Indexed OCR Text
Pages 141-160
١٤١ الوفد الرابع: وفد عبد القيس أربعين رجلاً، كما في حديث أبي خيرة الصباحي عند ابن منده. ويؤيد التعدد: ما أخرجه من وجه آخر أنه عليه الصلاة والسلام قال لهم: مالي أرى ألوانكم تغيرت؟ ففيه إشعار بأنه كان رآهم قبل التغير، وفي قولهم: يا رسول الله، دليل على أنهم كانوا حين المقالة مسلمين، وكذا في قولهم كفار مضر، وقولهم: الله ورسوله أعلم. أربعين رجلاً). قال الحافظ: سمى منهم في جملة أخبار، زيادة على الأربعة عشر السابقين، مطر أخو الزراع وابن أخته، ولم يسم، ومسمرح السعدي. روى ابن السكن أنه وفد مع عبد القيس، وجابر بن الحرث، وخزيمة بن عبد عمرو، وهمام بن ربيعة، وجارية، بجيم أوله، ابن جابر ذكرهم ابن شاهين، ونوح بن مخلدة، وأبو خيرة، والجارود العبدي، وقد ذكر ابن إسحق قصته، وأنه كان نصرانيًا، فأسلم وحسن إسلامه، (كما في حديث أبي خيرة،) بفتح الخاء المعجمة، وسكون التحتية، فراء، فهاء. (الصباحي) . بضم الصاد المهملة، فموحدة خفيفة، فألف، فحاء مهملة. نسبة إلى صباح بطن من عبد القيس، كما في الفتح. زاد في الإصابة عن الخطيب: أنه لا يعلم أحدًا سماه (عند ابن منده) والدولابي وغيرهما، عنه قال: كنت في الوفد الذين أتوا رسول اللَّه عٍَّ من وفد عبد القيس، وكنا أربعين رجلاً نسأله عن الدباء والنقير .. الحديث، وفيه: فزوّدنا الأراك نستاك به، فقلنا: يا رسول اللَّه عندنا الجريد، ولكن نقبل كرامتك وعطيتك، فقال: اللهم إغفر لعبد القيس، أسلموا طائعين غير مكرهين، إذ قعد قوم لم يسلموا إلاَّ خزايا موترين، (ويؤيد التعدد ما أخرجه) ابن حبان، كما في الفتح، وبيض له المصنف (من وجه آخر؛ أنه عليه الصلاة والسلام، قال لهم: ما لي أرى ألوانكم تغيرت، ففيه إشعار بأنه كان رآهم قبل التغير،) وهذا كله على أن لهما وفادتين، كما جزم به الحافظ في المغازي من فتح الباري قائلاً: إنه الذي تبين لنا، وذكر قول المصنف، وقد كان لعبد القيس وفادتان حتى هنا، ومشى في كتاب الإيمان على الاتحاد، حيث جمع بين إختلاف الروايتين في عددهم، بأنه يمكن أن الثلاثة عشر كانوا رؤوس الوفد، ولهذا كانوا ركبانًا، وكان الباقون اتباعًا انتھی. (وفي قولهم: يا رسول اللَّه، دليل على أنهم كانوا حين المقالة مسلمين، وكذا في قولهم كفار مضر، وقولهم اللَّه ورسوله أعلم،) هذه عبارة الفتح، ومر أن المصنف أسقط ذا من ١٤٢ الوفد الرابع: وفد عبد القيس ويدل على سبقهم إلى الإسلام أيضًا، ما في البخاري: إن أول جمعة جمعت بعد جمعة في مسجد رسول الله عَ ليه في مسجد عبد القيس بجواثي من البحرين، وهي قرية لهم، وإنما جمَّعوا بعد رجوع وفدهم إليهم، قال في فتح الباري: فدل على أنهم سبقوا جميع القرى إلى الإسلام. وما جزم به ابن القيم من أن السبب في كونه لم يذكر الحج في الحديث، لأنه لم يكن فرض، هو المعتمد. وقد قدمت الدليل على قدم إسلامهم، لكن جزمه تبعا للواقدي بأن قدومهم كان في سنة تسع قبل فتح مكة ليس بجيد، لأن لفظ الخبر سهوًا، أو من الناسخ، وأورد شيخنا حافظ العصر البابلي رحمه الله تعالى، حيث كانوا مسلمين، فكيف يقولون جوابًا لقوله: أتدرون ما الإيمان؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، وأجاب بأنه احتمل عندهم أن ما دخلوا به في الإسلام تغير لحقيقة أخرى، لأن الزمن كان زمن وحي، ونظيره حديث حجة الوداع: أتدرون ما هذا اليوم؟ وما هذا الشهر؟ وما هذا البلد؟ فقالوا: الله ورسوله أعلم، مع معرفتهم أن اليوم عرفة، والشهر الحرام، والبلد مكة، (ويدل على سبقهم إلى الإسلام أيضًا ما في البخاري) في الجمعة والمغازي عن ابن عباس أنه قال: (إن أوّل جمعة جمعت،) بضم الجيم، وشد الميم المكسورة. زاد في رواية أبي داود: في الإسلام (بعد جمعة،) زاد البخاري في المغازي جمعت (في مسجد رسول اللَّه عَِّ)) زاد أبو داود: بالمدينة، والنسائي: بمكة، وهو خطأ بلا مرية قاله الحافظ (في مسجد عبد القيس بجواثي من البحرين،) بضم الجيم، وتخفيف الواو، وقد تهمز، ثم مثلثة خفيفة، (وهي قرية،) كما في رواية أبي داود قرية من قرى البحرين، وفي أخرى له من قرى عبد القيس، وحكى الجوهري والزمخشري، وابن الأثير أن جواثي اسم حصن بالبحرين، وهذا لا ينافي كونها قرية. وحكى ابن التين عن أبي الحسن اللخمي: أنها مدينة، وما ثبت في الحديث من كونها قرية أصح، مع احتمال أن تكون في الأوّل قرية، ثم صارت مدينة، قاله الحافظ، (وإنما جمعوا بعد رجوع وفدهم إليهم، قال في فتح الباري: فدل على أنهم سبقوا جميع القرى إلى الإسلام) فينافي من قال: إنهم قدموا سنة تسع، فهذا مما يؤيد تعدد القدوم أيضًا، (وما جزم به ابن القيم من أن السبب في كونه لم يذكر الحج في الحديث، لأنه لم يكن فرض هو المعتمد، وقد قدمت الدليل على قدم إسلامهم) قريبًا، (لكن جزمه تبعًا للواقدي؛ بأن قدومهم كان في سنة تسع قبل فتح مكة،) صوابه بعدلان فتحها سنة ثمان، والذي قاله الحافظ، لكن جزم القاضي عياض؛ بأن قدومهم كان سنة ثمان قبل فتح مكة، تبع فيه الواقدي (ليس بجيد، لأن فرض ١٤٣ الوفد الرابع: وفد عبد القيس فرض الحج كان سنة ست على الأصح، ولكنه اختار - كغيره - أن فرض الحج في السنة العاشرة، حتى لا يرد على مذهبه أنه على الفور شىء. وقد احتج الشافعي بكونه على التراخي بأن فرض الحج كان بعد الهجرة، وأنه عَِّ كان قادرًا على الحج في سنة ثمان، وفي سنة تسع، ولم يحج إلا في سنة عشر، وسيأتي في حجه عَُّلِّ من مقصد عبادته مزيد بيان لذلك إن شاء الله تعالى. فإن قلت كيف قال عَّله آمركم بأربع، والمذكورات خمس؟ قلت: أجاب القاضي عبد الوهاب تبعًا لابن بطال: بأن الأربع، ما عدا أداء الخمس، قال: وكأنه أراد إعلامهم بقواعد الإيمان وفروض الأعيان، التي هي الأربع ثم أعلمهم بما يلزمهم إخراجه إذا وقع لهم جهاد، لأنهم كانوا بصدد محاربة كفار مضر، ولم يقصد إلى ذكرها بعينها لأنها مسببة عن الجهاد، ولم يكن الجهاد إذ ذاك فرض عين. قال: وكذلك لم يذكر الحج لأنه لم يكن فرض. الحج كان سنة ست على الأصح،) فالتحرير أنهم قدموا مرتين مرة قبل سنة ست، ولذا لم يذكر الحج، ومرة بعدها سنة ثمان، أو تسع، (ولكنه اختار كغيره أن فرض الحج في السنة العاشرة حتى لا يرد على مذهبه، أنه على الفور شيء) وبنى مختاره على اتخاذ القدوم، (وقد احتج الشافعي بكونه على التراخي، بأن فرض الحج كان بعد الهجرة، وأنه عٍَّ قادر على الحج في سنة ثمان،) التي هي سنة الفتح، وولى على الحج فيها عتاب بن أسيد كما مر. (وفي سنة تسع،) وفيها ولي الصديق على الحج، (ولم يحج إلاَّ في سنة عشر،) فدل ذلك على التراخي، وأجاب القائلون بالفور: بأنه لم يحج في السنتين لأعذار، (وسيأتي في حجه عليه الصلاة والسلام من مقصد عباداته مزيد بيان لذلك إن شاء اللَّه تعالى،) وقد شاء، (فإن قلت كيف، قال ◌َّهِ: آمركم بأربع والمذكورات خمس، قلت: أجاب القاضي عبد الوهاب) كذا في نسخ المصنف والمذكور في الفتح القاضي فقط، ثم أفصح عنه بعد قليل بقوله القاضي عياض، وهو الصواب لقوله: (تبعًا لابن بطال) المتوفى سنة أربع وأربعين وأربعمائة، وعبد الوهاب مات سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة عن ستين سنة، فهو متقدم الوفاة على ابن بطال، فكيف يتبعه، (بأن الأربع ما عدا أداء الخمس، قال: وكأنه أراد إعلامهم بقواعد الإيمان وفروض الأعيان التي هي الأربع، ثم أعلمهم بما يلزمهم إخراجه إذا وقع لهم جهاد، لأنهم كانوا بصدد محاربة كفار مضر، ولم يقصد إلى ذكرها،) أي: الخصلة الخامسة (بعينها لأنها مسببة عن الجهاد، ولم يكن الجهاد إذ ذاك فرض عين، قال: وكذلك لم يذكر الحج، لأنه لم يكن فرض). ١٤٤ الوفد الرابع: وفد عبد القيس وقال غيره: قوله ((وأن تعطوا)) معطوف على قوله ((بأربع)) أي: آمركم بأربع وآمركم بأن تعطوا، ويدل عليه العدول عن سياق الأربع والإتيان: بأن والفعل، مع توجه الخطاب إليهم. وقال القاضي أبو بكر بن العربي: يحتمل أن يقال: إنه عليه الصلاة والسلام عد الصلاة والزكاة واحدة لأنها قرينتها في كتاب، وتكون الرابعة أداء الخمس، أو أنه لم يعد الخمس لأنه داخل في عموم إيتاء الزكاة، والجامع بينهما: أنه إخراج مال معين. وقال البيضاوي: الظاهر أن الأمور الخمسة هنا تفسير للإيمان، وهو أحد الأربعة الموعودة بذكرها، والثلاثة الأخرى حذفها الراوي اختصارًا أو نسيانًا. (وقال غيره،) وهو ابن الصلاح (قوله: وأن تعطوا معطوف على قوله بأربع، أي: آمركم بأربع، وآمركم بأن تعطوا، ويدل عليه العدول عن سياق الأربع، والإتيان بأن، والفعل مع توجه الخطاب إليهم). وقد قال النووي في ذا الجواب والذي قبله: أنهما أصح الأجوبة، وتوقف فيهما الكرماني، بأن البخاري عقد الباب على أن أداء الخمس من الإيمان، فلا بد وأن يكون داخلاً تحت أجزاء الإيمان، كما أن ظاهر العطف يقتضي ذلك انتهى، وهذا سبقه إليه ابن رشيد، وأجاب: بأن المطابقة تحصل من جهة أخرى، وهي أنهم سألوه عن الأعمال التي يدخلون بها الجنة، وأجيبوا بأشياء منها: أداء الخمس والأعمال التي تدخل الجنة هي أعمال الإيمان، فيكون أداء الخمس من الإيمان بهذا التقرير، وأجاب ابن التين بأن الزيادة لا تمنع إذا حصل الوفاء بعد الأربع. قال الحافظ: ويدل على ذلك لفظ مسلم عن أبي سعيد: آمركم بأربع: اعبدوا اللَّه، ولا تشركوا به شيئًا، وأقيموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وصوموا رمضان، وأعطوا الخمس من الغنائم. (وقال القاضي أبو بكر بن العربي: يحتمل أن يقال إنه عليه الصلاة والسلام عد الصلاة والزكاة واحدة، لأنها قرينتها في كتاب، وتكون الرابعة أداء الخمس،) فلا زيادة عما عدّ، (أو أنه لم يعد الخمس، لأنه داخل في عموم إيتاء الزكاة، والجامع بينهما أنه إخراج مال معين) في حال دون حال. (وقال البيضاوي) في شرح المصابيح: (الظاهر أن الأمور الخمسة هنا تفسير للإيمان، وهو أحد الأربعة الموعود بذكرها، والثلاثة الأخرى حذفها الراوي اختصارًا، أو نسيانًا،) وهذا بعيد جدًا، لما فيه من نسبة الراوي إلى ما الأصل عدمه، ولذا قال الحافظ: ما ذكر أنه الظاهر لعله بحسب ما ظهر له، وإلاَّ فالظاهر من السياق أن الشهادة أحد الأربع لقوله: وعقد واحدة، قال: ١٤٥ الوفد الرابع: وفد عبد القيس وتعقب بأنه وقع في صحيح البخاري أيضًا في رواية: ((آمركم بأربع: شهادة أن لا إله إلا الله، وعقد واحدة)) فدل على أن الشهادة إحدى الأربع. وقال القرطبي: قيل إن أوّل الأربع المأمور بها: إقام الصلاة، وإنما ذكر الشهادتين تبركًا، وإلى هذا نحا الطيبي، فقال عادة البلغاء أن الكلام إذا كان منصوبًا لغرض جعلوا سياقه له، وطرحوا ما عداه، وهنا لم يكن الغرض في الإيراد ذكر الشهادتين لأن القوم كانوا مؤمنين مقرين بكلمتي الشهادة، ولكن ربما كانوا يظنون الإيمان مقصور عليهما كما كان الأمر في صدر الإسلام. قال: ولهذا لم وكأنه أراد أن يرفع إشكال كون الإيمان واحداً، والموعود بذكره أربع، وقد أجيب عن ذلك؛ بأنه باعتبار أجزائه المنفصلة أربع، وهو في ذاته واحد، والمعنى أنه اسم جامع للخصال الأربع التي ذكر أنه يأمرهم بها، ثم فسرها، فهو واحد بالنوع متعدد بحسب وظائفه، كما أن المنهي عنه، وهو الإنتباذ فيما يسرع إليه الإسكار، واحد بالنوع متعدد بحسب أوعيته، والحكمة في الإجمال بالعدد قبل التفسير أن تتشوَّق النفس إلى التفصيل، ثم تسكن إليه، وأن يتحصل حفظها للسامع، فإذا نسي شيئًا من تفاصيلها طلب نفسه بالعدد، فإذا لم يستوف العدد الذي في حفظه علم أنه قد فاته بعض ما سمع انتهى، فاختصره المصنف بقوله: (وتعقب بأنه وقع في صحيح البخاري أيضًا في رواية) له في المغازي: (آمركم بأربع: شهادة أن لا إله إلا اللَّه، وعقد واحدة) وعنده في فرض الخمس، وعقد بيده، (فدل على أن الشهادة إِحدى الأربع،) وأما ما وقع عند البخاري في الزكاة من زيادة واو في قوله: وشهادة أن لا إله إلاَّ اللَّه، فهي زيادة شاذة، لم يتابع أحد عليها، راويها حجاج بن منهال، ومما يدل أيضًا على أنه عد الشهادتين من الأربع، رواية البخاري في المواقيت بلفظ: آمركم بأربع وأنهاكم عن أربع، ثم فسرها لهم: شهادة أن لا إله إلاَّ اللَّه، وأن محمدًا رسول اللَّه، لأنه أعاد الضمير في قوله، فسرها مؤنثًا، فيعود على الأربع، ولو أراد تفسير الإيمان لأعاده مذكرًا، قاله الحافظ. (وقال القرطبي:) أبو العباس في المفهم على مسلم، (قيل:) في الجواب عن