Indexed OCR Text
Pages 301-320
٣٠١ الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته والغرابة: كون الكلمة لا تدل على المراد من أول وهلة لاحتمال معنى آخر. ومخالفة القياس: استعمال الكلمة على غير قياس، كإبقاء وجود المثلين من كلمة واحدة من غير إدغام. كقوله: الحمد لله العلي الأجلل. والفصاحة: يوصف بها الكلام والكلمة والمتكلم. والبلاغة: أن يطابق الكلام مقتضى الحال مع فصاحته، والجزالة خلاف الركاكة. ففصاحته عَ لّهِ إلى الحد الخارق للعادة، البالغ نهاية المزية الاستعمال، (لا تدل على المراد من أول وهلة، لاحتمال معنى آخر،) كقوله: وفاحمًا ومرسنًا مسرحًا فمسرج، يحتمل أنه كالسيف السر، يجيء في الدقة والاستواء، وسريج اسم حداد، تنسب إليه السيوف، ويحتمل كالسراج في البريق واللمعان، والفاحم بالفاء شعر أسود كالفحم، والمرسن الأنف، (ومخالفة القياس استعمال الكلمة على غير قياس،) مستنبط من تتبع لغة العرب، أعني مفردات ألفاظهم الموضوعة، أو ما هو في حكمها، كوجوب الإعلال في قام، والإدغام وغير ذلك، فمخالفه ليس بفصيح، (كإبقاء وجود المثلين من كلمة واحدة من غير إدغام، كقوله: الحمد لله العلى الأجلل،) بفك الإدغام، والقياس الأجل بالإدغام، وأما نحو أبي، يأبى، وعور، واستحوذ، وقطط شعره، وآل، وما أشبه ذلك، من الشواذ الثابتة في اللغة، فليست من المخالفة في شيء، لأنها كذلك ثبتت عن الواضع، فهي في حكم المستثناة، كما قاله السعد، (والفصاحة يوصف بها الكلام،) فيقال: كلام فصيح، وقصيدة فصيحة، (والكلمة) من كلمة فصيحة، (والمتكلم،) فيقال: كاتب فصيح، وشاعر فصيح، (والبلاغة،) ويوصف الكلام والمتكلم، لا الكلمة إذ لم يسمع كلمة بليغة، وهي لغة تنبىء عن الوصول والانتهاء، واصطلاحًا (أن يطابق الكلام مقتضى الحال مع فصاحته،) أي: الكلام، والحال هو الأمر الداعي إلى أن يعتبر مع الكلام، الذي يؤدي به أصل المراد خصوصية ما، وهو مقتضى الحال مثلاً كون المخاطب منكرًا للحكم، حال يقتضي تأكيد الحكم، والتأكيد مقتضى الحال، فقولك: إن زيدًا في الدار، مؤكدًا بأن مطابق لمقتضى الحال. (والجزالة). بجيم وزاي، (خلاف الركاكة،) وبسط ذلك معلوم في فنه، وإنما سقت بعضه ضرورة ذكر المصنف له، (ففصاحته عَّةٍ إلى الحد الخارق للعادة، البالغ نهاية المزية،) فعيلة، وهي التمام والفضيلة، ولفلان مزية، أي: فضيلة يمتاز بها عن غيره، قالوا: ولا يبنى منه فعل، وهو ٣٠٢ الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته والزيادة التي تصدع القلوب قبل الأذهان، وتقرع الجوانح قبل الآذان، مما يروق ويفوق، ويثبت له على سائر البشر الحقوق التي لا تقابل بالعقوق، فهو صاحب جوامع الكلم وبدائع الحكم، وقوارع الزجر وقواطع الأمر، والأمثال السائرة، والغرر السائلة، والدرر المنثورة والدراري المأثورة والقضايا المحكمة، والوصايا المبرمة، والمواعظ التي هي على القلوب محكمة، والحجج التي هي للد الخصماء . ذو مزية في الحسب والشرف، أي: ذو فضيلة، والجمع مزايا مثل عطية وعطايا، ذكره في المصباح، (والزيادة) مصدر زاد (التي تصدع) تشق (القلوب قبل الأذهان) جمع ذهن، وهو الذكاء والفطنة، (وتقرع) . بفتح الراء. من باب نفع، تطرق (الجوانح:) الأضلاع التي تحت الترائب، وهي مما يلي الصدر، كالضلوع مما يلي الظهر الواحدة جانحة. قاله الجوهري. (قبل الآذان) جمع أذن (مما يروق) يصفو من راق الماء صفًا، (ويفوق) يفضل ويرجح ويغلب على غيره (ويثبت له على سائر،) أي: جميع (البشر الحقوق) جمع حق، والتقييد بالبشر، لأنهم المنازعون، فلا ينافي أن حقوقه ثابتة أيضًا، على الجن والملائكة (التي لا تقابل بالعقوق:) العصيان، (فهو صاحب جوامع الكلم،) أي: إيجاز اللفظ مع سعة المعنى بنظم لطيف لا يعثر الفكر في طلبه، ولا يلتوي الذهن في فهمه، فما من لفظة يسبق فهمها إلى الذهن إلاّ معناها إليه أسبق، وقيل: المراد القرءان، وقيل: الأمور الكثيرة التي كانت في الأمم المتقدمة، جمعت له في الأمر الواحد أو الأمرين، (وبدائع الحكم) جمع حكمة، وهي تحقيق العلم، وإتقان العمل من إضافة الصفة للموصوف، أي: الحكم البديعة من أبدع، إذا أتى بشيء بديع غير مسبوق بمثله، (وقوارع الزجر،) المنع من المعاصي، (وقواطع الأمر، والأمثال،) جمع مثل · بفتحتين. بمعنى الوصف، ضرب الله مثلاً، أي: وصفًا (السائرة والغرر) جمع غرر - بالضم. (السائلة والدرر) جمع درة - بالضم. اللؤلؤة العظيمة الكبيرة، كغرفة وغرف، ويجمع أيضًا على در بحذف الهاء (المنثورة والدراري:) الكواكب المضيئة جمع درى . بكسر الدال وضمها. من الدر، بمعنى الدفع لدفعه الظلام (المأثورة،) أي: المنقولة المروية من الأثر، وهو ما يدل على الشيء من آثاره وعلاماته (والقضايا،) أي: الأحكام جمع قضية، مصدر قضى، يقضي، قضاء وقضية، وهي الاسم أيضًا، أي: حكم، كما في القاموس. (المحكمة،) المتقنة، (والوصايا المبرمة،) المحكمة من أبرم الأمر، كبرمه أحكمه، كما في القاموس، (والمواعظ التي هي على القلوب محكمة، والحجج التي هي للد) . بضم اللام. جمع ألد، مثل أحمر، وحمر (الخصماء) من إضافة الصفة للموصوف، أي: الخصماء اللد، أي الذين اشتدت خصومتهم، (مفحمة،) مسكنة، (ملجمة،) فجعل حجتهم دابة تلجم باللجام وتقاد، ٣٠٣ الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته مفحمة ملجمة. وقليل هذا الوصف في حقه عَّه وزاده فضلاً وشرفًا لديه، وقد روى الحاكم في مستدركه وصححه من حديث ابن عباس: إن أهل الجنة يتكلمون بلغة محمد عٍَّ. وبالجملة فلا يحتاج العلم بفصاحته إلى شاهد، ولا ينكرها موافق ولا معاند، وقد جمع الناس من كلامه الفرد الموجز البديع الذي لم يسبق إليه دواوين، وفي كتاب الشفاء للقاضي عياض من ذلك ما يشفي العليل. (وقليل هذا الوصف في حقه عَّةِ، وزاده فضلاً وشرفًا لديه، وقد روى الحاكم في مستدركه) على الصحيحين، (وصححه من حديث ابن عباس: أن أهل الجنة يتكلمون بلغة محمد عبد الله(،) وهذا حكمه الرفع إذ هو لا يقال رأيًا، وفيه من تشريف المصطفى ما لا يخفى، (وبالجملة، فلا يحتاج العلم بفصاحته إلى شاهد) لقوة ظهورها، (ولا ينكرها مواقف، ولا معاند،) يشبه عطف العلة على المعلول، (وقد جمع الناس) العلماء الكبار، كابن السني، والقضاعي، وابن الصلاح في آخرين (من كلامه الفرد،) الذي لا نظير له، وفي نسخة المفرد، أي: المتميز عن غيره لا مقابل المركب، والمثنى والنسخة الأولى أحسن. (الموجز). بفتح الجيم، أي: القليل الألفاظ الكثير المعاني، وبكسر الجيم من أوجز، فإِسناده للكلام مجاز، كعيشة راضية، أي: موجز صاحبه، إذ الكلام لا يوصف بأنه موجز، اسم فاعل، أو حقيقي من أوجز اللازم، ففي القاموس: أوجز الكلام قل، وأوجز كلامه اختصره، (البديع) الذي لا مثال له، فقوله (الذي لم يسبق إليه) صفة كاشفة، أي: إلى جملته فلا ينافي أن منه ما سبق إليه، أو لم يسبق إلى شيء منه بالترتيب الخاص الذي اشتمل عليه، ولذا قال في الشفاء: وأما كلامه المعتاد، وفصاحته المعلومة، وجوامع كلمه، وحكمه المأثورة، فقد ألف الناس فيها (دواوين،) أي: كتبًا مستقلة، جمع ديوان - بكسر الدال والفتح لغة، وقال أبو عمرو: إنه خطأ، لأنه كان يجمع على دياوين ولم يسمع، قاله الجواليقي. قال عياض: وجمعت في ألفاظها ومعانيها الكتب، ومنها ما لا يوارى فصاحة، ولا يبارى بلاغة، وذكر عدة أحاديث، ثم قال: وقد جمعت من كلماته التي لم يسبق إليها، ولا قدر أحد أن يفرغ في قالب عليها، كقوله: حمي الوطيس، ومات حتف أنفه، ولا يلدغ المؤمن من جحر مرتين، والسعيد من وعظ بغيره، في إخواتها ما يدرك الناظر العجب في مضمنها، وتذهب به الفکر في أدنی حکمها. (وفي كتاب الشفاء للقاضي عياض من ذلك ما يشفى العليل) . بعين مهملة. المريض، (كقوله عَّ:) فيما رواه الشيخان وغيرهما عن أنس، وأبي موسى، وابن مسعود، قيل: ٣٠٤ الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته كقوله عّلّهِ: المرء مع من أحب. وقوله: أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين. يا رسول اللَّه الرجل يحب القوم ولما يلحق بهم، قال: ((المرء مع من أحب) في الجنة، بحسن نيته من غير زيادة عمل))، لأن محبته لهم لطاعتهم، والمحبة من أفعال القلوب، فأنيب على ما اعتقده، لأن الأصل النية، والعمل تابع لها، ولا يلزم من المعية استواء الدرجات، بل ترفع الحجب حتى تحصل الرؤية والمشاهدة، وكل في درجته، قاله المصنف. وقال السخاوي: قال بعض العلماء: ومعنى الحديث أنه إذا أحبهم عمل بمثل أعمالهم، قال الحسن البصري: من أحب قومًا اتبع آثارهم، واعلم أنك لن تلحق بالأخيار حتى تتبع آثارهم، فتأخذ بهديهم، وتفتدي بسنتهم، وتصبح وتمسي على مناهجهم، حرصًا أن تكون منهم، أسنده العسكري، ولذا قيل: تعصى الإله وأنت تظهر حبه هذا لعمري في القياس بديع لو كان حبك صادقًا لأطعته إن المحب لمن يحب مطيع وسأل رجل أبا عثمان الواعظ: متى يكون الرجل صادقًا في حب مولاه؟ قال: إذا خلا من خلافه، كان صادقًا في حبه، فوضع الرجل التراب على رأسه، وصاح: كيف أدعي حبه، ولم أخل طرفة عين من خلافه، فبكى أبو عثمان وأهل المجلس، وصار أبو عثمان يقول في بكائه: صادق في حبه، مقصِّر في حقه، أورده البيهقي قائلاً: يشهد لقوله صادق الخ، هذا الحديث انتهى، وهذا الحديث متواتر. قال في الفتح: جمع أبو نعيم الحافظ طرقه في كتاب المحبين مع المحبوبين، وبلغ عدد الصحابة فيه نحو العشرين، وفي رواية: أكثرهم المرء مع من أحب، وفي بعضها بلفظ حديث أُنس: أنت مع من أحببت، انتھی. قال ابن العربي: يريد في الدنيا والآخرة، في الدنيا بالطاعة والأدب الشرعي، وفي الآخرة بالمعاينة والقرب الشهودي، فمن لم يتحقق بهذا، وادعى المحبة، فدعواه كاذبة. ولفظ حديث أنس: أن رجلاً سأل النبي عَّ: متى الساعة يا رسول اللَّه؟ قال: ((ما أعددت لها))، قال: ما أعددت لها من كثير صلاة، ولا صوم، ولا صدقة، ولكني أحب الله ورسوله، قال: أنت مع من أحببت، فقلنا: ونحن كذلك؟ قال: نعم، ففرحنا يومئذ فرحًا شديدًا. (وقوله) عَّه. في كتابه لهرقل والمقوقس: ((أسلم). بكسر اللام. (تسلم). بفتحها. (يؤتك اللَّه أجرك مرتين)،) لإيمانه بنبيه، ثم بالمصطفى. ٣٠٥ الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته وقوله: السعيد من وعظ بغيره. ومما لم يذكره القاضي عياض رحمه الله: قوله عليه الصلاة والسلام: إنما الأعمال بالنيات قال تعالى: ﴿أولئك يؤتون أجرهم مرتين﴾ [القصص: ٥٤]، أو لأن إسلامه سبب لإسلام أتباعه، ويؤتك بالجزم جواب ثان للأمر، أو بدل اشتمال منه، أو عطف عليه بحذف العاطف، فلا يردان جواب الأمر حصل بتسلم، أو هو جواب الأمر محذوف، هو وأسلم يؤتك، كما هو رواية البخاري في الجهاد بتكرير الأمر تأكيدًا، أو الأول الدخول في الإسلام، والثاني مداوم عليه، وتقدم بسط هذا في المكاتبات، (وقوله) عَّ: (السعيد) المبارك المرضي عند الله، وعند الناس (من وعظ بغيره)،) أي: تأمل عواقب الأمور، فلم يفعل ما يضره، لما رأى ما أصاب غيره من فعلها، ومفهومه، والشقي من وعظ به غيره، وهذا الحديث رواه الديلمي عن عقبة بن عامر، والعسكري عن زيد بن خالد بهذا اللفظ مختصرًا، وصححه الحافظ، وشيخه العراقي، خلافًا لقول ابن الجوزي في أمثاله لا يثبت، وأخرجه العسكري، والقضاعي، والبيهقي في المدخل عن ابن مسعود، رفعه بزيادة: والشقي من شقي في بطن أمه، ورواه مسلم موقوفًا بالزيادة، وللبزار بسند صحيح عن أبي هريرة، رفعه: السعيد من سعد في بطن أمه، والشقي من شقي في بطن أمه، (ومما لم يذكره القاضي عياض رحمه اللَّه))) كذا في نسخ، وفي بعضها اقتصر على قوله: ومما لم يذكره، اكتفاء بعود الضمير له، (قوله عليه الصلاة والسلام: ((إنما الأعمال) البدنية، أقوالها، وأفعالها، فرضها، ونفلها قليلها وكثيرها، الصادرة من المكلفين المؤمنين، صحيحة أو مجزئة، أو كاملة))، (بالنيات) من مقابلة الجمع بالجمع، أي: كل عمل بنیته. وقال الحربي كأنه أشار إلى تنويع: النية كالأعمال، كمن قصد بعمله وجه الله، أو تحصيل وعده، أو اتقاء وعيده، وفي معظم الروايات: بالنية بالإفراد، لأن محلها القلب، وهو متحد، فناسب أفرادها بخلاف الأعمال، فإنها متعلقة بالظواهر، وهي متعددة، فناسب جمعها، أو لأن النية ترجع إلى الإخلاص، وهو واحد للواحد الذي لا شريك له. وفي صحيح ابن حبان: الأعمال بالنيات، بحدف إنما وجمعهما، وللبخاري في الإيمان، والعتق، والهجرة، الأعمال بالنية، بجمع الأعمال، وإفراد النية، وله في النكاح العمل بالنية بإفرادهما، والنية . بكسر النون، وشد التحتية على المشهور، وفي لغة