Indexed OCR Text

Pages 181-200

١٨١
الوفد الثالث عشر: وفد دوس
فرقًا من أن يبلغني شىء من قوله.
قال: فغدوت إلى المسجد فإذا رسول الله عَ لّم قائم يصلي عند الكعبة،
فقمت قريبًا منه، فأبى الله إلا أن يسمعني بعض قوله: فسمعت كلامًا حسنًا، فقلت
واثكل أماه، والله إني لرجل لبيب شاعر، ما يخفى علي الحسن من القبيح، فما
يمنعني أن أسمع من هذا الرجل ما يقول، فإن كان ما يقول حسنًا قبلت، وإن كان
قبيحًا تركت.
قال: فمكثت حتى أتى عليه الصلاة والسلام إلى بيته، فتبعته حتى إذا دخل
بيته فقلت: يا محمد إن قومك قد قالوا لي كذا وكذا، فوالله ما برحوا يخوفوني
أمرك حتى سددت أذني بكرسف أن لا أسمع قولك، ثم أبى الله إلا أن يسمعنيه،
فسمعت قولاً حسنًا، فاعرض علي أمرك.
فعرض علي رسول الله عَ ◌ّهِ الإسلام، وتلا علي القرءان،
شيئًا، ولا أكلمه، حتى حشوت في أذني) تثنية أذن (حين غدوت إليه كرسفًا) . بضم الكاف،
والسين بينهما راء، ثم فاء. القطن، ويقال فيه أيضًا: كرسوف بزنة زنبور، (فرقًا) خوفًا (من أن
يبلغني شيء من قوله، قال: فغدوت إلى المسجد، فإذا رسول اللَّه عَِّ قائم يصلي عند الكعبة،
فقمت قريبًا منه، فأبى الله إلاّ أن يسمعني بعض قوله) هذا لفظ رواية ابن إسحق، فنسخة: أن لا
يسمعني، تصحيف، وإن أمكن توجيهها، بأن المعنى منع على عدم السماع، (فسمعت كلامًا
حسنًا، فقلت: واثكل أمياه)، أصله أمي بياء المتكلم، فتقلب ألفًا، وتلحقها هاء السكت، وقد
يجمع بين الألف والياء، كما هنا، والذي رأيته في ابن إسحق أمي على الأصل، (والله إني لرجل
لبيب،) عاقل، (شاعر ما يخفى علي الحسن،) أي: تمييزه (من القبيح فما يمنعني أن أسمع من
هذا الرجل ما يقول فإن كان ما يقول)، أي: إن ظهر لي قوله (حسنًا قبلت،) لأنه ثمرة العقل،
(وإن كان قبيحًا تركت، قال: فمكثت حتى أتى عليه الصلاة والسلام إلى بيته، فتبعته حتى
إذا دخل بيته،) دخلت عليه، (فقلت: يا محمد إن قومك، قد قالوا لي) بلام الجر، وفي نسخة
إليَّ، أي: أوصلوا إليَّ، (كذا وكذا، فوالله ما برحوا يخوفوني أمرك،) بنون واحدة، وأصله بنونين،
حذفت إحداهما تخفيفًا، وفي أن المحذوفة الأولى والثانية خلاف (حتى سددت أذني،) تثنية
أذن (يكرسف،) لأجل (أن لا أسمع قولك، ثم أبى اللَّه إلاَّ أن يسمعنيه، فسمعت قولاً حسنًا،)
فرد اللَّه كيدهم في نحورهم، وقلب مكرهم عليهم، واللَّه متتَّ نوره، ولو كره الكافرون، (فاعرض
عليّ أمرك،) بهمزة وصل من عرض ظهر، (فعرض علي رسول اللَّه عَ ◌ّ الإسلام، وتلا علي

١٨٢
الوفد الثالث عشر: وفد دوس
فلا والله ما سمعت قولاً قط أحسن منه، ولا أمرًا أعدل منه، فأسلمت وشهدت
شهادة الحق، وقلت: يا رسول الله، إني امرؤ مطاع في قومي وإني راجع إليهم
فداعيهم إلى الإسلام، فادع الله أن يجعل لي آية.
قال: فخرجت إلى قومي حتى إذا كنت بشنية تطلعني على الحاضر، وقع
نور بين عيني مثل المصباح، فقلت: اللَّهم في غير وجهي، إني أخشى أن يقولوا
إنها مثلة وقعت في وجهي لفراقي دينهم، قال: فتحول فوقع رأس سوطي كالقنديل
المعلق، وأنا أهبط إليهم من الثنية، حتى جئتهم وأصبحت فيهم، فلما جئت أتاني
القرءان،) أي: بعضه، وهو الإخلاص والمعوذتان، كما أفاده الإصابة عن أبي الفرج الأصبهاني،
(فلا واللَّه ما سمعت قولاً قط أحسن منه،) أي: من قوله، (ولا أمرًّا أعدل منه،) من أمره الذي
فهمته من قوله من الأحكام والمعاني التي استفدتها من كلامه، ويجوز عود ضميره للقول أيضًا،
(فأسلمت،) انقدت باطنًا لاستحساني قوله، (وشهدت شهادة الحق،) أي: نطقت بها، فليس
عطف تفسير إذ الأصل خلافه، وأنشد له المرزباني يخاطب قريشًا، وكانوا هددوه لما أسلم:
ألا أبلغ لديك بني لؤي على الشنان والغضب المردي
تعالى جده عن كل ند
بأن الله رب الناس فرد
دليل هدى وموضح كل رشد
وأن محمدًا عبدًا رسولاً
وأن اللَّه جلله بهاء وأعلى جده في كل جد
(وقلت: يا رسول اللَّه إني امرؤ مطاع في قومي، وإني راجع إليهم، فداعيهم إلى
الإسلام، فادع الله أن يجعل لي آية) أي: علامة، وأسقط من رواية ابن إسحق تكون عونًا لي
عليهم فيما أدعوهم إليه، فقال: ((اللهم اجعل له آية))، وعند الطيراني: ((اللهم نور له))، وفي التلقيح
لابن الجوزي: ((اللهم اجعل له نورًا»، (قال) الطفيل: (فخرجت إلى قومي، حتى إذا كنت
بثنية،) طريق في الجبل (تطلعني على الحاضر،) هم القوم النزول على ماء يقيمون به،
لا يرحلون عنه، ويقال للمناهل: المحاضر للإجتماع والحضور عليها.
قال الخطابي: ربما جعلوا الحاضر إسمًا للمكان المحضور، يقال: نزلنا حاضر بني فلان،
فاعل بمعنى مفعول، (وقع نور بين عيني مثل المصباح،) أي: قرب مما بين عينيه، ولم يصبه،
(فقلت: اللهم في غير وجهي) اجعل هذه الآية، (إني أخشى أن يقولوا) لفظ ابن إسحق: يظنوا
(أنها مثلة وقعت في وجهي لفراقي دينهم، قال: فتحول، فوقع في رأس سوطي).
زاد الطبري: فكان يضيء في الليلة المظلمة، فسمى ذا النور، قال: فجعل الحاضر يتراءون
ذلك النور في سوطي، (كالقنديل المعلق، وأنا أهبط إليهم من الثنية حتى جئتهم وأصبحت