الأشكال، (إنَّ أوّل الأربع المأمور بها، إقام الصلاة، وإنما ذكر الشهادتين تبركًا، ) كما قيل في قوله تعالى: ﴿واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن للَّه خمسه﴾ [الأنفال: ٤١]، (وإلى هذا نحا الطيبي، فقال: عادة البلغاء أن الكلام إذا كان منصوبًا،) أي: مسوقًا (لغرض جعلوا سياقه له، وطرحوا ما عداه،) وإن ذكروه، (وهنا لم يكن الفرض في الإيراد ذكر الشهادتين، لأن القوم كانوا مؤمنين مقرين بكلمتي الشهادة،) فلم يقصدا بالذكر، بل ذكرا تبركًا، (ولكن ربما كانوا يظنون أن الإيمان مقصور عليهما، كما كان الأمر في صدر الإسلام، قال: ولهذا لم يعد الشهادتين في ١٤٦ الوفد الخامس: وفد بني حنيفة يعد الشهادتين في الأوامر، انتهى ملخصًا من فتح الباري. الوفد الخامس: وقدم عليه عليه الصلاة والسلام وفد بني حنيفة، فيهم مسيلمة الكذاب، فكان منزلهم في دار امرأة من الأنصار، من بني النجار، الأوامر،) قيل: ويرد على هذا الإتيان بحرف العطف، فيحتاج إلى تقدير. قال ابن العربي: لولا وجود خرف العطف لقلنا: إن ذكر الشهادتين ورد على سبيل التصديق، لكن يمكن أن يقرأ قوله: وإقام الصلاة بالخفض، فيكون عطفًا على قوله: آمركم بأربع مصدرًا به وبشرطه من الشهادتين، وآمركم بإقام الصلاة إلى آخره. قال: ويؤيد هذا حذفها في رواية البخاري في الأدب، (انتهى) جميع ما ذكره (ملخصًا من فتح الباري) في كتابي الإيمان والمغازي، إلاّ ما نقله عن ابن القيم، فليس فيه، والله أعلم. (الوفد الخامس:) (وقدم عليه عليه الصلاة والسلام وفد بني حنيفة) قبيلة كبيرة ينزلون اليمامة، بين مكة واليمن، ينسبون إلى جدهم حنيفة بن لجيم - بالجيم. ابن صعب بن علي بن بكر بن وائل. ذكر الواقدي: أنهم كانوا سبعة عشر، (فيهم مسيلمة الكذاب،) بكسر اللام مصغرًا. ابن ثمامة بن كبير، بموحدة. ابن حبيب من بني حنيفة، وزعم وثيمة في كتاب الردة؛ أن مسيلمة لقب، واسمه ثمامة وفيه نظر، لأن كنيته أبو ثمامة، فإن كان محفوظًا، فيكون ممن توافقت كنيته واسمه، (فكان منزلهم). بفتح الميم والزاي مصدر ميمي، أي: نزولهم مضاف لفاعله، ويجوز ضم الميم مع فتح الزاي أيضًا من إضافة المصدر لمفعوله، فيفيد أن النبي، أو أحد من صحبه أمر بإنزالهم، وقد ضبط البرهان، الزاي بالفتح، وسكت عن الميم، فيحتمل الضبطين، وأما كسر الزاي مع فتح الميم اسم للموضع، فكأنه ليس مرادًا هنا لإيهامه موضعًا معينًا من الدار، مع أن المراد مجرد النزول دون تعيين، محل (في دار امرأة من الأنصار من بني النجار،) هي كما، قاله الحافظ رملة بنت الحدث، بدال بعد الحاء المهملة، لا براء قبلها ألف، كما عند ابن سعد وغيره، والحدث هو ابن ثعلبة بن الحرث بن زيد الأنصارية النجارية، كانت دارها دار الوفود، وهي صحابية زوجة معاذ بن عفراء، وأما كيسة، بكاف، فتحتية مشددة فمهملة. بنت الحرث بن كريز - بضم الكاف. أبن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس بن عبد مناف، فكانت زوجًا لمسيلمة، ولم تكن إذ ذاك بالمدينة وإنما كانت باليمامة، فلما قتل مسيلمة تزوَّجها ابن عمها عبد اللّه بن عامر بن كريز، ذكر ذلك الدارقطني، وتبعه ابن ماكولا، فلا يصح تفسير المرأة بها، كما فعل ١٤٧ الوفد الخامس: وفد بني حنيفة فأتوا بمسيلمة إلى رسول الله عَّه يستر بالثياب، ورسول الله عَ ليه جالس مع أصحابه، في يده عسيب من سعف النخل، فلما انتهى إلى رسول الله عَّ ◌ُلهم - وهم يسترونه بالثياب - كلمه وسأله، فقال له رسول الله عَّ ◌ُله: لو سألتني هذا العسيب الذي في يدي ما أعطيتك. وذكر حديثه ابن إسحق على غير ذلك فقال: حدثني شيخ من أهل اليمامة من بني حنيفة: أن وفد بني حنيفة أتوا رسول الله عٍَّ وخلفوا مسيلمة في رحالهم، فلما أسلموا ذكروا له مكانه، فقالوا: يا رسول الله، إنا قد خلفنا صاحبنا في رحالنا وركابنا يحفظها لنا، فأمر له رسول الله عَ ليه بما أمر به للقوم، وقال لهم: إنه ليس بشركم مكانا، يعني لحفظه ضيقة أصحابه، السهيلي، لأنها قرشية عبشمية، وقد قال في الرواية: امرأة من الأنصار، انتهى ملخصًا من الفتح، ومقدمته (فأتوا،) كما ذكره ابن إسحق عن بعض علمائه (بمسيلمة إلى رسول اللَّه عَلَّ يستر بالثياب) إكرامًا له وتعظيمًا، ولعل ذلك عادتهم فيمن يعظمونه، وقد كان أمره عند قومه كبيرًا، فكانوا يقولون له رحمن اليمامة، قبل مولد عبد اللّه والد النبي عَلَّم، ولما سمعت قريش البسملة قال قائلهم: دق فوك، إنما يذكر مسيلمة رحمَّن اليمامة، قتل مسيلمة، وهو ابن مائة وخمسين سنة، ذكره السهيلي (ورسول اللَّه عَ لِّ جالس مع أصحابه في يده عسيب،) بفتح العين، وكسر السين المهملتين. (من سعف النخل) في رأسه خويصات، كما في السيرة، وفي المصباح: السعف أغصان النخل ما دامت بالخوص، فإذا زال عنها قيل لها: جريدة الواحدة سعفة مثل قصب وقصبة، فتفسير النور عسيب بالجريدة، توهم أنه لا خوص بها، وليس بمراد لما علم، (فلما انتهى إلى رسول اللَّه عٍَّ، وهم يسترونه بالثياب، كلمه وسأله) أن يجعل له الأمر من بعده، كما هو لفظ حديث الصحيحين الآتي: وأن يشركه معه في النبوّة، (فقال له رسول اللَّه ◌َظّ: لو سألتني هذا العسيب الذي في يدي ما أعطيتك،) مبالغة في منعه عن سؤاله ما لا يكون له، (وذكر حديثه ابن إسحق على غير ذلك، فقال) بعدما أورد هذا أوَّلاً عن بعض علمائه، وقد (حدثني شيخ من أهل اليمامة من بني حنيفة؛) أن حديثه كان على غير هذا، زعم (أن وفد بني حنيفة أتوا رسول اللَّه عَّةٍ، وخلفوا مسيلمة في رحالهم، فلما أسلموا ذكروا له مكانه،) أي: محله، (فقالوا: يا رسول اللَّه إنا قد خلفنا صاحبنا في رحالنا وركابنا يحفظها لنا، فأمر له رسول اللَّه عَ لَّه بما أمر به للقوم،) وهو خمس آواق فضة لكل واحد، (وقال لهم: إنه ليس بشركم مكانًا، يعني) أنه قصد معكم معروفًا (لحفظه ضيعة أصحابه،) بفتح الضاد، وإسكان ١٤٨ الوفد الخامس: وفد بني حنيفة ثم انصرفوا، فلما قدموا اليمامة ارتد - عدوّ الله - وتنبأ وقال: إني أشركت في الأمر معه، ثم جعل يسجع السجعات، فيقول لهم فيما يقول مضاهاة للقرءان: لقد أنعم الله على الحبلى، أخرج منها نسمة تسعى من بين صفاق وحشی. وسجع اللعين على سورة ﴿إنا أعطيناك الكوثر﴾ [الكوثر / ١]، فقال: إنا أعطيناك الجواهر، فصل لربك وهاجر، إن مبغضك رجل فاجر. وفي رواية إنا أعطيناك الجماهر فخذ لنفسك وبادر، واحذر أن تحرص أو تكاثر، وفي رواية: إنا أعطيناك الكوثر فصل لربك وبادر في الليالي الغوادر. التحتية ومهملة، المراد بها هنا ظهرهم وحوائجهم، وإن كانت في الأصل العقار، (ثم انصرفوا، فلما قدموا اليمامة ارتد عدوَّ اللَّه)،) ظاهره أنه كان أسلم (وتنبأ)) ادعى النبوَّة، (وقال: إني أشركت)، بضم الهمزة مبني للمفعول (في الأمر معه)، وبقية هذه الرواية في ابن إسحق، وقال لوفده الذين كانوا معه: ألم يقل لكم إنه ليس بشركم مكانًا، ما ذاك إلاَّ لما يعلم أني أشركت في الأمر معه، (ثم جعل يسجع السجعات، فيقول لهم فيما يقول مضاهاة للقرءان،) أي: مشاكلة تقول ضاهات فلانًا، وضاهيته بالهمزة، وتركه بهما قرىء يضاهون قول الذين كفروا قراءة عاصم بالهمز وكسر الهاء، والباقون بضم الهاء بلا همز، (لقد أنعم اللَّه على الحبلى) عام في كل امرأة وبهيمة تلد، وقيل: مختص بالآدميات، فغيرهم من بهائم وشجر، يقال: حمل بالميم، (أخرج منها نسمة) . بفتح السين. روحًا (تسعى) تمشي (من بين صفاق)) بكسر المهملة، وخفة الفاء، فألف، فقاف، الجلد الأسفل الذي تحت الجلد الذي عليه الشعر، أو ما بين الجلد والمصران، أو جلد البطن كله، كما في القاموس (وحشى). بالقصر المعي والجمع أحشاء، مثل عنب وأعناب، (وسجع،) كمنع نطق بكلام له، فواصل، فهو ساجع، والسجع الكلام المقفى، أو موالاة الكلام على روى جمعه أسجاع، كما في القاموس في فصل السين من باب العين المهملتين (اللعين على سورة ﴿إنا أعطيناك الكوثر﴾ [الكوثر/١] (فقال: إنا أعطيناك الجواهر)، فظن اللعين المخذول أن الجواهر تعادل الكوثر، فجهل اللغة العربية أن الكوثر الخير الكثير، (فصل لربك وهاجر، إن مبغضك رجل فاجر،) ليت شعري ما الذي جاء به، فإنه أخذ لفظ القرءان، وحرف الكلم عن مواضعه، أبدل شانئك بمبغضك، ولكونه هو الفاجر، أتى الفجور في لسانه، وصرف عن الإتيان بما يفيد الحصر. (وفي رواية: إنا أعطيناك الجماهر، فخذ لنفسك وبادر، واحذر إن تحرص، أو تكاثر،) بمثلثة، أو موحدة. (وفي رواية: إنا أعطيناك الكوثر، فصل لربك وبادر، في الليالي الغوادر،) أي: المظلمة، ١٤٩ الوفد الخامس: وفد بني حنيفة ولم يعرف المخذول أنه محروم عن المطلوب، وسيأتي في أوائل مقصد معجزاته عليه الصلاة والسلام من تسجيع مسيلمة الركيك زيادة على ما ذكرته هنا إن شاء الله. وقيل: إنه أدخل البيضة في القارورة وادعى أنها معجزة له، فافتضح بنحو ما ذكر: أن النوشادر إذا ضرب في خل الخمر ضربًا جيدًا، وتجعل فيه بيضة بنت يومها يومًا وليلة فإنها تمتد كالخيط، فتجعل في القارورة ويصب عليها الماء البارد فإنها تجمد. ولما سمع اللعين أن النبي عَِّ مسح رأس صبي كان ألمّ به داء فشفي في الوقت ومج في عين بئر فكثر ماؤها، وتفل في عين علي - وكان أرمد- فبرأ. فتفل في بئر فغار ماؤها، وفي عين بصير فعمي، ومسح بيده ضرع شاة حلوب فارتفع درها. ويبس ضرعها، ولله در الشقراطيسي حيث يقول يخاطب النبي عَه: أعجزت بالوحي (ولم يعرف المخذول أنه محروم عن المطلوب، وسيأتي في أوائل مقصد معجزاته عليه الصلاة والسلام،) وهو الرابع (من تسجيع مسيلمة الركيك، زيادة على ما ذكرته هنا إن شاء اللَّه، وقيل: إنه أدخل البيضة في القارورة). وفي الروض، يقال: إنه أوَّل من فعل ذلك، وأوَّل من وصل جناح الطائر المقصوص، (وادعى أنها معجزة، فافتضح بنحو ما ذكر إن النوشادر،) بضم النون، وكسر الدال المهملة، وآخره راء. (إذا ضرب في خل الخمر ضربًا جيدًا، وتجعل فيه بيضة بنت يومها يومًا وليلة، فإنها تمتد كالخيط، فتجعل في القارورة ويصب عليها الماء البارد، فإنها تجمد) . بضم الميم، (ولما سمع اللعين أن النبي عَ ب مسح رأس صبي كان ألم) . بالفتح والتثقيل. نزل (به داء فشفي في الوقت،) كذا في نسخ، وفي غالبها إسقاطها، والاقتصار على أن النبي مج، ويدل عليه أنه لم يذكر نظيرها، (ومج في عين بئر، فكثر ماؤها، وتفل في عين على، وكان أرمد فبرأ) - بفتح الراء أكثر من كسرها. (فتفل) جواب لما اقترن بالفاء، على قلة (في بئر، فغار ماؤها، وفي عين بصير فعمي، ومسح بيده ضرع شاة حلوب، فارتفع درها) لبنها، (ويبس ضرعها،) ولم يذكر نظير الأولى، وقد ذكرها في الروض، وقال: ومسح رأس صبي، فقرع قرعًا فاحشًا، (وللَّه در الشقراطيسي، حيث يقول يخاطب النبي عَّه) في قصيدته الطنانة التي قدم المصنف منها في الفتح، وقبله المولد (أعجزت بالوحي) القرءان، لأن اللَّه أطلقه عليه في قوله: إن هو إلاّ وحي ١٥٠ الوفد الخامس: وفد بني حنيفة . أرباب البلاغة في عصر البيان فضلَّت أوجه الحيل ... فتلّهم عنه حين العجز حين تلي سألتهم سورة في مثل حكمته بعي غي فلم يحسن ولم يطل فرام رجس كذوب أن يعارضه ـثبج بركيك الإفك ملتبس ملجلج بزري الزور والخطل ويعتريه كلال العجز والملل يمج أول حرف سمع سامعه كأنه منطق الورهاء شذَّبه لبس من الخبل أو مس من الخبل يوحى (أرباب) جمع رب، أي: ملوك (البلاغة في عصر) زمان (البيان،) هو والبلاغة والفصاحة متقاربة، بمعنى: (فضلت) ضاعت وهلكت (أوجه الحيل،) فلم يقدروا على حيلة يدفعوه بها، (سألتهم سورة في مثل حكمته))) وفي نسخة محكمه، ولو أبدل في بمن لوافق قوله تعالى: ﴿وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله﴾ [البقرة: ٢٣] الآية. (فتلهم) - بفوقية وشد اللام. صرعهم (عنه حين) . بفتح فسكون. هلاك (العجز حين تلی) قرىء (فرام) طلب بالفاء، وفي نسخة بالواو، والأولى أحسن (رجس) قذر (كذوب) يعني مسيلمة، جعله رجسًا مبالغة في ذمه، أو على حذف مضاف، أي: ذو رجس (أن يعارضه،) أي: القرءان (بعي) . بمهملة. ضعف نطق، وانقطاعه (غي،) بمعجمة، أي: ضلالة وخيبة. وفي نسخة: بسخف إفك، أي: رقة عقل، والإفك الكذب وإضافة السخف إليه على معنى، أن كذبه الذي أتى به سخيف واه، (فلم يحسن) عي الغي، أو سخف الإفك، (ولم يطل،) أي: يمتد من طال. وفي نسخة: بضم حرفي المضارعة من أحسن وأطال، والواو في ولم يطل للحال، أي: والحال أنه فقد كلامه صفة الحسن على قصره عيا منه وغباوة (مثبج،) بمثلثة، فموحدة، فجيم مبهم. لم يبين، أو مضطرب فاسد المعاني، (بركيك الإفك،) ضعيف الكذب، قليل الفائدة، (ملتبس) مختلط، مشتبه، متعلق بركيك الإفك، أي: مع فساد، معناه: قد اختلط بإفك ركيك (ملجلج،) مردد غير مفصح به (بزري،) بالزاي قبل الراء، أي: حقير (الزور،) الكذب (والخطل،) المنطق الفاحش، ثم يجوز الرفع على أنها أخبار لمحذوف، أي: الذي أتى به مثبج، والجر صفة لما قبله (يمج،) يطرح ويلقي (أوَّل حرف سمع سامعه، ويعتريه) يصيبه (كلال) تعب (العجز) عن سماعه، (والملل) منه لرذالته وقبحه، (كأنه منطق الورهاء،) المرأة الحمقاء، (شذبه) خلطه، فشذب فعل ماض، والهاء ضمير المفعول، أي: خلط (لبس) اختلاط (من الخبل) · بالسكون. الفساد، (أو مس من الخبل). بالفتح. الجنون، والمس الجنون أيضًا، والمعنى قطع ذلك الكلام وفرقه، فلم يلتئم تخليطه، ويروى شذبه كصد، وبه جار ومجرور فلبس، أما فاعل ١٥١ الوفد الخامس: وفد بني حنيفة أمرت البئر واغورت لمحبته فيها وأعمى بصير العين بالتفل وأيبس الضرع منه شؤم راحته من بعد إرسال رسل منه منهمل فشبه هذا الكلام الذي عارض به مسيلمة، بكلام امرأة ورهاء، وهي الحمقاء التي تتكلم لحمقها بما لا يفهم، فهي تهذي بكلام مشذب - أي مختلط - لا يقترن بعضه ببعض، ولا يشبه بعضه بعضًا ككلام من به خبل - بسكون الموحدة - أي فساد، أو مس من الخبَل - بفتحها - أي جنون. ثم إن اللعين وضع عن قومه الصلاة، وأحل لهم الخمر والزنا، وهو مع ذلك يشهد لرسول الله عَ لِّ أنه نبي. وقد كان كتب لرسول الله عَّه: من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله، أما بعد: فإني قد أشركت معك الأوامر، وإن لنا نصف الأوامر، ولقريش نصف الأمر. شذا ومبتدأ وخبره المتقدم عليه، أي: به لبس، أي: أنه وإن أشبه منطق الورهاء إلاّ أنه شاذ بالنسبة إليه (أمرت البئر واغورت،) أي: غار ماؤها (لمحبته فيها، وأعمى بصير العين بالتفل) . بتحريك الفاء الساكنة للوزن، فتفل من بابي ضرب ونصر (وأيبس الضرع منه شؤم) ضد اليمن (راحته) كفه (من بعد إرسال رسل) لبن (منه منهمل) منصب جار، ( فشبه هذا الكلام الذي عارض به مسيلمة) القرءان (بكلام امرأة ورهاء، وهي الحمقاء التي تتكلم لحمقها بما لا يفهم، فهي تهذي بكلام مشذب، أي: مختلط لا يقترن بعضه ببعض، ولا يشبه بعضه بعضًا، ككلام من به خبل - بسكون الموحدة، أي: فسادًا، ومس من الخبل - بفتحها، أي: جنون،) وهذا على الرواية المشهورة: أن شذب فعل ماض اتصل به ضمير المفعول، كما مر وروى شذبه، واعتمده مخمس القصيدة إذ قال: مسيلم هو هذا هل سمعت به سحقًا له من لعين في تكذبه وما إليه دعا من سوء مذهبه كأنه منطق الورهاء شذبه (ثم إن اللعين وضع عن قومه الصلاة، وأحل لهم الخمر والزنا) ترغيبًا لهم في اتباعه، فأباح لهم ما يشتهون، (وهو مع ذلك يشهد لرسول اللَّه عَِّ أنه نبي،) مشارك له في النبوة، فهذا من جملة سخافة عقله، إذ النبي لا يبيح المحرمات، (وقد كان كتب لرسول اللّه عَظِلّهِ)) لما ادعى النبوة سنة عشر، (من مسيلمة رسول اللَّه إلى محمد رسول اللَّه، أما بعد فإني أشركت) بضم الهمزة. (معك في الأوامر،) يعني: النبوة، (وأن لنا نصف الأمر، ولقريش نصف الأمر) ١٥٢ الوفد الخامس: وفد بني حنيفة فقدم عليه عَ ◌ِّ بهذا الكتاب، فكتب إليه رسول الله علُّّ: بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين. وفي الصحيحين من حديث نافع بن جبير عن ابن عباس قال: قدم مسيلمة الكذاب على رسول الله عَّم فجعل يقول: إن جعل لي محمد الأمر من بعده اتبعته، وقدمها في بشر كثير من قومه، فأقبل الذي في ابن إسحق، بلفظ نصف الأرض في الموضعين، وزاد: ولكن قريشًا يعتدون، (فقدم عليه عَّهِ بهذا الكتاب،) والقادم به رسولا مسيلمة. قال ابن إسحق: حدثني شيخ من أشجع، عن سلمة بن نعيم بن مسعود الأشجعي، عن أبيه نعيم سمعت رسول اللَّه عَّهِ يقول لهما حين قرأ كتابه: فما تقولان أنتما؟ قالا: نقول كما قال، فقال: أما والله لولا أن الرسل لا تقتل لضرب أعناقكما. وروى الطيالسي عن ابن مسعود، قال: جاء ابن النواحة وابن أثال رسولين لمسيلمة إلى رسول اللَّه، فقال لهما: تشهدان أني رسول اللَّه؟ فقالا: نشهد أن مسيلمة رسول اللَّه، فقال عّلّه: آمنت بالله ورسوله، ولو كنت قائلاً رسولاً لقتلتكما. قال عبد الله، يعني ابن مسعود: فمضت السنة أن الرسل لا تقتل، (فكتب إليه رسول اللَّه عَ لِ: بسم الله الرحمّن الرحيم، من محمد رسول اللَّه، إلى مسيلمة الكذاب، سلام على من اتبع الهدى) الرشاد، (أما بعد، فإن الأرض للَّه يورثها من يشاء من عباده، والعاقبة للمتقين). قال ابن إسحق: وذلك في آخر سنة عشر، (وفي الصحيحين) البخاري في علامات النبؤَّة والمغازي، ومسلم في الرؤيا (من حديث نافع بن جبير) بن مطعم القرشي، النوفلي، المدني، ثقة من رجال الجميع، مات سنة تسع وتسعين، (عن ابن عباس، قال: قدم مسيلمة الكذاب على) أسقط من البخاري، عهد وفسروه بزمن (رسول اللَّه عَّه) المدينة، (فجعل يقول: إن جعل لي محمد الأمر،) أي: الخلافة (من بعده اتبعته). قال الحافظ: وثبت لفظ الأمر في علامات النبوَّة، وسقط في المغازي من رواية الأكثر، وهو مقدر، وثبت في رواية ابن السكن (وقدمها،) أي: المدينة (في بشر كثير من قومه) بني حنيفة. ذكر الواقدي: أن عدد من كان معه سبعة عشر نفسًا، فيحتمل تعدد القدوم، (فأقبل ١٥٣ الوفد الخامس: وفد بني حنيفة النبي عَّ ومعه ثابت بن قيس بن شماس، وفى يد النبي عَّةٍ قطعة من جريد، حتى وقف على مسيلمة في أصحابه، فقال: لو سألتني هذه القطعة ما أعطيتكها ولن تعدو أمر الله فيك، ولئن أدبرت ليعقرنك الله، وإني لأراك الذي أريت فيه ما رأيت، وهذا ثابت بن قيس يجيبك عني، ثم انصرف عَ لّهِ. قال ابن عباس: فسألت عن قول النبي عَّ ◌ُله: إنك الذي أربت فيه ما أريت فأخبرني أبو هريرة أن النبي عَِّ قال: بينا أنا نائم رأيت في يدي سوارين من ذهب فأهمني شأنهما فأوحي إلي في المنام أن النبي عَّهِ) تأليفًا له ولقومه، رجاء إسلامهم وليبلغه ما أنزل إليه، (ومعه ثابت بن قيس بن شماس) بفتح المعجمة، والميم المشددة، فألف فمهملة، (وفي يد النبي عَّ قطعة من جريد، حتى