظهر، (أن بركة أم يوسف، غير بركة أم أيمن،) لأن أم يوسف كانت تخدم أم حبيبة، وجاءت معها من الحبشة، وأم أيمن هي مولاته عَّله، وحاضنته، وهي بركة بنت ثعلبة، بن عمرو بن حصن بن ملك بن سلمة بن عمرو بن النعمان، (وهو الذي ذهب إليه شيخ الإِسلام) السراج، (البلقيني،) خلافًا لدعوى ابن السكن، أن بركة خادمة أم حبيبة كانت تكنى أيضًا أم أيمن، فالقصتان لها، وخلافًا لخلط أبي عمر، خادمة أم حبيبة، بأم أيمن، فأخرج في ترجمتها حديث ابن جريج عن حكيمة عن أميمة، ثم قال: أظن بركة هذه أم أيمن، قال في الإصابة، وحمله على ذلك ما ذكره هو في صدر ترجمة بركة أم أيمن، أنها هاجرت الهجرتين إلى الحبشة، وإلى المدينة، وفي هجرتها إلى الحبشة نظر، فإنها كانت تخدم النبي عَّهِ، وزوجها مولاه زيدًا، وزيد لم يهاجر إلى الحبشة، ولا أحد من خدمه عَّله، إذ ذاك، فظهر أن بركة الحبشية غير أم أيمن، وإن وافقتها في الاسم، ثم أن بعض المغاربة جوز أن بركة الحبشية هي بركة بنت يسار، مولاة أبي سفين بن حرب المهاجرة إلى الحبشة مع زوجها قيس بن عبد الله الأسدي، وليس كما ظن، فإن بركة بنت يسار من حلفاء بني عبد الدار، وأصلها من كندة، وليست حبشية، وإن اشتركتا في كونهما، كانتا في أرض الحبشة مع المهاجرين، انتهى. (وفي هذه الأحاديث دلالة على طهارة بوله ودمه عَّةٍ،) لأنه لم يأمر واحدًا منهم يغسل فمه، ولا نهاه عن عودة، قاله عياض، (قال النووي في شرح المهذب، واستدل من قال بطهارتهما بالحديثين المعروفين، أن أبا طيبة الحجام حجمه عَّةٍ، وشرب دمه، ولم ينكر عليه، وأن امرأة شربت بوله عَّه، فلم ينكر عليها،) قال عياض: وشاهد هذا أنه عٍَّ لم يكن منه شيء يكره، ولا غير طيب، (وحديث أبي طيبة ضعيف،) أي شربه الدم، وإلاّ فحاجته للنبي عَّ في الصحيحن من حديث أنس، وجابر، وغيرهما، (وحديث شرب المرأة البول صحيح،) يعني أم أيمن، لأنها التي (رواه الدارقطني،) أنها شربت بوله، كما مر قريبًا؛ (قال: وهو حديث حسن صحيح،) نحوه قول عياض في الشفاء: حديث المرأة التي شربت بوله عَ له. صحيح، ألزم الدارقطني مسلمًا، والبخاري، إخراجه في الصحيح انتهى، لكن تعقب بأن ٥٥٢ الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته كاف في الاحتجاج لكل الفضلات قياسًا، ثم قال إن القاضي حسينًا قال: بطهارة الجميع. انتهى. وبهذا قال أبو حنيفة، كما قاله العيني. وأبو طيبة؛ بفتح الطاء المهملة وسكون الياء المثناة تحت وباء موحدة، نافع الحجام مولى محيصة - بضم الميم وفتح المهملة وتشديد المثناة تحت وكسرها ۔ هو ابن مسعود الأنصاري. وقال شيخ الإسلام ابن حجر قد تكاثرت الأدلة على طهارة فضلاته علي بية وعدّ الأئمة ذلك من خصوصياته. انتهى. الدارقطني، قال في علله، أنه مضطرب جاء عن أبي لملك النخعي، وهو ضعيف، وذلك (كاف في الاحتجاج لكل الفضلات قياسًا، ثم قال) النووي: (إن القاضي حسينًا، قال بطهارة الجميع، انتھی). أي جميع فضلاته، وبه جزم البغوي، وغيره، واختاره كثير من متأخري الشافعية، وصححه السبكي، والبارزي، والزركشي، وابن الرفعة، والبلقيني، والقاياتي، قال الرملي، وهو المعتمد خلافًا، لما صححه الرافعي، وتبعه النووي: إن حكمهما منه، كغيره، وحمل الأخبار على التداوي، ورد بحديث لن يجعل اللّه شفاء أمتي، فيما حرم عليها، وحمل تنزهه عَّ منها، على الاستحباب، ومزيد النظافة، (وبهذا، قال أبو حنيفة، كما قاله العيني،) وقطع به ابن العربي من الملكية، وعممه، بعض متأخريهم في جميع الأنبياء، وفي الشفاء، قال قوم: بطهارة الحدثين منه عَظّله، وهو قول بعض أصحاب الشافعي، وحكي القولين عن العلماء ابن سابق الملكي، (وأبو طيبة، بفتح الطاء المهملة، وسكون الياء المثناة تحت، وباء موحدة،) مفتوحة، (نافع الحجام،) كما ثبت في مسند أحمد وغيره، عن محيصة بن مسعود أنه كان له غلام حجام، يقال له نافع أبو طيبة، فسأل النبي عَّه عن خراجه، فقال: إعلفه الناضح الحديث، فقول العسكري: قيل اسمه نافع، ولا يصح، ولا يعرف، اسمه ساقط، ويقال اسمه ميسرة، وذكره البغوي، عن أحمد بن عبيد بن أبي طيبة، أنه سئل عن اسم جده، فقال ميسرة: ويقال اسمه دينار حكاه ابن عبد البر، ولا يصح، فقد ذكر الحاكم أبو أحمد، أن دينار الحجام آخر تابعي، وأخرج ابن منده حديث لدينار الحجام عن أبي طيبة، ذكره في الإصابة (مولى محيصة، بضم الميم، وفتح المهملة، وتشديد المثناة تحت، وكسرها، هو ابن مسعود الأنصاري،) فإذا بهذا أن أبا طيبة غير الغلام المار، لأنه غلام لبعض قريش، (وقال شيخ الإسلام ابن حجر،) الحافظ: (قد تكاثرت الأدلة على طهارة فضلاته معَِّ، وعد الأئمة ذلك من خصوصياته انتهى). ٥٥٣ الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته قال بعضهم: وكأن السر في ذلك ما روي من صنيع الملكين حين غسلا جوفه والله أعلم. وأما سيرته عَّ في البراز، ففي حديث عائشة عند أبي عوانة في صحيحه والحاكم: ما بال رسول الله عَ لله قائمًا منذ أنزل عليه القرءان. وفي حديث عبد الرحمن بن حسنة قال الزركشي: وينبغي طرد الطهارة في فضلات سائر الأنبياء، ونازعه الجوجري في ذلك، لكن يؤيده حديث أن اللَّه أمر الأرض أن تبتلع ما يخرج من الأنبياء، مع حديث أن أجسادهم ثبتت على أرواح أهل الجنة، (قال بعضهم: وكان السر في ذلك ما روي من صنيع الملكين، حين غسلا جوفه) في المرة الأولى، عند مرضعته حليمة، أو وهو ابن عشر، أو حين البلوغ، أو ليلة الإسراء، فعلى الأول يكون ذلك ثبت له من ابتداء طفوليته، (والله أعلم) بالحق في ذلك، (وأما سيرته عَّةٍ)) أي حالته وهيئته، التي كان يتلبس بها (في البراز،) بفتح الموحدة، اسم للفضاء الواسع، كنوا به عن الحاجة، كما كنوا بالخلاء، لأنهم كانوا يتبرزون في الأمكنة الخالية من الناس، قال الخطابي: وأكثر الرواة يكسرون الباء، وهو غلط، لأنه مصدر بارزت الرجل مبارزة، وبراز إلاَّ بمعنى القضاء، ورده النووي؛ بأن الظاهر بل الصواب الكسر. قال الجوهري وغيره من أئمة اللغة، البراز، بالكسر، ثقل الغذاء، وهو الغائط، وأكثر الرواة عليه، فتعين المصير إليه، ولأن المعنى عليه ظاهر، ولا يظهر معنى الفضاء الواسع هنا إلاّ بكلفة، انتهى، أي بجعله مجازًا علاقته المجاورة، أو من تسمية الحال باسم المحل، لخروجه فيه، وذكر المصباح أن كسر الباء في الفضاء لغة قليلة، ثم جواب أما محذوف، أشير إلى بعضه بقوله، (ففي حديث عائشة،) أو