تخفيفها، وهذا التركيب يفيد الحصر عند المحققين، لأن أل في الأعمال للاستغراق، وهو مستلزم للحصر، لأن معناه ٣٠٦ الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته كل عمل بنية، فلا عمل إلاَّ بنية، أو لأن إنما للحصر، وهل إفادتها له بالمنطوق، أو بالمفهوم، أو تفيد الحصر بالوضع، أو بالعرف، أو تفيده بالحقيقة، أو بالمجاز، ومقتضى كلام الإمام وأتباعه أنها تفيده بالمنطوق وضعًا حقيقيًّا، بل نقله شيخ الإسلام البلقيني، عن جميع أهل الأصول من المذاهب الأربعة، إلا اليسير كالآمدي، وعلى العكس من ذلك أهل العربية، واستدل على إفادة إنما للحصر بأن ابن عباس، استدل على أن الربا لا يكون إلاّ في النسيئة بحديث: إنما في الربا النسيئة، وعارضه جماعة من الصحابة في الحكم، ولم يخالفوه في فهمه، فكان كالاتفاق منهم على إفادتها الحصر، وتعقب باحتمال أنهم تركوا المعارضة تنزلاً، وأوضح من ذلك الحديث: إنما الماء من الماء، فإن الصحابة الذين ذهبوا إليه، لم يعارضهم الجمهور في فهم الحصر منه، وإنما عارضوهم في الحكم من أدلة أخرى، كحديث: إذا التقى الختانان. وقال ابن عطية: إنما لفظ لا تفارقه، المبالغة والتأكيد حيث وقع، ويصلح مع ذلك للحصر، إن دخل في قضية ساعدت عليه، فجعل ورودها للحصر، مجازًا يحتاج إلى قرينة، وعكسه غيره، فقال: أصل ورودها للحصر، لكن قد يكون في شيء مخصوص، كقوله تعالى: ﴿إنما اللَّه إله واحد﴾ [النساء: ١٧١] فكأنه سيق باعتبار منكري الوحدانية، وإلاَّ فللَّه سبحانه صفات أُخرى، كالعلم والقدرة، وكقوله: ﴿إنما أنت منذر﴾ [الرعد: ٧] [ النازعات: ٤٥]، فإنه سبق باعتبار منكري الرسالة، وإلا فله عَّ صفات أخرى كالبشارة، والأعمال تقتضي عاملين، فالتقدير الصادرة من المكلفين. قال الحافظ: فالظاهر إخراج أعمال الكفار، لأن المراد أعمال العبادة، وهي لا تصح من الكافر، وإن كان مخاطبًا بها، معاقبًا على تركها، ولا يرد العتق والصدقة، لأنهما بدليل آخر انتهى، وعبر بالأعمال دون الأفعال، لأن الفعل قد يكون زمانه يسيرًا، ولا يتكرر. قال تعالى: ﴿ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل﴾ [الفيل: ١]، وتبين لكم كيف فعلنا بهم، حيث كان إهلاكهم في زمان يسير، ولم يتكرر بخلاف العمل، فإنه الذي يوجد من الفاعل في زمان مديد، بالاستمرار والتكرار الذين آمنوا وعملوا الصالحات، طلب منهم العمل الدائم المتجدد لأنفس الفعل، قال تعالى: ﴿فليعمل العاملون﴾، ولم يقل الفاعلون والنيات جمع نية. قال البيضاوي: وهي انبعاث القلب نحو ما يراه موافقًا لغرض من جلب نفع، أو دفع ضر، حالاً أو مالاً، والشرح خصه بالإرادة المتوجهة نحو الفعل، لابتغاء رضا اللَّه وامتثال حكمه، وهي محمولة على المعنى اللغوي، ليحسن تطبيقه على ما بعده، وتقسيمه أحوال المهاجر، فإنه تفصيل ٣٠٧ الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته رواه الشيخان وغيرهما. وقوله: ليس للعامل من عمله إلا ما نواه. وتحت هاتين الكلمتين كنوز من العلم لما أجمل، والحديث متروك الظاهر، لأن الذوات غير منفية، إذ التقدير لا عمل إلاَّ بنية، فليس المراد نفي ذات العمل، لأنه قد يوجد بلا نية، بل المراد نفي أحكامها، كالصحة والكمال، لكن الحمل على نفي الصحة أولى، لأنه أشبه بنفي الشيء نفسه، ولأن اللفظ دل على نفي الذات بالتصريح، وعلى نفي الصفات بالتبع، فلما منع الدليل نفي الذات، بقيت دلالته على نفي الصفات مستمرة انتهى، والباء سببية بمعنى أنها مقوّية للعمل فكأنها سبب في إيجاده، أو للمصاحبة، فهي من نفس العمل، فيتشرط أن لا تتخلف عن أوله، ولا بد من محذوف يتعلق به الجار والمجرور، فلذا احتيج للتقدير. وقال ابن القيم: هذا كلام مستقل بنفسه، لا يحتاج لإضمار صحة، ولا إجزاء، ولا قبول، إنما دل على أن وقوع الأعمال بالنيات، وأن النية هي الباعثة على العمل، المثيرة له، وهي أصله، وهو فرعها، ولما تكلف الناس بعض هذه التقديرات المستغنى عنها، وقعوا في الإشكال والاضطراب، فبعضهم قدر متعلق الظرف الصحة، وبعضهم الكمال، وعليه فالأول هو اللائق، لأن الصحة أكثر لزومًا للحقيقة، فلا يصح عمل، كتيمم خلافًا للأوزاعي، وكوضوء عند الأئمة الثلاثة، إلا بنية خلافًا للحنفية، ولا نسلم أن الماء يطهر بطبعه، والخلاف في الوسائل. أما المقاصد، فلا خلاف في اشتراط النية، وإنما لم تشترط في إزالة الخبث، لأنها من قبيل التروك، وشرعت تمييزًا للعبادة عن العادة، أو لتمييز مراتب العبادة بعضها عن بعض، (رواه الشيخان) البخاري في سبعة مواضع، ومسلم (وغيرهما،) كالإمام أحمد، وأصحاب السنن، كلهم من حديث عمر، ولم يخرجه في الموطأ، رواية الأكثرين، وخرجه في رواية محمد بن الحسن عنه. قال السيوطي: وبه يتبين صحة قول من عزا روايته للموطأ، وهم من خطأه في ذلك انتهى، وفيه تعريض، يقول الحافظ: هذا الحديث متفق على صحته، أخرجه الأئمة المشهورون، إلا الموطأ، وهم من زعم أنه في الموطأ مغترًا بتخريج الشيخين له، والنسائي من طريق لملك انتهى، وهذا من كثر، (وقوله: ليس للعامل من عمله إلاّ ما نواه، وتحت هاتين الكلمتين كنوز) أبواب كثيرة (من العلم،) عبر عنها بالكنوز للمشابهة. قال ابن مهدي: يدخل في ثلاثين بابًا من العلم، وقال الشافعي: يدخل في سبعين، ويحتمل أن مراده المبالغة، (ولهذا قال) الإمام (الشافعي رحمه اللّه تعالى) في إحدى الروايتين، ٣٠٨ الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته ولهذا قال الشافعي رحمه الله تعالى: حديث الأعمال بالنيات يدخل فيه نصف العلم، وذلك أن للدين ظاهرًا وباطنًا، والنية متعلقة بالباطن، والعمل هو الظاهر، وأيضًا فالنية عبودية القلب، والعمل عبودية الجوارح. وقال بعض الأئمة: حديث الأعمال بالنيات ثلث الدين، ووجهه أن الدين: قوله وعمل ونية. عنه (حديث: الأعمال بالنيات يدخل فيه نصف العلم، و) وجه (ذلك أن للدين ظاهرًا وباطنًا، والنية متعلقة بالباطن،) فهي نصف، (والعمل هو الظاهر،) فهو النصف الآخر، (وأيضًا) توجيه ثان، (فالنية عبودية القلب،) أي: عبادته، وهي انقياده وخضوعه، (والعمل عبودية الجوارح). قال الراغب: العبودية إظهار التذلل، والعبادة أبلغ منها، لأنها غاية التذلل، ولا يستحقها إلاَّ الله، والذي في الرسالة القشيرية، وشرحها أن العبودية، وهي