١٨٣
الوفد الثالث عشر: وفد دوس
أبي - وكان شيخًا كبيرًا- فقلت: إليك عني يا أبت، فلست مني ولست منك،
قال: ولم يا بني؟ قلت: قد أسلمت وتابعت دين محمد، قال: يا بني فديني دينك،
قال فقلت: فاذهب فاغتسل وطهر ثيابك ثم تعالى أعلمك ما علمت، قال فذهب
فاغتسل وطهر ثيابه ثم جاء فعرضت عليه الإسلام فأسلم.
ثم أتتني صاحبتي فقلت لها: إليك عني فلست منك ولست مني، قالت:
لم؟ قلت: فرق الإسلام بيني وبينك، أسلمت وتابعت محمدًا، فقالت: فديني
دينك فأسلمت.
ثم دعوت دوسًا إلى الإسلام، فأبطؤوا علي فجئت رسول الله عَّه فقلت:
فيهم، فلما جئت أتاني أبي، وكان شيخًا كبيرًا، فقلت: إليك عني يا أبت، فلست مني
ولست منك، قال: ولِمَ يا بني؟ قلت: قد أسلمت وتابعت دين محمد، قال: يا بني فديني
دينك، قال: فقلت: فاذهب فاغتسل وطهر ثيابك،) وليس فيه رضاه ببقائه كافرًا حتى يعود، لأن
قوله: فدينك إيمان ديني عند كثير، وإن لم ينطق بالشهادتين، (ثم تعالَ أعلمك ما علمت، قال:
فذهب فاغتسل وطهر ثيابه، ثم جاء فعرضت عليه الإسلام فأسلم،) فنطق بالشهادتين، وأظهر له
ما يدخل به في الإسلام ظاهرًا، ويترتب عليه أحكامه، فلا يرد أنه أسلم أوّلاً بقوله فديني دينك،
وقد ترجم له في الإصابة في القسم الأوّل عمرو بن طريف، والد أبي الطفيل، وذكر من القصة
قول الطفيل له، وإسلامه ناسبًا لابن إسحق، ولم يذكر أنه وفده واجتمع بالنبي عَّله، فلعله وقف
عليه، وإلاّ فهو مخضرم.
وعند أبي الفرج في الأغاني من طريق الكلبي: فدعا أبويه إلى الإسلام، فأسلم أبوه، ولم
تسلم أمه، ودعا قومه، فأجابه أبو هريرة وحده، (ثم أتتنى صاحبتي،) يعني: زوجته.
قال في النور: لا أعرف إسمها، (فقلت لها: إليك عني، فلست منك ولست مني، قالت:
ولِمَ؟ قلت: فرق الإسلام بيني وبينك، أسلمت وتابعت محمدًا، فقالت: فديني دينك،) أسقط
من الرواية في ابن إسحق، فقلت: فاذهبي إلى حنى ذي الشرى.
قال ابن هشام: ويقال حمى ذي الشری فتطهري منه، قال: وكان ذو الشرى صنمًا لدوس،
حموا له ماء يهبط من جبل، فقالت: بأبي أنت وأمي أتخشى على الصبية من ذي الشرى شيئًا،
قلت: لا أنا ضامن ذلك، قال: فذهبت فاغتسلت، ثم جاءت فعرضت عليه الإسلام، (فأسلمت).
وفي الروض: حنى بالنون عند ابن إسحق، والميم عند ابن هشام، موضع حموه لصنمهم،
فإن صحة رواية النون، فالنون قد تبدل من الميم، (ثم دعوت دوسًا إلى الإسلام فأبطؤوا عليَّ،)

١٨٤
الوفد الثالث عشر: وفد دوس
يا نبي الله إنه قد غلبني على دوس الزنا، فادع الله عليهم، فقال: اللَّهم اهد دوسًا،
ثم قال ارجع إلى قومك فادعهم إلى الله وارفق بهم، فرجعت إليهم فلم أزل بأرض
دوس أدعوهم إلى الله، ثم قدمت على رسول الله عَّةٍ بخيبر، فنزلت المدينة
بسبعین أو ثمانین بیتًا من دوس.
وعند الطبراني: فأجابه أبو هريرة وحده، (فجئت رسول اللَّه عَّ) بمكة، كما في نفس رواية
ابن إسحق، (فقلت: يا نبي الله إنه قد غلبني على دوس الزنا،) أي: حبهم له، وعلمهم أنهم إن
أسلموا منعوا منه، وفي البخاري عن أبي هريرة: جاء الطفيل بن عمرو إلى النبي عَ له، فقال: إن
دوسًا قد هلكت، عصت وأبت، (فادع اللَّه عليهم، فقال: ((اللهم اهدِ دوسًا)»») زاد البخاري:
وائت بهم.
قال الحافظ في الفتح: وقع مصداق ذلك، فذكر ابن الكلبي أن جندب بن عمرو بن
حممة الدوسي كان حاكمًا على دوس، وكذا كان أبوه من قبله، وكان جندب يقول: إني لأعلم
أن للخلق خالقًا، لكني لا أدري من هو، فلما سمع بالنبي عَّه خرج إليه، ومعه خمسة وسبعون
رجلاً من قومه، فأسلم وأسلموا انتهى، وجندب، بجيم، فنون، فدال، فموحدة.
ذكره في الإصابة في حرف الجيم، فقال: قتل بأجنادين، ولا يعرف له حديث، وذكر فيها
أيضًا عمرو بن حممة. بضم المهملة، وفتح الميم الخفيفة، بعدها مثلها الدوسي.
ذكر ابن دريد: أنه وفد على النبي عَّيه والذي ذكره غيره أنه مات في الجاهلية.
قال المرزباني: كان أحد حكام العرب في الجاهلية، وأحد المعمرين، يقال: إنه عاش
ثلاثمائة وتسعين سنة، وهو القائل:
سليم أفاعي ليلة غير مودع
كبرت وطال العمر مني كأنني
أخبر أخبار القرون التي مضت ولا بد يومًا أن يطار لمصرعي
وما السقم أبلاني ولكن تتابعت على سنون من مصيف ومربع
ثلاث معين من سنين كوامل وها أنا هذا أرتجي مر أربع
فأصبحت بين الفخ والعش نادبا إذا رام طيارًا يقال له قع
(ثم قال: ارجع إلى قومك، فادعهم إلى اللّه، وارفق بهم،) إذ الرفق لا يكون في شيء إلاّ
زانه، ولا نزع من شيء إلاّ شانه، (فرجعت إليهم، فلم أزل بأرض دوس، أدعوهم إلى اللّه) حتى
هاجر النبي عَّه إلى المدينة، ومضت بدر وأحد والخندق، كما هو قوله في ابن إسحق، وعقبه
بقوله: (ثم قدمت على رسول اللَّه عَ ◌ّه)) حال كونه (بخيبر،) أو خبر مبتدأ، أي: وهو بخيبر،
وليس ظرفًا لغوًا متعلقًا بقدمت، لأن قدومهم كان إلى المدينة، ظانين أنه بها، كما أفاده بقوله:

١٨٥
الوفد الثالث عشر: وفد دوس
ثم لحقنا برسول الله عَ لّه بخيبر فأسهم لنا مع المسلمين.
وهذا يدل على تقدم إسلامه، وقد جزم ابن أبي حاتم بأنه قدم مع أبي هريرة
بخيبر، وكأنها قدمته الثانية.
(فنزلت المدينة بسبعين، أو ثمانين بيتًا من دوس،) أي: جماعة يجمعهم نسب واحد، فلا ينافي
أنهم أربعمائة، (ثم لحقنا برسول اللَّه عَّه بخيبر،) وللطبراني بسند ضعيف أنهم أربعمائة، فلما
رآهم النبي عَّهِ، قال: مرحبًا بأحسن الناس وجوهًا، وأطيبهم أفواهًا، أي: كلامًا، وأعظمهم أمانة.
وروى البخاري في التاريخ وابن خزيمة والطحاوي والبيهقي، وعن أبي هريرة: قدمنا
المدينة، ونحن ثمانون بيتًا من دوس، فصلينا الصبح خلف سباع بن عرفطة الغفاري، فقرأ في
الركعة الأولى بسورة مريم، وفي الأخيرة بويل للمطففين، فلما قرأ: ﴿إذا اكتالوا على الناس
يستوفون﴾ [المطففين: ٢]، قلت: تركت عمي له مكيالان، إذا إكتال، إكتال بالأوفى، وإذا
كال، كال بالناقص، فلما فرغنا من صلاتنا قال قائل: رسول اللَّه عَِّ بخيبر، وهو قادم عليكم،
فقلت: لا أسمع به في مكان أبدًا إلا جئته، فزودنا سباع، وجئنا خيبر، فنجده قد فتح النطاة، وهو
محاصر الكتيبة، فأقمنا حتى فتح اللَّه علينا، (فأسهم لنا مع المسلمين).
وفي رواية من حديث أبي هريرة: قدمنا على رسول اللَّه عَّهِ، وقد فتح خيبر، فكلم
المسلمين، فأشركنا في سهمانهم، (وهذا) المذكور من حديث الطفيل، (يدل على تقدم
إسلامه) بمكة قبل الهجرة دلالة صريحة، (وقد جزم ابن أبي حاتم، بأنه قدم مع أبي هريرة بخيبر،
وكأنها) كما قال الحافظ (قدمته الثانية) مع الوفد، فلا يخالف صريح حديثه، والمراد بالثانية
باعتبار مكة والمدينة، فلا ينافي أنه قدم مكة مرتين، فتكون ثالثة، وقد قدم جميع الوفد مسلمين،
بدليل صلاة الصبح خلف سباع، والإسهام لهم، إذ لو لم يسلموا ما أسهم لهم، وقد رجع شيخنا
ضمير إسلامه للوفد، والإشارة بهذا للإسهام، وهو واضح في نفسه، لكنه ليس مراد المصنف،
وإنما مراده كالحافظ الاستدلال على خلاف ما جزم به ابن أبي حاتم، كما أفصح بذلك في الفتح
والإصابة، وبقية حديث الطفيل عن ابن إسحق: ثم لم يزل معه عٍَّ حتى إذا فتح اللَّه عليه مكة،
قلت: يا رسول الله ابعثني إلى صنم عمرو بن حممة حتى أحرقه، فبعثه فأحرقه وهدمه، ثم رجع،
فأوقد النار عليه، وهو يقول:
يا ذا الكفين لست من عبادكا ميلادنا أقدم من ميلادكا
إني حشوت النار في فؤادكا
ثم رجع، فكان مع المصطفى حتى قبض، فلما ارتدت العرب، خرج مع المسلمين حتى
فرغوا من طليحة ومن أرض نجد كلها، ثم سار إلى اليمامة، ومعه ابنه عمرو، فرأى رؤيا وهو