هو، وما بعده نفس الجواب، وهو أولى (عند أبي عوانة) الحافظ، يعقوب بن إسحق الأُسفرايني، النيسابوري ثقة، ثبت، جليل، طاف الدنيا وعني بالحديث، مات سنة ست عشرة وثلثمائة، (في صحيحة) المخرج على مسلم، وله فيه زيادات عدة، (والحاكم) محمد بن عبد الله، الحافظ، المشهور، قالت: (ما بال رسول اللّه عَّ قائمًا منذ أنزل عليه القرءان،) يطلق على بعضه، كما يطلق على كله، فشمل أول ما نزل، فكأنها. قالت: منذ نبیء، ولا یشکل؛ بأنها لم تولد، حينئذ الجواز أنه بلغها ذلك، فأخبرت به، ولا یرد ما شاهده حذيفة من بوله قائمًا، لأنه في غير البيوت، أو لبيان الجواز، ولم تشاهده عائشة، فأخبرت بما شاهدت، وكأنها قاست عليه ماله تشاهده، وقد روي الترمذي، والنسائي عنها من حدثكم أن رسول اللّه عَّه، كان يبول قائمًا، فلا تصدقوه ما كان يبول إلاَّ قاعدًا، ولفظ النسائي إلاَّ جالسًا، وحمل على من اعتقد أنه عادته، (وفي حديث عبد الرحمن بن حسنة،) بفتح المهملتين، ثم نون، ٥٥٤ الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته عند النسائي وابن ماجه: أنه عَِّ بال جالسًا، فقالوا: انظروا إليه يبول كما تبول المرأة. وحكى ابن ماجه عن بعض مشايخه أنه قال: كان من شأن العرب البول قائمًا، ويؤيده ما في حديث عبد الرحمن هذا. وفيه دلالة على أنه كان يخالفهم في ذلك فيقعد لكونه أستر وأبعد من مماسة البول. وقال حذيفة: أتى رسول الله عَ ليه سباطة قوم فبال قائمًا ثم دعا بماء فجئته بماء فتوضأ. وهو ابن المطاع بن عبد اللّه، أخو شرحبيل بن حسنة، وهي أمهما، قال الترمذي: يقال أنهما إخوان، وأنكره العسكري، تبعًا لابن أبي خيثمة. روى عبد الرحمن عن المصطفى، وعنه زيد بن وهب، وذكر مسلم، والأزدي، والحاكم؛ أنه تفرد بالرواية عنه، ويرد عليهم أن في الطبراني الكبير حديثًا من طريق أبي طارق عنه، قاله الإصابة (عند النسائي، وابن ماجه،) وصححه الدارقطني، وغيره؛ (أنه عَُّلِّ بال جالسًا،) مخالفًا لعادة العرب، (فقالوا) متعجبين: (انظروا إليه يبول، كما تبول المرأة،) ولعل قائليه ليسوا مسلمين، إذ محافظة الصحابة على فعله، واقتداؤهم به معلوم، (وحكي ابن ماجه عن بعض مشايخه أنه قال: كان من شأن العرب البول قائمًا،) ألا تراه يقول في حديث عبد الرحمن بن حسنة، يبول كما تبول المرأة، هذا بقية ما حكاه ابن ماجه، كما في الفتح، فما أوهمه قوله، (ويؤيده ما في حديث عبد الرحمن هذا،) من تعجبهم من بوله جالسًا؛ أنه من عنده ليس بمراد، (وفيه دلالة على أنه) عَّةٍ (كان يخالفهم في ذلك، فيقعد لكونه أستر، وأبعد من مماسة البول،) إذ القيام يخشى منه إصابة القدمين ونحوهما برشاش البول. (وقال حذيفة) بن اليمان، الصحابي، ابن الصحابي: (أتى رسول اللّه عَ آيه سباطة قوم،) وفي رواية بطيحة قوم، وهي المكان الواسع، (فبال قائمًا، ثم دعا بماء، فجئته بماء فتوضأ) وفي مسلم، فتنحيت، فقال: ادنُ، فدنوت حتى قمت عند عقبيه، ولأحمد أتى سباطة قوم، فتباعدت، فأدناني حتى صرت قريبًا من عقيبة، فبال قائمًا، ودعا بماء، فتوضأ، ومسح على خفيه، وكذا زاد مسلم وغيره فيه ذكر المسح على الخفين. (رواه البخاري)، ومسلم، وأصحاب السنن