تذلل وتبرٌّ من الحول، والقوّة في العبادة أتم من العبادة، وأعلى منها العبودة، فالعبادة لعوام المؤمنين، لأن غايتهم علم ما أمروا به، ونهوا عنه، والقيام بمقتضاهما، والعبودية للخواص لزيادة التذلل والتبري من الحول والقوَّة، والعبودية لخواص الخواص، لكمال معرفته بربه، حيث أتى بما طلب منه، ورأى نفسه محلاً لجريان قضاء للَّه فيه، ولتوفيقه له في فعل ما طلب منه أقرب إلى مقام الجمع، وهو إفراد الحق بالفعل من الثاني، لأنه يشاهد كسبًا واختيارًا، وإن كان مفتقرًا لعون ربه فيما يختاره، والأول أقرب إلى مقام التفرقة، لأنه يرى نفسه عابدًا، محسنًا، مطيعًا، ويطلب الجزاء على عمله، وحاصله أن العابد واقف مع الأعمال، والثاني مستغرق في الجلال والجمال، والثالث، وهو ذو العبودة، متبر مما فيه نظر العون المتعال، والتفرقة اصطلاح للقوم، للفرق بين المقامات، وإن كان الأصل العبادة. (وقال بعض الأئمة) كأحمد، وابن مهدي، وابن المديني، وأبي داود، والدارقطني، وحمزة الكناني، والشافعي، في نقل البويطي عنه: (حديث الأعمال بالنيات ثلث الدين،) ومنهم من قال: ربعه، واختلفوا في تعيين الباقي، (ووجهه أن الدين قول، وعمل، ونية). وفي الفتح: وجه البيهقي، كونه ثلث العلم؛ بأن كسب العبد يقع بقلبه ولسانه وجوارحه، فالنية أحد الثلاثة وأرجحها، لأنها قد تكون عبادة مستقلة، وغيرها يحتاج إليها، ومن ثم ورد نية المؤمن خير من عمله، وكلام أحمد يدل على أنه أراد بكونه ثلث العلم؛ أنه أحد القواعد الثلاث، التي يرد إليها جميع الأحكام عنده، وهي هذا، ومن عمل عملاً ليس عليه أمرنا، فهو رد، والحلال بين الحرام بين، (وقوله: نية المؤمن خير من عمله، رواه الطبراني) في الكبير، عن ٣٠٩ الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته وقوله: نية المرء خير من عمله. رواه الطبراني. لكن قال بعضهم لا يصح رفعه قال: ورواه القضاعي عن إسماعيل بن عبد الله الصفار، أخبرنا علي بن عبد الله بن الفضل حدثنا محمد بن الحنفية الواسطي، أخبرنا محمد بن عبد الله الحلبي، حدثنا يوسف بن عطية عن ثابت عن أنس: أن رسول الله عَ لّه كان يقول: نية المؤمن أبلغ من عمله. قال: وهذا الإسناد لا ضوء عليه، ويوسف بن عطية أحد رجاله متروك الحديث. ورواه عثمن بن عبد الله الشامي من حديث النواس بن سمعان وقال: نية المؤمن خیر من عمله، سهيل بن سعد مرفوعًا بزيادة، وعمل المنافق خير من نيته، وكل يعمل على نيته، فإذا عمل المؤمن عملاً صالحًا نار في قلبه نور، (لكن قال بعضهم: لا يصح رفعه،) إنما هو موقوف عن سهل، وأطلِق الحافظ العراقي أنه ضعيف، لكن قال رفيقه الحافظ نور الدين الهيتمي، رجاله موثوقون إلاَّ حاتم بن عباد، لم أر من ذكر له ترجمة. (قال: ورواه القضاعي) أبو عبد الله، محمد بن سلامة المصري، (عن إسماعيل بن عبد اللَّه الصفار،) نسبة إلى بيع النحاس، (أخبرنا علي بن عبد اللَّه بن الفضل، حدثنا محمد بن الحنفية الواسطي، أخبرنا محمد بن عبد اللَّه الحلبي، حدثنا يوسف بن عطية) بن ثابت الصفار البصري، أبو سهل، متروك من الطبقة الوسطى من أتباع التابعين. (عن ثابت) بن أسلم البناني. بضم الموحدة، ونونين، أبي محمد البصري، عابد ثقة، من رجال الجميع، (عن أنس؛ أن رسول اللَّه عَّةٍ، كان يقول: ((نية المؤمن أبلغ)))) هو مساو لقوله: خير (من عمله، قال: وهذا الإسناد لا ضوء عليه،) كناية عن ضعفه، (ويوسف بن عطية، أحد رجاله، متروك الحديث، ورواه عثمان بن عبد اللَّه، الشامي من حديث النوَّاس) - بفتح النون، وشد الواو، ثم مهملة، (ابن سمعان،) الكلابي، أو الأنصاري، صحابي مشهور، سكن الشام. روى له مسلم، وأصحاب السنن، والبخاري في التاريخ، كذا في التقريب، ونسبه في الإصابة كلابيًّا، وقال له ولأبيه صحبة، ولم أجد في التقريب أن سمعان . بفتح السين، ويجوز كسرها، (وقال) في سياق لفظه: (نية المؤمن خير من عمله، ونية الفاجر شر من عمله). (وقال ابن عدي: عثمان بن عبد اللَّه الشامي، له أحاديث موضوعات، هذا من جملتها، وقال: من الجوزي، لا يصح رفعه)، وتعقب ادعاء الوضع؛ بأن مفرداته ضعيفة فقط، لكن بانضمامها يقوى، كما أشار إليه السخاوي، فقال ما حاصله، أخرجه الطبراني، عن سهل، ٣١٠ الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته ونية الفاجر شر من عمله. وقال ابن عدي: عثمن بن عبد الله الشامي له أحاديث موضوعات، هذا من جملتها، وقال من الجوزي: لا يصح رفعه، ومعناه: أن النية سر، والعمل ظاهر، والعمل السر أفضل، وهو يقتضي أنه لو نوى أن يذكر الله أو يتفكر، تكون نية الذكر ونية التفكر خيرًا منه، وليس بصحيح. وقيل: معناه إن النية بمجردها خير من العمل بمجرده دون النية، وهذا بعيد، لأن العمل إذا خلا عن النية لم يكن فيه خير أصلاً. وقيل: النية عمل القلب، والفعل عمل الجوارح، وعمل القلب خير من عمل الجوارح، فإن القلب أمير الجوارح، وبينه وبينها علاقة، فإذا تألمت تألم القلب، وإذا تألم القلب تألمت فارتعدت الفرائض وتغير اللون، فإن القلب الملك الراعي والجوارح خدمه ورعيته، وعمل الملك أبلغ من عمل رعيته. والعسكري، عن النَّاس، وهو والبيهقي، وضعفه عن أنس، والديلمي، عن أبي موسى، وهي وإن كانت ضعيفة، فبمجموعها يتقوَّى الحديث انتهى. فمن حكم بحسنه، أراد أنه حسن لغيره لا لذاته، (ومعناه: أن النية سر، والعمل ظاهر، والعمل السر أفضل،) لما فيه من السلامة من الوقوع في الرياء، وسائر حظوظ النفس، ومن ثم، ورد في بعض الآثار: عمل السر يفضل عمل العلانية بسبعين ضعفاً، وللديلمي مرفوعًا: السر أفضل من العلانية، والعلانية لمن أراد الاقتداء، (وهو يقتضي أنه لو نوى أن يذكر اللَّه أو يتفكر، تكون نية الذكر، ونية التفكر خيرًا منه، ) أي: من نفس الذكر، (وليس بصحيح،) فيصرف عن هذا الظاهر، (وقيل: معناه أن النية بمجردها، خير من العمل بمجرده، دون النية، وهذا بعيد، لأن العمل إذا خلا عن النية، لم يكن فيه خير أصلاً،) فيبطل أفعل التفضيل، فلا ينبغي حمل الحديث عليه، (وقيل) في معناه: (النية عمل القلب، والفعل عمل الجوارح، وعمل القلب خير من عمل الجوارح، فإن القلب أمير الجوارح، وبينه وبينها علاقة) . بفتح العين. إرتباط واتصال، (فإذا تألمت تألم القلب، وإذا تألم القلب تألمت، فارتعدت الفرائص،) جمع فريصة، بمهملة، وهي اللحمة بين الجنب والكتف لا تزال ترعد، كما في القاموس، فالمراد هنا زادت رعدتها، وتغير اللون، فإن القلب الملك الراعي، والجوارح خدمه ورعيته، وعمل الملك أبلغ من عمل رعيته،) فلذا كانت النية التي القلب محلها أبلغ وخيرًا من العمل، وحاصله أنها فعل القلب، وهو أشرف، ففعل الأشرف أشرف، وزاد غيره: لأن القصد من الطاعة تنوير القلب، وتنويره بالنية أكثر، ٣١١ الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته وقيل: لما كانت النية أصل الأعمال كلها وروحها ولبها، والأعمال تابعة لها تصح بصحتها وتفسد بفسادها، وهي التي تقلب العمل الصالح فتجعله فاسدًا، وغير الصالح تجعله صالحًا مثابًا عليه، ويثاب عليها أضعاف ما يثاب على العمل، فلذا كانت نية المؤمن خيرًا من عمله. وقال أبو بكربن دريد في محتباه: المعنى - والله أعلم - أن المؤمن ينوي الأشياء من أنواع البر نحو الصدقة والصوم وغير ذلك فلعله يعجز عن بعض ذلك وهو معقود النية عليه، فنيته خير من عمله. لأنها صفته. (وقيل: لما كانت النية أصل الأعمال كلها،) إذ لا توجد شرعًا إلاّ بها، (وروحها ولبها) خالصها، (والأعمال تابعة لها، تصح بصحتها، وتفسد بفسادها، وهي التي تقلب العمل الصالح،) كالصلاة، (فتجعله فاسدًا،) بقصد الرياء، وظاهره قلبها نفس العمل، وفي التحفة: أنه لا ينقلب، إنما المنقلب ثوابه وإثمه، (وغير) العمل (الصالح، تجعله صالحًا مثابًا عليه، ويثاب عليها أضعاف ما يثاب على العمل، فلذا كانت نية المؤمن خيرًا من عمله،) جواب لما دخلته الفٍاء، ولذا قيل: إذا فسدت النية وقعت البلية، ومن الناس من يكون همه ونيته أجل من الدنيا وما عليها فتبلغ النية بصاحبها في الخير والشر ما لا يبلغه عمله، فأين نية من طلب العلم لوجه اللَّه، والنظر إليه وسماع كلامه، وتسليمه عليه في الجنة، وليصلي الله عليه وملائكته، وتستغفر له حيتان البحر، ودوابه في الدنيا من نية من طلبه، لا كل أو وظيفة، كتدريس ونحوه من الغرض الفاني. (وقال أبو بكر،) محمد بن الحسن (بن دريد،) الأرموي، البصري: انتهى إليه علم لغة البصرة، وكان أحفظ الناس، وأوسعهم علمًا، وأقدرهم على الشعر، تصدر للعلم ستين سنة. ولد سنة ثلاث وعشرين ومائتين، ومات بعمان في رمضان، سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة، (في محتباه المعنى) في الحديث: (والله أعلم أن المؤمن ينوي الأشياء من أنواع البر نحو: الصدقة والصوم وغير ذلك، فلعله يعجز عن بعض ذلك، وهو معقود النية،) عازم، ومصمم (عليه،) أي: البعض المعجوز عنه، والحملة حالية، (فنيته خير من عمله،) لذلك العقد، وقيل: لأن تخليد العبد في الجنة إنما هو بنيته لا بعمله، إذ لو كان لأقام فيها بقدره، أو إضعافه، لكن لما نوى الطاعة أبدًا، وأتته المنية حازاه اللَّه بالنية، وكذا الكافر، إذ لو جوزي بعمله، لم يخلد في النار، إلا بقدر مدة کفره، لكنه نوی الکفر أبدًا، فجوزي بها. وقال الكرماني: المراد أن النية خير من عمل بلا نية، إذ لو كان المراد من عمل مع نية، لزم كون الشيء خيرًا من نفسه مع غيره، أو المراد أن الجزء الذي هو النية، خير من الجزء الذي ٣١٢ الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته وقوله عَُّ لِّ: يا خيل الله اركبي. رواه أبو الشيخ في الناسخ والمنسوخ عن سعيد بن جبير، والعسكري عن أنس، وابن عائذ في المغازي عن قتادة ولفظه عن ابن عائذ: قال بعث رسول الله عَ ليه يومئذ - يعني يوم الأحزاب - مناديًا ينادي: يا خيل الله اركبي. قال العسكري وابن دريد في مجتباه، وهذا على المجاز والتوسع، أراد: يا فرسان خيل الله اركبي، فاختصره. هو العمل، لاستحالة دخول الرياء فيها، أو أن النية خير من جملة الخيرات الواقعة بعمله، وقيل: معناه إن جنس النية راجح على جنس العمل، بدليل أن كلاً من الجنسين إذا انفرد عن الآخر، يثاب على الآخر دون الثاني، وهذا لا يتمشى في حق الكافر، ولذا قال: نية المؤمن. وأفاد أن الثواب المرتب على الصلاة مثلاً أكثره للنية، وباقيه لغيرها من قيام وغيره، وقيل: معناه إن المؤمن كلما عمل خير نوى أن يعمل ما هو خير منه، فليس لنيته في الخير منتهى، والفاجر كلما عمل شرًا نوى أن يعمل ما هو شر منه، فليس لنيته في الشرّ منتهى، (وقوله عَّه: (يا خيل اللَّه اركبي))، رواه أبو الشيخ) عبد الله بن محمد بن جعفر بن حيان . بفتح المهملة وتحتانية. الأصبهاني، الحافظ، الإمام، المصنف، الخير، الصالح، القانت، الصدوق، المأمون، الثقة، المتقن، مات في محرم سنة تسع وستين وثلاثمائة (في) كتاب (الناسخ والمنسوخ، عن سعيد بن جبير) في قصة المحاربين، قال: كان ناس أتوا رسول اللَّه عَّله، فقالوا: نبايعك على الإسلام، فذكر القصة وفيها: فأمر عَّه، فنودي في الناس: يا خيل اللَّه اركبي، فركبوا لا ينتظر فارس فارسًا. (والعسكري عن أنس؛) أنه عَّهِ، قال لحارثة بن النعمان: كيف أصبحت .. الحديث، وفيه أنه قال: يا نبي اللَّه ادع اللَّه لي بالشهادة، فدعا له، قال: فنودي يومًا: يا خيل الله اركبي، فكان أوَّل فارس ركب، وأَوَّل فارس استشهد. (وابن عائذ في المغازي عن قتادة) بن دعامة، (ولفظه عند ابن عائذ) مستغني عنه، (قال: بعث رسول اللَّه عََّّ يومئذ - يعني يوم الأحزاب،) أي: يوم انصرافه من غزوهم، ومسيره إلى بني قريظة (مناديًا ينادي: يا خيل الله اركبي،) وللعسكري مرفوعًا الإناة في كل شيء خير إلاّ في ثلاث، إذا صيح في خيل اللَّه، فكونوا أوَّل من يشخص، (قال العسكري، وابن دريد في مجتباه، وهذا على المجاز) بالحذف (والتوسع، أراد يا فرسان خيل اللَّه اركبي، فاختصره) لعلم المخاطب بما أراده، لكن لا يناسبه قوله: اركبي، إذ لو أراده لقال: اركبوا، إلاَّ أن يقال نسب ٣١٣ الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته وقوله: الولد للفراش وللعاهر الحجر. رواه الشيخان وغيرهما، - والله أعلم - أن حظ العاهر الحجر ولا شىء له في الولد، وقيل: أراد أن حظه الغلظة والخشونة من إقامة الحد التي نهايتها رميه بالحجر. وقيل: أراد بالحجر هنا الكناية عن رجوعه بالخيبة على الولد إذا لم تكن المرأة زوجًا له، والله أعلم. ما لهم من الركوب للخيل، لأنها آلة القتال وبها الاستعداد، والأولى على جعله مجازًا بالنقص أن يقدر يا جماعة