Indexed OCR Text
Pages 241-260
٢٤١ الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته ذكره ابن المنير في أسرار الإسراء. فمن ذا الذي يصل قدره أن يقدر قدر الرسول، أو يبلغ من الاطلاع على مأثور أحواله المأمول والمسؤول؟ !. وقد حكى القرطبي - في كتاب الصلاة - عن بعضهم أنه قال: لم يظهر لنا تمام حسنه عَ ◌ّه، لأنه لو ظهر لنا تمام حسنه لما أطاقت أعيننا رؤيته عَ ◌ّه. ولقد أحسن زائدة عليهم، أولاً: ضرر في المشاركة، لأنه من حيث الإجمال (ذكره ابن المنير) ناصر الدين أحمد بن محمد الجذامي، الإسكندراني، العلامة، المتبحر في العلوم، صاحب التصانيف العديدة. قال العز بن عبد السلام: ديار مصر تفتخر برجلين في طرفيها: ابن دقيق العيد بقوص، وابن المنير بالإسكندرية. (في أسرار الإسراء،) سماه المقتفى كتاب نفيس فيه فوائد جليلة، واستنباطات حسنة، وجعله قسمين، الأول في الإسراء، والثاني في السيرة النبوية من المبعث إلى الوفاة، (فمن ذا الذي يصل قدره،) استفهام إنكاري للتوبيخ لمن توهم وصول قدرته إلى ما أعطى المصطفى، ومعناه النفي، أي: لا يقدر أحد (أن يقدر). بكسر الدال وضمها. وقرأ السبعة: يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له، بالكسر، فهو أفصح، قيل: وهو الرواية في حديث: فاقدروا له (قدر الرسول، أو يبلغ) عطف على يقدر، أي: ولا يبلغ (من الاطلاع على مأثور أحواله، المأمول والمسؤول،) ومن لا يصل لذلك كيف يمكنه التعبير عنه، وهذا ترق في النفي؛ فإنه لما نفى القدرة على الذكر أوّلاً، ولا يلزم منه عدم الاطلاع؛ لإمكانه مع العجز عن العبارة ترقى، فنفي الاطلاع أيضًا، فكأنه من نفي السبب بعد نفي ما يترتب عليه من المسبب. (وقد حكى) محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح . بإسكان الراء، وبالحاء المهملتين. أبو عبد اللَّه، الأنصاري، الأندلسي، (القرطبي) - بضم القاف، والطاء، وموحدة. نسبة إلى قرطبة مدينة بالأندلس، المفسر كان من عباد الله الصالحين، والعلماء العارفين، الورعين، الزاهدين، المشغولين بأمور الآخرة، أوقاته ما بين توجه، وعبادة وتصنيف، وله تصانيف كثيرة. أخذ عن أبي العباس، أحمد بن عمر القرطبي، شارح مسلم، المتوفي بالإسكندرية سنة ست وعشرين وستمائة، وأخذ عن غيره، واستقر بمنية ابن خصيب، وبها مات سنة إحدى وسبعين وستمائة. (في كتاب الصلاة عن بعضهم؛ أنه قال: لم يظهر لنا تمام حسنه عَّهِ)) رفقًا من اللَّه بنا، (لأنه لو ظهر لنا تمام حسنه، لما أطاقت أعيننا رؤيته عَّهِ) لعجزنا عن ذلك، (ولقد أحسن ٢٤٢ الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته الأبوصيري حيث قال أيضًا: أعيا الورى فهم معناه فليس يرى للقرب والبعد فيه غير منفحم كالشمس تظهر للعينين من بعد صغيرة وتُكِل الطرف من أَمم وهذا مثل قوله أيضًا: إنما مثلوا صفاتك للنا س كما مثل النجوم الماء وأشار بقوله ((تظهر)) إلى وجه التشبيه بالشمس لا مطلقًا، ولقد بين عيب التشبيه بها على الإطلاق أبو النواس عفا الله عنه. الأبوصيري حيث قال أيضًا، أعيا،) أعجز (الورى) الخلق، (فهم) معرفة (معناه) حاله، (فليس يرى،) يبصر (للقرب والبعد فيه، غير منفحم،) من نفحم إذا سكت عن الجدال، ولم يجب، (كالشمس تظهر للعينين من بعد). بضم العين. لغة، لا تبعًا لضم الباء ضد قرب، (صغيرة) قدر المرآة، أو الترس (وتكل). بضم فكسر. توقف (الطرف) البصر عند رؤيتها (من أمم). بفتح الهمزة والميم الأولى، أي: قرب لو فرض ذلك لكبرها جدًا، فتكاد تخطف الطرف وتعميه، فلا تدرك لكمالها، وكذلك المصطفى، لا يدرك معناه في حالتي القرب والبعد، وإن شوهدت صورته، (وهذا) المعنى الذي ذكره في البردة، (مثل قوله أيضًا) في الهمزية، (إنما مثلوا،) صوّروا، أي: الأنبياء، أو الواصفون (صفاتك،) جمع صفة، وهو ما دل على معنى زائد على الذات (للناس) تمثيلاً، (كما مثل،) فهو نعت مصدر محذوف، (النجوم الماء،) حيث يرى فيه دون حقيقته، يعني أن واصفيه لم يبلغوا حقيقته عَّه، لأنهم لم يحيطوا بها، وإنما غاية ما وصلوا إليه تصوير صورها الحاكية لمباديها، كما أن الماء لم يحك من النجوم إلّ مجرد صورها لا غير، (وأشار بقوله: تظهر إلى وجه التشبيه بالشمس،) فإنه من حيث الظهور (لا مطلقًا،) لأنه لا يشبه بها من كل وجه لعيوب فيها، هو منزه عنها، (ولقد بيَّن عيب التشبيه بها على الإطلاق أبو النواس،) الحسن بن هانىء بن عبد الأول، شاعر ماهر من شعراء الدولة العباسية، له أخبار عجيبة، ونكت غريبة، وخمريات أبدعٍ فيها، وسئل عن نسبه، فقال: أغناني أدبي عن نسبي، مات سنة أربع وتسعين ومائة، (عفا الله عنه،) وقد رؤى بعد موته، فقيل: ما فعل الله بك، قال: غفر لي بأبيات قلتها في مرضي، وهي تحت الوسادة، فنظرت، فإذا تحتها رقعة، مكتوب فيها بخطه: يا رب إن عظمت ذنوبي كثرة فلقد علمت بأن عفوك أعظم إن كان لا يرجوك إلا محسن فمن الذي يدعو ويرجو المجرم فإذا رددت يدي فمن ذا يرحم أدعوك رب كما أمرت تضرعًا مالي إليك وسيلة إلاَّ الرجا وجميل عفوك ثم إني مسلم ٢٤٣ الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته حيث قال: يتيه الشمس والقمر المنير إذا قلنا كأنهما الأمير لأن الشمس تغرب حين تمسي وأن البدر ينقصه المسير وهذه التشبيهات الواردة في حقه عليه الصلاة والسلام إنما هي على سبيل التقريب والتمثيل، وإلا فذاته أعلى ومجده أغلى. فأما رأسه الشريف المقدس فحسبك ما ذكره الترمذي في جامعه بسنده إلى هند بن أبي هالة قال: كان رسول الله عَُّلّه عظيم الهامة. ذكره ابن خلكان، (حيث قال: يتيه،) يتكبر ويدعي ما ليس له، كما في القاموس: (الشمس والقمر المنير،) تعاظمًا وافتخارًا، (إذا قلنا) في حقهما؛ (كأنهما الأمير،) لأن رتبتهما . دون رتبته، (لأن الشمس تغرب حين تمسي)، وذلك نقص، (وأن البدر ينقصه المسير) بخلاف الأمير، فصفاته لا تتغير، فمن قال في مدح الكامل: كأنه الشمس والقمر عكس التشبيه، فإن حقه أن يشبه الأدنى بالأعلى، إذ حقيقة التشبيه إلحاق ناقص بكامل، (وهذه التشبيهات الواردة في حقه عليه الصلاة والسلام، إنما هي على سبيل التقريب والتمثيل،) وقد قال علي كرم الله وجهه يقول: ناعته لم أر قبله، ولا بعده مثله، أي: يقول ذلك عند العجز عن وصفه، (وإلاَّ، فذاته