وغيرهم، وفي الصحيح أيضًا عن حذيفة، رأيتني أنا والنبي عَ ◌ِّ نتماشى، فأتى سباطة قوم خلف حائط، فقام، كما يقوم أحدكم فبال، فانتبذت منه، فأشار إليّ فجئت، فقمت عند عقبيه حتى فرغ، وفيه أيضًا كان أبو موسى الأشعري يشدد ٥٥٥ الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته رواه البخاري. وفي رواية غيره: بال قائمًا ففحج رجليه، أي: فرقهما وباعد ما بینھما. والسباطة : - المهملة وبعدها موحدة - هي المزبلة والكناسة تكون بفناء الدور مرفقا لأهلها، وتكون في الغالب سهلة لا يرتد منها البول على البائل، وإضافتها إلى القوم إضافة اختصاص لا ملك لأنها لا تخلو عن النجاسة. وبهذا يندفع إيراد من استشكله لكون البول يوهي الجدار ففيه إضرار، أو نقول: إنما بال فوق السباطة لا في أصل الجدار، وهو صريح في رواية أبي عوانة في صحيحه. في البول، ويقول: إِن بني إسرائيل كان إذا أصاب البول ثوب أحدهم قرضه)، فقال حذيفة: ليته أمسك أتى رسول اللَّه عَّه سباطة قوم، فبال قائمًا، (وفي رواية غيره: بال قائمًا، ففحج،) بفاءين، وحاء مهملة مفتوحات، وجيم، (رجليه، أي: فرقهما وباعد ما بينهما،) وهذه حالته وإن بال جالسًا، قال أبو موسى: رأيت رسول اللَّه عَِّ يبول قاعدًا، قد جافى بين فخذيه، حتى جعلت أرثي له من طول الجلوس. رواه الطبراني، وقال ابن عباس: عدل عَّ إلى الشعب، فبال حتى أني أرثي له من ور کیه، رواه ابن ماجه (والسباطة،) بضم السين، (المهملة، وبعدها موحدة،) فألف، فطاء مهملة، فتاء تأنيث، (هي المزبلة،) بفتح الباء، والضم لغة موضع الزبل، كما في المصباح، (والكناسة،) الواو بمعنى، أو وبها عبر المصنف في شرح البخاري، وحكي ابن الأثير القولين، فقال: السباطة الموضع الذي يرمى فيه السراب، والأوساخ، وما يكنس من المنازل، وقيل هي الكناسة نفسها انتهى. وجزم الجوهري، والمجد بالثاني، (تكون بفناء الدور مرفقًا لأهلها،) أي: محلاً يرتفقون به، قال في القاموس: الرفق بالكسر ما استعين به، واللطف رفق به، وعليه مثلثة رفقًا ومرفقًا، كمجلس ومقعد ومنبر، ثم قال: ومرافق الدار مصاب الماء ونحوها؛ ومثله في صحاح الجوهري، وصريحهما أن اللغتين في المعنيين، وفي المصباح المرفق ما ارتفقت به، بفتح الميم، وكسر الفاء، وعكسه لغتان، وأما مرفق الدار، كالمطبخ والكنيف ونحوه، فبكسر الميم، وفتح الفاء، لا غير على التشبيه باسم الآلة، (وتكون في الغالب سهلة، لا يرتد منها البول على البائل؛) فلذا بال عليها، (وإضافتها إلى القوم إضافة اختصاص، لا ملك، لأنها، لا تخلو عن النجاسة،) وهي لا تملك، (وبهذا،) أي: كونها سهلة، لا يرتد منها البول (يندفع إيراد من استشكله لكون البول يوهي الجدار، ففيه إضرار،) وهو قد قال: لا ضرر، ولا ضرار، ووجه الدفع إنها لسهولتها تشرب البول الحاصل بها، فلا يصل إلى الجدار، (أو نقول) في الجواب (إنما بال فوق السباطة) بوسطها، (لا في أصل الجدار،) الذي نشأ الإِشكال منه، (وهو صريح في رواية أبي عوانة فى ٥٥٦ الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته وقيل: يحتمل أن يكون علم إذنهم في ذلك بالتصريح أو غيره أو لكونه مما يتسامح الناس به، أو لعلمه