١٨٦
الوفد الرابع عشر: وفد نصارى نجران
الوفد الرابع عشر:
وقدم عليه عَّهِ وفد نصارى نجران، فلما دخلوا المسجد النبوي بعد العصر
حانت
متوجه إلى اليمامة، فقال لأصحابه: إني قد رأيت رؤيا، فاعبروها لي، إني رأيت أن رأسي، قد
حلق، وأنه خرج من فمي طائر، ولقيتني امرأة، فأدخلتني في فرجها، وأن ابني يطلبني طلبًا حثيثًا،
ثم رأيته حبس عني، قالوا: خيرًا، قال: أما أنا واللَّه، فقد أوّلتها، قالوا: بماذا؟ قال: أما حلق رأسي
فوضعه، وأما الطائر الذي خرج من فمي فروحي، وأما المرأة التي أدخلتني في فرجها، فالأرض
تحفر لي فأغيب فيها، وأما طلب ابني إياي، ثم حبسه عني، فإني أراه سيجهد أن يصيبه
ما أصابني، فقتل شهيدًا باليمامة، ومجرح ابنه جراحة شديدة، ثم استفل منها، ثم استشهد عام
اليرموك زمن عمر انتهى.
وبقتل الطفيل يوم اليمامة، جزم ابن سعد أيضًا، ومن قبله ابن الكلبي، وقيل: باليرموك، قاله
ابن حبان، وقيل: بأجنادين، قاله موسى بن عقبة عن ابن شهاب، وأبو الأسود عن عروة، ويأتي في
ترجمة عمرو بن الطفيل، أنه الذي استشهد باليرموك، قاله في الإصابة.
وعند ابن سعد: أن عمرو بن الطفيل قطعت يده أيضًا، زيادة على الجراحة الشديدة يوم
اليمامة، ثم صح، فبينا هو مع عمر إذا أتى بطعام، فتنحى، فقال لملك: لعله لمكان يدك، قال:
أجل، قال: والله لا أذوقه حتى تسوطه بيدك، ففعل.
قال ابن أبي حاتم: لا أعلم، روى عن الطفيل شيء، وتعقبه الحافظ بأن البغوي أخرج من
حديث عبد ربه، عن الطفيل بن عمرو الدوسي، قال: أقرأني أبي بن كعب القرءان، فأهديت له
فرسًا .. الحديث، وقال غريب: وعبد ربه لم يسمع من الطفيل، واللَّه أعلم.
(الوفد الرابع عشر:)
(وقدم عليه عَّ وفد نصارى نجران). بفتح النون، وسكون الجيم. بلد كبير على سبع
مراحل من مكة إلى جهة اليمن، يشتمل على ثلاث وسبعين قرية، مسيرة يوم للراكب السريع،
كما في الفتح، سميت بنجران بن زيد بن يشجب بن يعرب، وهو أول من نزلها، والأخدود
المذكور في القرءان في قرية من قراها، وهي اليوم خراب، ليس فيها إلاَّ المسجد الذي أمر
عمر بن الخطاب ببنائه، وكانت نصارى نجران، غزاهم ذو نواس اليهودي من حمير، فأحرق في
الأخدود من لم يرتد، ثم الإضافة في وفد نصارى لامية حقيقة، أي: طائفة هي مقدمة نصارى،
أو بيانية، والمعنى إن الوفد هم نصارى نجران، والتقييد بالنصارى يحتمل التخصيص، كأن

١٨٧
الوفد الرابع عشر: وفد نصارى نجران
صلاتهم، فقاموا يصلون فيه، فأراد الناس منعهم فقال عليه الصلاة والسلام دعوهم،
فاستقبلوا المشرق فصلوا صلاتهم.
وكانوا ستين راكبًا، منهم أربعة وعشرون رجلاً من أشرافهم، والأربعة
والعشرون منهم ثلاثة نفر إليهم يؤول أمرهم؛ العاقب، أمير القوم، وذو رأيهم
وصاحب مشورتهم واسمه عبد المسيح. والسيد: صاحب رحلهم ومجتعهم، واسمه
الأيهم - بتحتية ساكنة - ويقال شرحبيل. وأبو حارثة بن علقمة أخو بكر بن وائل، ..
يكون بها مشركون ويهود، وإنه لبيان الواقع، (فلما دخلوا المسجد النبوي بعد العصر حانت
صلاتهم،) دخل وقتها، (فقاموا يصلون فيه،) لا يقال الصلاة حيثما كان الشخص من خصائص
هذه الأمة لحديث الصحيحين: أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد قبلي، وفيه، وجعلت لي الأرض
مسجدًا وطهورا.
قال الخطابي: وأما من قبله، فإنما أبيحت لهم الصلاة في أماكن مخصوصة، كالبيع
والصوامع، لأنا نقول إنما ذلك في الحضر، فأما السفر، فتباح لهم الصلاة في غيرها، وقد كان
عيسى يسيح في الأرض، ويصلي حيث أدركته الصلاة، (فأراد الناس منعهم،) لما فيه من إظهار
دينهم الباطل بحضرة المصطفى، وفي مسجده، (فقال عليه الصلاة والسلام: دعوهم) اتركوهم
تأليفًا لهم ورجاء إسلامهم، ولدخولهم بأمان، فأقرهم على كفرهم، ومنع من تعرض لهم، فليس
فيه إقرار على الباطل، (فاستقبلوا المشرق، فصلوا صلاتهم،) ومستقبل المشرق بالمدينة ليس
مستقبلاً للكعبة، ولا مستدبرها، كما حملوا عليه حديث الصحيحين: إذا أتى أحدكم بغائط، فلا
يستقبل القبلة، ولا يولها ظهره، شرقوا، أو غربوا، بخلاف نحو مصر، فمن شرق استقبلها، (وكانوا
ستين راكبًا، منهم أربعة وعشرون رجلاً من أشرافهم،) كما عند ابن إسحق، وسرد أسماءهم، وفي
رواية ابن سعد: أربعة عشر، ولا منافاة لإحتمال أن الأربعة عشر أعظم الأشراف، (والأربعة
والعشرون، منهم ثلاثة نفر) إضافة بيانية، إذ النفر من الثلاثة (إليهم يؤول أمرهم العاقب أمير
القوم، وذو رأيهم، وصاحب مشورتهم،) يشبه عطف السبب على المسبب، (واسمه
عبد المسيح،) والعاقب لقبه، (والسيد صاحب رحلهم،) أي: ارتحالهم، أي: صاحب معرفة
أماكنهم في الرحيل، لخبرته بالطرق، (ومجتمعهم) بالجر أو الرفع عطف على صاحب، أي:
مكان اجتماعهم عند آرائهم، فلا ينادي أن العاقب صاحب رأيهم، (واسمه الأيهم - بتحتية
ساكنة،) ثم هاء. بزنة جعفر، (ويقال: شرحبيل)،) اسمه بدل الأيهم، (وأبو حارثة بن علقمة) في
الفتح، وأبو الحرث علقمة، بإسقاط ابن (أخو بكر بن وائل،) المراد أنه من قبيلة بكر، المذكور لا
أخوه حقيقة، وهذا كثير في كلامهم كقوله:

١٨٨
الوفد الرابع عشر: وفد نصارى نجران
قد شرف فيهم ودرس كتبهم، وكانت ملوك الروم من أهل النصرانية قد شرفوه
ومؤّلوه، وكان يعرف أمر النبي عَّ وشأنه وصفته مما علمه من الكتب المتقدمة.
ولكن حمله جهله على الاستمرار في النصرانية، لما يرى من تعظيمه ووجاهته عن
أهلها.
فدعاهم النبي ◌َّةٍ إلى الإسلام، وتلا عليهم القرءان فامتنعوا، فقال: إن
أنكرتم ما أقول فهلم أباهِلكم.
أيا أخوينا عبد شمس ونوفلاً أعيذكما باللّه أن تحدثا حربا
(قد شرف فيهم، ودرس كتبهم،) عطف علة على معلول، (وكانت ملوك الروم من أهل
النصرانية، قد شرفوه ومؤَّلوه)،) أي: جعلوا له مالاً يتخذ قنية، لحبهم من تدين من العرب بدينهم،
(وكان يعرف أمر النبي عَّ، وشأنه، وصفته مما علمه من الكتب المتقدمة، لكن حمله جهله
على الإستمرار في النصرانية، لما يرى من تعظيمه، ووجاهته عن أهلها،) وسماه جاهلاً، وإن
كان عالمًا، تنزيلاً له منزلة الجاهل، لأنه لم يعمل بعلمه، فهو والجاهل سواء، أو لأن عناده حمله
على تأويلات باطلة لشبه واهية، فهي فاسدة، فصاحبها جاهل، والأحسن أن المراد بالجهل:
السفه والخطأ، فإنه يطلق عليهما لغة، (فدعاهم النبي عَ ◌ّ إلى الإسلام، وتلا عليهم القرءان،
فامتنعوا،) فلم يؤمنوا، (فقال: إن أنكرتم ما أقول،) بأن اعتقدتم بطلانه، فلا ينافي قوله فامتنعوا، أو
المعنى إن دمتم على إنكاركم وعنادكم ظلمًا وعدوانًا، (فهلم أباهلكم،) أي: ألاعنكم، بحيث
يلعن كل منا الكاذب، كما قال تعالى: ﴿ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين﴾ [آل عمران:
٦١].
قال البيضاوي: البهلة بالضم والفتح اللعنة، وأصله الترك من قولهم: بهلت الناقة، إذا تركتها
بلا صرار، وهو بصاد وراءين مهملات بينهما ألف.
قال الجوهري: صررت الناقة: شددت عليها الصرار، وهو خيط يشد فوق الخلف، لئلا
یرضعها ولدها.
روى البيهقي في الدلائل: أنه عَّلل كتب إلى أهل نجران قبل أن ينزل عليه طس سليمان:
بسم إله إبراهيم وإسحق، ويعقوب، من محمد النبي .. الحديث. وفيه: فأتوه، فسألهم، وسألوه،
فلم تزل به وبهم المسألة حتى قالوا: ما تقول في عيسى؟ قال: ما عندي فيه شيء يومي هذا،
فأقيموا حتى أخبركم، فأصبح الغد، وقد أنزل اللَّه: ﴿إن مثل عيسى عند اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٥٩]
الآية، إلى قوله: ﴿فنجعل لعنة الله على الكاذبين﴾ [آل عمران: ٦١].
وروى ابن أبي حاتم عن ابن عباس، قال: إن رهطًا من نجران قدموا على النبي، فيهم

١٨٩
الوفد الرابع عشر: وفد نصارى نجران
وفي البخاري من حديث حذيفة؛ جاء السيد والعاقب صاحبا نجران إلى
رسول الله عَّ يريدان أم يلاعناه - يعني يباهلاه - فقال أحدهما لصاحبه لا تفعل.
وعند أبي نعيم: أن القائل ذلك هو السيد، وعند غيره: بل الذي قال ذلك
هو العاقب، لأنه كان صاحب رأيهم، وفي زيادات يونس بن بكير في المغازي أن
الذي قال ذلك هو شرحبيل.
فوالله لئن كان نبيًّا فلاعنا - يعني: باهلناه - لا نفلح نحن ولا عقبنا من بعدنا
- زاد في روية ابن مسعود عند الحاكم أبدًا - ثم قالا: إنا نعطيك ما سألتنا، .
السيد والعاقب، فقالوا: ما شأنك تذكر صاحبنا؟ قال: من هو؟ قالوا: عيسى، تزعم أنه عبد الله،
فقال: ((أجل)، قالوا: فهل رأيت مثل عيسى، أو أنبئت به، ثم خرجوا من عنده، فجاءه جبريل،
فقال له: قل لهم إذا أتوك ﴿إن مثل عيسى عند اللَّه كمثل عادم﴾ [آل عمران: ٥٩] الآية، إلى
قوله: ﴿من الممترين﴾ [آل عمران: ٦٠] الآية.
(وفي البخاري من حديث حذيفة) بن اليمان: (جاء السيد والعاقب صاحبا نجران،) كأن
السيد كان له تصرف في نجران، وإن لم يكن بالإمارة، فأطلق عليهما صاحبيهما، لاشتراكهما
في مطلق التصرف، فلا ينافي ما مر أن الأمير هو العاقب، وأما أبو حارثة، فكأنه كان عندهم
يرجع إليه في إستعلام الأحكام، لا في التصرف، فلم يذكره (إلى رسول اللَّه عٍَّ يريدان أن
يلاعناه، يعني يباهلاه)،) تفسير من المصنف لقوله: يلاعناه لا من الحديث.
قال في الفتح: وذكر ابن إسحق بإسناد مرسل: أن ثمانين آية من أول سورة
آل عمران نزلت في ذلك، يشير إلى قوله تعالى: ﴿فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم) الآية،
(فقال أحدهما لصاحبه: لا تفعل، وعند أبي نعيم) في كتاب الصحابة: (أن القائل ذلك هو
السيد، وعند غيره: بل الذي قال ذلك هو العاقب، لأنه كان صاحب رأيهم، وفي زيادات
يونس بن بكير) الشيباني على سيرة شيخه ابن إسحق (في المغازي؛ أن الذي قال ذلك
شرحبيل،) وهو موافق لما عند أبي نعيم، بناء على أن السيد اسمه شرحبيل، كما مر،
وفصل المصنف بين أجزاء الحديث بهذه الجملة من فتح الباري، لبيان المبهم في قوله:
أحدهما، ثم عاد لتتميم حديث البخاري، (فوالله لئن كان نبيًا،) فهو مقول الأحد، (فلاعنا)
في رواية الكشميهني: فلاعننا، فإظهار النون، كما في الفتح، وليس في البخاري، فلاعناه
بضمير، (يعني باهلناه))) فسره بالأخفى دفعًا لتوهم أنها غير المباهلة، (لا نفلح نحن، ولا عقبنا
من بعدنا).

١٩٠
الوفد الرابع عشر: وفد نصارى نجران
وابعث معنا رجلاً أمينًا، ولا تبعث معنا إلا أمينًا، فقال: لأبعثن معكم رجلاً أمينًا
حق أمين. فاستشرف لها أصحاب رسول الله عَّ طلّه فقال: قم يا أبا عبيدة بن الجراح،
فلما قام قال عَّله: هذا أمين هذه الأمة.
(زاد في رواية ابن مسعود عند الحاكم) لفظة (أبدًا، ثم قالا: إنا نعطيك ما سألتنا) في رواية
ابن مسعود، فأتيا فقالا: لا نلاعنك، ولكنا نعطيك ما سألت، أي: في كتابك من الجزية، إن لم
يسلموا.
ففي رواية البيهقي أنه معَّ كتب إليهم، يدعوهم إلى الإسلام، فإن أبيتم فالجزية، فإن
أبيتم، فقد آذنتكم بحرب.
وفي رواية ابن أبي شيبة، وأبي نعيم، وغيرهما؛ أنه عَّهِ، قال: لقد أتاني البشير بهلكة أهل
نجران، لو تموا على الملاعنة، ولما غدا إليهم أخذ بيد حسن، وحسين، وفاطمة تمشي خلفه،
وعلي خلفها، وهو يقول: إذا أنا دعوت فأمنوا، فقال أسقفهم: إني لأرى وجوهًا، لو سألوا اللَّه أن
يزيل جبلاً من جباله لأزاله، فلا تباهلوا، فتهلكوا، ولا يبقى على وجه الأرض نصرانيٍ إلى يوم
القيامة، والله لقد عرفتم نبوَّته، ولقد جاءكم بالفصل في أمر صاحبكم، أي عيسى، فوالله ما باهل
قوم نبيًا إلاَّ هلكوا، فإن أبيتم إلاَّ دينكم، فوادعوا الرجل وانصرفوا، فقالوا: يا أبا القسم لا نلاعنك،
فقال: ((فأسلموا يكن لكم ما للمسلمين، وعليكم ما عليهم)، فأبوا، قال: ((فإني أنذركم))، قالوا:
ما لنا بحرب العرب طاقة، ولكنا نصالحك، فصالحهم، وقال: ((والذي نفسي بيده)) إن العذاب
تدلى على أهل نجران، ولو تلاعنوا لمسخوا قردة وخنازير، ولاضطرم عليهم الوادي نارًا،
ولاستأصل اللَّه نجران وأهله حتى الطير على الشجر، (وابعث معنا رجلاً أمينًا،) يأخذ ما تجعله
علينا، (ولا تبعث معنا إلاَّ أمينًا،) ذكره بعد سابقه، لأنه لا حصر فيه، فيصدق بما لو بعث مع
الأمين غيره، (فقال: ((لأبعثن معكم رجلاً أمينًا حق أمين))،) أي: بالغًا في الأمانة، ففيه توكيد،
والإضافة فيه نحو قولهم: إن زيد العالم، حق عالم، وجد عالم، أي: عالم حقًّا وجد، يعني عالم
يبالغ في العلم جدًا، ولا يترك في الجد المستطاع منه شيئًا، (فاستشرف لها،) أي: تطلع
(أصحاب رسول اللَّه عَ لَّه)) ورغبوا فيها، حرصًا على نيل صفة الأمانة البالغة، لا على الولاية من
حيث هي.
وفي رواية أبي يعلى عن ابن عمر: سمعت عمر يقول: ما أحببت الإمارة إلاَّ مرة واحدة،
فذكر هذه القصة، وقال في آخرها: فتعرضت أن تصيبني، (فقال: ((قم يا أبا عبيدة بن الجراح))،
فلما قام، قال عَّ: ((هذا أمين هذه الأمة))،) والأمين هو الثقة الرضي، وهذه الصفة، وإن كانت
مشتركة بينه وبين غيره، لكن السياق يشعر؛ بأن له مزيدًا في ذلك، لكن خص النبي عَّه كل
أحد من الكبار بفضيلة، وصفه بها، فأشعر بقدر زائد فيها على غيره، كالحياء لعثمن، والقضاء

١٩١
الوفد الخامس عشر: فروة بن عمرو الجذامي
وفي رواية يونس بن بكير: أنه صالحهم على ألفي حلة، ألف في رجب
وألف في صفر، ومع كل حلة أوقية، وساق الكتاب الذي بينهم مطولاً.
وذكر ابن سعد: أن السيد والعاقب رجعا بعد ذلك وأسلما.
وفي ذلك مشروعية مباهلة المخالف إذا أصر بعد ظهور الحجة. ووقع ذلك
لجماعة من العلماء سلفًا وخلفًا، ومما عرف بالتجربة أن من باهل وكان مبطلاً لا
تمضي عليه سنة من يوم المباهلة.
الوفد الخامس عشر:
منّ الله رسول فروة
وقدم عليه علينا
لعلي، ونحو ذلك، قاله الحافظ.
(وفي رواية يونس بن بكير: أنه صالحهم على ألفي حلة، ألف في رجب، وألف في
صفر، ومع كل حلة أوقية) من (وساق الكتاب الذي بينهم مطولاً،) وقد ذكره الشامي، وغيره.
(وذكر ابن سعد: أن السيد والعاقب رجعا بعد ذلك) إلى المدينة، (وأسلما،) كما هو بقية
كلام ابن سعد، كما في الفتح، وذكرهما معًا في الإصابة، فقال عن ابن سعد وابن المدائني:
أنهم رجعوا إلى بلادهم، فلم يلبث السيد والعاقب إلاَّ يسيرًا، حتى رجعا إلى النبي عَ ◌ّه فأسلما،
وأنزلهما دار أبي أيوب الأنصاري، (وفي ذلك مشروعية مباهلة المخالف إذا أصر بعد ظهور
الحجة) على المخالفة، (ووقع ذلك لجماعة من العلماء سلفًا وخلفًا).
زاد في الفتح: وقد دعا ابن عباس إلى ذلك، ثم الأوزاعي، (ومما عرف بالتجربة أن من
باهل، وكان مبطلاً، لا تمضي عليه سنة من يوم المباهلة).
قال الحافظ: ووقع لي ذلك مع شخص كان يتعصب لبعض الملاحدة، فلم يقم بعدها
غیر شهرين.
قال: وفي القصة أيضًا يعني من الفوائد أن إقرار الكافر بالنبوّة لا يدخله الإسلام حتى يلتزم
أحكامه، وجواز مجادلة أهل الكتاب، ومصالحتهم على ما يراه الإمام من أصناف المال، ويجري
ذلك مجرى ضرب الجزية، فإن كلا مال يؤخذ على وجه الصغار في كل عام، وفيها بعث الإمام
الرجل، العالم، الأمين إلى أهل الهدنة في مصلحة الإسلام، ومنقبة ظاهرة لأبي عبيدة.
وذكر ابن إسحق: أنه عَّلِّ بعث عليًا إلى أهل نجران ليأتيه بصدقاتهم وجزيتهم، وهذه غير
قصة أبي عبيدة، لأنه توجه معهم، فقبض مال الصلح ورجع، وعلي أرسله النبي عَّه بعد ذلك، فقبض
ما استحق عليهم من الجزية، ويأخذ ممن أسلم ما وجب عليه من الصدقة، والله أعلم، انتهى.
(الوفد الخامس عشر:)

١٩٢
الوفد السادس عشر: قدوم ضمام بن ثعلبة
ابن عمرو الجذامي ملك الروم - وكان منزله معان - بإسلامه، وأهدى له بغلة بيضاء،
ولما بلغ الروم ذلك من إسلامه طلبوه حتى أخذوه، فحبسوه ثم صلبوه على ماء
بفلسطين، وضربوا عنقه على ذلك الماء.
الوفد السادس عشر:
وقد عليه معَّ ضمام بن ثعلبة،
(وقدم عليه عَّ رسول فروة) بفتح الفاء (ابن عمرو) على الأشهر، وقيل: عامر
(الجذامي) . بضم الجيم، وبذال معجمة. نسبة إلى جذام قبيلة، واسم الرسول الذي أرسله
مسعود بن سعد الجذامي، أسلم وصحب (ملك الروم) فيه تحوّز، فقد قال ابن إسحق: إنه كان
عاملاً للروم على من يليه من العرب، والمصنف نفسه قدم قريبًا في المكاتبات؛ أنه كان عاملاً
لقيصر، (وكان منزله معان،) وما حولها من أرض الشام، كما عند ابن إسحق ومعان . بفتح الميم
وضمها، وصوَّب الفتح.
قال البكري: اسم جبل.
قال في الروض: والمعان أيضًا حيث تحبس الخيل والركاب، وبه جنس المعري، فقال:
معان من أحبتنا معـان تجيب الصاهلات بها القيان
وجوّز البرهان رفع منزل اسم كان، ونصب معان خبره وعكسه، (بإسلامه) صلة قوله: قدم
ذلك لما بعث إليه النبي عٍَّ أن يسلم، فأسلم، وكتب إليه بإسلامه، (وأهدى له بغلة بيضاء)
هي فضة، وفرسًا يقال لها الظرب، وحمارًا يقال له يعفور، وأثوابًا، وقباء مذهبًا، فقبل هديته،
وأعطى رسوله مسعودًا اثنتي عشرة أوقية فضة، كما تقدم، (ولما بلغ الروم) بالنصب مفعول فاعله
قوله (ذلك من إسلامه، طلبوه حتى أخذوه، فحبسوه، ثم صلبوه على ماء) . بالمد. لهم يقال له:
عفراء . بفتح المهملة، وإسكان الفاء، وبالراء ممدودة. (بفلسطين). بكسر الفاء، وفتحها، فلام
مفتوحة، فسين ساكنة، فطاء مكسورة مهملتين، فتحتية ساكنة، فنون، وهي الرملة وغزة بيت
المقدس، وما حولها، كما في النور، وعند ابن إسحق، فقال في ذلك:
ألا هل أتى سلمى بأن خليلها على ماء عفرًا فوق إحدى الرواحل
على ناقة لم يضرب الفحل أمها مشذبة أطرافها بالمناجل
ولما قدموه ليقتلوه قال:
بلغ سراة المسلمين بأنني سلم لربي أعظمي ومقامي
(وضربوا عنقه على ذلك الماء،) ولم ينقل أنه اجتمع بالنبي عَّهِ، كما في الإصابة.
(الوفد السادس عشر:)

١٩٣
الوفد السادس عشر: قدوم ضمان بن ثعلبة
بعثه بنو سعد بن بكر.
روى البخاري من حديث أنس بن ملك قال: بينما نحن جلوس مع
النبي عَّه في المسجد دخل رجل على جمل فأناخه في المسجد ثم عقله، ....
(وقدم عليه عَ ضمام). بمعجمة مكسورة، وخفة الميم الأولى المفتوحة. (ابن ثعلبة)
. بفتح المثلثة والموحدة، بينهما عين ساكنة ولام. السعدي، قال: البغوي كان يسكن الكوفة (بعثه
بنو سعد بن بكر) قومه ليجيب عما أرسل به المصطفى لهم، ويبصر فيما جاء به عليه الصلاة
والسلام في سنة تسع على الصواب، وبه جزم ابن إسحق، وأبو عبيدة وغيرهما، خلافًا لما زعم
الواقدي أنه سنة خمس، كما أفاده الحافظ، ولم يقل وفد لإنفراده لا يعد وافدًا عرفًا، وإن عد
لغة، بل حقه أن يقال له يريد، لأنه بمنزلة من يرسله الملك في مصلحة ليأتيه بالخبر، وادعى
ابن بطال، وعياض، وابن العربي، وغيرهم: أن ضمامًا هو المراد بقول طلحة بن عبيد اللّه جاء
رجل إلى رسول اللّه }. من أهل نجد، ثائر الرأس، نسمع دوي صوته، ولا نفقه ما یقول حتى
دنا، فإذا هو يسأل عن الإسلام، فقال عَّه: ((خمس صلوات في اليوم والليلة))، فقال: هل عليَّ
غيرها؟ قال: ((لا، إلا أن تطوّع))، قال: ((وصيام رمضان))، قال: هل عليَّ غيره؟ قال: ((لا، إلاَّ أن
تطوَّع وذكر له الزكاة))، فقال: هل عليَّ غيرها؟ قال: ((لا إلاَّ أن تطوَّع»، قال: فأدبر الرجل، وهو
يقول: واللَّه لا أزيد على هذا، ولا أنقص، قال عَِّ: ((أفلح إن صدق)).
رواه الشيخان من طريق ملك عن عمه، عن أبيه، عن طلحة.
وقال القرطبي في المفهم: وتبعه شيخنا شيخ الإسلام سراج الدين البلقيني، الظاهر أنه غيره
لإختلاف السياقين، وهو كما قال ذكره الحافظ في المقدمة.
وقال في الفتح: جزم ابن بطال وآخرون بأنه ضمام، والحامل لهم على ذلك إيراد مسلم
*قصته عقب حديث طلحة، وإن في كل منهما أنه بدوي، وأن كلاً منهما؛ قال في آخر حديثه:
لا أزيد على هذا، ولا أنقص، لكن تعقبه القرطبي؛ بأن سياقهما مختلف، وأسئلتهما متباينة، قال:
ودعوى أنها قصة واحدة، دعوى فرط، وتكلف شطط من غير ضرورة، انتهى المراد منه.
(روى البخاري)، وكذا مسلم (من حديث أنس بن ملك، قال: بينما) بلا ميم. وفي رواية
بينما بالميم، (نحن جلوس مع النبي ◌َّ في المسجد) النبوي، (دخل رجل) جواب بينا
وللأصيلي إذ دخل، لكن الأصمعي لا يستفصح، إذ وإذا في جواب بينا (على جمل فأناخه في
المسجد، ثم عقله). بتخفيف القاف، أي: شد على ساقه بعد أن ثنى ركبتيه حبلاً، واستنبط منه
ابن بطال وغيره، طهارة أبوال الإبل وأروائها، إذ لا يؤمن منه ذلك في المسجد، ولم ينكره عدّله.
قال الحافظ: ودلالته غير واضحة، وإنما فيه مجرد احتمال، ويدفعه رواية أبي نعيم: أقبل