أعلى) بمهملة أشد علو، أي: رفعة في الأوصاف القائمة بها، مما ظهر وشوهد، (ومجده) عزه وشرفه (أغلى). بمعجمة. أزيد مما شوهد من غلا السعر إذا زار وارتفع، وقد قال نفطويه في قوله تعالى: ﴿يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار﴾ [النور: ٣٥]، هذا مثل ضربه اللَّه تعالى لنبيه عَ لّ. يقول: يكاد نظره يدل على نبوته، وإن لم يتل قرآنًا، كما قال ابن رواحة: لو لم يكن فيه آيات مبينة كانت بديهته تنبيك بالخبر وإذا أردت بيان شيء من صفاته، (فأما رأسه الشريف المقدس،) المنزه المطهر، باعتبار أن القوى التي اشتمل عليها مقبلة على الحق، مشغولة باكتساب المعاني الدينية، منزهة عما لا يليق، (فحسبك،) اسم بمعنى كافيك خبر وما بعده مبتدأ، أو عكسه، أو اسم فعل بمعنى يكفيك، فما محله رفع فاعل، أي: يكفيك في بيان صفته (ما ذكره،) أي: رواه (الترمذي في جامعه، بسنده إلى هند بن أبي هالة،) واسمه في أحد الأقوال النباش . بنون، فموحدة، ثم معجمة. التميمي، ربيب النبي عَ ◌ّه، أمه خديجة، قيل: استشهد يوم الجمل مع علي، وقيل: عاش بعد ذلك. روى عنه الحسن بن علي، وقال: كان وصافًا، (قال: كان رسول اللَّه عَ لّه - بالتخفيف. الرأس لكل ذي روح، أو ما بين حرب الرأس، أو وسط الرأس، وعظمه ممدوح، لأنه ٢٤٤ الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته وقال نافع بن جبير: وصف لنا علي رضي الله عنه رسول الله عَّ له فقال: كان عظيم الهامة. وأما وجهه الشريف فحسبك ما روى الشيخان من حديث البراء قال: كان رسول الله عَّ أحسن الناس وجهًا، وأحسنهم خلقًا، ليس بالطويل الذاهب، ولا بالقصير البائن. أعون على الإدراكات والكمالات، لدلالته على كمال القوى الدماغية، وبها يتميز الإنسان من غيره، وكمالها قوّة تصرفها، فيما هي له، وهند عند من قال بها الحس المشترك، والخيال، والحافظة، والواهمة، والمفكرة، ثم المراد: العظم المعتدل لا الخارج، فإنه دليل على البلادة، كما أن الصغير جدًا دليل على الخفة. (وقال نافع بن جبير) بن مطعم النوفلي، معطوف على ما ذكره بحذف العائد، أي: وما قاله، أو مستأنف لتعدد الناعتين، (وصف لنا علي رضي اللَّه عنه رسول اللَّه عَّه، فقال: كان عظيم الهامة،) وفي رواية: ضخم الرأس، وفي رواية: ضخم الهامة، ووصفه بذلك صغ من طرق عن عدة من الصحب، (وأما وجهه الشريف، فحسبك ما روى الشيخان:) البخاري في صفة النبي عَ ◌ّله، ومسلم في فضائل النبي عَّ اله، (من حديث البراء) بن عازب رضي اللَّه عنهما، (قال: كان رسول اللَّه عَ لِّ أحسن الناس وجهًا). قال الحافظ: الأحاديث التي فيها صفته عَّله، داخلة في قسم المرفوع، باتفاق، مع أنها ليست قولاً له، ولا فعلاً، ولا تقريرًا انتهى، ولذا قال الكرماني: موضوع علم الحديث ذاته من حيث إنه رسول اللَّه وحده يعرف به أقواله وأفعاله وأحواله، وغايته الفوز بسعادة الدارين، (وأحسنهم خلقًا،) قال في الفتح: بفتح المعجمة للأكثر، وقال الكرماني: إنه الأصح، وضبطه ابن التين . بضمها، واستشهد بقوله تعالى: ﴿وإنك لعلى خلق عظيم﴾ [القلم: ٤]. وللإسماعيلي خلقًا، أو خلقًا بالشك، ويؤيده قوله: أحسن الناس وجهًا، فإنه إشارة إلى الحسن الحسي، فيكون الثاني إشارة إلى الحسن المعنوي انتهى، والخلق بالضم، الطبع والسجية، (ليس بالطويل الذاهب،) أي: المفرط في الطول، (ولا بالقصير البائن،) بموحدة، اسم فاعل من بان إذا ظهر، أي: الواضح في القصر، وهذا لفظ مسلم، ولفظ البخاري ليس بالطويل البائن، ولا بالقصير، أي: البائن، فجعل البائن وصفًا لهما. قال الحافظ: بموحدة من بان، إذا ظهر على غيره، أو فارق من سواه، انتهى، وحيث كان معناه لغة الواضح الظاهر، صح وصف كل من الطول والقصر به، فإذا نفيا عنه معًا، فمعناه أنه بینهما. ٢٤٥ الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته وعن أبي هريرة: ما رأيت شيئًا أحسن من رسول الله عَّ كأن الشمس تجري في وجهه. رواه الترمذي والبيهقي وأحمد وابن حبان. قال الطيبي: شبه جريان الشمس في فلكها بجريان الحسن في وجهه عليه، قال: ويحتمل أن يكون من تناهي التشبيه جعل وجهه مقرًّا ومكانًا للشمس . وفي حديث أنس وغيره: إنه كان ربعة، لكنه إلى الطول أقرب، كما في رواية البيهقي، ثم الجمع بين النفيين، لتوجه الأول إلى الوصف، أي: ليس طوله مفرطًا، ففيه إثبات الطول، فاحتيج للثاني، ثم الوصفان صفة ذاتية له، فلا ينافي أنه كان إذا ماشى الطويل زاد عليه، لأنه معجزة. روى ابن أبي خيثمة عن عائشة: لم يكن أحد يماشيه من الناس، ينسب إلى الطول إلاَّ طاله رسول اللَّه عَ ◌ّه، وربما اكتنفه الرجلان الطويلان، فيطولهما، فإذا فارقاه نسبا إلى الطول، ونسب عَِّ إلى الربعة. (وعن أبي هريرة: ما رأيت شيئًا،) بصرية فما بعده، صفة لشيئًا أو علمية، وهو أبلغ، فقوله: (أحسن من رسول اللَّه عَّه) مفعول ثان، يعني، ولا مثله، كما هو مدلول العبارة عرفًا، (كأن الشمس تجري في وجهه، رواه الترمذي، والبيهقي، وأحمد، وابن حبان،) وابن سعد. (قال الطيبي: شبه جريان الشمس،) حركتها (في فلكها،) كما قال تعالى: ﴿والشمس تجري لمستقر لها﴾ [يس: ٣٨]، (بجريان الحسن في وجهه عَّ له)، وفيه عكس التشبيه للمبالغة، هذا أسقطه من كلام الطيبي، فهو من باب التشبيه المصطلح عليه، وهو تشبيه حالة بحالة، وهو أن شدة النور وسريانه في وجه الناظر إليه، منزل منزلة الشمس التي ظهر نورها في وجهه، فشبه ظهور النور في وجهه، بظهور الشمس في وجهه، لكنه عكس التشبيه، فجعل نور الشمس هو المشبه، وجعل وجهه مقرًا لظهور نورها، وليس استعارة تبعية على معنى: أن جريان الشمس في فلكها، كجريان الحسن في وجهه، أي: شدة البريق واللمعان فيه، وعدم انحصاره في بعض منه دون باقيه، يشبه نور الشمس في فلكها، لفقد ضابطها، وهو تشبيه مصدر بمصدر، ثم يستعار اسم المصدر المشبه به إلى المشبه، كما يستعار قتل للضرب الشديد، وهنا لفظ يجري، متحد في المشبه والمشبه به، لأن مفهوم الجريان واحد، إلاَّ أن ينزل تغايرهما بالاعتبار منزلة تغايرهما بالذات، فتصح الإستعارة، لأن جريان الشمس في فلكها حقيقي، وجريان الحسن في وجهه مجازي. (قال) الطيبي: (ويحتمل أن يكون من تناهى). بهاء بعد ألف. (التشبيه) من إضافة الصفة إلى الموصوف، أي: من التشبيه الذي بلغ النهاية، حيث (جعل وجهه مقرًا ومكانًا للشمس) تجري فيه، فهذا بيان لجهة التناهي، أي: أنه جعل ما حقه أن يكون مشبهًا مشبهًا به، إذ جريان ٢٤٦ الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته ولله در القائل: لم لا يضيء بك الوجود وليلة فيه صباح من جمالك مسفر فبشمس حسنك كل يوم مشرق وببدر وجهك كل ليل مقمر وفي البخاري: سئل البراء: أكان وجه رسول الله عَِّ مثل السيف؟ فقال: لا، بل مثل القمر. وكأن السائل أراد مثل السيف في الطول، فرد عليه البراء فقال: بل مثل القمر، أي في التدوير، ويحتمل أن يكون أراد مثل السيف في اللمعان والصقالة، الشمس في فلكها أمر ظاهر، وجريان الحسن في الوجه الوجيه، وإن كان أعظم، إلاَّ أن التشبيه به ليس متعارفًا، فجعله مشبهًا به، مبالغة في التشبيه، كما يقال الأصل: زيد كأسد، وأبلغ منه زيدًا أسد، وأبلغ منه الأسد، كزيد، فلا وجه لما قيل، لعل العبارة من تناسى بسين لا هاء، لأن تناسي التشبيه استعارة، نحو: رأيت أسدًا، وما هنا ليس استعارة لجمعه بين طرفي المشبه، وبعبارة أخرى شبه وجهه بالشمس في الإشراق، ثم عكس التشبيه ليكون أبلغ، فقال: كأن الشمس وجهه، ثم زاد في المبالغة على طريق التجريد، فانتزع منها شمسًا، جعلها في وجهه، كقوله لهم فيها دار الخلد، وأقحم، تجري على أنه حال، وأصله كأن الشمس، ثم كأن الشمس وجهه، ثم كأن الشمس في وجهه، وإنما قيدها بكونها جارية، لأن المراد ظاهرة، أو سائرة على وجه الأرض، أو لأن تلألؤ النور في وجهه، كتحركها، وهو أقوى في التشبيه، (وللَّه در القائل). (لم لا يضيء بك الوجود) استفهام تعجبي، أو إنكاري، على من منع الإضاءة به، (وليلة فيه صباح من جمالك،) أي: لا مانع لا يضيء بك، والحال أن ليله فيه نور أعظم من نور المصباح، ووصفه بقوله (مسفر،) إشارة إلى أنه ليس المراد مجرده، فإن الصباح، كالصبح الفجر ونوره قليل، فدفع ذلك بالوصف، (فبشمس حسنك كل يوم مشرق) تعليل، (وببدر وجهك) من إضافة الصفة للموصوف، أي: بوجهك الذي هو كالبدر، (كل ليل مقمر) شديد البياض. (وفي البخاري) عن أبي إسحق، قال: (سئل البراء) بن عازب، (أكان وجه رسول اللّه عل ◌ّه مثل السيف، فقال: لا، بل مثل القمر). قال في فتح الباري: (وكأن السائل أراد مثل السيف في الطول، فرد عليه البراء) ردًّا بليغًا، (فقال: بل مثل القمر، أي: في التدوير،) فهو رد، لما توهمه السائل، وإثبات لخلافه. قال السيوطي: زاد مسلم مستديرًا، وهو يؤيد أن السائل أراد هذا الاحتمال، (ويحتمل أن يكون) السائل (أراد مثل السيف في اللمعان والصقالة). بكسر الصاد . الجلاء - بجيم، فهو عطف ٢٤٧ الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته فقال: بل فوق ذلك، وعدل إلى القمر لجمعه الصفتين من التدوير واللمعان. وقال الحافظ النسابة أبو الخطاب بن دحية رحمه الله تعالى في كتابه (التنوير)) في مولد البشير النذير)) عند إيراد حديث البراء المذكور ما لفظه: ففي هذا الحديث من العلم أن التشبيه ممن لا يحسنه لا يصلح الإقرار عليه، لأن السائل شبه وجه رسول الله عَّ بالسيف، ولو شبهه بالشمس كان أولى، فرد عليه البراء قوله وقال: بل مثل القمر، وأبدع في تشبيهه، لأن القمر يملأ الأرض بنوره، ويؤنس کل من يشاهده، ونوره من غير حر یفزع، سبب على مسبب، إذ الجلاء سبب اللمعان، (فقال: بل فوق ذلك، وعدل) عن التشبيه بالشمس، (إلى) التشبيه بـ (القمر؛ لجمعه الصفتين من التدوير واللمعان،) فهو رد لتوهم السائل أن لمعانه، كلمعان السيف، بأنه وإن شاركه في اللمعان، لكن لمعان الوجه الشريف لا يساويه شيء، قيل: ويحتمل أن السائل سأل عنهما جميعًا، ويبعد إرادة الأول فقط زيادة مسلم، لا بل مثل الشمس والقمر، وكان مستديرًا، إذ لو كان السؤال عن طوله، كفاه في الجواب، لا بل مثل القمر، أي: لا كان مثل السيف في الاستنارة، ولا الاستطالة، انتهى. ويجاب بأنه تبرع بزيادة في الجواب، تعليمًا للسائل كيف يسأل، فكأنه قال مفاد سؤالك أنه مثله في الطول، ولا يليق السؤال عنه. (وقال الحافظ النسابة أبو الخطاب) عمر بن حسن بن علي بن محمد، الشهير بأنه (ابن دحية،) لأنه من ذرية دحية الكلبي، الصحابي، الأندلسي، كان بصيرًا بالحديث، متقنًا، معروفًا بالضبط: جال البلاد، ودخل أصبهان والعراق ومصر، وأدب الملك الكامل، ونال دنيا عريضة، ومات سنة ثلاث وثلاثين وستمائة (رحمه اللَّه تعالى في كتابه التنوير في مولد البشير النذير،) أحازه على تأليفه الملك المظفر، صاحب إربل . بكسر الهمزة، والموحدة، ولام. بألف دينار (عند إيراد حديث البراء المذكور ما لفظه، ففي هذا الحديث من العلم أن التشبيه ممن لا يحسنه لا يصلح،) أي: لا يليق (الإقرار عليه، لأن السائل شبه وجه رسول اللّه عَ لّ بالسيف، ولو شبهه بالشمس كان أولى) لظهورها، لكن السائل لم يتعرض لغير السيف، فلعل المعنى أن هذا أمر قدر على لسانه، كأنه حذف معادل مثل السيف، وهو الشمس، وإن تشبيهه بها أولى، (فرد عليه البراء قوله وقال: بل مثل القمر، وأبدع في تشبيهه))) أتى بأمر بالغ؛ لا يساويه غيره من أنواع التشبيه هنا، (لأن القمر يملأ الأرض بنوره،) لا سيما ليلة كماله، وقد تكون أل في القمر للإشارة إلى أن المراد ليلة تمامه بخلاف الشمس؛ فإنها تطلع وقت طلوعها مع ظل، ثم ترتفع شيئًا فشيئًا إلى أن يميل الظل، (ويؤنس كل من يشاهده ونوره، من غير حر يفزع) . بفاء وزاي. ٢٤٨ الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته ولا كلل ينزع، والناظر إلى القمر متمكن من النظر بخلاف الشمس التي تعشي البصر. وفي رواية مسلم من حديث جابر بن سمرة، وقال له رجل أكان وجه رسول الله عَّه مثل السيف؟ فقال: لا، بل مثل الشمس والقمر وكان مستديرًا. وإنما قال: مستديرًا، للتنبيه على أنه جمع الصفتين، لأن قوله: مثل السيف يحتمل أن يريد به الطول، ويحتمل أن يريد به اللمعان كما تقدمت إليه الإشارة فيما سبق من العبارة، فرده المسؤول ردًا بليغًا، ولما جرى يؤلم، (ولا كلل ينزع). بفتح الياء، وسكون النون، وكسر الزاي، أي: ولا ثقل في العين يضعفها، حتى كأنه يقلع البصر منها، (والناظر إلى القمر متمكن من النظر،) عطف مسبب على سبب، (بخلاف الشمس التي تعشى) . بعين مهملة. تضعف (البصر،) ويحتمل إعجامها، أي: تحدث في البصر ما هو كالغشاوة. (وفي رواية مسلم من حديث جابر بن سمرة). بفتح المهملة، وضم الميم، وتسكن للتخفيف. ابن جنادة بن جندب، العامري، صحابي، ابن صحابي، روى له الستة. ومات سنة ثلاث، أو أربع، أو ست وسبعين، وصلى عليه عمرو بن حريث الصحابي، (وقال له رجل:) جملة حالية بتقدير قد، ويحتمل أنه الذي سأل البراء، فيكون سؤاله لأحدهما بعد الآخر زيادة في التثبت، ويحتمل أن يكون غيره وقد أعل النسائي هذا، فقال: إسناده إلى جابر خطأ، وإنما هو عن البراء، وتعقب بقول البخاري الحديث صحيح عن جابر وعن البراء جميعًا، (أكان وجه رسول اللّه عَّلِ مثل السيف، فقال: لا، بل مثل الشمس) في البهاء والإشراق، (والقمر) في الاستدارة والنور، (وكان مستديرًا) لا طويلاً كالسيف، فالمراد استدارة مع الأسالة، كما في حديث أبي هريرة: كان أسيل الخدين، والقصد تشبيهه بمحاسن كل حسن، مجردًا عما في ذلك المشبه به من الخلل، كما قال بديع الزمان: يكاد يحكيك صوب الغيث منسكبًا لو كان طلق المحيا يمطر الذهبا والدهر لو لم يخن والشمس لو نطقت والليث لو لم يصد والبحر لو عذبا (وإنما قال: مستديرًا،) كما قال الحافظ بعد نقله رواية مسلم في الفتح، (للتنبيه على أنه جمع الصفتين، لأن قوله: مثل السيف، يحتمل أن يريد به الطول، ويحتمل أن يريد به اللمعان، كما تقدمت إليه الإشارة،) قريبًا (فيما سبق من العبارة،) ويحتمل إرادتهما معًا، (فرده المسؤول ردًا بليغًا)، بنفي قوله مثل السيف، بقوله لا، ثم إضرابه إلى التشبيه بالنيرين، (ولما جرى ٢٤٩ الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته التعارف به أن التشبيه بالشمس إنما يراد به غالبًا الإشراق، وبالقمر إنما يراد به الملاحة دون غيرهما، فقوله وكان مستديرًا، إشارة إلى أنه أراد به التشبيه بالصفتين معًا: الحسن والاستدارة. وقال المحاربي عن أشعث عن أبي إسحق عن جابر بن سمرة أنه قال: رأيت رسول الله عَّله في ليلة إضحيان وعليه حلة حمراء،. التعارف،) أي الأمر المتعارف (به) بين الناس (أن التشبيه بالشمس، إنما يراد به غالبًا الإشراق،) دون الضرر والإحراق، (وبالقمر إنما يراد به الملاحة دون غيرهما)، وجواب لما سقط من قلم المصنف لما نقل من الفتح، وهو ثابت فيه بلفظ أتى بقوله: وكان مستديرًا، إشارة الخ، ويحتمل أن المصنف جعل، (فقوله: وكان مستديرًا) دليلاً على جواب، لما الذي حذفه، أو أنه جواب، لما دخلته الفاء على قلة، وهو واقع في كلامه كثيرًا، أو أن لفظ لما بكسر اللام، وخفة الميم عطف على للتنبيه، وما مصدرية، (إشارة إلى أنه أراد به التشبيه بالصفتين معًا، الحسن والإستدارة،) ولو اقتصر على هذا جاعلاً له جواب لما، وحذف لفظ فقوله: وكان مستديرًا، أو أتى بلفظ الفتح، كما هو لا غنى عن ذلك التمحل. (وقال المحاربي عن أشعث). بفتح الهمزة، وإسكان المعجمة، فمهملة، فمثلثة. هو ابن سوار، كما في الشمائل . بفتح المهملة، وشد الواو. قال في التقريب قاضي الأهواز: ضعيف. مات سنة ست وثلاثين ومائة. روى له البخاري في تاريخه، والنسائي، وابن ماجه، والترمذي في الشمائل، ولفظه: حدثنا هناد بن السري، قال: حدثنا عبثر، عن أشعث، يعني ابن سوَّار، (عن أبي إسحق،) عمرو بن عبد الله، الهمداني، السبيعي . بفتح المهملة، وكسر الموحدة. ثقة مكثر عابد. روى له الستة من أواسط التابعين، مات سنة تسع وعشرين ومائة، وقيل: قبلها (عن جابر بن سمرة؛ أنه قال: رأيت رسول اللَّه عَّ في ليلة إضحيان). بكسر الهمزة، وسكون المعجمة، وكسر الحاء المهملة، فياء، فألف، فنون منوّنة. صفة لليلة، أي: مضيئة مقمرة من أولها إلى آخرها، لا ظلمة فيها، ولا غیم، والألف والنون زائدتان، كما في النهاية، والقياس أضحیانة، وكأنه لتأويل ليلة بليل. قال الزمخشري: وافعلان في كلامهم قليل جدًا، ومنع بعضهم إضافته، لأنه صفة لقمر، ورد بأنه لا يمنع من الإضافة، لجواز أن ليلة مضافة إلى أضحيان بعد حذف موصوفة، والأصل ليلة قمر أضحيان، فحذف الموصوف، وأقيمت الصفة مقامه، (وعليه حلة حمراء،) بيان لما ٢٥٠ الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته فجعلت أنظر إليه وإلى القمر، فلهو في عيني أحسن من القمر، وفي رواية: بعد قوله حمراء: فجعلت أماثل بينه وبين القمر. وروى الترمذي والبيهقي عن علي أنه نعته عَّه فقال: لم يكن بالمطهم ولا بالمكلثم، وكان في وجهه تدوير. والمكلثم: المدور الوجه، أي لم يكن شديد تدوير الوجه بل في وجهه تدوير قليل. وأنه في حديث علي عند أبي عبيد في الغريب: وكان في وجهه تدوير قليل، قال أبو عبيد. أوجب التأمل فيه، لظهور مزيد حسنه حينئذ، (فجعلت أنظر إليه) تارة، (وإلى القمر) أخرى، (فلهو،) بلام الابتداء، وجواب قسم (في عيني،) قيد بذلك افتخارًا باعتقاده، لا لتخصيصه دون غيره، فإنه (أحسن من القمر) في عيني كل من رآه. وفي رواية: فلهو عندي أحسن من القمر، (وفي رواية بعد قوله: حمراء، فجعلت أماثل بينه وبين القمر،) فلهو عندي أحسن من القمر. (وروى الترمذي والبيهقي، عن علي؛ أنه نعته،) وصفه (عَّلّ، فقال) في جملة حديث: (لم يكن بالمطهم). قال المصنف في شرح الشمائل الرواية فيه وفي قوله: (ولا بالمكلثم،) بلفظ اسم المفعول فقط، والمطهم، الفاحش السمن، وهذا قريب من قول الترمذي: البادن، الكثير اللحم، أو المنتفخ الوجه، الذي فيه عبوس ناشيء عن السمن، أو النحيف الجسم، وهو من الأضداد، أو طهمة اللون، أن تجاوز سمرته إلى سواد، ووجه مطهم إذا كان كذلك، ولا مانع من إرادة هذا الأربع هنا، وغلط من فسره هنا بالبارع، الجمال التام، كل شيء منه على حدته، لأنه مدح، وقد نفاه، (وكان في وجهه تدوير، والمكلثم المدور الوجه،) نحو قوله الصحاح: الكلثمة اجتماع لحم الوجه، زاد القاموس: بلا جهومة. بالجيم، أي: غلظ فيه يوجب كراهته، فتنكير تدوير للنوعية، أي: نوع منه، أو للتقليل، أي: شيء منه، فلا ينافي نفي الكلثمة، كما توهم، وإلى هذا أشار بقوله، (أي لم يكن شديد تدوير الوجه بل في وجهه تدوير قليل،) فهذه الجملة، كالمبينة بقوله، ولا بالكلثم، إشارة إلى أنه ليس كل تدوير حسنًا، (و) يدل على إرادة علي رضي الله عنه ذلك، (أنه في حديث علي) نفسه، (عند أبي عبيد في) كتاب (الغريب،) أي: ما يحتاج إلى تفسيره من الحديث، (وكان في وجهه تدوير قليل،) فزاد لفظ قليل، فيحمل عليه حديثه الذي فيه إسقاطه، لأن الحديث يفسر بعضه بعضًا، لا سيما مع اتحاد المخرج، ولذا (قال أبو عبيد) القُسم بن سلام بالتشديد، البغدادي، الإمام، الحافظ المشهور، له تصانيف. مات سنة أربع ٢٥١ الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته في شرحه: يريد أنه ما كان في غاية التدوير، بل كان فيه سهولة وهي أحلى عند العرب. وفي حديث أبي هريرة عند الذهلي في الزهريات في صفته عَّ: كان أسيل الخدين. قال ابن الأثير: الأسالة في الخد: الاستطالة وأن لا يكون مرتفع الوجنة. وقال شيخ الإسلام الحافظ بن حجر: ولعل هذا هو الحامل لمن سأل أكان وجهه مثل السيف. وأخرج البخاري عن كعب بن لملك قال: كان رسول الله عَ ◌ّه إذا سوّ استنار وجهه كأنه قطعة قمر، وكنا نعرف ذلك منه، أي الموضع الذي يتبين فيه السرور وهو وعشرين ومائتين. قال في التقريب: ثقة من العاشرة ولم أر له في الكتب، أي: الستة حديثًا مسندًا، بل من أقواله في شرح الغريب، (في شرحه يريد أنه ما كان في غاية التدوير، بل كان فيه سهولة، وهي أحلى) . بالحاء المهملة. (عند العرب) وغيرهم من كل ذي دوق سليم وطبع قويم، بل قال الترمذي الحكيم، استدارته المفرطة دالة على الجهل. (وفي حديث أبي هريرة عند الذهلي - بذال معجمة وهاء، تليها لام. محمد بن يحيى بن عبد الله النيسابوري الحافظ، روى عن أحمد، وإسحق، وابن المديني، وخلق، وعنه البخاري، وأصحاب السنن، وأمم. قال أبو بكر بن أبي داود: كان أمير المؤمنين في الحديث، وقال الخطيب: كان أحد الأئمة العارفين، والحافظ المتقنين، والثقات المأمونين، مات سنة ثمان وخمسين ومائتين على الصحيح، وله ست وثمانون سنة (في الزهريات،) كتاب جمع فيه حديث ابن شهاب الزهري وجوَّده. قال الخطيب: كان أحمد بن حنبل يثني عليه، ويشكر فضله (في صفته عَ ◌ّه، كان أسيل) بهمزة مفتوحة، فسين مهملة مكسورة، فياء ساكنة، فلام. لين (الخدين) غير مرتفع الوجنتين، وهو معنی حدیث هند سهل الخدين. (قال ابن الأثير) في النهاية: (الأسالة في الخد الاستطالة، وأن لا يكون مرتفع الوجنة،) أي: عاليها، (وقال شيخ الإسلام، الحافظ ابن حجر: ولعل هذا) لفظ الفتح، وكأن قوله: أسيل الخدين، (هو الحامل لمن سأل أكان وجهه مثل السيف)، لأن الأسالة الاستطالة، فيؤيد احتمال أنه سأل عن الطول، (وأخرج البخاري عن كعب بن ملك))) الأنصاري، الخزرجي (قال: كان رسول اللَّه عَ لَّم إذا سر استنار،) أي: أضاء (وجهه))) حتى (كأنه قطعة قمر، وكنا نعرف ذلك منه،) أي: استنارة وجهه إذا سر، وقوله: كأنه، (أي: الموضع الذي يتبين فيه السرور، وهو جبينه،) ولذا قال: قطعة قمر، ولعله كان حينئذ متلثمًا، وكان التشبيه وقع على بعض الوجه، ٢٥٢ الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته جبينه. وقالت عائشة رضي الله عنها: دخل عليَّ النبي ◌َّ ◌ُله يومًا مسرورًا تبرق أسارير وجهه. ولذلك قال كعب كأنه قطعة قمر. وفي حديث جبير بن مطعم عند الطبراني: التفت إلينا رسول الله عَ لّه بوجه مثل شقة القمر، فهذا محمول على صفته عند الالتفات. وقد أخرج الطبراني حديث كعب بن لملك من طرق في بعضها: كأنه دارة قمر. ويسأل عن السر في التقييد بالقطعة مع كثرة ما ورد للبلغاء من تشبيه الوجه بالقمر بغير فناسب أن يشبه ببعض القمر، قاله في الفتح، والجبين فوق الصدغ، وهو جبينان عن يمين الجبهة وشمالها، كما في المختار، وعليه فالنور المشاهد منه ليس في الجبهة، (وقالت عائشة رضي اللَّه عنها: دخل عليّ النبي عَ ◌ّهِ يومًا مسرورًا،) فرحًا (تبرق). بضم الراء. تضيء وتستنير من الفرح (أسارير وجهه،) جمع أسرار جمع سر . بكسر السين، وهي الخطوط التي في الجبهة تبرق عند الفرح، وبقية الحديث في البخاري، فقال عَ له: ألم تسمعي ما قال المدلجي لزيد أسامة، ورأى أقدامهما أن بعض هذه الأقدام من بعض، (ولذلك قال كعب: كأنه قطعة قمر،) إشارة إلى موضع الاستنارة وهو الجبين، (وفي حديث جبير بن مطعم،) القرشي، النوفلي (عند الطبراني: التفت إلينا رسول اللَّه عَ لِّ بوجه مثل شقة). بكسر الشين . قطعة (القمر،) وأما الشقة . بضم الشين، فالقطعة من الثوب والسفر البعيد، كما في الصحاح وغيره، (فهذا محمول على صفته عند الالتفات،) كما قاله الحافظ، يدل عليه لفظ التفت، وأما قول كعب قطعة قمر، فيحتمل أنه كان حينئذ متلثمًا، فوقع التشبيه على البعض، كما مر، ويحتمل كما قال الحافظ أيضًا أن يريد بقطعة قمر القمر نفسه. (وقد أخرج الطبراني حديث كعب بن لملك، من طرق في بعضها، كأنه دارة قمر،) أي: الدائرة حوله، وهي الهالة، أي: كأنه في شدة نور هالة القمر، يعني، فهذا يؤيد احتمال أنه أراد بالقطعة القمر نفسه من التعبير بالبعض عن الكل، (ويسأل عن السر،) النكتة الخفية (في التقييد بالقطعة) في قول كعب، كأنه قطعة قمر، (مع كثرة ما ورد للبلغاء من تشبيه الوجه بالقمر بغير ٢٥٣ الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته تقييد. وقد كان كعب بن ملك قائل هذا من شعراء الصحابة، فلا بد للتقييد بذلك من حكمة. وما قيل في أن ذلك من الاحتراز من السواد الذي في القمر ليس بالقوي، لأن المراد بتشبيهه ما في القمر من الضياء والاستنارة وهو في تمامه لا يكون فيها أقل مما في القطعة المجردة، فكأن التشبيه وقع على بعض الوجه فناسب أن يشبه ببعض القمر. وعن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال: كان وجه رسول الله عَ لّه كدارة القمر، أخرجه أبو نعيم. وروى البيهقي عن أبي إسحق الهمداني تقييد، وقد كان كعب بن ملك قائل هذا من شعراء الصحابة(،) الفصحاء، البلغاء، فلا يعدل عن المتعارف بينهم إلاّ لسبب، (فلا بد للتقييد بذلك من حكمه،) لئلا يضيع، (وما قيل) القائل هو السراج البلقيني، كما قاله المصنف وغيره، وأبهمه هنا تبعًا للحافظ تأدبًا، لأنه شيخه، (في أن ذلك من الاحتراز من السواد الذي في القمر) بيان لما قيل، ولفظ المصنف في الشرح، أجاب السراج البلقيني: بأن وجه العدول أن القمر فيه قطعة، يظهر فيها سواد، وهو المسمى بالكلف، فلو شبه بالمجوع لدخلت هذه القطعة في المشبه، وغرضه إنما هو التشبيه على أكمل الوجوه، فلذا قال: كأنه قطعة قمر، يريد القطعة الساطعة الإشراق، الخالية من شوائب الكدر اهـ. (ليس بالقوي، لأن المراد بتشبيهه،) أي: الوجه، وفيه حذف هو تشبيهه (ما في القمر من الضياء والاستنارة،) لا بما فيه من النور والسواد معًا، (وهو،) أي: القمر (في تمامه لا يكون فيها أقل مما في القطعة المجردة،) بل ما فيها في غير التمام يكون مساويًا، لما في القمر بجملته، أو أكثر، وقد يقال: بل هو قوي، لأن المراد بالقطعة المشبه بها ما فيه من النور، خاصة وهو خال من السواد، كبرت القطعة، أو صغرت؛ والقمر أبدًا لا يخلو من سواد، سواء وقت التمام وغيره، ومن قوله: ويسأل إلى هنا ذكره الحافظ في المغازي، وقال عقبه: فيوجه بأنه إشارة إلى موضع الاستنارة، وهو الجبين، وفيه يظهر السرور، كما قالت عائشة: مسرورًا، تبرق أسارير وجهه، (فكأن التشبيه وقع على بعض الوجه) الذي هو الجبين، (فناسب أن يشبه ببعض القمر،) وتقدم له قريبًا مزيد. (وعن أبي بكر الصديق رضي اللَّه عنه، قال: كان وجه رسول اللَّه عَ لَِّ كدارة القمر،) قال الجوهري: الدارة أخص من الدار، والدارة التي حول القمر، وهي الهالة، (أخرجه أبو نعيم، وروى البيهقي، عن أبي إسحق،) عمرو بن عبد اللَّه، (الهمداني) . بفتح الهاء، وإسكان الميم، ومهملة. ٢٥٤ الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته عن امرأة من همدان - سماها - قالت: حججت مع النبي عَِّ مرات فرأيته على بعير له يطوف بالكعبة بيده محجن عليه بردان أحمران يكاد يمس شعره منكبه إذا مر بالحجر استلمه بالمحجن ثم يرفعه إلى فمه فيقبله. قال أبو إسحق: فقلت لها صَلى له شبهيه فقالت: كالقمر ليلة البدر، لم أر قبله ولا بعده مثله عليسـ وروى الدارمي والبيهقي وأبو نعيم والطبراني عن أبي عبيدة بن محمد بن نسبة إلى همدان شعب من قحطان السبيعي . بفتح المهملة وكسر الموحدة. التابعي الجليل تقدم قريبًا، (عن امرأة من همدان، سماها) أبو إسحق، ونسيها الراوي، عنه (قالت: حججت مع النبي عَِّ مرات) كذا هنا، فلعلها قبل الهجرة، إذ لم يحج بعدها سوى حجة الوداع، (فرأيته على بعير له) في حجة الإسلام، (يطوف بالكعبة بيده محجن). بكسر الميم، وإسكان المهملة، وفتح الجيم، ونون عصا معوجة الرأس (عليه بردان أحمران، يكاد) يقرب، (يمس شعره منكبه إذا مر بالحجر) الأسود، (استلمه بالمحجن، ثم يرفعه إلى فيه فيقبله). (قال أبو إسحق: فقلت لها شبهيه) عَ ◌ّه، (فقالت: كالقمر ليلة البدر،) فاستعملت البدر في الصفة اللازمة، وهي الكمال، فكأنها قالت: كالقمر ليلة كماله، (لم أر،) لم أبصر (قبله، ولا بعده مثله،) من يساويه خلقًا وخلقًا، وهذه جملة ثانية معربة عن كمال حسنه، ونهاية جماله (عَّلة)، وظاهره نفى رؤية مثله قبل رؤيته وبعدها، وذلك متعارف في المبالغة في نفي المثل، سواء وجد المتكلم في زمن قبل أم لا. فهو كناية عن نفي كون أحد مثله، فيدل عرفًا على أنه أحسن من كل أحد، وإذا انتفى المثل الذي هو أقرب إليه من الأحسن في مقام ذكر المحاسن، فالأحسن أنقى، لأنه إن وجد كان مثلاً وزيادة. (وروى الدارمي). بفتح الدال المهملة، وكسر الراء، نسبة إلى دارم، بطن من تميم عبد اللَّه بن عبد الرحمن بن الفضل بن بهرام، أبو محمد السمرقندي، الحافظ، صاحب المسند، أحد الأعلام الثقات. روى عن يزيد بن لهرون، وأبي عاصم وغيرهما، وعنه مسلم، وأبو داود، والترمذي وخلق، سئل عنه أحمد، فقال للسائل: عليك بذاك السيد. قال ابن حبان: كان من الحفاظ المتقنين، جمع، وتفقه، وصنف، وحدث، وأظهر السنة ببلده، ودعا إليها، وذب عن حريمها، وقمع من خالفها، ومات يوم التروية، سنة خمس وخمسين ومائتين، وله أربع، أو خمس وسبعون سنة. (والبيهقي، وأبو نعيم) أحمد بن عبد اللَّه الأصبهاني، (والطبراني) سليمان بن أحمد بن أيوب، تقدم بعض ترجمة الثلاثة، (عن أبي عبيدة) . بضم العين مصغر. (ابن محمد بن عمار بن ٢٥٥ الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته مَّ اللّه، قالت: لو رأيته عمار بن ياسر قال: قلت الربيع بنت معوّذ صفي لنا رسول الله عێآ، لقلت: الشمس طالعة، وفي لفظ: يا بني لو رأيته لرأيت الشمس طالعة. وروى مسلم عن أبي الطفيل أنه قيل له: صف لنا رسول الله عَ لّه فقال: كان أبيض مليح الوجه. وفيما خرجه الترمذي من حديث هند بن أبي هالة: ياسر) العنسي . بالنون. المدني، أخي سلمة، وقيل: إنه هو التابعي الوسط مقبول، روى له الأربعة، (قال: قلت للربيع) . بضم الراء، وفتح الموحدة، وشد التحتية مصغر. صحابية صغيرة، روى لها الستة (بنت معوّذ) . بضم الميم، وفتح المهملة، وتشديد الواو، وفتحها على الأشهر، وجزم الوقشي . بالكسر، كما في الفتح في غزوة بدر صحابي جليل، مشهور بأنه ابن عفراء، استشهد بيدر رضي اللَّه عنه، (صفى لنا رسول اللَّه عَّ، قالت: لو رأيته، لقلت الشمس طالعة،) أي: لرأيت نورًا عظيمًا، بحيث تظن، لما ترى من بهجة وجهه أن الشمس طالعة. (وفي لفظ: يا بني) بالتصغير، للتحبب والشفقة، (لو رأيته لرأيت الشمس طالعة). ٠ وقال الطيبي معناه: لرأيت شمسًا طالعة، جردت من نفسه الشريفة نفسًا، نحو قولك: لئن لقيته، لتلقين أسدًا، وإذا نظرت إليه لم تر إلاَّ أسدًا. (وروى مسلم عن أبي الطفيل) عامر بن واثلة، بمثلثة، ابن عبد اللَّه الليثي: رأى النبي عَّ، وروى عن أبي بكر، فمن بعده وعمر، إلى أن مات سنة عشر ومائة، على الصحيح عند الذهبي، وتبعه في التقريب، وجزم مسلم وابن عبد البر؛ بأنه مات سنة مائة، واقتصر عليه العراقي، وهو آخر من مات من الصحابة، قاله مسلم وغيره. ولد عام الهجرة، أو ثانيها، وفي رواية لمسلم أيضًا، والترمذي عنه: رأيت النبي ◌َّه، وما بقي على وجه الأرض أحد رآه غيري، (أنه قيل له: صف لنا رسول اللَّه) القائل له سعيد الجريري . بضم الجيم، وراءين مصغر، فلفظ رواية مسلم عن الجريري، قلت لأبي الطفيل: رأيت رسول اللَّه عَ ◌ّالله؟ قال: نعم، قلت: كيف رأيته؟ وفي رواية الترمذي، قلت: صفه لي، (عَّةِ، فقال: كان أبيض،) يعني: بياضًا مشربًا بحمرة، كما يأتي إيضاحه مع زيادة (مليح الوجه،) أي: حسنه من ملح، حسن منظره، فهو مليح، ولمسلم أيضًا، والترمذي، قال، أي أبو الطفيل: كان أبيض مليحًا مقصدًا . بشد الصاد المهملة، أي: متوسطًا في جميع أوصافه، كان خلقه نحى به القصد، أي: الوسط، كما أن شرعه وسط بين الشرائع، وأمته وسط بين الأمم، فكان في لونه، وهيكله، وشعره، وشرعه مائلاً عن طرفي الإفراد والتفريط، وكان معتدل القوى، (وفيما،) أي: الحديث الطويل، الذي (خرجه الترمذي من حديث هند بن أبي هالة) من رواية الحسن بن علي، قال: ٢٥٦ الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته كان رسول الله عَّ فخمًا مفخمًا يتلألأ وجهه تلألأ القمر ليلة البدر. وقالت أم معبد حين وصفته لزوجها: مبلج الوجه، يعني: مشرقه مضيئه، ومنه تبلج الصبح إذا أسفر، وما أحسن قول سيدي علي بن وفى حيث قال: سألت خالي هند بن أبي هالة، وكان وصفًا عن خلية النبي عَّه، وأنا أشتهي أن يصف لي منها شيئًا أتعلق به، فقال: (كان رسول اللَّه عَّلَه) من ابتداء طفوليته إلى آخر عمره، كما تفيده، كان التي للإستمرار عند قوم (فخمًا). بفتح الفاء، وإسكان الخاء المعجمة. على الأشهر، واقتصر عليه السيوطي، وكأنه الرواية، وإلا فيجوز كسرها، أي: عظيمًا في نفسه (مفخمًا) . بضم الميم، وفتح الفاء، والخاء المعجمة المشددة، معظمًا في صدور الصدور، وعيون العيون، لا يستطيع مكابر أن لا يعظمه، وإن حرص عليه، خالف باطنه، أو فخمًا، عظيم القدر عند صحبه مفخمًا، عند من لم يره قط، فهو عظيم أبدًا، أو فخمًا عند اللَّه، مفخمًا عند الخلق، وعليها، فليست الفخامة في الجسم، وقيل: هو المراد، ففخامة الوجه امتلاؤه بالجمال والمهابة، أو كثرة لحم الوجنتين مع كمال الجمال، وبدأ الوصاف بالوجه دون الهامة، لأنه أول ما يتوجه إليه النظر، وأشرف ما في الإنسان وغيره، فقال: (يتلألأ وجهه،) يشرق ويضيء، وأصل تلألأ أبيض، فأشبه بياض اللؤلؤ، سمى لؤلؤًا لضوئه، (تلألأ القمر) مثل إشراقه واستنارته (ليلة البدر،) ليلة أربعة عشر، سمى بدر السبق طلوعه مغيب الشمس، وهو أحسن ما يكون، وشبهه به دون الشمس، لأنه ظهر في عالم مظلم بالكفر، ولأن نور القمر أنفع من نورها، فنور وجهه أنفع من نور الشمس، وهذا أحسن من الوجه الآتي للمصنف. (وقالت أم معبد:) . بفتح الميم، وإسكان المهملة، وفتح الموحدة، ومهملة. عاتكة بنت خالد، الخزاعية، صحابية (حين وصفته لزوجها) أبي معبد أكثم . بفتح الهمزة والمثلثة. أو حبيش · بضم المهملة، وفتح الموحدة، وسكون التحتية، ومعجمة. أو لا يعرف اسمه صحابي، قديم الوفاة، (مبلج الوجه). بموحدة وجيم، (يعني: مشرقه مضيئه، ومنه تبلج الصبح إذا أسفر،) وأما الأبلج الذي وضع ما بين حاجبيه، فلم يقترنا، فهو أبلج، والاسم البلج . بفتح اللام، فلم ترده أم معبد، لأنها وصفته بالقرن، كما تقدم مبسوطًا في الهجرة، (وما أحسن قول سيدي علي،) أبي الحسن (بن) محمد، (وفي) رضي اللَّه عنه، الشاذلي، العارف الكبير، ابن العارف الكبير اليقظ، حاد الذهن، المالكي، صاحب الكرامات الباهرة، والحكم المتكاثرة، المتوفى سنة سبع وثمانمائة، وله تسع وأربعون سنة، (حيث، قال:) لا حاجة له مع قوله، أو لا ما أحسن قوله، ولذا سقط من نسخ، وإن أمكن توجيهه بأنه من ظرفية الجزئي لكليه، الذي هو قول، ولا يرد أنه يوهم حصر أحسنية قوله، المذكور هنا عما سواه، لأنه بالنسبة لكونه مدحًا في المصطفى، ثم قول يجوز أنه ٢٥٧ الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته ألا يا صاحب الوجه المليح سألتك لا تغيب عني فأنت روحي متى ما غاب شخصك عن عياني رجعت فلا ترى إلا ضريحي وداوي لوعة القلب الجريح بحقك جد لرقك يا حبيبي وأصبح بالهوى دنفًا طريح ورقْ لمغرم في الحب أمسى محب ضاق بالأشواق ذرعًا وآوى منك للكرم الفسيح وفي النهاية: أنه عليه الصلاة والسلام كان إذا سر فكان وجهه المرآة، وكان الجدر تلاحك وجهه. قال: والملاحكة، شدة الملاءمة، أي يرى شخص الجدر صَّ اللّه في وجهه علي شاء .. وفي حديث ابن أبي هالة: يتلألأ وجهه تلألؤ القمر مصدر، بمعنى المقول، فقوله: (ألا يا صاحب الوجه المليح) بدل منه، وأنه مصدر لا، بمعناه فهو مقول القول، (سألتك لا تغيب) عني، بحيث لا أراك، (فأنت روحي،) أي: كروحي التي بها حياتي، فغيبتك عني سبب هلاكي، (متى ما غاب شخصك عن عياني) . بكسر العين . مشاهدتي له هلكت، فحذف جواب الشرط، فإذا (رجعت،) فهو شرط لمقدر، بدليل الفاء في، (فلا ترى إلاَّ ضريحي،) أي: قبري. قال المصباح: شق في وسط القبر، فعيل بمعنى مفعول، (بحقك) أسألك، فأقول (جد لرقك) مرقوقك، أي: مملوكك ولامه للتعدية، أي: أوصل عطاءك لرقك أو تعليلية، أي: جدبًا لوصل، لأجل رقك (يا حبيبي،) والمراد التوسل به، وهو مطلوب، (وداوي لوعة القلب،) حرفته (الجريح) المجروح، (ورق لمغرم) مولع، أي: ارحم محبًا احترق قلبه بإقبالك عليه (في الحب،) متعلق بقوله (أمسى، وأصبح بالهوى دنفًا،) مريضًا بمرض لازم لا يفارقه، (طريح) ملقى لما أصابه من الحب، صفة لمغرم بلا ياء، وبياء إما للإشباع ساكنة، أو ياء، نسبة للطرح، لكثرته بالغرام، (محب) نعت ثان لمغرم، (ضاق بالأشواق ذرعًا،) أي: صدرًا، كناية عن شدة الانقباض لعجزه عن مدافعة الأشواق، ولم يطقها صدره، ولم يبق فيه سعة، لامتلائه بها، (وآوى منك،) أي: أقام عندك، (للكرم الفسيح) الواسع. (وفي النهاية) لابن الأثير؛ (أنه عليه الصلاة والسلام، كان إذا سر فكان وجهه المرآة) التي ترى فيها صور الأشياء، (وكان الجدر،) جمع جدار (تلاحك وجهه، قال: والملاحكة شدة الملاءمة،) أي: الموافقة، (أي: يرى شخص الجدر في وجهه معد له) لشدة ضيائه. وهذا التفسير من تتمة كلام النهاية، (وفي حديث ابن أبي هالة: يتلألأً وجهه تلألؤ القمر ٢٥٨ الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته ليلة البدر. وذلك: لأن القمر يملأ الأرض بنوره ويؤنس كل من يشاهده، وهو يجمع النور من غير أذى، ويتمكن من النظر إليه بخلاف الشمس التي تغشي البصر فتمنع من تمكن الرؤية، والتشبيه بالبدر أبلغ في العرف من التشبيه بالقمر، لأنه وقت كماله، كما قال الفاروق حين رآه أو كلما رآه: لو كنت من شىء سوى بشر كنت المنزر ليلة البدر وقد صادف هذا التشبيه تحقيقًا، فمن أسمائه معَِّ: البدر: ليلة البدر) أي: يلمع لمعانه ليلة كماله، فاستعمل البدر في صفة القمر التي هي له، وجرده عن معناه الذي هو الموصوف والصفة، أو هو من استعمال المطلق في القيد، أي: ليلة كونه بدرًا، فلا يرد أن المعنى تلألؤ القمر ليلة القمر الكامل، ولا معنى له، (وذلك،) أي: وجه التشبيه بالقمر دون الشمس، (لأن القمر يملأ الأرض بنوره، ويؤنس كل من يشاهده،) أي: يسكن قلبه إليه، ولا ينفر منه، (وهو يجمع النور من غير أذى، ويتمكن من النظر إليه،) بل قد يستلذه، (بخلاف الشمس التي تغشي البصر،) بمهملة أو بمعجمة، كما مر قريبًا، (فتمنع من تمكن الرؤية،) ولا يؤنس إليها لشدة حرها، وسبق توجيه آخر؛ على أنه ورد تشبيهه بالشمس، كما مر. (والتشبيه بالبدر أبلغ في العرف من التشبيه بالقمر، لأنه،) أي: البدر هو القمر (وقت كماله، كما قال الفاروق:) لقب عمر بن الخطاب رضي الله عنه لكثرة فرقه، أي: فصله بين الحق والباطل، وفي أن الملقب له جبريل، أو المصطفى، أو أهل الكتاب، روايات (حين رآه،) أي: قال البيت مرة واحدة حين رؤيته في بعض الأزمان، (أو) كان يقوله (كلما رآه،) وكأنه شك من الراوي: (لو كنت من شيء سوى بشر كنت المنوَّر،) أي: القمر (ليلة البدر،) واستعمل سوی، صفة لشيء، بناء على خروجها عن الظرفية، إلى معنى غير، وهو الأصح خلافًا، فالقول سيبويه أنها ظرف لا تتصرف إلاّ في الضرورة، وهذا البيت تمثل به عمر، وليس منشئه، إذ هو من قصيدة للمسيب بن عبس بن لملك، خال الأعشى، يمدح بها قيسًا وبعده: ولا أنت أجود بالعطاء من الزمان لما جاد بالقطر ولا أنت أشجع من أسامة إذا دعيت نزال ولج في الذعر (وقد صادف هذا التشبيه) بالبدر (تحقيقًا،) أي: معناه الحقيقي، وهو ما وضع له الاسم، (فمن أسمائه عَّ البدر،) لتمام كماله، وعلو شرفه. وفي قصص الكسائي، أن اللَّه، قال لموسى: إن محمدًا هو البدر الباهر، والنجم الزاهر، والبحر الراجز، ولهذا أنشدوا، لما قدم المدينة في الهجرة أو من غزوة تبوك: ٢٥٩ الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته طلع البدر علينا من ثنيات الوداع وجب الشكر علينا ما دعا الله داع ولقد أحسن من قال: كالبدر والكاف إن أنصفت زائدة فلا تظننها كافًا لتشبيه وما أحلى قول ابن الحلاوي: وبدر الدجى عن ذلك الحسن ينحط يقولون يحكي البدر في الحسن وجهه كما شبهوا غصن النقا بقوامه لقد بالغوا في المدح للغصن واشتطوا فقد حصل للبدر والغصن غاية في الفخر بهذا التشبيه، على أن هذه التشبيهات الواردة في صفاته عليه الصلاة والسلام إنما هي على عادة الشعراء والعرب، . (طلع البدر علينا من ثينات الوداع وجب الشكر علينا ما دعا لله داع) (ولقد أحسن من قال:) (كالبدر والكاف إن أنصفت زائدة فلاتظتها كافّا لتشبيه) يعني: إذا أتيت بالعدل في وصفه عَّر، قلت الكاف زائدة، فإنه البدر لا مشبه به، (وما أحلى قول ابن الحلاوي). بفتح الحاء وخفة اللام، نسبة إلى الحلاوة لبيع أو غيره، (يقولون) في صفته عليه السلام، (يحكي البدر) بالرفع فاعل (في الحسن وجهه) بالنصب مفعول، (وبدر الدجى عن ذلك الحسن،) الذي في وجهه، (ينحط) عنه فكيف يحكيه، فما أنصفوا في قولهم، (كما شبهوا غصن النقا) في الاعتدال (بقوامه). بفتح القاف. اعتداله، (لقد بالغوا في المدح للغصن واشتطوا،) جاروا وظلموا، لأن التشبيه يستدعي وجهًا جامعًا بين المشبه والمشبه به، والبدر وغصن النقا، لا نسبة بينهما وبين وجهه وقوامه، (فقد حصل للبدر والغصن غاية في الفخر بهذا التشبيه، على أن هذه التشبيهات الواردة في صفاته عليه الصلاة والسلام، إنما هي على عادة الشعراء والعرب،) ولذا لما عيب على أبي تمام تشبيه ممدوحه بمن دونه في قوله: ما في وقوفك ساعة من بأس تقضي ذمام الأربع الأدراس أقدام عمر وفي سماحة حاتم في حلم أحنف في ذكاء إياس تفطن لذلك، فقال في أواخر شعره: ٢٦٠ الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته وإلا فلا شىء في هذه التشبيهات المحدثات يعادل صفاته الخَلْقية والخُلْقية، ولله در إمام العارفين سيدي محمد وفي الشاذلي رحمه الله تعالى حيث قال: كم فيه للأبصار حسن مدهش كم فيه للأرواح راح مسكر لا تنكروا ضربي له من دونه مثلاً شرودًا في الندى والباس فاللَّه قد ضرب الأقل لنوره مثلاً من المشكاة والنبراس (وإلاَّ، فلا شيء في هذه التشبيهات المحدثات يعادل صفاته الخلقية). بفتح، فسكون، (والخلقية). بضمتين، كما يدل له كلامه أول الفصل الثاني عن الراغب، فليس الأول بالكسر كما قد يتوهم من نسبته إلى الخلقة، (ولله در إمام العارفين، سيدي محمد) بن محمد بن محمد، ثلاثة الإسكندراني، أو المغربي، ثم المصري، صاحب الموشحات التوحيدية التي لم ينسج على منوالها أحد من البرية، وشيخ الخرقة الوفائية، كان وافر الجلال، فائق الخلال، تمسك من فنون العلم بأفنان، وأفاد بنظمه، ونثره عقود الجمان، وقلائد العقيان، ولم يتسم بالسادات في مصر غير ذريته الأعيان. ولد بالإسكندرية سنة اثنتين وسبعمائة، فجاء التاج بن عطاء اللَّه، ومعه أصحابه إلى بيته، فأتى له به، فقبله، وهو في القماط، وقال لأصحابه: هذا جامع علم حقائقنا، ومات أبوه، وهو صغير، فكفله جده النجم محمد، وكان من أصحاب الأحوال. قال الشعراوي: وكان أميًا، وله مؤلفات كثيرة، ألفها وهو ابن سبع أو عشر، ولقبه (وفي) . بالياء. على القياس، وإن رسم بألف في النسخ، إذ هو منقول عن الفعل، وهو وفى، يفي إذا تم، لأنه وقف النيل، ولم يزد أو أن الوفاء حتى عزم أهل مصر على الرحيل، فقصدوه، وكان معروفًا بإجابة الدعوة فجاء، وتوضأ بالمقياس، وصلى ركعتين، ثم دعا اللَّه، فصار كلما يطلع من الفسقية درجة، يطلع البحر معه، حتى وفي ذلك اليوم سبعة عشر ذراعًا، فعاد ماشيًا، وهو يقول وفي وفي، وأخذ عن داود بن باخلا، عن ابن عطاء اللَّه، عن أبي العباس المرسي، عن أبي الحسن، ولذا ينسب (الشاذلي،) بذال معجمة، ومهملة، نسبة إلى شاذلة. بلد المغرب، منها الشيخ أبو الحسن، أستاذ الشاذلية، وفيهم يقول أبو العباس بن عطاء: تحقق بحب الشاذلية تلق ما تروم فحقق ذاك فيهم وحصل ولا تعدون عيناك عنهم فإنهم شموس الهدى في أعين المتأمل ومات سنة ستين، وقيل: خمس وستين وسبعمائة، (رحمه اللَّه تعالى، حيث قال: كم) للتكثير (فيه للإبصار حسن مدهش) محير، أي أن كثيرًا من الأبصار أدهشها حسنه، بحيث تحيرت فيه، لفرط ما أصابها من الدهش، (كم فيه للأرواح راح مسكر،) أي: وكثير من صفاته التي إدراكها والتعلق بها، يحصل حالة تشبه الخمر لمن قامت به، فيصير كالسكران، الذي