بإيثارهم إياه بذلك، أو لكونه يجوز له التصرف في مال أمته دون غيره لأنه أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأموالهم، وهذا وإن كان صحيح المعنى لكن لم يعهد ذلك من سيرته ومكارم أخلاقه معد له. قال الحافظ ابن حجر: وأما مخالفته عَّ لما عرف من عادته من الإبعاد عند قضاء الحاجة عن الطرق المسلوكة وعن أعين النظار، فقد قيل فيه إنه عليه. كان مشغولاً بمصالح المسلمين، ولعله طال عليه المجلس حتى احتاج إلى البول فلو أبعد لتضرر، واستدنى حذيفة ليستره من خلفه عن رؤية من لعله يراه، أو لعله فعله صحيحه،) فيحمل عليه، لأن الروايات تبين بعضها، (وقيل يحتمل أن يكون علم إذنهم في ذلك بالتصريح، أو غيره،) كإمارة دلت على ذلك، (أو لكونه مما يتسامح الناس به، أو لعلمه بإيثارهم إياه بذلك، أو لكونه يجوز له التصرف في مال أمته دون غيره، لأنه أولى بالمؤمنين من أنفسهم،) فيما دعاهم إليه، ودعتهم أنفسهم إلى خلافه (وأموالهم؛ وهذا،) أي: التعليل بجواز التصرف. (وإن كان صحيح المعنى، لكن لم يعهد ذلك من سيرته ومكارم أخلاقه معَّب) أي: أنه عاملهم بما يتخيل إن فيه أذى؛ وإن جاز له ورضوا به، (قال الحافظ ابن حجر:) في الفتح أيضًا إذ الذي قبله من أول قوله والسباطة فيه أيضًا، ثم قال بعد قليل جواب سؤال، تقديره لم خالف عادته من الإِبعاد، وبال على السباطة القريبة من الناس، (وأما مخالفته عَظٍِّ، لما عرف من عادته من الإبعاد، عند قضاء الحاجة، عن الطرق المسلوكة وعن أعين النظار،) بحيث لا يراه أحد، لما روى أبو داود وابن ماجه؛ والحاكم في علومه عن بلال بن الحرث وغيره، كان عَ ◌ِّ إذا انطلق لحاجته تباعد حتى، لا يراه أحد، وروى ابن جرير وغيره بإسناد جيد عن ابن عمر، قال: كان عَّ يذهب لحاجته إلى المغمس، قال نافع: وهو نحو ميلين من مكة، وفي القاموس المغمس، كمعظم ومحدث، وهو مبالغة في الأبعاد واستعمال الأدب، فلا ينافي في أن المستحب يحصل بما دون ميلين، (فقد، قيل فيه،) أي: وجه مخالفته لعادته، (أنه عٍَّ كان مشغولاً بمصالح المسلمين، ولعله) في الفتح فلعله، بالفاء، (طال عليه المجلس حتى احتاج إلى البول، فلو أبعد لتضرر) بحبس البول إلى وصوله للمكان البعيد، (واستدنى حذيفة،) أي: طلب قربه منه، (ليستره من خلفه عن رؤية من لعله يراه،) أي: يرى شخصه علية مع وجود مانع رؤية عورته، ولفظ الفتح من لعله يمر به، وكان قدامه مستورًا بالحائط، (أو لعله فعله،) أي: الستر، (لبيان ٥٥٧ الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته لبيان الجواز. ثم هو في البول وهو أخف من الغائط لاحتياجه إلى زيادة تكشف، والغرض من الإبعاد التستر وهو يحصل بإرخاء الذيل والدنو من الساتر. وروى الطبراني من حديث عصمة بن ملك قال: خرج علينا رسول الله عَليه في بعض سكك المدينة فانتهى إلى سباطة قوم فقال: يا حذيفة استرني فذكر الحديث. وظهر منه الحكمة في إدنائه حذيفة في تلك الحالة. وقيل: إنما بال قائمًا لأنها حالة يؤمن معها خروج الريح بصوت، ففعل ذلك لكونه قريبًا من الديار، ويؤيده ما رواه عبد الرزاق عن عمر رضي الله عنه قال: البول قائمًا أحصن للدبر. وقيل: السبب في ذلك ما روي