خيل اللَّه، ويمكن جعله مجازًا في الإسناد، استعمل الخيل في نفس الفرسان لملازمتها لها، (وقوله) عَّه: (الولد) ذكر وأنثى مفرد ومتعدد، تابع أو محكوم به (للفراش،) أي: صاحبه زوجًا كان أو سيدًا، لأنهما يفترشان المرأة بالاستحقاق، ومحله ما لم ينقه بلعان في الزوجة، وليس لزان نصيب في النسب، إنما حظه الحد، كما قال: (وللعاهر) الزاني، يقال: عهر إلى المرأة، إذا أتاها ليلاً للفجور بها، والعهر. بفتحتين. الزنا، (الحجر،) الخيبة والحرمان، (رواه الشيخان، وغيرهما) من حديث عائشة وأبي هريرة، وهو متواتر، وفيه قصة (والله أعلم، أن حظ،) أي: نصيب (العاهر،) الزاني (الحجر،) أي: من الخيبة والحرمان، كقولهم: بفيه الحجر، (ولا شيء له في الولد،) لعدم اعتبار دعواه مع وجود الفراش للآخر، فأبطل بذلك إثبات بعض العرب النسب بالزنا، (وقيل: أراد أن حظه الغلظة والخشونة من إقامة الحد، التي نهايتها رميه بالحجر،) إذا كان محصنًا. قال الطيبي تبعًا للنووي: اخطأ من زعم أن المراد الرجم بالحجر، لأنه خاص بالمحصن، ولأنه لا يلزم من الرجم نفي الولد الذي الكلام فيه. قال السبكي: المعول على الأوّل لتعم الخيبة كل زان، ودليل الرجم مأخوذ من أدلة أخرى، فلا حاجة للتخصيص بلا دليل، (وقيل: أراد بالحجر هنا، الكناية عن رجوعه بالخيبة على الولد، إذا لم تكن المرأة زوجًا له،) أي: الزاني، فيخيب الولد بكونه لا أب له شرعًا، فلا يثيب نسب بوطء زنا، وأوَّل من استلحق في الإسلام ولد الزنا معوية، استلحق في خلافته زياد بن سمية أخًا، لأن أباه كان زنى بها زمن كفره، فجاءت به، وفيه يقول أبو سفين، ولم يستلحقه، يخاطب عليًا رضي الله عنهما: يراني يا علي من الأعادي أما واللَّه لولا خوف واش ولم تكن المقالة عن زياد لأظهر أمره صخر بن حرب لقد علمت معاشرتي ثقيفًا وتركي فيهم ثمر الفؤاد قال البارزي: واستلحاقه خلاف إجماع المسلمين، (والله أعلم) بمراد رسوله، (وقوله) ٣١٤ الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته وقوله: كل الصيد في جوف الفرا. وهو بفتح الفاء، حمار الوحش، رواه الرامهرمزي في الأمثال، وسنده جيد، ولكنه مرسل، ونحوه عند العسكري وقال: جوف أو جنب. وهذا خاطب به النبي عَّ أبا سفين بن الحرث بن عبد المطلب حين جاءه مسلمًا بعد أن كان عدوًا له وهجاء كثير الهجاء مُقْذِعًا فيه، فكأنه يقول عَ ◌ّهِ إِن الحمار الوحشي من أعظم ما يصاد، وكل صيد دونه، كما أنك أعظم أهلي عَ له: ((كل الصيد في جوف الفراء))، وهو بفتح الفاء) مقصور مهموز، كما في النهاية (حمار الوحش،) وفي القاموس: الفرأ، كجبل، وسحاب حمار الوحش أو فنيه، أي: صغيرة الجمع أفراء، وفراء انتهى، فقراءته بالألف خلاف الرواية واللغة، وإن أمكن توجيهه، بأن الهمزة قلبت ألفًا، على غير قياس، أو سكنت للوصل بنية الوقف، ثم أبدلت، (رواه الرام هرمزي،) بفتح الراء، والميم الأولى، وضم الهاء، والميم الثانية، وإسكان الراء بينهما. وزاي منقوطة، نسبة إلى رام هرمزة بالأهواز، الحافظ، الإمام، البارع، أبو محمد، الحسن بن عبد الرحمَّن، الفارسي، كان من أئمة هذا الشأن. عاش إلى قريب الستين وثلاثمائة. (في) كتاب (الأمثال،) من طريق ابن عيينة، عن وائل بن مازن، عن نصر بن عاصم الليثي، قال: أذن رسول اللَّه عَلِّ لقريش وآخر أبا سفين، ثم أذن له، فقال: ما كدت أن تأذن لي، حتى كدت أن تأذن الحجارة الجلهمتين، وبكى، فقال: ((وما أنت وذاك يا أبا سفين، إنما أنت كما قال الأوّل: كل الصيد في جوف الفرا))، (وسنده جيد،) أي: مقبول، (ولكنه مرسل،) لأن نصر بن عاصم، تابعي وسط، (ونحوه عند العسكري، و) لكنه (قال:) كل الصيد في (جوف، أو جنب) الفرا بالشك، (وهذا خاطب به النبي عٍَّ أبا سفين بن الحرث بن عبد المطلب، حين جاءه مسلمًا،) بالإبواء بين مكة والمدينة، والنبي عَ له سائر إلى فتح مكة، (بعد أن كان عدوًّا له هجاء كثير الهجاء) بعد البعثة، وكان يألفه قبلها، (مُقذعًا فيه،) ،بضم الميم، وإسكان القاف، وذال معجمة، وعين مهملة. من أفذع، أي: مبالغًا في الهجو والفحش. قال في القاموس: فذعه، كمنعه، رماه بالفحش وسوء القول كأقذعه، فلما أسلم، كان لا يرفع رأسه إلى المصطفى حياء منه، وكان عَّ يحبه ويشهد له بالجنة، ويقول: («أرجو أن يكون خلفًا من حمزة))، (فكأنه يقول عَّه: إن الحمار الوحشي من أعظم ما يصاد، وكل صيد دونه،) أي: أقل منه، (كما أنك أعظم أهلي وأمسهم رحمًا بي، ومن أكرم من يأتيني كل دونك انتهى،) فقال ذلك ملاطفة له، لأنه استأذن فلم يأذن له، وقال: إنه هتك عرضي، كما تقدم بسطه ٣١٥ الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته وأمسهم رحمًا بي، ومن أكرم من يأتيني وكل دونك. انتهى. وقوله: الحرب خدعة. رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: سمى النبي عَّ الحرب خدعة. وليس عند مسلم ((سمى))، وقوله: ((خدعة) مثلث الخاء، أشهرها: فتح الخاء وإسكان الدال، قال ثعلب وغيره: وهي لغة النبي عَّه، والثانية، ضم الخاء وإسكان الدال. والثلاثة: ضم الخاء وفتح الدال. في الفتح. (وقوله) عَّهِ: ((الحرب خدعة))، رواه البخاري، ومسلم، عن أبي هريرة قال: سمى النبي عَّ الحرب خدعة،) مبالغة، لكونها أعظم نافع فيه حتى من الشجاعة لخطرها وسلامة هذه، فهو كقوله: الحج عرفة، (وليس عند مسلم سمي، وقوله: خدعة - مثلث الخاء-) ظاهره أنه روى بالكسر مع إسكان الدال، وبه صرح في التوشيح والقاموس، إلا أن المصنف صرح في شرحه للبخاري، تبعًا للحافظ، بأنها لغة حكاها مكي وغيره، وأن الرواية إنما هي بالثلاث التي أفادها بقوله، (أشهرها فتح الخاء، وإسكان الدال). قال النووي: اتفقوا على أنها أفصح حتى (قال ثعلب وغيره،) كأبي ذر الهروي والقزاز: (وهي لغة النبي عَّه). قال أبو بكر بن طلحة: أراد ثعلب أن النبي كان يستعملها، كثير الوجازة، لفظها وكونها تعطي معنى الآخرين، أي: الضم مع الإِسكان، أو الفتح. قال: ويعطي معناها أيضًا الأمر باستعمال الحيلة، مهما أمكن ولو مرة، فكانت مع اختصارها كثيرة المعنى، ومعناها أنها تخدع أهلها من وصف الفاعل باسم المصدر، وأنها وصف للمفعول، كهذا الدرهم ضرب الأمير، أي: مضروبه. وقال الخطابي: إنها المرة الواحدة، يعني أنه إذا خدع مرة واحدة لم تقل عثرته، (والثانية ضم الخاء، وإسكان