Indexed OCR Text
Pages 521-540
٥٢١ الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته وقال ابن أبي هالة: إذا زال زال تقلعًا، يخطو تكفيًا، ويمشي هونا، ذريع المشية إذا مشى كأنما ينحط من صبب، وفي رواية إذا زال زال قلعًا - بالفتح والضم، ثم الفتح هو مصدر بمعنى الفاعل أي لا يزول قالعًا لرجله من الأرض، وهو بالضم إما مصدر أو اسم وهو بمعنى الفتح. (وقال ابن أبي هالة: إذا زال،) أي ذهب وفارق، يقال زال يزول زوالاً، فارق طريقته أو مكانه جانحًا عنه، ذكره الراغب، (زال تقلعًا،) بقاف، ومهملة، هو في الأصل انتزاع الشيء من أصله أو تحويله عن محله، وكلاهما صالح هنا، أي ينزع رجله عن الأرض، أو يحوّلها عن محلها بقوة وحينئذٍ، فضمير زال عائد إلى النبي عَّله، وتعسف من رجعه للماء في قوله قبله: ينبو عنهما الماء، (يخطو:) يمشي (تكفيًا) جملة مؤكدة، لمعنى زال تقلعًا، (ويمشي،) تفتن، فعبر عن المشي بعبارتين؛ كراهة تكرار لفظه، أو هو تتميم لبيان صفة مشيه، ويمشي (هونًا) حال أو صفة، ليمشي بمعنى هينًا أو مشيًا هينًا، إلاّ أن في وضع المصدر موضع الصفة مبالغة، والهول الرفق واللين، ومنه خبر أحبب حبيبك هونًّا، وخبر: المؤمنون هينون لينون، وفي المثل إذا عز أخوك فهن، وإذا عاسر فياسر، والمراد برفق وسكينة، وتثبت ووقار، وحلم وأناة، وعفاف وتواضع، فلا يضرب بقدمه الأرض، ولا يخفق بنعله بطرًا، ولذا كره بعض العلماء الركوب في الأسواق، قاله في الكشاف، لا يقال شأن الصفة، تمييز الموصوف عن غيره، فكيف وصفه، بما يشاركه فيه خواص أمته. قال تعالى: ﴿وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونًا﴾ [الفرقان/٦٣]، لأن المراد أنه أثبت منهم في ذلك، وأكثر وقارًا ورفقًا، وسكينة، (ذريع المشية)، بالكسر خلقة، أي مع كون مشيه هونّا، خطاه واسعة، كأنما الأرض تطوى له، (إذا مشى) ظرف لما قبل، أو لقوله، (كأنما ينحط:) ينزل (من صبب،) أي: محل منحدر، (وفي رواية:) في حديث ابن أبي هالة: (إذا زال قال قلمًا،) بالنصب حال أو مصدر، (بالفتح) للقاف، (والضم) لها مع إسكان اللام فيهما هذا ظاهره، وفي القاموس إن الفتح إنما هو مع فتح اللام، (ثم الفتح هو مصدر بمعنى الفاعل،) أي: قالع، (أي لا يزول،) كذا النسخ والصواب، كما في النهاية حذف لا إذ المعنى عليه، أي: يزول (قالعًا لرجله على الأرض، وهو بالضم إما مصدر، أو اسم) لمصدر، (وهو بمعنى الفتح) وهذا كله لفظ النهاية وفي القاموس، روي هذا الحديث، بالضم بالتحريك، وککتف، أي: إذا مشى يرفع رجليه رفعًا بائنًا، أي: لا يمشي اختيالاً وتنعمًا انتهى. والمفهوم منه إن القلع رفعهما رفعًا ظاهرًا، بحيث لا يفهم منه الاختيال، والتنعم، وجعله مصدرًا بمعنى الفاعل، يفيد إن كان يمشي في حالة كونه قالعًا لرجليه من الأرض؛ وكان المعنى. ٥٢٢ الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته وقال الهروي: قرأت هذا الحرف في كتاب غريب الحديث لابن الأنباري: قلعًا: بفتح القاف وكسر اللام، وكذلك قرأته بخط الأزهري، وهو كما جاء في حديث آخر كأنما ينحط من صبب، والانحدار من الصبب والتقلع من الأرض قريب بعضه من بعض. أراد: أنه كان يستعمل التثبت ولا يتبين منه استعجال ومبادرة شديدة. وذريع المشية: أي واسع الخطوة قاله ابن الأثير. وقال ابن القيم: التقلع الارتفاع من الأرض بجملته، كحال المنحط في الصبب، وهي مشية أولي العزم والهمة والشجاعة، وهي أعدل المشيات وأروحها للأعضاء، فكثير . أنه لا يجرهما في حال مشيه، وهذا بمجرده لا يفهم منه الرفع الظاهر، بحيث ينفي عنه ما هو صورة اختيال وتنعم، إلاَّ أن يحمل على أنه كان يقلعهما قلعًا تامًا؛ فيساوي كلام القاموس، قاله شيخنا إملاء، (وقال الهروي) في كتاب غريبي القرءان والحديث: (قرأت هذا الحرف في كتاب غريب الحديث لابن الأنباري،) بفتح الهمزة، وإسكان النون، نسبة إلى الإِنبار بالعراق، (قلعًا، بفتح القاف، وكسر اللام، وكذلك قرأته بخط الأزهري، وهو كما جاء في حديث آخر، كأنما ينحط من صبب والانحدار من الصبب،) والتكفؤ إلى قدام، (والتقلع من الأرض قريب بعضه من بعض؛ أراد) ابن أبي هالة، (أنه عٍَّ كان يستعمل التثبت،) أي: يفعل ما يؤدي إليه، وهو التثبيت بوزن التفعيل، إذ هو الذي كان يفعله، فينشأ عن التثبت بزنة تفعل، وفي نسخة التثبيت، كالتفعيل وهي واضحة؛ (ولا يتبين منه استعجال ومبادرة شديدة،) ألا تراه يقول يمشي هونّا ويخطو تكفؤاً؟، إلى هنا كلام الهروي. (وذريع المشية، أي واسع الخطوة،) بضم المعجمة: ما بين القدمين، (قاله:) أي ما ذكره من أوَّل قوله بالفتح إلى هنا، مفرقًا في أماكنه (ابن الأثير) في النهاية، إلاَّ أنه إنما عبر بالخطاء بالجمع ونحوه قول الراغب الذريع الواسع، يقال: فرس ذريع، واسع الخطو، وفي المصباح الذريع، السريع وزنًا ومعنى، ولا تدافع بين الهون الذي هو عدم العجلة، وبين الانحدار والتقلع الذي هو السرعة، لأن معنى الهون، أنه لا يعجل في مشيه، ولا يسعى عن قصد، إلاَّ في حادث أو مهم، والانحدار والتقلع مشيه الخلقي، كذا قال بعضهم. (وقال ابن القيم: التقلع: الارتفاع من الأرض بجملته، كحال المنحط في الصبب، وهي مشية أولي العزم والهمة والشجاعة، وهي أعدل المشيات، وأروحها للأعضاء؛ فكثير من الناس) ٥٢٣ الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته من الناس يمشي قطعة واحدة كأنه خشبة محمولة، فهى مشية مذمومة، وإما أن يمشي بانزعاج مشي الجمل الأهوج وهي مشية مذمومة، وهي علامة خفة عقل صاحبها ولاسيما إن أكثر الالتفات حال مشيه يمينًا وشمالاً. وفي بعض المسانيد: أن المشاة شكوا إلى رسول الله عَ ليه من المشي في حجة الوداع فقال: استعينوا بالنسلان: وهو العدو الخفيف الذي لا يزعج الماشي. وأما مشيه عليه الصلاة والسلام مع أصحابه، فكانوا يمشون بين يديه وهو خلفهم، ويقول: خلوا ظهري للملائكة، أمامه وتركوا ظهره للملائكة، وهو معنى قول القائل: وكان يسوق أصحابه أما (يمشي قطعة واحدة، كأنه خشبة محمولة، فهي مشية مذمومة،) ودليل تقديرًا ما قوله، (وإما أن يمشي بانزعاج، مشي الجمل الأهوج،) الطائش، السريع في مشيه؛ (وهي مشية مذمومة، وهي علامة خفة عقل صاحبها، ولا سيما أن أكثر الالتفات حال مشيه يميناً وشمالاً،) ولذا قال هند تلو قوله، كأنما ينحط من صبب، وإذا التفت التفت