عن الشافعي وأحمد: أن العرب الجواز، ثم هو،) أي: الستر (في البول، وهو أخف من الغائط لاحتياجه إلى زيادة تكشف،) أسقط من الفتح، ولما يقترن به من الرائحة، وإسقاطه حسن، إذ لم يكن لغائطه رائحة كريهة، كما مر، (والغرض من الإبعاد التستر، وهو يحصل بإرخاء الذيل، والدنو من الساتر،) إن كان طوله ثلثي ذراع؛ وقرب منه بأن كان ما بينهما ثلاثة أذرع فأقل، والساتر تعرض المقعدة. (وروى الطبراني من حديث عصمة بن ملك) الخطمي، له أحاديث، أخرجها الدارقطني، والطبراني وغيرهما، مدارها على الفضل بن مختار، وهو ضعيف جدًا، قاله في الإصابة، وفي التقريب، زعم عبد الحق أن النسائي أخرج له حديثًا في السرقة، وتعقب ذلك ابن القطان، (قال خرج علينا رسول اللَّه عَِّ في بعض سكك))) أي: طرق (المدينة، فانتهى إلى سباطة قوم، فقال: ((يا حذيفة استرني))، فذكر الحديث،) وهو فدنوت حتى قمت عند عقبه، فبال قائمًا، (وظهر منه الحكمة في إدنائه حذيفة في تلك الحالة،) وهي قربه من القوم، وجلوسه في مظنة المارة عليه؛ مع أمره له بذلك، قال في الفتح: وكان حذيفة، لما وقف خلفه عند عقبه، استدبره وظهر أيضًا أن ذلك كان في الحضر، لا في السفر، ويستفاد من هذا دفع أشد المفسدتين بأخفهما، والإِتيان بأعظم المصلحتين إذا لم يمكنا معًا، وبيانه أنه عَِّ كان يطيل الجلوس لمصالح الأمة، ويكثر من زيارة أصحابه وعيادتهم، فلما حصره البول، وهو في بعض تلك الحالات، لم يؤخره حتى يبعد كعادته، لما يترتب على تأخيره من الضرر، فراعى أهم الأمرين، وقدم المصلحة في تقريب حذيفة منه اليستره من المارة، على مصلحة تأخره عنه، إذ لم يمكن جمعهما، (وقيل: إنما بال قائمًا، لأنها حالة يؤمن معها خروج الريح بصوت، ففعل ذلك لكونه قريبًا من الديار، ويؤيده ما رواه عبد الرزاق عن عمر رضي الله عنه، قال: البول قائمًا أحصن للدبر.) من خروج الريح منه، (وقيل السبب في ذلك ما روي عن الشافعي، وأحمد، أن العرب ٥٥٨ الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته كانت تستشفي لوجع الصلب بذلك فلعله كان به. وروى الحاكم والبيهقي من حديث أبي هريرة قال: إنما بال عَِّ قائمًا لجرح كان بمأبضه. والمأبض: بهمزة ساكنة بعدها موحدة ثم معجمة: باطن الركبة. فكأنه لم يتمكن لأجله من القعود، ولو صح هذا الحديث لكان فيه غنیی عن جميع ما تقدم لكن ضعفه الدارقطني والبيهقي. والأظهر: أنه فعل ذلك لبيان الجواز، وكان أكثر أحواله البول عن قعود. وقيل إن البول عن قيام منسوخ واستدل عليه بحديث عائشة المتقدم. والصواب: أنه غير منسوخ، والجواب عن حديث عائشة أنه مستند إلى علمها فيحمل على ما وقع منه في البيوت، وأما غير البيوت فلم تطلع هي علیه، ٠٠ كانت تستشفي لوجع الصلب بذلك، فلعله كان به) وجع صلب، بضم، فسكون، وبضمتین، عظام الظهر، وفي القاموس عظم من لدن الكاهل إلى العجب. (وروى الحاكم، والبيهقي من حديث أبي هريرة، قال: إنما بال عَّ قائمًا لجرح كان بمأبضه، والمأبض، بهمزة ساكنة بعدها موحدة) مكسورة، (ثم) ضاد (معجمة، باطن الركبة، فكأنه لم يتمكن لأجله من القعود، ولو صح هذا الحديث لكان فيه غنى عن جميع ما تقدم،) لأنه نص وما تقدم