١٩٤
الوفد السادس عشر: قدوم ضمام بن ثعلبة
ثم قال: أيكم محمد؟ والنبي عَّه متكىء بين ظهرانيهم، فقلنا: هذا الرجل الأبيض
المتكىء، فقال له الرجل: ابن عبد المطلب؟
على بعير له حتى أتى المسجد، فأناخه، ثم عقله، فدخل المسجد، وأصرح منه رواية ابن عباس
عند أحمد والحاكم، ولفظه: فأناخ بعيره على باب المسجد، فعقله، ثم دخل، فعلى هذا، ففي
رواية أنس مجاز الحذف، والتقدير، فأناخه في ساحة المسجد، أو نحو ذلك انتهى، وفيه: أن
ساحة المسجد رحبته، كما في اللغة، ومذهب الشافعي أن الرحبة من المسجد، وهي ما بني
لأجله، فتستحب فيها التحية، ويجوز الإعتكاف، فتم الاستنباط، (ثم قال: أيكم) استفهام مرفوع،
مبتدأ خبره (محمد!) أو أيكم خبر قدم، لأن الاستفهام له الصدر، (والنبي عَّه متكىء)
. بالهمز، مستو على وطاء، والجملة إسمية وقعت حالاً، قاله المصنف، وتفسيره بهذا هو الظاهر
هنا، وإن أطلق الاتكاء أيضًا على الميل، على أحد الشقين، والتمكن من القعود بالتربع والاعتماد
على اليد اليسرى، كما يأتي بسطه للمصنف.
قال الحافظ: فيه جواز إتكاء الإمام بين أتباعه، وفيه ما كان عليه النبي عَّه من ترك التكبر
لقوله: (بين ظهرانيهم) بفتح النون، أي: بينهم، وزيد لفظ ظهر، ليدل على أن ظهرًا منهم
قدامه، وظهرًا وراءه، فهو محفوف بهم من جانبيه، والألف والنون فيه للتأكيد، قاله صاحب
الفائق.
وقال الدماميني: زيدت الألف والنون على ظهر عند التثنية للتأكيد، ثم كثر حتى استعمل
في الإقامة بين القوم مطلقًا.
قال المصنف: فهو مما أريد بلفظة التثنية فيه معنى الجمع، واستشكل ثبوت النون مع
الإضافة، وأجيب بأنه ملحق بالمثنى، لا أنه مثنى ثنى، وحذفت منه نون التثنية، وصار ظهرانيهم،
(فقلنا: هذا الرجل الأبيض المتكىء).
قال الحافظ: أي: المشرب بحمرة، كما في رواية الحرث بن عمير الأمغر. بالغين
المعجمة. قال حمزة بن الحرث: هو الأبيض المشرب بحمرة، ويؤيده ما يأتي في صفته عَّه أنه
لم يكن أبيض، ولا أدم، أي: لم يكن أبيض صرفًا، (فقال له) للنبي عَّه (الرجل) الداخل (ابن
عبد المطلب) . بكسر الهمزة وفتح النون، كما في فرع اليونينية والذي رأيته في اليونينية، بهمزة
وصل.
قال شيخنا: ولا تنافي بينهما فما في الأصل وصل كلمة بالرجل، وما في الفرع وقف
على الرجل، وابتدأ بابن إشارة إلى أنه مقول القول، فالهمزة مكسورة.
وفي الفتح للحافظ: بفتح النون على النداء، وفي رواية الكشميهني: يا ابن بإثبات حرف

١٩٥
الوفد السادس عشر: قدوم ضمام بن ثعلبة
فقال له النبي عٍَّ: قد أجبتك.
فقال: إني سائلك فمشدد عليك في المسألة فلا تجد علي في نفسك.
فقال: سل عما بدا لك. فقال: أسألك بربك ورب من قبلك، آلله
٠ ٠
النداء انتهى.
وقال الزركشي: بفتح الهمزة للنداء ونصب النون، لأنه مضاف لا على الخبر، ولا
الاستفهام لقوله: قد أجبتك، وفي رواية: يا ابن عبد المطلب، ورده الدماميني، بأنه لا دليل في
شيء مما ذكر على تعين فتح الهمزة، فإن ثبت رواية، وإلاَّ فلا مانع أن همزة الوصل التي في ابن
سقطت للمدرج، وحرف النداء محذوف، وهو في مثله قياس مطرد باتفاق، (فقال له النبي عَّه:
قد ((أجبتك)،) أي: سمعتك، أو المراد إنشاء الإجابة، أو نزل تقريره للصحابة في الإعلام عنه
منزلة النطق، وهذا لائق بمراد البخاري، وقيل: لم يقل له نعم، لأنه لم يخاطبه بما يليق بمنزلته من
التعظيم، لا سيما مع قوله تعالى: ﴿لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم کدعاء بعضكم بعضًا﴾ [النور:
٦٣] الآية، والعذر عنه إن قلنا: قدم مسلمًا إنه لم يبلغه النهي، وكانت فيه بقية من جفاء
الأعراب، وقد ظهر ذلك بعد في قوله: فمشدد عليك، (فقال: إني سائلك) وللأصيلي
وابن عساكر، فقال الرجل: إليَّ سائلك، (فمشدد) بكسر الدال الأولى المثقلة، والفاء عاطفة على
سائلك. (عليك في المسألة فلا تجد) . بكسر الجيم، والجزم على النهي من الموجدة، أي:
لا تغضب (عليَّ في نفسك).
قال الحافظ: ومادة وجد متحدة الماضي والمضارع، مختلفة المصادر بحسب اختلاف
المعاني، ففي الغضب موجدة، والمطلوب وجودًا والضالة وجدانًا، والحب وجدًا . بالفتح،
والمال وجدًا . بالضم، والغني جدة. بكسر الجيم، وخفة الدال مفتوحة. على الأشهر في جميع
ذلك، وفي المكتوب وجادة وهي مولدة، (فقال: سل عما بدا،) ظهر (لك، فقال: أسألك بربك،)
أي: بحق ربك (ورب من قبلك))) زاد مسلم: ومن رفع السماء، وبسط الأرض، وغير ذلك من
المصنوعات، ثم أقسم عليه به أن يصدقه عما يسأل عنه، وكرر القسم في كل مسألة، تأكيدًا
وتقريرًا للأمر، ثم صرح بالتصديق، فكل ذلك دليل على حسن تصرفه، وتمكن عقله، ولهذا قال
عمر: ما رأيت أحدًا أحسن مسألة، ولا أوجز من ضمام، وقد وقع عند مسلم عن أنس: كنا نهينا
في القرءان أن نسأل رسول اللَّه عَّهُ عن شيء، فكان يعجبنا أن يجيء الرجل من أهل البادية،
العاقل فيسأله ونحن نسمع.
زاد أبو عوانة: وكانوا أجراء على ذلك منا، يعني أن الصحابة واقفون عند النهي، وأولئك
يعذرون بالجهل، وتمنوه عاقلاً ليكون عارفًا بما يسأل عنه، وظهر عقل ضمام في تقديمه الاعتذار