جميعاً، أي لا يسارق النظر، ولا يلوي عنقه يمنة، ولا يسرة، وروى الحاكم عن جابر كان عٍَّ إذا مشى لم يلتفت، (وفي بعض المسانيد، أن المشاة شكوا إلى رسول اللَّه عَطٍ، من المشي في حجة الوداع، فقال: ((استعينوا بالنسلان)،) بفتح النون والسين المهملة واللام، (وهو العدو) الإِسراع (الخفيف الذي لا يزعج الماشي،) وكأنه تفسير مراد وإلاَّ فالنسلان لغة الإِسراع بلا قيد، ومنه ﴿إلى ربهم ينسلون﴾ [يس/ ٥١] (وأما مشيه عليه الصلاة والسلام مع أصحابه)، أي: مع قصده مشيهم معه فلا ينافي أنه قدم قوله: حتى يهرول الرجل وراءه، فلا يدركه وإنا لنجهد أنفسنا، وهو غير مكترث، لأنه بلا قصد أو أعم، (فكانوا يمشون بين يديه، وهو خلفهم، ويقول: ((خلوا ظهري للملائكة))، لأنهم يحرسونه من أعدائه، قاله أبو نعيم: ولا ينافيه ﴿والله يعصمك من الناس﴾، لأنه إن كان قبل نزولها فظاهر، وإلاّ فمن عصمة الله تعالى له أن يوكل به جنده من الملأ الأعلى إظهار الشرفة، وفي المستدرك عن جابر: كان إذا مشى مشي أصحابه (أمامه وتركوا ظهره للملائكة، وهو معنى قول القائل: وكان يسوق أصحابه،) يقدمهم بين يديه، ويمشي خلفهم، كأنه يسوقهم، لأن هذا شأن الراعي، أو لأن من كمال التواضع أن لا يدع أحدًا يمشي خلفه، أو ليختبر حالهم، وينظر إليهم حال تصرفم في معاشهم، وملاحظتهم لنظرائهم، فيربي من يستحق التربية، ويكمل من يحتاج إلى التكميل، ويعاتب من يستحق العتب، ويؤدب من يستحقه، وهذا شأن الولي مع المولى عليه، أو ليخلي ظهره للملائكة، احتمالات لا مانع من إرادة جميعها، قال النووي: وإنما تقدمهم في قصة جابر، ٥٢٤ الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته ويماشيهم فرادى وجماعة. ومشى عليه الصلاة والسلام في بعض غزواته مرة فانجرحت أصبعه وسال منها الدم فقال: هل أنت إلا أصبع دميت وفي سبيل الله ما لقيت. رواه أبو داود. ولم يكن له عَّهِ ظل في شمس ولا قمر. رواه الترمذي الحكيم عن ذ کوان. لأنه دعاهم إليه، فجاؤوا تبعًا له، كصاحب الطعام إذا دعا طائفة يمشي أمامهما؛ وفي حديث هند يسوق أصحابه، ويبدأ من لقيه بالسلام، وفي رواية ينس أصحابه، بنون ومهملة، أي: يسوق كما في الفائق، (ويماشيهم فرادى وجماعة، ومشى عليه الصلاة والسلام في بعض غزواته،) قيل هي غزوة أحد (مرة، فانجرحت أصبعه) هي مؤنثة؛ ولذا قال انجرحت، وقد تذكر، وفيها لغات عشرة، جمعها القائل: وهمز أنملة ثلث وثالثه والتسع في أصبع واختم بأصبوع (وسال منها الدم، فقال:) منشدًا قول ابن رواحة، كما عند ابن أبي الدنيا، والوليد بن الوليد، كما عند الواقدي (هل،) أي ما (أنت إلاَّ أصبع دميت،) بفتح، فكسر خاطبها على سبيل الاستعارة أو الحقيقة معجزة له، تسلية لها وتخفيفًا، لما أصابها، أي: تثبتي، وهوّني عليك، فإن ما لقيتيه ليس قطعًا ولا هلاكًا، (وفي سبيل اللّه،) أي: قتال أعدائه، لإعلاء كلمته، ونصرة دينه (ما لقيت،) فلا تحزني، بل افرحي، وما موصول حذف عائدة، أو استفهامية، وإن كان الاستفهام له صدر الكلام لأن الأصل، وما لقيت في سبيل اللّه، أو نافية، أي: ما لقيت شيئًا في سبيل اللّه تحقيراً، لما لقيته وتمنيًا لما زاد، (رواه أبو داود،) والترمذي من حديث جندب البجلي، وتقدم إن الممتنع عليه عَّ إنشاء الشعر لا إنشاده، فلا وجه لزعم إن هذه الرواية مع شهرتها غفلة، وأن الرواية بصيغة الغيبة، حتى لا يكون موزونًا، أو أنه جاء، بلا قصد، وشرط تسميته شعر، القصد إلى أنه شعر، ولذا جاء بعض الموزون في القرءان، نحو: ﴿لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون﴾ [آل عمران/٩٢]، ﴿وجفان كالجواب وقدور راسيات﴾ [سبأ/١٣]، فليس بشعر، لأنه لم يقصد به الشعر، وإن كان على زنته، وغير ذلك من الأجوبة المعلومة، (ولم يكن له عَلَّه ظل في شمس ولا قمر،) لأنه كان نورًا، كما قال ابن سبع، وقال رزين: الغلبة أنواره، قيل وحكمة ذلك صيانته عن أن يطأ كافر على ظله، وإطلاق الظل على القمر مجاز، لأنه إنما يقال له ظلمة القمر ونوره، وفي المختار ظل الليل سواده، وهو استعارة، لأن الظل حقيقة ضوء شعاع الشمس دون السواد، فإذا لم يكن ضوء، فهو ظلمة لا ظل، (رواه الترمذي الحكيم عن ذكوان،) أبي ٥٢٥ الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته وقال ابن سبع كان عَّه نورًا، فكان إذا مشى في الشمس أو القمر لا يظهر له ظل. قال غيره: ويشهد له قوله عَّ في دعائه: واجعلني نورًا. وأما لونه الشريف الأزهر عَ لّ فقد وصفه جمهور أصحابه بالبياض، منهم: أبو بكر وعمر وعلي وأبو جحيفة وابن عمر وابن عباس وابن أبي هالة والحسن بن علي وأبو الطفيل ومحرش الكعبي وابن مسعود والبراء بن عازب، وعائشة، وأنس في إحدى الروايتين عنه. فأما أبو جحيفة فقال: كان أبيض. رواه البخاري. وأما أبو الطفيل فقال: كان أبيض مليحًا. رواه الترمذي في الشمائل، وفي رواية مسلم: صالح السمان، الزيّات المدني، أو أبي عمر، والمدني مولى عائشة، وكل منهما ثقة من التابعين، فهو مرسل، لكن روى ابن المبارك، وابن الجوزي، عن ابن عباس: لم يكن للنبي عَّ ظل، ولم يقم مع الشمس قط، إلاّ غلب ضوؤه ضوء الشمس، ولم يقم مع سراج قط إلا غلب ضوء السراج، (وقال ابن سبع: كان عَِّ نورًا، فكان إذا مشى في الشمس، أو القمر، لا يظهر له ظلٍ،) لأن النور، لا ظل له، (قال غيره: ويشهد له، قوله عَّ في دعائه،) لما سأل اللّه تعالى أن يجعل في جميع أعضائه، وجهاته نور اختم، بقوله: ((واجعلني نورًا))،) أي: والنور، لا ظل له، وبه يتم الاستشهاد. (وأما لونه الشريف الأزهر عَّ، فقد وصفه جمهور أصحابه،) الواصفين له (بالبياض، منهم أبو بكر الصديق، (وعمر) الفاروق، (وعلي وأبو جحيفة،) بجيم، ومهملة، وفاء مصغرة، وهب بن عبد اللّه، (وابن عمر بن الخطاب، (وابن عباس، وابن أبي هالة، والحسن بن علي، وأبو الطفيل) عامر بن واثلة، (ومحرش الكعبي)، بضم الميم، وفتح الحاء، وكسر الراء، الثقيلة، وشين معجمة، (وابن مسعود، والبراء بن عازب، وعائشة، وأنس في إحدى الروايتين، عنه،) وهي رواية أصحابه عنه، ما عدا حميدًا، فقال: أسمر اللون، قال الحافظ العراقي: انفرد بها حميد، عن أنس، ورواه غيره من الرواة عنه، فقال: أزهر اللون، فهؤلاء خمسة عشر صحابيًا، وصفوه بالبياض، وكذا وصفه به أبو هريرة، كما قدم المصنف، وسعد بن أبي وقاص، (فأما أبو