احتمالات، (لكن ضعفه الدارقطني، والبيهقي، والأظهر أنه فعل ذلك لبيان الجواز، وكان أكثر أحواله البول عن قعود،) وقول ابن القيم الصحيح؛ أنه إنما فعله تنزيهًا وبعدًا؛ من إصابة البول فيه نظر، بل البول قائمًا في المكان الصلب، مما ينجس القدمين بالرشاش، (وقيل إن البول عن قيام منسوخ؛ واستدل عليه بحديث عائشة المتقدم:) ما بال قائمًا منذ أنزل عليه القرءان، وهذا زعمه أبو عوانة وابن شاهين، واستدلا بهذا وبحديثها أيضًا، من حدثكم أنه كان يبول قائمًا، فلا تصدقوه، ما كان يبول إلاّ قاعدًا، (والصواب أنه غير منسوخ) إذ لا دليل على نسخه، (والجواب عن حديث عائشة أنه مستند إلى علمها، فيحمل على ما وقع منه في البيوت، وأما غير البيوت، فلم تطلع هي عليه). (وقد حفظه حذيفة، وهو من كبار الصحابة، وهو جائز من غير كراهة إذا أمن الرشاش)، وقد بينا أن ذلك كان بالمدينة، فتضمن الرد على ما نفته عائشة؛ من أن ذلك لم يقع بعد نزول القرءان، وقد ثبت عن عمر، وعلي، وزيد بن ثابت، وغيرهم؛ أنهم بالوا قيامًا، وهو دال على الجواز من غير كراهة؛ إذا أمن الرشاش، ولم يثبت عن النبي عَّ في النهي شيء، كما بينته في ٥٥٩ الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته وقد حفظه حذيفة، وهو من كبار الصحابة، وهو جائز من غير كراهة إذا أمن الرشاش. وكان عٍَّ إذا أراد أن يدخل الخلاء قال: اللَّهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث. رواه البخاري من حديث أنس. والخبث : - بضم المعجمة والموحدة - ومراده: ذكران الشياطين وإناثهم. أوائل شرح الترمذي، قاله في فتح الباري، (وكان عَِّ إذا أراد أن يدخل الخلاء،) قال ابن الحاجب وغيره منصوب على الظرف، لأن دخل من الأفعال، اللازمة بدليل أن مصدره على فعول، وما كان كذلك، فهو لازم، ولأنه نقيض خرج، وهو لازم فيكون هو أيضًا كذلك، واختار قوم أنه مفعول به، وعن سيبوبه أنه منصوب؛ بإسقاط الخافض، وجعله الحريري من الأفعال المتعدية تارة بنفسها، وتارة بحرف الجر. (قال: ((اللهم إني أعوذ))،) أي: ألوذ وألتجىء (بك من الخبث،) جمع خبيث ذكر أن الشياطين، (والخبائث) إناثهم جمع خبيثة، وخص بذلك حال الخلاء، لأن الشياطين يحضرون الأخلية، وهي مواضع يهجر فيها ذكر اللَّه، فقدم لها الاستعاذة احترازًا منهم، وقال عَّ: ((إن هذه الحشوش محتضرة، فإذا أتى أحدكم الخلاء، فليقل أعوذ بالله من الخبث والخبائث)). رواه أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وصححه الحاكم، وابن حبان، عن زيد بن أرقم، ومحتضرة، أي: تحضرها الشياطين، والحشوش، بضم الحاء وشينين معجمتين، المراحيض والكنف، (رواه البخاري من حديث) ءادم، عن شعبة، عن عبد العزيز، عن (أنس) بلفظ كان إذا دخل الخلاء الخ ... ، ثم قال: وقال غندر عن شعبة إذا أتى الخلاء، وقال سعيد بن زيد: حدثنا عبد العزيز إذا أراد أن يدخل انتهى، فبينت هذه الرواية المراد، فإذا اقتصر عليها المصنف، لكنه أوهم أن البخاري رواها مسندة مع أنه إنما رواها تعليقًا، كما رأيت، نعم وصلها في كتاب الأدب المفرد له، وهذه الروايات وإن اختلف لفظها، فمعناها متقارب، يرجع إلى معنى واحد، هو ما صرحت به الرواية