١٩٦
الوفد السادس عشر: قدوم ضمام بن ثعلبة
أرسلك إلى الناس كلهم؟ فقال: اللَّهم نعم. فقال: أنشدك بالله، آلله أمرك أن تصلي
الصلوات الخمس في اليوم والليلة؟ قال: اللَّهم نعم. فقال: أنشدك بالله، آلله أمرك
أن تصوم هذا الشهر في السنة؟ قال: اللَّهم نعم. فقال: أنشدك بالله، آلله أمرك أن
تأخذ هذه الصدقة من أغنيائنا فتقسمها على فقرائنا.
فقال النبي عَِّ: اللَّهم نعم.
بين يدي مسألته، لظنه أنه لا يصل إلى مقصوده إلاَّ بتلك المخاطبة، قاله الحافظ: (آللَّه). بهمزة
الاستفهام الممدودة في المواضع كلها مبتدأ خبره، (أرسلك إلى الناس كلهم، فقال: اللهم،)
أي: يا اللَّه (نعم،) فالميم بدل من حرف النداء، وذكر للتبرك، وإلاّ، فالجواب حصل بنعم.
قال الحافظ: وكأنه استشهد في ذلك باللّه تأكيد الصدقة، وفي رواية أبي عوانة، فقال:
صدقت، قال: فمن خلق السماء؟ قال: ((اللَّه))، قال: فمن خلق الأرض والجبال؟ قال: (اللَّه))، قال:
فمن جعل فيها المنافع؟ قال: ((اللَّه)، قال: فبالذي خلق السماء والأرض، ونصب الجبال، وجعل
فيها المنافع اللَّه أرسلك؟ قال: ((نعم)؛ وكذا هو في رواية مسلم، (فقال: أنشدك) . بفتح الهمزة
وضم المعجمة. أسألك (بالله،) وأصله من النشد، وهو رفع الصوت والمعنى: سألتك رافعًا
نشيدتي، قاله البغوي في شرح السنة.
وقال الجوهري: نشدتك باللّه، أي: سألتك، كأنك ذكرته فنشد، أي: تذكر (آللَّه أمرك أن
تصلي) . بتاء الخطاب فيه وفيما بعده، وللأصيلي بالنون فيهما.
قال عياض: وهو أوجه ويؤيده رواية مسلم بلفظ: إن علينا خمس صلوات في يومنا وليلتنا،
وساق البقية كذلك، ووجه الأول أن كل ما وجب عليه وجب على أمته، حتى يقوم دليل على
الاختصاص (الصلوات الخمس،) وللكشميهني والسرخسي الصلاة بالإفراد على إرادة الجنس
(في اليوم والليلة، قال: اللهم نعم، قال: أنشدك باللَّه، اللَّه أمرك أن تصوم) . بتاء الخطاب
وبالنون. (هذا الشهر في السنة؟) أي: رمضان في كل سنة، فاللام فيهما للعهد والإشارة لنوعه لا
لعينه، (قال: ((اللهم نعم))، قال: أنشدك بالله، آللَّه أمرك أن تأخذ). بتاء الخطاب، أي: بأن تأخذ
(هذه الصدقة) المعهودة، وهي الزكاة (من أغنيائنا، فتقسمها) . بتاء الخطاب المفتوحة، والنصب
عطفًا على تأخذ. (على فقرائنا؟) خرج مخرج الأغلب، لأنهم معظم أهلها، (فقال النبي عَ ل:
«اللهم نعم»).
قال ابن التين: فيه دليل على أن المرء لا يفرق صدقته بنفسه، وفيه نظر، ولم يذكر الحج
في هذه الرواية، وقد أخرج مسلم، وأبو عوانة في روايتهما عن أنس بلفظ: وإن علينا حج البيت
من استطاع إليه سبيلاً، قال: صدق، وهو في حديث أبي هريرة، وابن عباس أيضًا عند مسلم،

١٩٧
الوفد السادس عشر: قدوم ضمام بن ثعلبة
فقال الرجل: آمن بما جئت به وأنا رسول من ورائي من قومي وأنا ضمام بن
ثعلبة، أخو بني سعد بن بكر.
وأغرب ابن التين، فقال: لم يذكره، لأنه لم يكن فرض، وكان الحامل له على ذلك ما جزم به
الواقدي، ومحمد بن حبيب؛ أن قدوم ضمام كان سنة خمس، فيكون قبل فرض الحج، لكنه
غلط من أوجه:
أحدها: أن في رواية مسلم: أنه كان بعد نزول النهي في القرءان عن سؤال الرسول، وآية
النهي في المائدة ونزولها متأخر جدًا.
ثانيها: أن إرسال الرسل للدعاء إلى الإسلام إنما كان ابتداؤه بعد الحديبية، ومعظمه بعد
الفتح.
ثالثها: أن في القصة أن قومه أوفدوه، وإنما كان معظم الوفود بعد فتح مكة.
رابعها: أن في حديث ابن عباس أن قومه أطاعوه، ودخلوا في الإسلام بعد رجوعه إليهم، ولم
تدخل بنو سعد ابن بكر، وهو ابن هوازن في الإسلام إلا بعد وقعة حنين، وكانت في شؤَّال سنة
ثمان، فالصواب أن قدوم ضمام كان في سنة تسع، وبه جزم ابن إسحق، وأبو عبيدة وغيرهما، ويدل
له رواية أحمد، والحاكم عن ابن عباس: بعثت بنو سعد ضمامًا وافدًا إلى النبي عَِّ، فقدم علينا،
لأن ابن عباس إنما قدم المدينة بعد الفتح، وغفل البدر الزركشي، فقال: لم يذكر الحج، لأنه كان
معلومًا عندهم في شريعة إبراهيم، وكأنه لم يراجع صحيح مسلم فضلاً عن غيره.
(فقال الرجل: آمنت بما جئت به،) يحتمل أن يكون إخبارًا، وهو اختيار البخاري، ورجحه
عياض، وأنه حضر بعد إسلامه مستثبتًا منه ما أخبر به رسوله إليهم، لقوله عند مسلم: إن رسولك
زعم، وفي حديث ابن عباس عند الطبراني: أتتنا كتبك وأتتنا رسلك، واستنبط منه الحاكم أصل
صلب علو الإسناد، لأنه سمع ذلك من الرسول وآمن وصدق، ولكنه أراد أن يسمع ذلك من
رسول اللَّه عَ ◌ِّ مشافهة، ويحتمل أن قوله: آمنت إنشاء، ورجحه القرطبي، قال: والزعم القول
الذي لا يوثق به، قاله ابن السكيت وغيره وفيه نظر، لأنه يطلق على القول المحقق أيضًا، كما
نقله أبو عمرو الزاهد في شرح فصيح شيخه ثعلب، وأكثر سيبويه من قوله زعم الخليل في مقام
الاحتجاج، وأما تبويب أبي داود عليه باب المشرك يدخل المسجد، فليس مصيرًا منه إلى أن
ضمامًا قدم مشركًا، بل وجهه أنهم تركوا شخصًا قادمًا يدخل المسجد من غير استفسار، ومما
يؤيد أنه إخبار أنه لم يسأل عن دليل التوحد، بل عن عموم الرسالة، وعن شرائع الإسلام، ولو
كان إنشاء لطلب معجزة توجب التصديق، قاله الكرماني، وعكسه القرطبي، فاستدل به على
صحة إيمان المقلد للرسول، ولم لم تظهر له معجزة، وكذا أشار إليه ابن الصلاح، (وأنا رسول)
يإضافته إلى (من). بفتح الميم موصولة، (ورائي من) . بكسر الميم. (قوميء) ويجوز تنوين رسول

١٩٨
الوفد السادس عشر: قدوم ضمام بن ثعلبة
وزاد ابن إسحق في مغازيه:
فقال: آلله أمرك أن نعبده ولا نشرك به شيئًا وأن نخلع هذه الأنداد التي
كان آباؤنا يعبدون؟
فقال ◌َله: اللَّهم نعم.
قال: وكان ضمام رجلاً جلدًا ذا غديرتين، ثم أتى بعيره فأطلق عقله ثم
خرج حتى أتى قومه فاجتمعوا إليه، وكان أول ما تكلم به أن قال: بئست اللاتي
والعزى فقالوا: مه يا ضمام اتق البرص والجنون والجذام، قال: ويلكم، إنهما لا
يضران ولا ينفعان. إن الله قد بعث رسولاً قد بعث رسولاً وأنزل عليه كتابًا
وكسر الميم، لكن لم تأت به الرواية، (وأنا ضمام بن ثعلبة، أخو بني سعد بن بكر).
زاد مسلم: والذي بعثك بالحق لا أزيد عليهن، ولا أنقص، فقال النبي عَّ له: ((لئن صدق
ليدخلن الجنة))، وفي حديث أبي هريرة: فأما هذه الهناة، يعني الفواحش، فوالله إنا كنا لنتنزه عنها
في الجاهلية، فلما أن ولى، قال عَّ: فقه الرجل، (وزاد ابن إسحق في مغازيه،) فإنه روى
الحديث فيها عن ابن عباس، (فقال:) بعد قوله: اللَّه أرسلك إلينا رسولاً، قال: ((اللهم نعم))، قال:
فأنشدك اللَّه إلهك وإله من كان قبلك، وإله من هو كائن بعدك، (آللَّه أمرك) أن تأمرنا (أن نعبده)
وحده، (ولا نشرك به شيئًا، وأن نخلع هذه الأنداد التي كان آباؤنا يعبدون) معه، (فقال عَّهِ:
«اللهم نعم))،) فذكر الحديث.
قال: فلما فرغ، قال: إني أشهد أن لا إله إلاَّ اللَّه، وأشهد أن محمدًا رسول اللَّه، وسأؤدي
هذه الفرائض، وأجتنب ما نهيتني عنه، ثم لا أزيد، ولا أنقص، ثم انصرف، فقال عَّ: ((إن صدق
دخل الجنة)).
(قال) ابن عباس في صدر الحديث: (وكان ضمام رجلاً جددًا) . بجيم مفتوحة فدال
مهملة. صلبًا شديدًا، (إذ غديرتين). بفتح المعجمة، وكسر المهملة، وإسكان التحتية، أي:
ذؤابتين تثنية غدير، والجمع غدائر، وقال في آخر الحديث: (ثم أتى بعيره، فأطلق عقله، ثم خرج
حتى أتى قومه، فاجتمعوا إليه، وكان) كذا في النسخ بالواو، والرواية في ابن إسحق، فكان
بالفاء)، (أول ما تكلم به) برفع أول اسم كان والخبر، (إن قال،) أي: قوله ويجوز عكسه، (بئست
اللاتى والعزى، فقالوا: مه،) انكفف عن هذا القول (يا ضمام! اتق البرص والجنون والجذام،)
أي: احذر سبهما، فإنه موجب لذلك، (قال: ويلكم إنهما) واللَّه، كما في الرواية (لا يضران، ولا
ينفعان،) إذ هما جماد لا يعقل، ولذا عبر بويل إشارة إلى استحقاقهم الوقوع في الهلاك، إذ لو
تأملوا بعقولهم ما عبدوا الجماد، (إن اللَّه قد بعث رسولاً، وأنزل عليه كتابًا استنقذكم به) مما

١٩٩
الوفد السابع عشر: وفد طارق بن عبد الله وقومه
استنقذكم به، وإني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإني قد جئتكم
من عنده بما أمركم به ونهاكم عنه، فوالله ما أمسى في ذلك اليوم في حاضره
رجل ولا امرأة إلا مسلمًا.
قال ابن عباس: فما سمعنا بوافد قوم كان أفضل من ضمام بن ثعلبة.
وفد طارق بن عبد الله وقومه روى البيهقي عن جامع بن شداد قال: حدثني رجل
يقال له طارق بن عبد الله قال: إني لقائم بسوق ذي المجاز إذ أقبل رجل وهو
عيقول: أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا، ورجع يتبعه
قيرميه ...
...
كنتم فيه، كما في الرواية، وضمير به يحتمل عوده لكتابًا، لأنه أقرب مذكور، ويحتمل للمذكور
من الرسول والكتاب، (وإني أشهد أن لا إله إلاَّ اللَّه، وأشهد أن محمدًا رسول اللَّه، وإني قد
جئتكم من عنده بما أمركم به،) أي: طلبه منكم من الأحكام، (ونهاكم عنه) منها، لأنكم من
جملة المكلفين، (فوالله ما أمسى في ذلك اليوم في حاضره،) أي: مكان إقامته (رجل، ولا
امرأة إلا مسلمًا).
(قال ابن عباس): راوي الحديث: (فما سمعنا بوافد قوم، كان أفضل من ضمام بن ثعلبة)
رضي الله عنه، وتقدم قول عمر: ما رأيت أحسن مسألة، ولا أوجز من ضمام، وحسبه هذا الثناء
من عمر، وابن عباس مع شهادة المصطفى له بالفقه، حيث قال: ((فقه الرجل))، كما مر، ولم
یذ کروا تاریخ وفاته.
(الوفد السابع عشر:)
(وفد طارق بن عبد الله) المحاربي، من محارب خصفة. بفتح المعجمة، والمهملة والفاء.
صحابي، له حدیثان، أو ثلاثة أحاديث.
روى عنه أبو الشعثاء، وربغي بن حراش، وجامع بن شداد، كما في الإصابة.
روى أصحاب السنن الأربعة والبخاري في كتاب خلق أفعال العباد، (وقومه) بني محارب،
وأراد بالوفد هنا معناه اللغوي، وهو مجرد القدوم، لا الجماعة المختارة للتقدم في لقاء العظماء،
لأن هؤلاء إنما قدموا الأجل الميرة، فالمعنى هذا بيان قصة ورود طارق وقومه على النبي غَـ
(روى البيهقي عن جامع بن شداد)) المحاربي، أبي صخرة الكوفي، ثقة، روى له الستة،
مات سنة سبع، ويقال: سنة ثمان وعشرين ومائة.
(قال: حدثني رجل، يقال له طارق بن عبد الله، قال: إني لقائم بسوق ذي المجاز،)
كان للعرب على فرسخ من عرفة بناحية كبكب. (إذ أقبل رجل،) زاد في رواية الحاكم: عليه

٢٠٠
الوفد السابع عشر: وفد طارق بن عبد الله وقومه
بالحجارة يقول: يا أيها الناس إنه كذاب فلا تصدقوه، فقلت من هذا؟ فقالوا: هذا
غلام من بني هاشم يزعم أنه رسول الله. قلت: من ذا الذي يفعل هذا؟ قالوا: عمه
عبد العزى.
قال: فلما أسلم الناس وهاجروا، خرجنا من الربذة نريد المدينة نمتار من
تمرها، فيما دنونا من حيطانها ونخلها قلنا: لو نزلنا فلبسنا ثيابًا غير هذه، فإذا رجل
في طمرين له فسلم وقال: من أين أقبل القوم؟ قلنا: من الربذة، قال: وأين تريدون؟
قلنا: نريد المدينة، قال: ما حاجتكم فيها؟ قلنا: نمتار من تمرها، قال: ومعنا ظعينة
جبة له حمراء فسمعته، (وهو يقول: أيها الناس قولوا: لا إله إلاَّ اللَّه تفلحوا، ورجل يتبعه يرميه
بالحجارة،) زاد في رواية الحاكم: وقد أُدمى كعبيه (يقول: يا أيها الناس إنه كذاب، فلا
تصدقوه،) فجمع بين الأذى فعلاً وقولاً، ولو كان من أجنبي لربما كان أخف، ولذا، قال عد له:
ما أوذى أحد ما أوذيت، وقال: لقد أوذيت في اللّه وما يؤذي أحد، (فقلت: من هذا؟) الذي يأمر
بالتوحيد، (فقالوا: هذا غلام،) أي: رجل (من بني هاشم).
وفي القاموس: الغلام الطار الشارب، أو من حين يولد إلى أن يشيب، والمراد الثاني،
(يزعم أنه رسول اللَّه)) أي: يذكر، وعبروا بالزعم، لأنهم كانوا في شك من رسالته، وأكثر
ما يستعمل فيما يشك فيه، وإن أطلق على الحق والباطل والكذب، وقد مر قريبًا، (قلت: من ذا
الذي يفعل به هذا؟) الأذى القولي والفعلي، (قالوا: عمه عبد العزى) أبو لهب، (قال: فلما أسلم
الناس، وهاجروا خرجنا من الربذة) . بفتح الراء والموحدة والمعجمة.
قال في المصباح: وزان قصبة، خرقه الصائغ يجلو بها الحلى، وبها سميت، قرية كانت عامرة
في صدر الإسلام، وبها قبر أبي ذر الغفاري وجماعة من الصحابة، وهي في وقتنا دارسة، لا يعرف
بها رسم، وهي عن المدينة في جهة المشرق على طريق حاج العراق، نحو ثلاثة أيام، هكذا أخبرني
جماعة من أهل المدينة، في سنة ثلاث وعشرين وسبعمائة انتهى.
(لويد المدينة، متار من تمرها،) أي: نَّحْمَلْ منه، ففيه تحر يدلان الامتيار، حمل الميرة
· بالكسر، وهي هنا التمر، ويمكن بقاء نمتار على حقيقته، إذ الميرة له في القاموس حب الطعام،
فالمعنى يحمل حب الطعام التمر، فالتمر مبين للمراد من حب الطعام الذي يحملونه، (فيما
دنونا) قربنا (من حيطانها ونخلها، قلنا: لو نزلنا، فلبسنا ثيابًا غير هذه) لكان أحسن، فلو شرطية،
حذف جوابها أو للتمني، فلا جواب لها، (فإذا رجل في طمرين له،) بكسر الطاء. ثوبين خلقين،
أو كساءين باليين من غير الصوف، (فسلم، وقال: من أين أقبل القوم؟ قلنا: من الربذة، قال:
وأين تريدون؟ قلنا: نريد المدينة، قال: ما حاجتكم فيها؟ قلنا: متار من تمرها، قال) طارق: (ومعنا