جحيفة، فقال: كان أبيض، رواه البخاري) في الصفة النبوية (وأما أبو الطفيل، فقال: كان أبيض مليحًا،) مقصدًا هذا بقية حديثه الذي (رواه الترمذي في الشمائل،) من طريق يزيد بن هرون، عن سعيد الجريري، عن أبي الطفيل، وبهذا اللفظ رواه مسلم في الصحيح من طريق عبد الأعلى، عن الجريري، عنه من فالعز ولمسلم أحق خصوصًا، وقد أوهم أن مسلمًا لم يروه بهذا اللفظ، بقوله: (وفي رواية مسلم،) من طريق خالد بن عبد اللّه، ٥٢٦ الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته كان أبيض مليح الوجه. وفي رواية عنه للطبراني: ما أنسى شدة بياض وجهه مع شدة سواد شعره. وفي شعر أبي طالب: وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ثمال اليتامى عصمة للأرامل وقال علي: أبيض مشرب. والمشرب: هو الذي في بياضه حمرة، كما قال في الرواية الأخرى: أبيض مشرب بحمرة، وبه فسر قول أنس في صحيح مسلم: أزهر اللون. وفي النسائي من حديث أبي هريرة: بينا النبي عَِّ جالس بين أصحابه جاء عن الجريري، عن أبي الطفيل: (كان أبيض، مليح الوجه،) أي حسنه من ملح، فهو مليح، ومقصدًا بشد المهملة المفتوحة اسم المفعول، أي متوسطًا بين الطول، والقصر، أو بين الجسامة، والنحافة، أو أن جميع أوصافه في نهاية من التوسط، كأن خلقه نجى به القصد، (وفي رواية عنه،) أي أبي الطفيل (للطبراني، ما أنسى شدة بياض وجهه، مع شدة سواد شعره، وفي شعر أبي طالب) في قصيدته الطويلة التي قالها، لما تمالأت قريش على النبي عَّه، وقدم المصنف أبياتًا منها، (وأبيض) بالنصب، عطفًا على قوله في البيت قبله: وما ترك قوم لا أبا لك سيدًا يحوط الذمار غير ذرب مواكل لا مجرور برب، كما زعم، وفي رواية بالرفع، أي: هو أبيض (يستسقى الغمام بوجهه)، قاله عن مشاهدة لذلك مرتين، كما مر، لا لما رأى في وجهه من مخايل ذلك، وإن لم يشاهده، كما أبداه بعضهم احتمالاً، وجزم به آخر، فإنه عجب (ثمال اليتامى)، بكسر المثلثة، وخفة الميم، هو العماد، والملجأ، والمطعم، والمغيث، والمعين، والكافي (عصمة للأرامل،) أي: يمنعهم مما يضرهم جمع أرملة، وهي الفقيرة التي لا زوج لها، (وقال: على أبيض مشرب،) بصيغة اسم المفعول، مخففًا، ومثقلاً روايتان، (والمشرب هو الذي في بياضه حمرة،) أي: أنه المراد هنا، (كما قال) علي (في الرواية الأخرى) عند الترمذي، والبيهقي: (أبيض مشرب بحمرة،) والروايات يفسر بعضها بعضًا، خصوصًا مع اتحاد المخرج، وإن كان الإِشراب، كما في الصحاح وغيره، خلط لون بلون، كأن أحد اللونين سقي بالآخر، يقال: مشرب بالتخفيف، فإذا شدد، كان للتكثير والمبالغة، فهو هنا للمبالغة، في البياض على رواية التشديد، (وبه فسر قول أنس في صحيح مسلم،) وكذا البخاري في الصفة النبوية. (أزهر اللون،) أي أبيض مشرب بحمرة، وقد وقع ذلك صريحًا في حديث أنس من وجه آخر عند مسلم، (وفي النسائي، من حديث أبي هريرة: بينا النبي عَّ جالس،) أي: بين أوقات جلوسه (بين أصحابه،) لأن بين، إنما ٥٢٧ الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته رجل فقال: أيكم ابن عبد المطلب؟ فقالوا: هذا الأمغر المرتفق. والأمغر: المشرب بحمرة. والمرتفق: المتكىء على مرفقه. وفي البخاري من حديث أنس: ليس بأبيض أمهق. قال الحافظ بن حجر: ووقع عند الداودي تبعًا لرواية المروزي: أمهق ليس بأبيض، وفي رواية عند ابن أبي حاتم وغيره أسمر. واستشكله بعضهم وقال: إن غالب هذه الروايات متدافع، وبعضها ممكن الجمع كالأبيض مع رواية المشرب بالحمرة والأزهر، وبعضها غير ممكن الجمع كالأبيض الشديد الوضح مع الأسمر. واعترض الداودي رواية أمهق ليس بأبيض. وهي التي وقعت عنده تبعًا لرواية المروزي. تضاف لمتعدد (جاء رجل،) هو ضمام بن ثعلبة، (فقال: أيكم ابن عبد المطلب؟،) نسبه إلى جده لشهرته به، (فقالوا: هذا الأمغر،) بميم، وغين معجمة وراء، (المرتفق،) وفي رواية الصحيح، فقلنا: هذا الرجلِ الأبيض المتكىء، (والأمغر المشرب بحمرة، والمرتفق المتكيء على مرفقه،) قال الليث: الأمغر الذي في وجهه حمرة في بياض صافٍ. (وفي البخاري) ومسلم، كلاهما (من حديث) ربيعة، عن (أنس:) أزهر اللون، (ليس بأبيض أمهق،) بفتح الهمزة، والهاء بينهما، ميم ساكنة، أي شديد البياض، كلون الجص، ولا وادم، كما في الصحيحين، بالمد، أي شديد السمرة، (قال الحافظ ابن حجر:) كذا في الأصول، (ووقع عند الداودي) أحمد بن نصر، شارح البخاري، (تبعًا لرواية المروزي،) أبي زيد محمد بن أحمد، الفقيه، أحد رواة البخاري عن الفربري: (أُمهق ليس بأبيض،) وهي مقلوبة أوّلها وجه، كما يأتي، (وفي رواية عند ابن أبي حاتم، وغيره أسمر، واستشكله بعضهم، وقال: إن غالب هذه الروايات متدافع، وبعضها ممكن الجمع، كالأبيض مع رواية، المشرب بالحمرة، والأزهر،) فيجمع بينها بحمل أبيض على ما خالطه حمرة، وكذا أزهر، ويبقى المشرب بحمرة على ظاهره، (وبعضها غير ممكن الجمع، كالأبيض الشديد الوضح،) بفتحتين، أي: الخالص المنكشف البياض، (مع الأسمر،) وهذا وقع في زيادات عبد الله بن أحمد في المسند عن علي، أبيض شديد الوضح، ومخالفته لقول أنس: ليس بأبيض أمهق واضحة، قال الحافظ: ويمكن الجمع بحمل رواية علي على ما تحت الثياب، مما لا يلاقي الشمس، (واعترض الداودي رواية أمهق: ليس بأبيض، وهي التي وقعت عنده) في شرحه، (تبعًا لرواية المروزي،) لأن المهق شدة ٥٢٨ الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته وقال القاضي عياض: إنها وهم، قال: وكذلك رواية من روى أنه ليس بالأبيض ولا الآدم، ليس بصواب. قال الحافظ بن حجر: هذا ليس بجيد لأن المراد أنه ليس بالأبيض الشديد البياض ولا بالآدم الشديد الأدمة، وإنما يخالط بياضه الحمرة، والعرب قد تطلق على كل من كان كذلك أسمر، ولهذا جاء في حديث أنس عند أحمد والبزار وابن منده بإسناد صحيح أن النبي عَّهِ كان أسمر اللون، وأخرجه البيهقي في الدلائل من وجه آخر عن أنس، فذكر الصفة النبوية فقال: كان النبي عَّهِ أبيض بياضه إلى السمرة. وفي حديث ابن عباس في صفته عَظله: رجل بين رجلين جسمه ولحمه، أحمر إلى البياض، أخرجه أحمد. وقد تبين من مجموع الروايات: أن المراد بالسمرة الحمرة التي تخالط البياض، بحيث لا يخالطه حمرة، فيصير المعنى أبيض ليس بأبيض، (و) لذا (قال القاضي عياض: إنها،) أي هذه الرواية (وهم) غلط؛ (قال: وكذلك رواية من روى أنه ليس بالأبيض، ولا الآدم) بالمد، (ليس بصواب قال الحافظ ابن حجر: هذا) الثاني (ليس بجيد، لأن المراد أنه ليس بالأبيض الشديد البياض،) بدليل وصفه في الرواية الثانية بأمهق، (ولا بالآدم، الشديد الأدمة،) بالضم: السمرة، (وإنما يخالط بياضه) مفعول (الحمرة) فاعل، لأن بياضه هو الأصل. الكثير والحمرة تشيء قليل تخالطه، (والعرب قد تطلق على كل من كان كذلك أسمر،) هذا إنما يتم أن ثبت هذا الإِطلاق بشاهد من كلامهم وأتى به، كذا قيل، وفيه أن من حفظ حجة، (ولهذا جاء في حديث أنس عند أحمد، والبزار، وابن منده، بإسناد صحيح: أن النبي عٍُّ كان أسمر اللون؛) لكن وإن صح إسناده، فقد أعله الحافظ العراقي بالشذوذ، فقال: هذه اللفظة انفرد بها حميد عن أنس، ورواه غيره من الرواة، عنه بلفظ أزهر اللون، ثم نظرنا من روى صفة لونه عَظله. غير أنس، فكلهم وصفوه بالبياض، وهم خمسة عشر صحابياً، انتهى. (وأخرجه البيهقي في الدلائل، وجه آخر عن أنس) بلفظ آخر، (فذكر الصفة النبوية، فقال : كان النبي عَّةٍ أبيض، بياضه إلى السمرة،) أي: يميل إليها بمعنى أن فيه حمرة قليلة، (وفي حديث ابن عباس، في صفته عَّ رجل بين رجلين،) أي: ليس بالطويل ولا القصير، (جسمه، ولحمه أحمر،) أسقط من الفتح، وفي لفظ أسمر (إلى البياض، أخرجه أحمد) وسنده حسن، كما في الفتح (وقد تبين من مجموع الروايات، أن المراد بالسمرة، الحمرة التي تخالط ٥٢٩ الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته البياض، وأن المراد بالبياض المثبت ما تخالطه الحمرة، والمنفي ما لا تخالطه، وهو الذي تكره العرب لونه وتسميه أمهق، وبهذا تبين أن رواية المروزي بأمهق ليس بأبيض مقلوبة، على أنه يمكن توجيهها بأن المراد بالأمهق الأخضر اللون الذي ليس بياضه في الغاية، ولا سمرته ولا حمرته، فقد نقل عن رؤية: أن المهق خضرة الماء، فهذا التوجيه يتم على تقدير ثبوت الرواية، وقد تقدم في حديث أبي جحيفة إطلاق كونه كان أبيض، وكذا في حديث أبي الطفيل عند مسلم والترمذي. وفي حديث سراقة عند ابن إسحق فجعلت أنظر إلى ساقه كأنها جمارة، ولأحمد من حديث محرش الكعبي في عمرة الجعرانة قال: فنظرت إلى ظهره كأنه سبيكة فضة. وعن سعيد بن المسيب أنه سمع أبا هريرة يصف النبي عَّ فقال: كان شديد البياض أخرجه البياض، وأن المراد بالبياض المثبت ما تخالطه الحمرة، والمنفي ما لا تخالطه، وهو الذي تكره العرب لونه وتسميه أمهق، وبهذا تبين أن رواية المروزي بأمهق ليس بأبيض مقلوبة،) والأصل أبيض ليس بأمهق، (على أنه يمكن توجيهها؛ بأن المراد بالأمهق الأخضر اللون، الذي ليس بياضه في الغاية، ولا سمرته) في الغاية، (ولا حمرته) في الغاية، فحذفت فيهما اكتفاءً بالأول. (فقد نقل عن رؤية) بن العجاج واسمه عبد الله بن رؤية بن لبيد التميمي، مخضرم، شاعر إسلامي، هو وأبوه له حديث واحد في الحداء، ولم يكن بروايته بأس، قاله ابن عدي، وقال النسائي: ليس بقوي في الحديث، وقال لأبيه: أنا أشعر منك، قال: وكيف؟، قال لأني شاعر بن شاعر، وأنت شاعر ابن مفحم، مات سنة خمس وأربعين ومائة؛ (إن المهق خضرة الماء، فهذا التوجيه، ثم على تقدير ثبوت الرواية،) لكنها لم تثبت لشذوذها بمخالفتها لرواية الجماعة، فلا يتم التوجيه، (وقد تقدم في حديث أبي جحيفة، إطلاق كونه كان أبيض؛ وكذا في حديث أبي الطفيل عند مسلم، والترمذي) وتقدم أيضًا في شعر أبي طالب، (وفي حديث سراقة) المدلجي، (عند ابن إسحق، فجعلت أنظر إلى ساقه،) ما بين الركبة والقدم مؤنثة، ولذا قال: (كأنها جمارة) قلب النخلة، ومنه يخرج التمر والسعف، وتموت بقطعه. (ولأحمد من حديث محرش الكعبي، في عمرة الجعرانة، قال: فنظرت إلى ظهره، كأنه سبيكة فضة، وعن سعيد بن المسيب،) بكسر الياء، وفتحها، (إنه سمع أبا هريرة يصف النبي عَّةٍ، فقال: كان شديد البياض) ومر قوله أيضًا، كان أبيض كأنما صيغ من فضة، (أخرجه ٥٣٠ الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته يعقوب بن سفين والبزار بإسناد قوي. ويجمع بينهما بما تقدم. وقال البيهقي: يقال: إن المشرب منه بحمرة وإلى السمرة منه ما ضحا للشمس والريح كالوجه والعنق وأما ما تحت الثياب فهو الأزهر الأبيض. انتهى. وهذا ذكره ابن أبي خيثمة عقب حديث عائشة في صفته عَّه بأبسط من هذا وزاد: ولونه الذي لا شك فيه الأبيض الأزهر. انتهى. وتعقب بعضهم قول من قال: إنما وصف بالسمرة ما كانت الشمس تصيب منه، بأن أنسا لا يخفى عليه أمره حتى يصفه بغير صفته اللازمة له لقربه منه، ولم يكن عليه الصلاة والسلام ملازمًا للشمس، نعم لو وصفه بذلك بعض القادمين ممن صادفه في وقت غيرته الشمس لأمكن، فالأولى حمل السمرة في رواية أنس على الحمرة التي تخالط البياض كما قدمته. تنبيه: في الشفاء حكاية أحمد بن أبي سليمن صاحب عن سحنون: من قال أن النبي عليه كان أسود يقتل. انتهى. يعقوب بن سفين) الحافظ أبو يوسف الفسوي، بالفاء، (والبزار، بإسناد قوي، ويجمع بينهما بما تقدم) من قوله: المراد بالبياض، المثبت ما تخالطه الحمرة، والمنفي ما لا تخالطه، (وقال البيهقي:) في الجمع بينهما، (يقال: إن المشرب منه بحمرة وإلى السمرة منه ما ضحا:) ظهر (للشمس والريح، كالوجه والعنق، وأما ما تحت الثياب، فهو الأزهر الأبيض. انتهى). (وهذا ذكره) الحافظ أحمد (بن أبي خيثمة، عقب حديث عائشة في صفته عَّ له بأبسط من هذا، وزاد ولونه الذي لا شك فيه الأبيض الأزهر. انتهى) كلام الحافظ في الفتح (وتعقب،) وفي نسخة ضعف (بعضهم قول من قال: إنما وصف بالسمرة ما كانت الشمس تصيب منه، بأن أنساً لا يخفي عليه أمره:) شأنه وحاله، (حتى يصفه بغير صفته اللازمة له، لقربه منه، ولم يكن عليه الصلاة والسلام ملازمًا للشمس، نعم لو وصفه بذلك بعض القادمين، ممن صادفه في وقت غيرته الشمس لأمكن.) الجمع بذلك، (فالأولى حمل السمرة في رواية أنس على الحمرة التي تخالط البياض، كما قدمته،) أي: وهي في جميع بدنه، لقول ابن عباس جسمه ولحمه أحمر، إلى البياض (تنبيه في الشفاء، حكاية أحمد بن أبي سليمان) القيرواني، والفقيه، المتوفى سنة سبع وثمانين ومائتين، (صاحب عن سحنون) وهو أحد السبعة الذين كانوا بإفريقية، في وقت واحد من رواة سحنون (من قال: أن النبي عَّةٍ كان أسود يقتل، انتهى). ٥٣١ الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته وهذا يقتضي أن مجرد الكذب عليه في صفة من صفاته كفر يوجب القتل. وليس كذلك، بل لا بد من ضميمة ما يشعر بنقص في ذلك. كما في مسألتنا هذه فإن الأسود لون مفضول. وأما طيب ريحه وعرقه وفضلانه عليه الصلاة والسلام فقد كانت الرائحة الطيبة صفته عَّه وإن لم يمس طيبًا. وروينا عن أنس: ما شممت ريحًا قط (وهذا يقتضي، أن مجرد الكذب عليه في صفة من صفاته كفر، يوجب القتل، وليس كذلك، بل لا بدّ من ضميمة ما يشعر بنقص في ذلك، كما في مسألتنا هذه، فإن الأسود لون مفضول) لكن هذا اعتراض عجيب من شافعي بمذهبه على ملكي حاك لمذهب لملك، فمذهبه أن من غير صفته، كما لو قال: قصيراً أو أسود يقتل، وإن ظهر أنه لم يرد ذمه لجهل أو سكر أو تهور، كما في المختصر، (وأما طيب ريحه وعرقه،) لونًا وريحًا وكثرة، (وفضلاته) برفعهما عطفًا على طيب، وجرهما على ريح، والأول أظهر لذكره لون العرق وكثرته، وابتلاع الأرض بوله وغائطه، وعدم اطلاع أحد عليهما؛ فلم يقتصر على طيب ريحهما منه (عليه الصلاة والسلام،) وجواب أما محذوف، أي فكانت أحوالها وصفاتها خارقة للعادة، وإذا أردت معرفة ذلك، (فقد كانت الرائحة الطيبة صفته عَّه(،) ويحتمل أن هذا جواب، أما لكن ليس في الخبر ضمير يربطه بالمبتدأ، إذ المبتدأ طيب المضاف لريح المضاف، لضمير المصطفى، وضمير صفته لنفسه عليه السلام، لا لطيب الواقع مبتدأ نعم في الخبر، ضمير يعود على المضاف إلى المضاف إلى المبتدأ، فإن اكتفى بذلك، فلا إشكال، ولكن الأولى أن الجواب محذوف، قرره شيخنا، (وإن لم يمس طيبًا،) ومع هذا كان يستعمل الطيب في أكثر أوقاته، مبالغة في طيب ريحه، لملاقاة الملائكة، وأخذ الوحي، ومجالسة المسلمين، قاله النووي: ولأنه حبب إليه، كما قال: (حبب إليَّ من دنياكم النساء والطيب)). وروى ابن مردويه عن أنس: كان عَِّ منذ أسري به، ريحه ريح عروس، وأطيب من ريحه عروس، ولا دلالة فيه على أن مبدأ طيب ريح جسده من ليلة الإِسراء، كما زعم، إذ ريح عروس أخص من مطلق رائحة طيبة، فلا ينافي أنه طيب الرائحة من حين ولد، كما رواه أبو نعيم والخطيب، أن أمه آمنة لما ولدته قالت: ثم نظرت إليه، فإذا هو كالقمر ليلة البدر، ريحه يسطع كالمسك الأذفر، (وروينا عن أنس ما شممت ريحًا قط،) أي: لطيب أو طيبًا، إذ الريح المطلق من الأوصاف التي لا تقوم بذاتها، بل شمه لا يتصور، والمعنى أنه شم روائح طيبة، وريح ٥٣٢ الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته ولا مسكًا ولا عنبرًا أطيب من ريح رسول الله عَِّ. الحديث رواه الإمام أحمد. وفي رواية البخاري: ولا شممت مسكة ولا عنبرة أطيب من رائحة النبي عَّهِ. وفي رواية الترمذي: ولا شممت مسكًا قط ولا عطرًا كان أطيب من عرق رسول الله عَّ به. المصطفى أطيب منها، لأن النفي إذا كان على مقيد، توجه النفي إلى قيده، (ولا مسكًا،) بكسر الميم، والمشهور أنه دم يتجمد في خارج سرة ظباء معينة، في أماكن مخصوصة، وينقلب بحكمة الحكيم، أطيب الطيب، وفي الحديث أطيب الطيب المسك، رواه مسلم وغيره، (ولا عنبراً،) بنون، فموحدة، روت دابة بحرية، أو نبع عين فيه ويؤنث، (أطيب من ريح رسول اللّه عَّل،) وهما من عطف الخاص على العام، إذ المراد رائحة المسك والعنبر، وهي من أفراد ما قبلها، لا ذاتهما، (الحديث رواه الإمام أحمد) في المسند، (وفي رواية البخاري) في كتاب الصيام، من طريق حميد، ومسلم في الصفة النبوية من طريق ثابت، كلاهما عن أنس في آخر حديث، (ولا شممت مسكة) قطعة من مسك، (ولا عنبرة) قال الحافظ: ضبط بسكون النون، بعدها موحدة، وبكسر الموحدة، بعدها تحتانية، والأول معروف، والثاني طيب معمول من أخلاط يجمعها الزعفران، وقيل: هو الزعفران نفسه، ووقع عند البيهقي، ولا عنبرًا ولا عبيرًا، ذكرهما جميعًا اهـ وفسر المصنف عنبرة، بنون ساكنة، فموحدة مفتوحة: قطعة من العنبر المعروف، (أطيب من رائحة،) وللكشميهني من ريح (النبي عَّهِ)) وإذا أودع اللّه بعض الحيوان محاسن بعض المشمومات، كالمسك من الغزال، والزباد من الهرة، فلا بدع في أن يدع في أشرف خلقه ما هو أطيب من ذلك، من نفس خلقته، (وفي رواية الترمذي؛) من حديث ثابت، عن أنس في حديث، (ولا شممت مسكًا قط، ولا عطرًا،) بكسر العين، الطيب جمعه عطور، فهو عطف عام على خاص، كرواية ولا شيئًا (كان أطيب من عرق) بفتح العين، والراء، رشح بدن (رسول اللّه عَّل) وفي رواية عرف، بفتح العين، وسكون الراء، وبالفاء، وهو الريح الطيب. قال المصنف: على الشمائل، وكلاهما صحيح، لكن معظم الطرق يؤيد الأول، يعني ريحه أطيب مماسة من أنواع الروائح، فلا يرد أن نفي الشم لا يدل على الأطيبية، وهو المقصود على أنه قد يراد بنفي العلم نفي المعلوم، والمراد حال ريحه الذاتية لا المكتسبة، كما هو المتبادر من ترجيح بعض على بعض، ولو أريد المكتسبة، لم يكن فيه كمال مدح، بل لا تصح ٥٣٣ الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته وقوله: شممت: بكسر الميم الأولى وسكون الثانية. وعن أم عاصم امرأة عتبة بن فرقد السلمي قالت: كنا عند عتبة أربع نسوة، فما منا امرأة إلا وهي تجتهد في الطيب لتكون أطيب من صاحبتها، وما يمس عتبة الطيب إلا أن يمس دهنًا يمسح به لحيته ولهو أطيب ريحًا منه، وكان إذا خرج إلى الناس قالوا: ما شممنا ريحًا أطيب من ريح عتبة، فقلت له يومًا: إنا لنجتهد في الطيب، ولأنت أطيب ريحًا منا فمم ذلك؟ قال: أخذني الشرى على عهد رسول الله عَّه فأتيته فشكوت ذلك إليه، فأمرني أن أتجرد، فتجردت عن ثوبي وقعدت بين يديه، وألقيت ثوبي على فرجي، فنفث في يده ثم مسح ظهري وبطني بيده، فعبق بي هذا الطيب من يومئذٍ. إرادته وحده، (وقوله: شممت، بكسر الميم الأولى، وسكون الثانية،) وحكي الفراء فتح الأولى، وبه رد زعم ابن درستويه أنها من خطأ العامة، ومضارع المكسور اشم، بفتح الشين، والمفتوح اسم بضمها، (وعن أم عاصم امرأة عتبة،) بضم المهملة، وسكون الفوقية، (ابن فرقد،) بفتح الفاء، والقاف بينهما راء ساكنة، ابن يربوع بن حبيب بن لملك بن أسعد بن رفاعة، (السلمي). وقال ابن سعد: يربوع هو فرقد، شهد خيبر، وقسم له منها، فكان يعطيه لبني أخواله عامًا، ولبني أعمامه عامًا، وغزا مع النبي عَّ غزوتين، وولاه عمر في الفتوح، ففتح الموصل سنة ثمان عشرة مع عياض بن غنم، ونزل بعد ذلك الكوفة، ومات بها، ذكره في الإِصابة، (قالت: كنا عند عتبة) حال من (أربع نسوة،) لأنه في الأصل صفة لها، فلما قدم أعرب حالاً، وأربع خبر كان، (فما منا امرأة إلاّ، وهي تجتهد في الطيب،) أي: في تحصيل أحسنه واستعماله، (لتكون أطيب من صاحبتها،) كما هو شأن الضرائر، (وما يمس عتبة الطيب، إلاّ أن يمس دهنًا) مطيبًا، (يمسح به لحيته، ولهو أطيب ريحًا منه، وكان إذا خرج إلى الناس قالوا: ما شممنا ريحًا أطيب من ريح عتبة، فقلت له يومًا: إنا لنجتهد في الطيب، ولأنت أطيب ريحًا منا، فمم،) أي من أي سبب (ذلك) الوصف الذي ثبت لك، (قال: أخذني الشرى) بثور صغار حمر، حكاكة مكربة تحدث دفعة غالبًا، وتشتد، ليلاً لبخار حار يثور في البدن دفعة، كما في القاموس، (على عهد رسول اللّه عٍَّ، فأتيته، فشكوت ذلك إليه، فأمرني أن أتجرد، فتجردت عن ثوبي، وقعدت بين يديه، وألقيت ثوبي على فرجي،) وما حوله اقتصر عليه، لكونه أفحش، ويحتمل خلافه، (فتفث في يده، ثم مسح ظهري، وبطني بيده فعبق،) بفتح الباء، أي لزق (بي هذا الطيب من يومئذٍ). ٥٣٤ الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته رواه الطبراني في معجمه الصغير. وروى أبو يعلى والطبراني قصة الذي استعان بالنبي علَةٍ على تجهيز ابنته، فلم يكن عنده شىء، فاستدعاه بقارورة فسلت له فيها من عرقه، وقال: مرها فلتطيب به، فكانت إذا تطيبت به شم أهل المدينة ذلك الطيب فسموا بيت المطيبين. وقال جابر بن عبد الله: كان في رسول الله عَّله خصال: لم يكن في طريق فيتبعه أحد إلا عرف أنه سلكه من طيب عرقه وعرفه، ولم يكن يمر بحجر إلا سجد له. رواه الدارمي والبيهقي وأبو نعيم. ولله در من قال: (رواه الطبراني في معجمه الصغير) والكبير أيضًا، كما في الإِصابة، وقدم المصنف بعض الحديث في ريقه الشريف، (وروى أبو يعلى، والطبراني) من حديث أبي هريرة (قصة،) مفعول روي، وفي نسخة بزيادة في، فمفعول روى محذوف، أي: ما فيه طيب عرقه (الذي استعان بالنبي ◌ُّ على تجهيز ابنته، فلم يكن عنده شيء، فاستدعاه بقارورة،) أي: طلبها من الرجل، (فسلت له فيها من عرقه) أي بعضه، (وقال: مرها، فلتطيب به،) وهذا الحديث ذكره بالمعنى، تبعًا للفتح، ولفظ أبي يعلى، والطبراني عن أبي هريرة، جاء رجل، فقال: يا رسول اللّه عَّه إني زوجت ابنتي، وأنا أحب أن تعينني بشيء، قال: ((ما عندي شيء، ولكن إذا كان غدًا فأتني بقارورة واسعة الرأس، وعود شجرة، وآية ما بيني وبينك أن أجيف ناحية الباب))، فلما كان من الغد أتاه بذلك؛ فجعل النبي عَّهِ يسلت العرق عن ذراعيه، حتى امتلأت القارورة، فقال: ((خذها وأمر ابنتك أن تغمس هذا العود في القارورة، فتطيب به))، (فكانت إذا تطيبت به شم أهل المدينة) كلهم (ذلك الطيب،) وإن بعدوا عن دارها، هذا ظاهره، ولا مانع إذ هو أمر خارق، (فسموا بيت المطيبين). قال الذهبي: حديث منكر، أي ضعيف، (وقال جابر بن عبد اللّه) رضي اللّه عنهما: (كان في رسول اللّه عٍَّ خصال) خارقة للعادة، منها أنه (لم يكن) يمر (في طريق فيتبعه) بالرفع، أي: يأتي بعد ذهابه منه، لا يمشي تابعًا له، وهو بالتخفيف والتشديد، ويجوز نصبه، أي: يمشي بعده بزمان قليل، فالفاء للتعقيب، (أحد) فاعل يتبع على حال من الأحوال، (إلاَّ) على حال (عرف أنه) عَ ظله (سلكه))) أي دخل الطريق ومر فيه، (من طيب عرقه،) بالقاف، (وعرفه))) بالفاء، ريحه الطيب، والضمير للعرق، بالقاف، فهو كالتفسير، لما قبله، أو للنبي عَّله، فيفيد طيب ريح بدنه، وإن لم يعرق، فهو دليل لقوله في الترجمة: الرائحة الطيبة صفة، وإن لم يمس طيبًا، (ولم يكن يمر بحجر إلاَّ سجد له،) أي تحرك حتى، كأنه سجد، (رواه الدارمي، والبيهقي، وأبو نعيم، ولله در ٥٣٥ الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته ولو أن ركبًا يمموك لقادهم نسيمك حتى يستدل به الركب وعن أنس قال: كان رسول الله عَّله إذا مر في طريق من طرق المدينة وجدوا منه رائحة الطيب وقالوا: مر رسول الله عَّه من هذا الطريق. رواه أبو يعلى البزار بإسناد صحيح. وما أحسن قول من قال: يروح على غير الطريق التي غدا عليها فلا ينهى علاه نهاته تنفسه في الوقت أنفاس عطره فمن طيبه طابت له طرقاته تروح له الأرواح حيث تنسمت لها سحرًا من حبه نسمائه من قال: ولو أن ركبا يمموك) قصدوك (لقادهم،) أي: دلهم (نسيمك) أي رائحة بدنك (حتى يستدل به الركب،) فشبه الدلالة بأخذ قياد الدابة والمشي أمامها، فهو استعارة تبعية، (وعن أنس قال: كان رسول اللّه عَّه إذا مر في طريق من طرق المدينة، وجدوا منه،) أي الطريق (رائحة الطيب) على أثره، على ظاهر قول جابر قبله، فيتبعه أحد، (وقالوا: مر رسول اللّه عَ لَّه من هذا الطريق،) لأن القلب الطاهر الحي يشم منه رائحة الطيب، كما أن القلب الخبيث الميت يشم منه رائحة النتن، لأن نتن القلب والروح يتصل بباطن البدن، أكثر من ظاهره، والعرق يفيض من الباطن، فالنفس الطيبة يقوى طيبها، ويفوح عرف عرقها، حتى يبدو على الجسد، والخبيثة بضدها، كذا قال بعضهم: (رواه أبو يعلى البزار بإسناد صحيح، وما أحسن قول من قال) في هذا المعنى: (يروح على غير الطريق التي غدا عليها فلا ينهى علاه نهاته تنفسه في الوقت أنفاس عطره فمن طيبه طابت له طرقاته تروح له الأرواح حيث تنسمت له سحرًا من حبه نسماته) عن عائشة: كنت قاعدة أغزل والنبي عٍَّ يخصف نعله، فجعل جبينه يعرق، وجعل عرقه يتولد نورًا، فبهت فقال لملك: بهت، قلت: جعل جبينك يعرق، وجعل عرقك يتولد نورًا، ولو رآك أبو كبير الهذلي لعلم أنك أحق بشعره، حيث يقول: ومبرا من كل غبر حيضة وفساد مرضعة وداء مغـيـل وإذا نظرت إلى أسرة وجهه برقت بروق العارض المتهلل رواه ابن عساكر، وأبو نعيم، والخطيب بسند حسن، وأبو كبير بموحدة عامر بن الحليس، بمهملتين، مصغر، وقيل: ابن جمرة وراء جاهلي، وغير بمعجمة، وموحدة، وراء، بلا نقط، أي: بقية وحيضة بكسر الحاء، أي: لم تحمل به في بقية الحيض، ولا حملت عليه في حالة رضاعه، فيفسد رضاعه، والمغيل بوزن مكرم بالكسر، من الغيل، بفتح المعجمة، وسكون ٥٣٦ الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته وعن عائشة قالت: كان رسول الله عَّه أحسن الناس وجهًا وأنورهم لونًّا، لم يصفه واصف قط إلا شبه وجهه بالقمر ليلة البدر. وكان عرقه في وجهه مثل اللؤلؤ، وأطيب من المسك الأذفر. رواه أبو نعيم. وعن أنس قال: دخل علينا رسول الله عَِّ فقال عندنا، فعرق وجاءت أمي بقارورة فجعلت تسلت العرق فيها، فاستيقظ عٍَّ فقال يا أم سليم ما هذا الذي تصنعين؟ قالت: هذا عرقك نجعله لطيبنا، وهو أطيب الطيب. رواه مسلم. بِ اللّهـ وفي رواية كان التحتية، وهي أن ترضعه، وهي حامل، هكذا ضبطه جمع منهم السيوطي، (وعن عائشة قالت: كان رسول اللّه عَّ أحسن الناس وجهًا، وأنورهم لونًا،) لأنه أبيض مشرب بحمرة، (لم يصفه واصف قط إلاَّ شبه وجهه بالقمر ليلة البدر، وكان عرقه في وجهه مثل اللؤلؤ) في البياض والصفاء، ففي مسلم عن أنس كان عَّ أزهر اللون، كان عرقه اللؤلؤ، إذا مشى تكفأ، فليس المراد المثلية في التحدر، (وأطيب من المسك الأذفر،) بذلك معجمة، أي: طيب الريح، ويقع على الكريه، ويفرق بينهما؛ بما يضاف إليه، ويوصف به وأما، بدال مهملة، فخص بالنتن (رواه أبو نعيم) وغيره. (وعن أنس قال دخل علينا رسول اللّه عَ له، فقال: عندنا،) أي: قام وقت القائلة، وهي نصف النهار، والغالب فيه الحر، (فعرق) بكسر الراء، (وجاءت أمي) أم سليم بنت ملحان بن خالد الأنصاري، يقال اسمها سهلة، أو رميلة أو رميثة، أو مليكة، أو أنيقة، وهي الغميصاء، بضم الغين المعجمة، أو الرميصاء، بالراء، اشتهرت بكنيتها، وكانت من الصحابيات الفاضلات، ماتت في خلافة عثمن، (بقارورة، فجعلت تسلت،) بضم اللام، تمسح (العرق،) وتجعله (فيها،) أي القارورة. قال القاضي عياض: كانت محرم له من قبل الرضاع، ففيه جواز الخلوة مع المحارم، قال الأبي: علمت طيب نفسه بذلك، وإلاّ فالقرابة، لا تبيح القدوم على ذلك، وقال شيخنا: يجوز أن سلتها بآلة، فلا تمس جسده الشريف، والعرق هنا اسم عين، لأنه الذي يؤخذ، فيكون مشتركًا بين المصدر والعين، أو أنه حقيقة في المصدر مجاز في غيره، (فاستيقظ عَِّ فقال: ((يا أم سليم ما هذا الذي تصنعين))؟، قالت: هذا عرقك،) خبر موطىء لقولها: (نجعله لطيبناء) ولفظ مسلم في طيبنا، (وهو أطيب الطيب،) قال الأبي: وكانت رائحة العرق أخص من رائحة البدن، كما يوجد في ضد طيب الرائحة، فإن ذا الرائحة الكريهة، هي منه في حالة العرق، أكره منها في حالة عدم العرق، (رواه مسلم) عن ثابت عن أنس. (وفي رواية) لمسلم من طريق إسحق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس، (كان مَّه ٥٣٧ الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته يدخل بيت أم سليم فينام على فراشها وليست فيه. قال فجاء ذات يوم فنام فأتيت فقيل لها هذا النبي عَّ نائم في بيتك على فراشك قال: فجاءت وقد عرق واستنقع عرقه على قطعة أديم على الفراش، ففتحت عتيدتها فجعلت تنشف ذلك العرق فتعصره في قواريرها، ففزع عَ لّ فقال: ما تصنعين يا أم سليم؟ قالت: يا رسول الله نرجو بركة لصبياننا، قال: أصبت. والعتيدة: كالصندوق الصغير الذي تترك فيه المرأة ما يعز عليها من متاعها. وأما ما روي أن الورد خلق من عرقه مَّةٍ ومن عرق البراق فقال شيخنا في الأحاديث المشتهرة: قال النووي: لا يصح. وقال شيخ الإسلام ابن حجر: إنه موضوع، يدخل بيت أم سليم، فينام على فراشها وليست فيه،) لعلمه برضاها، وفرحها به، (قال: فجاء ذات يوم، فنام) على فراشها، (فأتيت، فقيل لها:) وفي نسخة أما بفتحتين افتتاح كلام، (هذا النبي عَِّ نائم في بيتك على فراشك، قال: فجاءت وقد عرق واستنقع،) أي سال، وسقط (عرقه على قطعة أديم) جلد، كان نائمًا عليها (على الفراش، ففتحت عتيدتها،) بفتح المهملة، بعدها فوقية، فتحتية، فمهملة، (فجعلت تنشف ذلك العرق، فتعصره في قواريرها، ففزع علي فقال: ((ما تصنعين يا أم سليم)؟، قالت: يا رسول اللّه نرجو بركة لصبيالتل، قال: أصبت والعقيدة، كالصندوق،) بفتح الصاد، وضمها، (الصغير الذي تترك فيه المرأة ما يعز عليها من متاعها؛) قاله النووي، وقال القاضي عياض: هي حقة للمرأة تعدها للطيب، وفي العين العتاد ما يعد للأمر، وفرس عتيد، أي معد للركوب، ومنه عتيدة الطيب، وفي مسلم أيضًا عقب هذين الحديثين، من طريق أبي قلابة عن أنس. عن أم سليم أن النبي عَّهِ، كان يأتيها، فيقيل عندها، فتبسط له نطعًا، فيقيل عليه، وكان كثير العرق، فكانت تجمع عرقه، فتجعله في الطيب والقوارير، فقال النبي عَّ له: ((يا أم سليم ما هذا؟))، قالت: عرقك أذوف به طيبي. قال القاضي عياض: ضبطناه عن الأكثر أذوف، بذال معجمة، ومعناه أخلط، وهو للطبري، بمهملة، ومعناه أيضًا أخلط، (وأما ما روي أن الورد خلق) صنف منه، وهو الأبيض، (من عرقه عَُّلُّ)) وخلق صنف منه، وهو الأصفر (من عرق البراق،) بضم الموحدة، كذا في نسخة، بالواو، وفي نسخة، أو من عرق البراق، بأو للتنويع بدليل بقية العبارة، لا للشك، (فقال شيخنا) السخاوي في المقاصد الحسنة (في الأحاديث المشهورة) على الألسنة، (قال النووي: لا يصح) وهذا محتمل للضعف والوضع، وهو المراد (و) لذا (قال شيخ الإسلام ابن حجر)، الحافظ: (إنه ٥٣٨ الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته وسبقه لذلك ابن عساكر، وهو في مسند الفردوس بلفظ: الورد الأبيض خلق من عرقي ليلة المعراج، والورد الأحمر خلق من عرق جبريل، والورد الأصفر خلق من عرق البراق. رواه من طريق مكي بن بندار الزنجاني. قال حدثنا الحسين بن علي بن عبد الواحد القرشي، حدثنا هشام بن عمار عن الزهري عن أنس به مرفوعًا ثم قال: قال أبو مسعود حدث به أبو عبد الله الحاكم عن رجل عن مكي. ومكي تفرد به انتهى. ورواه أبو الحسين بن فارس اللغوي في كتاب ((الريحان والراح)) له عن مكي به. ومكي ممن اتهمه الدارقطني بالوضع، وله طريق أخرى رواه أبو الفرج النهرواني في الخامس والتسعين من ((الجليس الصالح)) له من طريق محمد بن عنبسة بن حماد قال: حدثني أبي عن جعفر بن سليمن عن ملك بن دينار . موضوع، وسبقه لذلك ابن عساكر،) حافظ الشام، فقال: هذا حديث موضوع وضعه من لا علم عنده، (وهو في مسند الفردوس بلفظ الورد الأبيض خلق من عرقي ليلة المعراج، والورد الأحمر خلق من عرق جبريل، والورد الأصفر خلق من عرق البراق، رواه من طريق مكي بن بندار،) بموحدة، فنون، (الزنجاني، قال: حدثنا الحسين بن علي بن عبد الواحد، القرشي،) المقدسي. قال بعضهم: هو الذي وضع هذا الحديث، قال: (حدثنا هشام بن عمار) السلمي، الدمشقي، صدوق كبر، فصار يتلقن، فحديثه القديم أصح، مات سنة خمس وأربعين ومائتين، وله اثنتان وتسعون