الثالثة، وهو في الأمكنة المعدة لذلك بقرينة الدخول، ولذا، قال ابن بطال رواية إذا أتى أعم لشمولها انتهى. (والخبث بضم المعجمة و) ضم (الموحدة، ومرداه ذكران الشياطين)، بالخبث جمع خبيث، (وإناثهم) بالخبائث جمع خبيثة، قاله ابن حبان، والخطابي، وزاد أن عامة أصحاب الحديث يقولونه، ساكن الباء، وهو غلط، والصواب ضمها واتفق من بعد الخطابي، على أنه الغلط، منهم النووي والتوربشتي، لأن الخبيث إذا جمع يجوز تسكين بائه للتخفيف؛ وهذا ٥٦٠ الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته وقد كان عليه الصلاة والسلام يستعيذ إظهارًا للعبودية، ويجهر بذلك للتعليم. وهل يختص هذا الذكر بالأبنية المعدة لذلك لكونها حضرة الشياطين، أو يعم؟ الأصح الثاني. ويقول ذلك قبيل الدخول في الأمكنة، وأما في غيرها فيقوله في أول الشروع كتشمير ثيابه مثلاً، وهذا مذهب الجمهور، فلو نسي يستعيذ بقلبه لا بلسانه. مستفيض، لا يسع أحدًا مخالفته، إلاَّ أن يزعم أن ترك التخفيف أولى، لئلا يشتبه بالمصدر، لكن صرح جماعة من أهل المعرفة بالعربية، منهم أبو عبيدة، بأن الباء هنا ساكنة. وقال ابن دقيق العيد: لا ينبغي أن يعد هذا غلطًا، لأن فعلاً، بضم الفاء والعين، تخفف عينه قياسًا، قال: ولا يتعين أن المراد بالخبث، بالسكون، ما لا يناسب المعنى، بل بمعناه، وهو بضمها نعم حمله، وهو ساكن على ما لا يناسب غلط في الحمل، لا في اللفظ انتهى. وقد أشار البخاري إلى أنه روي بالوجهين، فقال: بعدما روى الحديث، ويقال الخبث، قال الحافظ: أي بإسكان الموحدة، فإن كانت مخففة عن الحركة، فتقدم توجيهه، وإن كانت بمعنى المفرد، فمعناه، كما قال ابن الأعرابي: المكروه، فإن كان من الكلام فالشتم، ومن الملل فالكفر، ومن الطعام فالحرام، ومن الشراب فالضار؛ وعلى هذا فالمراد بالخبائث المعاصي، أو مطلق الأفعال المذمومة، ليحصل التناسب، ولذا وقع في رواية الترمذي وغيره، أعوذ بالله من الخبث والخبث والخبائث؛ الأول بإسكان مع الأفراد، والثاني بالتحريك مع الجمع، أي: من الشيء المكروه، ومن الشيء الذموم، ومن ذكر أن الشياطين وإناثهم انتهى. وفي المصباح من الخبث والخبائث، بضم الباء والإِسكان، جائز على لغة تميم، قيل: ذكر أن الشياطين وإِناثهم، وقيل من الكفر والمعاصي، (وقد كان عليه الصلاة والسلام يستعيذ إظهارًا للعبودية،) وإلاّ، فهو معصوم من الشيطان، كسائر الأنبياء، (ويجهر بذلك للتعليم) لغيره؛ (وهل يختص هذا الذكر بالأبنية المعدة لذلك، لكونها حضرة الشياطين،) كما ورد في حديث زيد بن أرقم، في السنن، (أو يعم،) أي: يشمل ما لو بال في إناء؛ مثلاً في جانب البيت (الأصح الثاني،) ما لم يشرع في قضاء الحاجة، (ويقول ذلك قبيل الدخول في الأمكنة، وأما في غيرها، فيقوله في أول الشروع، كتشمير ثيابه مثلاً،) وكإرادة تقديم الرجل، (وهذا مذهب الجمهور،) المانعين ذكر اللّه في تلك الحالة قائلين، (فلو نسي يستعيذ بقلبه، لا بلسانه،) ومن يجيز مطلقًا، لا يحتاج إلى تفصيل، وقد روى المعمري، بفتح الميمين بينهما مهملة ساكنة هذا الحديث بلفظ الأمر، قال: إذا دخلتم الخلاء فقولوا، بسم اللَّه، أعوذ بالله من الخبث والخبائث،