الدال،) وهي رواية الأصيلي، ومعناها أنها تخدع الرجال، أي: هي مخل الخداع وموضعه، (والثلاثة ضم الخاء وفتح الدال،) صيغة مبالغة كهمزة لمزن، المعنى أنها تخدع الرجال، أي: تمنيهم الظفر، ولا تفي لهم، كالضحكة إذا كان يضحك بالناس، وقيا حكمة الإتيان بالتاء الدلالة على الوحدة، فإن الخداع إذا كان من المسلمين، فكأنه حضهم عا ولو مرة واحدة، وإن كان من الكفار، فكأنه حذرهم مكرهم ولو وقع مرة واحدة فلا ينبغي التهام ٣١٦ الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته وقد قال ذلك النبي عَّ يوم الأحزاب، لما بعث نعيم بن مسعود وأمره أن يخذل بين قريش وغطفان واليهود، وأشار بذلك إلى أن المماكرة أنفع من المكاثرة. قال النووي: اتفق العلماء على جواز خداع الكفار في الحرب كيف أمكن إلا أن بهم، لما ينشأ عنه من المفسدة، ولو قال، وحكى المنذري لغة رابعة بالفتح فيهما، قال: وهو جمع خادع، أي أن أهلها بهذه الصفة، فكأنه قال: أهل الحرب خدعة، وحكى مكي، ومحمد بن عبد الواحد لغة خامسة، كسر أوّله مع الإسكان، ذكره الحافظ في قوله: لغة رابعة لغة خامسة، أفاد أن الرواية لم تأت بهما، وتبعه المصنف فيتوقف في قول القاموس، والحرب خدعة مثلثة كهمزة، وروى بهن جميعًا، لكن يوافقه قول السيوطي: بفتح الخاء، وضمها، وكسرها سكون الدال، أمر باستعمال الحيلة فيه ما أمكن. (وقد قال ذلك النبي عٍَّ يوم الأحزاب، لما بعث نعيم بن مسعود،) الأشجعي، الصحابي المشهور، المتوفى أوّل خلافة علي، حين جاء له مسلمًا، وقال: إن قومي لم يعلموا بإسلامي، فمرني بما شئت، فقال: إنما أنت فينا رجل واحد، فخذل عنا إن استطعت، فإن الحرب خدعة، (وأمره أن يخذل بين قريش وغطفان، و) بين (اليهود،) فأتي بني قريظة، وكان نديمًا لهم، فقال: قد عرفتم ودي لكم، قالوا: صدقت، قال: إن قريشًا وغطفان ليسوا كأنتم إن رأوا نهزة أصابوها، وإلا لحقوا ببلادهم، وخلوا بينكم وبين محمد، ولا طاقة لكم به وحدكم، فلا تقاتلوا حتى تأخذوا رهنًا من أشرافهم، فقالوا: أشرت بالرأي، ثم أتى قريشًا، فقال: قد عرفتم ودي، وفراقي محمدًا، وقد بلغني أمر رأيت حقًّا عليَّ أن أبلغكموه نصحًا لكم، أن يهود ندموا على ما صنعوا، وأرسلوا بذلك إلى محمد وقالوا: أيرضيك أن نأخذ لك من أشراف قريش وغطفان رجالاً تضرب أعناقهم، ثم نكون معك حتى نستأصل باقيهم، ثم أتى غطفان فقال لهم مثل ذلك، فأرسلوا إلى بني قريظة عكرمة في نفر من القبيلتين، فقالوا: لا نقاتل معكم حتى تعطونا رهنًا، فقالت القلبيتان: إن الذي حدثكم نعيم لحق، وأرسلوا إليهم لا ندفع لكم رجلاً واحدًا، فقالت قريظة: إن الذي ذكر لكم نعيم لحق. (وأشار بذلك إلى أن المماكرة،) الاحتيال في بلوغ الغرض، (أنفع من المكاثرة،) المغالبة بالكثرة، ولذا قال ابن المنير: معناه الحرب الكاملة في مقصودها البالغة، إنما هي المخادعة لا المواجهة، وذلك لخطر المواجهة، وحصول الظفر بالمخادعة بلا مواجهة. (قال النووي: اتفق العلماء على جواز خداع الكفار في الحرب كيف أمكن، إلا أن یکون فیه نقض عهد وأمان، فلا يحل) ذلك. ٣١٧ الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته يكون فيه نقض عهد أو أمان فلا يحل. وقوله: إياكم وخضراء الدمن. رواه الرامهرمزي والعسكري في الأمثال، وابن عدي في الكامل، وأبو بكر بن دريد في المجتبى والقضاعي في مسند الشهاب والديلمي من حديث الواقدي قال: حدثنا محمد بن سعيد بن دينار عن أبي وجزة يزيد بن عبيد عن عطاء بن يزيد الليثي عن أبي سعيد مرفوعًا: قيل يا رسول الله وما زاد؟ قال: المرأة الحسناء في المنبت السوء. قال ابن عدي: تفرد به الواقدي. ..... ومعناه: أنه كره نكاح الفاسدة، وقال: إن أعراق السوء تنزع قال ابن العربي: ويقع الخداع بالتعريض وبالكمين ونحوهما، (وقوله) عَ له: (((إياكم وخضراء الدمن))). بكسر الدال وفتح الميم، (رواه الرام هرمزي والعسكري،) كلاهما (في) كتاب (الأمثال وابن عدي في الكامل، وأبو بكر بن دريد في المجتبى، والقضاعي في مسند الشهاب، والديلمي) في الفردوس، والدارقطني في الإفراد، والخطيب في إيضاح الملتبس، كلهم (من حديث الواقدي قال: حدثنا محمد،) صوابه كما في المقاصد ناسباً للمذكورین يحيى (بن سعيد بن دينار، عن أبي وجزة) . بفتح الواو، سكون الجيم، بعدها زاي. (يزيد) . بتحتية وزاي. (ابن عبيد،) . بضم العين. السعدي، الشاعر المدني، الثقة، التابعي، الصغير. مات سنة ثلاثين ومائة. روى له أبو داود والنسائي، (عن عطاء بن يزيد الليثي) ،المدني، نزيل الشام، ثقة، من رجال الجميع. مات سنة خمس أو سبع ومائة، وقد جاوز الثمانين. (عن أبي سعيد) سعد بن ملك الخدري، (مرفوعًا) باللفظ المزبور، (قيل: يا رسول الله وما زاد؟،) المراد بخضرة الدمن (قال: ((المرأة الحسناء) الجميلة، (في المنبت السوء) وفي نسخة: في البيت، والذي في المقاصد المنبت بالميم، (قال ابن عدي: تفرد به الواقدي،) وهو متروك متهم، زاد السخاوي، وذكره أبو عبيد في الغرائب فقال: يروى عن يحيى بن سعيد بن دینار. قال ابن الصلاح: وابن طاهر يعد في أفراد الواقدي، وقال الدارقطني: لا يصح من وجه، (ومعناه: أنه كره نكاح الفاسدة، وقال: إن أعراق) جمع عرق (السوء، تنزع) تميل وتشبه (أولادها) بها، (وتفسير حقيقته أن الريح تجمع الدمن، وهي البعر في البقعة من الأرض، ثم ٣١٨ الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته أولادها، وتفسير حقيقته: أن الريح تجمع الدمن، وهي البعر، في البقعة من الأرض، ثم يركبه الساقي، فإذا أصابه المطر أنبت نباتًا غضًا ناعمًا، يهتز وتحته الأصل الخبيث، فيكون ظاهره حسنًا وباطنه قبيحًا فاسدًا. والدمن جمع دمنة وأنشد زفر بن الحرث: وقد ينبت المرعى على دمن الثرى وتبقى حزازات النفوس كما هيا ومعنى البيت: أن الرجلين قد يظهران الصلح والمودة، وينطويان على البغضاء والعداوة، كما ينبت المرعى على الدمن. وهذا أكثري أو كلي في زمننا، أشار إليه شيخنا. وقوله: الأنصار كرشي وعيبتي. رواه البخاري، أي إنهم بطانته وموضع سره، يركبه الساقي، فإذا أصابه المطر أنبت نباتًا غضًّا). بمعجمتين. طريًا (ناعمًا، يهتز) يتمايل، (وتحته الأصل الخبيث،) وهو البعر، (فيكون ظاهره حسنًا وباطنه قبيحًا فاسدًا، والدمن جمع دمنة،) بزنة سدرة وسدر، وهو البعر، أي: نفسه، هذا ظاهره، وفي المصباح: الدمن من وزان حمل، ما يتلبد من البعر، والدمنة موضعه، والجمع دمن، (وأنشد زفر بن الحرث) . بضم الزاي، وفتح الفاء : (وقد ينبت المرعى على دمن الثرى وتبقى حزازات النفوس كما هيا) (ومعنى البيت: أن الرجلين قد يظهران الصلح والمودة، وينطويان على البغضاء،) شدة البغض وأقواه، (والعداوة كما ينبت المرعى على الدمن، وهذا أكثري أو كلي في زمننا، أشار إليه،) بمعنى ذكره (شيخنا،) يعني السخاوي في المقاصد الحسنة. (وقوله) عَّةِ: ((الأنصار كرشي)). بفتح الكاف وكسر الراء والشين المعجمة. (وعيبتي) · بفتح المهملة والموحدة، بينهما تحتية ساكنة، ثم تاء تأنيث ، (رواه البخاري) ومسلم، والترمذي، والنسائي، عن أنس بزيادة: والناس سيكثرون ويقلون، فاقبلوا من محسنهم، وتجاوزا عن مسيئهم، (أي: أنهم بطانته، وموضع سره،) إذ البطانة . بالكسر. الوليجة . بالجيم، وهو الذي يكون محلاً لسر صاحبه، فالمعنى أنهم كالباطنة يسر لهم أموره، فيكتمونها ولا يظهرونها، فكانوا کالكرش. قال القزاز: ضرب المثل بالكرش، لأنه مستقر غذاء الحيوان الذي يكون فيه نماؤه، ويقال ٣١٩ الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته والعيبة كذلك، لأن المجتر يجمع علفه في كرشه، والرجل يجمع ثيابه في عيبته. وقيل: أي هم الذين أعتمد عليهم وأفزع إليهم وأقوى بهم، وقيل أراد بالكرش الجماعة، أي جماعتي وصحابتي، ويقال: عليه كرش من الناس أي جماعة، ووقع في رواية الترمذي: ألا إن عيبتي التي آوي فلان كرش منثورة، أي: عيال كثيرة، (والعيبة كذلك،) إذ هي ما يجعل الرجل نفيس ما عنده، يريد أنهم موضع سره وأمانته، (لأن المجتر) من ذي الخف، والظلف، ويربوع، وأرنب، (يجمع علفه في كرشه،) لأنه له بمنزلة المعدة للإنسان، (والرجل يجمع ثيابه في عيبته،) تعليل لوجه التشبيه، (وقيل) في بيانه أيضًا: (أي هم الذين اعتمد عليهم، وأفزع). بالفاء والزاي. ألجأ (إليهم وأقوي بهم،) كما يقوي الحيوان بما في كرشه، ويلجأ الرجل إلى ما في عيبته، (وقيل: أراد بالكرش الجماعة،) وهو أحد إطلاقاته لغة، (أي: جماعتي وصحابتي) عطف تفسير، (ويقال:) عطف علة على معلول، أي: لأنه يقال لغة (عليه كرش من الناس، أي: جماعة،) وقيل: أي أنهم مني في المحبة والرأفة بمنزلة الأولاد الصغار، لأن الإنسان مجبول على محبة ولده الصغير، ذكره المصباح، ولكنه لا يناسب سياقه في الثناء عليهم، كما قال شيخنا في التقرير: ففي بعض طرق الحديث في الصحيح، مر أبو بكر والعباس بمجلس من مجالس الأنصار وهم يبكون فقال: ما يبكيكم؟، قالوا: ذكرنا مجلس النبي عَِّ منا، فدخل فأخبره، فخرجٍ عَّهِ، وقد عصب على رأسه حاشية برد ، فصعد المنبر ولم يصعده بعد ذلك اليوم، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: ((أوصيكم بالأنصار، فإنهم كرشي وعيبتي، وقد قضوا الذي عليهم، وبقي الذي لهم، فاقبلوا من محسنهم، وتجاوزوا عن مسيئهم))، وفي الفتح: أي: بطانتي وخاصتي. قال القزاز: ضرب المثل بالكرش، لأنه مستقر غذاء الحيوان الذي يكون فيه نماؤه، ويقال لفلان: كرش منثورة، أي: عيال كثيرة، والعيبة ما يحرز فيه الرجل نفيس ما عنده، يريد أنهم موضع سره وأمانته. قال ابن دريد: هذا من كلامه عَّ الموجز الذي لم يسبق إليه، وقال غيره: الكرش بمنزلة المعدة للإنسان، والعيبة مستودع الثياب، والأول أمر باطن، والثاني أمر ظاهر، فكأنه ضرب المثل بهما في إرادة اختصاصهم بأموره الظاهرة والباطنة، والأول أولى، وكل من الأمرين مستودع لما يخفي فيه انتھی. (ووقع في رواية الترمذي: ألا أن عيبتي التي آوى،). بفتح الهمزة الممدودة، أي: جماعتي التي أرجع (إليها،) وأقيم عندها، حتى كأنها حافظة لي (أهل بيتي، وإن كرشي. ٣٢٠ الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته إليها أهل بيتي وإن كرشي الأنصار. وقوله: ولا يجني على المرء إلا يده. رواه الشيخان، ولأحمد وابن ماجه من حديث عمرو بن الأحوص: لا يجني جان إلا على نفسه. وقد أراد عَِّ بهذا: أنه لا يؤخذ إنسان بجناية غيره، إن قتل أو جرح أو زنى، وإنما يؤخذ بما جنته يده، فيده هي التي أدته لذلك. وقوله: ليس الشديد من غلب الناس إنما الشديد من غلب نفسه. رواه ابن حبان في صحيحه، ورواه الشيخان الأنصار،) ضبطه المصنف بزنة كتف، فإن كان الرواية، وإلاّ ففيه الكسر مع الإسكان أيضًا، كما في القاموس، (وقوله) عَلَّهِ: (ولا يجني على المرء،) أي: الرجل، والمراد الإنسان، فيشمل المرأة، أي: لا يوصل إليه مكروهًا، (إلا يده،) لأنه يذنب فيعاقب من اللَّه، أو الحاكم فكأنه المعاقب لنفسه لتسببه في إيصال العقاب لها، وخص اليد لمباشرتها غالباً الجنايات، (رواه الشيخان) في حديث، (ولأحمد وابن ماجه من حديث عمر بن الأحوص) الجشمي - بضم الجيم، وفتح المعجمة. صحابي له حديث في السنن الأربعة أنه شهد حجة الوداع فيه، (لا يجني جان إلا على نفسه،) أي: لا يؤخذ أحد بجناية أحد، ولا تزر وازرة وزر أخرى، فهو خبر بمعنى النھي، وفيه مزيد تأكيد، كأنه نهاه فقصد أن ينتهي، فأخبر عنه، ولذا عدل عن النهي إلى الخبر، ولمزيد من التأكيد والحث على الانتهاء، أضاف الجناية إلى نفسه، والمراد الغير لأنها كانت سببًا للجناية عليه، قصاصاً ومجازاة، فأبرزها على ذلك ليكون أدعى إلى الكف، وأمكن في النفس لتضمنه الدلالة على المعنى الموج للنهي، كما أشار إليه البيضاوي، وإلى حاصله يومىء قول المصنف. (وقد أراد عَّ بهذا، أنه لا يؤخذ إنسان بجناية غيره إن قتل، أو جرح، أو زنى، وإنما يؤخذ بما جنته يده، فيده هي التي أدته لذلك،) فهو إبطال لأمر الجاهلية، كانوا يقودون بالجناية من يجدونه من الجاني وأقاربه، الأقرب فالأقرب، وعليه الآن أهل الجفاء من سكان البوادي والجبال، (وقوله) عَّ: (ليس الشديد،) أي: القوي (من غلب الناس،) بل هو ضعيف، فإن الظفر بالغير ينشأ غالبًا عن تعد في القول، أو الفعل، فيذم فاعله عند اللَّه وعند الخلق، فهو نفي للمتعارف عندهم، (إنما الشديد من غلب نفسه،) بأن منعها من مطلوباتها المخالفة للشرع، لأنه يجازي على منعها من اللَّه الثواب الجزيل، (رواه ابن حبان في صحيحه، ورواه) بمعناه (الشيخان) في الأدب، عن أبي هريرة بلفظ: (ليس الشديد بالصرعة،). بضم الصاد المهملة، وفتح الراء،