سنة؛ (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب، (عن أنس به مرفوعًا، ثم قال) الديلمي، صاحب مسند الفردوس: (قال أبو مسعود) الدمشقي إِبراهيم بن محمد الحافظ: مات كهلاً في رجب سنة أربعمائة، (حدث به أبو عبد اللّه الحاكم، عن رجل، عن مكي، ومكي تفرد به اهـ). (ورواه أبو الحسين)، أحمد (ابن فارس) الرازي، الفقيه الملكي، الإِمام في علوم شتى، خصوصًا اللغة، فإنه أتقنها، فغلبت عليه، فلذا نسب (اللغوي،) صاحب المصنفات، مات في سنة تسعين وثلثمائة أو قبلها، (في كتاب الريحان، والراح له عن مكي، به ومكي ممن اتهمه الدارقطني بالوضع،) فروايته، كعدمها، (وله طريق أخرى، رواه،) أي الطريق يذكر ويؤنث (أبو الفرج النهرواني، في الخامس والتسعين من) كتاب (الجليس الصالح، له من طريق محمد بن . عنبسة بن حماد، قال: حدثني أبي) عنبسة، بفتح المهملة، ثم نون ساكنة، ثم موحدة، ومهملة مفتوحتين، (عن جعفر بن سليمان) الضبعي، بضم الصاد المعجمة، وفتح الموحدة، أبي سليمن البصري، صدوق زاهد لكنه كان يتشيع، مات سنة ثمان وسبعين ومائة، (عن ملك بن دينار) ٥٣٩ الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته عن أنس رفعه: لما عرج بي إلى السماء بكت الأرض من بعدي فنبت اللصف من نباتها، فلما أن رجعت قطر من عرقي على الأرض فنبت ورد أحمر، ألا من أراد أن يشم رائحتي فليشم الورد الأحمر. ثم قال أبو الفرج: اللصف: الكبر، قال: وما أتى به هذا الخبر فهو اليسير من كثير مما أكرم الله به نبيه ودل على فضله ورفيع منزلته. قال وقد روينا معناه من طرق لكن اختصرنا منها هذا فذكرناه وإنما ذكرته لیعلم. وعن جابر بن سمرة أنه معَ ◌ّ مسح خده، قال جابر: فوجدت ليده بردًا وريحًا كأنما أخرجها من جؤنة عطار. قال غيره: مسها بطيب أو لم يمسها يصافح . البصري الزاهد، أبي يحيى، صدوق، عابد، مات سنة ثلاثين ومائة أو نحوها، (عن أنس، رفعه: ((لما عرج بي إلى السماء، بكت الأرض من بعدي، فنبت اللصف من نباتها، فلما أن رجعت قطر من عرقي على الأرض، فنبت ورد أحمر؛ ألا من أراد أن يشم رائحتي، فليشم الورد الأحمر))، ثم قال أبو الفرج اللصف الكبر:) وفي القاموس اللصف محركة الإصف، أو اذن الأرنب، ورقة كورق لسان الحمل، وأدق وأحسن زهره أزرق فيه بياض، وله أصل ذو شعب، إذا قلع وحك به الوجه حمرة وحسنة، (قال) أبو الفرج تقوية لهذا الخبر، لئلا ينكر من جهله العقل: (وما أتى به هذا الخبر، فهو اليسير من كثير ما أكرم الله به نبيه، ودل على فضله، ورفيع منزلته، قال: وقد روينا معناه من طرق، لكن اختصرنا منها هذا، فذكرناه انتهى)، كلام شيخه السخاوي، وزاد على ما هنا، ما لفظه لأبي الحسين بن فارس أيضًا، مما عزاه لهشام بن عروة عن أَبيه، عن عائشة مرفوعًا، من أراد أن يشِم رائحتي، فليشم الورد الأحمر، (وإنما ذكرته ليعلم) أنه موضوع، فيترك، ولا يذكر إلاَّ مع بيان أنه موضوع (و) روى مسلم (عن جابر بن سمرة،) قال: صليت مع رسول اللّه عَّه صلاة الأولى، ثم خرج إلى أهله، وخرجت معه، فاستقبله ولدان، فجعل يمسح خدي أحدهم واحدًا واحدًا، قال: وأما أنا فمسح خدي، فذكره بمعناه، فقال (أنه عَّ: مسح خده، قال جابر: فوجدت ليده بردًا وريحًا، كأنما أخرجها من جؤنة عطار،) بين صفة الريح دون البرد، وقال يزيد بن الأسد: ناولني رسول اللّه عَ ◌ّه يده، فإذا هي أبرد من الثلج، وأطيب ريحًا من المسك. رواه البيهقي، كما قدمه المصنف، كحديث جابر في يده الشريفة، (قال غيره،) غير ابن سمرة، وهو عائشة، فيما رواه أبو نعيم، والبيهقي بإسناد ضعيف، عنها في حديث، وكانت كفه ألين من الحرير، وكان كفه كف عطار، (مسها بطيب أو لم يمسها،) أي: الكف، وفيه قلب إذ الظاهر مس بها طيبًا، أم لا، وهو إشارة إلى أن طيبه ذاتي (يصافح،) أي يمس النبي عَّه. ٥٤٠ الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته المصافح فيظل يومه يجد ريحها، ويضع يده على رأس الصبي فيعرف من بين الصبيان ريحها. وجؤنة العطار: بضم الجيم وهمزة بعدها، ويجوز تخفيفها واوًا: سليلة مستديرة مغشاة أدمًا. وقد ورد مما عزاه القاضي عياض للأخباريين ومن ألف في الشمائل الكريمة أنه عَِّ كان إذا أراد أن يتغوّط بصفحة يده (المصافح،) بفتح الفاء، والنصب مفعول، وهو من يريد مصافحته، وفي رواية يصافحه المصافح، بكسر الفاء، والرفع فاعل، (فيظل،) بفتح الظاء المعجمة (يومه،) منصوب على الظرفية، ولا توكيد فيه، ولا تجريد، لدلالته على الاستغراق (يجد ريحها) الطيبة طيبًا خلقيًا، خصه للَّه به معجزة، وتكرمة، فالإِضافة عهدية، وقدم المصنف أيضًا في اليد الشريفة، قول وائل بن حجر عند الطبراني: كنت أصافح رسول اللّه عَّه، أو يمس جلدي جلده، فأتعرفه بعد في يدي، وأنه لأطيب من ريح المسك، وهذا صادق ببقائه أكثر من يوم، لأنه لم يقيد التعرف بزمن، وعجيب نقل ما قدمه المصنف قريبًا من كلام غيره، (ويضع يده على رأس الصبي،) أي: صبي كان، لا معين، (فيعرف من بين الصبيان بريحها،) لشدة فوحه، أي برائحتها الحاصلة بمسه، والفاء للسببية، أي يعرف أن النبي مسه، فيميز من بينهم. وفي رواية لريحها، باللام، والتعليلية، ومعناهما واحد، وفي رواية من ريحها، ويحتمل أن ذلك في يومه، وأنه يستمر مدة طويلة، ثم المصنف، تابع لعياض، ولفظ عائشة، ويضعها على رأس الصبي، فيعرف من بين الصبيان؛ أنه مسح على رأسه، (وجؤنة العطار، بضم الجيم، وهمزة بعدها، ويجوز تخفيفها) بإبدالها (واوًا، سليلة مستديرة مغشاة أُدمًا،) جلدًا، نقله عياض عن صاحب العين، وقال قبله: أنها كالسفط، يجعل فيها العطار متاعه، (وقد ورد مما عزاه القاضي عياض للأخباريين)، جمع إخباري، نسبة للخبر، وهو ما ينقل، ويتحدث به، وجمعه أخبار، فقياس النسبة خبري، برد الجمع إلى مفرده، لكنه لما اشتهر، فصار اسمًا، لكل ما ينقل، ويتحدث به، التحق بالعلم، فنسب إلى لفظه، (ومن ألف في الشمائل الكريمة،) عطف خاص على عام، أو مباين، وهو الظاهر إذ الأخباريون الناقلون للأخبار كيف اتفق، ومقصود المؤلفين في الشمائل، بيان شمائله فقط فهم قسم مستقل، لكن لفظ الشفاء، وحكي بعض المعتنين بأخباره، وشمائله، (أنه عَّ كان إذا أراد أن يتغوّط،) أي يأتي الغائط، وهو المكان المنخفض من الأرض على عادتهم في البراز، لأنه أستر، قال تعالى: ﴿أو جاء أحد منكم من الغائط﴾ [المائدة/ ٦]