وقف على مسيلمة في أصحابه،) فكلمه في الإسلام، فطلب مسيلمة أن يكون له شيء من أمر النبوة، (فقال) عَّله: (لو سألتني هذه القطعة) من الجريدة (ما أعطيتكها،) مبالغة في منعه لطلبه ما ليس له، (ولن تعدو،) لن تجاوز (أمر اللَّه) حكمه (فيك). قال الحافظ: رواه الأكثر بالنصب، ولبعضهم لن تعد بالجزم بلن على لغة (ولئن أدبرت،) أي: خالفت الحق (ليعقرنك اللَّه). بالقاف، أي: يهلكك، (وإني لأراك). بفتح الهمزة، لأعتقدك، وفي بعضها بضم الهمزة: لأظنك (الذي أريت) . بضم الهمزة وكسر الراء. في منامي (فيه ما أريت، وهذا ثابت بن قيس يجيبك عني،) لأنه خطيب الأنصار وخطيبه عليه السلام، والنبي عَّه أعطى جوامع الكلم، فاكتفى بما قاله لمسيلمة، وأعلمه أنه إن كان يريد الإسهاب في الحطاب، فهذا الخطيب يقوم عني بذلك، ويستفاد منه استعانة الإمام بأهل البلاغة في جواب أهل العناد ونحو ذلك، قاله الحافظ، (ثم انصرف عَّ). (قال ابن عباس: فسألت عن قول النبي عَّله إنك الذي أريت فيه ما أريت، فأخبرني أبو هريرة أن النبي عَّله، قال: بينا) بلا ميم في المغازي، وفي علامات النبوّة بالميم، كما أفاده المصنف (أنا نائم رأيت في يدي) بالتثنية (سوارين). بكسر السين، ويجوز ضمها. وفي رواية: إسوارين. بكسر الهمزة وسكون المهملة. تثنية إِسوار، وهي لغة في السوار، كما في الفتح (من ذهب) من لبيان الجنس، كقوله تعالى: ﴿وحلو أساور من فضة﴾، ووهم من قال: لا تكون الأساور إلاّ من ذهب، فإن كانت من فضة، فهي القلب، (فأهمني) أحزنني (شأنهما،) لأن الذهب من حلية النساء محرم على الرجال. وفي رواية: فكبر على، (فأوحى إليَّ في المنام) على لسان ملك، أو وحي إلهام (أن ١٥٤ الوفد الخامس: وفد بني حنيفة أنفخهما، فنفختهما فطارا، فأولتهما: كذابين يخرجان من بعدي، فهذان هما: أحدهما العنسي صاحب صنعاء أنفخهما) . بهمزة وصل وكسر النون. للتأكيد بالجزم على الأمر. قال الطيبي: ويجوز أن تكون مفسرة، لا وحي مضمن، معنى القول وأن تكون ناصبة، والجار محذوف، (فنفختهما، فطارا) لحقارة أمرهما، ففيه إشارة إلى اضمحلال أمرهما وحقارته، لأن ما يذهب بالنفخ يكون في غاية الحقارة، قاله بعضهم ورده ابن العربي بأن أمرهما كان في غاية الشدة، لم ينزل بالمسلمين قبله مثله. قال في الفتح: وهو كذلك، لكن الإشارة إنما هي للحقارة المعنوية لا الحسية، (فأولتهما كذابين،) لأن الكذب وضع الشيء في غير موضعه، ووضع الذهب المنهي عن لبسه من وضع الشيء في غير موضعه، إذ هما من حلية النساء، ففيه أن السوار وسائر آلات الحلى اللائقة بالنساء، تعبر للرجال بما يسوءهم، ولا يسرهم، وأيضًا، فالذهب مشتق من الذهاب، فعلم أنه شيء يذهب عنه، وتأكد ذلك بالأمر له بنفخهما، فطارا، فدل ذلك على أنه لا يثبت لهما أمره، وأيضًا يتجه في تأويل نفخهما أنه قتلهما بريحه، لأنه لم يقتلهما بنفسه، فأما العنسي، فقتله فيروز الديلمي في مرض موت النبي عَّه على الصحيح، وأما مسيلمة، فقتل في خلافة الصديق، (يخرجان من بعدي،) أي: تظهر شوكتهما ودعواهما النبؤّة، واستشكل بأنهما كانا في زمنه عد له، فإما أن يكون المعنى بعد نبوّتي، أو يحمل على التغليب، لأن مسيلمة قتل بعده، (فهذان هما) لفظ البخاري في المغازي، ليس فيه هذه الجملة، ولفظه في علامات النبوّة، فكان (أحدهما العنسي) . بفتح العين المهملة، وسكون النون، وكسر السين المهملة. من بني عنس، وحكى ابن التين: فتح النون. قال الحافظ: ولم أر له في ذلك سلفًا (صاحب صنعاء،) ولقبه الأسود، واسمه كما قال الحافظ والمصنف وغيرهما عبهلة . بفتح العين المهملة، وسكون الموحدة وفتح الهاء. ابن كعب، وكان يقال له أيضًا: ذو الخمار، لأنه كان يخمر وجهه، وقيل: هو اسم شيطانه، وكان الأسود قد خرج بصنعاء وادعى النبوة، وغلب على عامل النبي عَ لّه على صنعاء المهاجر بن أبي أمية، ويقال: إنه مر به، فلما حاذاه عثر الحمار، فادعى أنه سجد له، ولم يقم الحمار حتى قال له شيئًا، فقام وكان معه شيطانان، يقال لأحدهما سحيق . بمهملتين وقاف مصغر، والآخر شقيق، بمعجمة وقافين مصغر، وكانا يخبرانه بكل شيء يحدث من أمور الناس، وكان باذان عامل النبي عَّ بصنعاء، فمات فجاء شيطان الأسود، فأخبره، فخرج في قومه حتى ملكها، وتزوَّج المرزبانة زوجة باذان، فواعدت فيروز وغيره، فدخلوا عليه ليلاً، وقد سقته الخمر صرفًا حتى ١٥٥ الوفد الخامس: وفد بني حنيفة والآخر مسيلمة الكذاب. سكر، وكان على بابه ألف حارس، فنقب فيروز ومن معه الجدار، حتى دخلوا فقتله فيروز واحتز رأسه، وأخرجوا المرأة وما أحبوا من متاع البيت، وأرسلوا الخبر إلى المدينة، فوافاهم عند وفاته عند له. قال أبو الأسود عن عروة: أصيب الأسود قبل وفاة النبي عَِّ بيوم وليلة، فأتاه الوحي، فأخبر أصحابه، ثم جاء الخبر إلى أبي بكر، وقيل: وصل الخبر بذلك صبيحة دفن النبي عَه، (والآخر مسيلمة الكذاب) ادعى النبوّة في حياته عَّة، لكن لم تظهر شوكته، ولم تقع محاربته إلاَّ في زمن الصديق، وكان بدء أمره أن الرحال الحنفي، واسمه نهار آمن وتعلم سورًا من القرءان، فرآه عَّ مع فرات بن حيان وأبي هريرة، فقال: ضرس أحدكم في النار مثل أحد، فما زالا خائفين حتى ارتد الرحال، وآمن بمسيلمة، وشهد زورًا أن النبي عَُّ قد شركه معه في النبوَّة، ونسب إليه بعض ما تعلم من القرءان، فكان أقوى أسباب الفتنة على بني حنيفة، فجمع جموعًا كثيرة ليقاتل الصحابة، فجهز له الصديق جيشًا أمَّر عليهم خالد بن الوليد، فقتل جميع أصحابه، ثم كان الفتح بقتل مسيلمة، قتله عبد اللَّه بن زيد بن عاصم الأنصاري المازني، جزم به الواقدي وإسحق بن راهويه والحاكم، وقيل: عدي بن سهل، وبه جزم سيف، وقيل: أبو دجانة، وقيل: زيد بن الخطاب، وقيل: وحشي، والأول أشهر، ولعل عبد اللّه بن زيد هو الذي أصابته ضربته، وحمل عليه الآخرون في الجملة، وأغرب وتيمة، فزعم أن اسم الذي ضربه شن. بفتح المعجمة وشد النون. ابن عبد الله، وأنشد له: ألم ترأني ووحشيهم ضربنا مسيلمة المفتتن تسائلني الناس قتله فقلت ضربت وهذا طعن فلست بصاحبه دونه وليس بصاحبه دون شن وأغرب منه ما حكاه ابن عبد البر: أن الذي قتل مسيلمة هو جلاس بن بشير بن عاصم، ذكره الحافظ في شرح قول وحشي عند البخاري، لما خرج مسيلمة قلت: لأخرجن إليه لعلي أقتله فأكافىء به حمزة، فخرجت مع الناس، فإذا رجل قائم، كأنه جمل أورق، ثائر الرأس، فرميته بحربتي، فوضعتها بين ثدييه حتى خرجت من بين كتفيه، وضربه رجل من الأنصار بالسيف على هامته، وقال رجل من بني حنيفة يرثيه: لهفي عليك أبا ثمامة لهفي على ركني بمامه كم آية لك فيهم كالشمس تطلع من غمامة قال السهيلي: وكذب، بل كانت آيته منكوسة، فذكر بعض ما قدمه المصنف، وزاد: ودعا ١٥٦ الوفد الخامس: وفد بني حنيفة فإن قلت: كيف يلتئم خبر ابن إسحق مع الحديث الصحيح أن النبي معد له. اجتمع به وخاطبه، وصرح بحضرة قومه أنه لو سأله القطعة من الجريد ما أعطاه. فالجواب: إن المصير إلى ما في الصحيح أولى. ويحتمل أن يكون مسيلمة قدم مرتين، الأولى تابعًا وكان رأس بني حنيفة غيره، ولهذا أقام في حفظ رحالهم، ومرة متبوعًا، وفيها خاطبه النبي عَّ .. أو القصة واحدة، وكانت إقامته في رحالهم باختياره أنفة منه واستكبارًا أن يحضر مجلس النبي عَّه، وعامله عليه الصلاة والسلام معاملة الكرم على عادته في الاستئلاف فقال لقومه: إنه ليس بشركم أي مكانًا، لكونه كان يحفظ رحالهم، وأراد الرجل في ابنين له بالبركة، فرجع إلى منزله، فوجد أحدهما قد سقط في بئر، والآخر أكله الذئب، ومسح رأس صبي، فقرع قرعًا فاحشًا. قال صاحب المفهم: مناسبة هذا التأويل لهذه الرؤيا أن أهل صنعاء واليمامة كانوا أسلموا، وكانوا كساعدين للإسلام، فلما ظهر الكذابان، وبهرجا على أهلهما بزخرف أقوالهما ودعواهما الباطلة، انخدع أكثرهم بذلك، فكان اليدان بمنزلة البلدين، والسواران بمنزلة الكذابين، وكونهما من ذهب إشارة إلى ما زخرفاه، والزخرف من أسماء الذهب، (فإن قلت كيف يلتئم خبر ابن إسحق،) الذي قدمه من كونه لم يجتمع بالمصطفى، وقعد في الرحال (مع) هذا (الحديث الصحيح، أن النبي عَ ◌ّه اجتمع به وخاطبه، وصرح بحضرة قومه أنه لو سأله القطعة من الجريد) . بفتح الجيم. (ما أعطاه، فالجواب أن المصير إلى ما في الصحيح أولى) لصحة إسناده، بخلاف خبر ابن إسحق، فضعيف منقطع، ولم يسم راويه، (ويحتمل) في طريق الجمع على تقدير الصحة، كما قال الحافظ (أن يكون مسيلمة قدم مرتين: الأولى كان تابعًا، وكان رأس بني حنيفة غيره، ولهذا أقام في حفظ رحالهم، ومرة متبوعًا، وفيها خاطبه النبي عَّ،) وهذا بعيد جدًا، فقد قال هو، أعني الحافظ: وهذا يعني حديث ابن إسحق مع شذوذه، ضعيف السند لإنقطاعه، وأمر مسيلمة كان عند قومه أكبر من ذلك، فقد كان يقال له رحمَّن اليمامة، لعظم قدره فيهم اهـ، فمن يكون مقامه عند قومه أكبر من دعوى النبؤَّة، يبعد كل البعد أن يكون تابعًا، فالأولى قوله، (أو القصة واحدة،) لأنه الأصل، (وكانت إقامته في رحالهم باختياره أنفة منه، واستكبارًا أن يحضر مجلس النبي عَّ، وعامله عليه الصلاة والسلام معاملة الكرم على عادته في الاستئلاف، فقال لقومه: إنه ليس بشركم، أي: مكانًا لكونه كان يحفظ رحالهم، وأراد ١٥٧ الوفد السادس: وفد وطىء استئلافه بالإحسان بالقول والفعل، فلما لم يفد في مسيلمة توجه بنفسه إليه ليقيم عليه الحجة ويعذر إليه بالإنذار. والعلم عند الله تعالى الوفد السادس: وقدم عليه عَّه وفد طيء، وفيهم زيد الخيل استئلافه بالإحسان بالقول) المذكور، (والفعل) حيث أعطاه مثل ما أعطى قومه، (فلما لم يفد في مسيلمة، توجه بنفسه إليه ليقيم عليه الحجة ويعذر). بكسر الذال. (إليه بالإنذار، والعلم عند اللَّه تعالى). قال أعني الحافظ: ويستفاد من هذه القصة أن الإمام يأتي بنفسه إلى من قدم يريد لقاءه من الكفار، إذا تعين ذلك طريقًا لمصلحة المسلمين اهـ (الوفد السادس:) (وقدم عليه عَية وفد وطيء). بفتح المهملة، وشد التحتانية المكسورة، بعدها همزة. ابن أدد بن زيد بن يشجب بن عريب بن كهلا بن سبا، يقال: كان اسمه جلهمة، فسمى طيئًا، لأنّه أوّل من طوى بئرًا، ويقال: أوَّل من طوى المناهل، وكانوا خمسة عشر رجلاً، اقتصر المصنف على زيد، لتميزه بمناقب حسنة، فقال: (وفيهم زيد الخيل) بن مهلهل بن زيد بن منهب بن عبد الطائي، وفد في قومه سنة تسع، كما في السير، هذا يرد على ما في النور؛ أن زيدًا كان من المؤلفة، لأن المؤلفة من أعطى من غنائم حنين، وكان ذلك سنة ثمان، وقد تقدم أن الحافظ نقله في سردهم عن التلقيح لابن الجوزي، وأن الشامي توقف فيه بأنه لم يره في نسختين من التلقيح، ويقوَّي ذلك ما في الروض من رواية أبي علي البغدادي: قدم وفد وطيء، فعقلوا رواحلهم بفناء المسجد، ودخلوا، وجلسوا قريبًا من النبي عَّه، حيث يسمعون صوته، فلما نظر عليه السلام إليهم، قال: إني خير لكم من العزى، ومن الجمل الأسود، الذي تعبدون من دون اللَّه، ومما حازت مناع من كل ضار غير نفاع، فقام زيد الخيل، وكان من أعظمهم خلقًا، وأحسنهم وجهًا وشعرًا، وكان يركب الفرس العظيم الطويل، فتخط رجلاه في الأرض كأنه حمار، فقال له النبي ◌َِّ، ولا يعرفه: ((الحمد لله الذي أتى بك من حزنك، وسهلك، وسهل قلبك للإِيمان))، ثم قبض على يده، فقال: ((من أنت))؟ فقال: أنا زيد الخيل بن مهلهل، أنا أشهد أن لا إله إلاَّ اللَّه، وأنك عبد اللَّه ورسوله، فقال له: ((بل أنت زيد الخير، ما خبرت عن رجل قط شيئًا إلاَّ رأيته دون ما خبرت عنه غیرك))، فبایعه وحسن إسلامه، اهـ. فعلى تقدير ثبوت كونه من المؤلفة، فيحتمل أنه نطق بالإسلام وفي قلبه شيء، ثم حسن ١٥٨ الوفد السادس: وفد وطىء وهو سيدهم، فعرض عليهم الإسلام فأسلموا وحسن إسلامهم. وقال عليه الصلاة والسلام: ما ذكر لي رجل من العرب بفضل ثم جاءني إلا رأيته دون ما يقال فيه إلا زيد الخيل، فإنه لم يبلغ كل ما فيه، ثم سماه زيد الخير. إسلامه لكي يمنع هذا التاريخ السابق، (وهو سيدهم). وقال أبو عمر: كان شجاعًا، خطيبًا، شاعرًا، کریمًا. قال ابن أبي حاتم: ليس يروى عنه حديث، وفي الصحيحين عن أبي سعيد: أن عليًا بعث للنبي عَ له بذهبية في أديم، فقسمها بين الأقرع وعيينة، وزيد الخيل، وعلقمة بن علاثة، ولعل هذا شبهة من قال إنه من المؤلفة، (فعرض عليهم الإسلام، فأسلموا، وحسن إسلامهم). زاد في الروض: وكتب لكل واحدٍ منهم على قومه إلاَّ وزر بن سدوس، فقال: إني أرى رجلاً تملك رقاب العرب، والله لا يملك رقبتي عربي أبدًا، ثم لحق بالشام، وتنصر وحلق رأسه، (وقال عليه الصلاة والسلام: ((ما ذكر لي رجل من العرب بفضل ثم جاءني، إلاَّ رأيته دون ما يقال فيه))،) لأن العادة جرت بالتجاوز في المدح (إلاَّ زيد الخيل فإنه لم يبلغ) . بضم أوله وفتح اللام. مبني للمجهول، ونائبه (كل ما فيه،) كما في النور، أي: لم ينقل عنه جميع الفضائل التي اتصف بها، ثم يحتمل لام يبلغ التخفيف من المجرد، والتثقيل من المزيد، فإن كان رواية، وإلا فيجوز بناؤه للفاعل، أي: لم يبلغ زيد في أوصافهم كل ما فيه في نفس الأمر، بل نقصوا منها، فكل منصوب على المفعولية أو على معنى لم يبلغنا كل ما اتصف به، بل بعضه، وإيهام أن المعنى لم يصل إلى كل ما اتصف به من الكمال بعيد، بل ممنوع إذ سياقه في المدح يأبى ذلك، وقد تقدم قريبًا أن المصطفى شافهه بذلك، ولا مانع من التعدد، (ثم سماه زيد الخير) . بالراء بدل اللام، وإنما قيل له: زيد الخيل لخمسه أفراس كانت لها أسماء أعلام يغيب عني حفظها الآن، قاله في الروض، ومعلوم أن وجه التسمية لا يطرد وإلاّ لسمى الزبرقان بن بدر زيد الخيل، فقد روى أنه وفد على عبد الملك بن مروان، وقاد إليه خمسة وعشرين فرسًا، ونسب كل واحد منها إلى آبائها وأمهاتها، وحلف على كل فرس يمينًا غير التي حلف بها على غيرها، فقال عبد الملك: عجبي من إختلاف إيمانه، أشد من عجبي بمعرفته بأنساب الخيل. وأخرج ابن شاهين وابن عدي، وضعفه من حديث سنين، مولى النبي عَّ ◌ُله، قال: كنا عند رسول اللَّه عَّة، فأقبل زيد الخيل راكبًا حتى أناخ راحلته، فقال: يا رسول اللَّه إني أتيتك من مسيرة تسع، أصهبت راحلتي، وأسهرت ليلي، وأطمأت نهاري، أسألك عن خصلتين أسهرتاني، فقال له النبي عَّه: ما اسمك؟ قال: أنا زيد الخيل، قال: ((بل أنت زير الخير، فاسأل))، فقال: أسألك عن علامة اللَّه تعالى فيمن يريد وعلامته فيمن لا يريد، فقال له عَ لّهِ: ((كيف أصبحت))؟ ١٥٩ الوفد السادس: وفد وطىء فخرج راجعًا إلى قومه، فقال عَِّ أن ينج زيد من حمى المدينة، فلما انتهى إلى ماء من مياه نجد أصابته الحمى فمات. قال ابن عبد البر: وقيل مات في آخر خلافة عمر. وله ابنان: مكتف قال: أصبحت أُحب الخير وأهله ومن يعمل به، وإن عملت به أيقنت بثوابه، وإن فاتني منه شيء حننت إليه، فقال له النبي عَّةٍ: ((هذه علامته فيمن يريد، وعلامته فيمن لا يريد ضد ذلك، ولو أرادك بالأخرى هيأك لها، ثم لم يبال من أي واد هلكت)). وفي لفظ: سلكت، وعند أهل السير: وأقطع عَّةٍ زيدًا فيدًا. بفتح الفاء، وسكون التحتية، ودال مهملة. اسم مكان وأرضين معه وكتب له بذلك. وفي الروض: اقطعه قرى كثيرة منها فدك، كذا قال: وأظنه مصحفًا من فيد، (فخرج راجعًا إلى قومه) هو ومن كان معه، وقد أعطى عليه السلام كل واحد منهم خمس أواق فضة، وأعطى زيد الخيل اثنتي عشرة أوقية ونشا، (فقال عَّه: إن ينج زيد من حمى المدينة) ببناء ينج للمفعول، وإن جازمة، أي: فإنه لا يعاب بسوء، كما قدره بعض أو لم يصبه ضررًا ونحو ذلك، أو نافية، أي: ما ينجو لكن لا يساعده الرسم، (فلما انتهى إلى ماء من مياه نجد،) يقال له: فردة بفتح الفاء والدال المهملة بينهما راء ساكنة، ثم تاء تأنيث. (أصابته الحمى،) فلما أحس بالموت قال: أمرتحل قومي المشارق غدوة وأترك في بيت بفردة منجد ألا رب يوم لو مرضت لعادني عوائد من لم يبر منهن يزهد (فمات،) وذكر ابن دريد أنه أقام بفردة ثلاثة أيام، ومات، فأقام عليه قبيصة بن الأسود المناحة سنة، ثم وجه براحلته ورحله، وفيها كتاب النبي عَّه، فلما رأت امرأته الراحلة ليس عليها زيد، ضرمتها بالنار، فاحترقت، فاحترق الكتاب. (قال ابن عبد البر: وقيل مات في آخر خلافة عمر،) وهذا يؤيد جعل إن جازمة لا نافية، وأنشد له وثيمة في الردة، قال: وبعث بهما إلى أبي بكر: أما تخشين اللَّه بيت أبي نصر فقد قام بالأمر الجلي أبو بكر نجى رسول اللَّه في الغار وحده وصاحبه الصديق في معظم الأمر قال في الإصابة: وهذا إن ثبت يدل على تأخر وفاته بعد النبي عَ ليه، (وله ابنان مكنف) - بضم الميم، وإسكان الكاف، وكسر النون وبالفاء. ١٦٠ الوفد السابع: وفد كنده وحريث، أسلما وصحبا رسول الله عَّمه وشهدا قتال أهل الردة مع خالد. الوفد السابع: وقدم عليه عَّةٍ وفد كنده في ثمانين أو ستين راكبًا من كنده، فدخلوا علیه مسجده، قال ابن حبان: أكبر ولد أبيه، وبه كان يكنى أسلم وحسن إسلامه، وذكره الدارقطني والطبري في الصحابة، واعتمده في الإصابة، ولم يعرج على إشارة الذهبي إلى أنه تابعي. وذكر الواقدي أنه ممن ثبت على الإسلام، وقاتل بني أسد لما ارتدوا مع طليحة، وأنشد له أُبیاتًا منها: ضلوا وغرهم طليحة بالمنى كذبًا وداعي ربنا لا يكذب لما رأونا بالفضاء كتائبًا ندعوا إلى رب الرسول ونرغب ولوا فرارًا والرماح تؤزهم وبكل وجه وجهوا يترقب (وحريث). بضم الحاء وآخره مثلثة، قال ابن عبد البر: ويقال له أيضًا الحرث (أسلما وصحبا رسول اللَّه عَلَّهِ، وشهدا قتال أهل الردة مع خالد) بن الوليد في خلافة الصديق، كما قاله ابن عبد البر وابن الكلبي. وذكر الواقدي أن حريثًا كان رسول النبي عَّه إلى يحنة بن رذبة وأهل أيلة، وقال وهو يقاتل أهل الردة: أنشده المرزباني: أنا حريث وابن زيد الخيل ولست بالنكس ولا الزميل ويقال: إن عبيد اللَّه الجعفي قتله مبارزة في حرب بينهما من جهة مصعب بن الزبير، ذكره في الإصابة. (الوفد السابع:) (وقدم عليه عٍَّ وفد كندة). بكسر الكاف وإسكان النون. قبيلة من اليمن، ينسبون إلى كندة، لقب جدهم ثور بن عفير (في ثمانين، أو ستين راكبًا من كندة،) إشارة إلى قول ابن سعد وفد الأشعث الكندي في ستين راكبًا من كندة سنة عشر، والأوّل رواه ابن إسحق عن الزهري، ويمكن الجمع بأن بعضهم اتباع، فلم يعد، (فدخلوا عليه مسجده،) منصوب على التوسع نحو: لتدخلن المسجد الحرام، أي: فيه، لأن ظرف المكان لا يكون إلاَّ مبهمًا كفرسخ، ويريد وليس شيء من مسجد ودار وبيت بمبهم، لأنه اسم لحصة معينة من المحل بالتحديد، وإن لم يعين المسجد ونحوه، لأنه يكفي التحديد بقدر كل، والفرق بين إبهام فرسخ وبريد في نحو قولهم: